← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1115

شرح بلوغ المرام - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 038 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

قال ابن رجب ﵀: وقد تكاثرت الأحاديث عن النبي ﷺ بالأمر بالاستعفاف عن مسألة الناس والاستغناء عنهم، فمن سأل الناس ما بأيديهم، كرهوه وأبغضوه، لأن المال محبوب لنفوس بني آدم، فمن طلب منهم ما يحبونه، كرهوه لذلك. وجاء في الحديث قوله ﷺ (وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ). قال السعدي: وهاتان الجملتان متلازمتان، فإن كمال العبد في إخلاصه لله رغبة ورهبة وتعلقاً به دون المخلوقين، فعليه أن يسعى لتحقيق هذا الكمال، ويعمل كل سبب يوصله إلى ذلك، حتى يكون عبداً لله حقاً حراً من رق المخلوقين، وذلك بأن يجاهد نفسه على أمرين: انصرافها عن التعلق بالمخلوقين بالاستعفاف عما في أيديهم، فلا يطلبه بمقاله ولا بلسان حاله، ولهذا قال ﷺ لعمر (ما أتاك من هذا المال وأنت غير مشْرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك) فقطع الإشراف في القلب والسؤال باللسان، تعففاً وترفعاً عن من الخلق، وعن تعلق القلب بهم، سبب قوي لحصول العفة. وتمام ذلك: أن يجاهد نفسه على الأمر الثاني: وهو الاستغناء بالله والثقة بكفايته، فإنه من يتوكل على الله فهو حسبه، وهذا هو المقصود، والأول وسيلة إلى هذا. وقال ﷺ (اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى) رواه مسلم. اذكر فضائل العفة؟ أولاً: أنّها من خصال أهل الإيمان: قال تعالى (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ. والَذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِين). ثانياً: أنّها من أسباب الفوز بظلّ الله يوم القيامة. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَال (سبعةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاه). متفق عليه ثالثاً: أنّ أهل العفّة ينالون عون الله. ففي سنن التّرمذي وغيره عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ (ثلاثةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُم: الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الْأَدَاءَ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَاف) رواه الترمذي. رابعاً: أن النبي ﷺ كان يدعو بها. عن ابن مسعود قال (كان النبي ﷺ يدعو: اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى) رواه مسلم.

стр. 2837

خامساً: أنّها من أسباب سعادة المرء. كما قال بعض السّلف: والله للذّة العفّة أعظم من لذّة الذّنب. وقال الغزالي: ولا معيشة أهنأ من العفّة، ولا عبادة أحسن من الخشوع، ولا زهد خير من القنوع، ولا حارس أحفظ من الصمت، ولا غائب أقرب من الموت. قال حكيم: إذا أراد الله بعبد خيراً ألهمه الطاعة، وألزمه القناعة، وأكساه العفاف. عن وهب بن منبه أنّه قال: الإيمان عريان ولباسه التقوى، وزينته الحياء، وماله العفّة. وقال الحسن: لا تزالُ كريماً على الناس ما لم تَعاطَ ما في أيديهم، فإذا فعلتَ ذلك استخفُّوا بكَ، وكرهوا حديثك، وأبغضوك. وقال أيوب السَّختياني: لا يَنْبُلُ الرجلُ حتى تكونَ فيه خصلتان: العفَّةُ عمَّا في أيدي الناس، والتجاوزُ عمّا يكون منهم. وقال أعرابيٌّ لأهل البصرة: من سيِّدُ أهل هذه القرية؟ قالوا: الحسن. قال: بما سادهم؟ قالوا: احتاجَ الناسُ إلى علمه، واستغنى هو عن دنياهم. قال ابن القيم: أعظم الناس خذلاناً من تعلق بغير الله، فإن ما فاته من مصالحه وسعادته وفلاحه أعظم مما حصل له ممن تعلق به، وهو معرض للزوال والفوات، ومثل المتعلق بغير الله كمثل المستظل من الحر والبرد ببيت العنكبوت أوهن البيوت. ما كيفية السبيل إلى التعلق بالله والتعفف عن الناس؟ أولاً: بالصبر ومجاهدة النفس. لحديث (ومن يستعفف يعفَّه الله، ومن يستغن يغنِه الله). ثانياً: بالدعاء. فقد كان النبي ﷺ يقول (اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى).

стр. 2838

١٤٧٤ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ (إِنَّ اَللَّهَ يُحِبُّ اَلْعَبْدَ اَلتَّقِيَّ، اَلْغَنِيَّ، اَلْخَفِيَّ) أَخْرَجَهُ مُسْلِم. === ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد محبة الله لمن كان متصفاً بهذه الصفات. أولاً: أن يكون تقياً. والتقي: من كان قائماً بأوامر الله مجتنباً لنواهيه. قال الصنعاني: والتقي هو الآتي بما يجب عليه المجتنب لما يحرم عليه. قال تعالى (إن الله يحب المتقين). ثانياً: أن يكون غنياً. قال النووي: الْمُرَاد بِالْغِنَى غِنَى النَّفْس، هَذَا هُوَ الْغِنَى الْمَحْبُوب لِقَوْلِهِ ﷺ (وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْس) وَأَشَارَ الْقَاضِي إِلَى أَنَّ الْمُرَاد الْغِنَى بِالْمَال. وقال المناوي: (الغني) غنى النفس كما جزم به في الرياض وهو الغني المحبوب، وأشار البيضاوي وعياض والطيبي إلى أن المراد غنى المال، والمال غير محذور لعينه بل لكونه يعوق عن الله، فكم من غني لم يشغله غناه عن الله، وكم من فقير شغله فقره عن الله، فالتحقيق أنه لا يطلق القول بتفضيل الغني على الفقير وعكسه. كيف يحصل غنى النفس؟ وغنى النفس إنما ينشأ عن الرضا بقضاء الله تعالى والتسليم لأمره؛ علمًا بأن الذي عند الله خير وأبقى، قال ابن حجر: «وإنما يحصل غنى النفس بغنى القلب؛ بأن يفتقر إلى ربه في جميع أموره؛ فيتحقق أنه المعطي المانع؛ فيرضى بقضائه، ويشكره على نعمائه، ويفزع إليه في كشف ضرائه، فينشأ عن افتقار القلب لربه غنى نفسه عن غير ربه تعالى» ثالثاً: أن يكون خفياً. قال ابن الأثير: الخفي هو المعتزل عن الناس، الذي يُخفي عليهم مكانه. قال النووي: (الخفي) فَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، هَذَا هُوَ الْمَوْجُود فِي النُّسَخ، وَالْمَعْرُوف فِي الرِّوَايَات، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ بَعْض رُوَاة مُسْلِم رَوَاهُ بِالْمُهْمَلَةِ. فَمَعْنَاهُ بِالْمُعْجَمَةِ الْخَامِل الْمُنْقَطِع إِلَى الْعِبَادَة وَالِاشْتِغَال بِأُمُورِ نَفْسه. وَمَعْنَاهُ بِالْمُهْمَلَةِ الْوُصُول لِلرَّحِمِ، اللَّطِيف بِهِمْ وَبِغَيْرِهِمْ مِنْ الضُّعَفَاء، وَالصَّحِيح بِالْمُعْجَمَةِ.

стр. 2839

وقال المناوي: (الخفي) بخاء معجمة، أي: الخامل الذكر المعتزل عن الناس الذي يخفي عليهم مكانه ليتفرغ للتعبد. وقال ابن الجوزي ﵀: الإشارة بالخفي إلى خمول الذكر، والغالب على الخامل السلامة. وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: (الخفي) هو الذي لا يظهر نفسه، ولا يهتم أن يظهر عند الناس أو يشار إليه بالبنان أو يتحدث الناس عنه، تجده من بيته إلى المسجد، ومن مسجده إلى بيته، ومن بيته إلى أقاربه وإخوانه، يخفي نفسه. وقال الفضيل بن عياض ﵀: إن قدرت أن لا تُعرف فافعل، وما عليك ألا تعرف؟ وما عليك ألا يثنى عليك؟ وما عليك أن تكون مذموما عند الناس إذا كنت محمودا عند الله ؟ اذكر بعض ما ورد في فضل الخمول وعدم الشهرة؟ وقال أيوب السختياني: والله ما صدق الله عبد إلا سره أن لا يُشعر بمكانه. وقال إبراهيم بن أدهم: ما صدق الله عبد أحب الشهرة. قال الذهبي معلقًا عليه: علامة المخلص الذي قد يحب شهرة، ولا يشعر بها، أنه إذا عوتب في ذلك لا يحرد (أي: لا يغضب)، ولا يُبرئ نفسه، بل يعترف ويقول: رحم الله من أهدى إلي عيوبي، ولا يكن معجبًا بنفسه، لا يشعر بعيوبها، فإن هذا داء مزمن. وقال المروذي: قال لي أحمد: قل لعبد الوهاب: أخمل ذكرك فإني قد بُليت بالشهرة. قال محمد بن الحسن بن هارون: رأيت أبا عبد الله إذا مشى في الطريق يكره أن يتبعه أحد. وقال سليم بن حنظلة: بينا نحن حول أُبي بن كعب نمشي خلفه، إذ رآه عمر فعلاه بالدرة فقال: انظر يا أمير المؤمنين ما تصنع؟ فقال: إن هذه ذلة للتابع، وفتنة للمتبوع. وقال الثوري: كانوا يكرهون الشهرة من الثياب الجيدة، والثياب الرديئة إذ الأبصار تمتد إليهما جميعًا. وقال رجل لبشر بن الحارث: أوصني، فقال: أخمل ذكرك، وطيب مطعمك. قال الذهبي: إيثار الخمول، والتواضع، وكثرة الوجل، من علامات التقوى والفلاح. اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ بيان أن التقوى سبب لمحبة الله. فضل الاستغناء عن الناس. لا يستغني الإنسان عن الناس إلا وثق بربه وبعطائه وكرمه. الحث على الخمول.

стр. 2840

١٤٧٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ اَلْمَرْءِ، تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ) رَوَاهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَسَن. === (من حسن) أي من كمال وجمال. (إسلام المرء) أي استسلامه وانقياده. (تركه) يشمل الأقوال والأعمال. (ما لا يعنيه) أي: ما لا تتعلق به عنايته ويهتم به. ما صحة حديث الباب؟ ضعيف. اذكر عظم منزلة هذا الحديث؟ هذا الحديث عظيم، وهو أصل كبير في تأديب النفس وتهذيبها، وصيانتها عن الرذائل والنقائص، وترك ما لا جدوى فيه ولا نفع. قال ابن رجب ﵀: هذا الحديث أصل من أصول الأدب. قال حمزة الكناني ﵀: هذا الحديث ثلث الإسلام. قال ابن عبد البر ﵀: كلامه هذا ﷺ من الكلام الجامع للمعاني الكثيرة الجليلة في الألفاظ القليلة، وهو ما لم يقُلْه أحد قبله، والله أعلم. قال ابن حجر الهيتمي ﵀: وهذا الحديث ربع الإسلام على ما قاله أبو داود، وأقول: بل هو نصف الإسلام، بل هو الإسلام كله. وذكر الصنعاني ﵀: أن هذا الحديث من جوامع الكلم النبوية، يعمُّ الأقوال، ويعمُّ الأفعال. ما المراد بالإسلام في الحديث؟ المراد بالإسلام هنا اسم لجميع شرائع الدين الظاهرة والباطنة. وله مرتبتان: الأولى: مطلق الإسلام. وهو القدر الذي يثبت به عقد الإسلام، فمتى التزم به العبد صار مسلماً داخلاً في جملة أهل القبلة، وحقيقته: التزام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله والقيام بحقوقهما. والأخرى: حسن الإسلام. وحقيقته: امتثال شرائع الإسلام ظاهراً وباطناً باستحضار مشاهدة الله أو مراقبته للعبد. وهذا القيام تحقق بمرتبة الإحسان المذكورة في حديث جبريل المتقدم. وحديث الباب يتعلق بالمرتبة الثانية.

стр. 2841

ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد أن من حسن وكمال إيمان الإنسان تركه ما لا يهمه ولا يعنيه في دنياه وآخرته من أقوال أو أعمال. والذي لا يعني العبد: هو ما لا يحتاج إليه في القيام بما أمِرَ به من عبادة الله. والذي لا يعني العبد أفراده كثيرة لكن يمكن ردها إلى أربعة أصول: أولها: المحرمات، وثانيها: المكروهات، وثالثها: المشتبهات لمن لم يتبينها، ورابعها: فضول المباحات وهي ما زاد عن حاجة العبد منها. قال ابن رجب: وإذا حسُن الإسلام اقتضى ترك ما لا يعني كله من المحرمات والمشتبهات والمكروهات وفضول المباحات التي لا يحتاج إليها، فإن هذا كله لا يعني المسلم، إذا كمُل إسلامه وبلغ إلى درجة الإحسان، وهو أن يعبد الله تعالى كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإن الله يراه، فمن عبد الله عن استحضار قربه ومشاهدته بقلبه أو على استحضار قرب الله منه واطلاعه عليه، فقد حسن إسلامه ولزم من ذلك أن يترك كل ما لا يعنيه في الإسلام، ويشتغل بما يعنيه فيه، فإنه يتولد من هذين المقامين الاستحياء من الله، وترك كل ما يستحيى منه. وقال ابن القيم: قد جمع النبي ﷺ الورع كله في كلمة واحدة فقال (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) فهذا يعم الترك لما لا يعني: من الكلام، والنظر، والاستماع، والبطش، والمشي، والفكر، وسائر الحركات الظاهرة والباطنة، فهذه الكلمة كافية شافية في الورع. قال ابن تيمية ﵀: ولا سيما كثرة الفضول فيما ليس بالمرء إليه حاجة من أمر دين غيره ودنياه. وقال الشيخ عبدالرحمن السعدي ﵀: إن من لم يترك ما لا يعنيه، فإنه مسيء في إسلامه. اذكر بعض أقوال السلف؟ قال الغزالي: علاج ترك ما لا يعني أن يعلم أن الموت بين يديه، وأنه مسؤول عن كل كلمة تكلم بها، وأن أنفاسه رأس ماله، وأن لسانه شبكته يقدر على أن يقتنص - أي يصطاد- بها الحور العين، فإهماله وتضييعه فيما لا يعنيه خسران مبين. وقال الحسن: من علامة إعراض الله عن العبد أن يجعل شغله فيما لا يعنيه. وقال معروف الكرخي: كلام العبد فيما لا يعنيه خذلان من الله تعالى. وقال مالك بن دينار: إذا رأيت قساوة في قلبك، وضعفاً في بدنك، وحرماناً في رزقك، فاعلم أنك قد تكلمت فيما لا يعنيك. وقيل للقمان: ما بلغ بك ما نرى؟ قال: صدق الحديث، وأداء الأمانة، وترك ما لا يعنيني. وقال يونس بن عبيد: ترك كلمة فيما لا يعني أفضل من صوم يوم. وقال الشافعي: ثلاثة تزيد في العقل: مجالسة العلماء، ومجالسة الصالحين، وترك الكلام فيما لا يعني. وقال أيضاً: من أراد أن ينور الله قلبه فليترك الكلام فيما لا يعنيه.

стр. 2842

ماذا نستفيد من الحديث بالمفهوم؟ أن من لم يترك ما يعنيه فإسلامه ليس بحسن. وأكثر ما يراد بترك ما لا يعني حفظ اللسان من لغو الكلام. كما في قوله تعالى (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ). وقال تعالى (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ). وقال تعالى (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ). قال بعض العارفين: إذا تكلمت فاذْكر سمع الله لك، وإذا سكت فاذكر نظره إليك. اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - ينبغي للمسلم أن ينشغل بما يعنيه وينفعه. - اغتنام الحياة بالعمل الصالح. - أن الإيمان يزيد وينقص. - ينبغي للإنسان أن يدع ما لا يعنيه؛ لأن ذلك أحفظ لوقته، وأسلم لدينه. - ترك اللغو والفضول دليل على كمال إسلام المرء. - الحث على استثمار الوقت بما يعود على العبد بالنفع. - البُعد عن سفاسف الأمور ومرذولها. - التدخل فيما لا يعني يؤدي إلى الشقاق بين الناس. - الحديث أصل عظيم للكمال الخلقي، وزينة للإنسان بين ذويه وأقرانه.

стр. 2843

١٤٧٦ - وَعَنْ اَلْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَا مَلَأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ) أَخْرَجَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. === (شَرًّا مِنْ بَطْنٍ) أي: أشد ضرراً عليه من ملء بطنه. ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد ذم الشبع. قال الصنعاني: الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى ذَمِّ التَّوَسُّعِ فِي الْمَأْكُولِ وَالشِّبَعِ وَالِامْتِلَاءِ، وَالْإِخْبَارُ عَنْهُ بِأَنَّهُ شَرٌّ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ الدِّينِيَّةِ، وَالْبَدَنِيَّةِ، فَإِنَّ فُضُولَ الطَّعَامِ مَجْلَبَةٌ لِلسَّقَامِ وَمُثَبِّطَةٌ عَنْ الْقِيَامِ بِالْأَحْكَام. يقول النبي ﷺ (مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلاتٍ يُقِمْنِ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لاْ مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ). وعَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَأْكُلُ حَتَّى يُؤْتَى بِمِسْكِينٍ يَأْكُلُ مَعَهُ، فَأَدْخَلْتُ رَجُلًا يَأْكُلُ مَعَهُ، فَأَكَلَ كَثِيرًا، فَقَالَ: يَا نَافِعُ! لَا تُدْخِلْ هَذَا عَلَيَّ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُول (المُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ) رواه البخاري ومسلم. يقول النووي في شرح هذا الحديث: قال العلماء: ومقصود الحديث التقليل من الدنيا، والحث على الزهد فيها والقناعة، مع أن قلة الأكل من محاسن أخلاق الرجل، وكثرة الأكل بضده، وأما قول ابن عمر فى المسكين الذى أكل عنده كثيرا: " لا يدخلن هذا علي "، فإنما قال هذا لأنه أشبه الكفار، ومن أشبه الكفار كرهت مخالطته لغير حاجة أو ضرورة؛ ولأن القدر الذى يأكله هذا يمكن أن يسد به خلة جماعة " انتهى. اذكر بعض الأقوال في ذم الشبع؟ الشّبَع مذموم، فهو يكسل عن العبادة، فعلى العبد أن لا يكثر الأكل والشرب حتى لا يغلبه النوم ويثقل عليه القيام. ولذلك قيل: لا تأكل كثيراً، فتشرب كثيراً، فتنام كثيراً، فتتحسر كثيراً؟ وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال (إن أهل الشبع في الدنيا هم أهل الجوع في الآخرة). قال عمر: إياكم والبطنة، فإنها ثقل في الحياة ونتن في الممات. وقال لقمان لابنه: يا بني! إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة، وقعدت الأعضاء عن العبادة. وقال أبو سليمان الداراني: من شبع دخل عليه ست آفات: فقْد حلاوة المناجاة، وتعذر عليه حفظ الحكمة، وحرمان الشفقة على الخلْق، لأنه إذا شبع ظن الخلق كلهم شباعاً، وثقل العبادة، وزيادة الشهوات. وقال أيضاً: إنَّ النفس إذا جاعت وعطشت، صفا القلب ورقَّ، وإذا شبعت ورويت، عمي القلبُ.

стр. 2844

وقال: مفتاحُ الدنيا الشبع، ومفتاح الآخرة الجوع، وأصلُ كلِّ خير في الدنيا والآخرة الخوف من الله. وقال محمد بن واسع: من قلّ طُعْمه فهِم وأفْهم وصفَى ورقّ. وقال عمرو بن قيس: إياكم والبطنة، فإنها تقسي القلب. وقال الحسن البصري: كانت بلية أبيكم آدم أكلة، وهي بليتكم إلى يوم القيامة. وقد قيل: إذا أردت أن يصح جسمك ويقل نومك فأقلل من الأكل. وقال إبراهيم بن أدهم: من ضبط بطنه ضبط دينه. وقال الفضيل: خصلتان تقسيان القلب: كثرة الأكل وكثرة النوم. وقال مالك بن دينار قال: ما ينبغي للمؤمن أنْ يكونَ بطنه أكبرَ همه، وأنْ تكونَ شهوته هي الغالبة عليه. وقال عبد العزيز بن أبي رواد: كان يُقال: قِلة الطعام عونٌ على التسرُّع إلى الخيرات. وعن قثم العابد قال: كان يُقال: ما قلَّ طعمُ امرئٍ قطُّ إلا رقَّ قلبه، ونديت عيناه. وقال الشافعي: ما شبعتُ منذ ستَّ عشرةَ سنة إلا شبعة اطرحتها؛ لأنَّ الشبع يُثقِلُ البدن، ويُزيل الفطنة، ويجلب النوم، ويضعف صاحبه عن العبادة. وقَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ إذَا امْتَلَأَتْ الْمِعْدَةُ نَامَتْ الْفِكْرَةُ وَخَرِسَتْ الْحِكْمَةُ وَقَعَدَتْ الْأَعْضَاءُ عَنْ الْعِبَادَة. قَالَ ذُو النُّونِ: مَا شَبِعْت قَطُّ إلَّا عَصَيْت أَوْ هَمَمْت بِمَعْصِيَةٍ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: أَوَّلُ بِدْعَةٍ حَدَثَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الشِّبَعُ. اذكر بعض فوائد الجوع؟ قال ابن رجب: وأما منافِعُه بالنسبة إلى القلب وصلاحه، فإنَّ قلةَ الغذاء توجب رِقَّة القلب، وقوَّة الفهم، وانكسارَ النفس، وضعفَ الهوى والغضب، وكثرةُ الغذاء توجب ضدَّ ذلك. وقال الصنعاني: … فَفِي الْجُوعِ صَفَاءُ الْقَلْبِ وَإِيقَادُ الْقَرِيحَةِ وَنَفَاذُ الْبَصِيرَةِ، فَإِنَّ الشِّبَعَ يُورِثُ الْبَلَادَةِ وَيُعْمِي الْقَلْبَ وَيُكْثِرُ الْبُخَارَ فِي الْمَعِدَةِ وَالدِّمَاغِ كَشَبَهِ السُّكْرِ حَتَّى يَحْتَوِيَ عَلَى مَعَادِنِ الْفِكْرِ فَيَثْقُلُ الْقَلْبُ بِسَبَبِهِ عَنْ الْجَرَيَانِ فِي الْأَفْكَارِ وَمِنْ فَوَائِدِهِ كَسْرُ شَهْوَةِ الْمَعَاصِي كُلِّهَا وَالِاسْتِيلَاءُ عَلَى النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ، فَإِنَّ مَنْشَأَ الْمَعَاصِي كُلِّهَا الشَّهَوَاتُ. وَيُقَالُ: الْجُوعُ خِزَانَةٌ مِنْ خَزَائِنِ اللَّهِ وَأَوَّلُ مَا يَنْدَفِعُ بِالْجُوعِ شَهْوَةُ الْفَرْجِ وَشَهْوَةُ الْكَلَامِ، فَإِنَّ الْجَائِعَ لَا تَتَحَرَّكُ عَلَيْهِ شَهْوَةُ فُضُولِ الْكَلَامِ، فَيَتَخَلَّصُ مِنْ آفَاتِ اللِّسَانِ، وَلَا يَتَحَرَّكُ عَلَيْهِ شَهْوَةُ الْفَرْجِ فَيَخْلُصُ مِنْ الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ. وَمِنْ فَوَائِدِهِ قِلَّةُ النَّوْمِ، فَإِنَّ مَنْ أَكَلَ كَثِيرًا شَرِبَ كَثِيرًا، فَنَامَ طَوِيلًا وَفِي كَثْرَةِ النَّوْمِ خُسْرَانُ الدَّارَيْنِ وَفَوَاتُ كُلِّ مَنْفَعَةٍ دِينِيَّةٍ وَدُنْيَوِيَّة.

стр. 2845

١٤٧٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ اَلْخَطَّائِينَ اَلتَّوَّابُونَ) أَخْرَجَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَسَنَدُهُ قَوِيٌّ .. === ما صحة حديث الباب؟ سنده قوي كما قال المصنف ﵀. وقد ضعف الحديث جماعة. ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد أنه لا يسلم أحد من الخطأ والذنب، لكن أفضل هؤلاء من يتوب ويرجع إلى الله. وقد قال ﷺ (لو لم تذنبوا لذهب بكم ولجاء بقوم … ). وقد قال تعالى (يا عبادي إنكم تذنبون بالليل … ). ما الحكمة من وقوع الإنسان في المعصية؟ قال ابن تيمة: وإذا ابتلى العبد بالذنب، وقد علم أنه سيتوب منه ويتجنبه، ففي ذلك من حكمة الله ورحمته بعبده: أن ذلك يزيده عبودية وتواضعاً وخشوعاً وذلاً ورغبة في كثرة الأعمال الصالحة ونفرة قوية عن السيئات، فإن النبي ﷺ قال (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين). وذلك أيضاً يدفع عنه العُجب والخيلاء ونحو ذلك مما يعرض للإنسان. وهو أيضاً يوجب الرحمة لخلق الله ورجاء التوبة والرحمة لهم إذا أذنبوا وترغيبهم في التوبة. وهو أيضاً يبين من فضل الله وإحسانه وكرمه ما لا يحصل بدون ذلك، كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم). وهو أيضاً يبين قوة حاجة العبد إلى الاستعانة بالله والتوكل عليه واللجأ إليه في أن يستعمله في طاعته ويجنبه معصيته، وأنه لا يملك ذلك إلا بفضل الله عليه وإعانته له، فإن من ذاق مرارة الابتلاء وعجزه عن دفعه إلا بفضل الله ورحمته، كان شهود قلبه وفقره إلى ربه واحتياجه إليه في أن يعينه على طاعته ويجنبه معصيته أعظم ممن لم يكن كذلك. ولهذا قال بعضهم كان داود ﷺ بعد التوبة خيراً منه قبل الخطيئة. وقال بعضهم لو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه. ولهذا تجد التائب الصادق أثبت على الطاعة وأرغب فيها وأشد حذرا من الذنب من كثير من الذين لم يبتلوا بذنب.

стр. 2846

وقد تكون التوبة موجبة له من الحسنات ما لا يحصل لمن يكن مثله تائباً من الذنب، كما في الصحيحين من حديث كعب بن مالك ﵁ وهو أحد الثلاثة الذين أنزل الله فيهم (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) ثم قال (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)، وإذا ذكر حديث كعب في قضية تبين أن الله رفع درجته بالتوبة. ٢/ ٤٣١ - ٤٣٣ وقال ابن القيم في طريق الهجرتين مبيناً الحكمة في ذلك: السابع: مشهد الحكمة: هو أن يشهد حكمة الله في تخليته بينه وبين الذنب، وإقداره عليه، وتهيئته أسبابه له، وأنه لو شاء لعصمه، وحال بينه وبينه، ولكنه خلى بينه وبينه لحكم عظيمة، لا يعلم مجموعها إلا الله: أحدها: أنه يحب التَّوابين ويفرح بتوبتهم، فلمحبته للتوبة وفرحه بها، قضى على عبده بالذنب، ثم إذا كان ممن سبقت له العناية: قضى له بالتوبة. الثاني: تعريف العبد عزة الله سبحانه في قضائه ونفوذ مشيئته وجريان حكمه. الثالث: تعريفه حاجته إلى حفظه وصيانته، وأنه إن لم يحفظه ويصنه فهو هالك ولا بد، والشياطين قد مدت أيديها إليه تمزقه كل ممزق. الرابع: استجلابه من العبد استعانته به، واستعاذته به من عدوه، وشر نفسه، ودعاءه، والتضرع إليه، والابتهال بين يديه. الخامس: إرادته من عبده تكميل مقام الذل والانكسار، فإنه متى شهد صلاحه واستقامته، شمخ بأنفه وظن أنه وأنه .. فإذا ابتلاه بالذنب: تصاغرت عنده نفسه، وذلّ، وتيقن، وتمنى أنه وأنه. السادس: تعريفه بحقيقة نفسه، وأنها الخطاءة الجاهلة، وأن كل ما فيها من علم أو عمل أو خير: فمن الله، منَّ به عليه، لا من نفسه. السابع: تعريفه عبده سعة حلمه، وكرمه في ستره عليه، فإنه لو شاء لعاجله على الذنب، ولهتكه بين عباده، فلم يَصْفُ له معهم عيش. الثامن: تعريفه أنه لا طريق إلى النجاة إلا بعفوه، ومغفرته. التاسع: تعريفه كرمه في قبول توبته، ومعرفته له، على ظلمه وإساءَته. العاشر: إقامة الحجة على عبده، فإن له عليه الحجة البالغة، فإن عذبته فبعدله وببعض حقه عليه بل اليسير منه. الحادي عشر: أن يعامل عباده في إساءتهم إليه وزلاتهم معه، بما يحب أن يعامله الله به، فإن الجزاء من جنس العمل، فيعمل في ذنوب الخلق معه، ما يحب أن يصنعه الله بذنوبه.

стр. 2847

الثاني عشر: أن يقيم معاذير الخلائق وتتسع رحمته لهم، مع إقامة أمر الله فيهم، فيقيم أمره فيهم رحمة لهم، لا قسوة وفظاظة عليهم. الثالث عشر: أن يخلع صولة الطاعة والإحسان من قلبه، فتتبدل برقة ورأفة ورحمة. الرابع عشر: أن يعريه من رداءِ العجب بعمله، كما قال النبي ﷺ : "لَوْ لَمْ تُذّنِبُوا، لَخِفْتُ عَلَيْكُمْ مَا هُوَ أَشدُّ مِنْهُ؛ الخامس عشر: أن يعريه من لباس الإدلال الذي يصلح للملوك، ويلبسه لباس الذل الذي لا يليق بالعبد سواه. السادس عشر: أن يستخرج من قلبه عبوديته بالخوف والخشية، وتوابعهما من البكاء والإشفاق والندم. السابع عشر: أن يعرف مقداره، مع معافاته وفضله في توفيقه وعصمته، فإن من تربى في العافية، لا يعرف ما يقاسيه المبتلى ولا يعرف مقدار العافية. الثامن عشر: أن يستخرج منه محبته وشكره لربه إذا تاب إليه ورجع إليه، فإن الله يحبه ويوجب له بهذه التوبة مزيد محبة وشكر ورضا، لا يحصل بدون التوبة، وإن كان يحصل بغيرها من الطاعات أثر آخر، لكن هذا الأثر الخاص لا يحصل إلا بالتوبة. التاسع عشر: أنه إذا شهد إساءته وظلمه، واستكثر القليل من نعمة الله، لعلمه بأن الواصل إليه منها كثير، على مسيء مثله، فاستقل الكثير من عمله، لعلمه بأن الذي يصلح له أن يغسل به نجاسته وذنوبه: أضعاف، أضعاف ما يفعله؛ فهو دائماً مستقل لعمله كائناً ما كان، ولو لم يكن في فوائد الذنب وحكمه إلا هذا وحده لكان كافياً. العشرون: أنه يوجب له التيقظ والحذر من مصايد العدو ومكايده، ويعرفه من أين يدخل عليه، وبماذا يحذر منه، كالطبيب الذي ذاق المرض والدواء. الثاني والعشرون: أنه يرفع عنه حجاب الدعوى، ويفتح له طريق الفاقة، فإنه لا حجاب أغلظ من الدعوى، ولا طريق أقرب من العبودية، فإن دوام الفقر إلى الله مع التخليط خير من الصفاءِ مع العجب. الثالث والعشرون: أن تكون في القلب أَمراض مزمنة لا يشعر بها، فيطلب دواءَها، فيَمُن عليه اللطيف الخبير، ويقضي عليه بذنب ظاهر، فيجد أَلم مرضه، فيحتمى، ويشرب الدواءَ النافع، فتزول تلك الأمراض التي لم يكن يشعر بها. ما شروط التوبة؟ أحَدُها: أنْ يُقلِعَ عَنِ المَعصِيَةِ. قال ابن القيم: فتستحيل التوبة مع مباشرة الذنب. والثَّانِي: أَنْ يَنْدَمَ عَلَى فِعْلِهَا. قال ابن القيم: فأما الندم، فإنه لا تتحقق التوبة إلا به، إذ من لم يندم على القبيح فذلك دليل على رضاه به، وإصراره عليه، وفي المسند (الندم توبة). والثَّالثُ: أنْ يَعْزِمَ أَنْ لا يعُودَ إِلَيْهَا أَبَداً. فَإِنْ فُقِدَ أَحَدُ الثَّلاثَةِ لَمْ تَصِحَّ تَوبَتُهُ. يعزم عزماً مؤكداً أن لا يعود إليها مرة أخرى في المستقبل.

стр. 2848

اذكر فضائل التوبة؟ أولاً: أنها سبب لمحبة الله. قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ). ثانياً: أنها طاعة ومرادة لله تعالى. قال تعالى (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ). ثالثاً: أن التوبة سبب الفلاح، والفوز بسعادة الدارين: قال تعالى (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فالقلب لا يصلح، ولا يفلح، ولا يتلذذ، ولا يسر، ولا يطيب، ولا يسكن، ولا يطمئن إلا بعبادة ربه وحبه، والإنابة إليه. رابعاً: بالتوبة تكفر السيئات: فإذا تاب العبد توبة نصوحاً كفَّر الله بها جميع ذنوبه وخطاياه. قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ). خامساً: بالتوبة تبدل السيئات حسنات: فإذا حسُنت التوبة بدَّل الله سيئات صاحبها حسنات. قال تعالى (إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً). وهذا من أعظم البشارة للتائبين إذا اقترن بتوبتهم إيمان وعمل صالح. قال ابن عباس ﵄ ما رأيت النبي ﷺ فَرِحَ بشيء فَرَحَهُ بهذه الآية لما أنزلت، وفرحه بنزول (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً. لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ). سادساً: التوبة سبب للمتاع الحسن، ونزول الأمطار، وزيادة القوة، والإمداد بالأموال والبنين. قال تعالى (وَأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ). وقال تعالى على لسان هود ﵇ (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِين). وقال على لسان نوح ﵇ (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً. يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً). سابعاً: سبب لفرح الله تعالى. عن أنس. قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ (للهُ أفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ سَقَطَ عَلَى بَعِيرهِ وقد أضلَّهُ في أرضٍ فَلاةٍ) مُتَّفَقٌ عليه.

стр. 2849

١٤٧٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اَلصَّمْتُ حِكْمَةٌ، وَقَلِيلٌ فَاعِلُهُ) أَخْرَجَهُ اَلْبَيْهَقِيُّ فِي" اَلشُّعَبِ" بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ. وَصَحَّحَ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ مِنْ قَوْلِ لُقْمَانَ اَلْحَكِيمِ. === ما صحة حديث الباب؟ لا يصح كما قال المصنف ﵀. ما تعريف الصمت؟ قال الكفوي: والصمت إمساك عن قوله الباطل دون الحق. السكوت إمساك عن الكلام حقًّا كان أو باطلًا، أما الصمت فهو إمساك عن قول الباطل دون الحق. ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد فضل الصمت، وأنه من الحكمة. ما المراد بالصمت في الحديث؟ المراد الصمت المحمود، وهو الصمت عن الباطل. قال ابن عبد البر: وإنما الصمت المحمود الصمت عن الباطل. وقال العيني: الصمت المباح المرغوب فيه ترك الكلام الباطل، وكذا المباح الذي يجرُّ إلى شيء من ذلك. وليعلم أن الكلام الصادر من الإنسان ينقسم إلى أقسام: الأول: أن يكون خيراً، فإنه يقوله بعد تفكر وتأمل. الثاني: أن يكون شراً، فإنه لا يقوله. الثالث: أن يكون مباحاً، فالصمت أفضل، لأنه قد يجر الكلام المباح إلى حرام. قال ابن عبد البر: الكلام بالخير من ذكر الله وتلاوة القرآن وأعمال البر أفضل من الصمت، وكذلك القول بالحق كله، والإصلاح بين الناس وما كان مثله. وقال أيضًا: مما يبين لك أنَّ الكلام بالخير والذكر أفضل من الصمت أن فضائل الذكر الثابتة في الأحاديث عن النبي ﷺ لا يستحقها الصامت. وقال النيسابوري: والإنصاف أن الصمت في نفسه ليس بفضيلة، لأنَّه أمر عدمي، والنطق في نفسه فضيلة، وإنما يصير رذيلة لأسباب عرضية مما عددها ذلك القائل، فيرجع الحق إلى ما قاله النبي ﷺ : رحم الله امرأً قال خيرًا فغنم، أو سكت فسلم. وقال علي بن أبي طالب: لا خير في الصمت عن العلم، كما لا خير في الكلام عن الجهل. وقال ابن تيمية: فالتكلم بالخير خير من السكوت عنه، والصمت عن الشر خير من التكلم به، فأما الصمت الدائم فبدعة منهي عنها.

стр. 2850

اذكر ما ورد في فضل الصمت؟ من علامات الإيمان بالله واليوم الآخر أن يقول خيراً أو ليسكت. عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ) متفق عليه. ومن أسباب النجاة. قال ﷺ (من صمت نجا) رواه الترمذي. قال القاري: من صمت): أي: سكت عن الشرِّ. (نجا): أي: فاز وظفر بكل خير، أو نجا من آفات الدارين. قال الغزالي: (من تأمل جميع … آفات اللسان علم أنه إذا أطلق لسانه لم يسلم، وعند ذلك يعرف سر قوله ﷺ : (من صمت نجا) لأن هذه الآفات كلها مهالك ومعاطب، وهي على طريق المتكلم، فإن سكت سلم من الكل، وإن نطق وتكلم خاطر بنفسه، إلا أن يوافقه لسان فصيح، وعلم غزير، وورع حافظ، ومراقبة لازمة، ويقلل من الكلام؛ فعساه يسلم عند ذلك، وهو مع جميع ذلك لا ينفك عن الخطر، فإن كنت لا تقدر على أن تكون ممن تكلم فغنم، فكن ممن سكت فسلم، فالسلامة إحدى الغنيمتين). والصمت هدي النبي ﷺ : عَنْ سِمَاكٍ قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: أَكُنْتَ تُجَالِسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَكَانَ طَوِيلَ الصَّمْتِ، قَلِيلَ الضَّحِكِ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَذْكُرُونَ عِنْدَهُ الشِّعْرَ، وَأَشْيَاءَ مِنْ أُمُورِهِمْ، فَيَضْحَكُونَ، وَرُبَّمَا تَبَسَّم). وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂. (أن النبي ﷺ ﷺ كَانَ يُحَدِّثُ حَدِيثًا لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ لأَحْصَاه). عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: "مَنْ كَثُرَ ضَحِكُهُ قَلَّتْ هَيْبَتُهُ، وَمَنْ كَثُرَ مِزَاحُهُ اسْتُخِفَّ بِهِ، وَمَنْ أَكْثَرَ مِنْ شَيْءٍ عُرِفَ بِهِ، وَمَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ كَثُرَ سَقَطُهُ، وَمَنْ كَثُرَ سَقَطُهُ قَلَّ حَيَاؤُهُ، وَمَنْ قَلَّ حَيَاؤُهُ قَلَّ وَرَعُهُ، وَمَنْ قَلَّ وَرَعُهُ مَاتَ قَلْبُه. وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَفُضُولَ الْكَلَامِ بِحَسْبِ الرَّجُلِ أَنْ يَبْلُغَ حَاجَتَه. وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: "إِنَّ حَقَّ مَا طَهَّرَ الْإِنْسَانُ لِسَانَه. وقال علي بن أبي طالب ﵁: أفضل العبادة الصمت، وانتظار الفرج. وعن عقيل بن مدرك يرفعه إلى أبي سعيد (أن رجلًا أتاه، فقال: أوصني، فقال: أوصيك بتقوى الله، وعليك بالصمت، فإنك به تغلب الشيطان) (٩).

стр. 2851

وعن أبي الذيَّال، قال: تعلَّم الصمت كما تعلم الكلام، فإن يكن الكلام يهديك، فإن الصمت يقيك، ألا في الصمت خصلتان: تدفع به جهل من هو أجهل منك، وتعلم به من علم من هو أعلم منك (١٠). وعن حبيب بن عيسى، قال: كان ابن مريم يقول: ابن آدم الضعيف؛ علم نفسك الصمت كما تعلمها الكلام، وكن مكينًا) حتى تسمع، ولا تكن مضحاكًا في غير عجبٍ، ولا هشًّا في غير أربٍ. وقال لقمان لابنه: يا بني، إن غلبت على الكلام، فلا تغلب على الصمت، فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول، إني ندمت على الكلام مرارًا، ولم أندم على الصمت مرة واحدة. (٤). وتكلم أربعة من حكماء الملوك بأربع كلمات كأنها رمية عن قوس: فقال ملك الروم: أفضل علم العلماء السكوت. وقال ملك الفرس: إذا تكلمت بالكلمة ملكتني ولم أملكها. وقال ملك الهند: أنا على ردِّ ما لم أقل أقدر مني على ردِّ ما قلت. وقال ملك الصين: ندمت على الكلام، ولم أندم على السكوت (١٥). وقد قال بعض الصالحين: الزم الصمت يكسبك صفو المحبة، ويأمنك سوء المغبة، ويلبسك ثوب الوقار، ويكفك مؤنة الاعتذار. وقيل: الصمت آية الفضل، وثمرة العقل، وزين العلم، وعون الحلم؛ فالزمه تلزمك السلامة. ما هو الصمت المذموم؟ قال علي بن أبي طالب: لا خير في الصمت عن العلم، كما لا خير في الكلام عن الجهل. وقال ابن تيمية: والصمت عما يجب من الكلام حرام، سواء اتخذه دينًا أو لم يتخذه. وقال أيضًا: فقول الخير وهو الواجب أو المستحب خير من السكوت عنه. وقال الباجي: وأما الصمت عن الخير وذكر الله ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فليس بمأمور به، بل هو منهي عنه نهي تحريم، أو نهي كراهة. وقال العيني: والصمت المنهي عنه ترك الكلام عن الحق لمن يستطيعه، وكذا المباح الذي يستوي طرفاه.

стр. 2852

بَابُ اَلرَّهَبِ مِنْ مَسَاوِئِ اَلْأَخْلَاقِ ١٤٧٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ، فَإِنَّ اَلْحَسَدَ يَأْكُلُ اَلْحَسَنَاتِ، كَمَا تَأْكُلُ اَلنَّارُ اَلْحَطَبَ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد. ١٤٨٠ - وَلِابْنِ مَاجَهْ: مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ نَحْوُهُ .. === ما صحة حديث الباب؟ لا يصح. عرف الحسد. الحسد: تمني زوال نعمة الله عن الغير، سواء تمنى كونها له أو لغيره، أو مجرد زوالها. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الحسد كراهة نعمة الله على الغير. ما حكم الحسد؟ حرام. قال ﷺ (لا تحاسدوا). قال ابن رجب: قوله ﷺ (لا تحاسدوا) يعني: لا يحسُدْ بعضُكم بعضاً، والحسدُ مركوزٌ في طباع البشر، وهو أنَّ الإنسان يكرهُ أن يفوقَهُ أحدٌ منْ جنسهِ في شيءٍ من الفضائل. وهو كان ذنبَ إبليس حيث حسدَ آدم ﵇ لمَّا رآه قد فاق على الملائكة بأنْ خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكتَه، وعلَّمه أسماء كلِّ شيءٍ، وأسكنه في جواره، فما زال يسعى في إخراجه من الجنَّة حتَّى أخرج منها، ويروى عن ابن عمرَ أنَّ إبليسَ قال لنوح: اثنتان بهما أُهلك بني آدم: الحسد، وبالحسد لُعِنتُ وجُعلتُ شيطاناً رجيماً، والحرص وبالحرص أُبيح آدمُ الجنةَ كلَّها، فأصبتُ حاجتي منه بالحرص. خرَّجه ابنُ أبي الدُّنيا. وقد وصف الله اليهودَ بالحسد في مواضع من كتابه القرآن، كقوله تعالى (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقّ). وقوله (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ). (جامع العلوم). اذكر مفاسد الحسد؟ أولاً: أنه من صفات اليهود. كما قال تعالى (وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ). وكما في قوله تعالى (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ).

стр. 2853

ثانياً: أنه من الإيذاء وتعد على المسلم. قال تعالى (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً). ثالثاً: أن النبي ﷺ نهى عنه. قال ﷺ (لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا) متفق عليه. رابعاً: أنه اعتراض على قضاء الله وقدره وحكمته في تقسيمه الأرزاق بين عباده. قال بعض السلف: تأملت هذه الآية (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا … ) فتركت الحسد. خامساً: لا يعود على الحاسد إلا بالهم والغم. وقد قيل: لله در الحسد ما أعدله .... عاد على صاحبه فقتله. سادساً: أنه عدو لنعم الله. قال ابن القيم: … فالحاسد عدو نعمة الله، وعدو عباده، وممقوت عند الله تعالى، وعند الناس. ولا يسود أبدا، ولا يواسى فإن الناس لا يسوّدون عليهم إلا من يريد الإحسان إليهم. فأما عدو نعمة الله عليهم فلا يسوّدونه باختيارهم أبدا إلا قهرا يعدونه من البلاء والمصائب التي ابتلاهم الله بها. فهم يبغضونه وهو يبغضهم. سابعاً: أن الحسد سبب لإيقاع العداوة والبغضاء بين الناس. ثامناً: أنه كبيرة من الكبائر، ومن صفات إبليس لعنه الله فهو الذي حسد آدم لشرفه. ما فضل السلامة من الحسد؟ أولاً: أن تركه من علامة كمال الإيمان. فقد سئل رسول الله ﷺ : أي المؤمنين أفضل؟ قال (المؤمن النقي القلب، ليس فيه غل ولا حسد) رواه ابن ماجه. ثانياً: أن الله أثنى على الأنصار بذلك. قال تعالى (وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أوتوا). اذكر بعض أقوال السلف في الحسد؟ قال الأصمعي: رأيت أعرابياً أتى عليه مائة وعشرين سنة، فقلت له: ما أطول عمرك. فقال: تركتُ الحسد فبقيت. وقال معاوية: كل إنسان أقدر على أن أرضيه، إلا الحاسد، فإنه لا يرضيه إلا زوال النعمة. وقال عمر بن عبد العزيز: ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من الحاسد: غم دائم ونفس متتابع. وقيل رأى موسى ﵇، رجلاً عند العرش فغبطه، فقال: ما صفته؟ فقيل: كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله.

стр. 2854

وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: الْحَسَدُ أَوَّلُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ فِي السَّمَاءِ، يَعْنِي حَسَدَ إبْلِيسَ لِآدَمَ ﵇، وَأَوَّلُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ فِي الْأَرْضِ، يَعْنِي حَسَدَ ابْنِ آدَمَ لِأَخِيهِ حَتَّى قَتَلَهُ. وَقَدْ قَالَ مُعَاوِيَةُ: لَيْسَ فِي خِصَالِ الشَّرِّ أَعْدَلُ مِنْ الْحَسَدِ، يَقْتُلُ الْحَاسِدَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى الْمَحْسُودِ. وقال لابنه: يا بني! إياك والحسد، فإنه يتبين فيك قبل أن يتبين في عدوك. وعن سفيان بن دينار قال: قلت لأبي بشر: أخبرني عن أعمال من كان قبلنا؟ قال: كانوا يعملون يسيراً ويؤجرون كثيراً، قال: قلت: ولم ذاك؟ قال: لسلامة صدورهم. وقيل للحسن: أيحسد المؤمن؟ قال: لا أم لك، أنسيت إخوة يوسف، لكن الكريم يخفيه واللئيم يبديه. وقال ابن سيرين: ما حسدت أحداً على شيء من أمر الدنيا، لأنه إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على الدنيا وهي حقيرة في الجنة؟ وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على أمر الدنيا وهو يصير إلى النار. قال الشاعر: كل العداواة قد تُرجَى إماتتها إلا عداوةَ من عاداك من حسدِ. وقال الخليل بن أحمد: لا شيء أشبه بالمظلوم من الحاسد. وقال بعض الحكماء: كل أحد يمكن أن ترضيه إلا الحاسد، فانه لا يرضيه إلا زوال نعمتك. وقال الأصمعي: سمعت أعرابياً، يقول: ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من الحاسد، حزن لازم، ونفس دائم، وعقل هائم، وحسرة لا تنقضي. وقال عون بن عبد الله: إياك والكبْر، فإنه أول ذنب عصيَ الله به ثم قرأ (وإذ قلنا للملائكة … ) وإياك والحرص، فإنه أخرج آدم من الجنة ثم قرأ (اهبطوا منها) وإياك والحسد، فإنما قتل ابن آدم أخاه حين حسده ثم قرأ (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق). قال بعض العلماء: بارز الحاسد ربه من خمسة أوجه: أولها: قد أبغض كل نعمة قد ظهرت على غيره، والثاني: سخط لقسمته كأنه يقول لربه: لم قسمت هكذا؟ والثالث: أنه ضن بفضله، يعني أن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وهو يبخل بفضل الله، والرابع: خذل ولي الله، لأنه يريد خذلانه وزوال النعمة عنه، والخامس: أعان عدوه يعني إبليس لعنه الله. قال بعض العلماء: ليس شيء من الشر أضر من الحسد، لأنه يصل إلى الحاسد خمس عقوبات قبل أن يصل إلى المحسود مكروه: أولها: غم لا ينقطع. والثاني: مصيبة لا يؤجر عليها. والثالث: مذمة لا يحمد عليها. والرابع: يسخط عليه الرب. والخامس: تغلق عليه أبواب التوفيق.

стр. 2855

قال القرطبي: قال العلماء: الحاسد لا يضر إلا إذا ظهر حسده بفعل أو قول، وذلك بأن يحمله الحسد على إيقاع الشر بالمحسود، فيَتْبَع مساوئه ويطلب عَثَراته، قال ﷺ : " إِذا حَسَدت فلا تَبْغِ … " الحديث، والحسد أوّل ذنب عُصِي الله به في السماء، وأول ذنب عُصِي به في الأرض، فحسَدَ إبليس آدَمَ، وحسد قابيلُ هابيل، والحاسد ممقوت مبْغوض مطرود ملعون. وقال ﵀: وأمر نبيُّه ﷺ أن يتعوَّذ من جميع الشرور، فقال: (مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ) وجعل خاتمة ذلك الحسد تنبيهًا على عِظَمه، وكثرة ضرره. وقيل: الحاسد لا ينال في المجالس إلا ندامة، ولا ينال عند الملائكة إلا لَعنة وبغضاء، ولا ينال في الخلوة إلا جَزَعاً وغماً، ولا ينال في الآخرة إلا حُزْناً واحتراقاً، ولا ينال من الله إلا بعداً ومقتاً .... (الجامع للقرطبي). الحسد ثلاث مراتب اذكرها؟ أحدها: أن يحسد ويقوم بمقتضاه من الأذى بالقلب واللسان والجوارح، فهذا الحسد المذموم. والثاني: تمني استصحاب عدم النعمة، فهو يكره أن يحدث الله لعبده نعمة، بل يحب أن يبقى على حاله من جهله أو فقره أو ضعفه أو شتات قلبه عن الله أو قلة دينه، فهو يتمنى دوام ما هو فيه من نقص وعيب، فهذا حسد على شيء مقدر، والأول حسد على شيء محقق، وكلاهما حاسد عدو نعمة الله، وعدو عباده، وممقوت عند الله وعند الناس، ولا يسود أبداً، فإن الناس لا يسودون عليهم إلا من يريد الإحسان إليهم، فأما عدو نعمة الله عليهم فلا يسودونه باختيارهم أبداً إلا قهراً. والثالث: حسد الغبطة، وهو تمني أن يكون له مثل حال المحسود من غير أن تزول النعمة عنه، فهذا لا بأس به ولا يعاب صاحبه، بل هذا قريب من المنافسة (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون). وفي الصحيح قال ﷺ (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً وسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة، فهو يقضي بها، ويعلمها الناس) فهذا حسد غبطة، الحامل لصاحبه عليه كبر نفسه، وحب خصال الخير، والتشبه بأهلها، والدخول في جملتهم، فهذا لا يدخل في الآية بوجه ما. وقال ابن رجب: ثم ينقسم الناس [أي في الحسد] بعدَ هذا إلى أقسام، فمنهم من يسعى في زوال نعمةِ المحسودِ بالبغي عليه بالقول والفعل، ثمَّ منهم من يسعى في نقلِ ذلك إلى نفسه، ومنهم من يَسعى في إزالته عن المحسودِ فقط من غيرِ نقل إلى نفسه، وهو شرُّهما وأخبثهما، وهذا هو الحسدُ المذمومُ المنهيُّ عنه. وقسم آخر من الناسِ إذا حسدَ غيره، لم يعمل بمقتضى حسده، ولم يبغِ على المحسود بقولٍ ولا فعلٍ. وقد رُوي عن الحسن أنَّه لا يأثمُ بذلك، وروي مرفوعاً من وجوه ضعيفة، وهذا على نوعين: أحدهما: أنْ لا يمكنه إزالةُ الحسدِ من نفسِه، فيكون مغلوباً على ذَلِكَ، فلا يأثمُ به. والثاني: من يُحدِّثُ نفسَه بذلك اختياراً، ويُعيده ويُبديه في نفسه مُستروِحاً إلى تمنِّي زوالِ نعمة أخيه، فهذا شبيهٌ بالعزم المصمِّم على المعصية، وفي العقاب على ذلك اختلافٌ بين العلماء، وربما يُذكر في موضعٍ آخر إنْ شاء الله تعالى، لكن هذا يَبعُدُ أن يَسلَمَ من البغي على المحسود، ولو بالقول، فيأثم بذلك.

стр. 2856

وقسم آخر إذا حسد لم يتمنَّ زوال نعمة المحسود، بل يسعى في اكتساب مثل فضائله، ويتمنَّى أنْ يكونَ مثله. فإن كانتِ الفضائلُ دنيويَّةً، فلا خيرَ في ذلك، كما قال الَّذينَ يُريدُونَ الحياةَ الدُّنيا (يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ). وإنْ كانت فضائلَ دينيَّةً، فهو حسن. وقد تمنَّى النَّبيُّ ﷺ الشَّهادة في سبيل الله وفي الصحيحين عنه ﷺ قال (لا حسدَ إلاَّ في اثنتين: رجلٌ آتاه اللهُ مالاً، فهو يُنفقه آناء الليل وآناء النَّهار، ورجلٌ آتاهُ اللهُ القرآن، فهو يقومُ به آناء اللَّيل وآناءَ النَّهار)، وهذا هو الغبطة، وسماه حسداً من باب الاستعارة. وقسم آخر إذا وجدَ من نفسه الحسدَ سعى في إزالته، وفي الإحسان إلى المحسود بإسداءِ الإحسان إليه، والدُّعاء له، ونشر فضائله، وفي إزالة ما وَجَدَ له في نفسه مِنَ الحسدِ حتّى يبدلَه بمحبَّة أنْ يكونَ أخوه المسلمُ خيراً منه وأفضلَ، وهذا مِنْ أعلى درجات الإيمان، وصاحبه هو المؤمنُ الكاملُ الذي يُحبُّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه، وقد سبق الكلام على هذا في تفسير حديث (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه). (ابن رجب). ما كيفية السلامة الحسد؟ إخفاء النعمة. قال ابن القيم: إن أعظم النعم الإقبال على الله والتعبد له والانقطاع إليه والتبتل إليه ولكل نعمة حاسد على قدرها دقت أو جلت ولا نعمة أعظم من هذه النعمة فأنفس الحاسدين المنقطعين متعلقة بها وليس للمحسود أسلم من إخفاء نعمته عن الحاسد وأن لا يقصد إظهارها له. وقد قال يعقوب ليوسف (لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين) وكم من صاحب قلب وجمعية وحال مع الله قد تحدث بها وأخبر بها فسلبه إياها الأغيار فأصبح يقلب كفيه ولهذا يوصى العارفون والشيوخ بحفظ السر مع الله وأن لا يطلعوا عليه أحدا ويتكتمون به غاية التكتم. (بدائع الفوائد). وقال ﵀: ويندفع شر الحاسد عن المحسود بعشرة أسباب: أحدها: التعوذ بالله تعالى من شره واللجوء والتحصن به واللجوء إليه وهو المقصود بهذه السورة. السبب الثاني: تقوى الله وحفظه عند أمره ونهيه فمن اتقى الله تولى الله حفظه ولم يكله إلى غيره قال تعالى: (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً). السبب الثالث: الصبر على عدوه وأن لا يقاتله ولا يشكوه ولا يحدث نفسه بأذاه أصلا فما نصر على حاسده وعدوه بمثل الصبر عليه والتوكل على الله ولا يستطل تأخيره وبغيه. السبب الرابع: التوكل على الله ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ والتوكل من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم وهو من أقوى الأسباب في ذلك فإن الله حسبه أي كافية ومن كان الله كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدوه ولا يضره إلا أذى لا بد منه كالحر والبرد.

стр. 2857

السبب الخامس: فراغ القلب من الاشتغال به والفكر فيه وأن يقصد أن يمحوه من باله كلما خطر له فلا يلتفت إليه ولا يخافه ولا يملأ قلبه بالفكر فيه وهذا من أنفع الأدوية وأقوى الأسباب المعينة على اندفاع شره فإن هذا بمنزلة من يطلبه عدوه ليمسكه ويؤذيه فإذا لم يتعرض له ولا تماسك هو وإياه بل انعزل عنه لم يقدر عليه فإذا تماسكا وتعلق كل منهما بصاحبه حصل الشر. السبب السادس: وهو الإقبال على الله والإخلاص له وجعل محبته وترضيه والإنابة إليه في محل خواطر نفسه وأمانيها. السبب السابع: تجريد التوبة إلى الله من الذنوب التي سلطت عليه أعداءه فإن الله تعالى يقول: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) وقال لخير الخلق وهم أصحاب نبيه دونه ﷺ (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) فما سلط على العبد من يؤذيه إلا بذنب يعلمه أو لا يعلمه وما لا يعلمه العبد من ذنوبه أضعاف ما يعلمه منها وما ينساه مما علمه وعمله أضعاف ما يذكره. السبب الثامن: الصدقة والإحسان ما أمكنه فإن لذلك تأثيرا عجيباً في دفع البلاء ودفع العين وشر الحاسد ولو لم يكن في هذا إلا تجارب الأمم قديما وحديثا لكفى به فما يكاد العين والحسد والأذى يتسلط على محسن متصدق وإن أصابه شيء من ذلك كان معاملا فيه باللطف والمعونة والتأييد وكانت له فيه العاقبة الحميدة فالمحسن المتصدق في خفارة إحسانه وصدقته عليه من الله جنة واقية وحصن حصين وبالجملة فالشكر حارس النعمة من كل ما يكون سببا لزوالها. السبب التاسع: وهو من أصعب الأسباب على النفس وأشقها عليها ولا يوفق له إلا من عظم حظه من الله وهو إطفاء نار الحاسد والباغي والمؤذي بالإحسان إليه فكلما ازداد أذى وشرا وبغيا وحسدا ازددت إليه إحسانا وله نصيحة وعليه شفقة وما أظنك تصدق بأن هذا يكون فضلا عن أن تتعاطاه فاسمع الآن قوله (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) وقال (أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) وتأمل حال النبي ﷺ الذي حكى عنه نبينا ﷺ "أنه ضربه قومه حتى أدموه فجعل يسلت الدم عنه ويقول اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. السبب العاشر: وهو الجامع لذلك كله وعليه مدار هذه الأسباب وهو تجريد التوحيد والترحل بالفكر في الأسباب إلى المسبب العزيز الحكيم والعلم بأن هذه آلات بمنزلة حركات الرياح وهي بيد محركها وفاطرها وبارئها ولا تضر ولا تنفع إلا بإذنه فهو الذي يحسن عبده بها وهو الذي يصرفها عنه وحده لا أحد سواه قال تعالى: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ) وقال النبي ﷺ لعبد الله بن عباس ﵄: "واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك " صحيح فإذا جرد العبد التوحيد فقد خرج من قلبه خوف ما سواه وكان عدوه أهون عليه من أن يخافه مع الله تعالى بل يفرد الله بالمخافة وقد أمنه منه وخرج من قلبه اهتمامه به واشتغاله به وفكره فيه وتجرد الله محبة وخشية وإنابة وتوكلا واشتغالا به عن غيره. (بدائع الفوائد)

стр. 2858

١٤٨١ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَيْسَ اَلشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا اَلشَّدِيدُ اَلَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ اَلْغَضَبِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === ما معنى (لَيْسَ الشَّدِيدُ بالصُّرَعَةِ)؟ أي: الذي يصرع الناس كثيراً بقوته، وقد جاء عن أنس أن النبي ﷺ مر بقوم يصطرعون فقال ما هذا قالوا فلان ما يصارع أحدا إلا صرعه قال أفلا أدلكم على من هو أشد منه رجل كلمه رجل فكظم غيظه فغلبه وغلب شيطانه وغلب شيطان صاحبه. رواه البزار بسند حسن ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد التحذير من الغضب، وأن الشديد حقيقة هو من يملك نفسه عند الغضب. وقد جاءت الأحاديث في التحذير من الغضب. عن سُلَيْمَانَ بن صُرَدٍ ﵁، قَالَ (كُنْتُ جالِساً مَعَ النَّبيّ ﷺ ، وَرَجُلانِ يَسْتَبَّانِ، وَأَحَدُهُمَا قدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، وانْتَفَخَتْ أوْدَاجُهُ، فَقَالَ رَسُول اللهِ ﷺ : ((إنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أعُوذ باللهِ منَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ، ذَهَبَ منْهُ مَا يَجِدُ)). فَقَالُوا لَهُ: إنَّ النَّبيَّ ﷺ ، قَالَ: ((تَعَوّذْ باللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيم)) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وعن معاذِ بنِ أَنسٍ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ ، قَال (مَنْ كَظَمَ غَيظاً، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللهُ عَلَى رُؤُوسِ الخَلائِقِ يَومَ القِيامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنَ الحُورِ العِينِ مَا شَاء) رواه أَبو داود والترمذي، وَقالَ: حديث حسن. وعن أبي هريرةَ ﵁ (أنَّ رَجُلاً قَالَ للنبي ﷺ : أوصِني. قَالَ: ((لا تَغْضَبْ)) فَرَدَّدَ مِراراً، قَالَ: ((لَا تَغْضَب) رواه البخاري. ما معنى قوله ﷺ (لا تغضب)؟ قال السعدي: والنهي عن الغضب في قوله ﷺ (لا تغضب) يتضمن أمرين عظيمين: أحدهما: الأمر بفعل الأسباب، والتمرن على حسن الخلق، والحلم والصبر. (النهي عن تعاطي الأسباب الموصلة إليه من كل ما يحمل الغضي ويهيجه). والثاني: الأمر - بعد الغضب - أن لا ينفذ غضبه: فإن الغضب غالباً لا يتمكن الإنسان من دفعه ورده، ولكنه يتمكن من عدم تنفيذه. اذكر أقسام الغضب؟ الغضب ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: مذموم. وهو الغضب الدنيوي الذي حذرنا منه النبي ﷺ كما في الأحاديث السابقة. القسم الثاني: وهو محمود. ما كان لله وللحق.

стр. 2859

قالت عائشة (وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه إلا أن تنتهك حرمات الله) متفق عليه. وغضب ﷺ لما شكيَ إليه الإمام الذي يطيل بالناس صلاته حتى يتأخر بعضهم عن الصلاة معه، غضب واشتد غضبه ووعظ الناس وأمر بالتخفيف. ما علاج الغضب؟ أولاً: الاستعاذة بالله من الشيطان. لحديث سُلَيْمَانَ بن صُرَدٍ ﵁ السابق قَالَ ﷺ (إنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أعُوذ باللهِ منَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ، ذَهَبَ منْهُ مَا يَجِدُ). وقال ﷺ (إذا غضب الرجل فقال أعوذ بالله، سكن غضبه). ثانياً: السكوت. قال رسول الله ﷺ (إذا غضب أحدكم فليسكت) رواه أحمد. قال ابن رجب: وهذا أيضاً دواء عظيم للغضب؛ لأن الغضبان يصدر منه في حال غضبه من القول ما يندم عليه في حال زوال غضبه كثيراً، من السباب وغيره مما يعظم ضرره، فإذا سكت زال هذا الشر كله عنده، وما أحسن قول مورق العجلي ﵀: ما امتلأتُ غضباً قط ولا تكلمتُ في غضب قط بما أندم عليه إذا رضيت. ثالثاً: السكون. قال رسول الله ﷺ (إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع) رواه أحمد. قال العلامة الخطابي ﵀ في شرحه على أبي داود: (القائم متهيئ للحركة والبطش، والقاعد دونه في هذا المعنى، والمضطجع ممنوع منهما، فيشبه أن يكون النبي ﷺ إنما أمره بالقعود والاضطجاع لئلا يبدر منه في حال قيامه وقعوده بادرة يندم عليها فيما بعد). رابعاً: تذكر وصية النبي ﷺ للرجل: لا تغضب. كما في حديث أبي هريرة السابق (لا تغضب). وقد جاء في رواية قال الرجل: ففكرت حين قال النبي ﷺ ، ما قال فإذا الغضب يجمع الشر كله. خامساً: تجنبه من أسباب دخول الجنة. فقد جاء في رواية لحديث أبي هريرة (لا تغضب ولك الجنة) وعزاه ابن حجر إلى الطبراني. سادساً: الأجر العظيم لمن كظم غيظه. للحديث السابق (من كظم غيظاً وهو قادر على … ).

стр. 2860

سابعاً: معرفة الرتبة العالية والميزة المتقدمة لمن ملك نفسه. لحديث الباب (ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب). وقال ﷺ (الصرعة كل الصرعة الذي يغضب فيشتد غضبه ويحمر وجهه، ويقشعر شعره فيصرع غضبه) رواه الإمام أحمد. وينتهز ﵊ الفرصة في حادثة أمام الصحابة ليوضّح هذا الأمر. فعن أنس (أن النبي ﷺ مرّ بقوم يصطرعون، فقال: ما هذا؟ قالوا: فلان الصريع ما يصارع أحداً إلا صرعه قال: أفلا أدلكم على من هو أشد منه، رجلٌ ظلمه رجلٌ فكظم غيظه فغلبه وغلب شيطانه وغلب شيطان صاحبه). رواه البزار قال ابن حجر بإسناد حسن ثامناً: التأسي بهديه ﷺ في الغضب. وهذه السمة من أخلاقه ﷺ ، وهو أسوتنا وقدوتنا، واضحة في أحاديث كثيرة، ومن أبرزها: حديث أنس ﵁ قال (كنت أمشي مع رسول الله ﷺ ، وعليه بُرد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجذبه بردائه جذبة شديدة، فنظرت إلى صفحة عاتق النبي ﷺ (ما بين العنق والكتف) وقد أثرت بها حاشية البرد، ثم قال: يا محمد مُر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه ﷺ فضحك، ثم أمر له بعطاء) متفق عليه. تاسعاً: معرفة أن رد الغضب من علامات المتقين. قال تعالى (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين). ومن أخلاقهم أنهم (وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ). عاشراً: دعاء الله. كان من دعائه ﵇ (اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي، اللهم وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب، وأسألك القصد في الفقر والغنى … ). قال الحافظ ابن رجب: وأما قوله (وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا) فعزيز جداً، وقد مدح الله من يغفر عند غضبه فقال (وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) لأن الغضب يحمل صاحبه على أن يقول غير الحق، ويفعل غير العدل، فمن كان لا يقول إلا الحق في الغضب والرضا، دل ذلك على شدة إيمانه وأنه يملك نفسه. ثم قال ﵀: فإن من لا يملك نفسه عند الغضب إذا غضب قال فيمن غضب عليه ما ليس فيه من العظائم، وهو يعلم أنه كاذب.

стр. 2861

اذكر بعض أقوال السلف في ذم الغضب؟ قال أحد السلف: إياك والغضب، فإنه يصيرك إلى ذل الاعتذار. وقال بعضهم: عجباً لمن قيل فيه السوء وهو فيه كيف يغضب!، وعجباً لمن قيل فيه الخير وليس فيه كيف يفرح! وقال مورق العجلي: ما قلت في الغضب شيئاً إلا ندمت عليه في الرضا. وكان الشعبي ينشد: ليست الأحلام في حال الرضا إنما الأحلام في حال الغضب وكان ابن عون إذا اشتد غضبه على أحد قال: بارك الله فيك ولم يزد. وقال الفضيل بن عياض: أنا منذ خمسين سنة أطلب صديقاً إذا غضب لا يكذب عليّ ما أجده. وقال جعفر بن محمد: الغضب مفتاح كل شر. وقيل لابن المبارك: اجمع لنا حسن الخلق في كلمة: قال: ترك الغضب. وروي أن معاوية بن أبي سفيان قال لعرابة بن أوس: بم سدت قومك يا عرابة؟ فقال عرابة: يا أمير المؤمنين كنت أحلم عن جاهلهم، وأعطي سائلهم، وأسعى في حوائجهم، فمن فعل منهم فعلي فهو مثلي، ومن جاوزني فهو أفضل مني، ومن قصر عني فأنا خير منه. وممن اشتهر بالحلم وعدم الغضب الأحنف بن قيس وكان يقال: أحلم من أحنف. فائدة: نبذة من أقوال وقصص الأحنف بن قيس: قال ابن المبارك: قيل للأحنف بم سودوك؟ قال: لو عاب الناس الماء لم أشربه. وقال خالد بن صفوان: كان الأحنف يفر من الشرف والشرف يتبعه. وقيل للأحنف: إنك كبير والصوم يضعفك. قال: إني أعده لسفر طويل. قال مغيرة: ذهبت عين الأحنف فقال: ذهبت من أربعين سنة ما شكوتها إلى أحد.

стр. 2862

قال الحسن: ذكروا عن معاوية شيئاً فتكلموا، والأحنف ساكت. فقال: يا أبا بحر! مالك لا تتكلم؟ قال: أخشى الله إن كذبت، وأخشاكم إن صدقت. وعن الأحنف: عجبت لمن يجري في مجرى البول مرتين كيف يتكبر. قيل: عاشت بنو تميم بحلم الأحنف أربعين سنة. قال سليمان التيمي: قال الأحنف: ثلاث فيّ ما أذكرهن إلا لمعتبر: ما أتيت باب سلطان إلا أن أدعى، ولا دخلت بين اثنين حتى يدخلاني بينهما، وما أذكر أحداً بعد أن يقوم من عندي إلا بخير. وقال: ما نازعني أحد إلا أخذت أمري بأمور: إن كان فوقي عرفت له قدره، وإن كان دوني رفعت قدري عنه، وإن كان مثلي تفضلت عليه، وقال لست بحليم ولكني أتحالم. وقيل: إن رجلاً خاصم الأحنف، وقال: لئن قلت واحدة لتسمعن عشراً، فقال: لكنك إن قلت عشراً لم تسمع واحدة. وقيل: إن رجلاً قال للأحنف: بم سدت؟ وأراد أن يعيبه، قال الأحنف: بتركي ما لا يعنيني، كما عناك من أمري ما لا يعنيك. وعن الأحنف قال: ثلاثة لا ينتصفون من ثلاثة: شريف من دنيء، وبر من فاجر، وحليم من أحمق. وسئل ما المروءة؟ قال: كتمان السر، والبعد عن الشر، والكامل من عدت سقطاته. وعنه قال: رأس الأدب آلة المنطق، لا خير في قول بلا فعل، ولا في منظر بلا مخبر، ولا في مال بلا جود، ولا في صديق بلا وفاء، ولا في فقه بلا ورع، ولا في صدقة إلا بنية، ولا في حياة إلا بصحة وأمن. ورأى الأحنف في يد رجل درهماً، فقال: لمن هذا؟ قال لي، قال: ليس هو لك حتى تخرجه في أجر أو اكتساب شكر .. وتمثل: أنت للمال إذا أمسكته *** فإذا أنفقته فالمال لك وقيل: كان الأحنف إذا أتاه رجل وسع له، فإن لم يكن له سعة أراه كأنه يوسع له. وعنه قال: جنبوا مجالسنا ذكر النساء والطعام؛ إني أبغض الرجل يكون وصافاً لفرجه وبطنه. وقيل: إنه كلم مصعباً في محبوسين قال: أصلح الله الأمير! إن كانوا حبسوا في باطل فالعدل يسعهم، وإن كانوا حبسوا في الحق فالعفو يسعهم. وعنه قال: لا ينبغي للأمير الغضب، لأن الغضب في القدرة مفتاح السيف والندامة. وعنه قال: لا يتم أمر السلطان إلا بالوزراء والأعوان، ولا ينفع الوزراء والأعوان إلا بالمودة والنصيحة، ولا تنفع المودة والنصيحة إلا بالرأي والعفة.

стр. 2863

١٤٨٢ - وَعَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اَلظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ١٤٨٣ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اِتَّقُوا اَلظُّلْمَ، فَإِنَّ اَلظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا اَلشُّحَّ، فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. === - (اتَّقُوا الظُّلْمَ) أي: اجعلوا بينكم وبينه وقاية تمنعكم من الوقوع فيه. (فَإنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ) هو على ظاهره، فيكون ظلمات على صاحبه، لا يهتدي يوم القيامة سبيلاً حين يسعى نور المؤمنين بين أيديهم وبأيمانهم. (فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) وفي رواية (وَاتَّقُوا الشُّحَّ؛ فَإِنَّ الشُّحَّ أهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ. حَمَلَهُمْ عَلَى أنْ سَفَكُوا دِمَاءهُمْ، وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُم) (حَمَلَهُمْ) أي: أغراهم الشح. (عَلَى أنْ سَفَكُوا دِمَاءهُمْ، وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُم) هذا هو الهلاك الذي حمل عليه الشح. (وَاتَّقُوا الشُّحَّ) وهو أشد من البخل، وأبلغ في المنع من البخل، وقيل: هو البخل مع الحرص. ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد تحريم الظلم. والظلم ينقسم إلى قسمين: أحدهما: منع ما يجب لهم من الحقوق وهو التفريط، والثاني: فعل ما يضر به وهو العدوان. وقد جاءت نصوص كثيرة تبين تحريم الظلم: قال رسول الله ﷺ (إن الظلم ظلمات يوم القيامة) متفق عليه. وقال ﷺ (قال تعالى: … فلا تظالموا). وقال ﷺ (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا) متفق عليه وقال ﷺ (من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين) متفق عليه. وقال ﷺ (من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلل منها، فإنه ليس ثم دينار ولا درهم من قبل أن يأخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه، فطرحت عليه) رواه البخاري. فيحرم على الإنسان أن يظلم غيره حقوقه. قال ابن رجب: فظلمُ العباد شرٌّ مكتسب؛ لأنَّ الحق فيه لآدمي مطبوع عَلَى الشُّح، فلا يترك من حقه شيئًا، لاسيما مع شدة حاجته يوم القيامة، فإنَّ الأم تفرحُ يومئذ إذا كان لها حقٌّ عَلَى ولدها، لتأخذه منه. ومع هذا، فالغالبُ أنَّ الظالم تُعجَّل له العقوبة في الدُّنْيَا وإنْ أُمهل؛ كما قال ﷺ (إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ) قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ).

стр. 2864

قال بعضُ أكابر التابعين لرجل: يا مُفلس. فابتُلي القائل بالدَّين والحبس، بعد أربعين سنة. وضَرب رجلٌ أباه وسحبه إِلَى مكان، فَقَالَ الَّذِي رآه: إِلَى ها هنا! رأيتُ هذا المضروب قد ضَرب أباه، وسحبه إِلَيْهِ. ما وجه تحريم الظلم من قوله تعالى (إني حرمن الظلم وجعلته بينكم محرماً)؟ من وجهين: الأول: أن الله حرمه على نفسه، فإذا كان محرماً على الله مع كمال قدرته وسعة ملكه فحرمته على العبد أولى لظهور عجزه ونقص ملكهِ. والآخر: أن الله جعله بيننا محرماً، فنهى عنه نهي تحريم. ماذا نستفيد من قوله (واتقوا الشح)؟ نستفيد التحذير من الشح. فهو سبب للظلم. كما في حديث الباب. قال ﷺ (حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم). وعند أبي داود (أمرهم بالظلم فظلموا، وأمرهم بالفجور ففجروا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا). وأخبر تعالى أن من وقي شح نفسه فقد أفلح. فقال تعالى (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). والشُّح يُهلك صاحبه، وإذا شاع في المجتمعات مزقها وأهلكها. قال ﷺ ( … وأما المهكات: فشحٌ مطاع، وهوىً متبع، وإعجاب المرء بنفسه) رواه أحمد. وهو مُنافٍ للإيمان. ولهذا قال ﷺ (لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد أبدًا، ولا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدًا) رواه النسائي. وهو شر خصال الرجل. قال ﷺ (شر ما في الرجل شح هالع وجبن خالع) رواه أبو داود. وانتشاره من علامات الساعة. قال ﷺ (يتقارب الزمان، وينقص العمل، ويلقى الشح، ويكثر الهرج). قال ابن حجر-﵀-عند قوله (ويلقى الشح) إلقاؤه في قلوب الناس على اختلاف أحوالهم؛ حتى يبخل العالم بعلمه فيترك التعليم والفتوى، ويبخل الصانع بصناعته حتى يترك تعليم غيره، ويبخل الغني بماله حتى يهلك الفقير.

стр. 2865

قال ابن القيم ﵀: الشح: هو شدّة الحرص على الشيء، والإخفاء في طلبه، والاستقصاء في تحصيله، وجشع النفس عليه. والبخل: منع إنفاقه بعد حصوله، وحبه وإمساكه، فهو شحيح قبل حصوله، بخيل بعد حصوله. فالبخل ثمرة الشح، والشح يدعو إلى البخل، والشح كامن في النفس؛ فمن بخل فقد أطاع شحه، ومن لم يبخل فقد عصى شحه ووُقِي شره، وذلك هو المفلح ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]. وقال أيضاً: «الاقتصاد خلق محمود، يتولد من خلقين: عدل وحكمة … وهو وسط بين طرفين مذمومين، .... والشح: خلق ذميم يتولد من سوء الظن وضعف النفس، ويمده وعد الشيطان حتى يصير هلعاً، والهلع: شدة الحرص على الشيء والشره به .... » ا. هـ قال ابن رجب: قال طائفةٌ من العُلَمَاء: الشحُّ هو الحرصُ الشديدُ الَّذِي يحمل صاحبَه عَلَى أن يأخذَ الأشياءَ من غير حلِّها ويمنعها من حقوقها. والشح مغروز في النفس. قال تعالى (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). وقال تعالى (وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ). وإضافتُهُ إلى النفسِ لأنَّه غريزةٌ فيها مقتضيةٌ للحرصِ على المنعِ الذي هو البخلُ، ولهذا قال تعالى (وأحضرت الأنفس الشح). قال ابن عاشور: في قوله تعالى (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ) وأضيف في هذه الآية إلى النفس لأنه غريزة لا تسلم منها نفس. قال الشنقيطي: ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الأنفس أحضرت الشح أي: جعل شيئاً حاضراً لها كأنه ملازم لها لا يفارقها. لأنها جبلت عليه … وأشار في موضع آخر: أنه لا يفلح أحد إلا إذا وقاه الله شح نفسه وهو قوله تعالى (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فأولئك هُمُ المفلحون) ومفهوم الشرط أن من لم يوق شح نفسه لم يفلح وهو كذلك، وقيده بعض العلماء بالشح المؤدي إلى منع الحقوق التي يلزمها الشرع، أو تقتضيها المروءة، وإذا بلغ الشح إلى ذلك، فهو بخل وهو رذيلة والعلم عند الله.

стр. 2866

١٤٨٤ - وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ اَلشِّرْكُ اَلْأَصْغَرُ: اَلرِّيَاءُ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ. === إلى كم قسم ينقسم الشرك؟ ينقسم إلى قسمين: أكبر وأصغر. ما الدليل على هذا التقسيم؟ ما صح عن شداد بن أوس قال (كنا نعد الرياء على عهد رسول الله ﷺ من الرياء) رواه البزار وسنده حسن. عرف الشرك الأكبر والأصغر؟ الأكبر: هو أن يسوي غير الله بالله في ما هو من خصائص الله. والأصغر: هو ما أتى في النصوص أنه شرك ولم يصل إلى حد الأكبر. وقيل: هو جعل شيء من حقوق الله لغيره لا يخرج به العبد من الملة. وقيل: هو كل وسيلة تكون ذريعة إلى الشرك الأكبر، قاله السعدي. وقيل: ما ثبت شرعاً إطلاق اسم الشرك أو الكفر عليه، وعُلم من دلالات الشرع عدم خروج صاحبه من الدين. ما الفرق بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر؟ الشرك الأكبر يخرج من الملة، والأصغر لا يخرج من الملة. الشرك الأكبر يخلد صاحبه في النار، والأصغر لا يخلد صاحبه فيها إن دخلها. الشرك الأكبر يحبط جميع الأعمال، والأصغر يحبط العمل الذي قارنه. هل قوله (الشرك الأصغر) دليل على قلة أهميته؟ قد يفهم بعض الناس - من تسمية هذا الشرك أصغر - أنه سُميَ بذلك لقلة أهميته، وليس كذلك، ولكن لما كان بمقابل الأكبر سُميَ أصغر، وإلا فهو أعظم من الكبائر. ما وجه الدلالة على شدة الخوف من الوقوع في الشرك الأصغر؟ من وجهين: أ-الرسول ﷺ تخوف من وقوعه تخوفاً شديداً. ب-أنه ﷺ تخوف من وقوعه في الصالحين الكاملين فمن دونهم من باب أولى.

стр. 2867

قوله (الرياء) هل هذا من باب الحصر؟ قوله (الرياء) هذا من باب المثال لا من باب الحصر، إذ الشرك الأصغر أنواعه متعددة كالحلف بغير الله، وإنما اقتصر على الرياء لكثرة وقوعه ومشقة دفعه. ماذا نستفيد من قوله (الرياء)؟ نستفيد خطر الرياء، وأنه أخوف ما يخاف على الصالحين، لأن النفوس مجبولة على حب الرياسة والمنزلة في قلوب الخلق إلا من سلمه الله وعصمه. عرف الرياء؟ قال ابن حجر: الرياء بكسر الراء وتخفيف التحتانية والمد وهو مشتق من الرؤية والمراد به إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمدوا صاحبها. والسمعة بضم المهملة وسكون الميم مشتقة من سمع والمراد بها نحو ما في الرياء لكنها تتعلق بحاسة السمع والرياء بحاسة البصر. اذكر خطر الرياء؟ أولاً: أنه محبط للعمل. قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ … ). وقال سبحانه (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً) قال ابن كثير: لا إخلاص لهم ولا معاملة مع الله، بل إنما يشهدون الناس تقية لهم ومصانعة، ولهذا يتخلفون كثيرًا عن الصلاة التي لا يُرون فيها غالبًا كصلاة العشاء في وقت العتمة وصلاة الصبح في وقت الغلس. عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (قال الله تعالى: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي غيري تركته وشركه). رواه مسلم وفي رواية ابن ماجه: (فأنا منه بريء وهو للذي أشرك). فدل الحديث على بطلان العمل الذي وقع فيه شرك، ومن الشرك الرياء. ثانياً: هو من صفات المنافقين. قال تعالى في المنافقين (يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً). وقال (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً). قال ابن كثير في قوله تعالى (فليعمل عملاً صالحاً) أي: ما كان موافقًا لشرع الله، وقوله (ولا يشرك بعبادة ربه أحداً) وهو الذي يُراد به وجه الله تعالى وحده لا شريك له. وقال جل شأنه (وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ). قال مجاهد في معنى هذه الآية: عملوا أعمالاً توهموا أنها حسنات فإذا هي سيئات. وقال سفيان الثوري في هذه الآية: ويل لأهل الرياء، ويل لأهل الرياء، هذه آيتهم وقصتهم.

стр. 2868

ثالثاً: هدد تعالى المرائين. قال سبحانه موضحًا عقوبة المرائين يوم القيامة (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ). رابعاً: أول من يقضى عليه يوم القيامة المرائي بعمله. عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ. قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ. فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ. قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ. وَقَرَأْتَ الْقَرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ. فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلاَّ أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ. فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِىَ فِي النَّارِ) رواه مسلم. خامساً: أن الله يفضح المرائين. كما في حديث سمرة. قال: قال ﷺ (مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ) رواه مسلم. سادساً: يقال للمرائين يوم القيامة: اذهبوا اطلبوا الثواب ممن كنتم تراءون لهم. عن أبي سعيد بن أبي فضالة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم القيامة، ليوم لا ريب فيه، نادى منادٍ: من كان أشرك في عمله لله أحداً فليطلب ثوابه من عنده، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك) رواه الترمذي. سابعاً: خافه النبي ﷺ علينا. عن أبي سعيد مرفوعاً (ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى، قال: الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل) رواه أحمد. ثامناً: لا يدخل الجنة. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله تعالى لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة) رواه أبو داود. تاسعاً: ليس له في الآخرة نصيب. عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : (بشر هذه الأمة بالسناء والدين والرفعة والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب) رواه احمد. قال ابن تيمية: وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ نِيَّاتُ الْأَعْمَالِ فَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى. و " النِّيَّةُ " هِيَ مِمَّا يُخْفِيهِ الْإِنْسَانُ فِي نَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى اسْتَحَقَّ الثَّوَابَ وَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ رِيَاءَ النَّاسِ اسْتَحَقَّ الْعِقَابَ كَمَا قَالَ تَعَالَى (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ) (الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) (الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ) وَقَالَ (وَإِذَا قَامُوا إلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الصَّحِيحِ فِي الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ أَوَّلُ مَنْ تُسَعَّرُ بِهِمْ النَّارُ فِي الَّذِي تَعَلَّمَ وَعَلَّمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ قَارِئٌ وَاَلَّذِي قَاتَلَ لِيُقَالَ جَرِيءٌ وَشُجَاعٌ. وَاَلَّذِي تَصَدَّقَ لِيُقَالَ جَوَادٌ وَكِرِيمٌ فَهَؤُلَاءِ إنَّمَا كَانَ قَصْدُهُمْ مَدْحَ النَّاسِ لَهُمْ وَتَعْظِيمَهُمْ لَهُمْ وَطَلَبَ الْجَاهِ عِنْدَهُمْ؛ لَمْ يَقْصِدُوا بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ وَإِنْ كَانَتْ صُوَرُ أَعْمَالِهِمْ صُوَرًا حَسَنَةً فَهَؤُلَاءِ إذَا حُوسِبُوا كَانُوا مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الْعَذَابَ كَمَا فِي الْحَدِيثِ (مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ أَوْ لِيَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إلَيْهِ فَلَهُ مِنْ عَمَلِهِ النَّارُ) وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ (مَنْ طَلَبَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ لَا يَطْلُبُهُ إلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنْ الدُّنْيَا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسمِائَةِ عَامٍ) وَفِي " الْجُمْلَةِ " الْقَلْبُ هُوَ الْأَصْلُ كَمَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: الْقَلْبُ مَلِكُ الْأَعْضَاءِ وَالْأَعْضَاءُ جُنُودُهُ فَإِذَا طَابَ الْمَلِكُ طَابَتْ جُنُودُهُ وَإِذَا خَبُثَ خَبُثَتْ جُنُودُهُ. (الفتاوى).

стр. 2869

وقال ﵀: وإذا كَانَتْ جَمِيعُ الْحَسَنَاتِ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ شَيْئَيْنِ: أَنْ يُرَادَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ؛ وَأَنْ تَكُونَ مُوَافِقَةً لِلشَّرِيعَةِ. فَهَذَا فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ؛ فِي الْكَلِمِ الطَّيِّبِ؛ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ؛ فِي الْأُمُورِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْأُمُورِ الْعِبَادِيَّةِ. وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ (إنَّ أَوَّلَ ثَلَاثَةٍ تُسْجَرُ بِهِمْ جَهَنَّمُ: رَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ وَأَقْرَأهُ لِيَقُولَ النَّاسُ: هُوَ عَالِمٌ وَقَارِئٌ. وَرَجُلٌ قَاتَلَ وَجَاهَدَ لِيَقُولَ النَّاسُ: هُوَ شُجَاعٌ وَجَرِيءٌ. وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ وَأَعْطَى لِيَقُولَ النَّاسُ: جَوَادٌ سَخِيٌّ) فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الرِّيَاءَ وَالسُّمْعَةَ هُمْ بِإِزَاءِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ بَعْدَ النَّبِيِّينَ مِنْ الصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ؛ فَإِنَّ مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ وَعَلَّمَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ كَانَ صِدِّيقًا، وَمَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَقُتِلَ كَانَ شَهِيدًا، وَمَنْ تَصَدَّقَ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ كَانَ صَالِحًا، وَلِهَذَا يَسْأَلُ الْمُفْرِطُ فِي مَالِهِ الرَّجْعَةَ وَقْتَ الْمَوْتِ؛ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ أُعْطِيَ مَالًا فَلَمْ يَحُجَّ مِنْهُ وَلَمْ يُزَكِّ سَأَلَ الرَّجْعَةَ وَقْتَ الْمَوْتِ وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ). قال ابن قدامة: اعلم أن أصل الرياء حب الجاه والمنزلة، وإذا فُصل رجع إلى ثلاثة أصول: أولاً: حب لذة الحمد. ثانياً: الفرار من ألم الذم. ثالثاً: الطمع فيما في أيدي الناس. اذكر بعض أقوال السلف في التحذير من الرياء؟ قال شداد بن أوس قال عند موته: إن أخوف ما أخاف عليكم: الرياء، الشهوة الخفية. وقال سهل: لا يعرف الرياء إلا مخلص. وقال ابن القيم: وكل ما لم يكن لله فبركته منزوعة. وكان عكرمة يقول: أكثروا من النية الصالحة فإن الرياء لا يدخل النية. وكان الثوري يقول: كل شيء أظهرته من عملي فلا أعده شيئاً. وعن عبدة قال: إن أقرب الناس من الرياء آمنهم منه. وقال الربيع بن خثيم: كل ما لا يراد به وجه الله يضمحل. وقال بشر بن الحارث: قد يكون الرجل مرائياً بعد موته، يحب أن يكثر الخلق بعد موته. قال ابن رجب: ما ينظر المرائي إلى الخلق في عمله إلا لجهله بعظمة الخالق .. المرائي يزور التواقيع على اسم الملك ليأخذ البراطيل لنفسه ويوهم أنه من خاصة الملك وهو ما يعرفه بالكليه … نقش المرائي على الدرهم الزائد اسم الملك ليروج والبهرج ما يجوز إلا على غير الناقد. قال ابن القيم: أنفع العمل أن تغيب فيه عن الناس بالإخلاص. وقال: كل نفس يخرج في غير ما يقرب إلى الله، فهو حسرة على العبد في معاده، ووقفة له في طريق سيره، أو نكسة إن استمر، أو حجاب إن انقطع به

стр. 2870

اذكر بعض أقوال ابن قدامة في التحذير من الرياء؟. قال ﵀: اعلم أن أصل الرياء حب الجاه والمنزلة، وإذا فُصل رجع إلى ثلاثة أصول: أولاً: حب لذة الحمد. ثانياً: الفرار من ألم الذم. ثالثاً: الطمع فيما في أيدي الناس وقال ﵀: واعلم أن أكثر الناس إنما هلكوا لخوف مذمة الناس، وحب مدحهم، فصارت حركاتهم كلها على ما يوافق رضى الناس، رجاء المدح، وخوفاً من الذم، وذلك من المهلكات. وقال: ولم يزل المخلصون خائفين من الرياء الخفي، يجتهدون في مخادعة الناس عن أعمالهم الصالحة، ويحرصون على إخفائها أعظم ما يحرص الناس على إخفاء فواحشهم، كل ذلك رجاء أن يخلص عملهم ليجازيهم الله تعالى في القيامة بإخلاصهم. وقال أيضاً: ومن الدواء النافع (في علاج الرياء) أن يعود نفسه إخفاء العبادات، وإغلاق الأبواب دونها، كما نغلق الأبواب دون الفواحش، فإنه لا دواء في الرياء مثل إخفاء الأعمال. (مختصر منهاج القاصدين). قال ابن الجوزي في صيد الخاطر: ثم تأملت العلماء والمتعلمين، فرأيت القليل من المتعلمين عليه أمارة النجابة؛ لأن أمارة النجابة طلب العلم للعمل به، وجمهورهم يطلب منه ما يصيره شبكة للكسب إما ليأخذ قضاء مكان، أو ليصير قاضي بلد، أو قدر ما يتميز به عن أبناء جنسه، ثم يكتفي. وقال ابن رجب: ومن علامات العلم النافع أنه يدل صاحبه على الهرب من الدنيا وأعظمها الرئاسة والشهرة والمدح فالتباعد عن ذلك والاجتهاد في مجانبته من علامات العلم النافع. فإذا وقع شيء من ذلك من غير قصد واختيار كان صاحبه في خوف شديد من عاقبته بحيث أنه يخشى أن يكون مكراً واستدراجاً كما كان الإمام أحمد يخاف ذلك على نفسه عند اشتهار اسمه وبعد صيته. وقال الذهبي: ينبغي للعالم أن يتكلم بنية وحسن قصد، فإن أعجبه كلامه فليصمت، وإن أعجبه الصمت فلينطق، ولا يفتر عن محاسبة نفسه فإنها تحب الظهور والثناء. وحكى الذهبي - رحمه الله تعالى - عن أبى الحسن القطان - رحمه الله تعالى - قوله: أُصبت ببصري، وأظن أنى عوقبت بكثرة كلامي أيام الرحلة. قال الذهبي: صدق والله، فقد كانوا مع حسن القصد وصحة النية غالباً يخافون من الكلام، وإظهار المعرفة، واليوم يكثرون الكلام مع نقص العلم، وسوء القصد ثم إن الله يفضحهم، ويلوح جهلهم وهواهم واضطرابهم فيما علموه فنسأل الله التوفيق والإخلاص. وقال أبو قلابة لأيوب السختياني: يا أيوب إذا أحدث الله لك علمًا فأحدث لله عبادة، ولا يكونن همك أن تحدث به الناس. وفي ترجمة ابن جريج: قال الوليد بن مسلم سألت الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وابن جريج: لمن طلبتم العلم؟!! كلهم يقول: لنفسي. غير أنَّ ابن جريج فإنَّه قال: طلبته للناس.

стр. 2871

قال الذهبي ﵀ تعليقًا على هذا الخبر: " قلت: ما أحسن الصدق، واليوم تسأل الفقيه الغبي لمن طلبت العلم؟ فيبادر ويقول: طلبته لله، ويكذب إنَّما طلبه للدنيا، ويا قلة ما عرف منه. وقال عبد الله بن المعتز: علم المنافق في قوله، وعلم المؤمن في عمله. قال عمر بن الخطاب: من خلصت نيته في الحق، ولو على نفسه، كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين بما ليس فيه شانه الله. وكان من دعاء عمر: اللهم اجعل عملي كله صالحاً واجعله لوجهك خالصاً ولا تجعل لأحد فيه شيئاً. وقال ابن القيم: العمل لأجل الناس وابتغاء الجاه والمنزلة عندهم، ورجائهم للضر والنفع منهم: لا يكون من عارف بهم البتة، بل جاهل بشأنهم، وجاهل بربه، فمن عرف الناس أنزلهم منازلهم، ومن عرف الله أخلص له أعماله وأقواله. وقال: إن كل من أعرض عن شيء من الحق وجحده، وقع في باطل مُقابل لما أعرض عنه من الحق وجحده، حتى في الأعمال، من رغب عن العمل لوجه الله وحده ابتلاه الله بالعمل لوجوه الخلق، فرغب عن العمل لمن ضَره ونفعه وموته وحياته وسعادته بيده، فابتليَ بالعمل لمن لا يملك له شيئاً من ذلك. وكذلك من رغب عن إنفاق ماله في طاعة الله ابتُليَ بإنفاقه لغير الله وهو راغم. وقال: الوقوف عند مدح الناس وذمهم: علامة انقطاع القلب وخلوه من الله وأنه لم تباشره روح محبته ومعرفته ولم يذق حلاوة التعلق به والطمأنينة إليه. ما حكم العمل إذا خالطه الرياء؟ العبادة إذا اتصل بها الرياء لها أحوال: أ-أن يكون الباعث على العبادة مراعاة الناس من الأصل، فهذا مبطل للعبادة. قال النبي ﷺ (قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه) رواه مسلم. ب- أن يكون مشاركاً للعبادة في أثنائها، بمعنى: أن يكون الحامل له في أمره الإخلاص لله، ثم طرأ الرياء في أثناء العبادة، فهذه العبادة لا تخلو من حالات: الحالة الأولى: أن لا يرتبط أول العبادة بآخرها، فأولها صحيح بكل حال، وآخرها باطل، مثاله: رجل عنده مائة ريال، يريد أن يتصدق بها، فتصدق بخمسين منها صدقة خالصة ثم طرأ عليه الرياء في الخمسين الباقي، فالأولى صدقة صحيحة مقبولة، والخمسون الثانية صدقة باطلة لاختلاط الرياء فيها بالإخلاص. الحالة الثانية: أن يرتبط أول العبادة بآخرها، فلا يخلو الإنسان حينئذٍ من أمرين: أن يدافع الرياء ولا يسكن إليه، بل يعرض عنه ويكرهه، فإنه لا يؤثر شيئاً. أن يطمئن إلى هذا الرياء ولا يدافعه، فحينئذً تبطل جميع العبادة، لأن أولها مرتبط بآخرها. الحالة الثالثة: أن يطرأ الرياء بعد انتهاء العبادة، فإنه لا يؤثر عليها ولا يبطلها، لأنها تمت صحيحة.

стр. 2872

١٤٨٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (آيَةُ اَلْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ١٤٨٦ - وَلَهُمَا: مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرِوٍ: - وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ -. === (أربع) أي أربع خصال. (منافقاً خالصاً) أي: شديد الشبه بالمنافقين بهذه الخصال. (من كانت فيه خَلة) بفتح الخاء: هي الخصلة. (كذب) الكذب الإخبار بخلاف الواقع. (غدر) الغدر ترك الوفاء به. (أخلف) أي لم يفعل ما وعد به. (خاصم) أي: جادل. (فجر) أي: مال عن الحق، والمراد هنا الشتم والرمي بالأشياء القبيحة والبهتان. ما المراد بالنفاق في قوله (آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ)؟ النفاق إظهار الإسلام وإخفاء الكفر. وقد اختلف العلماء ما المراد بالنفاق في هذا الحديث، لأن هذه الصفات موجودة في كثير من المسلمين: فقيل: معناه أن صاحب هذه الخصال شبيه بالمنافقين. وقيل: المراد بالنفاق هنا النفاق العملي ورجحه القرطبي واستدل له بقول عمر لحذيفة: هل تعلم فيّ شيئاً من النفاق؟ فإنه لم يرد بذلك نفاق الكفر إنما أراد نفاق العمل. وقيل: المراد التحذير عن ارتكاب هذه الخصال وإن الظاهر غير مراد. والراجح أن المراد بهذا النفاق في هذا الحديث النفاق العملي. اذكر صفات المنافقين الواردة في حديث الباب؟ أولاً: الكذب في الحديث. والكذب: الإخبار بخلاف الواقع، وهو محرم. قال النووي: قد تظاهرت نصوص الكتاب والسنة على تحريم الكذب، وهو من قبائح الذنوب وفواحش العيوب، وإجماع الأمة متفقة على تحريمه. قال تعالى (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً).

стр. 2873

ثانياً: إخلاف الوعد. وهذا يدل على أن إخلاف الوعد محرم، لأنه من صفات المنافقين. وقد تعالى (وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ. فَلَمَّا آتَاهُم مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُّعْرِضُونَ). ثالثاً: الخيانة في الأمانة. مثال: إذا أودعه إنساناً شيئاً، وطلب منه أن يحفظها، فيأتي هذا المودع عنده ويستعمل هذا الشيء أو يهملها فلا يحفظها، أو بأخذ ماله. مثال آخر: يكون الإنسان ولياً على مال يتيم، فلا يقوم بالواجب، بل يهمل ماله، وربما يأخذه لنفسه. رابعاً: إذا عاهد غدر. أي حالف وعاهد على أمر غدر به، وهي قريبة من معنى (وإذا وعد أخلف). خامساً: إذا خاصم فجر، أي إذا تخاصم مع شخص عند القاضي أو غيره. والفجور في الخصومة على نوعين: أولاً: أن يدعي ما ليس له. والثاني: أن ينكر ما يجب عليه. مثال: ادعى شخص على آخر عند القاضي: أنا أطلب هذا الرجل ألف ريال - وهو كاذب - وحلف على هذه الدعوى، وأتى بشاهد زور، فحكم له القاضي، فهذا خاصم ففجر، لأنه ادعى ما ليس له، وحلف عليه. هناك صفات أخرى للمنافق غير هذه الصفات ذكرت في مواضع أخرى اذكرها؟ أولاً: الكسل عن الصلاة. قال تعالى: (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى). ثانياً: التخلف عن صلاتي الفجر والعشاء. قال رسول الله ﷺ : (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر). متفق عليه ثالثاً: قلة ذكر الله. قال تعالى: (ولا يذكرون الله إلا قليلاً). رابعاً: عدم الفقه في الدين. قال تعالى: (ولكن المنافقين لا يفقهون). خامساً: الاهتمام بالظاهر وإهمال الباطن. قال تعالى: (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم). سادساً: الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف. قال تعالى: (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف).

стр. 2874

لماذا أخبرنا النبي ﷺ بصفات المنافقين؟ لأمرين: الأول: أن نحذر من هذه الصفات الذميمة. الثاني: لنحذر من يتصف بهذه الصفات. إلى كم قسم ينقسم النفاق؟ إلى قسمين: نفاق عملي: وهو الموجود بهذا الحديث، وهو ذنب عظيم. نفاق اعتقادي: وهو تكذيب الرسول ﷺ - تكذيب بعض ما جاء به الرسول ﷺ - بغض الرسول - بغض بعض ما جاء به الرسول - المسرة لانخفاض دين الرسول - الكراهية لانتصار دين الرسول - وصاحبه في النار مخلد في الدرك الأسفل من النار. اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - التحذير من الاتصاف بصفات المنافقين. - أن من النفاق ما يخرج من الملة ومنه ما لا يخرج من الملة. - الرد على الخوارج. - الرد على المرجئة. - النفاق شعب كما أن الإيمان شعب. - أن الإيمان يزيد وينقص. - ينبغي للمسلم أن يعرف صفات المنافقين لكي يتجنبها. قال الشاعر: عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه … ومن لا يعرف الشر من الخير يقع فيه - إنما كانت هذه من علامات المنافق، لأن أصل النفاق مبني على التورية والستر، يستر الخبيث ويظهر الطيب. - فضيلة الصدق في الحديث. - وفي الحديث (لا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا). - فضيلة الوفاء بالوعد ووجوبه. - وقد أثنى الله على إسماعيل بذلك فقال تعالى (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً). - الرد على من يقول إذا أراد أن يعد أحداً (يقول: أعدك وعداً غربياً) أي أعدك ولا أخلفك، وهذا كلام خطير، لأن الإيفاء بالوعد من أخلاق الإسلام وليس من أخلاق الغربيين. - التحذير الشديد من هذه الخصال الأربع. - أن الإنسان قد يجتمع فيه إيمان ونفاق. - أن الإيمان يزيد وينقص. - أن النفاق شعب كما أن الإيمان شعب. - أن عمل الباطن له علامات في الظاهر. - وجوب الصدق في الحديث وتحريم الكذب. - تحريم الخيانة والغش ووجوب النصح وتأدية الأمانة.

стр. 2875

١٤٨٧ - وَعَنْ اِبْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (سِبَابُ اَلْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === (سباب) السباب بمعنى السب وهو الشتم والتكلم في عرض الإنسان بما يعيبه. (فسوق) الفسق في اللغة الخروج، وفي الشرع: الخروج عن طاعة الله، وهو أشد من العصيان، قال تعالى (وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ). ماذا نستفيد من الحديث؟ تحريم سباب المسلم وشتمه وقتاله. اذكر خطر اللعن؟ أن لعن المؤمن كقتله. قال ﷺ (ولعن المؤمن كقتله) متفق عليه. وليس هو من صفات المؤمن. قال ﷺ (ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء) رواه الترمذي. وسباب المسلم فسوق. كما في حديث الباب (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر). وكثرة اللعن من أسباب دخول النار. قال ﷺ (مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ، فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ! فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ). واللعن ليس من صفات أهل الصدق والتقى. لحديث أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (لَا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أَنْ يَكُونَ لَعَّانًا) رواه مسلم. اللعن من أسباب عدم الشفاعة. لحديث أَبِى الدَّرْدَاءِ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (إِنَّ اللَّعَّانِينَ لَا يَكُونُونَ شُهَدَاءَ وَلَا شُفَعَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) رواه مسلم. قال الصنعاني: والحديث إخبار بأن كثيري اللعن ليس لهم عند الله قبول شفاعة يوم القيامة، أي: لا يشفعون حين يشفع المؤمنون في إخوانهم. ومعنى: ولا شهداء: قيل: لا يكونون يوم القيامة شهداء على تبليغ الأمم رسلهم إليهم الرسالات. وقيل: لا يكونون شهداء في الدنيا ولا تقبل شهادتهم لفسقهم لأن إكثار اللعن من أدلة التساهل في الدين. وقيل: لا يرزقون الشهادة وهي القتل في سبيل الله. (سبل السلام).
следующие страницы →