← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1115

شرح بلوغ المرام - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 038 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

قال الذهبي ﵀ تعليقًا على هذا الخبر: " قلت: ما أحسن الصدق، واليوم تسأل الفقيه الغبي لمن طلبت العلم؟ فيبادر ويقول: طلبته لله، ويكذب إنَّما طلبه للدنيا، ويا قلة ما عرف منه. وقال عبد الله بن المعتز: علم المنافق في قوله، وعلم المؤمن في عمله. قال عمر بن الخطاب: من خلصت نيته في الحق، ولو على نفسه، كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين بما ليس فيه شانه الله. وكان من دعاء عمر: اللهم اجعل عملي كله صالحاً واجعله لوجهك خالصاً ولا تجعل لأحد فيه شيئاً. وقال ابن القيم: العمل لأجل الناس وابتغاء الجاه والمنزلة عندهم، ورجائهم للضر والنفع منهم: لا يكون من عارف بهم البتة، بل جاهل بشأنهم، وجاهل بربه، فمن عرف الناس أنزلهم منازلهم، ومن عرف الله أخلص له أعماله وأقواله. وقال: إن كل من أعرض عن شيء من الحق وجحده، وقع في باطل مُقابل لما أعرض عنه من الحق وجحده، حتى في الأعمال، من رغب عن العمل لوجه الله وحده ابتلاه الله بالعمل لوجوه الخلق، فرغب عن العمل لمن ضَره ونفعه وموته وحياته وسعادته بيده، فابتليَ بالعمل لمن لا يملك له شيئاً من ذلك. وكذلك من رغب عن إنفاق ماله في طاعة الله ابتُليَ بإنفاقه لغير الله وهو راغم. وقال: الوقوف عند مدح الناس وذمهم: علامة انقطاع القلب وخلوه من الله وأنه لم تباشره روح محبته ومعرفته ولم يذق حلاوة التعلق به والطمأنينة إليه. ما حكم العمل إذا خالطه الرياء؟ العبادة إذا اتصل بها الرياء لها أحوال: أ-أن يكون الباعث على العبادة مراعاة الناس من الأصل، فهذا مبطل للعبادة. قال النبي ﷺ (قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه) رواه مسلم. ب- أن يكون مشاركاً للعبادة في أثنائها، بمعنى: أن يكون الحامل له في أمره الإخلاص لله، ثم طرأ الرياء في أثناء العبادة، فهذه العبادة لا تخلو من حالات: الحالة الأولى: أن لا يرتبط أول العبادة بآخرها، فأولها صحيح بكل حال، وآخرها باطل، مثاله: رجل عنده مائة ريال، يريد أن يتصدق بها، فتصدق بخمسين منها صدقة خالصة ثم طرأ عليه الرياء في الخمسين الباقي، فالأولى صدقة صحيحة مقبولة، والخمسون الثانية صدقة باطلة لاختلاط الرياء فيها بالإخلاص. الحالة الثانية: أن يرتبط أول العبادة بآخرها، فلا يخلو الإنسان حينئذٍ من أمرين: أن يدافع الرياء ولا يسكن إليه، بل يعرض عنه ويكرهه، فإنه لا يؤثر شيئاً. أن يطمئن إلى هذا الرياء ولا يدافعه، فحينئذً تبطل جميع العبادة، لأن أولها مرتبط بآخرها. الحالة الثالثة: أن يطرأ الرياء بعد انتهاء العبادة، فإنه لا يؤثر عليها ولا يبطلها، لأنها تمت صحيحة.

стр. 2872

١٤٨٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (آيَةُ اَلْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ١٤٨٦ - وَلَهُمَا: مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرِوٍ: - وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ -. === (أربع) أي أربع خصال. (منافقاً خالصاً) أي: شديد الشبه بالمنافقين بهذه الخصال. (من كانت فيه خَلة) بفتح الخاء: هي الخصلة. (كذب) الكذب الإخبار بخلاف الواقع. (غدر) الغدر ترك الوفاء به. (أخلف) أي لم يفعل ما وعد به. (خاصم) أي: جادل. (فجر) أي: مال عن الحق، والمراد هنا الشتم والرمي بالأشياء القبيحة والبهتان. ما المراد بالنفاق في قوله (آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ)؟ النفاق إظهار الإسلام وإخفاء الكفر. وقد اختلف العلماء ما المراد بالنفاق في هذا الحديث، لأن هذه الصفات موجودة في كثير من المسلمين: فقيل: معناه أن صاحب هذه الخصال شبيه بالمنافقين. وقيل: المراد بالنفاق هنا النفاق العملي ورجحه القرطبي واستدل له بقول عمر لحذيفة: هل تعلم فيّ شيئاً من النفاق؟ فإنه لم يرد بذلك نفاق الكفر إنما أراد نفاق العمل. وقيل: المراد التحذير عن ارتكاب هذه الخصال وإن الظاهر غير مراد. والراجح أن المراد بهذا النفاق في هذا الحديث النفاق العملي. اذكر صفات المنافقين الواردة في حديث الباب؟ أولاً: الكذب في الحديث. والكذب: الإخبار بخلاف الواقع، وهو محرم. قال النووي: قد تظاهرت نصوص الكتاب والسنة على تحريم الكذب، وهو من قبائح الذنوب وفواحش العيوب، وإجماع الأمة متفقة على تحريمه. قال تعالى (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً).

стр. 2873

ثانياً: إخلاف الوعد. وهذا يدل على أن إخلاف الوعد محرم، لأنه من صفات المنافقين. وقد تعالى (وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ. فَلَمَّا آتَاهُم مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُّعْرِضُونَ). ثالثاً: الخيانة في الأمانة. مثال: إذا أودعه إنساناً شيئاً، وطلب منه أن يحفظها، فيأتي هذا المودع عنده ويستعمل هذا الشيء أو يهملها فلا يحفظها، أو بأخذ ماله. مثال آخر: يكون الإنسان ولياً على مال يتيم، فلا يقوم بالواجب، بل يهمل ماله، وربما يأخذه لنفسه. رابعاً: إذا عاهد غدر. أي حالف وعاهد على أمر غدر به، وهي قريبة من معنى (وإذا وعد أخلف). خامساً: إذا خاصم فجر، أي إذا تخاصم مع شخص عند القاضي أو غيره. والفجور في الخصومة على نوعين: أولاً: أن يدعي ما ليس له. والثاني: أن ينكر ما يجب عليه. مثال: ادعى شخص على آخر عند القاضي: أنا أطلب هذا الرجل ألف ريال - وهو كاذب - وحلف على هذه الدعوى، وأتى بشاهد زور، فحكم له القاضي، فهذا خاصم ففجر، لأنه ادعى ما ليس له، وحلف عليه. هناك صفات أخرى للمنافق غير هذه الصفات ذكرت في مواضع أخرى اذكرها؟ أولاً: الكسل عن الصلاة. قال تعالى: (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى). ثانياً: التخلف عن صلاتي الفجر والعشاء. قال رسول الله ﷺ : (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر). متفق عليه ثالثاً: قلة ذكر الله. قال تعالى: (ولا يذكرون الله إلا قليلاً). رابعاً: عدم الفقه في الدين. قال تعالى: (ولكن المنافقين لا يفقهون). خامساً: الاهتمام بالظاهر وإهمال الباطن. قال تعالى: (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم). سادساً: الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف. قال تعالى: (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف).

стр. 2874

لماذا أخبرنا النبي ﷺ بصفات المنافقين؟ لأمرين: الأول: أن نحذر من هذه الصفات الذميمة. الثاني: لنحذر من يتصف بهذه الصفات. إلى كم قسم ينقسم النفاق؟ إلى قسمين: نفاق عملي: وهو الموجود بهذا الحديث، وهو ذنب عظيم. نفاق اعتقادي: وهو تكذيب الرسول ﷺ - تكذيب بعض ما جاء به الرسول ﷺ - بغض الرسول - بغض بعض ما جاء به الرسول - المسرة لانخفاض دين الرسول - الكراهية لانتصار دين الرسول - وصاحبه في النار مخلد في الدرك الأسفل من النار. اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - التحذير من الاتصاف بصفات المنافقين. - أن من النفاق ما يخرج من الملة ومنه ما لا يخرج من الملة. - الرد على الخوارج. - الرد على المرجئة. - النفاق شعب كما أن الإيمان شعب. - أن الإيمان يزيد وينقص. - ينبغي للمسلم أن يعرف صفات المنافقين لكي يتجنبها. قال الشاعر: عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه … ومن لا يعرف الشر من الخير يقع فيه - إنما كانت هذه من علامات المنافق، لأن أصل النفاق مبني على التورية والستر، يستر الخبيث ويظهر الطيب. - فضيلة الصدق في الحديث. - وفي الحديث (لا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا). - فضيلة الوفاء بالوعد ووجوبه. - وقد أثنى الله على إسماعيل بذلك فقال تعالى (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً). - الرد على من يقول إذا أراد أن يعد أحداً (يقول: أعدك وعداً غربياً) أي أعدك ولا أخلفك، وهذا كلام خطير، لأن الإيفاء بالوعد من أخلاق الإسلام وليس من أخلاق الغربيين. - التحذير الشديد من هذه الخصال الأربع. - أن الإنسان قد يجتمع فيه إيمان ونفاق. - أن الإيمان يزيد وينقص. - أن النفاق شعب كما أن الإيمان شعب. - أن عمل الباطن له علامات في الظاهر. - وجوب الصدق في الحديث وتحريم الكذب. - تحريم الخيانة والغش ووجوب النصح وتأدية الأمانة.

стр. 2875

١٤٨٧ - وَعَنْ اِبْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (سِبَابُ اَلْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === (سباب) السباب بمعنى السب وهو الشتم والتكلم في عرض الإنسان بما يعيبه. (فسوق) الفسق في اللغة الخروج، وفي الشرع: الخروج عن طاعة الله، وهو أشد من العصيان، قال تعالى (وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ). ماذا نستفيد من الحديث؟ تحريم سباب المسلم وشتمه وقتاله. اذكر خطر اللعن؟ أن لعن المؤمن كقتله. قال ﷺ (ولعن المؤمن كقتله) متفق عليه. وليس هو من صفات المؤمن. قال ﷺ (ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء) رواه الترمذي. وسباب المسلم فسوق. كما في حديث الباب (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر). وكثرة اللعن من أسباب دخول النار. قال ﷺ (مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ، فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ! فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ). واللعن ليس من صفات أهل الصدق والتقى. لحديث أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (لَا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أَنْ يَكُونَ لَعَّانًا) رواه مسلم. اللعن من أسباب عدم الشفاعة. لحديث أَبِى الدَّرْدَاءِ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (إِنَّ اللَّعَّانِينَ لَا يَكُونُونَ شُهَدَاءَ وَلَا شُفَعَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) رواه مسلم. قال الصنعاني: والحديث إخبار بأن كثيري اللعن ليس لهم عند الله قبول شفاعة يوم القيامة، أي: لا يشفعون حين يشفع المؤمنون في إخوانهم. ومعنى: ولا شهداء: قيل: لا يكونون يوم القيامة شهداء على تبليغ الأمم رسلهم إليهم الرسالات. وقيل: لا يكونون شهداء في الدنيا ولا تقبل شهادتهم لفسقهم لأن إكثار اللعن من أدلة التساهل في الدين. وقيل: لا يرزقون الشهادة وهي القتل في سبيل الله. (سبل السلام).

стр. 2876

اللعن - من حيث حكمه - ينقسم إلى أقسام اذكرها؟ أولاً: لعن المسلم الصالح: هذا حرام ومن الكبائر: للأحاديث السابقة. ثانياً: اللعن بالأوصاف العامة: مثل لعنة الله على الظالمين، لعنة الله على الفاسقين. هذا جائز لا خلاف فيه. قال تعالى (لعنة الله على الظالمين). وقال تعالى (لعنة الله على الكاذبين). ثالثاً: اللعن بالأوصاف الخاصة: مثل: لعن الله آكل الربا، لعن الله السارق. هذا جائز بالإجماع. رابعاً: لعن الكافر المعين الذي مات على الكفر، مثل فرعون، وأبي جهل وغيرهم. هذا جائز لعنه بلا خلاف. خامساً: لعن الكافر المعين الحي: فهذا مما وقع فيه خلاف بين العلماء: فقيل: لا يلعن. قالوا: ربما يسلم. وممن ذهب إلى هذا الغزالي، وذكره الإمام النووي. وقيل: جواز لعنه. لحديث عمر بن الخطاب (أن رجلاً كان على عهد النبي ﷺ ، كان اسمه عبد الله، وكان يلقب حماراً، وكان يُضحك رسول الله ﷺ ، وكان النبي ﷺ قد جلده في الشراب، فأتي به يوماً فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي ﷺ : لا تلعنوه، فوالله ما علمت إنه يحب الله ورسوله) رواه البخاري. قالوا: فدل على أن من لا يحب الله ورسوله يلعن. والذي يظهر الجواز خاصة إذا كان ممن يؤذي المسلمين. سادساً: لعن المسلم الفاسق. لا يجوز لعنه. للحديث السابق، حيث نهى النبي ﷺ عن لعن عبد الله الذي كان يشرب الخمر. ما حكم مقاتلة المسلم بغير حق؟ حرام وكبيرة من الكبائر. ما المراد بالكفر في قوله (وقتاله كفر)؟ أي: من أعمال أهل الكفر. و قال بعض العلماء: أطلق عليه لفظ الكفر مبالغة في التحذير لينزجر السامع عن الإقدام عليه. اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ أن حرمة الكافر ليست كحرمة المسلم. الرد على المرجئة. أن سب المسلم من الكبائر. أن المعاصي تقدح في الإيمان. أنه يجتمع في المسلم خصال خير وخصال شر. تحريم مقاتلة المسلم بغير حق. أن مقاتلة المسلم بغير حق من الكبائر.

стр. 2877

١٤٨٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ اَلظَّنَّ أَكْذَبُ اَلْحَدِيثِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ) أي: باعدوا أنفسكم عن ظن السوء. === ماذا نستفيد من الحديث؟ النهي عن الظن السيء. لقوله (إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ) أي: باعدوا أنفسكم عن ظنّ السوء. والظن الذي أمرنا باجتنابه هو بمعنى التهمة التي لا يعرف لها إمارات صحيحة ولا أسباب ظاهرة لا سيما إن كان المظنون به من أهل الأمانة ظاهراً والستر والصلاح، وهو - أي الظن - بهذا الاعتبار حرام لهذه الآية. قال النووي: المراد النهي عن ظن السوء. فسوء الظن هو: هو عدم الثقة بمن هو لها أهل. وقال ابن القيم: سوء الظن: هو امتلاء القلب بالظنون السيئة بالناس حتى يطفح على اللسان والجوارح. وقال ابن كثير: سوء الظن هو التهمة والتخون للأهل والأقارب والناس في غير محله. وقال القرطبيّ ﵀: الظن هنا هو التهمة، ومحلّ التحذير والنهي إنما هو تهمة لا سبب لها يوجبها، كمن يتّهم شخصًا بالفاحشة، أو بشرب الخمر، ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك. ودليل كون الظنّ هنا بمعنى التهمة قوله بعد هذا: "ولا تجسّسوا، ولا تحسّسوا"، وذلك أنَّه قد يقع له خاطر التهمة ابتداءً، فيريد أن يتجسّس خبر ذلك، ويبحث عنه، ويتبصّر، ويتسمّع؛ ليحقق ما وقع له من تلك التهمة، فنهى النبيّ ﷺ عن ذلك، وقد جاء في بعض الأحاديث: "إذا ظننت فلا تُحقّق"، وقال الله تعالى (وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا) وذلك أن المنافقين تطيّروا برسول الله ﷺ وبأصحابه حين انصرفوا إلى الحديبية، فقالوا: إن محمّدًا وأصحابه أكلة رأس، ولن يرجعوا إليكم أبدًا، فذلك ظنّهم السيّئ الذي وبّخهم الله تعالى عليه، وهو من نوع ما نَهَى الشرع عنه، إلا أنَّه أقبح النوع. (المفهم). قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا). ينهى تعالى عباده المؤمنين عن كثير من الظن، وهو التهمة والتخون للأهل والأقارب من الناس في غير محله، لأن بعض ذلك يكون إثماً محضاً فليجتنب كثيراً منه احتياطاً. وقوله (إن بعض الظن إثم) وذلك كالظن الخالي من الحقيقة والقرينة، وكظن السوء الذي يقترن به كثير من الأقوال والأفعال المحرمة، فإن بقاء ظن السوء بالقلب لا يقتصر صاحبه على مجرد ذلك، بل لا يزال به حتى يقول ما لا ينبغي ويفعل ما لا ينبغي.

стр. 2878

ما معنى قوله (فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ)؟ قال الصنعاني: وإنما كان الظنُّ أكذب الحديث، لأنَّ الكذب مخالفة الواقع من غير استناد إلى أمارة، وقبحه ظاهر لا يحتاج إلى إظهاره، وأما الظن فيزعم صاحبه أنه استند إلى شيء، فيخفى على السامع كونه كاذبًا بحسب الغالب، فكان أكذب الحديث، والحديث وارد في حقِّ من لم يظهر منه شتم ولا فحش ولا فجور. اذكر خطر سوء الظن؟ حرمته الشريعة. لحديث الباب (إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ اَلظَّنَّ أَكْذَبُ اَلْحَدِيثِ). قوله ﷺ (يا معشر من آمن بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من تبع عورة أخيه يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته). وسوء الظن سبب في وجود الأحقاد والعداوة: فإن الظن السيئ: يزرع الشقاق بين المسلمين، ويقطع حبال الأخوة، ويمزق وشائج المحبة، ويزرع العداء والبغضاء والشحناء. قال ابن القيم: أما سوء الظن فهو امتلاء قلبه بالظنون السيئة بالناس، حتى يطفح على لسانه وجوارحه فهم معه أبدًا في الهمز واللمز والطعن والعيب والبغض، يبغضهم ويبغضونه ويلعنهم ويلعنونه ويحذرهم ويحذرون منه … ويلحقه أذاهم .. خارج منهم مع الغش والدغل والبغض. قال الغزالي: من ثمرات سوء الظن التجسس، فإنَّ القلب لا يقنع بالظنِّ، ويطلب التحقيق فيشتغل بالتجسس وهو أيضًا منهي عنه، قال الله تعالى ٠ وَلا تَجَسَّسُوا). فالغيبة وسوء الظن والتجسس منهي عنه في آية واحدة، ومعنى التجسس أن لا يترك عباد الله تحت ستر الله، فيتوصل إلى الاطلاع وهتك الستر؛ حتى ينكشف له ما لو كان مستورًا عنه كان أسلم لقلبه ودينه. وهو سبب للمشكلات العائلية. فمن أسباب المشاكل العائلية سوء الظن من أحدهما وغضبه قبل التذكر والتثبت؛ فيقع النزاع وربما حصل فراق ثم تبين الأمر خلاف الظن. وقال ابن القيم: الغيرة مذمومة منها غيرة يحمل عليها سوء الظن، فيؤذى بها المحب محبوبه، ويغري عليه قلبه بالغضب، وهذه الغيرة يكرهها الله إذا كانت في غير ريبة، ومنها غيرة تحمله على عقوبة المحبوب بأكثر مما يستحقه. وهو سبب في إضعاف الثقة بين المؤمنين. فتنزع الثقة بين أفراد المجتمع المسلم. وهو سبب في مرض القلب، وعلامة على خبث الباطن.

стр. 2879

قال الغزالي: مهما رأيت إنسانًا يسيء الظن بالناس طالبًا للعيوب، فاعلم أنه خبيث الباطن وأنَّ ذلك خبثه يترشح منه، وإنما رأى غيره من حيث هو، فإن المؤمن يطلب المعاذير، والمنافق يطلب العيوب، والمؤمن سليم الصدر في حق كافة الخلق. ويسبب عدم الثقة بالآخرين: قال الزمخشري: قيل لعالم: من أسوأ الناس حالًا؟ قال: من لا يثق بأحد لسوء ظنَّه، ولا يثق به أحد لسوء فعله. اذكر بعض أقوال السلف في سوء الظن؟ قال الغزالي: سوء الظن غيبة بالقلب. وقال الخطابي: الظن منشأ أكثر الكذب. وقال إسماعيل بن أمية: ثلاث لا يعجزن ابن آدم الطيرة وسوء الظن والحسد قال فينجيك من الطيرة ألا تعمل بها وينجيك من سوء الظن ألا تتكلم به وينجيك من الحسد ألا تبغي أخاك سوءاً. وقال الحارث المحاسبي: احم القلب عن سوء الظن بحسن التأويل. وقال المهلب: التباغض والتحاسد أصلهما سوء الظن، وذلك أن المباغض والمحاسد يتأول أفعال من يبغضه ويحسده على أسوأ التأويل. ما أسباب سوء الظن؟ أولاً: سوء النية وخبث الطوية. كأن ينشأ تنشئة غير صالحة. ثانياً: اتباع الهوى. ذلك أن الإنسان إذا اتبع هواه حتى صار الهوى إلهه الذي يعبده من دون الله، فإنه يقع لا محالة في الظنون الكاذبة التي لا دليل عليها ولا حجة. كما قال تعالى: (فَإِنْ لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ).

стр. 2880

١٤٨٩ - وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ﵁[قَالَ] سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ (مَا مِنْ عَبْدِ يَسْتَرْعِيهِ اَللَّهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ، وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اَللَّهُ عَلَيْهِ اَلْجَنَّةَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === (مَعْقِل بْن يَسَارٍ) المزني، أسلم قبل الحديبية، وكان ممن بايع تحت الشجرة، قال البغوي: هو الذي حفر نهر معقل بالبصرة بأمر عمر فنسب إليه ونزل البصرة وبنى بها داراً، ومات بها في خلافة معاوية. وهو راوي حديث: العبادة في الهرج كهجرة إلي. والحديث له قصة: عَنِ الْحَسَنِ قَالَ عَادَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ الْمُزَنِيَّ فِي مَرَضِهِ الَّذِى مَاتَ فِيهِ. قَالَ مَعْقِلٌ إِنّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثاً سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ لِي حَيَاةً مَا حَدَّثْتُكَ إِنّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلاَّ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ). (عَنِ الْحَسَنِ) البصري. (قَالَ عَادَ) أي زار. (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ) بن عبيد المعروف بابن زياد بن أبي سفيان، كانت فيه جرأة، وإقدام على سفك الدماء. (يسترعية الله) أي يستحفظه ويجعله راعياً لهم. (وهو غاش لرعيته) الغش ضد النصيحة. (حرم الله عليه الجنة) أي لم يدخل مع أول الداخلين. (ثم لا يجهد لهم) أي لم يبذل غاية جهده وطاقته من أجلهم. ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد تحريم الغش في الرعية. وفي رواية (مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِى أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ لَا يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ إِلاَّ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ) وللطبراني (إلا أكبه الله على وجهه في النار). وقال ﷺ (من غش رعيته فهو في النار). قال النووي: قَالَ الْقَاضِي عِيَاض ﵀: مَعْنَاهُ بَيِّن فِي التَّحْذِير مِنْ غِشّ الْمُسْلِمِينَ لِمَنْ قَلَّدَهُ اللَّه تَعَالَى شَيْئًا مِنْ أَمْرهمْ وَاسْتَرْعَاهُ عَلَيْهِمْ وَنَصَبَهُ لِمَصْلَحَتِهِمْ فِي دِينهمْ أَوْ دُنْيَاهُمْ، فَإِذَا خَانَ فِيمَا اُؤْتُمِنَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَنْصَح فِيمَا قُلِّدَهُ إِمَّا بِتَضْيِيعِهِ تَعْرِيفهمْ مَا يَلْزَمهُمْ مِنْ دِينهمْ، وَأَخْذهمْ بِهِ، وَإِمَّا بِالْقِيَامِ بِمَا يَتَعَيَّن عَلَيْهِ مِنْ حِفْظ شَرَائِعهمْ وَالذَّبّ عَنْهَا لِكُلِّ مُتَصَدٍّ لِإِدْخَالِ دَاخِلَة فِيهَا أَوْ تَحْرِيف لِمَعَانِيهَا أَوْ إِهْمَال حُدُودهمْ، أَوْ تَضْيِيع حُقُوقهمْ، أَوْ تَرْك حِمَايَة حَوْزَتهمْ، وَمُجَاهَدَة عَدُوّهِمْ، أَوْ تَرْك سِيرَة الْعَدْل فِيهِمْ، فَقَدْ غَشَّهُمْ قَالَ الْقَاضِي: وَقَدْ نَبَّهَ ﷺ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْكَبَائِر الْمُوبِقَة الْمُبْعِدَة عَنْ الْجَنَّة.

стр. 2881

وقال في الفتح: ويحصل ذلك بظلمه لهم بأخذ أموالهم أو سفك دمائهم أو انتهاك أعراضهم وحبس حقوقهم وترك تعريفهم ما يجب عليهم في أمر دينهم ودنياهم وباهمال إقامة الحدود فيهم وردع المفسدين منهم وترك حمايتهم ونحو ذلك. اذكر خطورة غش الرعية ومن تحت يده كعائلته وأولاده وغيرهم؟ أولاً: الحرمان من الجنة. لحديث الباب. ثانياً: دعاء الرسول ﷺ عليه. قال ﷺ (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه). ثالثاً: من احتجب عن الناس من الحكام احتجب الله عنه. قال ﷺ (من ولاه الله شيئاً من أمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم، احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة) رواه أبو داود. هل الحديث عام في كل من كُلف في حفظ أمانة؟ نعم. قال القرطبي: الحديث هو لفظ عام في كل من كُلفَ حفظ غيره، كما قال ﷺ (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته). فالإمام الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته، وهكذا الرجل في أهل بيته والولد والعبد، والرعاية الحفظ والصيانة. قال ﷺ (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) متفق عليه. وقال ﷺ (إن الله سائل كل راع أحفظ أم ضيع) رواه أحمد. وقال تعالى (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً). وقال ﷺ (من ولاه الله شيئاً من أمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم، احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة) فجعل معاوية رجلاً على حوائج الناس. رواه أبو داود. لماذا قال له معقل (لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ لِي حَيَاةً مَا حَدَّثْتُكَ)؟ سبب عدم تحديثه قبل ذلك هو ما وصفه به الحسن البصري من سفك الدماء، فكأنه يخشى بطشه، فلما نزل به الموت أراد أن يكف بذلك بعض شره عن المسلمين ولذلك جاء في الرواية: لولا أني في الموت ما حدثتك. قال النووي: وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى (لَوْلَا أَنِّي فِي الْمَوْت لَمْ أُحَدِّثك) فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض ﵀: إِنَّمَا فَعَلَ هَذَا لِأَنَّهُ عَلِمَ قَبْل هَذَا أَنَّهُ مِمَّنْ لَا يَنْفَعهُ الْوَعْظ كَمَا ظَهَرَ مِنْهُ مَعَ غَيْره ثُمَّ خَافَ مَعْقِل مِنْ كِتْمَان الْحَدِيث وَرَأَى تَبْلِيغه أَوْ فِعْله لِأَنَّهُ خَافَهُ لَوْ ذَكَرَهُ فِي حَيَاته لِمَا يُهَيِّج عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيث وَيُثْبِتهُ فِي قُلُوب النَّاس مِنْ سُوء حَاله. هَذَا كَلَام الْقَاضِي. وَالِاحْتِمَال الثَّانِي هُوَ الظَّاهِر، وَالْأَوَّل ضَعِيف؛ فَإِنَّ الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر لَا يَسْقُط بِاحْتِمَالِ عَدَم قَبُوله. وَاَللَّه أَعْلَم

стр. 2882

اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ أن الغش في المسؤولية من الكبائر. وجوب النصح للمسلمين في كل شؤونهم. الوعيد الشديد لأئمة الجور. أن من تاب قبل موته قبل الله توبته لقوله (يموت يوم يموت .. ). التحذير من الرئاسة، ولذلك قال ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة (لا تسأل الإمارة). حرص السلف على تبليغ العلم وخوف كتمان العلم. الرد على المرجئة. نصح ولاة الأمور سراً. مشروعية عيادة المريض.

стр. 2883

١٤٩٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اَللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا، فَشَقَّ عَلَيْهِ، فَاشْقُقْ عَلَيْهِ) أَخْرَجَهُ مُسْلِم. === - (فَشَقَّ عَلَيْهِ) أي: أدخل المشقة عليهم. اذكر الحديث كاملاً؟ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اللَّهُمَّ مَنْ وَلِىَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِى شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ وَمَنْ وَلِىَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِى شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِه). الرفق: ضد العنف، ويتضمن لين الجانب ولطافة القول والفعل ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد التحذير الشديد لمن ولي أمراً من أمور المسلمين فأدخل المشقة عليهم. اذكر فضائل الرفق؟ أولاً: أن الله يحبه. عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْق) متفق عليه. ثانياً: الرفق يزين الأمور. عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ زَانَهُ وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ شَانَه) رواه مسلم. ثالثاً: دعاء المصطفى ﷺ لمن رفق بأمته. كما في حديث الباب (اللهم من رفق بأمتي فارفق به). رابعاً: البشارة النبوية لصاحب الرفق. قال ﷺ : (إذا أراد الله بقوم خيراً أدخل عليهم الرفق) رواه أحمد. خامساً: أن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف. عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِى عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِى عَلَى الْعُنْفِ وَمَا لَا يُعْطِى عَلَى مَا سِوَاه) رواه مسلم. قال القاضي عياض: معناه يتأتى به من الأغراض ويسهل به المطالب ما لا يتأتى بغيره. سادساً: أن من يحرم الرفق يحرم الخير. عَنْ جَرِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْر) رواه مسلم.

стр. 2884

١٤٩١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَتَجَنَّبِ اَلْوَجْهَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. === ما حكم ضرب الوجه؟ حرام. لحديث الباب. وفي لفظ (إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُم … ). قال في الفتح في خصوص دلالة النهي الوارد في الحديث: لم يتعرض النووي لحكم هذا النهي، وظاهره التحريم. ويؤيده حديث سويد بن مقرن الصحابي: أنه ﷺ رأى رجلاً لطم غلاماً فقال (أو ما علمت أن الصورة محترمة). قال النووي: هَذَا تَصْرِيح بِالنَّهْيِ عَنْ ضَرْب الْوَجْه؛ لِأَنَّهُ لَطِيف يَجْمَع الْمَحَاسِن، وَأَعْضَاؤُهُ نَفِيسَة لَطِيفَة، وَأَكْثَر الْإِدْرَاك بِهَا؛ فَقَدْ يُبْطِلهَا ضَرْب الْوَجْه، وَقَدْ يُنْقِصُهَا، وَقَدْ يُشَوِّه الْوَجْه، وَالشَّيْن فِيهِ فَاحِش؛ وَلِأَنَّهُ بَارِز ظَاهِر لَا يُمْكِن سَتْره، وَمَتَى ضَرَبَهُ لَا يَسْلَم مِنْ شَيْن غَالِبًا. وقال الحافظ: ويدخل في النهي كل من ضرب في حد أو تعزير أو تأديب، وقد وقع في حديث أبي بكرة وغيره عند أبي داود وغيره في قصة التي زنت، فأمر النبي ﷺ برجمها وقال (ارموا واتقوا الوجه) وإذا كان ذلك في حق من تعين إهلاكه فمن دونه أولى. وقال الصنعاني: وهذا النهي عام لكل ضرب ولطم من تأديب أو غيره. (سبل السلام). ما الحكمة من النهي عن ضربه؟ قال النووي: قال العلماء: إنما نُهي عن ضرب الوجه لأنه لطيف يجمع المحاسن، وأكثر ما يقع الإدراك بأعضائه، فيخشى من ضربه أن تبطل أو تتشوه كلها أو بعضها، والشين فيها فاحش لظهورها وبروزها بل لا يسلم إذا ضرب غالباً من شين. وقال الشيخ ابن عثيمين: ولأن الوجه أشرف ما في الإنسان، وهو واجهة البدن كله، فإذا ضُرب كان أذل للإنسان مما لو ضرب غير وجهه. ما الجواب عن فعل امرأة الخليل ﵊، وهو ما جاء في قوله تعالى: (فَصَكَّتْ وَجْهَهَا)؟ فالجواب عنه من خمسة أوجُه: الوجه الأول: معناه ضَرَبَتْ وجهها. قال ابن عباس: لَطَمَتْ، وهذا مما يفعله الذي يرد عليه أمر يَستهوله. أفاده ابن عطية. والوجه الثاني: أن هذا الفعل للتعجّب. قال سفيان والسدي ومجاهد: معناه ضربت بِكَفِّها جبهتها وهذا مستعمل في الناس حتى الآن. وقال البغوي: أي ضَرَبَتْ وَجْهها تَعجُّباً. وقال ابن كثير: جَرَتْ به عادة النساء في أقوالهن وأفعالهن عند التعجب. والوجه الثالث: أنه ضرب خفيف. فقيل: إنها ضَرَبَتْ جبينها بأصابعها تعجباً. ومعلوم أن مَنْ ضَرَب نفسه لا يكون ضرب إهانة ولا ضَرْب إيلام. والوجه الرابع: أنه هو لو صحّ أنه من ضَرْب الوجه فهو مِنْ شَرْع مَنْ قَبْلَنا. وقد جاء شرعنا بخلافه. الوجه الخامس: أن المنهي عنه ضَرْب الإنسان وجْه غيره، وهذا من ضرب النفس.

стр. 2885

١٤٩٢ - وَعَنْهُ أَنَّ رَجُلاً قَالَ: (يَا رَسُولَ اَللَّهِ! أَوْصِنِي. فَقَالَ: لَا تَغْضَبْ، فَرَدَّدَ مِرَارًا. قَالَ: لَا تَغْضَبْ). أَخْرَجَهُ اَلْبُخَارِيُّ === ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد النهي عن الغضب، وقد تقدمت مباحث الغضب قريباً. ما معنى (لَا تَغْضَبْ)؟ قال السعدي: والنهي عن الغضب في قوله ﷺ (لا تغضب) يتضمن أمرين عظيمين: أحدهما: الأمر بفعل الأسباب، والتمرن على حسن الخلق، والحلم والصبر. (النهي عن تعاطي الأسباب الموصلة إليه من كل ما يحمل الغضب ويهيجه). والثاني: الأمر - بعد الغضب - أن لا ينفذ غضبه: فإن الغضب غالباً لا يتمكن الإنسان من دفعه ورده، ولكنه يتمكن من عدم تنفيذه. ما المراد بالغضب المنهي عنه في بالحديث؟ الغضب المنهي ما كان انتقاماً للنفس، أما الغضب إذا انتهكت حرمات الله، فهو مأمور به، وهو دليل الإيمان.

стр. 2886

١٤٩٣ - وَعَنْ خَوْلَةَ اَلْأَنْصَارِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِنَّ رِجَالاً يتخوَّضون فِي مَالِ اَللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمْ اَلنَّارُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ) أَخْرَجَهُ اَلْبُخَارِيُّ. === - (إنَّ رِجَالاً) من العمال وغيرهم. (يَتَخَوَّضُونَ في مَالِ الله بغَيرِ حَق) قال ابن حجر: قوله (يتخوضون) - بالمعجمتين- في مال الله بغير حق، أي: يتصرفون في مال المسلمين بالباطل. ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد تحريم التصرف في مال المسلمين بغير حق. وعند الترمذي وصححه، ولفظه: (إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ مَنْ أَصَابَهُ بِحَقِّهِ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَرُبَّ مُتَخَوِّضٍ فِيمَا شَاءَتْ بِهِ نَفْسُهُ مِنْ مَالِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لَيْسَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا النَّار). اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ شدة فتنة المال لأنَّ مِنْ طَبِيعَةِ النَّفسِ البَشَرِيَّةِ أَنَّهَا مَيَّالَةٌ إِلى المَالِ مُحِبَّةٌ لِجَمعِه. قَالَ سُبحَانَه (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالبَنِينَ وَالقَنَاطِيرِ المُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالخَيلِ المُسَوَّمَةِ وَالأَنعَامِ وَالحَرثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنيَا وَاللهُ عِندَهُ حُسنُ المَآبِ). وَقَالَ سُبحَانَهُ: (وَتُحِبُّونَ المَالَ حُبًّا جَمًّا). وَقَالَ : (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخَيرِ لَشَدِيدٌ). وَقَالَ ﷺ (لَو أَنَّ لابنِ آدَمَ وَادِيًا مِنْ ذَهَبٍ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَادِيَانِ، وَلَنْ يَملأَ فَاهُ إِلاَّ التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَاب). التحذير من صرف المال في غير حقه. وجوب الأمانة في صرف الأموال.

стр. 2887

١٤٩٤ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ- قَالَ (يَا عِبَادِي! إِنِّي حَرَّمْتُ اَلظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَّالَمُوا) أَخْرَجَهُ مُسْلِم. === ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد تحريم الظلم، وقد تقدم ذلك. ووجه الدلالة من الحديث من وجهين: الأول: أن الله حرمه على نفسه، فإذا كان محرماً على الله مع كمال قدرته وسعة ملكه فحرمته على العبد أولى لظهور عجزه ونقص ملكهِ. والآخر: أن الله جعله بيننا محرماً، فنهى عنه نهي تحريم. وقد جاءت الأدلة الكثيرة في ذلك: كما قال تعالى (وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ). وقال تعالى (ومَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ). وقال تعالى (ومَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعَالَمِينَ). وقال تعالى (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ). وقال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً). وقال تعالى (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً). الهضم: أن يُنقص من جزاء حسناته، والظلم: أن يعاقب بذنوب غيره. لماذا نقول: إن الله لا يظلم مع قدرته عليه؟ قال ابن رجب: وهو مما يدل على أن الله قادر على الظلم ولكنه لا يفعله فضلاً منه وجوداً، وكرماً وإحساناً إلى عباده. وقال الشيخ ابن عثيمين: وإنما قلنا مع قدرته عليه، لأنه لو كان ممتنعاً على الله لم يكن ذلك مدحاً ولا ثناءً، إذ لا يثنى على الفاعل إلا إذا كان يمكنه أن يفعل أو لا يفعل. لماذا الله لا يظلم؟ لكمال عدله. وهكذا كل نفي يأتي في صفات الله تعالى في الكتاب والسنة إنما هو لثبوت ضده. كقوله تعالى (وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً) لكمال عدله. وقوله تعالى (لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ) لكمال علمه، لا يعزب: لا يغيب. وقوله (لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) لكمال قيوميته وحياته.

стр. 2888

ما المراد بالظلم في هذا الحديث؟ تقدم أن الظلم ينقسم إلى أقسام: القسم الأول: الشرك، وهو أعظم الظلم. قال تعالى عن لقمان (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)، فإن المشرك جعل المخلوق في منزلة الخالق، فعبده وتألهه، فوضع الأشياء في غير موضعها، وأكثر ما ذكر في القرآن من وعيد الظالمين إنما أريد به المشركون كما قال تعالى (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) القسم الثاني: ظلم العبد نفسه بالمعاصي. قال تعالى ﴿فمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِه﴾. القسم الثالث: ظلم العباد بعضهم بعضاً، وهو المذكور في هذا الحديث. قال تعالى (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ). وهذا القسم هو المقصود بالحديث لقوله (فلا تظالموا). وقد جاءت نصوص كثيرة تبين تحريم الظلم: قال رسول الله ﷺ (إن الظلم ظلمات يوم القيامة) متفق عليه. وقال ﷺ (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا) متفق عليه وقال ﷺ (من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين) متفق عليه. وقال ﷺ (من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلل منها، فإنه ليس ثم دينار ولا درهم من قبل أن يأخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه، فطرحت عليه) رواه البخاري. والظلم ينقسم إلى قسمين: أحدهما: منع ما يجب لهم من الحقوق وهو التفريط، والثاني: فعل ما يضر به وهو العدوان. الحديث دليل على عظيم رحمة الله بعباده ورفقه به، ما وجه ذلك؟ وجه ذلك: أنه ناداهم بهذا اللفظ (يا عبادي) المشعر بالرحمة والرفق. ماذا نستفيد من لفظ (يا عبادي)؟ نستفيد التذكير للعباد بالحكمة التي من أجلها خلقوا وهي عبادة الله. قال تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). وقال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ). وقد امتدح ربنا جل وعلا نبيه ﷺ وأثنى عليه ووصفه في أشرف مقاماته بوصف العبودية: فقال سبحانه في الإسراء) سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى). وفي مقام الدعوة قال سبحانه (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً). وفي مقام التحدي قال سبحانه (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا).

стр. 2889

١٤٩٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (أَتَدْرُونَ مَا اَلْغِيبَةُ؟ قَالُوا: اَللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ. قِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اِغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقَدْ بَهَتَّهُ) أَخْرَجَهُ مُسْلِم. === - (أَتَدْرُونَ مَا اَلْغِيبَة؟) الهمزة للاستفهام. (فَقَدْ بَهَتَّهُ) البهتان: ذِكر المسلم بما ليس فيه وهو الكذب في القول عليه. عرف الغيبة؟ عرفها النبي ﷺ بقوله (ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ). ما حكم الغيبة. حرام بالكتاب والسنة والإجماع. قال ابن كثير: الغيبة محرمة بالإجماع. وقال القرطبي: لا خلاف أن الغيبة من الكبائر. اذكر الأدلة على تحريم الغيبة. جاءت النصوص الكثيرة التي تدل على حرمة الغيبة وأنها من الكبائر. قال تعالى (وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ). وقال تعالى (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً). وقال النبي ﷺ (من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال) رواه أبو داود. (ردغة الخبال: عصارة أهل النار من صديد وقيح والعياذ بالله). وعن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال (من أكل لحم أخيه في الدنيا قرب إليه يوم القيامة، فيقال له كله ميتاً كما أكلته حياً فيأكله فيكلح ويصيح " رواه أبو يعلي وابن حبان بسند صحيح. وقال ﷺ (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا) متفق عليه. وهي تأكل الحسنات: كما في حديث أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ». قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ. فَقَالَ «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِى يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ) رواه مسلم.

стр. 2890

وهي من أسباب عذاب القبر. كما جاء في حديث ابن عباس قال (مر النبي ﷺ بقبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة) وجاء في رواية (بالغيبة). وهي ذنب عظيم كبير. عن عائشة. قالت (قلت للنبي ﷺ حسبك من صفية كذا وكذا. قال بعض الرواة: تعني قصيرة: فقال: لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته) رواه أبو داود. وهي سبب من أسباب دخول النار. كما في حديث أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ مَا فِيهَا يَهْوِى بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ). وفي رواية (وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغَ ما بلغت، يكتبُ الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه) رواه مالك. وهي سبب للعذاب قبل الآخرة. كما في حديث أنس. قال: قال رسول الله ﷺ (لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم! فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم) رواه أبو داود. ومن اغتاب الناس وفضحهم عاقبه بمثل ذلك وفضحه الله. قال ﷺ (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته). اذكر بعض أقوال السلف في التحذير من الغيبة؟ قال يحيي بن معاذ: ليكن حظ المؤمن منك ثلاثاً: إن لم تنفعه فلا تضره، وإن لم تفرحه فلا تغمه، وإن لم تمدحه فلا تذمه. واغتاب رجل عند معروف الكرخي فقال له: اذكر القطن إذا وضع على عينيك. وقيل للربيع بن خثيم: ما نراك تغتاب أحداً؟ فقال: لست عن نفسي راضياً فأتفرغ لذم الناس. وقال الإمام مالك: أدركت بهذه البلدة - يعني المدينة - أقواماً ليس لهم عيوب فعابوا الناس فصارت لهم عيوب، وأدركت بهذه البلدة أقواماً كانت لهم عيوب، فسكتوا عن عيوب الناس فنسيت عيوبهم. ذكر أن عيسى قال لأصحابه: أرأيتم لو أتيتم على رجل نائم، قد كشف الريح عن بعض عورته؟ كنتم تسترون عليه؟ قالوا: نعم؟ قال: بل كنتم تكشفون البقية، قالوا: سبحان الله؟!! كيف نكشف البقية؟ قال: أليس يُذكر عندكم الرجل فتذكرونه بأسوأ ما فيه، فأنتم تكشفون بقية الثوب عن عورته.

стр. 2891

ما حكم غيبة الكافر؟ الكافر على نوعين: الكافر المحارب للإسلام. وهذا لا حرمة له فيجوز ذكر نقائصه للتحذير منه وإضعاف هيبته قال الله تعالى: (ولا ينالون من عدو نيلا) يقال: نال منه إذا أصابه برزء ويدخل فيه كل ما يصيبهم وينقص من قوتهم وعزيمتهم ويزيد من قوة المسلمين عليهم حساً ومعنى ويدخل في ذلك ذكر نقائصهم وعيوبهم لعموم اللفظ. وفي البخاري عن البراء بن عازب ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول لحسان يوم قريظة: " اهجهم أو هاجهم وجبريل معك. ومعنى (اهجهم) فعل أمر من هجا يهجو هجوا وهو الذم ومعنى (هاجهم) من المهاجاة أي جازهم بهجوهم. الكافر المعاهد بعقد ذمة أو أمان: مثاله: الكافر الذي يدخل إلى بلاد المسلمين بعقد وقانون يحفظ له حقوقه. الكفار الذين يعيش المسلم بينهم في بلادهم أو يفد إليهم بعقد وقانون عمل أو دراسة أو علاج ونحو ذلك. وأحكام غيبة هذا النوع من الكفار كأحكام غيبة المسلم وإن كان المسلم أشد حرمة من غيره على الصحيح لفضل الإسلام عليه. وقيل: تجوز غيبته، لأنه لا حرمة له.

стр. 2892

١٤٩٦ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اَللَّهِ إِخْوَانًا، اَلْمُسْلِمُ أَخُو اَلْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، اَلتَّقْوَى هَا هُنَا، وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، بِحَسْبِ اِمْرِئٍ مِنْ اَلشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ اَلْمُسْلِمَ، كُلُّ اَلْمُسْلِمِ عَلَى اَلْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ - أَخْرَجَهُ مُسْلِم. === ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد تحريم هذه الأمور المذكورة في الحديث وهي: أولاً: (ولا تحاسدوا). فيه تحريم الحسد، وقد تقدمت مباحثه. ثانياً: (ولا تناجشوا). فيه تحريم النجش. وهو أن يزيد في السلعة وهو لا يريد شراءها. وقد تقدمت مباحثه في كتاب البيوع. ثالثاً: (وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا). فيه تحريم التباغض والتدابر. فقوله (وَلَا تَبَاغَضُوا) أي: لا يُبغض بعضكم بعضاً، فلا تتخذوا أسباب البغض. وقوله (وَلَا تَدَابَرُوا) أنْ يُعْرضَ عَنِ الإنْسَان ويَهْجُرَهُ وَيَجْعَلهُ كَالشَيءِ الَّذِي وَرَاء الظَّهْر وَالدُّبُر. قال ابن رجب: نهى المسلمين عَنِ التَّباغض بينهم في غير الله، بل على أهواءِ النُّفوسِ، فإنَّ المسلمينَ جعلهمُ الله إخوةً، والإخوةُ يتحابُّونَ بينهم، ولا يتباغضون، وقال النَّبيُّ ﷺ (والذي نفسي بيده، لا تدخُلُوا الجنَّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتَّى تحابُّوا، ألا أدلُّكم على شيءٍ إذا فعلمتموه تحاببتم؟ أفشوا السَّلام بينكم) خرَّجه مسلم. وقد حرَّم الله على المؤمنين ما يُوقع بينهم العداوة والبغضاء، كما قال (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُون). وامتنَّ على عباده بالتَّأليف بين قلوبهم، كما قال تعالى (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً). وقال (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ). ولهذا المعنى حرم المشي بالنَّميمة، لما فيها من إيقاع العداوة والبغضاء، ورُخِّصَ في الكذب في الإصلاح بين النَّاس، ورغَّب الله في الإصلاح بينهم، كما قال تعالى (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً).

стр. 2893

وخرَّج الإمام أحمد وأبو داود والترمذيُّ من حديث أبي الدرداء، عن النَّبيِّ ﷺ قال (ألا أخبركم بأفضلَ مِنْ درجة الصلاة والصيام والصَّدقة؟) قالوا: بلى يا رسول الله، قال (صلاحُ ذاتِ البينِ؛ فإنَّ فسادَ ذات البين هي الحالِقةُ). وأمَّا البغض في الله، فهو من أوثق عرى الإيمان، وليس داخلاً في النَّهي. رابعاً: (وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ). فيه: تحريم بيع المسلم على أخيه المسلم. مثاله: أن يشتري شخص من إنسان سلعة بـ (١٠) ثم يأتيه آخر ويقول: أعطيك مثلها بـ (٩)، أو يقول أعطيك أحسن منها بـ (١٠). والحكمة من النهي: حصول التحاسد والتباغض. وقد تقدمت مباحثه في كتاب البيوع. خامساً: أن المسلم أخو المسلم. كما قال تعالى (إنما المؤمنون إخوة). ومن مقتضيات ذلك ألا يظلمه ولا يكذبه، ولا يغشه، ولا يخونه، ولا يخذله، ولا يحقره. ولذلك قال (وَكُونُوا عِبَادَ الله إخْوَاناً) قال الحافظ: هذه الجملة تشبه التعليل لما تقدم، كأنه قال: إذا تركتم هذه المنهيات كنتم إخواناً، ومفهومه: إذا لم تتركوها تصيروا أعداء. فقوله (وَكُونُوا عِبَادَ الله إخْوَاناً) يحتمل معنيين: أحدهما: إنه إنشاء يراد به الخبر، أي: إذا تركتم الحسد والتدابر .... فستكونون يا عباد الله إخواناً. الثاني: أن المراد به حقيقة الأمر، أي: كونوا عباد الله إخواناً فيه. ما حكم الظلم وخذلان المسلم؟ حرام، لقوله (لا يظلمه) وقد تقدمت مباحثه. ولقوله (وَلَا يَخْذُلُهُ). فإنَّ المؤمن مأمورٌ أنْ يَنصُرَ أخاه. كما قال ﷺ (انصُر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قال: يا رسولَ الله، أنصُرُهُ مَظلوماً، فكيف أنصره ظالماً؟ قال: تمنعه عنِ الظُّلم، فذلك نصرُك إيَّاه). ما حكم احتقار المسلم لأخيه المسلم؟ حرام. لقوله (ولا يَحقِرُه). ولقوله (بِحَسْبِ اِمْرِئٍ مِنْ اَلشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ اَلْمُسْلِم). وقال تعالى (يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاء مِنْ نِّسَاء عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ … ).

стр. 2894

ينهى تعالى عن السخرية بالناس وهو احتقارهم والاستهزاء بهم، ثم بين الحكمة: فإنه قد يكون المحتقر أعظم قدراً عند الله تعالى وأحب إليه من الساخر منه والمحتقر له (ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن) فنص على نهي الرجال، وعطف بنهي النساء، ففي الآية تحريم السخرية والاستهزاء بالناس واحتقارهم. ما معنى (بِحَسْبِ اِمْرِئٍ مِنْ اَلشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ اَلْمُسْلِم). قال ابن رجب: يعني: يكفيه مِنَ الشرِّ احتقارُ أخيه المسلم، فإنَّه إنَّما يحتقرُ أخاه المسلم لتكبُّره عليه، والكِبْرُ من أعظمِ خِصالِ الشَّرِّ، وفي صحيح مسلم عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال (لا يدخلُ الجنَّة من في قلبه مثقالُ ذرَّةٍ من كِبْرٍ). اذكر ماذا تستلزم السخرية؟ أولاً: أنها من أعظم الشرور. قال ﷺ ( … بحسب امرئ من الشر، أن يحقر أخاه المسلم). ثانياً: ربما يكون المسخور منه أفضل وأعظم عند الله من الساخر. كما جاء في الآية (عسى أن يكونوا خيراً منهم). وقال ﷺ (ربّ أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره). ثالثاً: أن السخرية من صفات الكفار بالمؤمنين. قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ). وقال تعالى: (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ). رابعاً: دليل على الكبر والتعاظم. وقد قال ﷺ : (الكبر بطر الحق وغمط الناس) أي احتقارهم. خامساً: دليل على سوء الخلق. ولهذا قال ﷺ : (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المؤمن … ). سادساً: أنه مناف لقضاء الله. لأن هذا إذا كان فقيراً أو ضعيفاً فهذا من قدر الله وقضائه. سابعاً: دليل على ضعف الإيمان. لأن المؤمن الكامل دائماً يتهم نفسه ويخاف أن لا يتقبل منه. ثامناً: أن السخرية من تقديم أمر الدنيا على الآخرة. لأن الساخر نظر إلى وضعه الدنيوي ولم ينظر أنه ربما يكون عند الله أعظم وأفضل. ونستفيد: أن أكرم الناس عند الله هو أتقاهم لقوله (اَلتَّقْوَى هَا هُنَا).

стр. 2895

قال ابن رجب: قوله (التَّقوى هاهنا يشير إلى صدره ثلاثَ مرَّاتٍ) فيه إشارةٌ إلى أنَّ كرم الخَلْق عند الله بالتَّقوى، فربَّ من يحقِرُه الناس لضعفه، وقلَّةِ حظِّه من الدُّنيا، وهو أعظمُ قدراً عند الله تعالى ممَّن له قدرٌ في الدُّنيا، فإنَّ الناسَ إنّما يتفاوتُون بحسب التَّقوى. كما قال الله تعالى (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُم). وسئل النَّبيُّ ﷺ مَنْ أكرمُ الناسِ؟ قال (أتقاهُم لله). وفي حديث آخر (الكرمُ التَّقوى). وإذا كان أصلُ التَّقوى في القُلوب، فلا يطَّلعُ أحدٌ على حقيقتها إلا الله ، كما قال ﷺ (إنَّ الله لا ينظرُ إلى صُورِكُم وأموالِكم، ولكن ينظرُ إلى قلوبكم وأعمالكم) وحينئذ، فقد يكونُ كثيرٌ ممَّن له صورةٌ حسنةٌ، أو مالٌ، أو جاهٌ، أو رياسةٌ في الدنيا، قلبه خراباً من التقوى، ويكون من ليس له شيء من ذلك قلبُه مملوءاً مِنَ التَّقوى، فيكون أكرمَ عند الله تعالى، بل ذلك هو الأكثر وقوعاً، كما في الصحيحين عن حارثةَ بن وهبٍ، عن النَّبيِّ ﷺ قال (ألا أُخبِرُكم بأهل الجنَّةِ: كلُّ ضعيف متضعَّفٍ، لو أقسم على الله لأبرَّهُ، ألا أخبركم بأهل النَّارِ: كلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُستكبِرٍ). وفي المسند عن أنس عن النَّبيِّ ﷺ قال (أمَّا أهلُ الجنَّة، فكلُّ ضعيفٍ متضعَّفٍ، أشعث، ذي طِمرين، لو أقسمَ على الله لأبرَّه؛ وأمَّا أهلُ النَّارِ، فكلُّ جَعْظَريٍّ جَوَّاظ جمَّاعٍ، منَّاعٍ، ذي تَبَع). وفي الصحيحين عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ قال (تحاجَّت الجنَّةُ والنَّارُ، فقالتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بالمتكبِّرينَ والمتجبِّرين، وقالتِ الجنَّةُ: لا يدخُلُني إلا ضعفاءُ النَّاس وسَقَطُهم، فقال الله للجنَّةِ: أنت رحمتي أرحمُ بك من أشاءُ من عبادي، وقال للنار: أنت عذابي، أعذِّبُ بكِ من أشاء من عبادي). وخرَّجه الإمام أحمد من حديث أبي سعيدٍ عن النَّبيِّ ﷺ قال (افتخرت الجنَّةُ والنَّارُ، فقالت النار: يا ربِّ، يدخُلُني الجبابرة والمتكبِّرون والملوكُ والأشرافُ، وقالت الجنَّةُ: يا ربِّ يدخُلُني الضُّعفاء والفقراءُ والمساكين) وذكر الحديث.

стр. 2896

١٤٩٧ - وَعَنْ قُطْبَةَ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ (اَللَّهُمَّ جَنِّبْنِي مُنْكَرَاتِ اَلْأَخْلَاقِ، وَالْأَعْمَالِ، وَالْأَهْوَاءِ، وَالْأَدْوَاءِ) أَخْرَجَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ وَاللَّفْظِ لَه. === - (وَعَنْ قُطْبَةَ بْنِ مَالِكٍ) بضم القاف وإسكان الطاء. (اَللَّهُمَّ جَنِّبْنِي) أي: باعدني، أي: اجعلني في جانب وهي في جانب. (مُنْكَرَاتِ اَلْأَخْلَاقِ) أي: الأخلاق المنكرة.، كالقتل، والشرك، والزنا وغيرها. (وَالْأَعْمَالِ) أي: ومنكرات الأعمال. (وَالْأَهْوَاءِ) أي: الأهواء المنكرة المضلة. (وَالْأَدْوَاءِ) جمع داء، أي: وأعوذ بك من الأدواء المنكرة، وهي الأمراض والمقصود بمنكرات الأدواء هو سيء الأسقام؛ كالاستسقاء والسل والمرض المزمن الطويل. إلخ. وقد ورد في الحديث الشريف عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يقول: اللهم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبَرَصِ وَالْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَمِنْ سَيِّئِ الأَسْقَامِ. ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد استحباب الدعاء بهذا الدعاء. وعلى المؤمن أن يباعد عن كل خلق سيء من قول أو فعل. كان ﷺ يقول في دعاء الاستفتاح (اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ. اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ). وقال تعالى عن إبراهيم (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ). وقال تعالى عن يوسف ﵇ (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ). قال ابن تيمية: فيه عبرتان: إحداهما: اختيار السجن والبلاء على الذنوب والمعاصي. والثانية: طلب سؤال الله ودعائه أن يثبت القلب على دينه ويصرفه إلى طاعته، وإلا فإذا لم يثبت القلب وإلا صبا إلى الآمرين بالذنوب وصار من الجاهلين. وكان ﷺ يقول ( … وَاهْدِنِي لأَحْسَنِ الأَخْلَاقِ لَا يَهْدِى لأَحْسَنِهَا إِلاَّ أَنْتَ وَاصْرِفْ عَنِّى سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّى سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنْتَ … ) رواه مسلم.

стр. 2897

لماذا استعاذ النبي ﷺ من هذه الأربع؟ لأن ابن آدم لا ينفكّ منها في تقلبه في ليله ونهاره. اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ تضمَّنت هذه الاستعاذات المهمّة من كلّ الذنوب الظاهرة والباطنة. أن الأخلاق تنقسم إلى منكر ومعروف. أن النبي ﷺ بشر مفتقر إلى ربه. على المسلم أن يحرص على محاسن الأخلاق.

стр. 2898

١٤٩٨ - وَعَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا تُمَارِ أَخَاكَ، وَلَا تُمَازِحْهُ، وَلَا تَعِدْهُ مَوْعِدًا فَتُخْلِفَهُ) أَخْرَجَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْفٌ. === (لَا تُمَارِ أَخَاكَ) حقيقة المراء: طعنك في كلام غيرك لإظهار خلل فيه لغير غرض سوى تحقير قائله. قال الشيخ ابن عثيمين: المماراة المجادلة انتصاراً للنفس. وقيل: كثرة الملاحاة للشخص لبيان غلطه وإفحامه، والباعث على ذلك الترفع. ما صحة حديث الباب؟ ضعيف كما قال المصنف ﵀. اذكر ما ورد في ذم المراء؟ عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (ما ضلَّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أُوتوا الجدل. ثم قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُون). قال القاري: والمعنى ما كان ضلالتهم ووقوعهم في الكفر إلا بسبب الجدال، وهو الخصومة بالباطل مع نبيهم، وطلب المعجزة منه عنادًا أو جحودًا، وقيل: مقابلة الحجة بالحجة، وقيل: المراد هنا العناد، والمراء في القرآن ضربُ بعضه ببعض؛ لترويج مذاهبهم، وآراء مشايخهم، من غير أن يكون لهم نصرة على ما هو الحق، وذلك محرم، لا المناظرة لغرض صحيح كإظهار الحقِّ فإنه فرض كفاية. وقال المناوي: أي الجدال المؤدي إلى مراء ووقوع في شك، أما التنازع في الأحكام فجائز إجماعًا، إنما المحذور جدال لا يرجع إلى علم، ولا يقضى فيه بضرس قاطع، وليس فيه اتباع للبرهان، ولا تأول على النصفة، بل يخبط خبط عشواء غير فارق بين حقٍّ وباطل. وقال البيضاوي: المراد بهذا الجدل العناد، والمراء، والتعصب. وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء، وإن كان محقًّا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب، وإن كان مازحًا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه) رواه الترمذي. قال السندي: ومن ترك المراء: أي الجدال خوفًا من أن يقع صاحبه في اللجاج الموقع في الباطل. اذكر بعض أقوال السلف في ذم المراء؟ قال عمر بن عبد العزيز: قد أفلح من عُصم من المراء والغضب والطمع. وقال: من جعل دينه عرضة لخصومات أكثر التنقل. وقال: احذر المراء، فإنه لا تؤمن فتنته، ولا تفهم حكمته. وقال: إذا سمعت المراء فأقصر.

стр. 2899

وقال ميمون بن مهران: لا تمارين عالماً ولا جاهلاً، فإنك إن ماريتَ عالماً خزن عنك علمه، وإن ماريتَ جاهلاً خشن صدرك. وقال عبدالرحمن بن أبي ليلى: لا أماري صاحبي، فإما أن أكذبه وإما أن أُغضبه. وقال الأوزاعي: إذا أراد الله بقوم شرًّا، فتح عليهم الجدل، ومنعهم العمل. وقال عبد الكريم الجزري: ما خاصم ورع في الدين قط. وقال مالك بن أنس: المراء يقسِّي القلوب، ويُورث الضغائن. وقال أيضاً: كلما جاء رجل أجدل من رجل، تركنا ما نزل به جبريل على محمد ﵇ لجدله. وقال بلال بن سعد: إذا رأيت الرجل لجوجًا مماريًا معجبًا برأيه فقد تمت خسارته. وقال الشافعي: المراء في العلم يقسي القلوب، ويورث الضغائن. وقال محمد بن الحسين: من صفة الجاهل: الجدل، والمراء، والمغالبة. وعن الحسن قال: ما رأينا فقيهًا يماري. وقال: إنما يخاصم الشاك في دينه. وقال مسلم بن يسار: إيَّاكم والمراء، فإنها ساعة جهل العالم، وبها يبتغي الشيطان زلته. وقال جعفر بن محمد: إياكم والخصومة في الدين، فإنها تشغل القلب وتورث النفاق. وقال معاوية بن قرة: الخصومات في الدين تحبط الأعمال. وقال محمد بن الحسين: وعند الحكماء: أنَّ المراء أكثره يغيِّر قلوب الإخوان، ويُورث التفرقة بعد الألفة، والوحشة بعد الأنس. وقال محمد بن علي: لا تجالسوا أصحاب الخصومات، فإنهم يخوضون في آيات الله. وجاء رجل إلى الحسن فقال: أنا أناظرك في الدين، قال الحسن: أنا قد عرفت ديني، فإن كان دينك قد ضل منك فاذهب فاطلبه. ما أنواع المجادلة؟ قال ابن عثيمين: المجادلة والمناظرة نوعان: النوع الأول: مجادلة مماراة: يماري بذلك السفهاء، ويجاري العلماء، ويريد أن ينتصر قوله؛ فهذه مذمومة. النوع الثاني: مجادلة لإثبات الحق وإن كان عليه؛ فهذه محمودة مأمور بها.

стр. 2900

هل قوله (ولا تمازحه) على إطلاقها؟ الجواب: لا. لأن المزاح المنهي عنه هو المزاح الكثير حيث يداوم عليه صاحبه. قال الإمام النووي ﵀: " المزاح المنهي عنه هو الذي فيه إفراط ويداوم عليه، فإنه يورث الضحك وقسوة القلب، ويشغل عن ذكر الله تعالى: ويؤول في كثير من الأوقات إلى الإيذاء، ويورث الأحقاد، ويسقط المهابة والوقار، فأما من سلم من هذه الأمور فهو المباح الذي كان رسول الله ﷺ يفعله. عن أبي هريرة ﵁ قال: قالوا: يا رسول الله، إنَّك تُدَاعِبُنَا؟ فقال النبي ﷺ (نعم، غير أنِّي لا أقولُ إلا حقاً) رواه الترمذي. قال ابن حبَّان: والمزاح على ضربين: أ- المزاح المحمود: وهو الذي لا يشوبه (يخالِطه) ما كَرِه اللهُ ، ولا يكون بإثمٍ ولا قطيعة رَحِم. ب- المزاح المَذْموم: وهو الذي يثير العداوةَ، ويُذهب البهاءَ، ويقطع الصداقَة، ويجرِّئ الدنيءَ عليه، ويحقد الشريفَ به. اذكر بعض أقوال السلف في ذم كثرة المزاح؟ قال عمر: من كثر ضحكه قلت هيبته، ومن مزح استخف به. وقال خالد بن صفوان: كان يقال: لكل شيء بذر، وبذر العداوة المزاح. وقال عمر بن عبد العزيز: اتقوا الله واتقوا المزاح، فإنه يورث الضغينة. وقال: اتقوا المزاح، فإنه يذهب المروءة. وقال سعد بن أبي وقاص: اقتصر في مزاحك، فإن الإفراط فيه يُذهب البهاء، ويجرّئ عليك السفهاء. وقيل في منثور الحكم: المزاح يأكل الهيبة كما تأكل النار الحطب. وقال بعض الحكماء: من كثر مزاحه زالت هيبته، ومن كثر خلافه طابت غيبته. وقال بعض البلغاء: من قل عقله. كثر هزله. فإياك إياك المزاح فإنه … يجرئ عليك الطفل والدنس النذلا ويُذهب ماء الوجه بعد بهائه ويورثه من بعد عزته ذلاً قال الغزالي: من الغلط العظيم أن يتخذ المزاح حرفة

стр. 2901

المزاح الخفيف من هدي النبي ﷺ اذكر بعض الأمثلة؟ أ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ تُدَاعِبُنَا قَالَ: إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَا حَقًّا) رواه الترمذي. ب- عن عائشة ﵂ قالت: خرجتُ مع النبيِّ ﷺ في بعضِ أسفارِه، وأنا جارِية لم أَحْمل اللَّحمَ ولم أبدن، فقال للنَّاس: تقدَّمُوا، فتقدَّمُوا، ثم قال لي: تعالي حتى أُسابِقَك، فسابقتُه فسبقتُه، فسكتَ عنِّي حتى إذا حملتُ اللَّحمَ وبدنتُ ونسيتُ، خرجتُ معه في بعض أَسْفاره، فقال للناس: تقدَّمُوا، فتقدَّمُوا، ثمَّ قال: تعالي حتَّى أسابِقَك، فسابقتُه فسبقَنِي، فجعل يضحك وهو يقول (هذه بتلك). يقول ابن كثير ﵀ في تفسيره: وكان من أخلاقِه ﷺ أنه جميل العِشْرَة، دائم البِشْر، يداعِب أهلَه ويتلطَّف بهم، ويوسعُهُم نفقتَه، ويضاحك نساءَه حتى إنَّه كان يسابِق عائشة أمَّ المؤمنين يتودَّد إليها بذلك. ج- وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ (إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ لِأَخٍ لِي صَغِيرٍ: يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟). قَالَ أَبُو عِيسَى: وَفِقْهُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُمَازِحُ وَفِيهِ أَنَّهُ كَنَّى غُلَامًا صَغِيرًا فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عُمَيْرٍ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطَى الصَّبِيُّ الطَّيْرَ لِيَلْعَبَ بِهِ. وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ نُغَيْرٌ يَلْعَبُ بِهِ فَمَاتَ، فَحَزِنَ الْغُلَامُ عَلَيْهِ فَمَازَحَهُ النَّبِيُّ ﷺ : يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟. د- وعنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، (أَنَّ رَجُلاً اسْتَحْمَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي حَامِلُكَ عَلَى وَلَدِ نَاقَةٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَصْنَعُ بِوَلَدِ النَّاقَةِ؟ فَقَالَ ﷺ : وَهَلْ تَلِدُ الإِبِلَ إِلَا النُّوقُ) هـ- ومن مزاحه ﷺ : ما رواه البخاريُّ ومسلم عن محمود بن الرَّبيع ﵁ قال (عقلتُ من النبيِّ ﷺ مَجَّةً مَجَّهَا في وجهي وأنا ابنُ خمسِ سنين من دَلْو). قال النووي ﵀: "قال العلماء: المجُّ طرح الماءِ من الفم بالتزريق؛ وفي هذا مُلاطفة الصِّبيان، وتأنيسُهم، وإكرام آبائهم بذلك، وجواز المزاح. وكان النبي ﷺ يقول لأنس بن مالك ﵁ (يَا ذَا الأُذُنَين (رواه الترمذي. وكان ﷺ يقول لعليِّ بن أبي طالب ﵁ (قُم أبا تُرابِ، قُم أبا تُراب). وكان ﷺ يقول لحذيفة ﵁ (قم يا نَوْمَان) رواه مسلم. وكان ﷺ يقول لأبي هريرة ﵁ (يا أَبَا هِرّ) رواه البخاري. وكان ﷺ يقول لعائشة ﵂ (يا عائش (رواه البخاري ومسلم.

стр. 2902

ما شروط المزاح؟ أولاً: عدم الانهماك والاسترسال والمبالغة والإطالة: ثانياً: ألا يروِّع أخاه: قال ﷺ (لا يحل لمسلم أن يروِّع مسلماً) رواه أبو داود. ثالثاً: أن يُنْزِل الناس منازلهم: إن العالم والكبير لهم من المهابة والوقار منزلة خاصة، ولأن المزاح قد يفضي إلى سوء الأدب معهما غالباً فينبغي الابتعاد عن المزاح معهما خشية الإخلال بتوجيه النبي ﷺ حيث يقول: إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم. ونقل طاووس عن ابن عباس ﵁ أنه قال: "من السنة أن يوقَّر العالِم. رابعاً: ألا يكون مع السفهاء: قال سعد بن أبي وقاص لابنه: اقتصد في مزاحك؛ فإن الإفراط فيه يذهب البهاء، ويجرِّئ عليك السفهاء. خامساً: ألا يكون فيه غيبة. لأن الغيبة حرام. سادساً: عدم الكذب. قال ﷺ (ويل للذي يحدِّث فيكذب ليُضحِكَ به القوم ويل له). وقوله ﷺ (إن الرجل ليتكلم بالكلمة ليُضحِك بها جلساءه يهوي بها في النار أبعد من الثريا). سابعاً: السخرية والاستهزاء بالآخرين. فتلك محرمة وتعد من الكبائر، يقول ـ تعالى (يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ ولا نِسَاءٌ مِنْ نِّسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ ولا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ ولا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ ومَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). ثامناً: ألا يكون فيه شيء من الاستهزاء بالدين. فيعد هذا من نواقض الإسلام. لقوله تعالى (ولَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وآيَاتِهِ ورَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمَانِكم). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر يكفر به صاحبه بعد إيمانه. يقول ابن عباس ﵄: من أذنب ذنباً وهو يضحك دخل النار وهو يبكي.

стр. 2903

١٤٩٩ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (خَصْلَتَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي مُؤْمِنٍ: اَلْبُخْلُ، وَسُوءُ اَلْخُلُقِ) أَخْرَجَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ. === (اَلْبُخْلُ) هو منع ما يجب بذله. (وَسُوءُ اَلْخُلُقِ) ضد حسن الخلق. ماذا نستفيد في الحديث؟ نستفيد ذم البخل، وأن من علامات المؤمن الحق لا يمكن أن يكون بخيلاً. اذكر ما ورد في ذم البخل؟ البخل صفة ذميمة وقبيحة. قال تعالى (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى). وهو من صفات المنافقين. قال تعالى (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ). والله لا يحب من يبخل. قال تعالى (لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ). وأخبر تعالى أن من وقي شح نفسه فقد أفلح. فقال تعالى (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). وهو من صفات أهل النار. قال ﷺ (إن أهل النار كل جعظري جواظ مستكبر جماع مناع) رواه أحمد. وهو شر ما في الرجل. كما قال ﷺ (شر ما رجل شح هالع وجبن خالع) رواه أحمد. واستعاذ النبي ﷺ منه. عن أنس قال (كان رسول الله ﷺ يتعوذ يقول: اللهم إني أعوذ بك من الكسل وأعوذ بك من الجبن وأعوذ بك من الهرم وأعوذ بك من البخل) متفق عليه.

стр. 2904

وعن زيد بن أرقم قال (كان رسول الله ﷺ يقول: اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والبخل والهرم وعذاب القبر، اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها) رواه مسلم. وسماه النبي ﷺ داء. قال رسول الله ﷺ : (من سيدكم يا بني سلمة؟ قلنا: جدُّ بن قيس إلا أنا نُبخِّله، قال: وأي داءٍ أدْوأ من البخل؟ بل سيدكم عمرو بن الجموح) رواه البخاري في الأدب المفرد. والملائكة تدعو على الممسك. قال ﷺ (ما من يوم يصبح فيه العباد إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً) متفق عليه. وهو من تصديق الشيطان. قال تعالى (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً). وهو سبب للظلم. قال ﷺ (اتقوا الظلم … واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم) متفق عليه. وهو سبب لضيق الصدر. وعن أبي هريرة ﵁ قال (ضرب رسول الله ﷺ مثل البخيل والمتصدق، كمثل رجلين عليهما جنتان من حديد، قد اضطرت أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما، فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه، حتى تغشي أنامله وتعفو أثره، وجعل البخيل كلما همَّ بصدقة قلصت، وأخذت كل حلقة مكانها، قال: فأنا رأيت رسول الله ﷺ ، يقول: بإصبعه في جيبه، فلو رأيته يوسعها ولا توسع). قال ابن القيم تعليقًا على هذا الحديث: (لما كان البخيل محبوسًا عن الإحسان، ممنوعًا عن البرِّ والخير، وكان جزاؤه من جنس عمله؛ فهو ضيق الصدر، ممنوع من الانشراح، ضيق العطن، صغير النفس، قليل الفرح، كثير الهمِّ والغمِّ والحزن، لا يكاد تقضى له حاجة، ولا يعان على مطلوب، فهو كرجل عليه جبة من حديد قد جمعت يداه إلى عنقه، بحيث لا يتمكن من إخراجها ولا حركتها، وكلما أراد إخراجها أو توسيع تلك الجبة؛ لزمت كلُّ حلقة من حلقها موضعها، وهكذا البخيل كلما أراد أن يتصدق منعه بخله فبقي قلبه في سجنه كما هو.

стр. 2905

١٥٠٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ (اَلْمُسْتَبَّانِ مَا قَالَا، فَعَلَى اَلْبَادِئِ، مَا لَمْ يَعْتَدِ اَلْمَظْلُومُ) أَخْرَجَهُ مُسْلِم. === - (الْمُسْتَبَّانِ) أي: المتشاتمان، وهما اللذان سب كل منهما الآخر. (مَا قَالَا) أي: إثم قولهما من السب والشتم. (مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُوم) أي: مدة عدم اعتداء المظلوم، فإذا اعتدى المظلوم صار عليه الإثم، والمراد باعتدائه: تجاوزه حد الانتصار. ما معنى الحديث؟ معناه: أَنَّ إِثْم السِّبَاب الْوَاقِع مِنْ اِثْنَيْنِ مُخْتَصّ بِالْبَادِئِ مِنْهُمَا كُلّه إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَز الثَّانِي قَدْر الِانْتِصَار، فَيَقُول لِلْبَادِئِ أَكْثَر مِمَّا قَالَ لَهُ. اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ تحريم سباب المسلم. وَفِي هَذَا جَوَاز الِانْتِصَار، وَلَا خِلَاف فِي جَوَازه، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ دَلَائِل الْكِتَاب وَالسُّنَّة. قَالَ اللَّه تَعَالَى (وَلَمَنْ اِنْتَصَرَ بَعْد ظُلْمه فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيل). وَقَالَ تَعَالَى (وَاَلَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْي هُمْ يَنْتَصِرُونَ). وقال تعالى (فمن اعتدى عليكم … ). لكن العفو أفضل. قَالَ اللَّه تَعَالَى (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْم الْأُمُور). وقال تعالى (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ). وقال تعالى (وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ). وقال تعالى (والعافين عن الناس). ولقوله ﷺ (مَا زَادَ اللَّه عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا ..... ). إذا زاد المجيب المنتصر في مجازاته وآذى الظالم بأكثر مما قاله صار ظالماً ويتحمل إثم زيادته.

стр. 2906

١٥٠١ - وَعَنْ أَبِي صِرْمَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ ضَارَّ مُسْلِمًا ضَارَّهُ اَللَّهُ، وَمَنْ شَاقَّ مُسَلِّمًا شَقَّ اَللَّهُ عَلَيْهِ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَاَلتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَه. === (وَعَنْ أَبِي صِرْمَةَ) بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ اشْتَهَرَ بِكُنْيَتِهِ وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَهُوَ مِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا مِنْ الْمَشَاهِد. (مَنْ ضَارَّ مُسْلِمًا) أي: أوصل ضرراً إلى مسلم. (وَمَنْ شَاقَّ مُسَلِّمًا) أي: أوصل مشقة وألحقها بمسلم. قيل: والضرر والمشقة متقاربان، لكن الضرر يستعمل في إتلاف المال، والمشقة في إيصال الأذية إلى البدن. (تحفة الأحوذي) ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد التحذير الشديد من إدخال الضرر أو المشقة على أحد من المسلمين. وقد تقدم حديث عائشة في قوله ﷺ ( … فشق عليهم فاشقق عليه). قال الصنعاني: أَيْ مَنْ أَدْخَلَ عَلَى مُسْلِمٍ مَضَرَّةً فِي مَالِهِ أَوْ نَفْسِهِ أَوْ عِرْضِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ ضَارَّهُ اللَّهُ أَيْ جَازَاهُ مِنْ جِنْسِ فِعْلِهِ وَأَدْخَلَ عَلَيْهِ الْمَضَرَّةَ. وَالْمُشَاقَّةُ الْمُنَازَعَةُ أَيْ مَنْ نَازَعَ مُسْلِمًا ظُلْمًا وَتَعَدِّيًا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْمَشَقَّةَ جَزَاءً وِفَاقًا. وَالْحَدِيثُ تَحْذِيرٌ عَنْ أَذَى الْمُسْلِمِ بِأَيِّ شَيء. قال السعدي: هذا الحديث دل على أصلين من أصول الشريعة: أحدهما: أن الجزاء من جنس العمل في الخير والشر، وهذا من حكمة الله التي يحمد عليها، فكما أن من عمل ما يحبه الله أحبه الله، ومن عمل ما يبغضه أبغضه الله، ومن يسر على مسلم يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن فرج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، والله في حاجة العبد ما كان العبد في حاجة أخيه، كذلك من ضار مسلما ضره الله، ومن مكر به مكر الله به، ومن شق عليه شق الله عليه، إلى غير ذلك من الأمثلة الداخلة في هذا الأصل. الأصل الثاني: منع الضرر والمضارة، وأنه «لا ضرر ولا ضرار» وهذا يشمل أنواع الضرر كله. والضرر يرجع إلى أحد أمرين: إما تفويت مصلحة، أو حصول مضرة بوجه من الوجوه، فالضرر غير المستحق لا يحل إيصاله وعمله مع الناس، بل يجب على الإنسان أن يمنع ضرره وأذاه عنهم من جميع الوجوه. فيدخل في ذلك: التدليس والغش في المعاملات وكتم العيوب فيها، والمكر والخداع والنجش، وتلقي الركبان، وبيع المسلم على بيع أخيه، والشراء على شرائه. ومثله الإجارات، وجميع المعاملات والخطبة على خطبة أخيه، وخطبة الوظائف التي فيها أهل لها قائم بها. فكل هذا من المضارة المنهي عنها. وكل معاملة من هذا النوع، فإن الله لا يبارك فيها، لأنه من ضار مسلما ضاره الله، ومن ضاره الله، ترحل عنه الخير، وتوجه إليه الشر وذلك بما كسبت يداه. ويدخل في ذلك: مضارة الشريك لشريكه، والجار لجاره، بقول أو فعل حتى إنه لا يحل له أن يحدث بملكه ما يضر بجاره، فضلاً عن مباشرة الإضرار به. ويدخل في ذلك: مضارة الغريم لغريمه، وسعيه في المعاملات التي تضر بغريمه، حتى إنه لا يحل له أن يتصدق ويترك ما وجب عليه من الدين إلا بإذن غريمه، أو يرهن موجوداته أحد غرمائه دون الباقين، أو يقف، أو يعتق ما يضر بغريمه، أو ينفق أكثر من اللازم بغير إذنه. ماذا نستفيد من الحديث بالمفهوم؟ قال السعدي: وكما يدل الحديث بمنطوقه: أن من ضار وشاق ضره الله وشق عليه، فإن مفهومه يدل على: أن من أزال الضرر والمشقة عن المسلم فإن الله يجلب له الخير، ويدفع عنه الضرر والمشاق، جزاء وفاقاً، سواء كان متعلقاً بنفسه أو بغيره.

стр. 2907

١٥٠٢ - وَعَنْ أَبِي اَلدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِنَّ اَللَّهَ يُبْغِضُ اَلْفَاحِشَ اَلْبَذِيءَ) أَخْرَجَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ. ١٥٠٣ - وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ اِبْنِ مَسْعُودٍ -رَفَعَهُ- (لَيْسَ اَلْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلَا اَللَّعَّانُ، وَلَا اَلْفَاحِشَ، وَلَا اَلْبَذِيءَ) وَحَسَّنَهُ، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ، وَرَجَّحَ اَلدَّارَقُطْنِيُّ وَقْفَه. === - (الْفَاحِشَ) أي: ذو الفحش في كلامه وخصاله. قال الراغب: الفحش، والفحشاء، والفاحشة: ما عظم قبحه، من الأفعال، والأقوال. وقال الحرالي: ما يكرهه الطبع من رذائل الأعمال الظاهرة، كما ينكره العقل ويستخبثه الشرع، فيتفق في حكمه آيات الله الثلاث، من الشرع، والعقل والطبع، وبذلك يفحش الفعل. (اَلْبَذِيءَ) هو الفحش والقبح في المنطق وإن كان الكلام صدقًا. وقال الكفوي: البذاء: التعبير عن الأمور المستقبحة، بالعبارات الصريحة. وقيل: من لا حياء له، كما قال بعض الشراح. (بِالطَّعَّانِ) أي: عياباً للناس، وقّاع في أعراض الناس بالذم والغيبة. ما صحة أحاديث الباب؟ حديث أبي الدرداء ضعيف. وحديث ابن مسعود صحح إسناده العراقي في تخريج الإحياء، وصححه الألباني. ماذا نستفيد من الحديثين؟ نستفيد ذم الفحش، وأنه ينبغي على المسلم أن يتجنب الفحش والتفحش والبذاءة. حديث الباب (إِنَّ اَللَّهَ يُبْغِضُ اَلْفَاحِشَ اَلْبَذِيءَ). وحديث (لَيْسَ اَلْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلَا اَللَّعَّانُ، وَلَا اَلْفَاحِشَ، وَلَا اَلْبَذِيءَ) وعن عَائِشَة (أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ ائْذَنُوا لَهُ فَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ، أَوْ بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الْكَلَامَ فَقُلْتُ لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ قُلْتَ مَا قُلْتَ ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ فِي الْقَوْلِ فَقَالَ أَيْ عَائِشَةُ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ تَرَكَهُ، أَوْ وَدَعَهُ - النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ) رواه البخاري. وعَنْ عَائِشَةَ، ﵂ (أَنَّ يَهُودَ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا السَّامُ عَلَيْكُمْ فَقَالَتْ عَائِشَةُ عَلَيْكُمْ وَلَعَنَكُمُ اللَّهُ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ قَالَ مَهْلاً يَا عَائِشَةُ عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ وَالْفُحْشَ قَالَتْ أَوَ لَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا قَالَ أَوَ لَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ فَيُسْتَجَابُ لِي فيهِمْ، وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيّ) متفق عليه. وعنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ (الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُحْشَ، فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ، وَلَا التَّفَحُّشَ، وَإِيَّاكُمْ والشُّحَّ، فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، أَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ، فَقَطَعُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْبُخْلِ، فَبَخِلُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ، فَفَجَرُوا) رواه أحمد. وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (ما كان الفحش في شيء إلّا شانه، وما كان الحياء في شيء إلّا زانه) رواه الترمذي

стр. 2908

١٥٠٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا تَسُبُّوا اَلْأَمْوَاتَ; فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا) أَخْرَجَهُ اَلْبُخَارِي. === (لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ) السب هو الشتم واللعن. (أَفْضَوْا) أي: وصلوا إلى ما عملوا من خير أو شر. ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: تحريم سب الأموات. هل هذا الحكم عام للمسلم والكافر أو فقط للمسلم؟ قال بعض العلماء: يشمل هذا الميت المسلم والكافر. وقال بعضهم: هذا خاص بأموات المسلمين. والراجح أن الكافر إذا كان مؤذياً للمسلمين ولا يتأذى قريبه الحي المسلم فإن ذلك لا بأس. والمسلم إن كان فاسقاً أو مبتدعاً فإنه يسب للتحذير من شره، ولكن دون وجود أقاربه. لماذا نهيَ عن سب الأموات؟ نهي عن سب الأموات لحكم، منها: أولاً: لأنهم أفضوا وقدموا إلى ما عملوا. ثانياً: أن في ذلك إيذاء لأقاربهم الأحياء. ثالثاً: أن ذلك غيبة. ما الجمع بين ما جاء في الصحيحين من حديث أنس قال: (مُرَّ بجنازة فأثني عليها خيراً، فقال النبي ﷺ وجبت وجبت وجبت، ومُرَّ بجنازة فأثني عليها شراً، فقال النبي ﷺ وجبت وجبت وجبت … فلما سئل الرسول ﷺ عن ذلك قال: من أثنيتم عليه خيراً وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شراً وجبت له النار) وحديث الباب؟ الجمع: أ-أن النهي عن سب الأموات هو في غير المنافق وسائر الكفار وفي غير المتظاهر بفسق أو بدعة، فأما هؤلاء فلا يحرم ذكرهم بشر للتحذير من طريقهم ومن الاقتداء بآثارهم والتخلق بأخلاقهم، وهذا الحديث محمول على أن الذي أثنوا عليه شراً كان مشهورً بنفاق أو نحوه. [قاله النووي] وقيل: يحمل النهي على ما بعد الدفن، والجواز على ما قبله ليتعظ به من يسمعه. وقيل: يكون النهي العام متأخراً فيكون ناسخاً، وهذا ضعيف.

стр. 2909

١٥٠٥ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا يَدْخُلُ اَلْجَنَّةَ قَتَّاتٌ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === (قَتَّاتٌ) أي: نمام، كما في رواية أخرى (لا يدخل الجنة نمام). ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد تحريم النميمة، وأنها من كبائر الذنوب. يقول الذهبي: النَّميمة من الكبائر، وهي حرام بإجماع المسلمين، وقد تظاهرت على تحريمها الدلائل الشرعية من الكتاب والسُّنَّة، وقد أجاب عما يوهم أنها من الصغائر، وهو قوله ﷺ (وما يعذَّبان في كبير) بأن المراد: ليس بكبيرٍ تركُه عليهما، أو ليس كبيرًا في زعمهما؛ ولهذا قيل في رواية أخرى: "بلى إنه كبير. قال تعالى (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَب). قال بعض المفسرين: "والمقصود بالحطب في الآية السابقة: هي النَّميمة، وإنما سُمِّيت النَّميمة حطبًا؛ لأنها سببٌ لإشعال نار العداوة بين الناس، فصارت بمنزلة الحطب الذي يوقَد به النار. وقد نزلت هذه الآية في امرأة أبي لهب، وفي الآية إشارةٌ إلى حملها الحديث بين الناس، ومشيِها بالنَّميمة. وللنميمة عقوبات: أولاً: لا يدخل الجنة صاحبها. لحديث الباب. ثانياً: من أسباب عذاب القبر. كما في حديث ابن عباس قال (مر النبي ﷺ بقبرين فقال إنهما ليعذبان وما يعذبان بكبير: أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة … ) متفق عليه ثالثاً: نهى الله عن طاعته. قال تعالى (ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم). اذكر بعض أقوال السلف بالنميمة؟ قال علي: يعمل النمام في ساعة فتنة شهر. وقال الشافعي: من نم لك نم عليك.

стр. 2910

وقال يحيي بن أكتم: النمام شر من الساحر. وقال الحسن: من نقل إليك حديثاً، فاعلم أنه ينقل إلى غيرك حديثك. وقال يحيي بن أبي كثير: يفسد النمام في ساعة ما لا يفسده الساحر في سنة. وكان يقال: "عمل النَّمَّام أضرُّ من عمل الشيطان؛ لأن عمل الشيطان بالخيال والوسوسة، وعمل النَّمَّام بالمواجهة". وقال أَبُو حاتم ﵁ هذا وأمثاله من ثمرة النميمة لأنها تهتك الأستار، وتفشي الأسرار، وتورث الضغائن، وترفع المودة، وتجدد العداوة، وتبدد الجماعة، وتهيج الحقد، وتزيد الصد. قصة: عن عمر بن عبد العزيز. أنه دخل عليه رجل، فذكر عنده وشاية في رجل آخر، فقال له عمر: إن شئت حققنا هذا الأمر الذي تقول فيه وننظر فيما نسبته إليه، فإن كنت كاذباً، فأنت من أهل هذه الآية (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإٍ فتبينوا) وإن كنت صادقاً فأنت من أهل هذه الآية (هماز مشاء بنميم) وإن شئت عفونا عنك، فقال: العفو يا أمير المؤمنين، لا أعود إلى مثل ذلك أبداً. ويقال: جاء رجل إلى الشافعي فقال له: إن فلاناً يذكرك بسوء، فقال له: إن كنت صادقاً فأنت نمام، وإن كنت كاذباً فأنت فاسق، فخجل وانصرف. أخرى: قال رجل لوهب بن منبه: إن فلاناً يقول فيك كذا وكذا؟ قال: أما وجد الشيطان بريداً غيرك. ماذا تفعل مع النمام؟ أولاً: عدم طاعته لأنه فاسق. لقوله تعالى ( … إن جاءكم فاسق بنبإ فتبنوا). ثانياً: أن ينصحه ويذم فعله. قال تعالى (وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر). ثالثاً: أن تبغضه في الله. رابعاً: أن لا تظن بأخيك الغائب سوءاً. لقوله تعالى (اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم). اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ حرص الشريعة على سد كل أمر يؤدي إلى التدابر والتقاطع بين المسلمين. حرص الشريعة على سلامة المجتمع وتكاتفه وترابطه. خطورة اللسان. وجوب الإصلاح بين الناس. الإيمان بالجنة.
следующие страницы →