Полный текст (3 038 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.
стр. 2906
١٥٠١ - وَعَنْ أَبِي صِرْمَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ ضَارَّ مُسْلِمًا ضَارَّهُ اَللَّهُ، وَمَنْ شَاقَّ مُسَلِّمًا شَقَّ اَللَّهُ عَلَيْهِ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَاَلتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَه.
===
(وَعَنْ أَبِي صِرْمَةَ) بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ اشْتَهَرَ بِكُنْيَتِهِ وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَهُوَ مِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا مِنْ الْمَشَاهِد.
(مَنْ ضَارَّ مُسْلِمًا) أي: أوصل ضرراً إلى مسلم.
(وَمَنْ شَاقَّ مُسَلِّمًا) أي: أوصل مشقة وألحقها بمسلم.
قيل: والضرر والمشقة متقاربان، لكن الضرر يستعمل في إتلاف المال، والمشقة في إيصال الأذية إلى البدن. (تحفة الأحوذي)
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد التحذير الشديد من إدخال الضرر أو المشقة على أحد من المسلمين.
وقد تقدم حديث عائشة في قوله ﷺ ( … فشق عليهم فاشقق عليه).
قال الصنعاني: أَيْ مَنْ أَدْخَلَ عَلَى مُسْلِمٍ مَضَرَّةً فِي مَالِهِ أَوْ نَفْسِهِ أَوْ عِرْضِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ ضَارَّهُ اللَّهُ أَيْ جَازَاهُ مِنْ جِنْسِ فِعْلِهِ وَأَدْخَلَ عَلَيْهِ الْمَضَرَّةَ.
وَالْمُشَاقَّةُ الْمُنَازَعَةُ أَيْ مَنْ نَازَعَ مُسْلِمًا ظُلْمًا وَتَعَدِّيًا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْمَشَقَّةَ جَزَاءً وِفَاقًا. وَالْحَدِيثُ تَحْذِيرٌ عَنْ أَذَى الْمُسْلِمِ بِأَيِّ شَيء.
قال السعدي: هذا الحديث دل على أصلين من أصول الشريعة:
أحدهما: أن الجزاء من جنس العمل في الخير والشر، وهذا من حكمة الله التي يحمد عليها، فكما أن من عمل ما يحبه الله أحبه الله، ومن عمل ما يبغضه أبغضه الله، ومن يسر على مسلم يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن فرج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، والله في حاجة العبد ما كان العبد في حاجة أخيه، كذلك من ضار مسلما ضره الله، ومن مكر به مكر الله به، ومن شق عليه شق الله عليه، إلى غير ذلك من الأمثلة الداخلة في هذا الأصل.
الأصل الثاني: منع الضرر والمضارة، وأنه «لا ضرر ولا ضرار» وهذا يشمل أنواع الضرر كله.
والضرر يرجع إلى أحد أمرين: إما تفويت مصلحة، أو حصول مضرة بوجه من الوجوه، فالضرر غير المستحق لا يحل إيصاله وعمله مع الناس، بل يجب على الإنسان أن يمنع ضرره وأذاه عنهم من جميع الوجوه.
فيدخل في ذلك: التدليس والغش في المعاملات وكتم العيوب فيها، والمكر والخداع والنجش، وتلقي الركبان، وبيع المسلم على بيع أخيه، والشراء على شرائه. ومثله الإجارات، وجميع المعاملات والخطبة على خطبة أخيه، وخطبة الوظائف التي فيها أهل لها قائم بها. فكل هذا من المضارة المنهي عنها.
وكل معاملة من هذا النوع، فإن الله لا يبارك فيها، لأنه من ضار مسلما ضاره الله، ومن ضاره الله، ترحل عنه الخير، وتوجه إليه الشر وذلك بما كسبت يداه.
ويدخل في ذلك: مضارة الشريك لشريكه، والجار لجاره، بقول أو فعل حتى إنه لا يحل له أن يحدث بملكه ما يضر بجاره، فضلاً عن مباشرة الإضرار به.
ويدخل في ذلك: مضارة الغريم لغريمه، وسعيه في المعاملات التي تضر بغريمه، حتى إنه لا يحل له أن يتصدق ويترك ما وجب عليه من الدين إلا بإذن غريمه، أو يرهن موجوداته أحد غرمائه دون الباقين، أو يقف، أو يعتق ما يضر بغريمه، أو ينفق أكثر من اللازم بغير إذنه.
ماذا نستفيد من الحديث بالمفهوم؟
قال السعدي: وكما يدل الحديث بمنطوقه: أن من ضار وشاق ضره الله وشق عليه، فإن مفهومه يدل على: أن من أزال الضرر والمشقة عن المسلم فإن الله يجلب له الخير، ويدفع عنه الضرر والمشاق، جزاء وفاقاً، سواء كان متعلقاً بنفسه أو بغيره.
стр. 2907
١٥٠٢ - وَعَنْ أَبِي اَلدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِنَّ اَللَّهَ يُبْغِضُ اَلْفَاحِشَ اَلْبَذِيءَ) أَخْرَجَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ.
١٥٠٣ - وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ اِبْنِ مَسْعُودٍ -رَفَعَهُ- (لَيْسَ اَلْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلَا اَللَّعَّانُ، وَلَا اَلْفَاحِشَ، وَلَا اَلْبَذِيءَ) وَحَسَّنَهُ، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ، وَرَجَّحَ اَلدَّارَقُطْنِيُّ وَقْفَه.
===
- (الْفَاحِشَ) أي: ذو الفحش في كلامه وخصاله.
قال الراغب: الفحش، والفحشاء، والفاحشة: ما عظم قبحه، من الأفعال، والأقوال.
وقال الحرالي: ما يكرهه الطبع من رذائل الأعمال الظاهرة، كما ينكره العقل ويستخبثه الشرع، فيتفق في حكمه آيات الله الثلاث، من الشرع، والعقل والطبع، وبذلك يفحش الفعل.
(اَلْبَذِيءَ) هو الفحش والقبح في المنطق وإن كان الكلام صدقًا.
وقال الكفوي: البذاء: التعبير عن الأمور المستقبحة، بالعبارات الصريحة. وقيل: من لا حياء له، كما قال بعض الشراح.
(بِالطَّعَّانِ) أي: عياباً للناس، وقّاع في أعراض الناس بالذم والغيبة.
ما صحة أحاديث الباب؟
حديث أبي الدرداء ضعيف.
وحديث ابن مسعود صحح إسناده العراقي في تخريج الإحياء، وصححه الألباني.
ماذا نستفيد من الحديثين؟
نستفيد ذم الفحش، وأنه ينبغي على المسلم أن يتجنب الفحش والتفحش والبذاءة.
حديث الباب
(إِنَّ اَللَّهَ يُبْغِضُ اَلْفَاحِشَ اَلْبَذِيءَ).
وحديث (لَيْسَ اَلْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلَا اَللَّعَّانُ، وَلَا اَلْفَاحِشَ، وَلَا اَلْبَذِيءَ)
وعن عَائِشَة (أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ ائْذَنُوا لَهُ فَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ، أَوْ بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الْكَلَامَ فَقُلْتُ لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ قُلْتَ مَا قُلْتَ ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ فِي الْقَوْلِ فَقَالَ أَيْ عَائِشَةُ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ تَرَكَهُ، أَوْ وَدَعَهُ - النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ) رواه البخاري.
وعَنْ عَائِشَةَ، ﵂ (أَنَّ يَهُودَ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا السَّامُ عَلَيْكُمْ فَقَالَتْ عَائِشَةُ عَلَيْكُمْ وَلَعَنَكُمُ اللَّهُ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ قَالَ مَهْلاً يَا عَائِشَةُ عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ وَالْفُحْشَ قَالَتْ أَوَ لَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا قَالَ أَوَ لَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ فَيُسْتَجَابُ لِي فيهِمْ، وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيّ) متفق عليه.
وعنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ (الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُحْشَ، فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ، وَلَا التَّفَحُّشَ، وَإِيَّاكُمْ والشُّحَّ، فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، أَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ، فَقَطَعُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْبُخْلِ، فَبَخِلُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ، فَفَجَرُوا) رواه أحمد.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (ما كان الفحش في شيء إلّا شانه، وما كان الحياء في شيء إلّا زانه) رواه الترمذي
стр. 2908
١٥٠٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا تَسُبُّوا اَلْأَمْوَاتَ; فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا) أَخْرَجَهُ اَلْبُخَارِي.
===
(لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ) السب هو الشتم واللعن.
(أَفْضَوْا) أي: وصلوا إلى ما عملوا من خير أو شر.
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: تحريم سب الأموات.
هل هذا الحكم عام للمسلم والكافر أو فقط للمسلم؟
قال بعض العلماء: يشمل هذا الميت المسلم والكافر.
وقال بعضهم: هذا خاص بأموات المسلمين.
والراجح أن الكافر إذا كان مؤذياً للمسلمين ولا يتأذى قريبه الحي المسلم فإن ذلك لا بأس.
والمسلم إن كان فاسقاً أو مبتدعاً فإنه يسب للتحذير من شره، ولكن دون وجود أقاربه.
لماذا نهيَ عن سب الأموات؟
نهي عن سب الأموات لحكم، منها:
أولاً: لأنهم أفضوا وقدموا إلى ما عملوا.
ثانياً: أن في ذلك إيذاء لأقاربهم الأحياء.
ثالثاً: أن ذلك غيبة.
ما الجمع بين ما جاء في الصحيحين من حديث أنس قال: (مُرَّ بجنازة فأثني عليها خيراً، فقال النبي ﷺ وجبت وجبت وجبت، ومُرَّ بجنازة فأثني عليها شراً، فقال النبي ﷺ وجبت وجبت وجبت … فلما سئل الرسول ﷺ عن ذلك قال: من أثنيتم عليه خيراً وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شراً وجبت له النار) وحديث الباب؟
الجمع:
أ-أن النهي عن سب الأموات هو في غير المنافق وسائر الكفار وفي غير المتظاهر بفسق أو بدعة، فأما هؤلاء فلا يحرم ذكرهم بشر للتحذير من طريقهم ومن الاقتداء بآثارهم والتخلق بأخلاقهم، وهذا الحديث محمول على أن الذي أثنوا عليه شراً كان مشهورً بنفاق أو نحوه. [قاله النووي]
وقيل: يحمل النهي على ما بعد الدفن، والجواز على ما قبله ليتعظ به من يسمعه.
وقيل: يكون النهي العام متأخراً فيكون ناسخاً، وهذا ضعيف.
стр. 2909
١٥٠٥ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا يَدْخُلُ اَلْجَنَّةَ قَتَّاتٌ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(قَتَّاتٌ) أي: نمام، كما في رواية أخرى (لا يدخل الجنة نمام).
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد تحريم النميمة، وأنها من كبائر الذنوب.
يقول الذهبي: النَّميمة من الكبائر، وهي حرام بإجماع المسلمين، وقد تظاهرت على تحريمها الدلائل الشرعية من الكتاب والسُّنَّة، وقد أجاب عما يوهم أنها من الصغائر، وهو قوله ﷺ (وما يعذَّبان في كبير) بأن المراد: ليس بكبيرٍ تركُه عليهما، أو ليس كبيرًا في زعمهما؛ ولهذا قيل في رواية أخرى: "بلى إنه كبير.
قال تعالى (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَب).
قال بعض المفسرين: "والمقصود بالحطب في الآية السابقة: هي النَّميمة، وإنما سُمِّيت النَّميمة حطبًا؛ لأنها سببٌ لإشعال نار العداوة بين الناس، فصارت بمنزلة الحطب الذي يوقَد به النار.
وقد نزلت هذه الآية في امرأة أبي لهب، وفي الآية إشارةٌ إلى حملها الحديث بين الناس، ومشيِها بالنَّميمة.
وللنميمة عقوبات:
أولاً: لا يدخل الجنة صاحبها.
لحديث الباب.
ثانياً: من أسباب عذاب القبر.
كما في حديث ابن عباس قال (مر النبي ﷺ بقبرين فقال إنهما ليعذبان وما يعذبان بكبير: أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة … ) متفق عليه
ثالثاً: نهى الله عن طاعته.
قال تعالى (ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم).
اذكر بعض أقوال السلف بالنميمة؟
قال علي: يعمل النمام في ساعة فتنة شهر.
وقال الشافعي: من نم لك نم عليك.
стр. 2910
وقال يحيي بن أكتم: النمام شر من الساحر.
وقال الحسن: من نقل إليك حديثاً، فاعلم أنه ينقل إلى غيرك حديثك.
وقال يحيي بن أبي كثير: يفسد النمام في ساعة ما لا يفسده الساحر في سنة.
وكان يقال: "عمل النَّمَّام أضرُّ من عمل الشيطان؛ لأن عمل الشيطان بالخيال والوسوسة، وعمل النَّمَّام بالمواجهة".
وقال أَبُو حاتم ﵁ هذا وأمثاله من ثمرة النميمة لأنها تهتك الأستار، وتفشي الأسرار، وتورث الضغائن، وترفع المودة، وتجدد العداوة، وتبدد الجماعة، وتهيج الحقد، وتزيد الصد.
قصة:
عن عمر بن عبد العزيز. أنه دخل عليه رجل، فذكر عنده وشاية في رجل آخر، فقال له عمر: إن شئت حققنا هذا الأمر الذي تقول فيه وننظر فيما نسبته إليه، فإن كنت كاذباً، فأنت من أهل هذه الآية (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإٍ فتبينوا) وإن كنت صادقاً فأنت من أهل هذه الآية (هماز مشاء بنميم) وإن شئت عفونا عنك، فقال: العفو يا أمير المؤمنين، لا أعود إلى مثل ذلك أبداً.
ويقال: جاء رجل إلى الشافعي فقال له: إن فلاناً يذكرك بسوء، فقال له: إن كنت صادقاً فأنت نمام، وإن كنت كاذباً فأنت فاسق، فخجل وانصرف.
أخرى: قال رجل لوهب بن منبه: إن فلاناً يقول فيك كذا وكذا؟ قال: أما وجد الشيطان بريداً غيرك.
ماذا تفعل مع النمام؟
أولاً: عدم طاعته لأنه فاسق.
لقوله تعالى ( … إن جاءكم فاسق بنبإ فتبنوا).
ثانياً: أن ينصحه ويذم فعله.
قال تعالى (وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر).
ثالثاً: أن تبغضه في الله.
رابعاً: أن لا تظن بأخيك الغائب سوءاً.
لقوله تعالى (اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم).
اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
حرص الشريعة على سد كل أمر يؤدي إلى التدابر والتقاطع بين المسلمين.
حرص الشريعة على سلامة المجتمع وتكاتفه وترابطه.
خطورة اللسان.
وجوب الإصلاح بين الناس.
الإيمان بالجنة.
стр. 2911
١٥٠٦ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ كَفَّ غَضَبَهُ، كَفَّ اَللَّهُ عَنْهُ عَذَابَهُ) أَخْرَجَهُ اَلطَّبَرَانِيُّ فِي" اَلْأَوْسَطِ".
١٥٠٧ - وَلَهُ شَاهِدٌ: مِنْ حَدِيثِ اِبْنِ عُمَرَ عِنْدَ اِبْنِ أَبِي اَلدُّنْيَا.
===
ما صحة حديث الباب؟
إسناده ضعيف.
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد فضل من كف غضبه، والمراد منع ما يترتب على الغضب.
وقد تقدم قوله ﷺ (لا تغضب).
وقد تقدم ما يتعلق بالغضب.
اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
ذم الغضب.
أن الغضب قد يؤدي إلى أمور وأفعال لا تحمد عقباه.
أن الشيطان يقوى الإنسان عند غضبه.
стр. 2912
١٥٠٨ - وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ اَلصِّدِّيقِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا يَدْخُلُ اَلْجَنَّةَ خِبٌّ، وَلَا بَخِيلٌ، وَلَا سَيِّئُ اَلْمَلَكَةِ) أَخْرَجَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَفَرَّقَهُ حَدِيثَيْنِ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ.
===
(لَا يَدْخُلُ اَلْجَنَّةَ خِبٌّ) أي: خداع.
(وَلَا سَيِّئُ اَلْمَلَكَةِ) أي: سيئ المعاملة، قال ابن الأثير: يقال: فلان حسن الملَكة إذا كان حسن الصنع إلى مماليكه، وسيئ الملكة: أي: الذي يسيء صحبة المماليك.
عرف الخداع؟
قال الرَّاغب: الخِدَاع: إنزال الغير عمَّا هو بصدده بأمر يبديه على خلاف ما يخفيه.
وقال البقاعي: الخِدَاع: إظهار خيرٍ يُتَوَّسل به إلى إبطان شرٍّ، يؤول إليه أمر ذلك الخير المظْهَر.
وقال ابن القيِّم: والمخادعة: هي الاحتيال والمراوغة بإظهار الخير مع إبطان خلافه، ليحصل مقصود المخَاِدع.
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد التحذير من الخداع، وأن يكون الإنسان خداعاً.
قال تعالى (الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُم).
قال السعدي: (يخبر تعالى عن المنافقين بما كانوا عليه، مِنْ قبيح الصِّفات وشنائع السِّمات، وأنَّ طريقتهم مخادعة الله تعالى، أي: بما أظهروه مِنْ الإيمان وأبطنوه مِنْ الكفران، ظنُّوا أنَّه يروج على الله، ولا يعلمه، ولا يبديه لعباده، والحال أنَّ الله خادعهم، فمجرَّد وجود هذه الحال منهم ومشيهم عليها، خداعٌ لأنفسهم. وأيُّ خِدَاعٍ أعظم ممَّن يسعى سعيًا يعود عليه بالهوان والذُّل والحرمان؟
стр. 2913
متى يجوز الخداع؟
إذا كان لمصلحة شرعيَّة كالحرب، والإصلاح بين النَّاس.
فعن جابر بن عبد الله قال: قال النَّبيُّ ﷺ (الحرب خَدْعَة).
قال النَّووي: واتَّفق العلماء على جواز خِدَاع الكفَّار في الحرب، وكيف أمكن الخِدَاع، إلَّا أن يكون فيه نقض عهدٍ أو أمانٍ فلا يحلُّ، وقد صحَّ في الحديث جواز الكذب في ثلاثة أشياء، أحدها: في الحرب؛ قال الطَّبري: إنَّما يجوز مِنْ الكذب في الحرب المعاريض دون حقيقة الكذب، فإنَّه لا يحلُّ. هذا كلامه، والظَّاهر إباحة حقيقة نفس الكذب، لكن الاقتصار على التَّعريض أفضل.
وقد استخدم الصَّحابة الخِدَاع في الحرب في مواقف عديد.
اذكر أنواع الخداع؟
قال ابن القيم: لفظ الخداع، فإنه ينقسم إلى محمود ومذموم، فإن كان بحق فهو محمود، وإن كان بباطل فهو مذموم.
ومن النوع المحمود: قوله ﷺ (الحرب خدعة).
وقوله في الحديث الذى رواه الترمذي وغيره (كُلُّ الْكَذِبِ يُكْتَبُ عَلَى ابْنِ آدَمَ، إِلا ثَلاثَ خِصَالٍ: رَجُل كَذَبَ عَلَى امْرَأَتِهِ لِيُرْضِيَهَا، وَرَجُلٌ كَذَبَ بَيْنَ اُثْنَيْنِ لِيُصْلِجَ بَيْنَهُمَا، وَرَجُلٌ كَذَبَ في خِدْعَةِ حَرْب).
ومن النوع المذموم قوله في حديث عياض بن جمار، الذى رواه مسلم في صحيحه (أَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ، ذَكَرَ مِنْهُمْ رَجُلاً لا يُصْبِحُ وَلا يُمْسِى إِلا وَهْوَ يَخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمِالِك).
وقوله تعالى (يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ).
وقوله تعالى (وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ).
ومن النوع المحمود: خدع كعب بن الأشراف وأبى رافع، عَدُوَّى رسول الله ﷺ ، حتى قتلا، وقتل خالد بن سفيان الهذلى.
ومن أحسن ذلك: خديعة معبد بن أبى معبد الخزاعي لأبى سفيان وعسكر المشركين حين هموا بالرجوع ليستأصلوا المسلمين، وردهم من فورهم.
ومن ذلك: خديعة نعيم بن مسعود الأشجعي ليهود بنى قريظة، ولكفار قريش والأحزاب حتى ألقى الخلْف بينهم، وكان سبب تفرقهم ورجوعهم. ونظائر ذلك كثيرة.
ما حكم إساءة الإنسان إلى مماليكه ومن تحت يده؟
حرام.
قال الصنعاني قوله (وَلَا سَيِّئُ الْمَلَكَةِ)، وَهُوَ مَنْ يَتْرُكُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ حَقِّ الْمَمَالِيكِ أَوْ تَجَاوَزَ الْحَدَّ فِي عُقُوبَتِهِمْ، وَمِثْلُهُ تَرْكُهُ لِتَأْدِيبِهِمْ بِالْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ تَعْلِيمِ فَرَائِضِ اللَّهِ وَغَيْرِهَا وَكَذَلِكَ الْبَهَائِمُ سُوءُ الْمَلَكَةُ يَكُونُ بِإِهْمَالِهَا عَنْ الْإِطْعَامِ وَتَحْمِيلِهَا مَا لَا تُطِيقُهُ مِنْ الْأَحْمَالِ، وَالْمَشَقَّةِ عَلَيْهَا بِالسَّيْرِ وَالضَّرْبِ الْعَنِيفِ وَغَيْرِ ذَلِك.
стр. 2914
١٥٠٩ - وَعَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ تَسَمَّعَ حَدِيثَ قَوْمٍ، وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ اَلْآنُكُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ) يَعْنِي: اَلرَّصَاصَ. أَخْرَجَهُ اَلْبُخَارِيُّ.
===
(مَنْ تَسَمَّعَ) لفظ البخاري (من استمع) أي: من قصد الاستماع إلى حديث قوم بحيث يكون مختفياً.
(صُبَّ) أي: أفْرِغ.
(اَلْآنُكُ) وهو الرصاص المذاب.
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد الوعيد الشديد لمن يتسمع لحديث قوم وهم كارهون، وأن ذلك من كبائر الذنوب.
اذكر بعض صور التجسس المشروع؟
من صور التجسس المشروع التجسس على أعداء الأمة لمعرفة عددهم وعتادهم.
فقد اتفق الفقهاء على أنَّ التجسس والتنصت على الكفار في الحرب مشروع وجائز لمعرفة عددهم، وعتادهم، وما يخطِّطون له، ويدبِّرون من المكائد للمسلمين، وهو الأمر الذي يكون بعلم الإمام، وتحت نظره ومعرفته.
فالتجسس على أعداء الأمة الإسلامية بتتبُّع أخبارهم، والاطِّلاع على مخططاتهم التي يعدُّونها للقضاء على الأمة الإسلامية، وإثارة الفتنة والقلاقل بين صفوفها، وزعزعة أمنها واستقرارها أمر مشروع، بل قد يكون واجبًا في حالة قيام حرب بينهم وبين المسلمين، وقد دلَّ على مشروعيته الكتاب والسنة وعمل الصحابة:
ما حكم إساءة الإنسان إلى مماليكه ومن تحت يده؟
حرام.
قال الصنعاني قوله (وَلَا سَيِّئُ الْمَلَكَةِ)، وَهُوَ مَنْ يَتْرُكُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ حَقِّ الْمَمَالِيكِ أَوْ تَجَاوَزَ الْحَدَّ فِي عُقُوبَتِهِمْ، وَمِثْلُهُ تَرْكُهُ لِتَأْدِيبِهِمْ بِالْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ تَعْلِيمِ فَرَائِضِ اللَّهِ وَغَيْرِهَا وَكَذَلِكَ الْبَهَائِمُ سُوءُ الْمَلَكَةُ يَكُونُ بِإِهْمَالِهَا عَنْ الْإِطْعَامِ وَتَحْمِيلِهَا مَا لَا تُطِيقُهُ مِنْ الْأَحْمَالِ، وَالْمَشَقَّةِ عَلَيْهَا بِالسَّيْرِ وَالضَّرْبِ الْعَنِيفِ وَغَيْرِ ذَلِك.
قال تعالى (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُم مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُم).
فقد أمرت الآية المسلمين بإعداد ما يستطيعون من قوة لمواجهة الأعداء، ومن أسباب القوة التخطيط السليم، واليقظة والحذر، والتأهب الدائم؛ لإحباط مخططات الأعداء، ولا شكَّ أنَّ ذلك لا يتمُّ إلا بمعرفة أخبار الأعداء وخططهم، ورصد تحركاتهم، وما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب، فدلَّت الآية على مشروعية التجسس على الأعداء بكلِّ وسيلة شريفة، وطريقة نبيلة.
стр. 2915
ومن السنة أحاديث كثيرة، منها:
عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: من يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا. ثم قال: من يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا، ثم قال: من يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا. ثم قال: إنَّ لكلِّ نبيٍّ حواريًّا، وإنَّ حواريَّ الزبير.
وعن المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم، يزيد أحدهما على صاحبه قالا (خرج النبي ﷺ عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه، فلما أتى ذا الحليفة، قلَّد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة، وبعث عينًا له من خزاعة، وسار النبي ﷺ حتى كان بغدير الأشطاط أتاه عينه، قال: إنَّ قريشًا جمعوا لك جموعًا، وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك، وصادُّوك عن البيت، ومانعوك. فقال: أشيروا أيها الناس عليَّ، أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدُّونا عن البيت، فإن يأتونا كان الله قد قطع عينًا من المشركين، وإلا تركناهم محروبين. قال أبو بكر: يا رسول الله، خرجت عامدًا لهذا البيت، لا تريد قتل أحد، ولا حرب أحد، فتوجَّه له، فمن صدنا عنه قاتلناه. قال: امضوا على اسم الله).
فهذه الأحاديث جميعها تدل على مشروعية جمع المعلومات عن الأعداء، وكشف مخططاتهم، وذلك بالطرق المشروعة والوسائل الشريفة، وأنَّه ﵇ كان يتخير لهذه المهمة الأشخاص الذين كان يثق بهم حرصًا منه على صحة المعلومات التي تصله، ودقَّتها، لكي يبني عليها خططه العسكرية في مواجهة الأعداء.
ومن صور التجسس المشروع (تتبع المجرمين الخطرين وأهل الريب.
وقد عدَّه بعض الفقهاء من التجسس المشروع إذا كانت جرائمهم ذات خطر كبير على الأفراد، أو على الأمَّة بأسرها، وغلب على الظنِّ وقوعها بأمارات وعلامات ظاهرة، وذلك كالتجسس على إنسان يغلب على الظنِّ أنَّه يتربص بآخر ليقتله، أو بامرأة أجنبية ليزني بها، بل قد يكون واجبًا إذا خيف فوات تدارك الجريمة بدون التجسس.
قال الرملي: (وليس لأحد البحث والتجسس، واقتحام الدور بالظنون، نعم إذا غلب على ظنه وقوع معصية ولو بقرينة ظاهرة، كإخبار ثقة جاز له، بل وجب عليه التجسس إن فات تداركها كقتل وزنى، وإلا فلا.
الحديث دليل على أن الجزاء من جنس العمل، ما وجه ذلك؟
وجهه: أنه لما كان التسميع بالأذن كان العذاب على الأذن. ونظير ذلك:
أن النبي ﷺ رأى أصحابه قد تهاونوا في غسل الأعقاب فقال (ويل للأعقاب من النار) فجعل العذاب على الأعقاب، لأنها هي التي حصل بها المخالفة.
وكذا قوله ﷺ (ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار) فجعل العقوبة في ما كانت فيه المخالفة فقط.
стр. 2916
١٥١٠ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبَهُ عَنْ عُيُوبِ اَلنَّاسِ) أَخْرَجَهُ اَلْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
===
ما صحة حديث الباب؟
لا يصح.
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد أنه ينبغي للمسلم أن ينشغل بعيبه عن عيوب الناس.
قال ابن القيم: … وطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وويل لمن نسى عيبه وتفرغ لعيوب الناس، فالأَول علامة السعادة، والثاني علامة الشقاوة.
وقال: من عرف نَفسه اشْتغل بإصلاحها عَنْ عُيُوب النَّاس من عرف ربه اشْتغل بِهِ عَنْ هوى نَفسه.
وقال ابن حبان: الواجب على العاقل لزوم السلامة بترك التجسس عن عيوب الناس مع الاشتغال بإصلاح عيوب نفسه، فإن من اشتغل بعيوبه عن عيوب غيره أراح بدنه ولم يتعب قلبه فكلما اطلع على عيب لنفسه هان عليه ما يرى مثله من أخيه وأن من اشتغل بعيوب الناس عن عيوب نفسه عمى قلبه وتعب بدنه وتعذر عليه ترك عيوب نفسه.
قال الشاعر:
المرء إن كان عاقلاً ورعاً … أشغله عن عيوب غيره ورعه.
كما العليل السقيم أشغله … عن وجع الناس كلهم وجعه.
وإذا كان العبد بهذه الصفة، مشغولاً بنفسه عن غيره، ارتاحت له النفوس، وكان محبوباً من الناس، وجزاه الله تعالى بجنس عمله، فيستره ويكف ألسنة الناس عنه، أما من كان متتبعاً عيوب الناس متحدثاً بها مشنعاً عليهم فإنه لن يسلم من بغضهم وأذاهم، ويكون جزاؤه من جنس عمله أيضاً؛ فإن من تتبع عورات الناس تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في بيته.
وقال بكر بن عبد الله: إذا رأيتم الرجل موكّلاً بعيوب الناس، ناسياً لعيوبه ـ فاعلموا أنه قد مُكِرَ به.
إن الانشغال بعيوب الناس يجر العبد إلى الغيبة ولابد، كما أن الانشغال بعيوب الناس يؤدي إلى شيوع العداوة والبغضاء بين أبناء المجتمع، فحين يتكلم المرء في الناس فإنهم سيتكلمون فيه، وربما تكلموا فيه بالباطل.
قالَ رَجُلٌ لِبَعضِ الحُكَماءِ يا قَبِيحَ الوَجهِ، فقَالَ ما كانَ خَلْقُ وجْهِي إليَّ فأُحَسّنَه.
وقالَ البيهقيُّ ذُكِرَ رَجُلٌ عِنْدَ الرّبِيع بنِ خَيثَم فقَالَ: مَا أنَا عن نَفسِي بِراضٍ فأَتفَرّغَ مِنها إلى ذَمّ غَيرِها، إنّ العِبادَ خَافُوا اللهَ على ذُنوبِ غَيرِهِم وأَمِنُوا على ذُنوبِ أَنفُسِهم.
وقالَ حَكِيمٌ: لا أحسِبُ أحَدًا يتَفَرَّغُ لِعَيبِ النّاسِ إلا عن غَفلَةٍ غَفِلَها عن نَفسِه، ولَو اهتَمَّ لِعَيبِ نَفسِه ما تفَرّغَ لِعَيبِ أَحَدٍ
قال ابن سيرين: كنا نحدث أن أكثر الناس خطايا، أفرغهم لذكر خطايا الناس.
وقال الفضيل: ما من أحد أحب الرياسة إلا حسد وبغى، وتتبع عيوب الناس، وكره أن يذكر أحد بخير.
وقال عون بن عبد الله: لا أحسب الرجل ينظر في عيوب الناس إلا من غفلة غفلها عن نفسه.
وقيل للربيع بن خثيم: ما نراك تغتاب أحداً؟ فقال: لست عن حالي راضياً حتى أتفرغ لذم الناس.
стр. 2917
١٥١١ - وَعَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ تَعَاظَمَ فِي نَفْسِهِ، وَاخْتَالَ فِي مِشْيَتِهِ، لَقِيَ اَللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ) أَخْرَجَهُ اَلْحَاكِمُ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
===
- (مَنْ تَعَاظَمَ فِي نَفْسِهِ) أي: تكبر واعتقد أنه عظيم يستحق التعظيم.
(وَاخْتَالَ فِي مِشْيَتِهِ) أي: تبختر وأظهر التكبر.
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد تحريم التعاظم والتكبر، وأنها من الصفات المذمومة.
وقد تَعَوّذ الصَّالِحُون مِنْ تَعَاظُم ذَواتهم في نُفوسهم.
قال عتبة بن غزوان: أعُوذ بالله أن أكون في نَفْسِي عَظيما، وعِند الله صَغيرا.
فالتَّعاظُم مِنْ طَبْعِ إبليس!
قال ﵇: لا تَقُلْ تَعِسَ الشيطان، فإنك إذا قُلْتَ تَعِس الشيطان تَعَاظَم حتى يكون مثل البيت، ويقول: بِقُوّتي صَرَعْتُه! وإذا قُلْتَ بِسم الله تَصَاغَر حتى يصير مثل الذباب. رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي في الكبرى.
اذكر ما ورد في ذم الكبْر؟
أولاً: من صفات أهل النار.
قال ﷺ (ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر) رواه مسلم.
وقال ﷺ (احتجت الجنة والنار، فقالت النار: يدخلني الجبارون والمتكبرون) رواه مسلم.
ثانياً: لا يدخل الجنة.
قال ﷺ (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر).
стр. 2918
وقال ﷺ (العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني واحداً منهما ألقيته في جهنم ولا أبالي) رواه مسلم.
ثالثاً: عقوبتهم يطأهم الناس يوم القيامة.
قال ﷺ (المتكبرون يحشرون يوم القيامة أمثال الذر يطأهم الناس بأقدامهم) رواه مسلم.
رابعاً: لا يحب الله المستكبر.
قال تعالى (إنه لا يحب المستكبرين).
خامساً: لا ينظر الله للمتكبر في إزاره.
قال ﷺ (لا ينظر الله إلى رجل يجر إزاره بطراً) متفق عليه.
- لقمانُ يحذرُ ابنهُ من الكبر:
قال تعالى (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور).
قال ابنُ كثيرٍ: وَلَا تُصَعِّر خَدّك لِلنَّاسِ " يَقُول لَا تَتَكَبَّر فَتَحْتَقِر عِبَاد اللَّه وَتُعْرِض عَنْهُمْ بِوَجْهِك إِذَا كَلَّمُوك … وَقَوْله " وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْض مَرَحًا ". أَيْ خُيَلَاء مُتَكَبِّرًا جَبَّارًا عَنِيدًا لَا تَفْعَل ذَلِكَ يُبْغِضك اللَّه وَلِهَذَا قَالَ" إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ كُلّ مُخْتَال فَخُور " أَيْ مُخْتَال مُعْجَب فِي نَفْسه فَخُور أَيْ عَلَى غَيْره وَقَالَ تَعَالَى " وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْض مَرَحًا إِنَّك لَنْ تَخْرِق الْأَرْض وَلَنْ تَبْلُغ الْجِبَال طُولًا ". ا. هـ.
وقال ابنُ العربي: (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّك) يَعْنِي لَا تُمِلْهُ عَنْهُمْ تَكَبُّرًا، يُرِيدُ أَقْبِلْ عَلَيْهِمْ مُتَوَاضِعًا، مُؤْنِسًا مُسْتَأْنِسًا، وَإِذَا حَدَّثَك أَحَدُهُمْ فَأَصْغِ إلَيْهِ، حَتَّى يُكْمِلَ حَدِيثَهُ، وَكَذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
ماذا حدث لقارونَ المتكبر؟
قال تعالى: (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِين).
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي حُلَّةٍ تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ مُرَجِّلٌ جُمَّتَهُ؛ إِذْ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة) متفق عليه.
стр. 2919
فهذه عقوبةُ الكبرِ في الثراءِ واللباسِ والتفاخر على الناسِ. فمن مَظَاهِرِ الْكِبْرِ الِاخْتِيَالُ فِي الْمَشْيِ: وَهُوَ يَعْنِي التَّبَخْتُرَ وَالتَّعَالِيَ فِي الْمِشْيَةِ وَكَمَا يَكُونُ الِاخْتِيَالُ بِاللِّبَاسِ الْفَاخِرِ يَكُونُ أَيْضًا بِفُرُشِ الْبُيُوتِ، وَبِرُكُوبِ السَّيَّارَاتِ الْفَاخِرَةِ.
ومما يدخلُ تحت هذه الآيةِ قولهُ تعالى (وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا).
قَالَ قَتَادَة: تِلْكَ وَاَللَّه أُمْنِيَة الْفَاجِر كَثْرَة الْمَال وَعِزَّة النَّفَر.
اذكر بعض أقوال السلف؟
قال مسروق: كفى بالمرء جهلاً أن يعجب بعمله.
وقال بعضهم: إذا رأيت الرجل لجوجاً ممارياً معجباً برأيه فقد تمت خسارته.
وعن محمد بن علي قال: ما دخل قلب امرئ من الكبر شيء إلا نقص من عقله مقدار ذلك.
قال مطرف بن عبد الله: لأن أبيت نائماً وأصبح نائماً أحب إليّ من أن أبيت قائماً وأصبح معجباً.
قال الذهبي: لا أفلح والله من زكى نفسه أو أعجبته.
قال أبو سليمان الداراني: من رأى لنفسه قيمة لم يذق حلاوة الخدمة.
قال أبو بكر: لا يحقرن أحدٌ أحداً من المسلمين، فإن صغير المسلمين عند الله كبير.
وقال الأحنف بن قيس: ما تكبر أحد إلا من ذلة يجدها في نفسه.
وقال مالك بن دينار: كيف يتكبر من أوله نطفة مذِرَة، وآخره جيفة قَذِرَة، وهو فيما بين ذلك حامل عَذِرة.
وقال حاتم الأصم: أصل المصيبة ثلاثة أشياء: الكبر، والحرص، والحسد.
يا ابنَ الترابِ ومأكولَ الترابِ غداً … أقصِرْ فإنك مأكولٌ ومشروبُ.
وقال عمر بن عبد العزيز: إنه ليمنعني من كثير من الكلام مخافة المباهاة.
стр. 2920
درجات التكبر:
الأول: التكبر على الله.
وهو أفحش أنواع الكبر، مثل فرعون حين استكبر وقال: أنا ربكم الأعلى ولذلك قال تعالى (إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين).
ثانياً: التكبر على الرسل.
كما فعلت الأقوام المكذبة مع رسلها، فترفعت عن الانقياد لهم كما حكى الله عنهم (أنؤمن لبشرين مثلنا) وقال تعالى عنهم (إن أنتم إلا بشر مثلنا).
وهذا الكبر قريب من الأول، وإن كان دونه.
الثالث: التكبر على العباد.
وذلك بأن يستعظم نفسه ويستحقر غيره.
وهذا دون الأول والثاني بكثير، لكنه عظيم لأمرين:
أ- أن الكبر والعز والعظمة لا تليق إلا بالملك القادر، فأما العبد الضعيف المملوك العاجز لا يليق به إلا الذل لله والانكسار.
ب- أنه يدعو إلى مخالفة الله في أوامره، لأن المتكبر إذا سمع الحق من عباد الله استنكف عن قبوله.
стр. 2921
١٥١٢ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اَلْعَجَلَةُ مِنَ اَلشَّيْطَانِ) أَخْرَجَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ.
===
ما صحة حديث الباب؟
إسناده ضعيف؛ فيه عبد المهيمن بن عباس، وهو ضعيف.
-ماذا نستفيد من الحديث؟
ذم العجلة والتسرع في الأمور دون تفكر أو روية.
قال المناوي: العجلة: فعل الشيء قبل وقته اللائق به.
ما معنى الحديث (العجلة من الشيطان)؟
قال المناوي: (التَّأنِّي مِنْ الله تعالى أي: ممَّا يرضاه ويثيب عليه، والعَجَلَة مِنْ الشَّيطان أي: هو الحامل عليها بوسوسته؛ لأنَّ العَجَلَة تمنع مِنْ التَّثبُّت، والنَّظر في العواقب.
وقال ابن القيِّم: العَجَلَة مِنْ الشَّيطان فإنَّها خفَّةٌ وطيشٌ وحدَّةٌ في العبد تمنعه مِنْ التَّثبُّت والوقار والحِلْم، وتوجب له وضع الأشياء في غير مواضعها، وتجلب عليه أنواعًا من الشُّرور، وتمنع عنه أنواعًا من الخير.
قال الغزالي: الأعمال ينبغي أن تكون بعد التَّبصرة والمعرفة، والتَّبصرة تحتاج إلى تأمُّل وتمهُّل، والعَجَلَة تمنع مِنْ ذلك، وعند الاستعجال يروِّج الشَّيطان شرَّه على الإنسان مِنْ حيث لا يدري.
والعجلة: -صفة جُبِلَ الإنسان وفطر عليها إلا أنَّ الله قد حذَّره منها.
كما قال ربنا تعالى (خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ).
ولأن العجلة من مقتضيات الشهوة فقد ذُمت في القرآن الكريم.
ومن ذلك قوله تعالى: - (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ * أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ).
وقوله تعالى (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ).
وغيرهما من الآيات التي تبين قبح العجلة ..
بل إن الله تعالى نهى نبيه ﷺ عن العجلة بالقرآن (وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ)
وقوله تعالى أيضاً (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ).
وبين تعالى أن العجلة من طبع الإنسان؛ لتنبيهه على ضرورة التعامل بضدها، فقال (وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً).
стр. 2922
وأمر الله تعالى عباده المؤمنين بالتأني في جميع الأمور، والتثبت منها.
فقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِين).
قال أبو حاتم: العجل يقول قبل أن يعلم، ويجب قبل أن يفهم، ويحمد قبل أن يجرب، ويذم بعدما يحمد، ويعزم قبل أن يفكر، ويمضي قبل أن يعزم.
والعجل تصحبه الندامة وتعتزله السلامة، وكانت العرب تكني العجلة: أم الندامات، وإن الزلل مع العجل، والإقدام على العجل بعد التأني فيه أحزم من الإمساك عنه بعد الإقدام عليه .. وهى تورث أمراضاً وآثاراً نفسية منها: القلق الذي ينتاب الإنسان في عجلته وسرعته، والارتباك والنسيان، والخوف من المجهول المترتب بسبب عدم وضوح الرؤية .. والمتطبع بالعجلة والسرعة في سلوكه الاجتماعي يكون حاداً متعصباً متكلفاً للأمور.
والاستعجال مذموم: عند الدعاء.
وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ (يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوتُ فلم يُستجب لي). رواه البخاري
ومن الاستعجال المذموم: أن يستبطئ الإنسان الرزق فيستعجل، فيطلبه من طرق محرمة ووجوه غير مشروعة.
فعن أبي أمامة ﵁ قال: قال ﷺ (إنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ فِي روعِي أنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ أَجَلَهَا، وَتَسْتَوْعِبَ رِزْقَهَا، فَاتَّقُوا اللهَ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلَا يَحْمِلَنَّ أَحَدَكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ يَطْلُبَهُ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إلاَّ بِطَاعَتِه).
قال ابن حبان: لا يستحق أحد اسم الرئاسة حتى يكون فيه ثلاثة أشياء: العقل والعلم والمنطق، ثم يتعرى عن ستة أشياء: عن الحدة، والعجلة، والحسد، والهوى، والكذب، وترك المشورة.
قال مروان لابنه عبد العزيز- حين ولاه مصر-: يا بني مر حاجبك يخبرك من حضر بابك كل يوم فتكون أنت تأذن وتحجب، وآنس من دخل إليك بالحديث فينبسط إليك، ولا تعجل بالعقوبة إذا أشكل عليك الأمر، فإنك على ترك العقوبة أقدر منك على ارتجاعها.
قال إسحاق بن عيسى الطباع: عاب مالك العجلة في الأمور، وقال: قرأ ابن عمر البقرة في ثمان سنين (بمعنى أنه جمع فيها العلم والعمل معا كما هو منهج الصحابة ﵃.
وقال أيضاً: العجلة نوع من الجهل والخرق.
стр. 2923
قال خالد بن برمك: من استطاع أن يمنع نفسه من أربعة أشياء فهو خليق أن لا ينزل به كبير مكروه: العجلة، واللجاجة، والعجب، والتواني.
فثمرة العجلة الندامة، وثمرة اللجاجة الحيرة، وثمرة العجب البغضة، وثمرة التواني الذل.
قال الشاعر:
لا تعجلنّ فليس الرّزق بالعجل *** الرّزق في اللّوح مكتوب مع الأجل
فلو صبرنا لكان الرّزق يطلبنا *** لكنّه خلق الإنسان من عجل
قال ابن الأعرابيّ- رحمه اللّه تعالى: كان يقال: لا يوجد العجول محموداً، ولا الغضوب مسروراً، ولا الملول ذا إخوان، ولا الحرّ حريصاً، ولا الشّره غنياً.
اذكر بعض الأمور يستحب بل ربما يجب في بعضها العجلة؟
أولاً: الاستعجال في التوبة إلى الله:
قال تعالى (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيماً).
فالتوبة من الأمور العاجلة التي لا تحتاج إلى تسويف؛ فلربما أتى الموت بغتةً فيحتاج الإنسان أن يتوب، ولكن قد أُغلق باب التوبة دونه!
ثانياً: الاستعجال في أداء الحقوق إلى أصحابها.
عن عقبة، قال: صليت وراء النبي ﷺ بالمدينة العصرَ، فسلم ثم قام مسرعًا، فتخطى رقابَ الناس إلى بعض حُجَر نسائه، ففزع الناس من سرعته، فخرج عليهم، فرأى أنهم عجبوا من سرعته، فقال: ذكرتُ شيئًا من تِبْرٍ عندنا؛ فكرهت أن يحبسني، فأمرت بقسمته) رواه البخاري.
ثالثاً: ومنها الاستعجالُ في أداء الدَّيْنِ؛ لخطورته.
عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال (من أخذ أموال الناس يريد أداءَها، أدَّى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافَها، أتلفه الله). رواه البخاري
ما العجلة المحمودة؟
هي العجلة في الطاعة فمحمودة مطلوبة.
قال تعالى (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ).
وقال: (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين).
стр. 2924
ومن قبل قال موسى (قَالَ هُمْ أُولَاء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى).
وفي الحديث: (بادروا بالأعمال سبعاً: - هل تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو غنى مطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفنداً، أو موتاً مجهزاً، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر) رواه الترمذي.
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ (التُّؤَدةُ في كل شيء إلا في عمل الآخرة) رواه أبو داود.
(إلَّا في عمل الآخرة) أي: لأنَّ في تأخير الخيرات آفات. ورُوِي أنَّ أكثر صياح أهل النَّار مِنْ تسويف العمل.
قال الطِّيبي: وذلك لأنَّ الأمور الدُّنيويَّة لا يعلم عواقبها في ابتدائها أنَّها محمودة العواقب حتى يتعجَّل فيها، أو مذمومة فيتأخر عنها، بخلاف الأمور الأخرويَّة؛ لقوله تعالى (فاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ - وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ).
فائدة:
تأنَّى نبيُّ الله يوسف ﵇ مِنْ الخروج مِنْ السِّجن حتى يتحقَّق الملك ورعيَّته براءة ساحته، ونزاهة عرضه، وامتنع عن المبادرة إلى الخروج ولم يستعجل في ذلك.
قال تعالى (وقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيم).
قال ابن عطيَّة: هذا الفعل مِنْ يوسف ﵇ أناةً وصبرًا وطلبًا لبراءة السَّاحة.
стр. 2925
١٥١٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (اَلشُّؤْمُ: سُوءُ اَلْخُلُقِ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ.
===
(اَلشُّؤْمُ) ضد اليمن والبركة.
(سوء الخلق) ضد حسن الخلق.
ما صحة حديث الباب؟
لا يصح كما قال المصنف ﵀.
ماذا نستفيد من الحديث؟
أن الخلق السيء شؤم على صاحبه.
اذكر بعض أقوال السلف في التحذير من سوء الخلق؟
قال الفضيل بن عياض: لا تخالط سيئ الخلق فإنه لا يدعو إلا إلى شر.
وقال أيضًا: لأن يصحبني فاجر حسن الخلق أحب إلي من أن يصحبني عابدٌ سيئ الخلق.
وقال الحسن: من ساء خلقه عذب نفسه.
وقال يحيى بن معاذ: سوء الخلق سيئة لا تنفع معها كثرة الحسنات، وحسن الخلق حسنةٌ لا تضر معها كثرة السيئات.
وقيل: من ساء خلقه ضاق رزقه.
وقال الأحنف: ألا أخبركم بادوأ الداء؟ قالوا: بلى، قال: الخلق الدني، واللسان البذي.
قال الإمام الغزالي ﵀: الأخلاق السيئة هي السموم القاتلة، والمهلكات الدامغة، والمخازي الفاضحة، والرذائل الواضحة، والخبائث المبعدة عن جوار رب العالمين، المنخرطة بصاحبها في سلك الشياطين، وهي الأبواب المفتوحة إلى نار الله تعالى الموقدة التي تطلع على الأفئدة.
وقال أيضًا: الأخلاق الخبيثة أمراض القلوب وأسقام النفوس، إنها أمراض تفوت على صاحبها حياة الأبد.
وقال أيضًا: إن حسن الخلق هو الإيمانُ، وسوء الخلق هو النفاق.
اذكر مضار سوء الخلق؟
أولاً: سيئ الخلق مذكورٌ بالذكر القبيح، يمقته الله ، ويُبغضه الرسول ﷺ ، ويُبغضه الناس على اختلاف مشاربهم.
عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (وإن أبغضكم إليَّ وأبعدكم مني في الآخرة أسْوَؤُكم أخلاقاً) رواه أحمد.
ثانياً: وسيئ الخلق هو من ملأ الله أُذُنَيْهِ من ثناء الناس شرًّا وهو يسمعهُ.
عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ (أهل الجنة من ملأ الله أُذنيه من ثناء الناس خيرًا، وهو يسمعُ، وأهل النار من ملأ أُذنيه من ثناء الناس شرًّا وهو يسمع) رواه ابن ماجه.
ثالثاً: سيئ الخلق يجلب لنفسه الهم والغم والكدر، وضيق العيش، ويجلب لغيره الشقاء.
قال أبو حازم سلمة بن دينار ﵀: السيئُ الخلق أشقى الناس به نفسُهُ التي بين جنبيه، هي مِنه في بلاء، ثم زوجتُهُ، ثم ولدُهُ، حتى أنه ليدخل بيته، وإنهم لفي سرور، فيسمعون صوته، فينفرون منه فرَقًا منه، وحتى إن دابته تحيد مما يرميها بالحجارة، وإن كلبه ليراه فينزو على الجدار، حتى إن قِطَّهُ ليفرُّ منه.
стр. 2926
١٥١٤ - وَعَنْ أَبِي اَلدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِنَّ اَللَّعَّانِينَ لَا يَكُونُونَ شُفَعَاءَ، وَلَا شُهَدَاءَ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
===
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد خطر اللعن وتحريم، وقد تقدمت مباحثه.
ما معنى (لَا يَكُونُونَ شُفَعَاءَ، وَلَا شُهَدَاءَ … )؟
قال النووي: فَمَعْنَاهُ لَا يَشْفَعُونَ يَوْم الْقِيَامَة حِين يُشَفَّع الْمُؤْمِنُونَ فِي إِخْوَانهمْ الَّذِينَ اِسْتَوْجَبُوا النَّار.
(وَلَا شُهَدَاء) فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال:
أَصَحّهَا وَأَشْهَرهَا لَا يَكُونُونَ شُهَدَاء يَوْم الْقِيَامَة عَلَى الْأُمَم بِتَبْلِيغِ رُسُلهمْ إِلَيْهِمْ الرِّسَالَات.
وَالثَّانِي لَا يَكُونُونَ شُهَدَاء فِي الدُّنْيَا أَيْ لَا تُقْبَل شَهَادَتهمْ لِفِسْقِهِمْ.
وَالثَّالِث لَا يُرْزَقُونَ الشَّهَادَة وَهِيَ الْقَتْل فِي سَبِيل اللَّه.
وَإِنَّمَا قَالَ ﷺ : لَا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أَنْ يَكُون لَعَّانًا، وَلَا يَكُون اللَّعَّانُونَ شُفَعَاء بِصِيغَةِ التَّكْثِير، وَلَمْ يَقُلْ: لَاعِنًا وَاللَّاعِنُونَ لِأَنَّ هَذَا الذَّمّ فِي الْحَدِيث إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ كَثُرَ مِنْهُ اللَّعْن، لَا لِمَرَّةٍ وَنَحْوهَا، وَلِأَنَّهُ يَخْرُج مِنْهُ أَيْضًا اللَّعْن الْمُبَاح، وَهُوَ الَّذِي وَرَدَ الشَّرْع بِهِ، وَهُوَ لَعْنَة اللَّه عَلَى الظَّالِمِينَ، لَعَنَ اللَّه الْيَهُود وَالنَّصَارَى، لَعَنَ اللَّه الْوَاصِلَة وَالْوَاشِمَة، وَشَارِب الْخَمْر وَآكِل الرِّبَا وَمُوكِله وَكَاتِبه وَشَاهِدَيْهِ، وَالْمُصَوِّرِينَ، وَمَنْ اِنْتَمَى إِلَى غَيْر أَبِيهِ، وَتَوَلَّى غَيْر مَوَالِيه، وَغَيَّرَ مَنَار الْأَرْض، وَغَيْرهمْ مِمَّنْ هُوَ مَشْهُور فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة.
стр. 2927
١٥١٥ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ، لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَعْمَلَهُ) أَخْرَجَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَسَنَدُهُ مُنْقَطِعٌ ..
===
ما صحة حديث الباب؟
لا يصح.
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد التحذير من تعيير الناس وعيبهم بذنوبهم.
معنى الحديث، قال الشيخ المباركفوري:
قَوْلُهُ: (مَنْ عَيَّرَ) مِنْ التَّعْيِيرِ أَيْ عَابَ (أَخَاهُ) أَيْ فِي الدِّينِ (ِذَنْبٍ) أَيْ قَدْ تَابَ مِنْهُ عَلَى مَا فَسَّرَ بِهِ الإِمَامُ أَحْمَدُ (لَمْ يَمُتْ) الضَّمِيرُ لِمَنْ (حَتَّى يَعْمَلَهُ) أَيْ الذَّنْبَ الَّذِي عَيَّرَ بِهِ أَخَاهُ، وَكَأَنَّ مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ أَيْ عَابَهُ مِنْ الْعَارِ، وَهُوَ كُلُّ شَيْءٍ لَزِمَ بِهِ عَيْبٌ كَمَا فِي الْقَامُوسِ يُجَازَى بِسَلْبِ التَّوْفِيقِ حَتَّى يَرْتَكِبَ مَا عَيَّرَ أَخَاهُ بِهِ وَذَاكَ إِذَا صَحِبَهُ إِعْجَابُهُ بِنَفْسِهِ لِسَلامَتِهِ مِمَّا عَيَّرَ بِهِ أَخَاه. (تحفة الأحوذي)
والذي يقع منه الذنب أقسام:
منهم من يتوب ويرجع إلى ربه تعالى أو يقام عليه الحد.
فهذا لا يحل تعييره لأنه طهَّر نفسه بالتوبة أو بالحد وقد قال النبي ﷺ (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) رواه ابن ماجه.
وقد حمل الإمام أحمد العقوبة التي في الحديث على من عيَّر من تاب من ذنبه كما نقل عنه الترمذي بعد تخريجه الحديث قال: قال أحمد: مِنْ ذنب قد تاب منه.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ: مِنْ ذَنْبٍ قَدْ تَابَ مِنْهُ.
ومنهم من يعمل الذنب ولا يجهر به، فيجب على من علم به نصحه والستر عليه.
ومنهم من يجهر بذنبه، فهذا ينصح كذلك، ويحذَّر منه حسب المقام الذي يقتضي التحذير.
قال ابن القيم: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ: أَنَّ تَعْيِيرَكَ لِأَخِيكَ بِذَنْبِهِ أَعْظَمُ إِثْمًا مِنْ ذَنْبِهِ وَأَشَدُّ مِنْ مَعْصِيَتِهِ، لِمَا فِيهِ مِنْ صَوْلَةِ الطَّاعَةِ، وَتَزْكِيَةِ النَّفْسِ، وَشُكْرِهَا، وَالْمُنَادَاةِ عَلَيْهَا بِالْبَرَاءَةِ مِنَ الذَّنْبِ، وَأَنَّ أَخَاكَ بَاءَ بِهِ، وَلَعَلَّ كَسْرَتَهُ بِذَنْبِهِ، وَمَا أَحْدَثَ لَهُ مِنَ الذِّلَّةِ وَالْخُضُوعِ، وَالْإِزْرَاءِ عَلَى نَفْسِهِ، وَالتَّخَلُّصِ مِنْ مَرَضِ الدَّعْوَى، وَالْكِبْرِ وَالْعُجْبِ، وَوُقُوفَهُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ نَاكِسَ الرَّأْسِ، خَاشِعَ الطَّرْفِ، مُنْكَسِرَ الْقَلْبِ أَنْفَعُ لَهُ، وَخَيْرٌ مِنْ صَوْلَةِ طَاعَتِكَ، وَتَكَثُّرِكَ بِهَا وَالِاعْتِدَادِ بِهَا، وَالْمِنَّةِ عَلَى اللَّهِ وَخَلْقِهِ بِهَا، فَمَا أَقْرَبَ هَذَا الْعَاصِيَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ! وَمَا أَقْرَبَ هَذَا الْمُدِلَّ مِنْ مَقْتِ اللَّهِ، فَذَنْبٌ تَذِلُّ بِهِ لَدَيْهِ، أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ طَاعَةٍ تُدِلُّ بِهَا عَلَيْهِ، وَإِنَّكَ أَنْ تَبِيتَ نَائِمًا وَتُصْبِحَ نَادِمًا، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَبِيتَ قَائِمًا وَتُصْبِحَ مُعْجَبًا، فَإِنَّ الْمُعْجَبَ لَا يَصْعَدُ لَهُ عَمَلٌ، وَإِنَّكَ إِنْ تَضْحَكْ وَأَنْتَ مُعْتَرِفٌ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَبْكِيَ وَأَنْتَ مُدِلٌّ، وَأَنِينُ الْمُذْنِبِينَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ زَجَلِ الْمُسَبِّحِينَ الْمُدِلِّينَ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَسْقَاهُ بِهَذَا الذَّنْبِ دَوَاءً اسْتَخْرَجَ بِهِ دَاءً قَاتِلًا هُوَ فِيكَ وَلَا تَشْعُرُ.
стр. 2928
فائدة:
وقد ثبت النهي عن التعيير بالذنب، لأن ذلك يكون إعانة للشيطان على الإنسان.
قال ﷺ : لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم. رواه أحمد.
وعند البخاري:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁ (أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ قَالَ اضْرِبُوهُ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ أَخْزَاكَ اللَّهُ قَالَ: لَا تَقُولُوا هَكَذَا لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ).
وقد ثبت النهي عن الردّ على من عيّر إنساناً بما فيه؟
قال ﷺ (وَإِنِ امْرُؤٌ شَتَمَكَ وَعَيَّرَكَ بِمَا يَعْلَمُ فِيكَ، فَلَا تُعَيِّرْهُ بِمَا تَعْلَمُ فِيهِ، فَإِنَّمَا وَبَالُ ذَلِكَ عَلَيْهِ) رواه أبو داود.
وقد جرت عادة الله أن من عير أخاه بذنب أنه لا يموت حتى يقع فيه ويرتكبه.
قال ابن القيم: من ضحك من الناس ضُحك منه، ومن عيّر أخاه بعمل ابتلي به ولا بد.
стр. 2929
١٥١٦ - وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ، فَيَكْذِبُ; لِيَضْحَكَ بِهِ اَلْقَوْمُ، وَيْلٌ لَهُ، ثُمَّ وَيْلٌ لَهُ) أَخْرَجَهُ اَلثَّلَاثَةُ، وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ.
===
(وَيْلٌ) كلمة تهديد ووعيد.
ما صحة حديث الباب؟
حديث صحيح.
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد التحذير الشديد من الكذب من أجل إضحاك الناس.
قال الصنعاني: الحديث دليل على تحريم الكذب لإضحاك القوم، وهذا تحريم خاص، ويحرم على السامعين سماعه إذا علموه كذبا؛ لأنه إقرار على المنكر بل يجب عليهم النكير أو القيام من الموقف، وقد عد الكذب من الكبائر. اهـ.
وقال المناوي: (يل للذي يحدث فيكذب) في حديثه (ليضحك به القوم ويل له ويل له) كرره إيذاناً بشدة هلكته وذلك لأن الكذب وحده رأس كل مذموم وجماع كل فضيحة فإذا انضم إليه استجلاب الضحك الذي يميت القلب ويجلب النسيان ويورث الرعونة كان أقبح القبائح، ومن ثم قال الحكماء: إيراد المضحكات على سبيل السخف نهاية القباحة.
وقال ابن تيمية: أَمَّا الْمُتَحَدِّثُ بِأَحَادِيثَ مُفْتَعَلَةٍ لِيُضْحِكَ النَّاسَ أَوْ لِغَرَضِ آخَرَ: فَإِنَّهُ عَاصٍ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَقَدْ رَوَى بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (إنَّ الَّذِي يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ الْقَوْمَ: وَيْلٌ لَهُ وَيْلٌ لَهُ ثُمَّ وَيْلٌ لَهُ).
وَقَدْ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّ الْكَذِبَ لَا يَصْلُحُ فِي جَدٍّ وَلَا هَزْلٍ وَلَا يَعِدُ أَحَدُكُمْ صَبِيَّهُ شَيْئًا ثُمَّ لَا يُنْجِزُهُ. وَأَمَّا إنْ كَانَ فِي ذَلِكَ مَا فِيهِ عُدْوَانٌ عَلَى مُسْلِمٍ وَضَرَرٌ فِي الدِّينِ: فَهُوَ أَشَدُّ تَحْرِيمًا مِنْ ذَلِكَ. وَبِكُلِّ حَالٍ فَفَاعِلُ ذَلِكَ مُسْتَحِقٌّ لِلْعُقُوبَةِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي تَرْدَعُهُ عَنْ ذَلِك.
وقال المباركفوي: ثُمَّ الْمَفْهُومُ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا حَدَّثَ بِحَدِيثِ صِدْقٍ لِيُضْحِكَ الْقَوْمَ فَلَا بَأْسَ بِهِ كَمَا صَدَرَ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ غَضِبَ عَلَى بَعْضِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَحِينَئِذٍ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ مِزَاحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا يَكُونُ إِلَّا حَقًّا وَلَا يُؤْذِي قَلْبًا وَلَا يُفْرِطُ فِيهِ. فَإِنْ كُنْت أَيُّهَا السَّامِعُ تَقْتَصِرُ عَلَيْهِ أَحْيَانًا وَعَلَى النُّدُورِ فَلَا حَرَجَ عَلَيْك. وَلَكِنْ مِنْ الْغَلَطِ الْعَظِيمِ أَنْ يَتَّخِذَ الْإِنْسَانُ الْمِزَاحَ حِرْفَةً، وَيُوَاظِبَ عَلَيْهِ وَيُفْرِطَ فِيهِ ثُمَّ يَتَمَسَّكُ بِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَهُوَ كَمَنْ يَدُورُ مَعَ الزُّنُوجِ أَبَدًا لِيَنْظُرَ إِلَى رَقْصِهِمْ، وَيَتَمَسَّكُ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَذِنَ لِعَائِشَةَ ﵂ فِي النَّظَرِ إِلَيْهِمْ وَهُمْ يَلْعَبُون. (تحفة الأحوذي).
стр. 2930
١٥١٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (كَفَّارَةٌ مَنْ اِغْتَبْتَهُ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُ) رَوَاهُ اَلْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.
===
ما صحة حديث الباب؟
لا يصح.
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد أن كفارة الغيبة أن يستغفر المغتاب لمن اغتابه.
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
قال ابن القيم: هذه المسألة فيها قولان للعلماء - هما روايتان عن الإمام أحمد - وهما: هل يكفي في التوبة من الغيبة للاستغفار للمغتاب، أم لا بد من إعلامه وتحليله؟
والصحيح أنه لا يحتاج إلى إعلامه، بل يكفيه الاستغفار وذكره بمحاسن ما فيه في المواطن التي اغتابه فيها.
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره.
والذين قالوا لا بد من إعلامه جعلوا الغيبة كالحقوق المالية.
والفرق بينهما ظاهر، فإن الحقوق المالية ينتفع المظلوم بعود نظير مظلمته إليه، فإن شاء أخذها وإن شاء تصدق بها.
وأما في الغيبة فلا يمكن ذلك ولا يحصل له بإعلامه إلا عكس مقصود الشارع ﷺ ، فإنه يوغر صدره ويؤذيه إذا سمع ما رمى به، ولعله يهيج عداوته ولا يصفو له أبداً، وما كان هذا سبيله فإن الشارع الحكيم ﷺ لا يبيحه ولا يجوزه فضلاً عن أن يوجبه ويأمر به، ومدار الشريعة على تعطيل المفاسد وتقليلها، لا على تحصيلها وتكميلها. (الوابل الصيب).
وقال في مدارج السالكين: والمعروف في مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك اشتراط الإعلام والتحلل هكذا ذكره أصحابهم في كتبهم.
والذين اشترطوا ذلك احتجوا بأن الذنب حق آدمي: فلا يسقط إلا بإحلاله منه وإبرائه ثم من لم يصحح البراءة من الحق المجهول شرط إعلامه بعينه لا سيما إذا كان من عليه الحق عارفا بقدره فلا بد من إعلام مستحقه به لأنه قد لا تسمح نفسه بالإبراء منه إذا عرف قدره.
стр. 2931
واحتجوا بالحديث المذكور وهو قوله (من كان لأخيه عنده مظلمة من مال أو عرض فليتحلله اليوم).
قالوا: ولأن في هذه الجناية حقين: حقا لله وحقا للآدمي فالتوبة منها بتحلل الآدمي لأجل حقه والندم فيما بينه وبين الله لأجل حقه.
قالوا: ولهذا كانت توبة القاتل لا تتم إلا بتمكين ولي الدم من نفسه إن شاء اقتص وإن شاء عفا وكذلك توبة قاطع الطريق والقول الآخر: أنه لا يشترط الإعلام بما نال من عرضه وقذفه واغتيابه بل يكفي توبته بينه وبين الله وأن يذكر المغتاب والمقذوف في مواضع غيبته وقذفه بضد ما ذكره به من الغيبة فيبدل غيبته بمدحه والثناء عليه وذكر محاسنه وقذفه بذكر عفته وإحصانه ويستغفر له بقدر ما اغتابه.
وهذا اختيار شيخنا أبي العباس ابن تيمية قدس الله روحه.
واحتج أصحاب هذه المقالة:
بأن إعلامه مفسدة محضة لا تتضمن مصلحة، فإنه لا يزيده إلا أذى وحنقاً وغماً وقد كان مستريحا قبل سماعه فإذا سمعه ربما لم يصبر على حمله وأورثته ضرراً في نفسه أو بدنه، وما كان هكذا فإن الشارع لا يبيحه فضلاً عن أن يوجبه ويأمر به.
قالوا: وربما كان إعلامه به سبباً للعداوة والحرب بينه وبين القائل فلا يصفو له أبداً ويورثه علمه به عداوة وبغضاء مولدة لشر أكبر من شر الغيبة والقذف وهذا ضد مقصود الشارع من تأليف القلوب والتراحم والتعاطف والتحابب.
قالوا: والفرق بين ذلك وبين الحقوق المالية وجنايات الأبدان من وجهين:
أحدهما: أنه قد ينتفع بها إذا رجعت إليه فلا يجوز إخفاؤها عنه فإنه محض حقه فيجب عليه أداؤه إليه بخلاف الغيبة والقذف فإنه ليس هناك شيء ينفعه يؤديه إليه إلا إضراره وتهييجه فقط فقياس أحدهما على الآخر من أفسد القياس.
والثاني: أنه إذا أعلمه بها لم تؤذه ولم تهج منه غضبا ولا عداوة بل ربما سره ذلك وفرح به بخلاف إعلامه بما مزق به عرضه طول عمره ليلا ونهارا من أنواع القذف والغيبة والهجو فاعتبار أحدهما بالآخر اعتبار فاسد وهذا هو الصحيح في القولين كما رأيت والله أعلم. (المدارج).
стр. 2932
١٥١٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (أَبْغَضُ اَلرِّجَالِ إِلَى اَللَّهِ اَلْأَلَدُّ اَلْخَصِمُ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
===
ما معنى (اَلْأَلَدُّ اَلْخَصِمُ)؟
قال النووي: (الْأَلَدّ) شَدِيد الْخُصُومَة مَأْخُوذ مِنْ لَدِيدَيْ الْوَادِي وَهُمَا جَانِبَاهُ؛ لِأَنَّهُ كُلَّمَا اُحْتُجَّ عَلَيْهِ بِحُجَّةٍ أَخَذَ فِي جَانِب آخَر. وَأَمَّا (الْخَصِم) فَهُوَ الْحَاذِق بِالْخُصُومَةِ. وَالْمَذْمُوم هُوَ الْخُصُومَة بِالْبَاطِلِ فِي رَفْع حَقٍّ، أَوْ إِثْبَات بَاطِل. وَاَللَّه أَعْلَم.
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد ذم شدة الخصومة، والمراد به - كما قال النووي - الخصومة في دفع الحق أو إثبات باطل.
ما سبب ذم شدة المخاصمة؟
قال الحافظ: … وإن كان مسلماً فسبب البغض أن كثرة المخاصمة تفضي غالباً إلى ما يذم صاحبه، أو يخص في حق المسلمين بمن خاصم في باطل.
ويشهد للأول حديث (كفى بك اثماً ان لا تزال مخاصماً) أخرجه الطبراني عن أبي امامة بسند ضعيف.
هل ورد الترغيب في ترك المخاصمة؟
نعم.
فعند أبي داود من طريق سليمان بن حبيب عن أبي أمامة رفعه (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً) وله شاهد عند الطبراني من حديث معاذ بن جبل.
والربض بفتح الراء والموحدة بعدها ضاد معجمة الأسفل. (الفتح).
لماذا خص الرجال؟
قال المناوي: وإنما خص الرجال، لأن اللدد فيهم أغلب، ولأن غيرهم لهم تبع في جميع المواطن.
اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
الترهيب من الشدة في الخصومة.
أن انتشار الجدل علامة على الضلال.
الجدل والخصومة بالباطل من آفات اللسان التي تسبب الفرقة والتقاطع والتدابر بين المسلمين، والبغض من الله تعالى.
أن الذي يقصد بخصومته مدافعة الحق ورده بالأوجه الفاسدة، والشبه الموهمة، هو الشخص الذي يبغضه الله تعالى.
الألد هو المعوج عن الحق المولع بالخصومة والماهر بها ويدخل في ذلك كثير الجدل بالباطل.
الواجب على المسلم أن يتعلم فضيلة وخلق العفو والتسامح وأن لا يجعل الخصومة سبيلا إلى معاداة الناس ومحاولة الأذى لهم؛ فإن ذلك ليس من أخلاق الكرام.
стр. 2933
بَابُ اَلتَّرْغِيبِ فِي مَكَارِمِ اَلْأَخْلَاقِ
١٥١٩ - عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ اَلصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى اَلْبِرِّ، وَإِنَّ اَلْبِرَّ يَهْدِي إِلَى اَلْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ اَلرَّجُلُ يَصْدُقُ، وَيَتَحَرَّى اَلصِّدْقَ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اَللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ اَلْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى اَلْفُجُورِ، وَإِنَّ اَلْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى اَلنَّارِ، وَمَا يَزَالُ اَلرَّجُلُ يَكْذِبُ، وَيَتَحَرَّى اَلْكَذِبَ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اَللَّهِ كَذَّابًا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
===
(يَهْدِي) أي: يرشد ويوصل.
(إِلَى البرِّ) البر كلمة جامعة لأعمال الخير، ومختلف الأعمال الصالحات، قال تعالى (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ).
(وإنَّ البر يَهدِي) أي: يقود ويوصل.
(إِلَى الجَنَّةِ) وهي الدار التي أعدها الله لأوليائه المتقين، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
(حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقاً) أي: يصير الصدق له سجية وخلقاً.
(وَإِنَّ الكَذِبَ) وهو الإخبار بخلاف الواقع.
(يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ) الفجور يشمل جميع الأعمال السيئة.
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد فضل الصِّدْقِ.
قال ابن تيمية: … الصدق أَصْلُ الْخَيْرِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إلَى الْجَنَّةِ وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إلَى النَّارِ وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا) وَلِهَذَا قَالَ سُبْحَانَهُ (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ. تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ) وَقَالَ (وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ. يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا).
وَلِهَذَا يُذْكَرُ أَنَّ بَعْضَ الْمَشَايِخِ أَرَادَ أَنْ يُؤَدِّبَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ لَهُمْ ذُنُوبٌ كَثِيرَةٌ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ: أَنَا آمُرُك بِخَصْلَةِ وَاحِدَةٍ فَاحْفَظْهَا لِي؛ وَلَا آمُرُك السَّاعَةَ بِغَيْرِهَا الْتَزِمْ الصِّدْقَ وَإِيَّاكَ وَالْكَذِبَ وَتَوَعَّدَهُ عَلَى الْكَذِبِ بِوَعِيدِ شَدِيدٍ فَلَمَّا الْتَزَمَ ذَلِكَ الصِّدْقَ دَعَاهُ إلَى بَقِيَّةِ الْخَيْرِ وَنَهَاهُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْفَاجِرَ لَا حَدَّ لَهُ فِي الْكَذِبِ. (مجموع الفتاوى: ١٥/ ٢٤٦).
стр. 2934
وقال ابن القيم: ولهذا كان أصل أعمال القلوب كلها الصدق، وأضدادها من الرياء والعجب والكبر والفخر والخيلاء والبطر والأشر والعجز والكسل والجبن والمهانة وغيرها أصلها الكذب، فكل عمل صالح ظاهر أو باطن فمنشؤة الصدق، وكل عمل فاسد ظاهر أو باطن فمنشؤة الكذب، والله تعالى يعاقب الكذاب بأن يقعده ويثبطه عن مصالحه ومنافعه، ويثيب الصادق بأن يوفقه للقيام بمصالح دنياه وآخرته، فما استجلبت مصالح الدنيا والآخرة بمثل الصدق؛ ولا مفاسدهما ومضارهما بمثل الكذب، قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين).
وقال ابن تيمية: الصِّدْقُ أَسَاسُ الْحَسَنَاتِ وَجِمَاعُهَا وَالْكَذِبُ أَسَاسُ السَّيِّئَاتِ وَنِظَامُهَا وَيَظْهَرُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْإِنْسَانَ هُوَ حَيٌّ نَاطِقٌ فَالْوَصْفُ الْمُقَوِّمُ لَهُ الْفَاصِلُ لَهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الدَّوَابِّ هُوَ الْمَنْطِقُ وَالْمَنْطِقُ قِسْمَانِ: خَبَرٌ وَإِنْشَاءٌ وَالْخَبَرُ صِحَّتُهُ بِالصِّدْقِ وَفَسَادُهُ بِالْكَذِبِ فَالْكَاذِبُ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الْبَهِيمَةِ الْعَجْمَاءِ.
الثَّانِي: أَنَّ الصِّفَةَ الْمُمَيِّزَةَ بَيْنَ النَّبِيِّ وَالْمُتَنَبِّئِ هُوَ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ الصَّادِقُ الْأَمِينُ، وَمُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ. وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ).
الثَّالِثُ: أَنَّ الصِّفَةَ الْفَارِقَةَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْمُنَافِقِ هُوَ الصِّدْقُ فَإِنَّ أَسَاسَ النِّفَاقِ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ الْكَذِبُ، وَعَلَى كُلِّ خُلُقٍ يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ لَيْسَ الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا إذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اُؤْتُمِنَ خَانَ).
الرَّابِعُ: أَنَّ الصِّدْقَ هُوَ أَصْلُ الْبِرِّ، وَالْكَذِبَ أَصْلُ الْفُجُورِ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إلَى الْجَنَّةِ وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ … ).
الْخَامِسُ: أَنَّ الصَّادِقَ تَنْزِلُ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ، وَالْكَاذِبَ تَنْزِلُ عَلَيْهِ الشَّيَاطِينُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ. تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ. يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ).
السَّادِسُ: أَنَّ الْفَارِقَ بَيْنَ الصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَبَيْنَ الْمُتَشَبَّهِ بِهِمْ مِنْ الْمُرَائِينَ وَالْمُسْمِعِينَ وَالْمُبْلِسِينَ هُوَ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ.
السابع: أَنَّ الْمَشَايِخَ الْعَارِفِينَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أَسَاسَ الطَّرِيقِ إلَى اللَّهِ هُوَ الصِّدْقُ وَالْإِخْلَاصُ كَمَا جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِهِ (وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ) وَنُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ دَالٌّ عَلَى ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ:
كَقَوْلِهِ تَعَالَى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ).
وقَوْله تَعَالَى (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوى لِلْكَافِرِينَ).
وقوله تعالى (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ).
стр. 2935
اذكر بعض فضائل الصدق؟
أولاً: أنه سبب للطمأنينة.
كما في الحديث (فإن الصدق طمأنينة).
ثانياً: هو المميز بين المؤمن والمنافق.
قال ﷺ (آية المنافق ثلاث: وإذا حدث كذب … ).
ثالثاً: لا ينفع يوم القيامة إلا الصدق:
قال تعالى (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ).
رابعاً: الصدق أصل كل بر.
كما في حديث الباب (إن الصدق يهدي إلى البر).
خامساً: أن مجاهدة النفس على تحري الصدق توصلها إلى مرتبة الصديقية.
قال ﷺ : ( … ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً).
سادساً: الصدق سبب للبركة.
كما قال ﷺ (البيعان بالخيار … فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما).
قال ابن تيمية: الله يَصِفُ الْمُؤْمِنِينَ بِالصِّدْقِ؛ قَالَ تَعَالَى (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ). وَقَالَ (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) وَأَمْثَالُ هَذَا كَثِيرٌ. وَقَالَ تَعَالَى (إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) وَقَالَ (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) إلَى قَوْلِهِ (أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ).
وقال ابن تيمية: (الصدق يهدي إلى البر … ) فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الصِّدْقَ أَصْلٌ يَسْتَلْزِمُ الْبِرَّ، وَأَنَّ الْكَذِبَ يَسْتَلْزِمُ الْفُجُورَ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى (إنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ) (وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ) وَلِهَذَا كَانَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ إذَا أَمَرَ بَعْضَ مُتَّبِعِيهِ بِالتَّوْبَةِ وَأَحَبَّ أَنْ لَا يُنَفِّرَهُ وَلَا يُشَعِّبَ قَلْبَهُ أَمَرَهُ بِالصِّدْقِ. وَلِهَذَا كَانَ يَكْثُرُ فِي كَلَامِ مَشَايِخِ الدِّينِ وَأَئِمَّتِهِ ذِكْرُ الصِّدْقِ وَالْإِخْلَاصِ حَتَّى يَقُولُوا: قُلْ لِمَنْ لَا يَصْدُقُ: لَا يَتَّبِعْنِي. وَيَقُولُونَ: الصِّدْقُ سَيْفُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، وَمَا وُضِعَ عَلَى شَيْءٍ إلَّا قَطَعَهُ.
وَيَقُولُ يُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَغَيْرُهُ: مَا صَدَقَ اللَّهَ عَبْدٌ إلَّا صَنَعَ لَهُ وَأَمْثَالُ هَذَا كَثِيرٌ.
وَالصِّدْقُ وَالْإِخْلَاصُ هُمَا فِي الْحَقِيقَةِ تَحْقِيقُ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ، فَإِنّ الْمُظْهِرِينَ لِلْإِسْلَامِ يَنْقَسِمُونَ إلَى مُؤْمِنٍ وَمُنَافِقٍ، وَالْفَارِقُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْمُنَافِقِ هُوَ الصِّدْقُ، فَإِنَّ أَسَاسَ النِّفَاقِ الَّذِي يُبْنَى عَلَيْهِ هُوَ الْكَذِبُ؛ وَلِهَذَا إذَا ذَكَرَ اللَّهُ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ نَعَتَهُ بِالصِّدْقِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) إلَى قَوْلِهِ (إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) وَقَالَ تَعَالَى (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) فَأَخْبَرَ أَنَّ الصَّادِقِينَ فِي دَعْوَى الْإِيمَانِ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ لَمْ يَتَعَقَّبْ إيمَانَهُمْ رِيبَةٌ وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا هُوَ الْعَهْدُ الْمَأْخُوذُ عَلَى الْأَوَّلِينَ والآخرين.
стр. 2936
وقال: وَأَمَّا الْمُنَافِقُونَ فَوَصَفَهُمْ سُبْحَانَهُ بِالْكَذِبِ فِي آيَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) وقَوْله تَعَالَى (إذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) وقَوْله تَعَالَى (فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) وَنَحْوُ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ.
وقال ﵀: وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ الصِّدْقَ وَالتَّصْدِيقَ يَكُونُ فِي الْأَقْوَالِ وَفِي الْأَعْمَالِ، كَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ (كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظُّهُ مِنْ الزِّنَا فَهُوَ مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ فَالْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ وَالْأُذُنَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا السَّمْعُ وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا الْبَطْشُ وَالرِّجْلَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا الْمَشْيُ وَالْقَلْبُ يَتَمَنَّى وَيَشْتَهِي وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ) وَيُقَالُ حَمَلُوا عَلَى الْعَدُوِّ حَمْلَةً صَادِقَةً إذَا كَانَتْ إرَادَتُهُمْ لِلْقِتَالِ ثَابِتَةً جَازِمَةً، وَيُقَالُ فُلَانٌ صَادِقُ الْحُبِّ وَالْمَوَدَّةِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَلِهَذَا يُرِيدُونَ بِالصَّادِقِ؛ الصَّادِقُ فِي إرَادَتِهِ وَقَصْدِهِ وَطَلَبِهِ وَهُوَ الصَّادِقُ فِي عَمَلِهِ، وَيُرِيدُونَ الصَّادِقَ فِي خَبَرِهِ وَكَلَامِهِ وَالْمُنَافِقُ ضِدُّ الْمُؤْمِنِ الصَّادِقِ وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ كَاذِبًا فِي خَبَرِهِ، أَوْ كَاذِبًا فِي عَمَلِهِ كَالْمُرَائِي فِي عَمَلِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (إنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ) الْآيَتَيْنِ.
اذكر أقسام الصدق؟
قسم ابن القيم الصدق إلى ثلاثة أقسام:
الأول: صدق في الأقوال:
ومعناه: استواء اللسان على الأقوال كاستواء السنبلة على ساقها.
والثاني: صدق في الأعمال.
ومعناه: استواء الأفعال على الأمر والمتابعة كاستواء الرأس على الجسد.
والثالث: صدق في الأحوال.
ومعناه: استواء أعمال القلب والجوارح على الإخلاص.
اذكر بعض أقوال السلف في الصدق.
قال عمر بن الخطاب: عليك بالصدق وإن قتلك.
وقال بشر بن الحارث: مَنْ عامل الله بالصدق استوحش من الناس.
وقال جعفر بن محمد: الصدق هو المجاهدة، وأن لا تختار على الله غيره كما لم يختر عليك غيرك، فقال تعالى (هو اجتباكم).
وقال بعض العلماء: أجمع الفقهاء والعلماء على ثلاث خصال أنها إذا صحت ففيها النجاة ولا يتم بعضها إلا ببعض: الإسلام الخالص عن البدعة والهوى، والصدق لله في الأعمال، وطيب المطعم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والصدق أساس الحسنات وجماعها، والكذب أساس السيئات ونظامها.
стр. 2937
قال ابن القيم: الصادق مطلوبه رضى ربه، وتنفيذ أوامره، وتتبع محابه، فهو متقلب فيها، يسير معها أينما توجهت ركائبها، ويستقل معها أينما استقلت مضاربها، فبينا هو في صلاة إذ رأيته في ذكر ثم في غزو ثم في حج ثم في إحسان للخلق بالتعليم وغيره من أنواع المنافع.
قال ابن تيمية: الصديقية: كمال الإخلاص والانقياد والمتابعة للخبر والأمر ظاهراً وباطناً.
قال ابن القيم: لا يشم رائحة الصدق عبد داهن نفسه أو غيره.
وقال: كل عمل صالح ظاهر أو باطن فمنشؤه الصدق وكل عمل فاسد ظاهر أو باطن فمنشؤه الكذب.
وقال: أصل أعمال القلوب كلها: الصدق.
وقال: من ترك المألوفات والعوائد مخلصاً صادقاً من قلبه لله فإنه لا يجد في تركها مشقة إلا في أول وهلة ليمتحن أصادق هو أم كاذب.
اذكر بعض علامات الصادق؟
أولاً: طمأنينة القلب واستقراره:
إن الصدق في جميع الأحوال باطنها وظاهرها يورث الطمأنينة والسكينة في القلب، وينفي عنه التردد والريبة والاضطراب التي لا توجد إلا في حالات الشك وضعف الصدق أو عدمه، يقول ﷺ (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة).
ثانياً: الزهد في الدنيا والتأهب للقاء الله .
فالصادق مع الله لا تراه إلا متأهباً للقاء ربه، مستعداً لذلك بالأعمال الصالحة، والقيام بأوامر الله والانتهاء عن نواهيه، يريد بذلك وجه الله متبعاً في ذلك رسوله ﷺ .
ثالثاً: سلامة القلب.
إن من علامة الصدق سلامة القلب، وخلوه من الغش والحقد والحسد للمسلمين، فالعبد المؤمن الصادق في إيمانه لا يحمل في قلبه غلاً للمؤمنين ولا شراً، بل إن حب الخير والنصح للمسلمين هو طبعه وعادته.
رابعاً: حفظ الوقت وتدارك العمر.
إن الصادق في إيمانه لا تجده إلا محافظاً على وقته شحيحاً به، لا ينفقه إلا فيما يرجو نفعه في الآخرة، ينظر إلى العمر كله كأنه ساعة من نهار، وإلى الدنيا كأنها ظل شجرة نزل تحتها، ثم قام وتركها، فبادر بالأعمال الصالحة فراغه وصحته، وشبابه، وحياته، وابتعد عن كل آفة تقطع عليه طريقه، وتضيع عليه وقته، وتبدد عليه عمره القصير بما لا ينفع.
стр. 2938
خامساً: الزهد في ثناء الناس ومدحهم بل وكراهة ذلك:
ويتبع ذلك الزهد فيما عند الناس، والقناعة بما كتب الله ، وهذه الصفة إذا وجدت فهي علامة على الصدق والإخلاص، وهي تنبع أصلاً من صحة المعتقد، وكمال التوحيد لله ، وحول هذه الصفة والوصول إليها يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس إلا كما يجتمع الماء والنار.
سادساً: إخفاء الأعمال الصالحة وكراهة الظهور.
إن من علامة صدق العبد فيما يعمله لله ، حرصه على إخفاء عمله، وكراهة اطلاع الناس عليه، كما أن كراهة الشهرة والظهور علامة من علامات الصدق الذي يبعد صاحبه عن الرياء والسمعة والتصنع للخلق، فكلما كان العبد صادقاً مع ربه كلما كان حريصاً على إخفاء أعماله حيث لا يطلع عليها إلا الله .
قال الحسن: إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزوار وما يشعرون به.
سابعاً: الشعور بالتقصير والانشغال بإصلاح النفس ونقدها أكثر من الآخرين.
ثامناً: الاهتمام بأمر هذا الدين والجهاد في سبيل الله .
إن الصدق في محبة الله ومحبة دينه تقتضي أن يكون أمر هذا الدين هو شغل المؤمن الشاغل، حيث لا يقر له قرار، ولا يهدأ له بال، وهو يرى دين الله ينتهك ويقصى من الحياة، وبالتالي يرى الفساد المستطير يدب في أديان الناس ودمائهم وأعراضهم وعقولهم وأموالهم.
إن المؤمن الصادق لا يقدّم على هذا الهم الأكبر أي اهتمام من أمور الدنيا الفانية. [كتاب وقفات مع آيات للشيخ الجليل حفظه الله].
قال ابن القيم ﵀: إن الصادق لا يحب أن يعيش إلا ليشبع من رضا محبوبه، ويستكثر من الأسباب التي تقربه إليه وتدنيه منه، لا لعلة من علل الدنيا ولا لشهوة من شهواتها.
стр. 2939
١٥٢٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ اَلظَّنَّ أَكْذَبُ اَلْحَدِيثِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
١٥٢١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ بِالطُّرُقَاتِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا; نَتَحَدَّثُ فِيهَا. قَالَ" فَأَمَّا إِذَا أَبَيْتُمْ، فَأَعْطُوا اَلطَّرِيقَ حَقَّهُ. قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ؟ قَالَ: " غَضُّ اَلْبَصَرِ، وَكَفُّ اَلْأَذَى، وَرَدُّ اَلسَّلَامِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنْ اَلْمُنْكَرِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد تجنب الجلوس في الطرقات.
قال النووي: يَنْبَغِي أَنْ يُجْتَنَب الْجُلُوس فِي الطُّرُقَات لِهَذَا الْحَدِيث، وَيَدْخُل فِي كَفّ الْأَذَى اِجْتِنَاب الْغِيبَة، وَظَنّ السُّوء، وَإِحْقَار بَعْض الْمَارِّينَ، وَتَضْيِيق الطَّرِيق، وَكَذَا إِذَا كَانَ الْقَاعِدُونَ مِمَّنْ يَهَابهُمْ الْمَارُّونَ، أَوْ يَخَافُونَ مِنْهُمْ، وَيَمْتَنِعُونَ مِنْ الْمُرُور فِي أَشْغَالهمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ لَا يَجِدُونَ طَرِيقًا إِلَّا ذَلِكَ الْمَوْضِع.
وفي الآخر (قَالَ أَبُو طَلْحَةَ كُنَّا قُعُودًا بِالأَفْنِيَةِ نَتَحَدَّثُ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَامَ عَلَيْنَا فَقَالَ «مَا لَكُمْ وَلِمَجَالِسِ الصُّعُدَاتِ اجْتَنِبُوا مَجَالِسَ الصُّعُدَاتِ». فَقُلْنَا إِنَّمَا قَعَدْنَا لِغَيْرِ مَا بَاسٍ قَعَدْنَا نَتَذَاكَرُ وَنَتَحَدَّثُ. قَالَ «إِمَّا لَا فَأَدُّوا حَقَّهَا غَضُّ الْبَصَرِ وَرَدُّ السَّلَامِ وَحُسْنُ الْكَلَامِ).
وقال النووي: … وَالْمَقْصُود مِنْهُ أَنَّهُ يُكْرَه الْجُلُوس عَلَى الطُّرُقَات لِلْحَدِيثِ وَنَحْوه، وَقَدْ أَشَارَ النَّبِيّ ﷺ إِلَى عِلَّة النَّهْي مِنْ التَّعَرُّض لِلْفِتَنِ وَالْإِثْم بِمُرُورِ النِّسَاء وَغَيْرهنَّ، وَقَدْ يَمْتَدّ نَظَر إِلَيْهِنَّ أَوْ فِكْر فِيهِنَّ أَوْ ظَنّ سُوء فِيهِنَّ أَوْ فِي غَيْرهنَّ مِنْ الْمَارِّينَ، وَمِنْ أَذَى النَّاس بِاحْتِقَارِ مَنْ يَمُرّ، أَوْ غِيبَة أَوْ غَيْرهَا، أَوْ إِهْمَال رَدّ السَّلَام فِي بَعْض الْأَوْقَات، أَوْ إِهْمَال الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر، وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَاب الَّتِي لَوْ خَلَا فِي بَيْته سَلِمَ مِنْهَا.
ما حكم غض البصر عما حرم الله؟
واجب.
أ-قال تعالى (قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ. وَقُلْ لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ … ).
ب-وقال النبي ﷺ (إياكم والجلوس في الطرقات … ثم قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام … ).
ج-وعن جرير قال (سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجاءة فأمرني أن أصرف بصري) رواه مسلم.
د- وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَى مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الاِسْتِمَاعُ وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُه) متفق عليه.
стр. 2940
اذكر فوائد غض البصر؟
في غض البصر فوائد:
أحدها: تخليص القلب من ألم الحسرة، فإن من أطلق نظره دامت حسرته.
ثانيها: أنه يورث القلب نوراً وإشراقاً يظهر في العين وفي الوجه.
ثالثها: أنه يورث حجة الفراسة.
فمن غض بصره عن المحارم عوضه الله إطلاق نور بصيرته.
رابعها: أنه يفتح له طرق العلم وأبوابه، ويسهل عليه أسبابه.
خامسها: أنه يورث قوة القلب وثباته وشجاعته، وفي الأثر: أن الذي يخالف هواه يفرق الشيطان من ظله.
سادسها: أنه يورث القلب سروراً وفرحة وانشراحاً أعظم من اللذة والسرور الحاصل بالنظر.
سابعها: أنه يخلص القلب من أسر الشهوة.
قال ابن القيم: فتنة النظر أصل كل فتنة.
وقال: من أطلق بصره دامت حسرته.
اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
الحديث دليل على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمن جلس بالطريق، فهو من حقوق الطريق لمن جلس بها.
وجوب كف الأذى عن كل مسلم.
قال النووي: وَيَدْخُل فِي الْأَذَى أَنْ يُضَيِّق الطَّرِيق عَلَى الْمَارِّينَ، أَوْ يَمْتَنِع النِّسَاء وَنَحْوهنَّ مِنْ الْخُرُوج فِي أَشْغَالهنَّ بِسَبَبِ قُعُود الْقَاعِدِينَ فِي الطَّرِيق، أَوْ يَجْلِس بِقُرْبِ بَاب دَار إِنْسَان يَتَأَذَّى بِذَلِكَ، أَوْ حَيْثُ يَكْشِف مِنْ أَحْوَال النَّاس النَّاس شَيْئًا يَكْرَهُونَهُ.
الحديث دليل على وجوب رد السلام على المارين.
من حقوق الطريق حسن الكلام.
قال النوو: وَأَمَّا حُسْن الْكَلَام فَيَدْخُل فِيهِ حُسْن كَلَامهمْ فِي حَدِيثهمْ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ، فَلَا يَكُون فِيهِ غِيبَة، وَلَا نَمِيمَة، وَلَا كَذِب، وَلَا كَلَام يُنْقِص الْمُرُوءَة، وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْكَلَام الْمَذْمُوم، وَيَدْخُل فِيهِ كَلَامهمْ لِلْمَارِّ مِنْ رَدّ السَّلَام، وَلُطْف جَوَابهمْ لَهُ، وَهِدَايَته لِلطَّرِيقِ، وَإِرْشَاده لِمَصْلَحَتِهِ، وَنَحْو ذَلِكَ.
على العالم أن يرشد الناس إلى الأصلح.
سد الذرائع.
الحذر من أمر قد يجر إلى ارتكاب منهيات.
حرص الشريعة على صلاح المجتمع.
стр. 2941
١٥٢٢ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ يُرِدِ اَللَّهُ بِهِ خَيْرًا، يُفَقِّهْهُ فِي اَلدِّينِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
ما معنى (يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ)؟
أي: يفهمه في الدين.
قال العيني ﵀: قَوْله: (يفقهه) أَي: يفهمهُ، إِذْ الْفِقْه فِي اللُّغَة الْفَهم. قَالَ تَعَالَى: (يفقهوا قولي)، أَي: يفهموا قولي، من فقه يفقه، ثمَّ خُص بِهِ علم الشَّرِيعَة، والعالم بِهِ يُسمى فَقِيهاً. (عمدة القارئ)
فالفقه في الدين: معرفة أحكام الشريعة بأدلتها، وفهم معاني الأمر والنهي، والعمل بمقتضى ذلك، فيرث به الفقيه الخشية من الله تعالى ومراقبته في السر والعلن.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: الفِقْهُ فِي الدِّينِ: فَهْمُ مَعَانِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، لِيَسْتَبْصِرَ الْإِنْسَانُ فِي دِينِه، أَلَا تَرَى قَوْله تَعَالَى: (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) فَقَرَنَ الْإِنْذَارَ بِالْفِقْهِ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْفِقْهَ مَا وَزَعَ عَنْ مُحَرَّمٍ، أَوْ دَعَا إلَى وَاجِبٍ، وَخَوَّفَ النُّفُوسَ مَوَاقِعَهُ، الْمَحْظُورَة.
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد فضل الفقه في الدين.
قال الحافظ ابن حجر: يفقهه: أي يفهمه.
قال النووي: فيه فضيلة العلم والتفقه في الدين والحث عليه، وسببه أنه قائد إلى تقوى الله.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: كل مَنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا لَا بُدَّ أَنْ يُفَقِّهَهُ فِي الدِّينِ، فَمَنْ لَمْ يُفَقِّهْهُ فِي الدِّين، لَمْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا، وَالدِّينُ: مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ؛ وَهُوَ مَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْءِ التَّصْدِيقُ بِهِ وَالْعَمَلُ بِهِ، وَعَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يُصَدِّقَ مُحَمَّدًا ﷺ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ، وَيُطِيعَهُ فِيمَا أَمَرَ، تَصْدِيقًا عَامًّا، وَطَاعَةً عَامَّة.
وقال ابن القيم: من أراد الله به خيراً فقهه في الدين.
وقال الشيخ ابن باز ﵀: هذا الحديث العظيم يدلنا على فضل الفقه في الدين.
стр. 2942
على ماذا يدل مفهوم الحديث؟
أن من لم يرد الله به خيراً لم يفقهه في الدين.
قال الحافظ ابن حجر: ومفهوم الحديث أن من لم يتفقه في الدين - أي تعلم قواعد الإسلام وما يتصل به من الفروع - فقد حرم الخير، وقد أخرج أبو يعلى حديث معاوية من وجه آخر وزاد في آخره: ومن لم يتفقه في الدين لم يبال الله به، والمعنى صحيح، لأن من لم يعرف أمور دينه لا يكون فقيهاً ولا طالب فقه، فيصح أن يوصف بأنه ما أريد به الخير.
قال الحافظ: (خيراً) ليشمل القليل والكثير، والتنكير للتعظيم لأن المقام يقتضيه.
اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
الحديث دليل ظاهر لفضل العلماء على سائر الناس.
وفيه الحث على طلب العلم وكون الإنسان فقيهاً، لأن ذلك من علامة الخير.
وفيه ينبغي على الإنسان أن يحرص غاية الحرص على الفقه في الدين، لأن الله تعالى إذا أراد شيئاً هيأ أسبابه، ومن أسباب الفقه: أن تتعلم، وأن تحرص لتنال هذه المرتبة العظيمة.
وفيه أن المراد بالفقه العلم المقتضي للعمل، فمن تعلم دين ولم يعمل به فليس بفقيه.
وفيه على المسلم أن يعرف علامات الخير حتى يحرص عليها.
وفيه فضل العلم الشرعي.
أن العلم النافع علامة على سعا العبد، وأن الله أراد به خيراً.
стр. 2943
١٥٢٣ - وَعَنْ أَبِي اَلدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَا مِنْ شَيْءٍ فِي اَلْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ حُسْنِ اَلْخُلُقِ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
===
ما تعريف حسن الخلق؟
هو فعل الفضائل وترك القبائح.
وقد تقدمت فضائل حسن الخلق في حديث: ١٤٣٩.
فائدة:
في الحديث إثبات الميزان.
وفيه مباحث:
أولاً: تعريفه: هو ميزان حقيقي له كفتان.
ثانياً: أدلة ثبوته.
قال تعالى (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ).
وقال تعالى (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
وحديث (والحمد لله تملأ الميزان .. ).
والحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (كلمتان ثقيلتان في الميزان … ).
ثالثاً: اختلف العلماء في الذي يوزن على أقوال:
القول الأول: أن الذي يوزن الأعمال نفسها.
وإلى هذا ذهب ابن حزم، والطيبي، وابن حجر.
قال ابن حجر: والصحيح أن الأعمال هي التي توزن.
أ- لحديث الباب (والحمد الله تملأ الميزان).
ب- ولحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان … : سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) متفق عليه.
قالوا: هذان الحديثان صريحان في وزن الأعمال أنفسها.
стр. 2944
ج- ولقوله تعالى (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ).
القول الثاني: أن الذي يوزن العامل (أي: صاحب العمل).
أ- لحديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال (إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة). متفق عليه
ب- ولقوله ﷺ في ابن مسعود (إن ساقيه أثقل من جبل أحد في الميزان) رواه أحمد.
القول الثالث: أن الذي يوزن صحائف الأعمال.
وإلى هذا ذهب ابن عبد البر، والقرطبي.
لحديث البطاقة وفيه ( … وتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء) رواه الترمذي.
القول الرابع: أن الجميع يوزن.
وإلى هذا ذهب ابن كثير، وابن أبي العز، وحافظ حكمي، وابن باز وغيرهم.
قال ابن أبي العز بعدما ساق بعض النصوص الواردة في ذلك: فثبت وزن الأعمال والعامل وصحائف الأعمال.
وقال حافظ حكمي: الذي استظهر من النصوص -والله أعلم- أن العامل وعمله وصحيفة عمله كل ذلك يؤذن، لأن الأحاديث التي في بيان القرآن قد وردت بكل ذلك ولا منافاة بينها.
وقال الشيخ ابن باز: الجمع بين النصوص أنه لا منافاة بينها فالجميع يوزن، ولكن الاعتبار في الثقل والخفة يكون بالعمل نفسه لا بذات العامل ولا بالصحيفة.
وهذا القول هو الراجح.
رابعاً: كيف توزن الأعمال مع أنها أعراض، لأن الوزن يكون للأجسام؟
أجاب بعضهم: بأن الله تعالى يقلب الأعراض يوم القيامة أجساماً ثم توزن.
قال ابن كثير: قوله (والحمد لله تملأ الميزان) فيه دلالة على أن العمل نفسه وإن كان عرضاً قد قام بالفاعل، يحيله الله يوم القيامة فيجعله ذاتاً يوضع في الميزان.
وقال ابن أبي العز: فلا يلتفت إلى قول ملحد معاند يقول: الأعمال أعراض لا تقبل الوزن، وإنما يقبل الوزن الأجسام، فإن الله يقلب الأعراض أجساماً.
خامساً: هل هو ميزان واحد أم متعدد؟
وردت نصوص تدل على أنه متعدد، كقوله تعالى (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ)، وقوله تعالى (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ … ).
ووردت نصوص بالإفراد، كقوله ﷺ (كلمتان ثقيلتان في الميزان).
والراجح أنه ميزان واحد، لكنه متعدد باعتبار الموزون.
سادساً: قال القرطبي: قال العلماء: إذا انقضى الحساب كان بعده وزن الأعمال، لأن الوزن للجزاء، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة، فإن المحاسبة لتقرير الأعمال، والوزن لإظهار مقاديره ليكون الجزاء بحسبها.
стр. 2945
١٥٢٤ - وَعَنِ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اَلْحَيَاءُ مِنْ اَلْإِيمَانِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
١٥٢٥ - وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ اَلنَّاسُ مِنْ كَلَامِ اَلنُّبُوَّةِ اَلْأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحِ، فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ) أَخْرَجَهُ اَلْبُخَارِيُّ.
===
(إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ اَلنَّاسُ مِنْ كَلَامِ اَلنُّبُوَّةِ اَلْأُولَى) أي: إن هذا مأثور عن الأنبياء المتقدمين، وأن الناس تداولوه بينهم، وتوارثوه عنهم قرناً بعد قرن.
عرف الحياء
هو خلق يبعث على فعل الجميل وترك القبيح.
اذكر فضائل الحياء؟
أولاً: أنه من علامات الإيمان.
عَنْ ابن عمر. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ [وفي رواية يعاتب] أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ [يقول: إنك لتستحي حتى كأنه يقول قد أضر بك]، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ) متفق عليه.
ثانياً: الحياء أبهى زينة.
عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما كان الفحش في شيء قط إلا شانه، ولا كان الحياء في شيء قط إلا زانه) رواه الترمذي.
ثالثاً: الحياء من صفات الرب.
عن يعلى بن أمية قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله تعالى حيي ستير يحب الحياء والستر) رواه أبو داود.
رابعاً: الحياء خلق يحبه الله.
للحديث السابق (إن الله تعالى حيي ستير يحب الحياء).
خامساً: الحياء خلق الإسلام.
عن زيد بن طلحة قال: قال رسول الله ﷺ : (إن لكل دين خلقاً، وخلق الإسلام الحياء) رواه مالك.
سادساً: الحياء خير كله.
لحديث عمران (الحياء خير كله) رواه مسلم.
سابعاً: الحياء مانع من فعل القبيح.
لقوله ﷺ (إذا لم تستح فاصنع ما شئت) رواه البخاري.
следующие страницы →