← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1115

شرح بلوغ المرام - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 038 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

١٥٢٢ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ يُرِدِ اَللَّهُ بِهِ خَيْرًا، يُفَقِّهْهُ فِي اَلدِّينِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === ما معنى (يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ)؟ أي: يفهمه في الدين. قال العيني ﵀: قَوْله: (يفقهه) أَي: يفهمهُ، إِذْ الْفِقْه فِي اللُّغَة الْفَهم. قَالَ تَعَالَى: (يفقهوا قولي)، أَي: يفهموا قولي، من فقه يفقه، ثمَّ خُص بِهِ علم الشَّرِيعَة، والعالم بِهِ يُسمى فَقِيهاً. (عمدة القارئ) فالفقه في الدين: معرفة أحكام الشريعة بأدلتها، وفهم معاني الأمر والنهي، والعمل بمقتضى ذلك، فيرث به الفقيه الخشية من الله تعالى ومراقبته في السر والعلن. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: الفِقْهُ فِي الدِّينِ: فَهْمُ مَعَانِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، لِيَسْتَبْصِرَ الْإِنْسَانُ فِي دِينِه، أَلَا تَرَى قَوْله تَعَالَى: (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) فَقَرَنَ الْإِنْذَارَ بِالْفِقْهِ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْفِقْهَ مَا وَزَعَ عَنْ مُحَرَّمٍ، أَوْ دَعَا إلَى وَاجِبٍ، وَخَوَّفَ النُّفُوسَ مَوَاقِعَهُ، الْمَحْظُورَة. ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد فضل الفقه في الدين. قال الحافظ ابن حجر: يفقهه: أي يفهمه. قال النووي: فيه فضيلة العلم والتفقه في الدين والحث عليه، وسببه أنه قائد إلى تقوى الله. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: كل مَنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا لَا بُدَّ أَنْ يُفَقِّهَهُ فِي الدِّينِ، فَمَنْ لَمْ يُفَقِّهْهُ فِي الدِّين، لَمْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا، وَالدِّينُ: مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ؛ وَهُوَ مَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْءِ التَّصْدِيقُ بِهِ وَالْعَمَلُ بِهِ، وَعَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يُصَدِّقَ مُحَمَّدًا ﷺ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ، وَيُطِيعَهُ فِيمَا أَمَرَ، تَصْدِيقًا عَامًّا، وَطَاعَةً عَامَّة. وقال ابن القيم: من أراد الله به خيراً فقهه في الدين. وقال الشيخ ابن باز ﵀: هذا الحديث العظيم يدلنا على فضل الفقه في الدين.

стр. 2942

على ماذا يدل مفهوم الحديث؟ أن من لم يرد الله به خيراً لم يفقهه في الدين. قال الحافظ ابن حجر: ومفهوم الحديث أن من لم يتفقه في الدين - أي تعلم قواعد الإسلام وما يتصل به من الفروع - فقد حرم الخير، وقد أخرج أبو يعلى حديث معاوية من وجه آخر وزاد في آخره: ومن لم يتفقه في الدين لم يبال الله به، والمعنى صحيح، لأن من لم يعرف أمور دينه لا يكون فقيهاً ولا طالب فقه، فيصح أن يوصف بأنه ما أريد به الخير. قال الحافظ: (خيراً) ليشمل القليل والكثير، والتنكير للتعظيم لأن المقام يقتضيه. اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ الحديث دليل ظاهر لفضل العلماء على سائر الناس. وفيه الحث على طلب العلم وكون الإنسان فقيهاً، لأن ذلك من علامة الخير. وفيه ينبغي على الإنسان أن يحرص غاية الحرص على الفقه في الدين، لأن الله تعالى إذا أراد شيئاً هيأ أسبابه، ومن أسباب الفقه: أن تتعلم، وأن تحرص لتنال هذه المرتبة العظيمة. وفيه أن المراد بالفقه العلم المقتضي للعمل، فمن تعلم دين ولم يعمل به فليس بفقيه. وفيه على المسلم أن يعرف علامات الخير حتى يحرص عليها. وفيه فضل العلم الشرعي. أن العلم النافع علامة على سعا العبد، وأن الله أراد به خيراً.

стр. 2943

١٥٢٣ - وَعَنْ أَبِي اَلدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَا مِنْ شَيْءٍ فِي اَلْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ حُسْنِ اَلْخُلُقِ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. === ما تعريف حسن الخلق؟ هو فعل الفضائل وترك القبائح. وقد تقدمت فضائل حسن الخلق في حديث: ١٤٣٩. فائدة: في الحديث إثبات الميزان. وفيه مباحث: أولاً: تعريفه: هو ميزان حقيقي له كفتان. ثانياً: أدلة ثبوته. قال تعالى (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ). وقال تعالى (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). وحديث (والحمد لله تملأ الميزان .. ). والحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (كلمتان ثقيلتان في الميزان … ). ثالثاً: اختلف العلماء في الذي يوزن على أقوال: القول الأول: أن الذي يوزن الأعمال نفسها. وإلى هذا ذهب ابن حزم، والطيبي، وابن حجر. قال ابن حجر: والصحيح أن الأعمال هي التي توزن. أ- لحديث الباب (والحمد الله تملأ الميزان). ب- ولحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان … : سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) متفق عليه. قالوا: هذان الحديثان صريحان في وزن الأعمال أنفسها.

стр. 2944

ج- ولقوله تعالى (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ). القول الثاني: أن الذي يوزن العامل (أي: صاحب العمل). أ- لحديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال (إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة). متفق عليه ب- ولقوله ﷺ في ابن مسعود (إن ساقيه أثقل من جبل أحد في الميزان) رواه أحمد. القول الثالث: أن الذي يوزن صحائف الأعمال. وإلى هذا ذهب ابن عبد البر، والقرطبي. لحديث البطاقة وفيه ( … وتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء) رواه الترمذي. القول الرابع: أن الجميع يوزن. وإلى هذا ذهب ابن كثير، وابن أبي العز، وحافظ حكمي، وابن باز وغيرهم. قال ابن أبي العز بعدما ساق بعض النصوص الواردة في ذلك: فثبت وزن الأعمال والعامل وصحائف الأعمال. وقال حافظ حكمي: الذي استظهر من النصوص -والله أعلم- أن العامل وعمله وصحيفة عمله كل ذلك يؤذن، لأن الأحاديث التي في بيان القرآن قد وردت بكل ذلك ولا منافاة بينها. وقال الشيخ ابن باز: الجمع بين النصوص أنه لا منافاة بينها فالجميع يوزن، ولكن الاعتبار في الثقل والخفة يكون بالعمل نفسه لا بذات العامل ولا بالصحيفة. وهذا القول هو الراجح. رابعاً: كيف توزن الأعمال مع أنها أعراض، لأن الوزن يكون للأجسام؟ أجاب بعضهم: بأن الله تعالى يقلب الأعراض يوم القيامة أجساماً ثم توزن. قال ابن كثير: قوله (والحمد لله تملأ الميزان) فيه دلالة على أن العمل نفسه وإن كان عرضاً قد قام بالفاعل، يحيله الله يوم القيامة فيجعله ذاتاً يوضع في الميزان. وقال ابن أبي العز: فلا يلتفت إلى قول ملحد معاند يقول: الأعمال أعراض لا تقبل الوزن، وإنما يقبل الوزن الأجسام، فإن الله يقلب الأعراض أجساماً. خامساً: هل هو ميزان واحد أم متعدد؟ وردت نصوص تدل على أنه متعدد، كقوله تعالى (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ)، وقوله تعالى (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ … ). ووردت نصوص بالإفراد، كقوله ﷺ (كلمتان ثقيلتان في الميزان). والراجح أنه ميزان واحد، لكنه متعدد باعتبار الموزون. سادساً: قال القرطبي: قال العلماء: إذا انقضى الحساب كان بعده وزن الأعمال، لأن الوزن للجزاء، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة، فإن المحاسبة لتقرير الأعمال، والوزن لإظهار مقاديره ليكون الجزاء بحسبها.

стр. 2945

١٥٢٤ - وَعَنِ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اَلْحَيَاءُ مِنْ اَلْإِيمَانِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ١٥٢٥ - وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ اَلنَّاسُ مِنْ كَلَامِ اَلنُّبُوَّةِ اَلْأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحِ، فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ) أَخْرَجَهُ اَلْبُخَارِيُّ. === (إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ اَلنَّاسُ مِنْ كَلَامِ اَلنُّبُوَّةِ اَلْأُولَى) أي: إن هذا مأثور عن الأنبياء المتقدمين، وأن الناس تداولوه بينهم، وتوارثوه عنهم قرناً بعد قرن. عرف الحياء هو خلق يبعث على فعل الجميل وترك القبيح. اذكر فضائل الحياء؟ أولاً: أنه من علامات الإيمان. عَنْ ابن عمر. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ [وفي رواية يعاتب] أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ [يقول: إنك لتستحي حتى كأنه يقول قد أضر بك]، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ) متفق عليه. ثانياً: الحياء أبهى زينة. عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما كان الفحش في شيء قط إلا شانه، ولا كان الحياء في شيء قط إلا زانه) رواه الترمذي. ثالثاً: الحياء من صفات الرب. عن يعلى بن أمية قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله تعالى حيي ستير يحب الحياء والستر) رواه أبو داود. رابعاً: الحياء خلق يحبه الله. للحديث السابق (إن الله تعالى حيي ستير يحب الحياء). خامساً: الحياء خلق الإسلام. عن زيد بن طلحة قال: قال رسول الله ﷺ : (إن لكل دين خلقاً، وخلق الإسلام الحياء) رواه مالك. سادساً: الحياء خير كله. لحديث عمران (الحياء خير كله) رواه مسلم. سابعاً: الحياء مانع من فعل القبيح. لقوله ﷺ (إذا لم تستح فاصنع ما شئت) رواه البخاري.

стр. 2946

ما معنى قوله (إِذَا لَمْ تَسْتَحِ، فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ)؟ في معناه قولان: أحدهما: أنه أمر تهديد، ومعناه الخبر: أي من لم يستح صنعَ ما شاء. والثاني: أنه أمر إباحة، أي انظر إلى الفعل الذي تريد أن تفعله، فإن كان مما لا يستحيَى منه فافعله، والأول أصح وهو قول الأكثرين. (ابن القيم) هناك بعض الأمور يكون الحياء فيها مذموماً، اذكرها؟ أولاً: الحياء في طلب العلم. قالت عائشة: (نعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين). رواه مسلم وقال مجاهد: لا ينال العلم مستحي ولا مستكبر. ثانياً: عدم قول الحق والجهر به. قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا). قال ابن حجر: ولا يقال رب حياء يمنع من الحق، أو فعل الحق، لأن ذلك ليس شرعياً. قال ابن رجب ﵀: إن الحياء الممدوح في كلام النبي ﷺ إنما يريد به الخلق الذي يحث على فعل الجميل وترك القبيح، فأما الضعف والعجز الذي يوجب التقصير في شيء من حقوق الله أو حقوق عباده فليس هو من الحياء فإنما هو ضعف وخور وعجز ومهانة. والحياء نوعان: أحدهما: ما كان خلقاً وجبلة غير مكتسب، فهذا من أجل الأخلاق التي يمنحها الله العبد ويجبله عليها. ولهذا قال النبي ﷺ : (الحياء لا يأتي إلا بخير) فإنه يكف عن ارتكاب القبائح ودناءة الأخلاق ويحث على استعمال مكارم الأخلاق ومعاليها. الثاني: ما كان مكتسباً من معرفة الله ومعرفة عظمته وقربه من عباده واطلاعه عليهم، فهذا من أعلى خصال الإيمان، بل هو من أعلى درجات الإحسان. اذكر بعض أقوال السلف في الحياء؟ قال الفضيل: خمس من علامات الشقوة: القسوة في القلب، وجمود العين، وقلة الحياء، والرغبة في الدنيا، وطول الأمل. قال سليمان: إذا أراد الله بعبد هلاكاً نزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتاً ممقتاً. وقال أبو موسى: إني لأغتسل في البيت المظلم فما أقيم صلبي حتى آخذ ثوبي حياء من ربي. أن من نزع منه الحياء فعل ما يشاء. قال الشاعر: إذا قلّ ماء الوجه قل حياؤه … فلا خير في وجه إذا قل ماؤه حياءك فاحفظه عليك فإنما … يدل على وجه الكريم حياؤه اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ اتفاق النبوات على فعل الخير. فضل التخلق بأخلاق الأنبياء. أن الحياء مانع من الأفعال القبيحة. الإسلام يدعو إلى الفضائل ويمنع من الرذائل.

стр. 2947

١٥٢٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اَلْمُؤْمِنُ اَلْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اَللَّهِ مِنْ اَلْمُؤْمِنِ اَلضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، اِحْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ، وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اَللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ; فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ اَلشَّيْطَانِ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. === (المُؤْمِنُ القَوِيُّ) هو من يقوم بالأوامر، ويترك النواهي بقوة ونشاط، ويصبر على مخالطة الناس ودعوتهم، ويصبر على أذاهم. أي: القوي في إيمانه، وليس المراد القوي في بدنه. (وَفي كُلٍّ خَيرٌ) يعني المؤمن القوي، والمؤمن الضعيف كل منهما فيه خير. ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد فضل قوة الإيمان، وأن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف. قال السعدي: ودل الحديث على أن الإيمان يشمل العقائد القلبية، والأقوال والأفعال، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة; فإن الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها: قول: (لا إله إلا الله) وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة منه. وهذه الشعب التي ترجع إلى الأعمال الباطنة والظاهرة كلها من الإيمان. فمن قام بها حق القيام، وكمل نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح، وكمل غيره بالتواصي بالحق، والتواصي بالصبر: فهو المؤمن القوي الذي حاز أعلى مراتب الإيمان، ومن لم يصل إلى هذه المرتبة: فهو المؤمن الضعيف. إثبات المحبة صفة لله، وأنها متعلقة بمحبوباته وبمن قام بها ودل على أنها تتعلق بإرادته ومشيئته، وأيضا تتفاضل. فمحبته للمؤمن القوي أعظم من محبته للمؤمن الضعيف. ونستفيد الاحتراز عند التفاضل بين شيئين: قال السعدي: ولما فاضل النبي ﷺ بين المؤمنين قويهم وضعيفهم خشي من توهم القدح في المفضول، فقال (وفي كل خير) وفي هذا الاحتراز فائدة نفيسة، وهي أن على من فاضل بين الأشخاص أو الأجناس أو الأعمال أن يذكر وجه التفضيل، وجهة التفضيل، ويحترز بذكر الفضل المشترك بين الفاضل والمفضول، لئلا يتطرق القدح إلى المفضول وكذلك في الجانب الآخر إذا ذكرت مراتب الشر والأشرار، وذكر التفاوت بينهما، فينبغي بعد ذلك أن يذكر القدر المشترك بينهما من أسباب الخير أو الشر، وهذا كثير في الكتاب والسنة. ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى). وقوله تعالى (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ. فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا). وقوله تعالى (لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى).

стр. 2948

ما معنى قوله ﷺ (احرص على ما ينفعك واستعن بالله)؟ كلام جامع نافع، محتو على سعادة الدنيا والآخرة. قال ابن القيم: فالخير كله في الحرص علة ما ينفع. والحرص: بذل الجهد لنيل ما ينفع من أمور الدنيا والدين. والنبي ﷺ أمرنا بالحرص على النافع، ومعناه أن نقدم الأنفع على النافع، لأن الأنفع مشتمل على أصل النفع وعلى الزيادة. والأمور النافعة قسمان: أمور دينية، وأمور دنيوية. والعبد محتاج إلى الدنيوية كما أنه محتاج إلى الدينية. فمدار سعادته وتوفيقه على الحرص والاجتهاد في الأمور النافعة منهما، مع الاستعانة بالله تعالى، فمتى حرص العبد على الأمور النافعة واجتهد فيها، وسلك أسبابها وطرقها، واستعان بربه في حصولها وتكميلها: كان ذلك كماله، وعنوان فلاحه. ومتى فاته واحد من هذه الأمور الثلاثة: فاته من الخير بحسبها. فمن لم يكن حريصاً على الأمور النافعة، بل كان كسلاناً، لم يدرك شيئاً. فالكسل هو أصل الخيبة والفشل، فالكسلان لا يدرك خيراً، ولا ينال مكرمة، ولا يحظى بدين ولا دنيا، ومتى كان حريصاً، ولكن على غير الأمور النافعة: إما على أمور ضارة، أو مفوتة للكمال كان ثمرة حرصه الخيبة، وفوات الخير، وحصول الشر والضرر، فكم من حريص على سلوك طرق وأحوال غير نافعة لم يستفد من حرصه إلا التعب والعناء والشقاء. لماذا أمر النبي ﷺ بالاستعانة بالله في قوله (واستعن بالله). قال ابن القيم: لما كان حرص الإنسان وفعله هو بمعونة الله وتوفيقه، أمره أن يستعين به، ليجتمع له مقام (إياك نعبد وإياك نستعين) فإن حرصه على ما ينفعه عبادة لله ولا تتم إلا بمعونته. والاستعانة: طلب العون. قال ابن رجب: وأما الاستعانة بالله دونَ غيره من الخلق؛ فلأنَّ العبدَ عاجزٌ عن الاستقلال بجلب مصالحه، ودفع مضارّه، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله ، فمن أعانه الله، فهو المُعانُ، ومن خذله فهو المخذولُ، وهذا تحقيقُ معنى قول (لا حول ولا قُوَّةَ إلا بالله)، فإنَّ المعنى: لا تَحوُّلَ للعبد مِنْ حال إلى حال، ولا قُوَّة له على ذلك إلا بالله، وهذه كلمةٌ عظيمةٌ، وهي كنز من كنوز الجنة، فالعبدُ محتاجٌ إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات، وترك المحظورات، والصبر على المقدورات كلِّها في الدنيا وعندَ الموت وبعده من أهوال البرزخ ويوم القيامة، ولا يقدر على الإعانة على ذلك إلا الله ، فمن حقق الاستعانة عليه في ذلك كله أعانه. وفي الحديث الصحيح عَنِ النَّبيِّ ﷺ قال (احرصْ على ما ينفعُكَ واستعن بالله ولا تعجزْ) ومن ترك الاستعانة بالله، واستعان بغيرِه، وكَلَهُ الله إلى من استعان به فصار مخذولاً. كتب الحسنُ إلى عُمَرَ بنِ العزيز: لا تستعِنْ بغيرِ الله، فيكِلَكَ الله إليه. ومن كلام بعضِ السَّلف: يا ربِّ عَجبت لمن يعرفُك كيف يرجو غيرك، عجبتُ لمن يعرفك كيف يستعينُ بغيرك.

стр. 2949

لماذا قال (ولا تعجز). بكسر الجيم وهو الأفصح؛ أي لا تفرط في طلب ذلك ولا تضعف عن القيام به، ولا تكسل وتتأخر في العمل إذا شرعت فيه، بل استمر؛ لأنك إذا تركت ثم شرعت في عمل آخر، ثم تركت ثم شرعت ثم تركت ما تم لك عمل. اذكر حكم استعمال لو؟ استعمالها فيه تفصيل: أولاً: إذا قيلت اعتراضاً على الشرع، فهذا حرام ولا يجوز. مثل: لو قال: لو أن الله ما أوجب الحج، أو صلاة الفجر. قال تعالى (لو أطاعونا ما قتلوا). ثانياً: أن تقال اعتراضاً على المقدور، وهذا محرم. كما لو سافر إنسان وأصابه شيء، فقال: لو أني لم أسافر لم يحصل كذا وكذا. قال تعالى (لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا). ثالثاً: أن تقال للندم والتحسر، وهذا حرام أيضاً. مثال: رجل حرص أن يشتري شيئاً غيه ربحاً فخسر، فقال: لو أني ما اشتريته ما حصل لي خسارة، فهذا ندم وتحسر. رابعاً: أن تستعمل في التمني، وحكمه حكم المتمني، إن كان خيراً فخير، وإن كان شراً فشر. وقد قال ﷺ في قصة النفر الأربعة: (قال أحدهم: لو أن عندي مال فلان لعملت فيه عمل فلان، فهذا تمنى خيراً، وقال الثاني: لو أن عندي مال فلان الذي ينفقه في غير مرضات الله، فهذا تمنى شراً، فقال النبي ﷺ في الأول: فهو بنيته فهم بالأجر سواء، وقال في الثاني: فهم بنيته فهما بالوزر سواء). رواه أحمد خامساً: أن تستعمل في الخير المحض. مثال: لو حضرت الدرس لاستفدت، فهذا جائز. اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ وجوب الإيمان بالقدر. تحريم التسخط عند حدوث مكروه.

стр. 2950

١٥٢٧ - وَعَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِنَّ اَللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا، حَتَّى لَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. === (لَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ) أي: لا يعتدي أحد على أحد. (وَلَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ) الافتخار: هو المباهاة بالمناقب كالمال والولد والقوة. عرف التواضع؟ هو ضد الكبر. قال الإمام الجنيد ﵀: التواضع هو خفض الجناح ولين الجانب. وسئل الحسن البصري ﵀ عن التواضع، فقال: التواضع: أن تخرج من منزلك ولا تلقى مسلماً إلا رأيت له عليك فضلاً. وسئل الفضيل بن عياض عن التواضع فقال: يخضع للحق، وينقاد له، ويقبله ممن قاله، ولو سمعه من صبي قبله، ولو سمعه من أجهل الناس قبله. ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد الحث على التواضع. اذكر فضائل التواضع؟ أولاً: سبب للرفعة. لقوله ﷺ (من تواضع لله رفعه) رواه مسلم. ثانياً: من صفات عباد الرحمن. قال تعالى (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا). قال ابن كثير: هذه صفات عباد الله المؤمنين (الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا) أي: بسكينة ووقار من غير جَبَرية ولا استكبار، كما قال (وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا). فأما هؤلاء فإنهم يمشون من غير استكبار ولا مرح، ولا أشر ولا بطر. قال السعدي: فوصفهم بأنهم (يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا) أي: ساكنين متواضعين لله والخلق فهذا وصف لهم بالوقار والسكينة والتواضع لله ولعباده. ثالثاً: يورث المحبة. قيل: التواضع يورث المحبة، والقناعة تورث الراحة. قال ابن حبان: … والتواضع يكسب السلامة، ويورث الألفة، ويرفع الحقد، ويذهب الصد، وثمرة التواضع المحبة، كما أن ثمرة القناعة الراحة، وإن تواضع الشريف يزيد في شرفه، كما أن تكبر الوضيع يزيد في ضعته.

стр. 2951

رابعاً: التواضع من أخلاق الأنبياء وشِيَم النبلاء. فهذا موسى ﵇ رفع الحجرَ لامرأتين أبوهما شيخٌ كبير. وداود ﵇ كان يأكل من كَسب يده. وزكريّا ﵇ كان نجّارًا. وعيسى ﵇ يقول (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا). وما مِنْ نبيّ إلاّ ورعى الغنم، ونبيّنا ﷺ كان رقيقَ القلب رحيمًا خافضَ الجناحِ للمؤمنين ليّن الجانب لهم، يحمِل الكلَّ ويكسِب المعدوم، ويعين على نوائبِ الدّهر، وركب الحمارَ وأردفَ عليه، يسلّم على الصبيان، ويبدأ من لقيَه بالسلام، يجيب دعوةَ من دعاه ولو إلى ذراعٍ أو كُراع، ولما سئِلت عائشة ﵂: ما كان النبي ﷺ يصنَع في بيته؟ قالت: يكون في مهنة أهله ـ يعني: خدمتهم ـ، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة. رواه البخاري. خامساً: التواضعُ سبَب العدلِ والأُلفة والمحبّة في المجتمع. لحديث الباب (حَتَّى لَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ). اذكر بعض أقوال السلف في فضل التواضع؟ قال الشافعي: لا يطلب هذا العلم أحد بالملك وعزة النفس فيفلح لكن من طلبه بذل النفس و ضيق العيش وخدمة العلم وتواضع النفس أفلح. وقال عبد الله بن المعتز: المتواضع في طلب العلم أكثرهم علمًا كما أن المكان المنخفض أكثر البقاع ماء. وقال إبراهيم بن شيبان: الشَّرف في التَّواضُع، والعزُّ في التَّقوى، والحرِّية في القناعة عن عائشة ﵂ قالت: "إنكم لتغفلون، أفضل العبادة: التواضع. تواضع تكن كالنجم لاح لناظرٍ *** على صفحات الماء وهو رفيعُ ولا تك كالدخان يعلو بنفسه *** إلى طبقات الجو وهو وضيعُ قال ابن الحاج ﵀: "من أراد الرفعة فليتواضع لله تعالى؛ فإن العزة لا تقع إلا بقدرِ النزولِ، ألا ترى أن الماءَ لما نزلَ إلى أصلِ الشجرةِ صعدَ إلى أعلاها فكأن سائلاً سأله: ما صعدَ بِكَ هنا -أعني في رأس الشجرة- وأنت تحت أصلها؟ فكأن لسان حاله يقول: من تواضع لله رفعه. قال عروة بن الورد: التواضع أحد مصائد الشرف، وكل نعمة محسود عليها إلا التواضع.

стр. 2952

فائدة: قال النووي: قوله ﷺ (وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله) فيه وجهان: أحدهما: يرفعه في الدنيا، ويثبت له بتواضعه في القلوب منزلة، ويرفعه الله عند الناس، ويجل مكانه. والثاني: أن المراد ثوابه في الآخرة، ورفعه فيها بتواضعه في الدنيا. قال العلماء: وقد يكون المراد الوجهين معا في جميعها في الدنيا والآخرة، والله أعلم. (شرح نووي). اذكر بعض صور تواضعه ﷺ -؟ التواضع في التعامل مع الزوجة وإعانتها. عن الأسود قال (سألتُ عائشة ما كان النبي ﷺ يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله - تعني: خدمة أهله -، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة). قال الحافظ ابن حجر: وفيه: الترغيب في التواضع وترك التكبر، وخدمة الرجل أهله. التواضع مع الصغار وممازحتهم عن أنس قال (كان النبي ﷺ أحسنَ الناس خلُقاً، وكان لي أخ يقال له " أبو عمير " - قال: أحسبه فطيماً - وكان إذا جاء قال: يا أبا عمير ما فعل النغير) متفق عليه. قال النووي: " النُّغيْر " وهو طائر صغير. و" الفطيم " بمعنى المفطوم. وفي هذا الحديث فوائد كثيرة جدّاً منها: … ملاطفة الصبيان وتأنيسهم، وبيان ما كان النبي ﷺ عليه من حسن الخلُق وكرم الشمائل والتواضع.

стр. 2953

١٥٢٨ - وَعَنْ أَبِي اَلدَّرْدَاءِ ﵁ عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ بِالْغَيْبِ، رَدَّ اَللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ اَلنَّارَ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ) أَخْرَجَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ. ١٥٢٩ - وَلِأَحْمَدَ، مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ نَحْوُهُ. === ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد فضل الذب عن عرض المسلم في حال غيبته. قال النووي: اعلم أنه ينبغي لمن سمع غِيبةَ مسلم أن يردّها ويزجرَ قائلَها، فإن لم ينزجرْ بالكلام زجرَه بيده، فإن لم يستطع باليدِ ولا باللسان، فارقَ ذلكَ المجلس، فإن سمعَ غِيبَةَ شيخه أو غيره ممّن له عليه حقّ، أو كانَ من أهل الفضل والصَّلاح، كان الاعتناءُ بما ذكرناه أكثر. وقد جاءت الأدلة الكثيرة في فضل الذب عن عرض المسلم: وقد تقدم حديث (المسلم أخو المسلم: … ولا يخذله). وحديث أنس. قال: قال ﷺ (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً). وفي حديث عِتبان - الطويل المشهور - قال: (قام النبيّ ﷺ يُصلِّي، فقالوا: أين مالك بن الدُّخْشُم؟ فقال رجل: ذلك منافق لا يُحِبّ اللَّهَ ورسولَه، فقال النبيّ ﷺ : لا تَقُلْ ذلكَ، ألا تَرَاهُ قَدْ قالَ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، يُرِيدُ بِذلكَ وَجْهَ اللَّهِ؟). وعن الحسن البصري ﵀ (أن عائذ بن عمرو وكان من أصحاب رسول الله ﷺ دخلَ على عُبيد الله بن زياد فقال: أي بنيّ إني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: إنَّ شَرَّ الرِّعَاء الحُطَمَةُ، فإيَّاكَ أنْ تَكُونَ مِنْهُمُ، فقال له: اجلسْ، فإنما أنتَ من نُخالة أصحابِ محمَّدٍ ﷺ ، فقال: وهل كانتْ لهم نخالةٌ: إنما كانت النُّخَالةُ بعدَهم وفي غيرِهم. رواه مسلم. وعن كعب بن كالك في حديثه الطويل في قصة توبته قال: قال النبي ﷺ وهو جالسٌ في القوم بتبوك " ما فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ؟ " فقال رجلٌ من بني سَلمة: يا رسول الله حبسَه بُرداهُ والنظرُ في عِطْفَيْه، فقال له مُعاذُ بن جبل ﵁: بئسَ ما قلتَ، والله يا رسولَ الله ما علمنا عليه إلا خيراً، فسكتَ رسولُ الله ﷺ [سَلِمة بكسر اللام، وعِطْفاه: جانباه، وهو إشارة إلى إعجابه بنفسه]. وعن جابر بن عبد الله وأبي طلحة ﵃ قالا: قال رسول الله ﷺ (ما من امرئ يخذل امرءاً مُسْلِماً في مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضَهِ إِلاَّ خَذَلَهُ اللَّهُ في مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وما من امرئ يَنْصُرُ مُسْلِماً في مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، وَيُنْتَهَك فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إلا نَصَرَهُ اللَّهُ في مَوْطِنٍ يُحِب نُصْرَتَهُ) رواه أبو داود.

стр. 2954

١٥٣٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اَللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. === ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد الحث الشديد على الصدقة، وأنها لا تنقص بل تزيده. اذكر فضائل الصدقة؟ وللصدقة فضائل كثيرة منها: أولاً: أنها برهان على صحة الإيمان. كما في حديث أبي مالك الأشعري. قال: قال ﷺ (والصدقة برهان) رواه مسلم. الحديث دليل على فضل الصدقة، وأنها دليل وبرهان على صحة إيمان صاحبها، والسبب في ذلك أن المال محبوب للنفوس، فإذا أنفقت منه فهذا دليل على صحة إيمانها بالله وتصديقها بوعده ووعيده. ثانياً: أنها تطهير للنفس. قال تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ). ثالثاً: أنها تغفر الذنوب. قال ﷺ (والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار) رواه الترمذي. رابعاً: أن الصدقة تزيد المال. قال ﷺ (ما نقصت صدقة من مال) رواه مسلم. خامساً: أنها تظلل صاحبها يوم القيامة. قال ﷺ (العبد في ظل صدقته يوم القيامة) رواه أحمد. وقال ﷺ (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: … ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه). سادساً: أنها وقاية النار. قال ﷺ (اتقوا النار ولو بشق تمرة) متفق عليه. وقال ﷺ للنساء (يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ وَأَكْثِرْنَ الاِسْتِغْفَارَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ) متفق عليه.

стр. 2955

سابعاً: دعاء الملائكة. كما قال ﷺ (ما من صباح إلا وينزل ملكان: يقول أحدهما اللهم أعط منفقاً خلفاً ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً) متفق عليه ثامناً: أن فيها علاجاً من الأمراض. روي عنه ﷺ أنه قال (داووا مرضاكم بالصدقة). قال ابن شقيق (سمعت ابن المبارك وسأله رجل: عن قرحةٍ خرجت في ركبته منذ سبع سنين، وقد عالجها بأنواع العلاج، وسأل الأطباء فلم ينتفع به، فقال: اذهب فأحفر بئراً في مكان حاجة إلى الماء، فإني أرجو أن ينبع هناك عين ويمسك عنك الدم، ففعل الرجل فبراً). تاسعاً: أن الله يدفع بالصدقة أنواعاً من البلاء. كما في وصية يحيى ﵇ لبني إسرائيل (وآمركم بالصدقة، فإن مثل ذلك رجل أسره العدو فأوثقوا يده إلى عنقه، وقدموه ليضربوا عنقه فقال: أنا أفتدي منكم بالقليل والكثير، ففدى نفسه منهم). فالصدقة لها تأثير عجيب في دفع أنواع البلاء ولو كانت من فاجرٍ أو ظالمٍ، بل من كافر، فإن الله تعالى يدفع بها أنواعاً من البلاء، وهذا أمر معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم وأهل الأرض مقرون به لأنهم قد جربوه. (الوابل الصيب). عاشراً: أنه لا يبقى لصاحب المال من ماله إلا ما تصدق به. كما في قوله تعالى (ومَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُم). ولما سأل النبي ﷺ عائشة عن الشاة التي ذبحوها ما بقى منها: قالت: ما بقى منها إلا كتفها، قال (بقي كلها غير كتفها) رواه الترمذي. الحادي عشر: أن يضاعف للمتصدق أجره. كما في قوله (إنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيم). وقوله سبحانه (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون). الثاني عشر: أن فيها انشراحاً للصدر. عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَثَلَ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُنَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ قَدِ اضْطُرَّتْ أَيْدِيهِمَا إِلَى ثُدَيِّهِمَا وَتَرَاقِيهِمَا، فَجَعَلَ الْمُتَصَدِّقُ كُلَّمَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ انْبَسَطَتْ عَنْهُ حَتَّى تُغَشِّىَ أَنَامِلَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ وَجَعَلَ الْبَخِيلُ كُلَّمَا هَمَّ بِصَدَقَةٍ قَلَصَتْ وَأَخَذَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا) متفق عليه.

стр. 2956

فالمتصدق كلما تصدق بصدقة انشرح لها قلبه، وانفسح بها صدره، فهو بمنزلة اتساع تلك الجبة عليه، فكلمَّا تصدَّق اتسع وانفسح وانشرح، وقوي فرحه، وعظم سروره، ولو لم يكن في الصَّدقة إلا هذه الفائدة. الثالث عشر: أن الله يضاعفها ولو كانت قليلة. كما قال تعالى (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ). وقال ﷺ (إن الله يربي الصدقة كما يربي أحدكم فلوه) متفق عليه. عن أبي هُرَيْرَةَ قال. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ - وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلاَّ الطَّيِّبَ - إِلاَّ أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ كَمَا يُرَبِّى أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ) متفق عليه. الرابع عشر: درجة البر (الجنة) تنال بالإنفاق: كما قال تعالى (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ). وكان ابن عمر إذا أعجبه شيء من ماله تصدق به. الخامس عشر: صاحب الصدقة موعود بالخلف. كما قال تعالى (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) أي يخلفه عليكم في الدنيا بالبذل، وفي الآخرة بالجزاء والثواب. السادس عشر: الفضل الكبير. عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال (بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلَاةٍ مِنَ الأَرْضِ فَسَمِعَ صَوْتاً فِي سَحَابَةٍ اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ. فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الْمَاءَ كُلَّهُ فَتَتَبَّعَ الْمَاءَ فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاتِهِ فَقَالَ لَهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا اسْمُكَ قَالَ فُلَانٌ. لِلاِسْمِ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ فَقَالَ لَهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ لِمَ تَسْأَلُنِي عَنِ اسْمِي فَقَالَ إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتاً فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ لاِسْمِكَ فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا قَالَ أَمَّا إِذَا قُلْتَ هَذَا فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالي ثُلُثاً وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَه) رواه مسلم. متى أفضل وقت للصدقة؟ وقت الصحة والقوة. عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ (أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ فَقَالَ: أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى وَلَا تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا أَلَا وَقَدْ كَانَ لِفُلَان) متفق عليه. قال النووي ﵀: قَالَ الخطابي: فَمَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ الشُّحّ غَالِب فِي حَال الصِّحَّة، فَإِذَا شَحّ فِيهَا وَتَصَدَّقَ كَانَ أَصْدَقَ فِي نِيَّته وَأَعْظَم لأَجْرِهِ، بِخِلَافِ مَنْ أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْت وَآيَسَ مِنْ الْحَيَاة وَرَأَى مَصِير الْمَال لِغَيْرِهِ فَإِنَّ صَدَقَته حِينَئِذٍ نَاقِصَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَالَة الصِّحَّة، وَالشُّحّ رَجَاء الْبَقَاء وَخَوْف الْفَقْر .. فَلَيْسَ لَهُ فِي وَصِيَّته كَبِير ثَوَاب بِالنِّسْبَةِ إِلَى صَدَقَة الصَّحِيح الشَّحِيح.

стр. 2957

وقال الحافظ ابن حجر ﵀: وَفِي الْحَدِيث أَنَّ تَنْجِيز وَفَاء الدَّيْن وَالتَّصَدُّق فِي الْحَيَاة وَفِي الصِّحَّة أَفْضَل مِنْهُ بَعْد الْمَوْت وَفِي الْمَرَض، وَأَشَارَ ﷺ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: " وَأَنْتَ صَحِيح حَرِيص تَأْمُل الْغِنَى الخ " لأَنَّهُ فِي حَال الصِّحَّة يَصْعُب عَلَيْهِ إِخْرَاج الْمَال غَالِبًا لِمَا يُخَوِّفهُ بِهِ الشَّيْطَان وَيُزَيِّن لَهُ مِنْ إِمْكَان طُول الْعُمْر وَالْحَاجَة إِلَى الْمَال كَمَا قَالَ تَعَالَى (الشَّيْطَان يَعِدكُمْ الْفَقْر) الآيَة. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ بِإِسْنَادٍ حَسَن وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء مَرْفُوعًا قَال (مَثَل الَّذِي يُعْتِق وَيَتَصَدَّق عِنْد مَوْته مِثْل الَّذِي يُهْدِي إِذَا شَبِع) وَهُوَ يَرْجِع إِلَى مَعْنَى حَدِيث الْبَاب. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا (لأَنْ يَتَصَدَّق الرَّجُل فِي حَيَاته وَصِحَّته بِدِرْهَمٍ خَيْر لَهُ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّق عِنْد مَوْته بِمِائة). فائدة: قال السمرقندي: عليك بالصدقة بما قلّ أو كثر، فإن في الصدقة عشر خصال محمودة خمس في الدنيا وخمس في الآخرة. أما التي في الدنيا: فأولها: تطهير المال كما قال النبي ﷺ (ألا إن البيع يحضره اللغو والحلف والكذب، فشوبوه بالصدقة). والثاني: أن فيها تطهير البدن من الذنوب، كما قال الله تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ … ). والثالث: أن فيها دفع البلاء والأمراض، كما قال النبي ﷺ (داووا مرضاكم بالصدقة). والرابع: أن فيها إدخال السرور على المساكين، وأفضل الأعمال إدخال السرور على المؤمنين. والخامس: أن فيها بركة في المال وسعة في الرزق، كما قال تعالى (ومَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ). وأما الخمس التي في الآخرة: فأولها: أن تكون الصدقة ظلاً لصاحبها في شدة الحر. والثاني: أن فيها خفة الحساب. والثالث: أنها تثقل الميزان. والرابع: جواز على الصراط. والخامس: زيادة الدرجات في الجنة. ما الأفضل في صدقة التطوع أن تكون سراً أم علانية؟ فائدة: الأفضل أن تكون سراً. أ- لحديث (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه). ب- ولقوله تعالى (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ).

стр. 2958

قال ابن الجوزي: وإنما فضلت صدقة السر لمعنيين: أحدهما: يرجع إلى المعطي وهو بُعْدُه عن الرياء، وقربه من الإخلاص، والإعراض عما تؤثر النفس من العلانية. والثاني: يرجع إلى المعطَى، وهو دفع الذل عنه بإخفاء الحال، لأن في العلانية ينكر. ثم قال: واتفق العلماء على إخفاء الصدقة النافلة أفضل من إظهارها. ماذا نستفيد من قوله (وَمَا زَادَ اَللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا)؟ نستفيد الفضل العظيم لمن يعفو ويصفح، وللعفو فضائل وثمرات: أولاً: أن فيه استجابة لأمر الله تعالى وطاعة لله ورسوله. قال تعالى (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ). وقال تعالى (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ). وقال تعالى (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). ثانياً: وهو يورث العز في الدنيا والآخرة. قال ﷺ (وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً) رواه مسلم. ثالثاً: وهو يورث محبة الله عزوجل. قال تعالى (الذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). رابعاً: يجلب الأجر الجزيل من الله تعالى. قال تعالى (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ). قال السعدي: وفي جعل أجر العافي على الله ما يهيج على العفو، وأن يعامل العبد الخلق بما يحب أن يعامله الله به، فكما يحب أن يعفو الله عنه، فَلْيَعْفُ عنهم، وكما يحب أن يسامحه الله، فليسامحهم، فإن الجزاء من جنس العمل. خامساً: يوجب عفو الله عن العبد يوم القيامة. ففي الحديث (كان رجل يداين الناس فكان يقول لفتاه: إذا أتيت معسراً فتجاوز عنه لعل الله يتجاوز عنا فلقي الله فتجاوز عنه) متفق عليه. سادساً: وهو من صفات الرسول ﷺ . كما قال عبد اللّه بن عمرو: إني أرى صفة رسول اللّه ﷺ في الكتب المتقدمة (أنه ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح) رواه البخاري. سابعاً: سبب لمغفرة الذنوب. قال تعالى (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).

стр. 2959

ثامناً: من صفات المتقين. قال تعالى (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). وأعظم سبب يقود للعفو عن الناس، ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته النفيسة (قاعدة في الصبر) الأسباب التي تُعين المسلم على الصبر على أذى الناس قال: الثالث: أنْ يَشْهَدَ العبدُ حُسْنَ الثواب الذي وعده الله لمن عفى وصبر، كما قال تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ). اذكر بعض أقوال السلف في فضل العفو؟ قال عمر: كل الناس في حل مني. قال الحسن: أفضل أخلاق المؤمن العفو. وعن أيوب قال: لا ينبل الرجل حتى يكون فيه خصلتان: العفة عما في أيدي الناس، والتجاوز عنهم. وهذا زين العابدين بن علي-﵁-أتت جاريته تصب الماء عليه فسقط الإبريق من يدها على وجهه فشجه فقالت: والكاظمين الغيظ فقال: كظمت غيظي، قالت: والعافين عن الناس قال: عفوت عنك، قالت: والله يحب المحسنين، قال: أنت حرة لوجه الله. قال ابن حبان: الواجب على العاقل توطين النفس على لزوم العفو عن الناس كافة، وترك الخروج لمجازاة الإساءة! إذ لا سبب لتسكين الإساءة أحسنُ من الإحسان، ولا سبب لنماءِ الإساءة وتهييجها أشدُّ من الاستعمال بمثلها. وقال عمر بن عبد العزيز: أحب الأمور إلى الله ثلاثة: العفو في القدرة، والقصد في الجدة، والرفق في العبادة، وما رفق أحد بأحد في الدنيا إلا رفق الله به يوم القيامة. وراحت النفس في العفو: فقد قال أحد الشعراء: لما عفوت، ولم أحقد على أحدٍ … أرحت قلبي من غم العداوات إني أحي عدوي عند رؤيته … لأدفع الشر عني بالتحيات وأظهر البشر للإنسان أبغضه … كأنما قد حشى قلبي محبات.

стр. 2960

١٥٣١ - وَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ سَلَّامٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ! أَفْشُوا اَلسَّلَام، وَصِلُوا اَلْأَرْحَامَ، وَأَطْعِمُوا اَلطَّعَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ بِسَلَامٍ) أَخْرَجَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. === ما صحة حديث الباب؟ صحيح. ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد الحث على هذه الأعمال الصالحة وهي: إفشاء السلام: وهو نشره وإذاعته على من تعرف ومن لا تعرف. وصلة الأرحام: بالقول والفعل. وإطعام الطعام: على القريب والبعيد. وقيام الليل: وأن ذلك سبب في دخول الجنة. اذكر ما ورد في فضل إطعام الطعام؟ أولاً: مدح الله المطعمين للطعام. فقال تعالى (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً). ثانياً: من أسباب النجاة من كرب يوم القيامة. قال تعالى (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً. وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً. إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً. إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً. فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً). ثالثاً: من أسباب دخول الجنة. قال ﷺ (يا أيها الناس: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، … تدخلوا الجنة بسلام). رواه الترمذي رابعاً: خير خصال الإسلام. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو. أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ قَالَ: (تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ) متفق عليه.

стр. 2961

اذكر بعض الأحاديث في فضل إفضاء السلام؟ أ- حديث الباب (يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ! أَفْشُوا اَلسَّلَام … ). ب- وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو. أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ قَالَ: (تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ) متفق عليه. ج- وعن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا. أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَىْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُم) رواه مسلم. اذكر بعض فضائل قيام الليل؟ أولاً: أن الله ﵎ مدح أهله. قال تعالى (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ. فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). قال ابن كثير: تتجافي جنوبهم عن المضاجع: يعني بذلك قيام الليل وترك النوم والاضطجاع على الفرش الوطيئة. يدعون ربهم خوفاً وطمعاً: أي خوفاً من وبال عقابهِ وطمعاً في جزيل ثوابهِ. ومما رزقناهم ينفقون: فيجمعون بين فعل القربات اللازمة والمتعدية. ثانيا: قيام الليل من علامات المتقين. قال تعالى (إنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ. كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ. وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ. وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ). قال الحسن البصري في الآية: لا ينامون من الليل إلا أقله، كابدوا قيام الليل. وفي قوله سبحانه (وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) قال الرازي في الآية: إشارة إلى أنهم كانوا يتهجدون ويجتهدون ثم يريدون أن يكون عملهم أكثر من ذلك، وأخلص منه، فيستغفرون من التقصير، وهذه سيرة الكريم: يأتي بأبلغ وجوه الكرم ويستقله ويعتذر من التقصير، واللئيم يأتي بالقليل ويستكثره ويمن به. ثالثاً: قيام الليل من صفات عباد الرحمن. أولياء الله ومن أسباب دخول الجنة. يقول تعالى في وصف عباد الرحمن (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا … أولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا).

стр. 2962

رابعاً: وفرق تعالى بين من قام الليل ومن لم يقمه، ممتدحاً صاحب القيام. فقال تعالى (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ). خامساً: قيام الليل أفضل الصلاة بعد الفريضة. عن أبي هريرة. قال: قال ﷺ (أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل) رواه مسلم. قال ابن رجب: وإنما فضلت صلاة الليل على صلاة النهار، لأنها أبلغ في الإسرار وأقرب إلى الإخلاص، ولأن صلاة الليل أشق على النفوس، فإن الليلَ محل النومِ والراحة من التعب بالنهار، فترْك النوم مع ميل النفس إليه مجاهدةٌ عظيمةٌ، ولأن القراءة في صلاة الليل أقرب إلى التدبر، فإنه تنقطع الشواغل بالليل، ويحضر القلب ويتواطأ هو واللسان على الفهم كما قال تعالى (إن ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأقوم قيلاً). سادساً: من أسباب دخول الجنة. عن عبد الله بن سلام. قال: قال ﷺ (أيها الناس! أطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام) رواه الترمذي. سابعاً: قيام الليل سبب للنجاة من الفتن. فالصلاة عموماً، وصلاة الليل خصوصاً سبب من أسباب النجاة من الفتن. عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتِ (اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الْفِتَنِ وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الْخَزَائِنِ أَيْقِظُوا صَوَاحِبَاتِ الْحُجَرِ، فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ) رواه البخاري. ففي هذا الحديث دليل وتنبيه على أثر الصلاة بالليل في الوقاية من الفتن. ثامناً: أنه شرف للمؤمن. فقد جاء في الحديث عن سهل قال: قال ﷺ (جاءني جبريل! فقال يا محمد! اعمل ما شئت فإنك مجزي به، … واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس) رواه الطبراني وحسنه الألباني. فقيام الليل شرف للمؤمن، لأنه دليل على إخلاصه، ودليل على ثقته بربه، ودليل على قوة إيمانه، فيرفعه الله ويعزه ويرفع مكانته ويعلي درجته لأنه خلى بالله تعالى. تاسعاً: لهم غرف في الجنة. قال ﷺ (إن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن أطعم الطعام، وأفشى السلام، وصلى بالليل والناس نيام) رواه أبو داود.

стр. 2963

عاشراً: بقيام الليل يدرك المصلي وقت النزول الإلهي. عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (ينزل ربنا كلَّ ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له) متفق عليه الحادي عشر: وصف النبي ﷺ من يقوم الليل بنِعم الرجل. عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ (كَانَ الرَّجُلُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا رَأَى رُؤْيَا قَصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى رُؤْيَا فَأَقُصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكُنْتُ غُلَاماً شَابًّا، وَكُنْتُ أَنَامُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَخَذَانِي فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ كَطَيِّ الْبِئْرِ، وَإِذَا لَهَا قَرْنَانِ، وَإِذَا فِيهَا أُنَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ فَجَعَلْتُ أَقُولُ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ - قَالَ - فَلَقِيَنَا مَلَكٌ آخَرُ فَقَالَ لي لَمْ تُرَعْ، فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ، لَوْ كَانَ يُصَلِّى مِنَ اللَّيْلِ، فَكَانَ بَعْدُ لَا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلاَّ قَلِيلاً) رواه البخاري. قال الحافظ ابن حجر: فمقتضاه أن من كان يصلي من الليل يوصف بكونه نِعم الرجل. الثاني عشر: قيام الليل من أسباب المغفرة والرحمة. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى، وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّتْ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ، رَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ، وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا، فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ) رواه أبو داود. الثالث عشر: من فضل قيام الليل أنه من مظان الإجابة. عن جابر. قال: قال رسول الله ﷺ (إن في الليل ساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيراً من أمر الدنيا والآخرة الا أعطاه وذلك كل ليلة) متفق عليه. اذكر بعض ما ورد عن السلف في الحث على قيام الليل؟ قالت عائشة (يا عبد الله! لا تدع قيام الليل، فإن النبي ﷺ ما كان يدعه، وكان إذا مرض أو كسل صلى وهو قاعد). متفق عليه وجاء في موطأ الإمام عن ابن عمر قال (كان عمر يصلي في الليل حتى إذا كان من آخر الليل أيقظ أهله وقرأ: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى). وقال أبو عثمان النهْدي: تضيفت أبا هريرة سبعة أيام [أي نزلت عليه ضيفاً] فكان هو وزوجه وخادمه يقتسمون الليل أثلاثاً، الزوجة ثلثاً وخادمه ثلثاً وأبو هريرة ثلثاً. وكان سليمان التيمي عنده زوجتان وكانوا يقتسمون الليل أثلاثاً. والحسن بن صالح كان يقتسم الليل هو وأخوه وأمه أثلاثاً، فماتت أمه، فاقتسم الليل هو وأخوه علي، فمات أخوه فقام الليل بنفسه. وكان محمد بن واسع إذا جنّ عليه الليل يقوم ويتهجد، يقول أهله: كان حاله كحال من قتل أهل الدنيا جميعاً.

стр. 2964

وكان الإمام أبو سليمان الداراني يقول: والله لولا قيام الليل ما أحببت الدنيا، ووالله إن أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، وإنه لتمر بالقلب ساعات يرقص فيه طرباً بذكر الله فأقول: إن كان أهل الجنة في مثل ما أنا فيه من النعيم إنهم لفي نعيم عظيم. وكانت امرأة حبيب بن محمد الزاهد توقظه بالليل وتقول: ذهب الليل، وبين أيدينا طريق بعيد، وزادنا قليل، وقوافل الصالحين قُدّامنا ونحن قد بقينا، وكانت تقول: يا راقدَ الليلِ كم ترقدُ … قم يا حبيبي قد دنا الموعدُ .. وخذ من الليلِ وأوقاتهِ … ورْداً إذا ما هجعَ الرُّقدُ من نامَ حتى ينقضي ليلهُ … لم يبلغ المنزلَ أو يجهدُ قل لأولي الألبابِ أهلِ التقى قَنطرةُ العَرْضِ لكم موعدُ وقال أبو الدرداء: صلوا ركعتين في ظلم الليل لظلمة القبور. وقال أحمد بن حرب: عجبت لمن يعلم أن الجنة تزين فوقَه، والنار تضرم تحته، كيف ينام بينهما. وكان شداد بن أوس إذا دخل الفراش يتقلب على فراشه لا يأتيه النوم، فيقول: اللهم إن النار أذهبت النوم، فيقوم فيصلي حتى يصبح. وحين سألت ابنة الربيع بن خثيم أباها: يا أبتاه الناس ينامون ولا أراك تنام؟ قال: يا بنية إن أباكِ يخاف السيئات. ويروى أن طاووساً جاء في السحر يطلب رجلاً، فقالوا: هو نائم، قال: ما كنت أرى أن أحداً ينام في السحر. وكان عبد الله بن داود يقول: كان أحدهم إذا بلغ أربعين سنة طوى فراشه، كان لا ينام الليل. وذكر أن عامراً لما احتضر جعل يبكي، فقيل: ما يبكيك يا عامر؟ قال: ما أبكي جزعاً من الموت ولا حرصاً على الدنيا، ولكني أبكي على ظمأ الهواجر وقيام الشتاء. وقال محمد بن المنكدر: ما بقي من لذات الدنيا إلا ثلاث: قيام الليل، ولقاء الإخوان، والصلاة في جماعة. وقال الحسن البصري: ما نعلم عملاً أشد من مكابدة الليل ونفقة هذا المال، وإن الرجل ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل. اذكر بعض أسباب دخول الجنة؟ أولاً: تقوى الله. كما قال تعالى (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ). وقال تعالى (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ). وقال تعالى (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ). وقال تعالى (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ). وقال تعالى (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً). وسئل النبي ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ فقال (تقوى الله وحسن الخلق) رواه الترمذي. ثانياً: المحافظة على صلاة العصر والفجر. عن أَبِي مُوسَى. أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ (مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ) متفق عليه. ثالثاً: التلفظ بالشهادتين مع العمل بمقتضاها.

стр. 2965

قال ﷺ ( … أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ) متفق عليه. وفي حديث أبي هريرة الطويل وفيه (قال أبو هريرة، فَقَالَ ﷺ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! وَأَعْطَانِي نَعْلَيْهِ قَالَ: اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ مُسْتَيْقِناً بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّة) متفق عليه. رابعاً: إحصاء أسماء الله. قال ﷺ (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْماً مِائَةً إِلاَّ وَاحِداً مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) متفق عليه. خامساً: قراءة آية الكرسي بعد الفريضة. قال ﷺ (من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت) رواه النسائي. سادساً: الذكر بعد الوضوء. قال ﷺ (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ - أَوْ فَيُسْبِغُ - الْوُضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ إِلاَّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاء) رواه مسلم. سابعاً: لا حول ولا قوة إلا بالله. قال ﷺ (لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة) متفق عليه. ثامناً: سؤال الله الجنة. قال ﷺ (من سأل الله الجنة ثلاث مرات، قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة) رواه الترمذي. تاسعاً: طلب العلم ابتغاء مرضات الله. قال ﷺ (من سلط طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) رواه مسلم. عاشراً: السنن الرواتب. قال ﷺ (مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُصَلِّى لِلَّهِ كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعاً غَيْرَ فَرِيضَةٍ إِلاَّ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ أَوْ إِلاَّ بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّة) رواه مسلم. الحادي عشر: الحج المبرور. قال ﷺ (والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) متفق عليه.

стр. 2966

١٥٣٢ - وَعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ ﷺ (اَلدِّينُ اَلنَّصِيحَةُ" ثَلَاثًا. قُلْنَا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اَللَّهِ؟ قَالَ: " لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ اَلْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. === (أئمة المسلمين) حكامهم. (عامتهم) سائر المسلمين غير الحكام. (عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) البجلي، صحابي جليل. (بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أي: عاهدت وعاقدت. (عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ) أي: الإتيان بها على وجهها المطلوب. (وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) أي: إعطاؤها لمستحقيها. عرف النصيحة؟ قيل: هي كلمة يعبر بها عن إرادة الخير للمنصوح له. وقيل: قيام العبد بما لغيره من الحقوق، وهذا أصوب. فالنصيحة لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِم هي: القيام بحقوقهم. وهي باعتبار منفعتها نوعان: أحدهما: ما منفعتها مقصودة في الأصل للناصح، وهي النصيحة لله ولرسوله ﷺ ولكتاب الله . والآخر: ما منفعتها مقصودة في الأصل للناصح والمنصوح معاً، وهي النصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم. ما كيفية النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم. النصيحة لله: تكون بالإيمان به، ونفي الشريك عنه، وترك الإلحاد في صفاته، ووصفه بصفات الكمال والجلال كلها، وتنزيهه عن جميع النقائص، والقيام بطاعته، واجتناب معاصيه. والنصيحة لكتابه: بقراءته وتدبره وحفظه والعمل به.

стр. 2967

والنصيحة لرسوله: تكون بتصديق رسالته، والإيمان بجميع ما جاء به، وطاعته في أمره ونهيه، ونصرته حياً وميتاً، ومعاداة من عاداه، وموالاة من والاه، وإعظام حقه وتوقيره، وإحياء طريقته وسنته، وبث دعوته ونشر شريعته. والنصيحة لأئمة المسلمين: تكون بمعاونتهم على الحق وطاعتهم فيه، وأمرهم به وتذكيرهم برفق ولطف، وإعلامهم بما غفلوا عنه، وترك الخروج عليهم، وتألف قلوب الناس لطاعتهم، وأن يدعى لهم بالصلاح. والنصيحة لعامة المسلمين: تكون بإرشادهم لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم، وكف الأذى عنهم، وتعليم ما يجهلونه من دينهم، ويعينهم عليه بالقول والفعل، وستر عوراتهم، وسد خلاتهم، ودفع المضار عنهم، وجلب المنافع لهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر برفق وإخلاص، والشفقة عليهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه من الخير، ويكره لهم ما يكره لنفسه من المكروه. اذكر بعض فضائل النصيحة؟ أولاً: أنها مهمة الرسل. قال تعالى إخباراً عن نوح (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ). ثانياً: أن منزلتها عظيمة. كما في حديث الباب. ثالثاً: أنها من علامات كمال الإيمان. كما قال ﷺ (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه). رابعاً: أنها من حقوق المسلم على أخيه المسلم. قال ﷺ (للمؤمن على المؤمن ست خصال: … وينصح له إذا غاب أو شهد).

стр. 2968

اذكر بعض أقوال السلف في النصيحة؟ ينبغي أن تسود النصيحة بين المسلمين، فإنها من أعظم مكملات الإيمان. سئل ابن المبارك: أي الأعمال أفضل؟ قال: النصح لله. وقال الفضيل: المؤمن يستر وينصح والفاجر يهتك ويعير. وقال أيضاً: ما أدرك عندنا من أدرك بكثرة الصلاة والصيام، وإنما أدرك عندنا بسخاء الأنفس، وسلامة الصدور، والنصح للأمة. قال أبو بكر المزني: ما فاق أبو بكر أصحاب رسول الله بصوم ولا بصلاة، ولكن بشيء كان في قلبه. وقال ابن علية: الذي كان في قلبه الحب لله والنصيحة في خلقه. وقال أبو الدرداء: إن شئتم لأنصحن لكم: إن أحب عباد الله إلى الله، الذين يحبّبون الله تعالى إلى عباده ويعملون في الأرض نصحاً. وقال حكيم: ودّك من نصحك. وقال بعض السلف: من وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنما وبَّخَه. قال عبد العزيز بن أبي رواد ﵀: كان من كان قبلكم إذا رأى الرجل من أخيه شيئاً يأمره في رفق فيؤجر في أمره ونهيه، وإن أحد هؤلاء يخرق بصاحبه فيستغضب أخاه ويهتك ستره. اذكر بعض آداب النصيحة؟ أولاً: الإخلاص لله . فلابد أن يقصد بنصحه وجه الله ﵎ كما في حديث عمر (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى). ثانياً: ألا يقصد التشهير. ثالثاً: أن يكون النصح سراً.

стр. 2969

قال الشافعي: من وعظ أخاه سراً فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه. يقول الحافظ ابن رجب ﵀: وكان السلف إذا أرادوا نصيحة أحد وعظوه سراً. قال بعضهم: من وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحة ومن وعظه على رؤوس الناس فإنما وبخه. قال الشاعر: تغمدني بنصحك في انفرادي … وجنّبي النصيحة في الجماعة فإن النصحَ بين الناسِ نوعٌ … من التوبيخِ لا أرضى استماعه رابعاً: أن يكون النصح بلطف وأدب ورفق ولا يثقل على الناصح ولا يكثر عليه. كما جاء في الحديث عن عائشة أن النبي ﷺ قال (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه). خامساً: اختيار الوقت المناسب للنصيحة اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ هذا الحديث يفيد بعمومه ورواياته أنه يجب أن ينصح المسلم لأخيه المسلم في جميع جوانب الحياة وليس في جانب واحد بل دنيا وأخرى. وجرير بن عبد الله قد بايع الرسول ﷺ على النصح لكل مسلم، قد طبق ذلك: فقد ذكر النووي في شرح مسلم: أن جريراً أمر مولاه أن يشتري له فرساً، فاشترى له فرساً بثلاثمائة درهم وجاء به وبصاحبه لينقده الثمن، فقال جرير لصاحب الفرس: فرسك خير من ثلاثمائة درهم، أتبيعه بأربعمائة درهم؟ قال: ذلك إليك يا أبا عبد الله. فقال: فرسك خير من ذلك أتبيعه بخمسمائة درهم؟ ثم لم يزل يزيد مائة فمائة وصاحبه يرضى وجرير يقول فرسك خير إلى أن بلغ ثمانمائة درهم فاشتراه بها. فقيل له بذلك فقال: إني بايعت رسول الله ﷺ على النصح لكل مسلم.

стр. 2970

هكذا يفعل صحابة الرسول ﷺ في النصح للمسلمين في أمور دينهم ودنياهم ولنا فيهم أسوة (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيد). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: فإن المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى. من أعظم النصح أن ينصح لمن استشاره في أمره. كما قال ﷺ : (إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصحه). وكذلك النصح في الدين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قالت له فاطمة بنت قيس: قد خطبني أبو جهم ومعاوية، فقال لها: أما أبو جهم فرجل ضراب للنساء، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، فبين النبي ﷺ حال الخاطبين للمرأة، فإن النصح في الدين أعظم من النصح في الدنيا، فإذا كان النبي ﷺ نصح المرأة في دنياها فالنصيحة في الدين أعظم. تحريم الغش والخديعة.

стр. 2971

١٥٣٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (أَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ اَلْجَنَّةَ تَقْوى اَللَّهِ وَحُسْنُ اَلْخُلُقِ) أَخْرَجَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ. === عرف التقوى؟ التقوى مأخوذة من الوقاية، وهي: أن يجعل الإنسان لنفسه وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه. وهذا من أجمع التعاريف، وقد جاء في معناها آثار عدة عن السلف كلها داخلة تحت هذا المعنى. قال علي: التقوى: الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل. وقال ابن مسعود: حقيقة تقوى الله: أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر. وقال طلق بن حبيب: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عقاب الله. قال ابن القيم: وهذا من أحسن ما قيل في حد التقوى. وروي أن عمر بن الخطاب سأل أبي بن كعب عن التقوى؟ فقال: هل أخذت طريقاً ذا شوك؟ قال: نعم، قال: فما عملت؟ قال: تشمرت وحذرت، قال: فذاك التقوى. قال ابن المعتز: خل الذنوب صغيرها وكبيرها فهو التقى كن مثل ماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة … إن الجبال من الحصى

стр. 2972

ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد فضل تقوى الله، وأنها من أسباب دخول الجنة. اذكر ما ورد في الأمر بالتقوى؟ قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ). وقال تعالى (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ). وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ). وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً). وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ). فالتقوى هي وصية الله لجميع خلقه، ووصية رسوله ﷺ لأمته. كان ﷺ إذا بعث أميراً على سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيراً. ولما خطب رسول الله ﷺ في حجة الوداع يوم النحر وصى الناس بتقوى الله وبالسمع والطاعة لأئمتهم. ولما وعظ الناس كأنها موعظة مودع قال: أوصيكم بتقوى الله. وقال لمعاذ: اتق الله حيثما كنت. اذكر بعض فضائل التقوى؟ أولاً: أنها سبب لتيسير الأمور. قال تعالى (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً). ثانياً: أنها سبب لإكرام الله. قال تعالى (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).

стр. 2973

ثالثاً: العاقبة لأهل التقوى. قال تعالى (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ). رابعاً: أنها سبب في دخول الجنة. قال تعالى (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ). وقال تعالى (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ). ولحديث الباب. خامساً: أنها سبب لتكفير السيئات. قال تعالى (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً). سادساً: أنها سبب لحصول البشرى لهم. قال تعالى (الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا). سابعاً: أنها سبب للفوز والهداية. قال تعالى (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ). ثامناً: أنها سبب للنجاة يوم القيامة. قال تعالى (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً). تاسعاً: أنها سبب لتفتيح البركات من السماء والأرض. قال تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ). عاشراً: أنها سبب للخروج من المأزق. قال تعالى (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ).

стр. 2974

الحادي عشر: أنها سبب لمحبة الله. قال تعالى (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ). الثاني عشر: أنها سبب للاهتداء بالقرآن. قال تعالى (ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ). الثالث عشر: بالتقوى تنال معية الله. قال تعالى (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ). الرابع عشر: أنها خير زاد. قال تعالى (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى). الخامس عشر: أنها من أسباب نيل الأجر العظيم. قال تعالى (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ). السادس عشر: أن الآخرة خير من الدنيا للمتقين. قال تعالى (والْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً). السابع عشر: أنها سبب لقبول الأعمال. قال تعالى (قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ). الثامن عشر: أن لباس التقوى خير لباس. قال تعالى (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ). التاسع عشر: أنها من أسباب الرحمة. قال تعالى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ).

стр. 2975

العشرون: أنها من أسباب ولاية الله. قال تعالى (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ). وقال تعالى (وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ). اذكر مراتب التقوى؟ قال ابن القيم: مراتب التقوى: التقوى ثلاث مراتب: إحداها: حميّة القلب والجوارح عن الآثام والمحرمات، والثانية: حميّتها عن المكروهات، والثالثة: الحمية عن الفضول وما لا يعني. فالأولى تعطي العبد حياته، والثانية تفيده صحته وقوته، والثالثة تكسبه سروره وفرحه وبهجته .... فائدة: تقدم ما يتعلق بحسن الخلق.

стр. 2976

١٥٣٤ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِنَّكُمْ لَا تَسَعُونَ اَلنَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ لِيَسَعْهُمْ بَسْطُ اَلْوَجْهِ، وَحُسْنُ اَلْخُلُقِ) أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ. === ما صحة حديث الباب؟ لا يصح. ماذا نستفيد من الحديث؟ الحديث دليل على فضل بسط الوجه وبشاشته عند اللقاء، وفضل حسن الخلق. وقد تقدم ما يغني عن حديث الباب عند شرح حديث (لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق).

стр. 2977

١٥٣٥ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اَلْمُؤْمِنُ مِرْآةُ اَلْمُؤْمِنِ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. === ما صحة حديث الباب؟ هذا الحديث اختلف العلماء في تحسينه وتضعيفه نظراً للخلاف في الراوي: كثير بن زيد الأسلمي. وقد حسنه الحافظ ابن حجر هنا. ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: أن المؤمن للمؤمن كالمرآة، وأن المؤمن يعلم عيب نفسه بإعلام أخيه له، كما يعلم خلل وجهه بالنظر إلى المرآة. ففيه التناصح بين المسلمين. ففي هذا الحديث: أن المسلم يعمل عمل المرآة لصاحبها، فماذا تعمل المرآة وكيف تعمل؟ المرآة تكشف الأدران البدنية التي تلحق بنا وكذا المسلم يكشف لأخيه ما به من عيوب وأدران معنوية وذلك من خلال المناصحة. والمرآة تكشف الأدران الحسية بلطف، فليس لها عصا غليظة تشير بها إلي موضع الدرن في الجسد، وكذا المسلم يبين لأخيه العيوب بأسلوب حسن وكلام لطيف لأنه يرى أن عليه إصلاحه. والمرآة لا تكشف العيوب لغير حاملها فلا تكشف الأدران لغير حاملها كذا المسلم لا يفضح أخاه، بل يناصحه في السر. والمرآة لا تذهب بعد أن تكشف الأدران بل تبقي معينة علي إزالتها، وكذا المسلم يبقي معين لك علي إزالة ما أنت فيه من الأخطاء والعيوب، ولا ينتقد نقداً سلبياً هداماً لأجل النقد فحسب. ثم إن المرآة لا تحدث بصورتك غيرك، ولا تعرضها لسواك في غيبتك، فلا تفشي سرك عند الآخرين، وكذلك ينبغي أن يكون الأخ المسلم. بل إن المرآة لا تحفظ الصورة التي نكون عليها سابقاً، فإذا أتى أحد بعدُ لا يرى من وقف أمامها حال كونه متسخاً، أو حال إزالته الأوساخ عن جسده، وكذا المسلم فإنه ينسي ما بأخيه من العيوب بمجرد أن تزول عنه، وتبقى صورة أخيه خالية من العيوب في ذهنه، فضلاً عن أن يبث ما رأى من عيب.

стр. 2978

وبقدر ما تكون المرآة نقية يكون كشفها للعيوب أوضح وشفافيتها في ذلك أكثر، وكذا المسلم بقدر ما تكون نفسه أنقى وقلبه لله أتقي يكون شعوره بالعيب والخطاء أكثر. ولذا فإن على المسلم أن يصحب تقياً عارفاً يعرفه عيوب نفسه. وقد قال عمر ﵁: "رحم الله عبداً أهدى إلي عيوبي". (مقال في موقع أنا المسلم). فائدة: قال الغزالي: اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْرًا بَصَّرَهُ بِعُيُوبِ نَفْسِهِ، فَمَنْ كَانَتْ بَصِيرَتُهُ نَافِذَةً لَمْ تَخْفَ عَلَيْهِ عُيُوبُهُ، فَإِذَا عَرَفَ الْعُيُوبَ أَمْكَنَهُ الْعِلَاجُ. وَلَكِنَّ أَكْثَرَ الْخَلْقِ جَاهِلُونَ بِعُيُوبِ أَنْفُسِهِمْ، يَرَى أَحَدُهُمُ الْقَذَى فِي عَيْنِ أَخِيهِ، وَلَا يَرَى الْجِذْعَ فِي عَيْنِ نَفْسِهِ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ عُيُوبَ نَفْسِهِ فَلَهُ أَرْبَعَةُ طُرُقٍ: [الطَّرِيقُ] الْأَوَّلُ: أَنْ يَجْلِسَ بَيْنَ يَدَيْ شَيْخٍ بَصِيرٍ بِعُيُوبِ النَّفْسِ، مُطَّلِعٍ عَلَى خَفَايَا الْآفَاتِ وَيَتْبَعُ إِشَارَتَهُ فِي مُجَاهَدَتِهِ، وَهَذَا شَأْنُ التِّلْمِيذِ مَعَ أُسْتَاذِهِ، فَيُعَرِّفُهُ أُسْتَاذُهُ عُيُوبَ نَفْسِهِ، وَيُعَرِّفُهُ طَرِيقَ عِلَاجِهِ. [الطَّرِيقُ] الثَّانِي: أَنْ يَطْلُبَ صَدِيقًا صَدُوقًا بَصِيرًا مُتَدَيِّنًا يُلَاحِظُ أَحْوَالَهُ وَأَفْعَالَهُ، فَمَا كَرِهَ مِنْ أَخْلَاقِهِ وَأَفْعَالِهِ وَعُيُوبِهِ يُنَبِّهُهُ عَلَيْهِ، فَهَكَذَا كَانَ يَفْعَلُ الْأَكَابِرُ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ. كَانَ عمر ﵁ يَقُولُ: رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً أَهْدَى إِلَيَّ عُيُوبي. وَكَانَ يَسْأَلُ حذيفة وَيَقُولُ لَهُ: أَنْتَ صَاحِبُ سِرِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمُنَافِقِينَ فَهَلْ تَرَى عَلَيَّ شَيْئًا مِنْ آثَارِ النِّفَاقِ؟ فَهُوَ عَلَى جَلَالَةِ قَدْرِهِ وَعُلُوِّ مَنْصِبِهِ هَكَذَا كَانَتْ تُهْمَتُهُ لِنَفْسِهِ ﵁. فَكُلُّ مَنْ كَانَ أَوْفَرَ عَقْلًا وَأَعْلَى مَنْصِبًا، كَانَ أَقَلَّ إِعْجَابًا وَأَعْظَمَ اتِّهَامًا لِنَفْسِهِ وَفَرَحًا بِتَنْبِيهِ غَيْرِهِ عَلَى عُيُوبِهِ، وَقَدْ آلَ الْأَمْرُ فِي أَمْثَالِنَا إِلَى أَنَّ أَبْغَضَ الْخَلْقِ إِلَيْنَا مَنْ يَنْصَحُنَا وَيُعَرِّفُنَا عُيُوبَنَا، وَيَكَادُ هَذَا أَنْ يَكُونَ الطَّرِيقُ الثَّالِثُ: أَنْ يَسْتَفِيدَ مَعْرِفَةَ عُيُوبِ نَفْسِهِ مِنْ أَلْسِنَةِ أَعْدَائِهِ، فَإِنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبْدِي الْمَسَاوِيَا. وَلَعَلَّ انْتِفَاعَ الْإِنْسَانِ بِعَدُوٍّ مُشَاحِنٍ يَذْكُرُ عُيُوبَهُ أَكْثَرُ مِنِ انْتِفَاعِهِ بِصَدِيقٍ مُدَاهِنٍ يُثْنِي عَلَيْهِ وَيَمْدَحُهُ، وَيُخْفِي عَنْهُ عُيُوبَهُ، إِلَّا أَنَّ الطَّبْعَ مَجْبُولٌ عَلَى تَكْذِيبِ الْعَدُوِّ وَحَمْلِ مَا يَقُولُهُ عَلَى الْحَسَدِ، وَلَكِنَّ الْبَصِيرَ لَا يَخْلُو عَنِ الِانْتِفَاعِ بِقَوْلِ أَعْدَائِهِ، فَإِنَّ مَسَاوِيَهُ لَا بُدَّ وَأَنْ تَنْتَشِرَ عَلَى أَلْسِنَتِه. الطَّرِيقُ الرَّابِعُ: أَنْ يُخَالِطَ النَّاسَ، فَكُلُّ مَا رَآهُ مَذْمُومًا فِيمَا بَيْنَ الْخَلْقِ فَلْيُطَالِبْ نَفْسَهُ بِهِ وَيَنْسُبْهَا إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ، فَيَرَى مِنْ عُيُوبِ غَيْرِهِ عُيُوبَ نَفْسِهِ، وَيَعْلَمُ أَنَّ الطِّبَاعَ مُتَقَارِبَةٌ فِي اتِّبَاعِ الْهَوَى، فَمَا يَتَّصِفُ بِهِ غَيْرُهُ فَلَا يَنْفَكُّ هُوَ عَنْ أَصْلِهِ أَوْ عَنْ أَعْظَمَ مِنْهُ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، فَلْيَتَفَقَّدْ نَفْسَهُ وَيُطَهِّرْهَا عَنْ كُلِّ مَا يَذُمُّهُ مَنْ غَيْرِهِ، وَنَاهِيكَ بِهَذَا تَأْدِيبًا، فَلَوْ تَرَكَ النَّاسُ كُلُّهُمْ مَا يَكْرَهُونَهُ مِنْ غَيْرِهِمْ، لَاسْتَغْنَوْا عَنِ الْمُؤَدِّب.

стр. 2979

١٥٣٦ - وَعَنِ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اَلْمُؤْمِنُ اَلَّذِي يُخَالِطُ اَلنَّاسَ، وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنْ اَلَّذِي لَا يُخَالِطُ اَلنَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ) أَخْرَجَهُ اِبْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَهُوَ عِنْدَ اَلتِّرْمِذِيِّ: إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ اَلصِّحَابِيَّ. === ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد أن المؤمن الذي يخالط الناس ويجتمع بهم ويصبر على ما يصيبه منهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس، بل ينفرد عن مخالطتهم. وقد اختلف العلماء هل الأفضل الاختلاط أم العزلة على قولين: القول الأول: العزلة أفضل. أ- لحديث أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ) رواه البخاري. ب- ولحديث أبي سعيد قال (قيل: يا رسول الله! أي الناس أفضل؟ فقال: مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله، قالوا: ثم من؟ قال: مؤمن في شعبٍ من الشعاب يتقي الله ويدعُ الناس من شره) متفق عليه. القول الثاني: الخلطة أفضل إذا أمن على دينه. ونسبه الحافظ ابن حجر للجمهور. أ- لحديث الباب (المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المسلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم). ب- ولأن ذلك هو فعل الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ ومن بعدهم من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من علماء المسلمين وأخيارهم. قال الحافظ ابن حجر: قال الجمهور الاختلاط أولى لما فيه من اكتساب الفوائد الدينية للقيام بشعائر الإسلام وتكثير سواد المسلمين وإيصال أنواع الخير إليهم من إعانة وإغاثة وعيادة وغير ذلك.

стр. 2980

وقال النووي: مذهب الشافعي وأكثر العلماء أن الاختلاط أفضل بشرط رجاء السلامة من الفتن، وأجابوا عن هذا الحديث [مؤمن في شعبٍ من الشعاب يتقي الله ويدعُ الناس من شره] بأنه محمول على الاعتزال في زمن الفتن والحروب، أو هو فيمن لا يسلم الناس منه، وهذا هو الراجح. وفي هذا الزمن كثرت الفتن وتنوعت وقل الحياء وكثرت المجالس التي يجتمع فيها الناس على الملاهي والأغاني والمجون وغيرها، فالأولى للمسلم أن يعتزلها حتى لا يفتن بها، كما فتن الكثير، وأيضاً يسلم من الغيبة والنميمة وغيرها من الكلام الذي لا فائدة منه. والله المستعان. كان داود الطائي من كبار أئمة الفقه والرأي، برع في العلم ثم أقبل على شأنه ولزم الصمت وآثر الخمول وفر بدينه. كان الثوري يعظمه ويقول: أبصر داود أمره. قال عبد الله بن داود: من أمكن الناس من كل ما يريدون أضروا بدينه ودنياه. وقال أحمد بن حنبل: أشتهي ما لا يكون، أشتهي مكاناً لا يكون فيه أحد من الناس. وقال سعيد بن الحداد: لا تعدلن بالوحدة شيئاً، فقد صار الناس ذئاباً. وقال سفيان الثوري: كان طاووس يجلس في بيته، فقيل له في ذلك، فقال: حيف الأئمة، وفساد الناس. وعن عبد الله - بن أحمد بن حنبل - قال: كان أبي أصبر الناس على الوحدة، لم يره أحد إلا في مسجد أو حضور جنازة، أو عيادة مريض، وكان يكره المشي في الأسواق. فائدة: فوائد من حديث أبي سعيد السابق (يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ) رواه البخاري. أ- أن فرار الإنسان بدينه من الفتن من الإيمان. وقد مدح الله من فر بدينه: قال تعالى (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ).
следующие страницы →