Полный текст (3 038 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
أدلة القول الأول:
أ-لعموم الحديث السابق (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها).
وجه الدلالة: أنَّ قوله ﷺ (صلاة) نكرة فهي تقيد العموم، فيشمل هذا اللفظ السنَن الرَّواتب فهي داخلة في عموم هذا الحديث الآمِر بالقضاء، فإنَّ السنَن الرَّواتب لها وقت محدَّد، فلا تسقُط بفوات هذا الوقت إلى غير بدَل كالفرائض.
ب-ولأن النبي ﷺ صلى الراتبة ثم صلى الفريضة، ففي حديث أبي هريرة ( … قال ففعلنا ثم دعا بالماء فتوضأ ثم سجد سجدتين. ثم أقيمت الصلاة فصلى الغداة).
وهذا القول هو الراجح، لكن يشترط أن تكون النافلة فاتت لعذر.
قال الشيخ ابن عثيمين: مَنْ فاته شيء من هذه الرواتب، فإنه يُسنُّ له قضاؤه، بشرط: أن يكون الفوات لعذر.
- هل يستحب التحول من المكان الذي فاتتهم فيه الصلاة.
نعم يستحب.
لحديث أبي هريرة الطويل وفيه ( … فقال النبي ﷺ : ليأخذ كل رجل برأس راحلته فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان، قال ففعلنا ثم دعا بالماء فتوضأ ثم سجد سجدتين. ثم أقيمت الصلاة فصلى الغداة).
• لماذا أمر النبي ﷺ بالارتحال من المكان؟
قيل: لأنه وقت كراهة، وهذا ضعيف.
والصحيح أن السبب ما بينته الروايات الأخرى: ففي حديث أبي هريرة ﵁ (أمر بالارتحال وقال: فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان).
ولأبي داود من حديث ابن مسعود (تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة).
وأيضاً في الحديث أنهم لم يستيقظوا حتى وجدوا حر الشمس:
ففي حديث أبي هريرة ﵁: (حتى ضربتهم الشمس) وذلك لا يكون إلا بعد أن يذهب وقت الكراهة.
قال بعض العلماء: يؤخذ منه أن من حصلت له غفلة في مكان استحب له التحول عنه، ومنه أمر الناعس في سماع الخطبة يوم الجمعة بالتحول من مكانه إلى مكان آخر.
• هل القضاء يحكي الأداء؟
نعم، القضاء يحكي الأداء. (فالفائتة تقضى على صفتها).
ففي حديث الباب قال (فصلى الغداة فصنع كما يصنع كل يوم). رواه مسلم.
ولقوله ﷺ (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) فقوله (فليصلها) يشمل فعل الصلاة وكيفيتها.
فإذا قضى صلاة الليل في النهار جهر بها بالقراءة، وإذا قضى صلاة نهار في ليل أسر فيها بالقراءة.
قال النووي: قَوْله: (كَمَا كَانَ يَصْنَع كُلّ يَوْم) فِيهِ: إِشَارَة إِلَى أَنَّ صِفَة قَضَاء الْفَائِتَة كَصِفَةِ أَدَائِهَا.
стр. 387
• ما الجمع بين حديث (تنام عيناي ولا ينام قلبي) ونومه ﷺ عن صلاة الصبح؟
قيل: أن ما حصل في حديث الباب، إنما هو بأمر الله ليشرع لأمته.
وهذا اختيار ابن عبد البر.
قال ﵀: … وإنما هو من باب قوله ﷺ (إني أنسى كما تنسون) وفي حديث آخر (إني لأنسى لأُسن" -شك المحدث- وكان نومه في سفره ذلك ليقع بيانه في أن الناسي لا يسقط عنه من الصلاة ما فرض عليه، وإن النائم وإن كان القلم عنه مرفوعاً، فإن فرض الصلاة غير ساقطة عنه، وليس منه ذلك عملاً وقولا، كما سكت عن السائل عن وقت الصلاة فأراه العمل أول وقتها وآخره كما قال (صلوا كما رأيتموني أصلي) وقال في حجته (خذوا عني مناسككم) ليقع البيان منه عملاً كما يقع منه قولاً، قال الله مخاطبا له صلوات الله وسلامه عليه (وأنزلنا إليك الذكر لتبين ما نزل إليهم).
وقال النووي: فان قيل كيف نام النبي ﷺ عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس، مع قوله ﷺ : إن عيني تنامان ولا ينام قلبي، فجوابه من وجهين:
أصحهما وأشهرهما: أنه لا منافاة بينهما؛ لأن القلب إنما يدرك الحسيات المتعلقة به كالحدث والألم ونحوهما، ولا يدرك طلوع الفجر وغيره مما يتعلق بالعين وإنما يدرك ذلك بالعين، والعين نائمة وإن كان القلب يقظان
والثاني: أنه كان له حالان، أحدهما ينام فيه القلب وصادف هذا الموضع، والثاني لا ينام وهذا هو الغالب من أحواله وهذا التأويل ضعيف والصحيح المعتمد هو الأول. (شرح مسلم).
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- مشروعية الجماعة في الصلاة في الفائتة.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: ويُستفاد من حديث أبي قتادة أيضاً: أنه تُشرع فيها - أي: في المقضيَّة - الجماعةُ إذا كانوا جَمْعاً، لأن القضاء يحكي الأداء، فكما أنهم لو صلَّوها في الوقت صلَّوها جماعة، فإذا قَضَوها فإنهم يصلُّونها جماعة، وهذا أيضاً جاءت به السُّنَّة في حديث أبي هريرة، فإن الرسول ﷺ أمر بلالاً فأذَّن ثم صلَّى ركعتي الفجر، ثم صَلَّى بهم الفجرَ جماعة.
- تسمية صلاة الصبح بالغداة.
стр. 388
١٨٥ - وَلَهُ عَنْ جَابِرٍ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ أَتَى اَلْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا اَلْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ).
١٨٦ - وَلَهُ عَنْ اِبْنِ عُمَرَ: (جَمَعَ بَيْنَ اَلْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ).
زَادَ أَبُو دَاوُدَ: (لِكُلِّ صَلَاةٍ).
وَفِي رِوَايَةِ لَهُ: (وَلَمْ يُنَادِ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا).
===
• اذكر الخلاف في الأذان والإقامة للصلاة المجموعة؟
اختلف العلماء في مسألة الإقامة والأذان للصلاة المجموعة: على أقوال:
القول الأول: أنه يؤذن أذان واحد ويقيم إقامتين.
وهذا مذهب الشافعي في القديم، وهو مذهب ابن حزم، واختاره ابن الماجشون من فقهاء المالكية، واختاره الطحاوي الحنفي، وهو مذهب أبي ثور.
أ-لحديث الباب - حديث جابر - قال (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ أَتَى اَلْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا اَلْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ). رواه مسلم
ب-فعل النبي ﷺ بعرفة، فإن الرواية لم تختلف أن النبي ﷺ بعرفة أذّن أذان واحد للظهر والعصر، وأقام لكل صلاة منهما إقامة.
قال ابن القيم: والصحيح أنه صلاهما بأذان واحد وإقامتين كما فعل بعرفة.
القول الثاني: أنه يؤذن مرة واحدة ويقيم مرة واحدة.
وهذا مذهب أبي حنيفة.
لحديث الباب - حديث ابن عمر - قال (جَمَعَ بَيْنَ اَلْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ) رواه مسلم.
فحديث ابن عمر لم يذكر إلا إقامة واحدة، وأما الأذان فيفهم من نصوص أخرى كحديث جابر وغيره.
القول الثالث: أنه يؤذن أذانين ويقيم إقامتين.
وهذا قول الإمام مالك، وهو اختيار الإمام البخاري.
عن ابن مسعود (أنه لما أتى مزدلفة أمر فأذن وأقام فصلى المغرب، ثم صلى بعدها ركعتين ثم دعا بعشائه فتعشى، ثم أمر فأذن وأقام وصلى العشاء ركعتين، ثم صلى الفجر … ثم قال آخر الحديث: أن النبي ﷺ كان يفعله) رواه البخاري.
والراجح من هذه الأقوال القول الأول، أنه يؤذن أذان واحد وإقامتين.
стр. 389
• ما الجواب عن دليل أصحاب القول الثاني (جَمَعَ بَيْنَ اَلْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ)؟
يجاب عنه:
أولاً: أن قوله (بإقامة واحدة) فيه اختصار من بعض الرواة ترتب عليه تغيير المعنى، ولذلك جاء في رواية أبي داود بعد قوله بإقامة واحدة قال: (لكل صلاة)، وهذه الزيادة (لكل صلاة) تقلب المعنى قلباً تاماً، بدلاً من أن تكون الإقامة واحدة للصلاتين أصبحت إقامة لكل صلاة، فيكون حديث ابن عمر هذا موافق لحديثه الذي في البخاري، وموافق لحديث أسامة، وحديث جابر.
ثانياً: أن يقال بالترجيح، فنرجح رواية ابن عمر الأخرى، وهي قوله (جمع النبي ﷺ بين المغرب والعشاء بجمْع لكل واحدة منهما إقامة).
• ما الجواب عن دليل أصحاب القول الثالث (وهو فعل ابن مسعود)؟
يجاب عنه:
أولاً: أن هذا موقوف عليه، وهذا هو الصحيح أنه من فعل ابن مسعود واجتهاده، وليس مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، وأما قوله في آخر الحديث (أن النبي ﷺ كان يفعله) فليس مقصوده خصوص فعل الأذانين وإنما مقصوده جمع الصلاتين المغرب والعشاء.
ثانياً: أن يقال أن ابن مسعود إنما أذن لأنه تعشى بين المغرب والعشاء حيث تنفل، ثم دعا بالعشاء، ثم أمر رجلاً فأذن لأن الناس تفرقوا إلى منازلهم ليتعشوا أيضاً، فيقال حينئذٍ: إن ابن مسعود لم يجمع بين الصلاتين بالصورة المعروفة من تعاقبها، بل فصل بينهما بفاصل، فيكون أذن من أجل الناس تفرقوا، وليس لأن هذا الأمر سنة في خصوصه.
стр. 390
١٨٧ - ١٨٨ - وَعَنْ اِبْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِنَّ بِلَالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ اِبْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَكَانَ رَجُلاً أَعْمَى لَا يُنَادِي، حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ، أَصْبَحْتَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي آخِرِهِ إِدْرَاجٌ.
١٨٩ - وَعَنْ اِبْنِ عُمَرَ (إِنَّ بِلَالاً أَذَّنَ قَبْلَ اَلْفَجْرِ، فَأَمَرَهُ اَلنَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْجِعَ، فَيُنَادِيَ: "أَلَا إِنَّ اَلْعَبْدَ نَامَ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَضَعَّفَهُ.
===
(إِنَّ بِلَالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْل) أي: قبل طلوع الفجر قريباً من طلوعه كما جاء في رواية عند البخاري (لم يكن بينهما إلا أن يرقى هذا وينزل هذا).
(فَكُلُوا وَاشْرَبُوا) الأمر للإباحة والخطاب للصائمين.
(اِبْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) هو عمرو بن قيس القرشي العامري، منسوب إلى أمه، كان النبي ﷺ يكرمه ويستخلفه على المدينة في عامة غزواته يصلي بالناس، شهد القادسية في خلافة عمر فاستشهد فيها سنة ١٤ هـ.
• ما صحة حديث ابن عمر (إِنَّ بِلَالاً أَذَّنَ قَبْلَ اَلْفَجْرِ، فَأَمَرَهُ اَلنَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْجِعَ، فَيُنَادِيَ: أَلَا إِنَّ اَلْعَبْدَ نَامَ)؟
حديث ضعيف لا يصح، وقد اتفق على هذا أئمة الحديث: علي بن المديني، وأحمد بن حنبل، والبخاري، والذهبي، وأبو حاتم، وأبو داود، والترمذي، والأثرم، والدار قطني، واتفقوا على أن حماداً بن سلمة قد انفرد برفعه وقد أخطأ.
• ما حكم اتخاذا مؤذنيْن للمسجد الواحد؟
جائز.
• ما حكم الأذان الأول للفجر (الذي يكون قبل الوقت)؟
مشروع، وهذا مذهب جماهير العلماء. [فتح الباري].
لحديث الباب - عَنْ اِبْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ - (إِنَّ بِلَالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ اِبْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ … ). فقوله (إِنَّ بِلَالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ … ) أي: قبل طلوع الفجر.
وقال بعض العلماء: إنه لا يشرع.
وهذا مذهب الحنفية.
أ-لحديث الباب - ابن عمر - (إِنَّ بِلَالاً أَذَّنَ قَبْلَ اَلْفَجْرِ، فَأَمَرَهُ اَلنَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْجِعَ، فَيُنَادِيَ: أَلَا إِنَّ اَلْعَبْدَ نَامَ).
قالوا: إن النبي ﷺ أنكر على بلال الأذان بالليل قبل الوقت وعاتبه على ذلك، ولو كان مشروعاً لما أنكر عليه ولا عاتبه، وفيه دلالة على أن عادتهم أنهم لا يعرفون أذاناً قبل الفجر.
ب- وقياساً على بقية الصلوات، فكما أن سائر الصلوات لا يحل الأذان لها قبل دخول الوقت، فكذلك الفجر.
стр. 391
وقال بعض العلماء: إنه مشروع في رمضان خاصة.
لحديث الباب - عَنْ اِبْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ - (إِنَّ بِلَالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ اِبْنُ أُمِّ مَكْتُوم).
قالوا: ظاهر الحديث يدل على أن الأذان للصبح قبل الوقت مشروع في رمضان فقط، لأنه ذكر الأكل والشرب والسحور، والأصل أنه في رمضان.
والراجح القول الأول.
• ما الجواب عن أدلة القول الثاني؟
يجاب: أولاً: حديث ابن عمر ( .... فَيُنَادِيَ: أَلَا إِنَّ اَلْعَبْدَ نَامَ) حديث ضعيف كما تقدم.
ثانياً: وأما قياسهم على بقية الصلوات، فهذا قياس فاسد الاعتبار، لأنه في مقابلة النص.
• ما الجواب عن دليل القول الثالث (في رمضان خاصة)؟
يجاب:
أولاً: ليس في الحديث تصريح بأن ذلك في رمضان دون غيره، فإن عدم منع الأكل والشرب والسحور واقع في جميع العام لمن أراد الصوم.
ثانياً: أن الحاجة داعية إلى مشروعية هذا الأذان قبل الفجر في رمضان وغيره، إذ أن الصبح تأتي غالباً عقب النوم، فناسب أن ينصب من يوقظ الناس قبل دخول الوقت ليتأهبوا للصلاة.
• ما الحكمة من الأذان الأول الذي قبل الفجر؟
الحكمة بينته الرواية الأخرى للحديث: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ - أَوْ قَالَ نِدَاءُ بِلَالٍ - مِنْ سَحُورِهِ فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ - أَوْ قَالَ يُنَادِى - بِلَيْلٍ لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ وَيُوقِظَ نَائِمَكُم) متفق عليه.
قوله (لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ، وَيُوقِظَ نَائِمَكُم) قال النووي: مَعْنَاهُ أَنَّهُ إِنَّمَا يُؤَذِّن بِلَيْلٍ لِيُعْلِمَكُمْ بِأَنَّ الْفَجْر لَيْسَ بِبَعِيدٍ، فَيَرُدّ الْقَائِم الْمُتَهَجِّد إِلَى رَاحَتْهُ لِيَنَامَ غَفْوَةً لِيُصْبِحَ نَشِيطًا، أَوْ يُوتِرَ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَوْتَرَ، أَوْ يَتَأَهَّب لِلصُّبْحِ إِنْ اِحْتَاجَ إِلَى طَهَارَةٍ أُخْرَى، أَوْ نَحْو ذَلِكَ مِنْ مَصَالِحه الْمُتَرَتِّبَة عَلَى عِلْمه بِقُرْبِ الصُّبْح، وَقَوْله ﷺ (وَيُوقِظ نَائِمَكُمْ) أَيْ لِيَتَأَهَّب لِلصُّبْحِ أَيْضًا بِفِعْلِ مَا أَرَادَ مِنْ تَهَجُّدٍ قَلِيلٍ، أَوْ إِيتَارٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَوْتَرَ، أَوْ سَحُور إِنْ أَرَادَ الصَّوْم، أَوْ اِغْتِسَال أَوْ وُضُوء أَوْ غَيْر ذَلِكَ مِمَّا يُحْتَاج إِلَيْهِ قَبْل الْفَجْر.
• هل يجزئ هذا الأذان (الذي قبل الفجر) عن الأذان عند طلوع الفجر؟
الصحيح من أقوال أهل العلم أنه لا يجزئ، وأنه يجب الأذان عند طلوع الفجر، وذلك لأمور:
стр. 392
أولاً: أن الأصل وجوب الأذان عند دخول الوقت، لقوله ﷺ (إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم) وهذا عام لا يستثنى منه شيء.
ثانياً: أن الأذان الأول ليس للصلاة، بل لحكمة أخرى جاء التصريح بها كما في الحديث السابق ( … ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم).
(يرجع قائمكم) القائم المتهجد، أي يرد المتهجد إلى راحته ليقوم إلى صلاة الصبح نشيطاً أو يتسحر إن كان له حاجة إلى الصيام، (يوقظ نائمكم) ليتأهب للصلاة بالغسل والوضوء.
وقال الشيخ ابن عثيمين: الأذان الذي يكون في آخر الليل ليس للفجر، ولكنه لإيقاظ النُّوَّمِ؛ من أجل أن يتأهَّبوا لصلاة الفجر، ويختموا صلاة الليل بالوتر، ولإرجاع القائمين الذين يريدون الصِّيام.
• هل يصح الأذان قبل الوقت؟
اتفق الفقهاء على أنه يشترط لصحة الأذان والإقامة دخول وقت الصلاة المفروضة، فلا يصح الأذان ولا الإقامة قبل دخول الوقت، كما اتفقوا على أنه إذا أذّن قبل وقت الصلاة أعاد الأذان بعد دخول الوقت.
أ-لحديث مالك بن الحويرث. أن النبي ﷺ قال ( … فإذا حضرت الصلاة، فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم).
فعلق النبي ﷺ الأمر بالأذان على حضور الصلاة، وحضورها يكون بدخول وقتها.
ب-ولحديث الباب - حديث ابن عمر - (إِنَّ بِلَالاً أَذَّنَ قَبْلَ اَلْفَجْرِ، فَأَمَرَهُ اَلنَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْجِعَ، فَيُنَادِيَ: أَلَا إِنَّ اَلْعَبْدَ نَامَ) وهو ضعيف كما تقدم.
ج-ولأن الأذان شرع للإعلام بوقت الصلاة، فلا يشرع قبل الوقت، لئلا يذهب مقصوده.
стр. 393
١٩٠ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا سَمِعْتُمْ اَلنِّدَاءَ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ اَلْمُؤَذِّنُ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
١٩١ - وَلِلْبُخَارِيِّ: عَنْ مُعَاوِيَةَ.
١٩٢ - وَلِمُسْلِمٍ: عَنْ عُمَرَ فِي فَضْلِ اَلْقَوْلِ كَمَا يَقُولُ اَلْمُؤَذِّنُ كَلِمَةً كَلِمَةً، سِوَى اَلْحَيْعَلَتَيْنِ، فَيَقُولُ: (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاَللَّهِ).
===
(إِذَا سَمِعْتُمْ اَلنِّدَاءَ) أي: صوت المؤذن بالأذان.
(مِثْلَ مَا يَقُولُ اَلْمُؤَذِّنُ) أي: مثل كل جملة يقولها، والمراد: تلفظوا بمثل ما يتلفظ به المؤذن من أذكار الأذان.
(سِوَى اَلْحَيْعَلَتَيْنِ) مثنى حيعلة، أي: حي على الصلاة، حي على الفلاح.
(لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاَللَّهِ) الحول: الحركة، أي: لا حركة ولا استطاعة ولا قوة، أي: على طاعة الله إلا بالله.
• اذكر لفظ حديث معاوية الذي عند البخاري؟
عَنْ أَبِى أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِى سُفْيَانَ، وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ. قَالَ مُعَاوِيَةُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ. قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ وَأَنَا. فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ وَأَنَا. فَلَمَّا أَنْ قَضَى التَّأْذِينَ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى هَذَا الْمَجْلِسِ حِينَ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ يَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ مِنِّى مِنْ مَقَالَتِي) رواه البخاري.
• اذكر لفظ حديث عمر الذي عزاه المصنف ﵀ لمسلم؟
عن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ. فَقَالَ أَحَدُكُمْ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ. ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ. ثُمَّ قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ. قَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ. ثُمَّ قَالَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ. قَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ. ثُمَّ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ. قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ. ثُمَّ قَالَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. قَالَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. مِنْ قَلْبِه). رواه مسلم
• ما حكم إجابة المؤذن؟
اختلف العلماء في حكم إجابته على قولين:
القول الأول: أنه واجب.
وهذا مذهب الظاهرية.
أ-لحديث الباب ( .. فقولوا … ).
ب- ولحديث عبد الله بن عمرو. قال: قال ﷺ (إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَىَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَىَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْراً ثُمَّ سَلُوا لي الوسيلة … ) رواه مسلم.
فقوله ( … فقولوا … ) هذا أمر والأمر يقتضي الوجوب.
стр. 394
القول الثاني: أنه سنة غير واجب.
وهذا مذهب جمهور العلماء.
والصارف عن الوجوب:
أ- لحديث أنس قال: (كان رسول الله ﷺ إذا طلع الفجر يستمع الأذان، فإن سمع أذاناً أمسك وإلا أغار، فسمع رجلاً يقول: الله أكبر الله أكبر، فقال رسول الله ﷺ : على الفطرة، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ : خرجت من النار، فنظروا فإذا هو راعي معزى) رواه مسلم.
قالوا: إن ظاهر الحديث يدل على أن النبي ﷺ لم يتابع المؤذن.
ب-ولقوله ﷺ (إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم).
وجه الدلالة: أن المقام مقام تعليم، والحاجة تدعوا إلى بيان كل ما يحتاج إليه، وهؤلاء وفد قد لا يكون عندهم علم بما قاله النبي ﷺ في متابعة المؤذن، فلما ترك النبي ﷺ التنبيه على ذلك مع دعاء الحاجة إليه، دلَّ على أن الإجابة ليست واجبة. [الشرح الممتع]
وهذا القول هو الراجح.
• ماذا أجاب أصحاب القول الأول عن حديث صاحب المعزى؟
قالوا: يجاب عنه من وجهين:
الأول: ليس في الحديث أنه لم يقل مثل ما قال، فقد يكون قاله ولم ينقله الراوي اكتفاء بالعادة، ونقل القول الزائد.
الثاني: يحتمل أن يكون الأمر بالإجابة بعد هذه القضية، أو أن يكون قاله لكن بصوت منخفض لم يسمع.
• هل السامع يجيب المؤذن في كل جمل الأذان؟
ظاهر الحديث أن السامع يجيب المؤذن بمثل ما يقول في كل جمل الأذان، لقوله (مثل ما يقول المؤذن).
لكن ذهب جمهور العلماء إلى أن المجيب يقول كما يقول المؤذن إلا في الحيعلتين فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
لحديث عمر السابق ( … ثُمَّ قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ. قَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ. ثُمَّ قَالَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ. قَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّه … ).
وهذا الحديث صريح في القول مثل ما يقول المؤذن إلى آخر الأذان، إلا عند الحيعلة فلا يقولها، وإنما يحوقل.
ولأن المعنى مناسب لإجابة الحيعلة بالحوقلة، فإن السامع يجيب المؤذن بمثل ما يقول من ألفاظ الذكر والثناء على الله، وأما في النداء إلى حضور الصلاة بـ (حي على الصلاة حي على الفلاح) فهذا دعاء ونداء، فالمناسب أن يظهر العبد أنه عاجز عن حضور الجماعة والقيام بها إلا إذا قوّاه الله تعالى وأعانه، فهو يقول: أنا أجيب هذا النداء وأحضر الجماعة ولكن بحول الله وقوته وإعانته وتوفيقه.
стр. 395
• ما الحكمة من إبدال الحيعلة بـ (لا حول ولا قوة إلا بالله)؟
لأن (حي على الصلاة) نداء ودعاء من المؤذن للناس، يعني: هلموا وتعالوا، فناسب أن يقول المستمع: لا حول ولا قوة إلا بالله، يستعين بالله تعالى على إجابة هذا الدعاء.
• هل يدخل في الحديث (فقولوا مثل ما يقول … ) من كان في ذكر أو دعاء أو طواف؟
نعم، فمن كان في ذكر أو دعاء أو طواف فإنه يجيب المؤذن.
لأن إجابة المؤذن عبادة مؤقتة يفوت وقتها، بخلاف القراءة والذكر والدعاء، فإن وقتها لا يفوت.
• هل المصلي إذا سمع المؤذن يجيبه أم لا؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه لا يجيبه سواء كانت الصلاة فرضاً أم نفلاً.
وهذا قول جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.
لحديث ابن مسعود. أن رسول الله ﷺ قال (إن في الصلاة شغلاً) متفق عليه.
القول الثاني: أنه يجيبه إن كان في نافلة، ولا يجيبه إن كان في فرض.
وهو قول المالكية. قالوا:
أ-قالوا: إن النافلة الأمر فيها أخف من الفريضة
ب-ولأن النافلة يجوز فيها ما لا يجوز في الفريضة، كالصلاة على الراحلة إلى غير القبلة ونحوه.
القول الثالث: أنه يجيبه في الفرض والنفل.
وهو رأي لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
لحديث الباب (فقولوا مثل ما يقول) فالحديث عام، فيُجاب المؤذن في جميع الحالات من غير فرق بين المصلي وغيره.
والراجح القول الأول وأن المصلي لا يجيب المؤذن.
• هل المؤذن يجيب نفسه أم لا؟
قولان للعلماء أصحهما أنه لا يجيب نفسه.
أ-لقوله ﷺ (إذا سمعتم النداء … ) فإنه يدل بظاهره على التفريق بين المؤذن والسامع، فلا يدخل المؤذن في ذلك.
ب-ولأن المؤذن أتى بألفاظ الأذان، فلا معنى لكونه يجيب نفسه، ورجحه ابن رجب.
стр. 396
• ماذا نستفيد من قوله ﷺ (إذا سمعتم المؤذن … )؟
نستفيد أن متابعة المؤذن مشروطة بسماع الأذان، فمن شاهد المؤذن ولم يسمعه فإنه لا يقول شيئاً، ومن سمعه ولم يره - كما في هذا الزمان - فإنه يتابعه لقوله (إذا سمعتم) فعلق الأمر بالسماع.
قال النووي: مَنْ رأى المؤذن، وعلِم أنه يؤذن، ولم يسمعه، لبُعد، أو صمم: الظاهر أنه لا تُشرع له المتابعة؛ لأن المتابعة معلقة بالسماع، والحديث مصرح باشتراطه، وقياساً على تشميت العاطس، فإنه لا يشرع لمن يسمع تحميده. (المجموع)
• هل يجيب المقيم؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يستحب لسامع الإقامة أن يقول مثل ما يقول المؤذن إلا في الحيعلة.
وهذا مذهب كثير من الفقهاء من الحنابلة والشافعية، وقال به من المعاصرين علماء اللجنة الدائمة والشيخ ابن باز والشيخ الألباني.
جاء في "الموسوعة الفقهية" (١٨/ ٢٥٠): وكذلك بالنّسبة للمقيم فقد صرّح الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة أن يستحبّ أن يقول في الإقامة: مثل ما يقول في الأذان" انتهى.
قال الشيرازي الشافعي ﵀: ويستحب لمن سمع الإقامة أن يقول مثل ما يقول" انتهى.
وشرحه النووي ﵀ بقوله: واتفق أصحابنا علي استحباب متابعته في الإقامة كما قال المصنف، إلا الوجه الشاذ الذي قدمناه عن " البسيط. (المجموع).
وقال ابن قدامة: ويستحب أن يقول في الإقامة مثل ما يقول.
وقال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: السنَّة أن المستمع للإقامة يقول كما يقول المقيم؛ لأنها أذان ثان، فتجاب كما يجاب الأذان.
أ-لأنه نداء، وقد سماه النبي ﷺ أذاناً في قوله (بين كل أذانين صلاة) فسماها أذاناً.
ب- ولحديث أبي أمامة (أن بلالاً أخذ في الإقامة، فلما أن قال: قد قامت الصلاة، قال النبي ﷺ : أقامها الله وأدامها، وقال في سائر الإقامة كنحو حديث عمر في الأذان) رواه أبو داود وهو حديث ضعيف لا يصح.
القول الثاني: أنه لا يستحب لسامع الإقامة أن يقول مثل ما يقول.
وهو ظاهر مذهب المالكية، وهو اختيار الشيخ ابن عثيمين.
أ-لأنه لا يوجد دليل صحيح يدل على ذلك، والاستحباب حكم شرعي يحتاج إلى دليل.
ب- وأما قول النبي ﷺ (بين كل أذانين صلاة) فسمى الإقامة أذاناً، فهذا من باب التغليب، ورجحه الشيخ محمد بن إبراهيم، وهذا هو الصحيح.
وقد سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ عن المتابعة في الإقامة.
فأجاب: المتابعة في الإقامة فيها حديث أخرجه أبو داود، لكنه ضعيف لا تقوم به الحجة، والراجح: أنه لا يُتابع.
стр. 397
• متى تكون متابعة المؤذن؟
تكون متابعته في كل كلمة عقب فراغ المؤذن منها، ولا يقارنه، ولا يؤخر عن فراغه من الكلمة
أ-لقوله (إذا سمعتم المؤذن فقولوا … ) والفاء تقتضي التعقيب.
ب-ولحديث عمر السابق (إذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ. فَقَالَ أَحَدُكُمْ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ. ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ … ).
فدل هذا الحديث على أنه يستحب أن يقول السامع كل كلمة بعد فراغ المؤذن منها، ولا ينتظر فراغه من كل الأذان.
• ما الحكم إذا سمع الأذان في منتصفه؟
قيل: يستحب له أن يجيبه في جميع الأذان - ما سمع منه وما لم يسمعه -.
وقيل: يستحب له أن يجيبه فيما سمع فقط.
لقوله (إذا سمعتم … ).
ولأن ما فات قد مضى محله.
والراجح الأول.
• هل يجيب من يسمع الأذان في المذياع أو التلفاز؟
الأذان لا يخلو من حالين:
الحال الأولى: أن يكون على الهواء أي أن الأذان كان لوقت الصلاة من المؤذن، فهذا يجاب لعموم أمر النبي ﷺ (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن)، إلا أن الفقهاء ﵏ قالوا: إذا كان قد أدى الصلاة التي يؤذن لها فلا يجيب.
الحال الثانية: إذا كان الأذان مسجلاً، وليس أذاناً على الوقت، فإنه لا يجيبه؛ لأن هذا ليس أذاناً حقيقياً، أي أن الرجل لم يرفعه حين أمر برفعه، وإنما هو شيء مسموع لأذان سابق، وإن كان لنا تحفظ على كلمة: يرفع الأذان، ولذا نرى أن يقال أذن فلان، لا رفعَ الأذان. (فتاوى ابن عثيمين).
• ماذا يقول المستمع إذا قال المؤذن في صلاة الفجر (الصلاة خير من النوم)؟
ظاهر الحديث (فقولوا مثل ما يقول .. ) أنه يجيبه بمثل ما يقول، فيقول المجيب (الصلاة خير من النوم).
فلم يرد في السنة استثناء من هذا العموم إلا في الحيعلتين.
وأما ما ذكره بعض علماء الحنابلة والشافعية وغيرهم من أنه يقول (صدقت وبررت) فليس عليه دليل، ولا يصح.
стр. 398
• ما الحكم إذا دخلت المسجد والمؤذن يؤذن فهل الأولى أن أصلي تحية المسجد أو أتابع المؤذن؟
هذا فيه تفصيل، إذا دخلت والمؤذن يؤذن لصلاة الجمعة، الأذان الذي بين يدي الخطيب، فهاهنا نقول: بادر بتحية المسجد، ولا تنتظر انتهاء المؤذن؛ لأن تفرغك لسماع الخطبة أولى من متابعتك للمؤذن؛ حيث إن استماع الخطبة واجب، وإجابة المؤذن غير واجبة.
وأما إذا كان الأذان لغير ذلك (يعني: لغير صلاة الجمعة) فالأفضل أن تبقى قائماً حتى تجيب المؤذن، وتدعو بالدعاء المعروف بعد الأذان: " اللهم صل على محمد، اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، إنك لا تخلف الميعاد "، ثم بعد ذلك تأتي بتحية المسجد. (فتاوى ابن عثيمين).
• ما الحكم إذا كان الإنسان يقرأ القرآن وسمع المؤذن يؤذن؟
إذا كان الإنسان يقرأ القرآن، فأذن المؤذن، فالأفضل في حقه أن يترك القراءة، ويشتغل بمتابعة المؤذن؛
أ-وذلك امتثالاً لعموم قوله ﵊: (إِذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ).
ب- ولأن الأذان يفوت وقته.
قال الإمام النووي ﵀: ولو سمع المؤذن قطع القراءة وأجابه بمتابعته في ألفاظ الأذان والإقامة ثم يعود إلى قراءته وهذا متفق عليه عند أصحابنا. (التبيان).
سئل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: إذا أذن المؤذن والإنسان يقرأ القرآن، فهل الأفضل له أن يرجع معه فيقول مثل ما يقول، أم إن اشتغاله بالقرآن يعتبر أفضل باعتبار تقديم الفاضل على المفضول؟
فأجاب: " السنة إذا كان يقرأ وسمع الأذان: أن يجيب المؤذن؛ امتثالاً لقول النبي ﷺ (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي … ) ولأن إجابة المؤذن سنة تفوت إذا استمر في القراءة، والقراءة لا تفوت، وقتها واسع، وفق الله الجميع. (مجموع فتاوى ابن باز).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: قد يعرض للمفضول ما يجعله أفضل من الفاضل، مثاله: قراءة القرآن من أفضل الذكر، والقرآن أفضل الذكر، فلو كان رجل يقرأ وسمع المؤذن يؤذن، فهل الأفضل أن يستمر في قراءته أو أن يجيب المؤذن؟ هنا نقول: إن الأفضل أن يجيب المؤذن، وإن كان القرآن أفضل من الذكر، لكن الذكر في مكانه أفضل من قراءة القرآن؛ لأن قراءة القرآن غير مقيدة بوقت متى شئت فاقرأ، لكن إجابة المؤذن مربوطة بسماع المؤذن. (لقاء الباب المفتوح).
• هل يكفي تشغيل الأذان عبر المسجل في مكبر الصوت عند دخول الوقت؟
الأذان الذي يذاع من المسجل: لا يكفي عن الأذان الشرعي المشروع للإعلام بدخول الوقت؛ لأنه ليس أذاناً حقيقيّاً، وإنما هو صوت مخزون، والأذان عبادة لا بد فيها من عمل ونية؛ لقول النبي ﷺ (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى).
وعليه: فلا بد من الأذان عند دخول الوقت في المكان الذي يصلى فيه، وإذا احتيج إلى مكبر الصوت لأجل إبلاغ الناس للحضور للصلاة: فحسن.
(فتاوى اللجنة).
стр. 399
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: نقل الأذان بواسطة التسجيل: لا يجزئ عن الأذان الشرعي؛ وذلك لأن الأذان الشرعي ذِكر وثناء على الله، ولا بد فيه من عمل، والتسجيل ليس بعمل؛ فإنك إذا سمعت المسجل لا يعني ذلك أن المسجل يعمل عبادة يتقرب بها إلى الله، وإنما هو سماع صوت شخص، ربما يكون قد مات أيضاً، فلا يجزئ عن الأذان الشرعي، فلا بد من أذان شرعي يقوم به المكلف يكبر الله، ويشهد له بالوحدانية، ولنبيه بالرسالة، ويدعو إلى الصلاة، وإلى الفلاح، لا بد من هذا، وإذا قلنا إن ما سجل ليس بأذان مشروع: فإنه لا تشرع إجابته، أي: لا يشرع للإنسان أن يتابعه، لقول النبي ﷺ (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن) ونحن في الحقيقة لم نسمع المؤذن، وإنما سمعنا صوتاً مسجَّلاً سابقاً.
وأما قول السائل: ما الفرق بين ما نقل على الهواء وما نقل بواسطة التسجيل: فالفرق ظاهر؛ لأن ما نقل على الهواء: فهو صوت المؤذن الذي يؤذن الأذان الشرعي، فهذا يجاب، ويتابع، ويدعو بعد المتابعة بما وردت به السنَّة، وأما الأذان المسجل: فليس أذاناً في الواقع، كما أشرنا إليه. (فتاوى نور على الدرب).
• هل تعاد الإقامة إذا أقام المؤذن وحصل عذر وتأخر الإمام لفترة؟
السنة: أن يحرم الإمام بالصلاة بعد فراغ المؤذن ولا يتأخر عن ذلك إلا بمقدار ما يأمر الناس بتسوية الصفوف ويتأكد من ذلك.
فإن أقام المؤذن الصلاة ثم حصل عذر أدى إلى تأخير دخول الإمام في الصلاة فلا حرج في ذلك، ولا يحتاج إلى إعادة إقامة الصلاة.
وقد دل على ذلك حديثان:
الحديث الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: (أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، فَسَوَّى النَّاسُ صُفُوفَهُمْ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَقَدَّمَ وَهُوَ جُنُبٌ، ثُمَّ قَالَ: عَلَى مَكَانِكُمْ، فَرَجَعَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً فَصَلَّى بِهِمْ) رواه البخاري.
زاد الدار قطني في سننه من وجه آخر عن أبي هريرة ﵁ فقال (إني كنت جنباً فنسيت أن أغتسل).
قال الحافظ ابن حجر: في الحديث جواز الفصل بين الإقامة والصلاة؛ لأن قوله (فصلى) ظاهر في أن الإقامة لم تُعد … (الفتح) وقال بدر الدين العيني: فإن قلت: هل اقتصر على الإقامة الأولى أو أنشأ إقامة ثانية؟ قلت: لم يصح فيه نقل، ولو فعله لنقل. (عمدة القاري).
وقال ﵀ أيضاً: ويستفاد من الحديث: أن الإمام إذا أقام الصلاة، ثم ظهر أنه محدث ومضى ليزيل حدثه، أي حدث كان، وأتى لا يحتاج إلى تجديد إقامة ثانية؛ لأن ظاهر الحديث لم يدل على هذا.
стр. 400
الحديث الثاني: عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: (أُقِيمَتْ صَلَاةُ الْعِشَاءِ فَقَالَ رَجُلٌ: لِي حَاجَةٌ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ يُنَاجِيهِ، حَتَّى نَامَ الْقَوْمُ أَوْ بَعْضُ الْقَوْمِ، ثُمَّ صَلَّوْا) متفق عليه.
قال الشيخ ابن عثيمين: في هذا الحديث: دليل على جواز مناجاة الإمام بعد الإقامة، وأن طول المناجاة أيضاً لا يضر، وأنه لا تشترط المولاة بين الإقامة والصلاة، لأن الصحابة ﵃ ناموا، ثم قام فصلى، فدل ذلك على أن طول الفصل بين الإقامة والصلاة لا بأس به، لكن بشرط أن يكون قد أقام عند إرادة الصلاة، يعني: أنه لا يقيم ويعلم أنه لن يصلي إلا بعد مدة، ولكن يقيم ثم إذا حصل ما يمنع أو ما يفصل بين الإقامة والصلاة ـ فهذا لا بأس به ـ ولو طال الفصل.
• ما الحكم لو سمع المؤذن، ثم سمع آخر؟
يجيب الأول، ويجيب الثاني، لعموم قوله ﷺ (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن).
ولكن لو صلى ثم سمع مؤذناً بعد الصلاة فظاهر الحديث أنه يجيب لعمومه.
وقال بعض العلماء: إنه لا يجيب لأنه غير مدعو بهذا الأذان فلا يتابعه، ولا يمكن أن يؤذن آخر بعد أن تؤدى الصلاة، فيحمل الحديث على المعهود في عهد النبي ﷺ وأنه لا تكرار في الأذان، ولكن لو أخذ أحد بعموم الحديث وقال: إنه ذِكْرٌ وما دام الحديث عاماً فلا مانع من أن أذكر الله فهو على خير. (فتاوى ابن عثيمين)
стр. 401
١٩٣ - وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ ﵁ (أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ اِجْعَلْنِي إِمَامَ قَوْمِي. قَالَ: "أَنْتَ إِمَامُهُمْ، وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ، وَاِتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا) أَخْرَجَهُ اَلْخَمْسَةُ، وَحَسَّنَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ.
===
(أَنْتَ إِمَامُهُمْ) أي: جعلتك إماماً لهم.
(وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ) أي: راع حال الضعيف منهم في تخفيف الصلاة مع الإتمام حتى لا يمل القوم.
(عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا) أي أجرة دنيوية على أذانه، لأن الذي لا يأخذ على الأذان أجرة أقرب إلى الإخلاص.
• ما حكم أخذ الأجرة على الأذان إذا كان ذلك من بيت المال؟
اتفق الفقهاء في هذه الحالة على أنه يجوز، إلا أن الشافعية والحنابلة قيدوا ذلك بعدم وجود متبرع.
وإنما كان جائزاً إذا كان من بيت المال لأمور:
أولاً: أن ما يأخذه من بيت المال ليس عوضاً وأجرة، بل رزق للإعانة على الطاعة.
ثانياً: أن بالمسلمين حاجة إلى الأذان والإقامة وقد لا يوجد متطوع بهما، وإذا لم يدفع الرزق فيهما تعطّلتا.
ثالثاً: أن بيت المال معدّ لمصالح المسلمين، فإذا كان بذله لمن يتعدى نفعه إلى المسلمين محتاجاً إليه كان من المصالح.
• ما حكم أخذ الأجرة على الأذان من غير بيت المال؟
اختلف العلماء في هذه المسألة: على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه لا يجوز.
وبه قال أبو حنيفة.
أ-لقوله تعالى (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى).
ب-ولحديث الباب ( … واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً).
ج-ولأن الأذان قربة لفاعله، لا يصح إلا من مسلم، فلا يجوز أخذ الأجرة على كالصوم والصلاة.
وقد حكى شيخ الإسلام ابن تيمية أن أخذ الأجرة على القُرَب يفوّت الأجر بالاتفاق.
стр. 402
القول الثاني: أنه يجوز.
وهذا مذهب المالكية والشافعية.
أ-لحديث أبي محذورة وما جاء في تعليم النبي ﷺ له الأذان، وفيه: ( … ثم دعا لي حين قضيت التأذين فأعطاني صُرةً فيها شيء من فضة) رواه أحمد والنسائي.
وقالوا: إن حديث الباب (واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً) محمول على الندب والورع.
لكن أجاب أصحاب القول الأول عن حديث أبي محذورة: أن النبي ﷺ أعطاه صرة من فضة تأليفاً لقلبه وليس أجرةً على أذانه.
القول الثالث: أنه لا يجوز إلا في حالة الحاجة من غير شرط. (كأن يكون الآخذ فقيراً).
واختار هذا ابن تيمية.
وعللوا المنع بحديث عثمان بن أبي العاص.
وعللوا الجواز في حالة الحاجة: بقلة من يقوم بالأذان حسبة لله تعالى، فبمراعاته للأوقات والاشتغال به يقلّ اكتسابه عما يكفيه لنفسه وعياله، فيأخذ الأجرة لئلا يمنعه الاكتساب عن إقامة هذه الوظيفة الشريفة.
قال ابن تيمية بعد أن ذكر الأقوال الماضية: وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُحْتَاجِ وَغَيْرِهِ - وَهُوَ أَقْرَبُ - قَالَ: الْمُحْتَاجُ إذَا اكْتَسَبَ بِهَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَنْوِيَ عَمَلَهَا لِلَّهِ وَيَأْخُذُ الْأُجْرَةَ لِيَسْتَعِينَ بِهَا عَلَى الْعِبَادَةِ؛ فَإِنَّ الْكَسْبَ عَلَى الْعِيَالِ وَاجِبٌ أَيْضًا فَيُؤَدِّي الْوَاجِبَاتِ بِهَذَا؛ بِخِلَافِ الْغَنِيِّ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْكَسْبِ فَلَا حَاجَةَ تَدْعُوهُ أَنْ يَعْمَلَهَا لِغَيْرِ اللَّهِ؛ بَلْ إذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ أَغْنَاهُ وَهَذَا فُرِضَ عَلَى الْكِفَايَةِ: كَانَ هُوَ مُخَاطَبًا بِهِ وَإِذَا لَمْ يَقُمْ إلَّا بِهِ كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْهِ عَيْنًا.
• هل يجوز للمسلمين أن يعيّنوا شخصاً يؤذن فيهم ويُجمع له راتب؟
نعم، لا بأس بشرط ألا يشارطهم ويقول: لا أؤذن إلا بكذا وكذا.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- جواز طلب الإمامة في الخير، وقد ورد في أدعية عباد الرحمن الذين وصفهم الله بتلك الأوصاف أنهم يقولون (واجعلنا للمتقين إماماً) وليس من طلب الرياسة المكروهة، فإن ذلك فيما يتعلق برياسة الدنيا التي لا يعان من طلبها ولا يستحق أن يعطاها.
- أنه يجب على إمام الصلاة أن يلاحظ حال المصلين خلفه، فيجعل أضعفهم كأنه المقتدي به، فيخفف لأجله.
- أن نصب الأئمة إلى ولي الأمر.
- أن الأفضل والأكمل للمؤذن أن لا يأخذ أجراً على أذانه، بل يجعل الأذان خالصاً لله تعالى.
стр. 403
١٩٤ - وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ لَنَا اَلنَّبِيُّ ﷺ (وَإِذَا حَضَرَتِ اَلصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ … ) اَلْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ اَلسَّبْعَةُ.
===
• اذكر لفظ حديث الباب كاملاً؟
عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ (أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَحِيماً رَقِيقاً فَظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَقْنَا أَهْلَنَا فَسَأَلَنَا عَنْ مَنْ تَرَكْنَا مِنْ أَهْلِنَا فَأَخْبَرْنَاهُ فَقَالَ: ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ ثُمَّ لْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ) رواه البخاري ومسلم، وعند البخاري (وصلوا كما رأيتموني أصلي).
• ما حكم الأذان للمسافر؟
الصحيح أنه واجب، واختاره الشيخ السعدي.
قال الشيح محمد بن عثيمين مرجحاً هذا القول: الصحيح أن الأذان للمسافر واجب … ثم ذكر حديث الباب … حيث أمرهم النبي ﷺ بالأذان، ولأن النبي ﷺ لم يدع الأذان حضراً ولا سفراً.
• في الحديث قال (ثُمَّ لْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ) مع أنه قال ﷺ (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) فما الجمع بينمها؟
الجمع أن هؤلاء كانوا مستوين في باقي الخصال، لأنهم هاجروا جميعاً وأسلموا جميعاً وصحبوا رسول الله ﷺ ولازموه عشرين ليلة، فاستووا في الأخذ عنه ولم يبق ما تقدم به إلا السن وقد جاء عند أبي داود (وكنا يومئذٍ متقاربين في العلم).
• ما ذا نستفيد من قوله (ليؤمكم أكبركم)؟
استدل به من قال: إن الإمامة أفضل، لأنه ﷺ قال: (يؤذن أحدكم) وخص الإمامة بالأكبر.
• ماذا نستفيد من قوله (إذا حضرت الصلاة)؟
- نستفيد أنه يشترط لصحة الأذان والإقامة دخول وقت الصلاة المفروضة، فلا يصح الأذان ولا الإقامة قبل دخول الوقت، وهذا نص عام لا يستثنى منه شيء، وقد تقدمت المسألة.
- ونستفيد أيضاً: أن فعل الأذان يكون عند إرادة الصلاة لا عند دخول الوقت لقوله (إذا حضرت الصلاة … ) كما لو كان جماعة في صحراء مثلاً وأرادوا تأخير صلاة العشاء عن أول وقتها، فالأفضل في حقهم تأخير الأذان إلى إرادة فعل الصلاة.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- فضل الهجرة والرحلة في طلب العلم وفضل التعليم.
- ما كان عليه ﷺ من الشفقة والرحمة.
стр. 404
١٩٥ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ لِبِلَالٍ: (إِذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ، وَإِذَا أَقَمْتُ فَاحْدُرْ، وَاجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِكَ وَإِقَامَتِكَ قَدْرَ مَا يَفْرُغُ اَلْآكِلُ مِنْ أَكْلِهِ) اَلْحَدِيثَ، رَوَاهُ اَلتِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ.
===
(ترسل) أي: تمهل.
(احدر) الحدر: الإسراع في الإقامة.
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث ضعيف ولا يصح، وضعفه الترمذي والبيهقي وغيرهما.
قال الصنعاني: له شواهد كلها واهية إلا أنه يقويها المعنى الذي شرع له الأذان فإنه نداء لغير الحاضرين ليحضروا للصلاة فلا بد من تقدير وقت يتسع للذاهب للصلاة وحضورها.
• على ماذا يدل حديث الباب؟
الحديث يدل على استحباب الترسل في الأذان والحدر في الإقامة، ويدل لذلك:
أ-حديث الباب، وهو ضعيف.
ب-ما روي عن عمر بن الخطاب قال لمؤذن بيت المقدس (إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحدر) رواه الدارقطني.
ج-أن الأذان إعلام للغائبين، فكان الترسل فيه أبلغ في الإعلام، والإقامة إعلام للحاضرين فكان الحدر فيه أنسب.
د-أن الإقامة لا تحتاج لرفع الصوت للاجتماع عندها، بخلاف الأذان.
• ما حكم الفصل بين الأذان والإقامة؟
يستحب الفصل بين الأذان والإقامة للصلوات الخمس.
أ-لحديث الباب، وهو ضعيف.
ب-ولحديث عبد الله بن مغفل أن رسول الله ﷺ قال: (بين كل أذانين صلاة ـ ثلاثاً ـ لمن شاء) رواه البخاري.
ج-ولحديث عائشة قالت: (كان النبي ﷺ يصلي ركعتين خفيفتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح) متفق عليه.
د-ولحديث أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : (يا بلال اجعل بين أذانك وإقامتك نفساً، يفرغ الآكل من طعامه في مَهَل، ويقضي المتوضئ حاجته في مَهَل). رواه عبد الله ابن الإمام أحمد، وهو ضعيف
هـ-ولأن الأذان شرع للإعلام فيسن الانتظار ليدرك الناس الصلاة ويتهيؤوا لها.
стр. 405
لكن في صلاة المغرب فإنه يستحب أن يكون الفاصل يسيراً، لأنه من السنة تقديم صلاة المغرب وتعجيلها عقيب غروب الشمس.
كما جاء في حديث جابر قال (كان النبي ﷺ يصلي المغرب إذا وجبت).
وحديث رافع بن خديج قال (كنا نصلي المغرب مع النبي ﷺ فينصرف أحدنا وإنه ليبصر مواقع نبله). متفق عليه
ومقدار هذا الفصل مختلف فيه: والأرجح أنه بمقدار ركعتين خفيفتين.
أ-لحديث عبد الله بن مغفل أن النبي ﷺ قال (صلوا قبل المغرب - قال في التالية: لمن شاء كراهية أن يتخذها الناس سنة) رواه البخاري.
ب-ولحديث أنس قال (كنا بالمدينة، فإذا أذن المؤذن لصلاة المغرب ابتدروا السواري فيركعون ركعتين ركعتين حتى إن الرجل القريب ليدخل المسجد فيحسب أن الصلاة قد صليت من كثرة من يصليها) رواه البخاري ومسلم.
стр. 406
١٩٦ - وَلَهُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (لَا يُؤَذِّنُ إِلَّا مُتَوَضِّئٌ) وَضَعَّفَهُ أَيْضًا.
===
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث ضعيف، ضعفه الترمذي وغيره.
قال الترمذي: الزهري لم يسمع من أبي هريرة.
وقد أخرج الترمذي الحديث موقوفاً على أبي هريرة، لكنه منقطع فلا يصح.
قال النووي: ضعيف.
وقال الصنعاني: فيه الزهري لم يسمع من أبي هريرة، والراوي عن الزهري ضعيف.
وقال المباركفوري: لَكِنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ مِنْ وَجْهَيْنِ فَإِنَّ فِي سَنَدِهِ مُعَاوِيَةَ بْنَ يَحْيَى الصَّدَفِيَّ وَهُوَ ضَعِيفٌ، كَمَا عَرَفْت فِيهِ اِنْقِطَاعٌ بَيْنَ الزُّهْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فَإِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ التِّرْمِذِيُّ.
وقال الشيخ ابن باز: سنده ضعيف.
• ما حكم الطهارة من الحدث الأصغر للأذان؟
اتفق الفقهاء على أن الطهارة من الحدثين الأصغر والأكبر مطلوبة للأذان والإقامة، وتتأكد في الإقامة أكثر لاتصالها بالصلاة.
أ-لحديث الباب [وهو ضعيف].
ب-ولحديث المهاجر بن قنفذ قال: قال رسول الله ﷺ (إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة) رواه أبو داود.
ج-ولأن الأذان ذكر مشروع معظم، فأداه مع الطهارة أقرب إلى التعظيم.
• لكن لو أذن وهو محدث حدثاً أصغر هل يكره أم لا؟
اتفق الفقهاء على صحة الأذان والإقامة من المحدث حدثاً أصغر، وقد حكى الإجماع على ذلك ابن هبيرة.
واختلف في كراهة أذان المحدث حدثاً أصغر:
فقيل: لا يكره.
وقيل: يكره.
لحديث (إني كرهت أن أذكر الله على غير طهارة).
وهذا هو الراجح.
стр. 407
• ما حكم أذان وإقامة الجنب؟
اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه يصح مع الكراهة.
وهذا مذهب جمهور العلماء، واعتبروا كراهته أشد من كراهة أذان وإقامة المحدث حدثاً أصغر. واستدلوا:
أ- أن الأذان ذكر، والجنب لا يمنع من الأذكار اتفاقاً غير القرآن، فكذا لا يمنع من الأذان.
ب- أن المقصود من الأذان الإعلام، وهو حاصل مع الجنابة.
القول الثاني: لا يصح أذان ولا إقامة الجنب.
القول الثالث: يحرم الأذان والإقامة للجنب، ويعاد الأذان دون الإقامة.
• ما الحكمة من مشروعية الطهارة للأذان؟
لأمرين:
أولاً: اتصاله بالصلاة.
ثانياً: أن الأذان عبادة ينبغي الإتيان بها على طهارة، لا سيما العبادة المتعلقة بالصلاة.
стр. 408
١٩٧ - وَلَهُ: عَنْ زِيَادِ بْنِ اَلْحَارِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ) وَضَعَّفَهُ أَيْضًا.
١٩٨ - وَلِأَبِي دَاوُدَ: فِي حَدِيثِ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ (أَنَا رَأَيْتُهُ - يَعْنِي: اَلْأَذَانُ - وَأَنَا كُنْتُ أُرِيدُهُ. قَالَ: "فَأَقِمْ أَنْتَ) وَفِيهِ ضَعْفٌ أَيْضًا.
===
• ما صحة أحاديث الباب؟
الحديث الأول ضعيف، لأن فيه عبد الرحمن بن أنعم الأفريقي وهو ضعيف عند أهل الحديث.
والحديث الثاني فيه ضعف أيضاً.
• ما حكم أن يتولى الأذان والإقامة شخص واحد؟
مستحب وأفضل، فالأفضل أن من تولى الأذان هو الذي يتولى الإقامة. ويدل لذلك:
أ-حديث الباب (من أذن فهو يقيم) وهو ضعيف.
ب- ولحديث سهل بن سعد (أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليُصلح بينهم فحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر، فقال: أتصلي للناس فأقيم، قال: نعم) متفق عليه.
ففي هذا الحديث أن الإقامة من وظيفة المؤذن فهو الذي يقيم الصلاة، فدل على أن هذا هو السنة.
ج-وهذا هو فعل بلال وأبي محذورة.
د-ولأن من تولى الإعلام أولاً هو الذي يتولى الإعلام ثانياً.
وقد قال الترمذي: العمل على هذا عند أكثر أهل العلم أن من أذن فهو يقيم.
لأن بلالاً هو الذي يتولى الإقامة، وهو الذي يتولى الأذان.
• لكن لو أذن شخص وأقام غيره فإنه جائز من غير كراهة لحديث عبد الله بن زيد - حديث الباب - فإن ظاهره جواز أن يؤذن شخص ويقيم آخر، وقد سبق أن الحديث ضعيف.
стр. 409
١٩٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اَلْمُؤَذِّنُ أَمْلَكُ بِالْأَذَانِ، وَالْإِمَامُ أَمْلَكُ بِالْإِقَامَةِ) رَوَاهُ اِبْنُ عَدِيٍّ وَضَعَّفَهُ.
٢٠٠ - وَلِلْبَيْهَقِيِّ نَحْوُهُ: عَنْ عَلِيٍّ مِنْ قَوْلِهِ.
===
(اَلْمُؤَذِّنُ أَمْلَكُ بِالْأَذَانِ) أي: إن أمره موكول إليه، فكأنه مالك له، لأنه أمين على الوقت.
(وَالْإِمَامُ أَمْلَكُ بِالْإِقَامَةِ) أي: إن أمرها موكول إليه، فكأنه مالك لها، لأن الصلاة لا تقام إلا بأمره.
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث فيه ضعف، وقد أخرجه الترمذي بلفظ (الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين).
وأما أثر علي فأخرجه البيهقي وسنده قوي.
• من الذي أملك بالأذان؟
المؤذن، فهو موكول إليه دخول الوقت، فهو الأمين عليه، فمراقبته ودخوله منوطة به وراجع أمره إليه.
• من الذي أملك بالإقامة؟
الإمام، فأمرها راجع إلى الإمام، فلا يقيم المؤذن إلا بعد إشارته.
وهذا هو فعل النبي ﷺ ، فإنه هو الذي كان يأمر بالإقامة ويأذن فيها، وبلال وغيره هو المسؤول عن الأذان.
وقد روى جابر بن سمُرَة قال (كان بلال يؤذن إذا دحضت - يعني الشمس - فلا يقيم حتى يخرج النبي ﷺ ، فإذا خرج أقام الصلاة حين يراه) رواه مسلم.
• متى يقوم المصلي للصلاة؟
اختلف أهل العلم رحمهم الله تعالى في الوقت الذي يقوم فيه المأموم للصلاة على أقوال ذكرها النووي ﵀ في المجموع (٣/ ٢٣٣) وهي كما يلي:
القول الأول: يقوم إذا شرع المؤذن في الإقامة، وبه قال عطاء والزهري.
القول الثاني: يقوم إذا قال: حي على الصلاة، وبه قال أبو حنيفة.
القول الثالث: يقوم إذا فرغ المؤذن من الإقامة، وبه قال الشافعي.
القول الرابع: ليس للقيام وقت محدد، بل يجوز للمصلي القيام في أول الإقامة، أو أثناءها، أو آخرها. وبه قال المالكية.
القول الخامس: يسن القيام عند قول المؤذن (قد قامت الصلاة) إن رأى المأموم الإمام، فإن لم يره، فإنه يقوم عند رؤيته لإمامه، وبه قال الإمام أحمد.
وليس هناك دليل واضح من السنة على أحد هذه الأقوال، وإنما هي اجتهادات من الأئمة، حسب ما ظهر لكل منهم، والراجح أن الأمر واسع.
• ما الجمع بين حديث (إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني) وحديث (إن بلالاً كان لا يقيم حتى يخرج رسول الله ﷺ -؟
قال الصنعاني: يجمع بينهما بأن بلالاً كان يراقب وقت خروج رسول الله ﷺ ، فإذا رآه يشرع في الإقامة قبل أن يراه غالب الناس، ثم إذا رأوه قاموا.
فظاهر الأدلة - والله أعلم - أن الإمام إذا كان موجوداً في المسجد، فإن العبد لا يقوم إلا إذا ابتدأ المؤذن بإقامة الصلاة، لما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: (إن الصلاة كانت تقام لرسول ﷺ فيأخذ الناس مصافهم قبل أن يقوم النبي ﷺ مقامه)، فهذا دال على أنهم يشرعون بالقيام إذا شرع المؤذن في إقامة الصلاة، فيأخذ الناس مصافهم مع الإقامة، وأما إذا كان الإمام خارج المسجد فإن المصلي لا يقوم حتى يرى الإمام كما ثبت في الصحيح من قوله ﷺ : (إذا أقيمت الصلاة ولم تروني فلا تقوموا حتى تروني).
стр. 410
٢٠١ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا يُرَدُّ اَلدُّعَاءُ بَيْنَ اَلْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَة.
===
• اذكر بعض المواضع التي يستحب فيها الدعاء؟
أ-بين الأذان والإقامة.
لحديث الباب.
ب-في السحر.
لقوله ﷺ (ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له) متفق عليه.
ج-بعد العصر يوم الجمعة.
لقوله ﷺ في يوم الجمعة (وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم قائم يصلي يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه إياه، وأشار بيده يقللها) متفق عليه.
وعند أبي داود ( … آخر ساعة من العصر).
د-في السجود.
لقوله ﷺ (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء) رواه مسلم.
هـ-عند صياح الديكة.
لقوله ﷺ (إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله، فإنها رأت ملكاً) متفق عليه.
• حديث الباب مقيد بماذا؟
مقيد إن لم يكن في الدعاء إثم أو قطيعة رحم.
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الاِسْتِعْجَالُ قَالَ؟ يَقُولُ قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاء) رواه مسلم.
قال ابن القيم: الدعاء من أقوى الأسباب، فليس شيء أنفع منه، فمتى أُلهِمَ العبد الدعاء حصلت الإجابة.
стр. 411
• هل يستحب التقدم للمسجد مبكراً ليحصل هذا الوقت؟
نعم يستحب التقدم مبكراً ليحصل هذا الوقت.
وقد جاء في فضل التبكير قوله ﷺ (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِى النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلاَّ أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ) متفق عليه.
والنبي ﷺ أراد من هذا الخبر الحث على اغتنام هذا الوقت بالدعاء، فإنه حري بالإجابة.
• هل الإنسان إذا دعا عليه شخص يخاف أم لا؟
الراد للدعاء والقابل له هو الله، وعليه، فالإنسان إذا دعا عليه آخر لا يخاف إلا إذا كان ظالماً، لأن الإنسان إذا دعا على غير ظالم، فإن الذي يجيبه هو الله ، ولو أجابه على دعائه لكان الله يعين الظالمين، وحاشاه من ذلك، بل الله يقول (إنه لا يفلح الظالمون)، وعلى هذا: فلا تخف من دعاء من يدعو عليك بغير حق. [قاله ابن عثيمين].
• ما الحكم فيمن يستعجل بركعتي تحية المسجد التي بين الأذان والإقامة حتى يتمكن من الدعاء؟
هذا خطأ، لأن الدعاء في الصلاة أفضل من الدعاء خارج الصلاة. [قاله ابن عثيمين].
• يقول بعض الناس: أدعو الله ولا يستجاب لي؟
قد يكون لوجود مانع.
ففي حديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ ( … في الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء، يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، فأنَّى يستجاب له) رواه مسلم.
стр. 412
٢٠٢ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ اَلنِّدَاءَ: اَللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ اَلدَّعْوَةِ اَلتَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ اَلْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا اَلْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا اَلَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ) أَخْرَجَهُ اَلْأَرْبَعَةُ.
===
(اَللَّهُمَّ) أي: يالله.
(رَبَّ هَذِهِ اَلدَّعْوَةِ اَلتَّامَّةِ) المراد بالدعوة ألفاظ الأذان، ووصفت بالتامة، لأنها ذكرٌ لله تعالى وتعظيم له وشهادة بالوحدانية.
(وَالصَّلَاةِ اَلْقَائِمَةِ): قيل: بيان للدعوة التامة. وقيل: المراد بالصلاة المعهودة المدعو إليها حينئذ، قال ابن حجر: وهو أظهر.
(آتِ مُحَمَّدًا اَلْوَسِيلَة) هي ما يتقرب بها إلى الكبير، والمراد بها المنزلة العلية، ووقع عند مسلم تفسيرها: (فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي لأحد إلا لعبد من عباد الله).
(وَالْفَضِيلَةَ) أي: المرتبة الزائدة على سائر الخلائق، ويحتمل أن تكون منزلة أخرى أو تفسير للوسيلة.
(وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا) أي يحمد القائم فيه، والمراد بها كل ما يحمده الخلائق عليها ومن أعظمها الشفاعة العظمى.
(اَلَّذِي وَعَدْتَهُ) قال الطيبي: المراد بذلك قوله تعالى (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً)، وأطلق عليه الوعد، لأن عسى من الله واقع.
(حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي) أي: وجبت له وحصلت واستحق الشفاعة.
(يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ) سمي بذلك أولاً: لقيام الناس من قبورهم، كما قال تعالى (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)، ولقيام الأشهاد، كما قال تعالى (وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ)، ولقيام الروح والملائكة، كما قال تعالى (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً).
(أَخْرَجَهُ اَلْأَرْبَعَةُ) وأخرجه البخاري أيضاً في صحيحه.
• ما حكم قول هذا الدعاء بعد الأذان؟
مستحب، لحديث الباب، وهو يدل على أنه من أسباب استحقاق شفاعة الرسول ﷺ .
• قوله ﷺ (مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ اَلنِّدَاءَ: اَللَّهُمَّ رَبّ هذه … ) ظاهره أنه يقوله حال سماع النداء، فهل هذا الظاهر مراد؟
لا، ليس هذا الظاهر مراداً، بل يقول هذا الدعاء بعد إتمام النداء.
ويؤيد هذا حديث عبد الله عمرو في قوله ﷺ ( … فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليّ، ثم سلوا لي الوسيلة … ) رواه مسلم.
• ماذا نستفيد من قوله ﷺ (مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ اَلنِّدَاءَ: اَللَّهُمَّ رَبّ هذه … )؟
نستفيد: أن من لم يسمع النداء، فإنه لا يقول هذا الدعاء، يعني لو فرض أن إنساناً استيقظ من النوم بعد إكمال المؤذنين أذانهم، ودعا بهذا الدعاء، فإننا نقول: هذا ليس بمشروع، لأنه لم يسمع النداء، والنبي ﷺ رتب هذا على من سمع النداء. [قاله ابن عثيمين].
• اذكر أدعية الأذان؟
أولاً: متابعة المؤذن في كل جملة يقولها:
لحديث أبي سعيد وقد سبق (إِذَا سَمِعْتُمْ اَلنِّدَاءَ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ اَلْمُؤَذِّنُ) متفق عليه.
стр. 413
ولحديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ (إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَىَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَىَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْراً ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلاَّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَة) رواه مسلم
إلا في الحيعلتين فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، لحديث عمر وقد سبق.
ثانياً: الدعاء بعد الشهادتين بالدعاء الوارد.
عن سعد بن أبي وقاص ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (من قال حين يسمع المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، رضيت بالله رباً وبمحمد رسولاً، وبالإسلام ديناً، غفر له ذنبه). رواه مسلم
وفي رواية: (وأنا أشهد … ).
ثالثاً: الصلاة على النبي ﷺ بعد الأذان.
لحديث عبد الله بن عمرو - السابق - (إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَىَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَىَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْراً … ).
رابعاً: قول: اللهم ربِّ هذه الدعوة … ألخ
عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من قال حين يسمع النداء: اللهم ربِّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آتِ محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته … ) رواه البخاري.
• ما صحة زيادة (إنك لا تخلف الميعاد)؟
الصحيح أنها شاذة، لتفرد محمد بن عوف عن بقية الرواة.
فالحديث رواه البخاري عن علي بن عياش عن شعبة بن أبي حمزة عن ابن المنكدر عن جابر به.
فرواه عن علي بن عياش جماعة كثيرة من الحفاظ ولم يذكروا هذه الزيادة، وانفرد بذكرها محمد بن عوف
ومن هؤلاء الحفاظ:
البخاري في صحيحه.
أحمد في مسنده.
محمد بن سعد البغدادي كما عند الترمذي.
إبراهيم بن يعقوب كما عند الترمذي.
محمد بن يحيى الذهلي كما عند ابن ماجه.
وأبو زرعة الدمشقي كما في شرح معاني الآثار.
وموسى بن سهل كما عند ابن خزيمة.
ومحمد بن جعفر كما عند ابن ماجه.
والعباس بن الوليد كما عند ابن ماجه.
وعمرو بن منصور كما عند النسائي.
стр. 414
• جاء في رواية عند ابن خزيمة والنسائي: ( … وابعثه المقام المحمود) والذي في البخاري (وابعثه مقاماً محموداً) فأيهما أصح؟
ما في البخاري أصح، لوجوه:
أحدها: اتفاق أكثر الرواة عليه.
الثاني: موافقته للفظ القرآن.
الثالث: أن لفظ التنكير فيه مقصود به التعظيم.
الرابع: أن دخول اللام يعينه ويخصه بمقام معين، وحذفها يقتضي إطلاقاً وتعدداً، ومقاماته المحمودة في الموقف متعددة كما دلت عليه الأحاديث، فكان في التنكير من الإطلاق والاتساعة ما ليس في التعريف .... [قاله ابن القيم].
• ما صحة زيادة (والدرجة الرفيعة)؟
قال ابن حجر: وليس في شيء من طرقه ذكر الدرجة الرفيعة.
• اختلف العلماء في حكم زيادة الثقة هل تقبل مطلقاً أم لا، اذكر الخلاف؟
القول الأول: قبولها مطلقاً.
وقال بهذا القول الخطيب البغدادي، وابن حبان، والنووي، والغزالي، وهو مذهب جمهور الفقهاء.
قالوا: إن الراوي إذا كان ثقة، وانفرد بالحديث من أصله كان مقبولاً، فكذلك انفراده بالزيادة.
والرد عليهم:
قال الحافظ ابن حجر: هناك فرق بين تفرد الراوي بالحديث من أصله، وبين تفرده بالزيادة، لأن تفرده بالحديث من أصله لا يلزم تطرق السهو والغفلة إلى غيره من الثقات، إذ لا مخالفة في روايته لهم بخلاف تفرده بالزيادة.
القول الثاني: أن زيادة الثقة لا تقبل مطلقاً ولا ترد مطلقاً، بل ينظر في كل زيادة بحسبها على حسب ما يقوم عندهم من القرائن المتحتمة بالقبول أو الرد.
قال الزيلعي: من الناس من يقبل زيادة الثقة مطلقاً، ومنهم من لا يقبلها مطلقاً، والصحيح التفصيل: وهي أنها تقبل في موضع دون موضع، فتقبل إذا كان الراوي ثقة حافظاً ثبتاً، والذي لم يذكرها مثله أو دونه في الثقة، وتقبل في موضع آخر لقرائن تخصها، ومن حكم في ذلك حكماً عاماً فقد غلط، بل كل زيادة لها حكم يخصها.
وهذا القول هو الراجح، وهو مذهب جمهور المحدثين.
• اذكر بعض الأسباب التي تحقق شفاعة الرسول ﷺ -؟
أولاً: قول الدعاء الوارد بعد الأذان.
لحديث الباب.
ثانياً: الموت بالمدينة.
قال ﷺ (من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليفعل، فإني أشفع لمن يموت بالمدينة) رواه الترمذي.
ثالثاً: من قال: لا إله إلا الله مخلصاً.
قال ﷺ (أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه) رواه البخاري.
стр. 415
باب شروط الصلاة
تعريف الشرط:
لغة: العلامة، قال تعالى (فقد جاء أشراطها).
واصطلاحاً: ما يَلزَمُ من عَدَمِه العَدَم، ولا يَلْزَم من وجوده الوُجود.
مثاله: الوُضُوء شرط لصحَّة الصَّلاة، يلزم مِنْ عَدَمِه عَدَمُ الصِّحة، ولا يلزم من وجوده وجود الصَّلاة؛ لأنه قد يتوضَّأ ولا يُصلِّي.
• والفرق بين الأركان والشروط:
أولاً: أنَّ الشُّروط قبل الصلاة والأركانَ فيها.
وثانياً: أنَّ الشُّروطَ مستمرَّة من قبل الدّخول في الصَّلاة إلى آخر الصَّلاة، والأركان ينتقل من ركن إلى ركن: القيام، فالرُّكوع، فالرَّفع من الرُّكوع، فالسُّجود، فالقيام من السُّجود، ونحو ذلك.
ثالثاً: الأركان تتركَّبُ منها ماهيَّةُ الصَّلاة بخلاف الشُّروط، فَسَتْرُ العورة لا تتركَّبُ منه ماهيَّة الصَّلاة؛ لكنه لا بُدَّ منه في الصَّلاة .... (الشرح الممتع).
стр. 416
٢٠٣ - عَنْ عَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فِي اَلصَّلَاةِ فَلْيَنْصَرِفْ، وَلْيَتَوَضَّأْ، وَلْيُعِدْ اَلصَّلَاةَ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ.
٢٠٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵁ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ أَصَابَهُ قَيْءٌ، أَوْ رُعَافٌ، أَوْ مَذْيٌ، فَلْيَنْصَرِفْ، فَلْيَتَوَضَّأْ، ثُمَّ لِيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ لَا يَتَكَلَّمُ) رَوَاهُ اِبْنُ مَاجَهْ، وَضَعَّفَهُ أَحْمَدُ.
===
(فسا): الفساء خروج الريح من الدبر بلا صوت.
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث ضعيف، لأن في إسناده مسلم بن سلاّم وهو مجهول.
وأما حديث عائشة فقد تقدم (٧٤) أنه ضعيف لا يصح.
• ما حكم الطهارة لصحة الصلاة؟
شرط، فلا تصح الصلاة بلا وضوء.
لحديث الباب وهو ضعيف، ويغني عنه:
أ-حديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (لا يقبل الله صلاةَ أحدِكم إذا أحدث حتى يتوضأ) متفق عليه.
وفي رواية للبخاري (قال رجل من حضرموت: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: فُساء أو ضراط).
وتفسير أبي هريرة للحدث بالفساء أو الضراط تفسير للحدث منه، لأن الحدث أعم من ذلك، وكأن أبا هريرة فسره بالأخص:
أولاً: تنبيهاً بالأخف على الأغلظ، وثانياً: ولأنهما قد يقعان في أثناء الصلاة أكثر من غيرهما.
ب-وحديث ابن عمر. قال: قال ﷺ (لا تُقبلُ صلاةٌ بغير طُهور، ولا صدقةٌ من غُلول) رواه مسلم.
قال النووي: وهذا الحديث نص في وجوب الطهارة للصلاة، وقد أجمعت الأمة على أن الطهارة شرط في صحة الصلاة.
ج- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا اشتكى أحدكم في صلاته فلم يدرِ أخرج منه شيء أم لا، فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً). رواه مسلم
ففي هذا الحديث: أن خروج الريح من الدبر ينقض الوضوء وتبطل به الصلاة، وقد أجمع العلماء على ذلك.
стр. 417
• ما حكم من أحدث أثناء الصلاة؟
يجب أن يخرج ويتوضأ ويعيدها، وهذا قول جماهير العلماء.
أ-لحديث الباب (وقد سبق أنه ضعيف).
ب-وقد يستدل بحديث أبي هريرة (لا يقبل الله صلاةَ أحدِكم إذا أحدث حتى يتوضأ) فإنه يفيد أن صلاة المحدث لا تقبل، وهذا يعم ما قبل الصلاة من الحدث اختياراً وما حصل في أثنائها اضطراراً، لأنه ﷺ لم يفرق بين حدث وحدث.
وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الإنسان إذا أحدث في صلاته فإنه ينصرف ويتوضأ ويبني على ما مضى، وهذا مذهب الحنفية.
لحديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ (من أصابه قيء أو قلس أو رعاف أو مذي فلينصرف وليتوضأ وليبني على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم)، لكن هذا الحديث ضعيف.
• ما حكم من صلى بغير وضوء متعمداً؟
من صلى وهو محدث متعمداً بلا عذر فهو آثم، ولكن هل يكفر؟
قيل: لا يكفر، ونسبه النووي للجمهور.
وقيل: يكفر ونسبه النووي لأبي حنيفة، لتلاعبه.
• ما حكم من انتقض وضوءه وهو إمام؟
من انتقض وضوءه وهو إمام فإنه يجب أن يخرج من صلاته، ولا يجوز أن يكمل صلاته، ويقدم أحد المأمومين ليكمل بالمصلين.
• ما حكم صلاة المأموم إذا تبين له حدث إمامه بعد الفراغ من الصلاة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: يعيد المأموم صلاته.
وهذا مذهب الحنفية.
القول الثاني: إن كان الإمام يعلم حدثه لزمت المأموم الإعادة، وإن كان لا يعلم حدثه صحت صلاة المأموم.
القول الثالث: تصح صلاة المأموم فلا يعيدها، وهذا القول هو الصحيح.
أ-لقوله ﷺ في الصلاة خلف أئمة الجور (يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم) رواه البخاري.
ب-ولأن الحدث مما يخفى، ولا سبيل للمأموم إلى معرفة حدث الإمام فكان معذوراً في الاقتداء به، لأنه لم يكلف علم ما غاب عنه من أمره، وإذا صح اقتداؤه صحت صلاته فلا يعيدها.
وكذلك على القول الراجح لو أحدث الإمام في أثناء الصلاة، فصلاة المأمومين صحيحة، ويخرج الإمام ويقدم من يكمل بهم.
стр. 418
٢٠٥ - وَعَنْهَا. عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لَا يَقْبَلُ اَللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ.
===
(لَا يَقْبَلُ اَللَّهُ) المراد بالنفي هنا نفي الصحة، فمن صلت بغير خمار لم تقبل صلاتها.
(صَلَاةَ حَائِضٍ) أي بالغ، قال ابن الأثير: أي التي بلغت سن المحيض، وجرى عليها القلم، ولم يرد في أيام حيضها، لأن الحائض لا تصلي.
(إلَّا بِخِمَارٍ) الخمار: ما تخمّر به المرأة رأسها، أي: تغطيه به.
• ما صحة حديث الباب؟
هذا الحديث مختلف في صحته: فصححه الترمذي، وابن خزيمة، والحاكم، والذهبي، والألباني.
وأعله بعض الحفاظ بالإرسال، قال أبو داود: رواه سعيد - يعني بن أبي عروبة - عن قتادة عن الحسن عن النبي ﷺ .
وأعله الدارقطني بالانقطاع.
• ما حكم ستر المرأة شعرها وجسدها في الصلاة؟
يجب على المرأة ستر رأسها بالخمار.
أ- لحديث الباب.
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ نفى قبول صلاة المرأة إذا صلت مكشوفة الرأس، بلا خمار، وهذا يدل على وجوب ستر رأس المرأة في الصلاة، بل على اشتراطه، وإذا تقرر هذا الحكم في الرأس ففي البطن وغيره من سائر البدن من باب أولى.
ب-ولحديث ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: (المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان) رواه الترمذي.
وجه الدلالة: أن قوله ﷺ (المرأة عورة) يقتضي وجوب ستر جميع بدنها، وهو عام في الصلاة وفي غيرها، إلا أنه يستثنى الوجه في الصلاة فلا يجب ستره بالإجماع، وكذلك الكفان والقدمان لا يجب سترهما عند طائفة.
قال ابن قدامة: وأجمع أهل العلم على أن للمرأة الحرة أن تخمر رأسها إذا صلت، وعلى أنها إذا صلت وجميع رأسها مكشوف أن عليها الإعادة.
• هل تكشف المرأة وجهها في الصلاة؟
نعم.
أجمع العلماء على جواز كشفه، حكى الإجماع على ذلك ابن عبد البر، وابن تيمية.
وقال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافاً بين أهل العلم.
стр. 419
• ما حكم ستر المرأة لكفيها ويديها في الصلاة؟
اختلف العلماء في حكم سترهما في الصلاة: على ثلاثة أقوال:
القول الأول: لا يجب سترهما.
وهذا مذهب أبي حنيفة، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن عثيمين.
أ-قالوا: وَالنِّسَاءُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ إنَّمَا كَانَ لَهُنَّ قُمَّصٌ وَكُنَّ يَصْنَعْنَ الصَّنَائِعَ والقمص عَلَيْهِنَّ فَتُبْدِي الْمَرْأَةُ يَدَيْهَا إذَا عَجَنَتْ وَطَحَنَتْ وَخَبَزَتْ، وَلَوْ كَانَ سَتْرُ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ وَاجِبًا لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، كَذَلِكَ الْقَدَمَانِ، وَإِنَّمَا أَمَرَ بِالْخِمَارِ فَقَطْ مَعَ الْقَمِيصِ فَكُنَّ يُصَلِّينَ بقمصهن وَخُمُرِهِنَّ. (مجموع الفتاوى).
ب-ولحديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (إن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه … ).
فأخبر النبي ﷺ أن الكفين والقدمين يسجدان مع المصلي كما يسجد الوجه، ومن المعلوم أن المرأة لا يجب عليها أن تستر وجهها في الصلاة فكذلك كفاها وقدماها.
ج-ولأن القول بوجوب تغطية المرأة كفيها وقدميها في الصلاة فيه حرج كبير.
القول الثاني: لا يجوز للمرأة الحرة أن تكشف كفيها وقدميها.
وهذا مذهب الحنابلة.
لحديث ابن مسعود. قال: قال ﷺ (المرأة عورة) رواه الترمذي.
وجه الدلالة: أنه يدل بعمومه على أن المرأة عورة كلها، لكن خرج منه الوجه بالإجماع.
القول الثالث: يجوز لها في الصلاة أن تكشف كفيها دون قدميها.
وهذا مذهب المالكية والشافعية، واختاره ابن جرير، وابن المنذر، والموفق، والمرداوي، وابن باز.
لقوله ﷺ (المرأة عورة).
قالوا: إن قوله (عورة) يقتضي بعمومه ستر جميع بدنها، ويستثنى من ذلك ما دعت الحاجة إلى كشفه كالوجه والكفين، وأما ما عداه [ومن ذلك القدمان] فيبقى على العموم.
والراجح القول الأول.
وأما الحديث الأول (المرأة عورة) فالاستدلال به لا يصح، لأن الحديث فيه زيادة عند ابن خزيمة وهي (المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان) وهذا يدل على أن المرأة عورة خارج الصلاة عند الأجانب.
стр. 420
• هل يجب على المرأة التي لم تبلغ تغطية رأسها؟
لا يجب، فلو صلت وقد انكشف رأسها فصلاتها صحيحة.
لقوله ﷺ (لَا يَقْبَلُ اَللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ) فمفهومه أن غير البالغ تصلي بغير خمار.
• هذا الحكم في هذا الحديث خاص بمن؟
خاص بالحرة، أما الأمَة فالجمهور على أن عورتها ما بين السرة والركبة.
• اذكر علامات البلوغ؟
أولاً: إنزال المني بجماع أو احتلام.
قال الحافظ ابن حجر: وقد أجمع العلماء على أن الاحتلام في الرجال والنساء يلزم به العبادات والحدود وسائر الأحكام.
قال تعالى (وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا).
وقال ﷺ : (رفع القلم عن ثلاثة: … وعن الصبي حتى يحتلم). رواه أبو داود
ثانياً: الحيض.
قال ابن قدامة: وأما الحيض فهو علم على البلوغ، لا نعلم فيه خلافاً.
وقال الحافظ ابن حجر: وقد أجمع العلماء على أن الحيض بلوغ في حق النساء.
لحديث الباب.
ثالثاً: بالبلوغ بالسن.
اختلف العلماء في السن الذي يكون به البلوغ: على أقوال:
القول الأول: البلوغ بالأربع عشرة سنة.
وهو قول الثوري.
стр. 421
القول الثاني: بالخمس عشرة سنة.
قال ابن حجر: وقال الشافعي وأحمد وابن وهب والجمهور: حده فيها استكمال خمس عشرة سنة.
وقال النووي: وهو مذهب الشافعي والأوزاعي وابن وهب وأحمد وغيرهم، قالوا: باستكمال خمس عشرة سنة يصير مكلفاً وإن لم يحتلم.
لحديث ابن عمر قال: (عُرِضت على رسول الله ﷺ في القتال وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضت يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني). متفق عليه
قال نافع: (فقدمت على عمر بن عبد العزيز وهو يومئذٍ خليفة فحدثته هذا الحديث فقال: إن هذا الحد بين الصغير والكبير، فكتب إلى عماله أن يفرضوا لمن كان ابن خمس عشرة سنة، ومن كان دون ذلك فاجعلوه في العيال). متفق عليه
القول الثاني: البلوغ بالسبع عشرة سنة.
قال الشوكاني: وقال مالك وأبو حنيفة وغيرهما لا يحكم لمن لم يحتلم بالبلوغ إلا بعد مضي سبع عشرة سنة.
وقال ابن حجر: وقال أكثر المالكية: حده فيها سبع عشرة أو ثمان عشرة.
القول الرابع: البلوغ بالثمانية عشرة سنة.
وهذا القول عزي لأبي حنيفة إلى أن حد البلوغ في استكمال ثمان عشرة سنة إلا أن يحتلم قبل ذلك.
رابعاً: البلوغ بالإنبات
وقال به جمع من أهل العلم.
قال ابن حجر: فاعتبر مالك والليث وأحمد وإسحاق وأبو ثور الإنبات.
وقال ابن حزم: والإنبات بلوغ صحيح.
لحديث عطية القرظي قال: (عرضت على النبي ﷺ يوم قريظة فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت خلي سبيله، فكنت فيمن لم ينبت فخلي سبيلي) رواه أحمد.
стр. 422
٢٠٦ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: (إِنْ كَانَ اَلثَّوْبُ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ) - يَعْنِي: فِي اَلصَّلَاةِ) وَلِمُسْلِمٍ: (فَخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ - وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٢٠٧ - وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي اَلثَّوْبِ اَلْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ).
===
(إِنْ كَانَ اَلثَّوْبُ) المراد بالثوب ما يلبس من إزار أو رداء أو غيرهما، فهو قطعة قماش لم تفصّل على قدر البدن، وليس المراد به القميص، لأن القميص ثوب ذو أكمام.
(وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ) الالتحاف: أن يتزر ويرتدي بثوب واحد، يخالف بين طرفيه، ولذا ساق الحافظ رواية مسلم (فخالف بين طرفيه).
(وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ به) أي: وإن كان الثوب ضيقاً لا يكفي للارتداء والاتزار، فاتزر به فقط، والاتزار: ستر أسفل البدن ما بين السرة والركبة، لأن القصد الأصلي ستر العورة، وهو يحصل بالاتزار.
(لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شيء) العاتق: ما بين المنكب والعنق.
• على ماذا يدل الحديث؟
الحديث يدل على أنه إذا كان الثوب واسعاً فعلى المصلي أن يلتحف به، فيغطي به من المنكبين إلى ما تحت الركبتين، لأنه وجد سترة كاملة، وأما إذا كان الثوب ضيقاً لا يكفي ستر كل البدن، فليستر به العورة الواجب سترها، وهي بين السرة والركبة.
• ما حكم ستر العاتق في الصلاة؟
تحرير محل الخلاف:
أولاً: لا خلاف بينهم في مشروعية ستر العاتقين في الصلاة، وأن ذلك هو الأكمل والأفضل في حق المصلي.
ثانياً: وإنما الخلاف بينهم في حكم ستر العاتقين داخل الصلاة.
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: أنه يجب أن يضع المصلي على عاتقه شيئاً من اللباس فرضاً كانت الصلاة أم نفلاً.
وهذا ذهب إليه المالكية والحنابلة في رواية، ورجح هذا القول جمع من العلماء: ابن المنذر، والبخاري، وابن بطال، وابن حجر، وابن رجب، وابن قدامة.
لحديث الباب (لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء).
وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة في الثوب الواحد إذا لم يكن على العاتق منه شيء نهياً مؤكداً، والأصل في النهي التحريم، فدل على وجوب ستر العاتق في الصلاة.
قالوا: والحديث عام، فيشمل الفرض والنفل، لأنه ما ثبت في الفرض ثبت في النفل إلا بدليل.
стр. 423
القول الثاني: أنه يجب في الفرض.
وهذا المذهب، وذكر بعض الحنابلة أنها من المفردات.
أ-لحديث الباب. (لا يصلي أحدكم في الثوب … ).
قالوا: هذا محمول على صلاة الفريضة، لأن الفرض هو المكلف به.
ب- ولحديث عائشة: (أن النبي ﷺ صلى في ثوب واحد بعضه علي). رواه أبو داود.
قالوا: ظاهر هذا الحديث أنه كان في صلاة نفل.
ج- وقالوا: إن صلاة النفل مبناها على التخفيف.
القول الثالث: أنه مستحب لا واجب.
وإليه ذهب جمهور العلماء: الحنفية، وأكثر المالكية، والشافعية.
واستدلوا على الاستحباب بحديث الباب (لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد … ).
واستدلوا على عدم الوجوب: بحديث جابر: ( … وإذا كان ضيقاً فاتزر به) فدل ذلك على أن الصلاة بإزار واحد مع إعراء المنكبين صحيحة.
واستدلوا بالقياس: وهو أن العاتقين ليسا بعورة، فأشبها بقية البدن.
واستدلوا: بالإجماع المحكي على جواز الصلاة مع ترك ستر العاتقين [وهذا الإجماع فيه نظر].
والراجح: القول بوجوب ستر أحد العاتقين في الصلاة إن تيسر قول قوي، ويكون حديث جابر تجتمع به الأدلة.
• ما هي عورة الرجل في الصلاة؟
أولاً: لا خلاف بين العلماء في أن ما فوق سرة الرجل وما تحت ركبتيه ليس بعورة.
ثانياً: لا خلاف بينهم في أن القبل والدبر عورة.
ثالثاً: وإنما الخلاف فيما عدا الفرجين مما تحت السرة وفوق الركبة.
اختلف العلماء على أقوال:
القول الأول: أن عورة الرجل من السرة إلى الركبة.
وهذا مذهب أكثر العلماء: من المالكية، والحنفية، والشافعية، والحنابلة. الأدلة:
- عن جرهد الأسلمي أن النبي ﷺ مرّ به وهو كاشف عن فخذه، فقال النبي ﷺ : (غط فخذك فإنها من العورة). رواه أبو داود والترمذي
- وعن محمد بن جحش قال: مرّ النبي ﷺ وأنا معه - على معْمر وفخذاه مكشوفتان، فقال: (يا معمر، غط فخذيك فإن الفخذين عورة). رواه أحمد والبخاري تعليقاً
وهذه الأحاديث صححها جمع من العلماء: كابن حبان، والحاكم، والذهبي، وابن حجر، والألباني.
- وعن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تبرز فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت). رواه أبو داود
стр. 424
القول الثاني: أن عورة الرجل الفرجان فقط.
وهذا مذهب الظاهرية.
لحديث أنس: (أن رسول الله ﷺ غزا خيبر فصليا عندها صلاة الغداة بغلس، فركب نبي الله ﷺ … فأجرى نبي الله في زقاق مكة، وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله، ثم حسر الإزار عن فخذه حتى إني لأنظر إلى بياض فخذ نبي الله … ). متفق عليه
وجه الدلالة: أن الفخذ ليس بعورة، إذ لو كانت عورة ما كشفها رسول الله ﷺ .
والجواب عنه:
أن الحديث محمول على أن الإزار انكشف وانحسر بنفسه، لا أن النبي ﷺ تعمد كشفه، بل انكشف لضرورة الإغارة والجري والزحام، وعلى هذا تدل رواية مسلم: (فانحسر الإزار).
والرد على هذا:
قال ابن حجر: لا فرق بين الروايتين: (حسر، وانحسر) في الدلالة على الحكم، فعلى التسليم يكون قد انحسر بنفسه فإن بقاءه مكشوفاً يدل على أن الفخذ ليس بعورة، إذ لو كان كذلك لما تركه النبي ﷺ ، ولما أقرَّ عليه، ولنبه عليه كما كان يفعل، فاستوى الحال في كون الإزار انحسر بنفسه أو بفعله.
وهناك جمع آخر لابن القيم، قال: وطريق الجمع بين هذه الأحاديث، ما ذكر غير واحد من أصحاب أحمد وغيره، أن العورة عورتان: مخففة، ومغلظة، فالمغلظة السوأتان، والمخففة الفخذان، ولا تنافي بين الأمر بغض البصر عن الفخذين، لكونها عورة، وبين كشفها، لكونها عورة مخففة.
واستدلوا أيضاً: بحديث عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ مضطجعاً في بيتي كاشفاً عن فخذيه أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر، فأذن له وهو على تلك الحال فتحدث، ثم استأذن عمر فأذن له وهو كذلك فتحدث، ثم استأذن عثمان فجلس وسوى ثيابه فدخل … ). رواه مسلم.
وجه الدلالة: أن إذن النبي ﷺ لأبي بكر وعمر بالدخول عليه وفخذه مكشوفة، يدل على أن الفخذ ليست بعورة.
والجواب عن هذا الحديث:
أن هذا الحديث لا حجة فيه، مشكوك في المكشوف هل هما الساقان أو الفخذان، حيث جاء في رواية مسلم التردد في كون النبي ﷺ كاشفاً عن فخذيه أو ساقيه، والساق ليس بعورة إجماعاً.
стр. 425
• هل السرة والركبة من العورة؟
اختلف العلماء في السرة والركبة:
فقيل: هما من العورة.
وقيل: أنهما ليسا من العورة، وهو مذهب جمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وهو قول المالكية والشافعية والحنابلة.
وقيل: الركبة من العورة دون السرة.
وهو مذهب الحنفية.
وقيل: السرة من العورة دون الركبة.
استدل الجمهور على أن الركبة ليست من العورة:
- بما رواه أبو موسى: (أن النبي ﷺ كان قاعداً في مكان فيه، قد انكشف عن ركبته، فلما دخل عثمان غطاها). رواه البخاري
- وبما رواه علي في قصة حمزة: (لما شرب الخمر قبل أن ينزل التحريم الأبدي واعتدى على ناقة رجل من الأنصار، وهو سكران لا يشعر بما يفعل، فعلم النبي ﷺ بذلك، فانطلق النبي ﷺ ومعه علي وزيد بن حارثة، حتى جاء البيت الذي فيه خمره، فاستأذن عليه فأذن له، فطفق النبي ﷺ يلوم حمزة … فإذا حمزة ثمل محمر عيناه، فنظر حمزة إلى النبي ﷺ ، ثم صعّد النظر، فنظر إلى ركبتيه، ثم صعّد النظر إلى سرته، ثم صعّد النظر إلى وجهه، ثم قال حمزة: وهل أنتم إلا عبيد أبي). رواه البخاري
- وما رواه أبو الدرداء قال: (كنت جالساً عند النبي ﷺ إذ أقبل أبو بكر آخذاً بطرف ثوبه، حتى أبدى عن ركبتيه، فقال النبي ﷺ : أما صاحبكم فقد غامر). رواه البخاري
- وقال ﷺ : (ما بين السرة والركبة عورة). صححه الألباني
أدلة من قال بأنها من العورة:
استدلوا بأدلة لا تصح.
كقوله ﷺ : (الركبة من العورة). رواه البيهقي وهو لا يصح
وكقوله ﷺ : (السرة من العورة). وهو ضعيف
والراجح أنهما ليسا من العورة.
следующие страницы →