Полный текст (3 038 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
القول الثاني: بالخمس عشرة سنة.
قال ابن حجر: وقال الشافعي وأحمد وابن وهب والجمهور: حده فيها استكمال خمس عشرة سنة.
وقال النووي: وهو مذهب الشافعي والأوزاعي وابن وهب وأحمد وغيرهم، قالوا: باستكمال خمس عشرة سنة يصير مكلفاً وإن لم يحتلم.
لحديث ابن عمر قال: (عُرِضت على رسول الله ﷺ في القتال وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضت يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني). متفق عليه
قال نافع: (فقدمت على عمر بن عبد العزيز وهو يومئذٍ خليفة فحدثته هذا الحديث فقال: إن هذا الحد بين الصغير والكبير، فكتب إلى عماله أن يفرضوا لمن كان ابن خمس عشرة سنة، ومن كان دون ذلك فاجعلوه في العيال). متفق عليه
القول الثاني: البلوغ بالسبع عشرة سنة.
قال الشوكاني: وقال مالك وأبو حنيفة وغيرهما لا يحكم لمن لم يحتلم بالبلوغ إلا بعد مضي سبع عشرة سنة.
وقال ابن حجر: وقال أكثر المالكية: حده فيها سبع عشرة أو ثمان عشرة.
القول الرابع: البلوغ بالثمانية عشرة سنة.
وهذا القول عزي لأبي حنيفة إلى أن حد البلوغ في استكمال ثمان عشرة سنة إلا أن يحتلم قبل ذلك.
رابعاً: البلوغ بالإنبات
وقال به جمع من أهل العلم.
قال ابن حجر: فاعتبر مالك والليث وأحمد وإسحاق وأبو ثور الإنبات.
وقال ابن حزم: والإنبات بلوغ صحيح.
لحديث عطية القرظي قال: (عرضت على النبي ﷺ يوم قريظة فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت خلي سبيله، فكنت فيمن لم ينبت فخلي سبيلي) رواه أحمد.
стр. 422
٢٠٦ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: (إِنْ كَانَ اَلثَّوْبُ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ) - يَعْنِي: فِي اَلصَّلَاةِ) وَلِمُسْلِمٍ: (فَخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ - وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٢٠٧ - وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي اَلثَّوْبِ اَلْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ).
===
(إِنْ كَانَ اَلثَّوْبُ) المراد بالثوب ما يلبس من إزار أو رداء أو غيرهما، فهو قطعة قماش لم تفصّل على قدر البدن، وليس المراد به القميص، لأن القميص ثوب ذو أكمام.
(وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ) الالتحاف: أن يتزر ويرتدي بثوب واحد، يخالف بين طرفيه، ولذا ساق الحافظ رواية مسلم (فخالف بين طرفيه).
(وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ به) أي: وإن كان الثوب ضيقاً لا يكفي للارتداء والاتزار، فاتزر به فقط، والاتزار: ستر أسفل البدن ما بين السرة والركبة، لأن القصد الأصلي ستر العورة، وهو يحصل بالاتزار.
(لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شيء) العاتق: ما بين المنكب والعنق.
• على ماذا يدل الحديث؟
الحديث يدل على أنه إذا كان الثوب واسعاً فعلى المصلي أن يلتحف به، فيغطي به من المنكبين إلى ما تحت الركبتين، لأنه وجد سترة كاملة، وأما إذا كان الثوب ضيقاً لا يكفي ستر كل البدن، فليستر به العورة الواجب سترها، وهي بين السرة والركبة.
• ما حكم ستر العاتق في الصلاة؟
تحرير محل الخلاف:
أولاً: لا خلاف بينهم في مشروعية ستر العاتقين في الصلاة، وأن ذلك هو الأكمل والأفضل في حق المصلي.
ثانياً: وإنما الخلاف بينهم في حكم ستر العاتقين داخل الصلاة.
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: أنه يجب أن يضع المصلي على عاتقه شيئاً من اللباس فرضاً كانت الصلاة أم نفلاً.
وهذا ذهب إليه المالكية والحنابلة في رواية، ورجح هذا القول جمع من العلماء: ابن المنذر، والبخاري، وابن بطال، وابن حجر، وابن رجب، وابن قدامة.
لحديث الباب (لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء).
وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة في الثوب الواحد إذا لم يكن على العاتق منه شيء نهياً مؤكداً، والأصل في النهي التحريم، فدل على وجوب ستر العاتق في الصلاة.
قالوا: والحديث عام، فيشمل الفرض والنفل، لأنه ما ثبت في الفرض ثبت في النفل إلا بدليل.
стр. 423
القول الثاني: أنه يجب في الفرض.
وهذا المذهب، وذكر بعض الحنابلة أنها من المفردات.
أ-لحديث الباب. (لا يصلي أحدكم في الثوب … ).
قالوا: هذا محمول على صلاة الفريضة، لأن الفرض هو المكلف به.
ب- ولحديث عائشة: (أن النبي ﷺ صلى في ثوب واحد بعضه علي). رواه أبو داود.
قالوا: ظاهر هذا الحديث أنه كان في صلاة نفل.
ج- وقالوا: إن صلاة النفل مبناها على التخفيف.
القول الثالث: أنه مستحب لا واجب.
وإليه ذهب جمهور العلماء: الحنفية، وأكثر المالكية، والشافعية.
واستدلوا على الاستحباب بحديث الباب (لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد … ).
واستدلوا على عدم الوجوب: بحديث جابر: ( … وإذا كان ضيقاً فاتزر به) فدل ذلك على أن الصلاة بإزار واحد مع إعراء المنكبين صحيحة.
واستدلوا بالقياس: وهو أن العاتقين ليسا بعورة، فأشبها بقية البدن.
واستدلوا: بالإجماع المحكي على جواز الصلاة مع ترك ستر العاتقين [وهذا الإجماع فيه نظر].
والراجح: القول بوجوب ستر أحد العاتقين في الصلاة إن تيسر قول قوي، ويكون حديث جابر تجتمع به الأدلة.
• ما هي عورة الرجل في الصلاة؟
أولاً: لا خلاف بين العلماء في أن ما فوق سرة الرجل وما تحت ركبتيه ليس بعورة.
ثانياً: لا خلاف بينهم في أن القبل والدبر عورة.
ثالثاً: وإنما الخلاف فيما عدا الفرجين مما تحت السرة وفوق الركبة.
اختلف العلماء على أقوال:
القول الأول: أن عورة الرجل من السرة إلى الركبة.
وهذا مذهب أكثر العلماء: من المالكية، والحنفية، والشافعية، والحنابلة. الأدلة:
- عن جرهد الأسلمي أن النبي ﷺ مرّ به وهو كاشف عن فخذه، فقال النبي ﷺ : (غط فخذك فإنها من العورة). رواه أبو داود والترمذي
- وعن محمد بن جحش قال: مرّ النبي ﷺ وأنا معه - على معْمر وفخذاه مكشوفتان، فقال: (يا معمر، غط فخذيك فإن الفخذين عورة). رواه أحمد والبخاري تعليقاً
وهذه الأحاديث صححها جمع من العلماء: كابن حبان، والحاكم، والذهبي، وابن حجر، والألباني.
- وعن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تبرز فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت). رواه أبو داود
стр. 424
القول الثاني: أن عورة الرجل الفرجان فقط.
وهذا مذهب الظاهرية.
لحديث أنس: (أن رسول الله ﷺ غزا خيبر فصليا عندها صلاة الغداة بغلس، فركب نبي الله ﷺ … فأجرى نبي الله في زقاق مكة، وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله، ثم حسر الإزار عن فخذه حتى إني لأنظر إلى بياض فخذ نبي الله … ). متفق عليه
وجه الدلالة: أن الفخذ ليس بعورة، إذ لو كانت عورة ما كشفها رسول الله ﷺ .
والجواب عنه:
أن الحديث محمول على أن الإزار انكشف وانحسر بنفسه، لا أن النبي ﷺ تعمد كشفه، بل انكشف لضرورة الإغارة والجري والزحام، وعلى هذا تدل رواية مسلم: (فانحسر الإزار).
والرد على هذا:
قال ابن حجر: لا فرق بين الروايتين: (حسر، وانحسر) في الدلالة على الحكم، فعلى التسليم يكون قد انحسر بنفسه فإن بقاءه مكشوفاً يدل على أن الفخذ ليس بعورة، إذ لو كان كذلك لما تركه النبي ﷺ ، ولما أقرَّ عليه، ولنبه عليه كما كان يفعل، فاستوى الحال في كون الإزار انحسر بنفسه أو بفعله.
وهناك جمع آخر لابن القيم، قال: وطريق الجمع بين هذه الأحاديث، ما ذكر غير واحد من أصحاب أحمد وغيره، أن العورة عورتان: مخففة، ومغلظة، فالمغلظة السوأتان، والمخففة الفخذان، ولا تنافي بين الأمر بغض البصر عن الفخذين، لكونها عورة، وبين كشفها، لكونها عورة مخففة.
واستدلوا أيضاً: بحديث عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ مضطجعاً في بيتي كاشفاً عن فخذيه أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر، فأذن له وهو على تلك الحال فتحدث، ثم استأذن عمر فأذن له وهو كذلك فتحدث، ثم استأذن عثمان فجلس وسوى ثيابه فدخل … ). رواه مسلم.
وجه الدلالة: أن إذن النبي ﷺ لأبي بكر وعمر بالدخول عليه وفخذه مكشوفة، يدل على أن الفخذ ليست بعورة.
والجواب عن هذا الحديث:
أن هذا الحديث لا حجة فيه، مشكوك في المكشوف هل هما الساقان أو الفخذان، حيث جاء في رواية مسلم التردد في كون النبي ﷺ كاشفاً عن فخذيه أو ساقيه، والساق ليس بعورة إجماعاً.
стр. 425
• هل السرة والركبة من العورة؟
اختلف العلماء في السرة والركبة:
فقيل: هما من العورة.
وقيل: أنهما ليسا من العورة، وهو مذهب جمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وهو قول المالكية والشافعية والحنابلة.
وقيل: الركبة من العورة دون السرة.
وهو مذهب الحنفية.
وقيل: السرة من العورة دون الركبة.
استدل الجمهور على أن الركبة ليست من العورة:
- بما رواه أبو موسى: (أن النبي ﷺ كان قاعداً في مكان فيه، قد انكشف عن ركبته، فلما دخل عثمان غطاها). رواه البخاري
- وبما رواه علي في قصة حمزة: (لما شرب الخمر قبل أن ينزل التحريم الأبدي واعتدى على ناقة رجل من الأنصار، وهو سكران لا يشعر بما يفعل، فعلم النبي ﷺ بذلك، فانطلق النبي ﷺ ومعه علي وزيد بن حارثة، حتى جاء البيت الذي فيه خمره، فاستأذن عليه فأذن له، فطفق النبي ﷺ يلوم حمزة … فإذا حمزة ثمل محمر عيناه، فنظر حمزة إلى النبي ﷺ ، ثم صعّد النظر، فنظر إلى ركبتيه، ثم صعّد النظر إلى سرته، ثم صعّد النظر إلى وجهه، ثم قال حمزة: وهل أنتم إلا عبيد أبي). رواه البخاري
- وما رواه أبو الدرداء قال: (كنت جالساً عند النبي ﷺ إذ أقبل أبو بكر آخذاً بطرف ثوبه، حتى أبدى عن ركبتيه، فقال النبي ﷺ : أما صاحبكم فقد غامر). رواه البخاري
- وقال ﷺ : (ما بين السرة والركبة عورة). صححه الألباني
أدلة من قال بأنها من العورة:
استدلوا بأدلة لا تصح.
كقوله ﷺ : (الركبة من العورة). رواه البيهقي وهو لا يصح
وكقوله ﷺ : (السرة من العورة). وهو ضعيف
والراجح أنهما ليسا من العورة.
стр. 426
• هل الأفضل تغطية الرأس في الصلاة أم لا؟
قيل: حسب عرف البلد، واختاره الشيخ ابن عثيمين، قال ﵀: قال تعالى (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) فإن كان من قوم لا يتم أخذ زينتهم إلا بغطاء الرأس، قلنا: غطاء الرأس مستحب، وإذا كان من قوم لا يهتمون بهذا ولا يجعلون غطاء الرأس من الزينة، قلنا: لا يستحب، لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. [الشيخ ابن عثيمين].
وقيل: يكره الصلاة حاسر الرأس، وهذا اختيار الألباني ﵀، قال ﵀: والذي أراه في هذه المسألة أن الصلاة حاسر الرأس مكروهة ذلك أنه من المسلم به استحباب دخول المسلم في الصلاة في أكمل هيئة إسلامية للحديث المتقدم في الكتاب: فإن الله أحق أن يتزين له، وليس من الهيئة الحسنة في عرف السلف اعتياد حسر الرأس والسير كذلك في الطرقات والدخول كذلك في أماكن العبادات بل هذه عادة أجنبية تسربت إلى كثير من البلاد الإسلامية حينما دخلها الكفار وجلبوا إليها عاداتهم الفاسدة.
• اذكر شروط الثوب الساتر؟
أولاً: أن يكون الثوب الساتر مباحاً، فلا يجوز أن يكون محرماً.
والمحرم ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
محرم لعينه: كما لو صلى بثوب حرير [ومن المعلوم أن الحرير حرام للرجال] فلا تصح صلاته.
محرم لكسبه: كمن صلى بثوب مغصوب أو مسروق، فلا تصح صلاته.
محرم لوصفه: كمن صلى في ثوب مسبل.
وقد جاء في الحديث عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (من اشترى ثوباً بعشرة دراهم وفيه درهم حرام لم يقبل الله له صلاة ما دام عليه). رواه أحمد وهو ضعيف
وذهب بعض العلماء إلى صحة الصلاة بالثوب المحرم مع الإثم، وهذا القول هو الصحيح، لأن جهة الأمر والنهي مختلفة.
ثانياً: أن لَا يَصِفُ اَلْبَشْرَةَ.
هذا الشرط الثاني للثوب الساتر، أن لا يصف البشرة، يعني لا يكون رقيقاً يصف البشرة، فإن كان رقيقاً يصف البشرة من احمرار أو اسوداد ونحو ذلك؛ فإنه لا يصح الستر به، لأنه لا يسمى ساتراً.
ولأن الحديث عن النبي ﷺ (صنفان من أهل النار لم أرهما … نساء كاسيات عاريات) قال العلماء: يدخل في الكاسية العارية التي تلبس ثوباً تكتسي به لكنه عاري في نفس الوقت لخفته لكونه خفيفاً.
ثالثاً: أن يكون طاهراً، فإن كان نجساً فإنه لا تصح الصلاة به، لا لعدم الستر، ولكن لأنه لا يجوز حمل النجاسة في الصلاة.
وهذا أدلته أدلة اجتناب النجاسة، ومنها حديث أبي سعيد: (أن النبي ﷺ كان يصلي ذات يوم بأصحابه، فخلع نعليه فخلع الناس نعالهم، فلما سلم سألهم لماذا خلعوا نعالهم، قالوا: رأيناك خلعت نعالك فخلعنا نعالنا، فقال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذراً). رواه أبو داود
стр. 427
٢٠٨ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ. (أَنَّهَا سَأَلَتْ اَلنَّبِيِّ ﷺ (أَتُصَلِّي اَلْمَرْأَةُ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ، بِغَيْرِ إِزَارٍ؟ قَالَ: "إِذَا كَانَ اَلدِّرْعُ سَابِغًا يُغَطِّي ظُهُورَ قَدَمَيْهَا) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَ اَلْأَئِمَّةُ وَقْفَهُ.
===
أَتُصَلِّي اَلْمَرْأَةُ فِي دِرْعٍ) الدرع بكسر الدال وهو هنا قميص المرأة.
(بِغَيْرِ إِزَارٍ) أي: ليس تحت قميصها إزار ولا سراويل.
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث ضعيف ولا يصح، وكما قال الحافظ ابن حجر ﵀ صحح الأئمة وقفه.
ومع ذلك اختلف في هذا الموقوف هل هو صحيح أم ضعيف.
بعض العلماء ضعف هذا الموقوف، لأن في الإسناد امرأة مجهولة لا تعرف.
وبعضهم صححه لأمرين:
الأول: أن هذه المرأة وإن كانت مجهولة؛ لكنها من التابعيات وقد سمعت من أم سلمة، وتقدم مراراً أن المجهول لا يُتكلف في أمره إذا كان من التابعين لغلبة الثقات عليهم.
ثانياً: أن هذه المرأة الفاضلة توبِعت من امرأةٍ أخرى وهي أم الحسن البصري، روت عن أم سلمة نفس هذه الفتوى، فتابعت هذه المرأة. [الشيخ أحمد الخليل].
• ما الواجب في لباس المرأة في الصلاة؟
أن المرأة تصلي في الدرع والخمار، فالدرع وهو القميص يغطي بدنها وقدميها، والخمار يغطي رأسها.
• ما الأكمل والأفضل لها؟
الأكمل والأفضل أن تصلي المرأة في درع وخمار وملحفة.
لما ورد عن ابن عمر قال: إذا صلت المرأة فلتصل في ثيابها كلها: الدرع والخمار والملحفة. أخرجه ابن أبي شيبة.
• اذكر بعض الفوائد من الحديث؟
أولاً: عدم وجوب تغطية المرأة وجهها في الصلاة، وهذا إذا لم يكن عندها رجال أجانب.
ثانياً: استدل به من قال: إنه يجب على المرأة أن تغطي قدميها في الصلاة (وسبقت المسألة).
стр. 428
٢٠٩ - وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ﵁ قَالَ: (كُنَّا مَعَ اَلنَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةٍ مَظْلَمَةٍ، فَأَشْكَلَتْ عَلَيْنَا اَلْقِبْلَةُ، فَصَلَّيْنَا. فَلَمَّا طَلَعَتِ اَلشَّمْسُ إِذَا نَحْنُ صَلَّيْنَا إِلَى غَيْرِ اَلْقِبْلَةِ، فَنَزَلَتْ: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللَّهِ) أَخْرَجَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ.
===
(فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا) أي: فإلى أيّ مكان تتجهوا.
(فَثَمَّ) بفتح الثاء والميم المشددة، أي: فهناك.
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث رواه الترمذي وابن ماجه والعقيلي في الضعفاء من طريق أشعث بن سعيد أبو الربيع السمان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أسيد.
وهذا إسناد ضعيف، وقد ضعفه الترمذي حيث قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان، وفيه ضعف، وأشعث، قال الحافظ: متروك.
وعاصم بن عبيد الله، قال الحافظ: ضعيف.
• ما حكم استقبال القبلة في الصلاة؟
شرط من شروط الصلاة.
أ-لقوله تعالى (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ).
ب-وقال ﷺ للمسيء في صلاته (إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر). متفق عليه
وأجمع المسلمون على أن استقبال القبلة من شروط الصلاة، وممن نقل الإجماع ابن عبد البر، والقرطبي.
• لماذا سميت القبلة قبلة؟
والقبلة هي الجهة التي يستقبلها المصلي، وسميت قبلة لإقبال الناس عليها، أو لأن المصلي يقابلها وهي تقابله.
• أين كانت القبلة أولاً، ومتى كان التحويل؟
كانت القبلة أولاً إلى بيت المقدس، ثم نسخت إلى الكعبة.
وكان تحويل القبلة في شعبان في السنة (٢) هـ.
стр. 429
• ما حكم المسافر إذا أشكلت عليه القبلة ثم صلى، وبعد الصلاة تبين أنه أخطأ؟
الحديث يدل على أن المسافر إذا أشكلت عليه القبلة، ثم صلى، ثم تبين له خطأه، فصلاته صحيحة.
وقد اختلف العلماء، فيمن صلى باجتهاد إن كان من أهل الاجتهاد أو بتقليد إن لم يكن من أهل الاجتهاد، ثم علم خطأ القبلة بعد فراغه على أقوال:
القول الأول: أنه لا يعيد.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
فهو قول مالك وأحمد وأبي حنيفة، وهو قول للشافعي، وهو قول الظاهرية.
وقال الترمذي بعد إخراجه حديث الباب وإعلاله له، قال: … وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى هذا، قالوا: إذا صلى في الغيم إلى غير القبلة، ثم استبان له بعد ما صلى أنه صلى لغير القبلة، فإن صلاته جائزة، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق.
أ- لحديث الباب، حيث أن النبي ﷺ لم يأمرهم بالإعادة.
ب-ولأنه أتى بما أمر، فخرج عن العهد، كالمصيب.
ج- ولأنه قام بالواجب عليه على وجهه، مع عدم تفريطه فسقط عنه.
د- ولأن خفاء القبلة في الأسفار يقع كثيراً لوجود الغيوم وغيرها من الموانع، فإيجاب الإعادة مع ذلك فيه حرج، وهو منتف شرعاً.
القول الثاني: يلزمه الإعادة.
وهو قول للشافعي.
لأنه بان له الخطأ في شرط من شروط الصلاة، فلزمته الإعادة، كما لو بان له أنه صلى قبل الوقت، أو بغير طهارة، أو ستارة.
والراجح القول الأول.
• ما الحكم لو علم المصلي بالقبلة أثناء الصلاة؟
لو علم بالقبلة أثناء الصلاة، فإنه يجب أن يتجه إليها وهو في الصلاة.
لحديث البراء قال: (كان رسول الله ﷺ صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، … فأنزل الله (قد نرى تقلب وجهك في السماء) فتوجه نحو الكعبة، فصلى مع النبي ﷺ رجل، ثم خرج بعدما صلى، فمر على قوم من الأنصار في صلاة العصر نحو بيت المقدس، فقال: هو يشهد أنه صلى مع رسول الله ﷺ وأنه توجه نحو الكعبة، فتحرك القوم حتى توجهوا نحو القبلة) متفق عليه.
стр. 430
• ما الواجب على من خفيت عليه القبلة؟
يجب على الذي خفيت عليه القبلة أن يجتهد إن كان من أهل الاجتهاد، أو يقلد إن لم يكن من أهل الاجتهاد، فإن صلى فإن صلاته صحيحة أصاب القبلة أو لم يصبها.
• ما الحكم إذا صلى بغير اجتهاد ولا تقليد؟
إن صلى بغير اجتهاد ولا تقليد، فلا يخلو من حالين:
الحال الأولى: أن يخطى القبلة، فهنا يعيد لأنه مفرط.
الحال الثانية: إن أصاب القبلة:
فقيل: يعيد، لأنه مفرط.
وقيل: لا يعيد، وهذا هو الصحيح.
• هل هذه الآية من آيات الصفات أم لا؟
اختلف العلماء هل هذه الآية من آيات الصفات أم لا على قولين:
القول الأول: ذهبت طائفة إلى أن ذلك من الصفات، وأن المراد بالآية وجه الله الذي هو صفة من صفاته سبحانه.
وممن قال بذلك: ابن خزيمة، والبيهقي، وابن القيم، وعبد الرحمن السعدي، وابن عثيمين
قال ابن القيم: الصحيح في قوله تعالى (فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) أنه كقوله في سائر الآيات التي ذكر فيها الوجه، فإنه قد اطرد مجيئه في القرآن والسنة مضافاً إلى الرب تعالى، على طريقة واحدة، ومعنى واحد، فليس فيه معنيان مختلفان في جميع المواضع غير الموضع الذي ذكر في سورة البقرة، وهو قوله (فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)، وهذا لا يتعين حمله على القبلة والجهة، ولا يمتنع أن يراد به وجه الرب حقيقة، فحمله على غير القبلة كنظائره كلها أولى.
قال الشيخ ابن عثيمين: لكن الراجح أن المراد به الوجه الحقيقي، لأن ذلك هو الأصل، وليس هناك ما يمنعه، وقد أخبر النبي ﷺ أن الله تعالى قِبَلَ وجه المصلي. ولهذا نهى أن يبصق أمام وجهه؛ لأن الله قِبَل وجهه فإذا صليت في مكان لا تدري أين القبلة واجتهدت وتحريت وصليت وصارت القبلة في الواقع خلفك فالله يكون قبل وجهه حتى في هذه الحالة. وهذا معنى صحيح موافق لظاهر الآية والمعنى الأول لا يخالفه في الواقع.
القول الثاني: ذهبت طائفة إلى أن ذلك ليس من باب الصفات في شيء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ليست هذه الآية من آيات الصفات ومن عدها في الصفات فقد غلط
وقد اختلف هؤلاء في معناها على أقوال:
فقيل: أن معناها فثم قبلة الله، قالوا: والوجه يأتي في اللغة بمعنى الجهة، يقال: وِجْهَة ووجه وَجِهَة. وممن روي عنه هذا القول: ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والحسن البصري، وقتادة، ومقاتل بن حيان، والشافعي، واختاره: الواحدي، والزمخشري، وابن عطية، والرازي، وابن تيمية.
قال ابن تيمية (فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه) أي: قبلة الله، ووجهة الله، هكذا قال جمهور السلف.
وقيل: (فثم وجه الله) أي: فثم رضا الله وثوابه.
والراجح - والله أعلم - القول الأول.
стр. 431
• اذكر خلاف العلماء في سبب نزول هذه الآية؟
اختلف العلماء في المعنى الذي نزلت فيه (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه) على أقوال:
قيل: ما جاء عن ابن عباس قال (كان أول ما نسخ من القرآن: القبلة، وذلك أن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة، وكان أكثر أهلها اليهود، أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهراً، فكان رسول الله ﷺ يحب قبلة إبراهيم ﵇، فكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله (قد نرى تقلب وجهك في السماء … إلى قوله فولوا وجوهكم شطره) فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: (ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها) فأنزل الله (قل لله المشرق والمغرب) وقال (فأينما تولوا فثم وجه الله) رواه ابن جرير، وهذه الرواية ثابتة عن ابن عباس، وأيضاً من قبيل الصريح في سبب النزول.
وقيل: نزلت فيمن صلى إلى غير القبلة في ليلة مظلمة. أخرجه الترمذي
كما في حديث الباب.
وقيل: نزلت في المسافر يتنفل حيثما توجهت به راحلته.
فعن ابن عمر. قال (كان رسول الله ﷺ يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيثما كان وجهه، قال: وفيه نزلت: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) رواه مسلم.
وقيل: إن الآية منسوخة بقوله: (وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) أي تلقاءه.
روي عن مجاهد والضحاك: أنها محكمة المعنى: أينما كنتم من شرق وغرب فثم وجه الله الذي أمرنا باستقباله وهو الكعبة.
وقيل: لما نزلت (ادعوني أستجب لكم) قالوا: إلى أين؟ فنزلت (فأينما تولوا فثم وجه الله) لكنه ضعيف.
стр. 432
٢١٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَا بَيْنَ اَلْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ) رَوَاهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَقَوَّاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث صححه بعض العلماء.
وبعض العلماء ضعفه.
• ما رأيك بقول الحافظ ابن حجر في هذا الحديث (وقواه البخاري)؟
هذا ليس بصحيح؛ لأن الإمام الكبير البخاري إنما قوى طريق من طرق هذا الحديث على طريق أخرى، يعني رجح طريق على الطرق الأخرى، وهذا لا يقتضي التصحيح. [قاله الشيخ أحمد الخليل].
• لمن الخطاب في هذا الحديث؟
الخطاب هنا لأهل المدينة ولمن كانت قبلتهم الجنوب أو الشمال.
• ما هو فرض المصلي؟
فرض المصلي ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن يمكنه مشاهدة الكعبة، ففرضه أن يتجه إلى عين الكعبة.
وهذا بالاتفاق.
قال ابن قدامة: لا نعلم في هذا خلافاً.
القسم الثاني: من لا يمكنه مشاهدة الكعبة كالبعيد، فالواجب عليه أن يتجه إلى جهة الكعبة.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
أ- لحديث الباب.
ب-أن الصف الطويل صلاتهم صحيحة بالإجماع، مع أنه يجزم بأنه ليس كلهم مستقبلي القبلة.
ج-أن إلزام الناس استقبال عين الكعبة في الأماكن البعيدة متعذر ومتعسر.
• ما حكم الانحراف اليسير عن القبلة؟
الانحراف اليسير عن القبلة لا يضر ما دام في الجهة.
стр. 433
٢١١ - وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ﵁ قَالَ: (رَأَيْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
زَادَ اَلْبُخَارِيُّ: (يُومِئُ بِرَأْسِهِ، وَلَمْ يَكُنْ يَصْنَعُهُ فِي اَلْمَكْتُوبَةِ).
٢١٢ - وَلِأَبِي دَاوُدَ: مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: (كَانَ إِذَا سَافَرَ فَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اِسْتَقْبَلَ بِنَاقَتِهِ اَلْقِبْلَةِ، فَكَبَّرَ، ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ كَانَ وَجْهَ رِكَابِهِ) وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
===
(يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ) المراد بالصلاة: النافلة في السفر كما في رواية البخاري، والراحلة المركب من الإبل.
وقد دلت رواية مسلم على أنها صلاة الليل فقد جاء في مسلم (أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي السبحة بالليل في السفر، على ظهر راحلته).
(حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ) أي: إلى أيّ جهة توجهت الدابة صلى، سواء أكان إلى القبلة أم إلى غيرها.
(يُومِئُ بِرَأْسِهِ) أي: يشير به للركوع والسجود، وسيأتي التفريق بينهما.
(وَلَمْ يَكُنْ يَصْنَعُهُ فِي اَلْمَكْتُوبَة) أي: لم يكن يصلي على راحلته الصلاة المكتوبة، بل ينزل إلى الأرض.
• متى يسقط استقبال القبلة؟
يسقط استقبال القبلة في حق المسافر المتنفل إذا كان على راحلته.
أ-لأحاديث الباب.
ب-ولحديث جابر (أن النبي ﷺ كان يصلي التطوع وهو راكب في غير القبلة) رواه البخاري
ج-ولحديث ابن عمر (أن رسول الله ﷺ كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه) متفق عليه.
د- ولحديث ابن عمر قال (كان رسول الله ﷺ يوتر على راحلته) متفق عليه.
(يسبح) قال الحافظ: أي يصلي النافلة، والتسبيح حقيقة في قول: سبحان الله، فإذا أطلق على الصلاة فهو من باب إطلاق اسم البعض على الكل.
قال الشوكاني: الحديث يدل على جواز التطوع على الراحلة للمسافر قِبَلَ جهة مقصودة، وهو إجماع كما قاله النووي والعراقي والحافظ.
وقال النووي: جواز التنفل على الراحلة في السفر حيث توجهت به جائز بإجماع المسلمين.
أ-لحديث الباب.
• ما الحكمة من هذا التخفيف؟
قال المباركفوري: كأن السر فيما ذكر من جواز التطوع على الدابة في السفر تحصيل النوافل على العباد وتكثيرها تعظيماً لأجورهم رحمة من الله بهم.
فالحكمة إذاً: حتى لا ينقطع المسافر عن العبادة، ولا المتعبد عن السفر.
وسبب سقوط استقبال القبلة في هذه الحالة: مشقة الاستقبال، ولعلة السفر.
стр. 434
• ما كيفية صلاة المسافر النافلة على راحلته؟
يومئ برأسه يجعل السجود أخفض من الركوع.
ففي حديث الباب (يومئ برأسه)، وعند الترمذي (يجعل السجود أخفض من الركوع).
قال الشوكاني: الحديث يدل على أن سجود من صلى على الراحلة يكون أخفض من ركوعه، ولا يلزمه وضع الجبهة على السرج، ولا بذل غاية الوسع في الانحناء، بل يخفض سجوده بمقدار يفترق به السجود عن الركوع.
وليكون البدل على وفق الأصل.
• هل يجب أن يستقبل القبلة عند تكبيرة الإحرام أم لا؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: يجب ذلك.
وهذا مذهب الحنابلة.
لحديث -الباب - أنس (كَانَ إِذَا سَافَرَ فَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اِسْتَقْبَلَ بِنَاقَتِهِ اَلْقِبْلَةِ، فَكَبَّرَ، ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ كَانَ وَجْهَ رِكَابِهِ).
القول الثاني: أنه لا يجب.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
قالوا: حديث أنس فعل، والفعل يدل على الاستحباب.
فيحمل حديث أنس على الاستحباب كما قال ابن قدامة في المغني.
قال ابن القيم بعد ذكره لحديث أنس: وفي الحديث نظر، وسائر من وصف صلاته ﷺ على راحلته أطلقوا أنه كان يصلي عليها قبل أي جهة توجهت به، ولم يستثنوا من ذلك تكبيرة الإحرام، ولا غيرها كعامر بن ربيعة، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وحديثهم أصح من حديث أنس هذا.
فحديث أنس (كَانَ إِذَا سَافَرَ فَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اِسْتَقْبَلَ بِنَاقَتِهِ اَلْقِبْلَةِ، فَكَبَّرَ … ) مخالف للأحاديث الصحيحة الواردة في الصحيحين، فإن هذه الأحاديث ليس فيه استثناء تكبيرة الإحرام وأنها إلى القبلة، كما قال ابن القيم.
стр. 435
• هل يجوز الصلاة في السيارة السائرة جالساً لغير اتجاه القبلة في الحضر، كما هو الحال في السفر، أم إن تلك الحال للمصلي لا تصلح إلا في السفر؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: عدم الجواز، وهو قول الجمهور.
القول الثاني: الجواز، وذهب إلى هذا القول أبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة، وأبو سعيد الاصطخري من الشافعية، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو قول الطبري والأوزاعي وابن حزم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما الصلاة على الراحلة: فقد ثبت فى الصحيح بل استفاض عن النبي ﷺ أنه كان يصلِّي على راحلته في السفر قبَل أي وجه توجهت به، ويوتر عليها، غير أنه لا يصلِّي عليها المكتوبة، وهل يسوغ ذلك في الحضر؟ فيه قولان في مذهب أحمد وغيره
وقال الشوكاني: والحديث يدل على جواز التطوع على الراحلة للمسافر قبل جهة مقصده وهو إجماع كما قال النووي والعراقي والحافظ وغيرهم، وإنما الخلاف في جواز ذلك في الحضر فجوزه أبو يوسف وأبو سعيد الاصطخري من أصحاب الشافعي وأهل الظاهر.
فعند هؤلاء العلماء يجوز لمن يركب السيارة السائرة في الشارع أن يصلي فيها الضحى - وغيرها من الرواتب والنوافل - جالساً - ولا يفضَّل ذلك للسائق - ويومئ المصلي في ركوعه وسجوده، ويكون إيماؤه في سجوده أخفض من إيمائه في ركوعه.
والأظهر في ذلك قول الجمهور، وهو أن صلاة النافلة جالساً، ولغير القبلة، إنما هي لمن كان راكباً على الراحلة السائرة، وفي السفر دون الحضر، وهو الذي ثبت عن النبي ﷺ ، وهو ما يرجحه من المعاصرين الشيخان عبد العزيز بن باز والعثيمين رحمهما الله، وغيرهما كثير. (الإسلام سؤال وجواب).
• هل يجوز صلاة الفريضة على الراحلة؟
لا يجوز أن تصلى الفريضة على الراحلة، بل لابد أن ينزل على الأرض ويصليها، وذلك:
لقلتها بالنسبة إلى النافلة. ولأنها آكد.
• هل يشرع للإنسان أن يتنفل في السفر؟
اختلف العلماء: فيما يصلي من النوافل، على ثلاثة أقوال:
القول الأول: المنع مطلقاً.
القول الثاني: الجواز مطلقاً.
القول الثالث: التفريق بين الرواتب وغيرها.
وهذا هو الصحيح أن المسافر يصلي جميع الرواتب إلا راتبة الظهر والمغرب والعشاء.
وهذا مذهب ابن عمر كما أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح.
ومن الأدلة على مشروعية الرواتب في السفر:
- ثبت أن النبي ﷺ كان يصلي الوتر على بعيره في السفر.
- وثبت أن النبي ﷺ صلى عام الفتح سبحة الضحى.
- وثبت أنه ﷺ كان لا يدع سنة الفجر لا حضراً ولا سفراً.
стр. 436
• هل هناك حالات أخرى يسقط فيها استقبال القبلة؟
نعم، حالة العاجز.
كأن يكون مريضاً لا يستطيع الحركة، وليس عنده أحد يوجهه إلى القبلة، فهنا يتجه حيث كان وجهه، ومثله المأسور والمصلوب إلى غير القبلة.
لقوله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم).
ولقوله تعالى (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا).
وحالة الخائف.
فإذا قاتل العدو، أو هرب منه، أو من سيل، ووجهته إلى غير القبلة، صلى حسب ما توجه.
لقوله تعالى (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً).
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- المشقة تجلب التيسير.
- يسر الشريعة الإسلامية.
- جواز التنفل للراكب المسافر إلى غير القبلة ولو كان في محمل.
стр. 437
٢١٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ (اَلْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا اَلْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ) رَوَاهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَلَهُ عِلَّةٌ.
٢١٤ - وَعَنْ اِبْنِ عُمَرَ قال (نَهَى اَلنَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُصَلَّى فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ: اَلْمَزْبَلَةِ، وَالْمَجْزَرَةِ، وَالْمَقْبَرَةِ، وَقَارِعَةِ اَلطَّرِيقِ، وَالْحَمَّامِ، وَمَعَاطِنِ اَلْإِبِلِ، وَفَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ اَللَّهِ). رَوَاهُ اَلتِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ
٢١٥ - وَعَنْ أَبِي مَرْثَدٍ اَلْغَنَوِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتَ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ (لَا تُصَلُّوا إِلَى اَلْقُبُورِ، وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا). رَوَاهُ مُسْلِمٌ
===
(وَالْحَمَّامَ) موضع الاغتسال بالماء الحار.
(اَلْمَزْبَلَةِ) الموضع الذي يجمع فيه الزِّبل، وهي القمامة وما في معناها.
(وَالْمَجْزَرَةِ) بفتح الميم، وهي المكان الذي تجزر فيه المواشي، أي: تذبح أو تنحر.
(وَقَارِعَةِ اَلطَّرِيقِ) وهي ما تقرعه الأقدام بالمرور عليه.
(وَمَعَاطِنِ اَلْإِبِلِ) مفردها: عَطَن، وهي مبارك الإبل وما تأوي إليه وتقيم فيه.
(وَفَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ اَللَّهِ): المراد به: الكعبة.
• ما صحة أحاديث الباب؟
(حديث الأرض كلها مسجد إلا المقبرة … ) هذا الحديث اختلف في وصله وإرساله، وقد رجح الترمذي الإرسال، وقال الدار قطني: المرسل هو المحفوظ، وقال البيهقي: وقد روي موصولاً وليس مثبت.
وذهب بعض العلماء إلى ترجيح الموصول كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وله وشواهد.
قال ابن تيمية: إسناده جيد. (الإقتضاء).
- وأما حديث ابن عمر (نهى رسول الله ﷺ أن يُصلى في سبع مواطن .. ) فهو حديث ضعيف لا يصح.
قَالَ الترمذي عقبه: وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ إِسْنَادُهُ لَيْسَ بِذَاكَ الْقَوِي.
وكذا ضعفه أبو حاتم الرازي - كما في العلل لابنه، وابن الجوزي في العلل المتناهية، والبوصيري في "مصباح الزجاجة، والحافظ في التلخيص، والألباني في الإرواء.
في سند الحديث زيد بن جَبِيرَة، قال البخاري: منكر الحديث.
• ما الأصل في الصلاة في الأرض؟
جواز الصلاة في كل الأرض، وهذا هو الأصل أنه تصح الصلاة في كل جميع الأرض.
ويدل لهذا العموم قوله ﷺ : (أعطيت خمساً … وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً).
ولحديث الباب (الأرض كلها مسجد إلا المقبرة … ).
стр. 438
• ما حكم الصلاة في المقبرة؟
حرام ولا تصح، وهذا قول الحنابلة، واختاره ابن قدامة وابن تيمية وابن القيم.
أ-لحديث الباب (الأرض كلها مسجد إلا المقبرة … ).
ب-ولحديث أبي مرثد ( … لَا تُصَلُّوا إِلَى اَلْقُبُورِ … ).
ج-ولحديث عائشة. أن النبي ﷺ قال (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) متفق عليه.
د-وعن ابن عمر. أن النبي ﷺ قال (اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبوراً) متفق عليه.
قوله (من صلاتكم) المراد النوافل بدليل ما رواه مسلم مرفوعاً (إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيباً من صلاته).
(ولا تتخذوها قبوراً) أي: كالمقابر لا يُصلى فيها، وقد نقل ابن المنذر عن أكثر أهل العلم أنهم استدلوا بهذا الحديث على أن المقبرة ليست بموضع الصلاة. [فتح الباري].
وقد ذهب بعض العلماء إلى جواز الصلاة في المقبرة.
• ما الحكمة من تحريم الصلاة في المقبرة؟
سداً للذريعة، ولئلا تتخذ القبور مساجد.
• ما رأيك بقول بعض العلماء: إن العلة هي خشية نجاسة المقبرة لما يختلط بالتراب من صديد الموتى، أو ربما تنبش القبور ويخرج منها صديد الأموات فينجس التراب؟
هذا تعليل ضعيف، لأمور:
أولاً: أن الأصل عدم نبش القبور.
ثانياً: أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة إلى القبور، وهذا يدل على أن العلة تتعلق بخشية تعظيم المقبورين.
ثالثاً: أن صلاة الجنازة تجوز في المقبرة، كما صلى ﵊ على المرأة التي كانت تقم المسجد، وهذا يدل على أن العلة ليست نجاسة الأرض.
رابعاً: أن قبور الأنبياء لا تجوز الصلاة فيها ولا إليها، مع أن الأنبياء أطهار طاهرون أحياء وأمواتاً.
قال ابن تيمية: وقد ظن طائفة من أهل العلم أن الصلاة في المقبرة نهي عنها من أجل النجاسة؛ لاختلاط تربتها بصديد الموتى، ولحومهم، وهؤلاء قد يفرقون بين المقبرة الجديدة والقديمة، وبين أن يكون هناك حائل أو لا يكون. والتعليل بهذا ليس مذكورًا في الحديث، ولم يدل عليه الحديث لا نَصاً ولا ظاهرًا، وإنما هي علة ظنّوها، والعلة الصحيحة عند غيرهم ما ذكره غير واحد من العلماء من السلف والخلف في زمن مالك والشافعي وأحمد وغيرهم: إنما هو ما في ذلك من التشبه بالمشركين، وأن تصير ذريعة إلى الشرك، ومعلوم أن النهي لو لم يكن إلا لأجل النجاسة، فمقابر الأنبياء لا تنتن، بل الأنبياء لا يَبْلُون، وتراب قبورهم طاهر، والنجاسة أمام المصلي لا تبطل صلاته ....
стр. 439
• هل القبر الواحد يمنع الصلاة أم لابد من ثلاثة فأكثر؟
قيل: إن القبر الواحد والاثنين لا يمنع صحة الصلاة.
وقيل: بل يمنع.
والصحيح أنه يمنع حتى القبر الواحد، لأن المكان قُبرَ فيه فصار الآن مقبرة بالفعل. (الشرح الممتع).
• ما الحكم لو عُيّنت الأرض مقبرة ولم يدفن فيها أحد، هل تصح الصلاة فيها؟
نعم، لأنه لم يدفن فيها أحد.
• هل يستثنى من النهي عن الصلاة في المقبرة شيء؟
يستثنى من النهي: الصلاة على القبر، فإنه يجوز.
لحديث أَبِى هُرَيْرَةَ (أَنَّ رَجُلاً أَسْوَدَ - أَوِ امْرَأَةً سَوْدَاءَ - كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ، فَمَاتَ، فَسَأَلَ النَّبيُّ ﷺ عَنْهُ فَقَالُوا مَاتَ. قَالَ «أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي بِهِ دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ». - أَوْ قَالَ قَبْرِهَا - فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْه) متفق عليه.
وقاس على ذلك بعض العلماء فقالوا: يجوز الصلاة على الميت في المقبرة.
• ما حكم الصلاة في الحمام؟
حرام، ولا تصح.
لحديث الباب.
• ما العلة من تحريم الصلاة في الحمام؟
قيل: النجاسة.
لأنه ربما يقع فيه شيء من النجاسات.
وقيل: لأنها مأوى الشياطين.
لأن الشيطان يرغب بأماكن كشف العورات. وهذا هو الصحيح.
• هل مثل ذلك الحش (وهو مكان قضاء الحاجة)؟
نعم وهو أولى، لأنه نجس خبيث، ولأنه مأوى الشياطين.
وإذا نُهي عن الصلاة في الحمام فالنهي عن الصلاة في الحُش (وهو موضع قضاء الحاجة) من باب أولى، وإنما لم يرد النهي عن الصلاة في الحش لأن كل عاقل سمع النبي ﷺ ينهي عن الصلاة في الحمام علم أن الصلاة في الحش أولى بهذا النهي.
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ولم يرد في الحشوش نص خاص (يعني بالنهي عن الصلاة فيها) لأن الأمر فيها كان أظهر عند المسلمين أن يحتاج إلى دليل. (مجموع الفتاوى (٢٥/ ٢٤٠)).
стр. 440
• ما حكم الصلاة في المَزبَلة؟ (وهي الموضع الذي تجمع فيه القمامة ومخلفات البيت).
حرام ولا تصح.
ولم يرد حديث على تحريم ذلك، لكن لأنها محل النجاسة وإلقاء القاذورات.
• ما حكم الصلاة في المجزرة؟
حرام ولا تصح الصلاة فيها.
لأنها محل الأقذار، والدم المسفوح والأنتان، فإن لم يكن فيها دماء ولا أقذار فتصح الصلاة فيها لعموم (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً).
• ما حكم الصلاة في قارعة الطريق؟
الأفضل عدم الصلاة في قارعة الطريق، لأنه:
أ-يؤذي بأخذ حق المارة من الطريق.
ب-ويُؤْذَى بما يشغل خاطره من مرور الناس عليه.
ج-ولأن فيه مظنة الرياء.
وجمهور العلماء على صحة الصلاة في قارعة الطريق، ورجحه ابن قدامة.
لعموم: (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً).
• ما حكم الصلاة في معاطن الإبل؟
حرام ولا تصح الصلاة فيها، وهذا مذهب الحنابلة.
لحديث جابر بن سمرة: (أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ : أصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا) رواه مسلم.
ولحديث البراء قال (سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل، فقال: توضؤوا منها، وسئل عن لحوم الغنم، فقال: لا توضؤوا منها، وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل، فقال: لا تصلوا في مبارك الإبل، فإنها من الشياطين، وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم، فقال: صلوا فيها فإنها بركة) رواه أبو داود.
• ما العلة من تحريم ذلك؟
قيل: لنجاستها.
لكن هذا ليس بصحيح لأمرين:
الأول: لأن الراجح أن أبوال وأرواث الإبل طاهرة.
والثاني: لأن النبي ﷺ قال (صلوا في مرابض الغنم) ولا فرق بين أعطان الإبل ومبارك الغنم وكلاهما في الطهارة والنجاسة سواء.
وقيل: لأن كثيراً من الناس يتقون بالإبل إذا بركت فيتبولون، والغالب أن معاطنها يبول الناس فيه.
وهذا ضعيف، لأنه غير مطرد.
وقيل: لأنها مأوى للشياطين، وهذا هو الصحيح.
لقوله ﷺ (لا تصلوا في مبارك الإبل، فإنها من الشياطين).
стр. 441
• ما حكم الصلاة فوق الكعبة؟
قيل: لا يجوز.
لأن الله أمر باستقبال الكعبة (وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) والمصلي فوق الكعبة غير مستقبل جهتها ولا مصلياً إليها.
وقيل: يصح لعدم ثبوت النهي.
• ما حكم الصلاة في جوف الكعبة؟
أما النافلة فتصح في الكعبة.
قال ابن قدامة: وتصح النافلة في الكعبة وعلى ظهرها لا نعلم فيه خلافاً.
واختلف في جواز صلاة الفرض في الكعبة: على قولين:
القول الأول: لا تصح.
وهذا المذهب.
لقوله تعالى (وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره). قالوا: إن المصلي فيها أو على ظهرها غير مستقبل لجهتها.
القول الثاني: تصح الفريضة في الكعبة.
وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي.
لحديث ابن عمر: (أن النبي ﷺ دخل البيت فصلى فيه ركعتين). متفق عليه قالوا: وما ثبت في حق النفل ثبت في الفرض إلا بدليل تخصيص أحدهما دون الآخر.
وهذا القول هو الصحيح.
• فائدة:
لم يثبت أن النبي ﷺ دخل البيت في الحج، ولا هو من سنن الحج، وجعْل الدخول بالبيت من سنن الحج غلط.
الذي ثبت عن النبي ﷺ أنه دخل البيت يوم فتح مكة، وقد قال ابن عباس: (يا أيها الناس إن دخولكم البيت ليس من حجكم في شيء). رواه ابن أبي شيبة بسند صحيح
وجاء عند البخاري معلقاً: (وكان ابن عمر يحج كثيراً ولا يدخل).
стр. 442
• ما حكم الصلاة إلى هذه الأشياء؟ (يعني إذا كانت في قبلتك)؟
تصح الصلاة إلى هذه الأشياء.
لعموم (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً).
وإن كان الأولى والأفضل عدم الصلاة إلى الحش والحمام، لأن المصلي قد يتأذى من الرائحة الكريهة.
- أما الصلاة إلى المقبرة فالصحيح أنها حرام ولا تجوز.
أ-لحديث أبي مرثد - حديث الباب - (لَا تُصَلُّوا إِلَى اَلْقُبُور).
ب- ولأن العلة من منع الصلاة في المقبرة موجودة في الصلاة إلى القبر.
• ما حكم الجلوس والقعود على القبر؟
حرام.
أ- لحديث الباب (ولا تجلسوا عليها).
ب-ولقوله ﷺ (لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه، فتخلص إلى جلده، خير له من أن يجلس على قبر) متفق عليه
ج- ولأن في ذلك إهانة لأصحابها.
стр. 443
٢١٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ اَلْمَسْجِدَ، فَلْيَنْظُرْ، فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ أَذًى أَوْ قَذَرًا فَلْيَمْسَحْهُ، وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ.
٢١٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا وَطِئَ أَحَدُكُمْ اَلْأَذَى بِخُفَّيْهِ فَطَهُورُهُمَا اَلتُّرَابُ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ.
===
• ما صحة أحاديث الباب؟
حديث أبي سعيد حديث صحيح.
وحديث أبي هريرة في إسناده ضعف، لكنه يتقوى بشواهده ومنها:
حديث أبي سعيد السابق، وحديث عائشة عند أبي داود، ولذلك صححه ابن حبان وابن خزيمة والحاكم.
• اذكر لفظ حديث أبي سعيد كاملاً؟
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ (بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إِذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْقَوْمُ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاتَهُ، قَالَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ، قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ جِبْرِيلَ ﷺ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا - أَوْ قَالَ: أَذًى -وَقَالَ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ: فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا أَوْ أَذًى فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا).
• ما حكم إزالة النجاسة في الصلاة؟
إزالة النجاسة شرط من شروط صحة الصلاة، وعلى هذا فمن صلى وعليه نجاسة عالماً فصلاته غير صحيحة
وقد نسب ابن قدامة هذا القول لأكثر أهل العلم، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد.
أ- لقوله تعالى (وثيابك فطهر) على أحد التفسيرين للآية.
ب- ولحديث الباب، فهو يفيد اشتراط طهارة الثياب للصلاة، وإلا لم يخلع النبي ﷺ نعليه وهو في الصلاة.
ج- ولحديث أسماء بنت أبي بكر قالت (سألت امرأة رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، أرأيت إحدانا إذا أصاب ثوبها الدم من الحيضة، كيف تصنع؟ فقال رسول الله ﷺ : لتقرصه ثم لتنضحه بماء ثم لتصل فيه). متفق عليه
فالنبي ﷺ أمر بغسل دم الحيض الذي يصيب ثوبها قبل الصلاة فيه لكونه نجساً.
د-ولحديث ابن عباس قال (مرّ رسول الله ﷺ على قبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان بكبير … أما الآخر فكان لا يستتر من بوله). متفق عليه.
فالنبي ﷺ أخبر أن أحد صاحبي القبرين يعذب لكونه لا يستتر من بوله، والإنسان لا يعذب إلا على ترك واجب، وهذا يدل على وجوب الاستنزاه من البول ونحوه من النجاسات.
стр. 444
• ما حكم من رأى نجاسة على ثيابه أثناء الصلاة؟
من رأى نجاسة على ثيابه أثناء الصلاة أو طرأت عليه وهو يصلي فإنه لا يخلو من حالين:
الحال الأولى: أن يمكنه طرح النجاسة من غير زمن طويل، ولا عمل كثير.
فهنا يجب طرحها وإزالتها في الحال، وذلك بتنحيتها إن كانت يابسة، أو بخلع ما طرأت عليه إن كانت رطبة ويبني على ما مضى من صلاته.
لحديث الباب، فإن النبي ﷺ لما أخبره جبريل بأن فيهما قذراً ألقاهما وأكمل صلاته.
الحال الثانية: أن يحتاج طرح النجاسة وإزالتها إلى زمن طويل أو عمل كثير.
فهنا يجب عليه أن يقطع صلاته ويزيل النجاسة ويستأنف من جديد، لأن حاله لا يخلو من حالين:
أ- إما أن يصلي مستصحباً للنجاسة زمناً طويلاً وهو عالم بها.
ب- وإما أن يقوم بعمل كثير في صلاته يؤثر فيها من أجل إزالتها.
وكل واحد من الأمرين يبطل الصلاة.
• ما حكم من صلى بالنجاسة ناسياً أو جاهلاً ولم يعلم إلا بعد الصلاة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن صلاته صحيحة ولا إعادة عليه.
وهذا قول جمهور السلف من الصحابة والتابعين، فقد حكي عن ابن عمر وسعيد بن المسيب وطاووس وعطاء وسالم بن عبد الله ومجاهد والشعبي والنخعي والزهري والأوزاعي.
وهو قول المالكية والقديم للشافعي، واختار هذا القول من الحنابلة ابن قدامة وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم.
لحديث الباب.
وجه الشاهد: أن النبي ﷺ لم يعد أول صلاته التي صلاها مع وجود النجاسة في النعل، لأنه كان جاهلاً وجودها فدل على أن من صلى بالنجاسة ناسياً أو جاهلاً فصلاته صحيحة.
ولحديث أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) رواه ابن حبان
قال الخطابي: فيه من الفقه: أن من صلى وفي ثوبه نجاسة لم يعلم بها، فإن صلاته مجزئة ولا إعادة عليه.
القول الثاني: صلاته باطلة وعليه الإعادة.
وهذا مذهب أبي حنيفة والمشهور من مذهب الحنابلة.
استدلوا بعموم الأدلة الدالة على أن طهارة اللباس شرط لصحة الصلاة، فهذه الأدلة جاءت عامة، ولم تفرق بين العامد والجاهل والناسي.
والراجح القول الأول.
стр. 445
• ما حكم الصلاة في النعال؟
اختلف العلماء في حكم الصلاة بالنعال:
القول الأول: أنه سنة.
وهذا ورد عن جماعة من الصحابة منهم: ابن عمر، وعثمان، وابن مسعود، وأنس، وسلمة.
وورد عن جماعة من التابعين منهم: شريح القاضي، والأسود بن يزيد، والنخعي، والقاسم بن محمد.
وهو قول أكثر العلماء.
أ-لحديث أنس: (أنه سئل: أكان النبي ﷺ يصلي في نعليه؟ قال: نعم) متفق عليه.
ب- ولحديث أوس قال: قال رسول الله ﷺ : (خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم). رواه أبو داود
ج-ولحديث الباب، فإنه يدل على أن الصلاة بالنعال أمر مشهور معروف.
القول الثاني: أنه مباح.
وذهب إليه بعض العلماء، ورجحه ابن دقيق العيد.
واستدلوا بالأحاديث الدالة على أن النبي ﷺ كان يصلي أحياناً حافياً.
كحديث عبد الله بن السائب: (أن رسول الله ﷺ صلى يوم الفتح فوضع نعليه عن يساره). رواه النسائي.
والصحيح القول الأول.
• ما الجواب عن صلاة النبي ﷺ أحياناً حافياً؟
والجواب: أن صلاة النبي ﷺ بعض الأحيان حافياً مع حثه على الصلاة بالنعال وأمره به، لا يدل على عدم استحباب ذلك العمل، بل ليبين عدم وجوبه.
• ما الذي يجب مراعاته عند الصلاة بالنعال؟
أ- تعاهد نعليه أو خفيه عند إرادة الصلاة بهما، حتى لا يصلي بهما وعليهما نجاسة، لحديث الباب.
ب- أن لا يصلي بهما في المساجد المفروشة.
ج- أن لا يؤدي صلاته في نعليه أو خفيه إلى مفسدة وفتنة.
• ماذا نستفيد من قوله لما ألقى نعاله (إنَّ جِبْرِيلَ ﷺ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا)؟
نستفيد: أنه يشترط في النعال عند الصلاة فيهما طهارتهما، فإن لم تكن طاهرة فلا تصح فيها.
стр. 446
• ما كيفية تطهير النعال من النجاسة عند إرادة الصلاة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
فقيل: يجزئ دلكهما بالأرض مطلقاً.
واختار هذا القول: ابن قدامة، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم.
لحديث أبي هريرة - حديث الباب - (إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى فإن التراب له طهور).
فأخبر ﷺ أن التراب مطهر للنعل مما يصيبهما من الأذى.
وقيل: يجب غسلهما.
واستدلوا بحديث أبي سعيد - حديث الباب - بأن النبي ﷺ خلع نعليه في صلاته بعد إخباره بأن فيهما قذراً، فهذا يدل على أنه لا يجزئ دلكهما إذ لو كان مجزئاً لما خلع النبي ﷺ نعليه وهو في صلاته.
والجواب عن هذا:
أن النبي لم يدلكهما لأنه لم يعلم بالقذر فيهما حتى أخبره جبريل، ومما يدل على ذلك تتمة الحديث: (إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذراً).
والراجح الأول.
• في حديث أبي سعيد شدة متابعة الصحابة النبي ﷺ حيث بمجرد أن ألقى نعاله ألقوا هم مباشرة، اذكر بعض الأمثلة على متابعة الصحابة للنبي ﷺ ، وعلى ماذا يدل ذلك؟
من الأمثلة:
لما أمر ﷺ منادياً ينادي (إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية) فأكفئت القدور، وإنها لتفور باللحم.
ولما أمر ﷺ منادياً ينادي (ألا إن الخمر قد حرّمت) فجرت في سكك المدينة.
ولما قدم رسول الله ﷺ المدينة صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً، وكان يحب أن يوجه إلى الكعبة، فأنزل الله: قد نرى تقلب وجهك … الحديث وفيه: وصلى معه رجل العصر، ثم خرج فمرّ على قوم من الأنصار فأخبرهم، فانحرفوا وهم ركوع في صلاة العصر.
وهذا يدل على شدة محبتهم للنبي ﷺ ، لأن من علامات محبة النبي ﷺ اتباعه وطاعته ﷺ .
стр. 447
٢١٨ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ اَلْحَكَمِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِنَّ هَذِهِ اَلصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ اَلنَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ اَلتَّسْبِيحُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ اَلْقُرْآنِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
٢١٩ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ قَالَ: (إِنْ كُنَّا لَنَتَكَلَّمُ فِي اَلصَّلَاةِ عَلَى عَهْدِ اَلنَّبِيِّ ﷺ يُكَلِّمُ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ بِحَاجَتِهِ، حَتَّى نَزَلَتْ: (حَافِظُوا عَلَى اَلصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ اَلْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ، وَنُهِينَا عَنْ اَلْكَلَامِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
===
(إِنْ كُنَّا لَنَتَكَلَّمُ فِي اَلصَّلَاةِ) أي: خلف النبي ﷺ .
(يُكَلِّمُ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ بِحَاجَتِهِ) تفسير لقوله (نتكلم) والذي يظهر أنهم كانوا لا يتكلمون فيها بكل شيء، وإنما يقتصرون على الحاجة، من ردّ السلام ونحوه.
(فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ) أي: عن الكلام المتقدم ذكره لا مطلقاً، فإن الصلاة ليس في حال سكوت حقيقة.
(قَانِتِينَ) القنوت له معان كثيرة: منها الطاعة، ومنها القيام، ومنها الصمت والاطمئنان كما هو هنا.
• اذكر لفظ حديث معاوية بن الحكم كاملاً؟
عن مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ (بَيْنَا أَنَا أُصَلِّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَقُلْتُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ. فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ فَقُلْتُ وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَىَّ. فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّى سَكَتُّ فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا رَأَيْتُ مُعَلِّماً قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيماً مِنْهُ فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ … ) رواه مسلم.
(واثكل أمياه) الثكل بضم الثاء وإسكان الكاف، وهو فقدان المرأة ولدها، (ما كرهني) أي ما انتهرني.
• ما حكم الكلام أثناء الصلاة؟
والكلام في الصلاة ينقسم إلى أقسام:
القسم الأول: أن يتكلم عامداً عالماً لغير مصلحة الصلاة، فهنا تبطل صلاته.
قال النووي: أجمع العلماء على أن الكلام فيها عامداً عالماً بتحريمه بغير مصلحتها، وبغير انقاذها، وشبهه، مبطل للصلاة.
قال الحافظ ابن حجر: أجمعوا على أن الكلام في الصلاة، من عالم بالتحريم عامد لغير مصلحتها أو إنقاذ مسلم مبطل للصلاة.
لأحاديث الباب.
القسم الثاني: أن يتكلم وهو جاهل أن الكلام يبطل الصلاة.
اختلف العلماء على قولين:
القول الأول: أن صلاته صحيحة.
وهذا مذهب الشافعي ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية.
لحديث الباب، حيث تكلم معاوية في الصلاة جاهلاً ولم يرد أن النبي ﷺ أمره بالإعادة.
ولقوله تعالى (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا).
قال شيخ الإسلام: الشرائع لا تلزم إلا بعد العلم بها، فلا يقضي ما لم يعلم وجوبه.
стр. 448
القول الثاني: أن صلاته باطلة.
وهذا مذهب أبي حنيفة.
واستدلوا بقوله ﷺ : (إن في الصلاة شغلاً).
والراجح القول الأول.
القسم الثالث: أن يتكلم في الصلاة ناسياً.
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنها تبطل.
وهذا مذهب أبي حنيفة.
القول الثاني: لا تبطل.
وهذا مذهب الشافعي، ومالك، والجمهور.
أ-لقوله تعالى (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا).
ب-ولقوله ﷺ : (إن الله عفا عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه). رواه ابن ماجه.
القسم الرابع: أن يتكلم لمصلحة الصلاة، مثل أن يرتبك الإمام، فهنا:
أولاً: ينبهه بالقرآن، بأن ينوي لفظ القرآن، فيقول (واركعوا .. ) فإن لم يمكن فحينئذ يتكلم، لكن هل تبطل صلاته؟
فقيل: لا تبطل صلاته.
وقيل: تبطل، وهذا الصحيح وهو الأحوط.
القسم الخامس: أن يتكلم وهو نائم.
من تكلم وهو نائم لا تبطل صلاته في أرجح قولي العلماء، لقوله ﷺ (رفع القلم عن ثلاثة: وذكر منهم: النائم حتى
يستيقظ … ).
قال ابن قدامة: أن ينام فيتكلم، فتوقف أحمد عن الجواب فيه، وينبغي أن لا تبطل صلاته، لأن القلم مرفوع عنه، ولا حكم لكلامه، فإنه لو طلَّق، أو أقر، أو أعتق، لم يلزمه حكم ذلك.
стр. 449
• ما حكم تشميت العاطس في الصلاة؟
حرام، لأنه من كلام الناس الذي يحرم في الصلاة.
• ما حكم حمد الله للعاطس إذا عطس في الصلاة؟
يستحب للعاطس في الصلاة أن يحمد الله.
لكن اختلفوا هل يجهر بذلك أم يسر؟
قيل: يجهر به.
وهو قول ابن عمر والنخعي وأحمد. [قاله النووي]
وقيل: يسر به.
وهو مذهب الشافعي ومالك ورجحه النووي.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديثين؟
- جواز الفعل القليل في الصلاة وأنه لا تبطل به الصلاة وأنه لا كراهة فيه إذا كان لحاجة.
- بيان ما كان عليه ﷺ من عظيم الخلق.
- الرفق بالجاهل وحسن تعليمه من اللطف به وتقريب الصواب إلى فهمه.
- أن الكلام في أول الإسلام كان مباحاً.
- جواز التسبيح في الأحكام الشرعية.
- أن القرآن منزل من عند الله، لقوله (حتى نزلت).
стр. 450
٢٢٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اَلتَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
زَادَ مُسْلِمٌ (فِي اَلصَّلَاةِ).
===
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: استحباب التسبيح في حق الرجال إذا نابهم شيء في صلاتهم، وأن المرأة إذا نابها شيء وهي تصلي فإنها تصفق.
مثال: كسهو الإمام، أو يريد أن يأذن لأحد بالدخول، أو يريد أن ينبه أنه يصلي.
أ-لحديث الباب.
ب- ولحديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ إِلَى أَبِى بَكْرٍ فَقَالَ أَتُصَلِّى بِالنَّاسِ فَأُقِيمُ قَالَ نَعَمْ. قَالَ فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ فَصَفَّقَ النَّاسُ - وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ فِي الصَّلَاةِ - فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ اسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفِّ وَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ فَصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ «يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ إِذْ أَمَرْتُكَ». قَالَ أَبُو بَكْرٍ مَا كَانَ لاِبْنِ أَبِى قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّىَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا لِي رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمُ التَّصْفِيقَ: مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ الْتُفِتَ إِلَيْهِ وَإِنَّمَا التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاء) رواه مسلم.
ج- ولحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (إذا استؤذن على الرجل وهو يصلي فإذنه التسبيح، وإذا استؤذن على المرأة وهي تصلي فإذنها التصفيق) رواه البيهقي.
وإلى هذا الحكم ذهب جماهير العلماء. قالوا: التسبيح للرجال والتصفيق للنساء.
وقال مالك: يسبحان جميعاً (يسبح الرجال، وتسبح المرأة).
وتأول حديث الباب: (التصفيق للنساء) أي من شأن النساء خارج الصلاة، فهو مذموم فلا ينبغي للرجل ولا للمرأة أن تفعله لا في الصلاة ولا في خارجها، وهذا تأويل بعيد وضعيف.
• ما الحكمة من هذا التفريق؟
قيل: لأن صوت المرأة عورة.
وقيل: خشية الافتتان، ورجح هذا ابن عبد البر.
стр. 451
قال ابن عبد البر: قال بعض أهل العلم: إنما كره التسبيح للنساء وأبيح لهن التصفيق من أجل أن صوت المرأة رخيم في أكثر النساء وربما شغلت بصوتها الرجال المصلين معها.
وقال ابن حجر: وكان منع النساء من التسبيح لأنها مأمورة بخفض صوتها في الصلاة مطلقاً لما يخشى من الافتتان ومنع الرجال من التصفيق لأنه من شأن النساء.
• هل هذا الحكم (التصفيق للنساء) عام حتى لو مع مجموعة نساء، أو مع رجال من محارمها؟
قال بعض العلماء بهذا، وقالوا: إن المرأة تصفق مطلقاً حتى لو كانت مع محرمها.
وقال بعضهم: إنها تسبح، لأن قوله ﷺ (فليسبح الرجال ولتصفق النساء) قد يفهم منه أن المراد مع اجتماع الرجال والنساء.
قال الزركشي: وقد أطلقوا التصفيق للمرأة، ولا شك أن موضعه إذا كانت بحضرة رجال أجانب، فلو كانت بحضرة النساء أو الرجال المحارم فإنها تسبح كالجهر بالقراءة بحضرتهم. (مغني المحتاج (١/ ٤١٨).
• ما حكم الفتح على الإمام؟
الفتح على الإمام ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: فتح واجب.
وهو ما يترتب عليه بطلان الصلاة، كأن يخطئ الإمام بالفاتحة، أو نقصان ركوع.
القسم الثاني: فتح مستحب.
وهو ما لا يترتب عليه بطلان الصلاة، كأن يخطئ في السورة التي بعد الفاتحة.
стр. 452
٢٢١ - وَعَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: (رَأَيْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يُصَلِّي، وَفِي صَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ اَلْمِرْجَلِ مِنْ اَلْبُكَاءِ) أَخْرَجَهُ اَلْخَمْسَةُ، إِلَّا اِبْنَ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ.
===
(وَفِي صَدْرِهِ أَزِيزٌ) أي: صوت وغليان بالبكاء.
(كَأَزِيزِ اَلْمِرْجَلِ) بكسر الميم، وهو القدر، فإنه عند غليان الماء فيه بالنار يخرج منه صوت.
• ما صحة حديث الباب؟
حديث صحيح، صححه ابن حبان وابن خزيمة والحاكم.
قال النووي في الخلاصة: رَوَاهُ الثَّلَاثَة بأسانيد صَحِيحَة.
وقال في رياض الصالحين: حديث صحيح رواه أَبو داود والترمذي في الشمائل بإسناد صحيح.
وقال ابن رجب: وهذا الإسناد على شرط مسلم.
وقال الحافظ في الفتح: إسناده قوي.
وصححه الشوكاني والشيخ ابن باز والألباني.
• اذكر بعض ما ورد في فضل البكاء من خشية الله؟
قال تعالى (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً).
وقال تعالى (أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ. وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ).
وقال ﷺ (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، قال: فغطى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم ولهم خنين). متفق عليه
وقال ﷺ (لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع) رواه الترمذي.
وقال ﷺ (عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله … ) رواه الترمذي.
وقال ﷺ (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: … ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه) متفق عليه.
стр. 453
• هل البكاء من خشية الله في الصلاة يبطلها؟
البكاء ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن يبكي من خشية الله، وقد غلب عليه ولا يقدر على دفعه.
فهذا لا يبطل الصلاة.
أ-لأن عمر كان يبكي حتى يسمع نشيجه من وراء الصفوف. رواه البخاري
ب- ولأنه لا يستطيع دفعه.
القسم الثاني: أن يبكي من خشية الله، لكن يستطيع أن يدفعه.
فقيل: تبطل.
وقيل: لا تبطل، وهذا هو الصحيح.
• ما حكم البكاء في الصلاة لغير خشية الله، كأن يأتيه خبر وهو يصلي بأن فلاناً قد مات فيبكي؟
قيل: تبطل الصلاة إن ظهر منه حرفان.
وهذا المشهور من مذهب الحنابلة وهو قول مالك وأبي حنيفة.
وقيل: إن غلبه البكاء ولم يستطع دفعه فصلاته لا تبطل.
وهذا اختيار ابن تيمية ﵀.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: البكاء في الصلاة إذا كان من خشية الله والخوف منه وتذكر الإنسان أمور الآخرة وما يمر به في القرآن الكريم من آيات الوعد والوعيد فإنه لا يبطل الصلاة. وأما إذا كان البكاء لتذكر مصيبة نزلت به أو ما أشبه ذلك فإنه يبطل الصلاة؛ لأنه حدث لأمر خارج عن الصلاة، وعليه أن يحاول علاج نفسه من هذا البكاء حتى لا يتعرض لبطلان صلاته، ويشرع له أن لا يكون في صلاته مهتماً بغير ما يتعلق بها فلا يفكر في الأمور الأخرى؛ لأن التفكير في غير ما يتعلق بالصلاة في حال الصلاة ينقصها كثيراً.
стр. 454
٢٢٢ - وَعَنْ عَلَيٍّ ﵁ قَالَ: (كَانَ لِي مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ مَدْخَلَانِ، فَكُنْتُ إِذَا أَتَيْتُهُ وَهُوَ يُصَلِّي تَنَحْنَحَ لِي) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
===
(مَدْخَلَانِ) أي زمان دخول.
• ما صحة حديث الباب؟
حديث ضعيف، وضعفه النووي والألباني.
• اذكر أحكام التنحنح في الصلاة؟
التنحنح في الصلاة ينقسم إلى أقسام:
القسم الأول: أن يكون مغلوباً عليه اضطر إلى ذلك.
فهذا لا تبطل به الصلاة، ولا إشكال فيه.
القسم الثاني: أن يكون لحاجة.
فهذا أيضاً لا تبطل به الصلاة.
القسم الثالث: أن يكون لغير حاجة، فقد اختلف العلماء في ذلك:
فقيل: تبطل إن بان حرفان.
وهذا مذهب بعض العلماء.
وقيل: لا تبطل الصلاة بذلك.
وهذا اختيار ابن قدامة وشيخ الإسلام ابن تيمية، واختاره الشيخ محمد بن عثيمين ﵀، وقال:
" والقول الراجح أن الصلاة لا تبطل بذلك، ولو بان حرفان، لأن ذلك ليس بكلام، والنبي ﷺ إنما حرم الكلام، إلا أن يقع ذلك على سبيل اللعب، فإن الصلاة تبطل به لمنافاته الصلاة فيكون كالقهقهة ".
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أنه لا يجوز الدخول إلى بيت أحد إلا بإذنه، ولو كان أقرب الناس إليه، لقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون).
- الإذن بالدخول يكون لفظياً وعرفاً، فهو راجع إلى العادة وإلى ما تعارف عليه.
- استحباب صلاة النافلة في البيت، ولذا قال ﷺ : (صلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة). متفق عليه
- تحريم الكلام في الصلاة، لأن النبي ﷺ عدل عنه إلى التنحنح.
стр. 455
٢٢٣ - وَعَنْ اِبْنِ عُمَرَ قال (قُلْتُ لِبِلَالٍ: كَيْفَ رَأَيْتُ اَلنَّبِيَّ ﷺ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ حِينَ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يُصَلِّي؟ قَالَ: يَقُولُ هَكَذَا، وَبَسَطَ كَفَّهُ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَه.
===
• الحديث له قصة، اذكرها؟
عن ابن عمر قال (خرج رسول الله ﷺ إلى قباء يصلي فيه، قال: فجاء به الأنصار فسلموا عليه وهو يصلي، فقلت لبلال: كيف رأيت رسول الله ﷺ يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي؟ قال: يقول هكذا، وبسط كفه وجعل بطنه أسفل وجعل ظهره إلى فوق).
وعند الترمذي: (كان يشير بيده).
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث رواه الأربعة، وقد صححه الترمذي، وقال الشوكاني: رجاله رجال الصحيح.
• ما حكم السلام على المصلي؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه مكروه.
وهو قول إسحاق وجماعة.
أ-لأن فيه إشغالاً له عن صلاته.
ب- وقد يكون جاهلاً بصفته فيرد بالكلام فيبطل صلاته.
القول الثاني: أنه سنة.
وهذا مذهب جمهور العلماء.
أ-لحديث الباب، ولم ينكر النبي ﷺ عليهم.
ب- وعن صهيب ﵁ أنه قال: (مررت برسول الله ﷺ وهو يصلي فسلمت فرد إلي إشارة) وقال: لا أعلم إلا أنه قال (إشارة بأصبعه) رواه الخمسة إلا ابن ماجه.
وقال الترمذي: كلا الحديثين عندي صحيح.
ج- وعن ابن مسعود ﵁ قال: " كنا نسلم في الصلاة، ونأمر بحاجتنا، فقدمت على رسول الله ﷺ وهو يصلي، فسلمت عليه، فلم يرد عليَّ السلام، فأخذني ما قدم وما حدث، فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال: إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن الله سبحانه قد أحدث أن لا تكلموا في الصلاة فرد علي السلام) واه أبو داود وغيره، وحسنه النووي.
د- وعن جابر ﵁ قال (بعثني رسول الله ﷺ في حاجة، فأدركته وهو يصلي فسلمت عليه، فأشار إليَّ، فلما فرغ دعاني، فقال إنك سلمت عليَّ آنفاً وأنا أصلي) رواه مسلم.
هـ- ولعموم الأدلة في مشروعية السلام، وهذا هو الصحيح.
стр. 456
قال النووي: مقتضى كلام أصحابنا أنه لا يكره السلام على المصلي، وهو الذي يقتضيه الأحاديث الصحيحة. (المجموع)
وقال الشيخ محمد بن عثيمين: السلام على المصلي جائز؛ لأن النبي ﷺ لم ينكر على الذين يسلمون عليه، إلا إذا خاف المسلم أن يشوش على المصلي فلا يسلم، أو خاف أن يتكلم بالرد، يعني: العامة أكثرهم لا يفهم، ربما إذا سلمت عليه قال: وعليك السلام، فبطلت صلاته إذا كان عالماً بأنها تبطل بذلك.
فعلى كل حال نقول: السلام على المصلي غير منكر. (لقاء الباب المفتوح)
• ما كيفية رد المصلي السلام؟
اختلف العلماء في ذلك:
فقيل: يرد بالكلام.
وهذا قول باطل مردود.
قال في المغني: إذا سلم على المصلي لم يكن له رد السلام بالكلام، فان فعل بطلت صلاته.
روي نحو ذلك عن أبي ذر وعطاء والنخعي وبه قال مالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور.
وكان سعيد بن المسيب والحسن وقتادة لا يرون به بأساً، وروي عن أبي هريرة أنه أمر بذلك، وقال إسحاق: إن فعله متأولاً جازت صلاته.
ولنا: حديث جابر وحديث ابن مسعود، ولأنه كلام آدمي فأشبه تشميت العاطس.
وقيل: يرد بعد السلام.
وهو قول أبي ذر، والثوري، وداود.
لحديث ابن مسعود قال: (كنا نسلم في الصلاة فقدمت على رسول الله ﷺ وهو يصلي فسلمت عليه فلم يردّ عليّ السلام … فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة ردّ عليّ). رواه أبو داود
وقيل: يرد بالإشارة.
وهذا مذهب جماهير العلماء، وهذا القول هو الراجح.
وقد ورد الإشارة باليد كما عند الترمذي.
وورد الإشارة برأسه كما عند البيهقي.
وورد بالإصبع كما عند أحمد.
قال الشوكاني: ويجمع بين الروايات أنه ﷺ فعل هذا مرة وهذا مرة، فيكون جميع ذلك جائزاً.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أن الإشارة المفهمة في الصلاة لا بأس بها، ويدل لذلك أحاديث منها:
حديث عائشة: (حيث صلوا خلف النبي ﷺ وهو يشتكي، فقاموا فأشار إليهم أن اجلسوا … ).
وأما حديث: (من أشار في الصلاة إشارة تفهم منه فليعد صلاته) رواه الدار قطني وأبو داود، فهو باطل.
- وجوب رد السلام.
стр. 457
٢٢٤ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتِ زَيْنَبَ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
وَلِمُسْلِمٍ: (وَهُوَ يَؤُمُّ اَلنَّاسَ فِي اَلْمَسْجِدِ).
===
(كَانَ يُصَلِّي) أي: صلاة الفريضة كما في رواية مسلم، وقد جاء عند أبي داود (صلاة الظهر أو العصر).
(وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ) وهي بنت أبي العاص بن الربيع، وقد جاء عند أبي داود (بينما نحن في المسجد جلوساً خرج علينا رسول الله ﷺ يحمل أمامة … وهي صبية).
(بِنْتِ زَيْنَبَ) نسبها إلى أمها لشرف نسبها إلى رسول الله ﷺ ، وقيل: لأن أباها كان مشركاً آنذاك، وزينب هي ابنة رسول الله ﷺ كبرى بناته.
(فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا … ) جاء عند أبي داود (حتى إذا أراد أن يركع أخذها فوضعها، ثم ركع وسجد، حتى إذا فرغ من سجوده ثم قام، أخذها فردها في مكانها … ).
• ما حكم حمل الصبي في الصلاة؟
يجوز حمل الصبي والصبية في الصلاة، وهذا الفعل لا يبطل الصلاة، لأنه قليل ولحاجة.
كما في حديث الباب.
• أنكر المالكية حمل الصبي في الفريضة، فماذا أجابوا عن حديث الباب؟
وأجابوا عن حديث الباب بأجوبة:
الجواب الأول: قالوا: إن هذا في النفل.
قال النووي: وهذا التأويل فاسد، لأن قوله: يؤم الناس، صريح أو كالصريح في أنه كان في الفريضة.
الجواب الثاني: قالوا: إنه منسوخ.
وهذا قول ضعيف، لأن النسخ لا يثبت بالاحتمال.
الجواب الثالث: قالوا: هي التي تعلقت به.
وهذا غير صحيح، ففي الحديث (إذا سجد وضعها، وإذا قام حملها) وعند أبي داود (ثم أخذها فردها في مكانها).
قال النووي: وادعى بعضهم أنه خاص بالنبي ﷺ ، وبعضهم أنه كان لضرورة، وكل هذه الدعاوى باطلة مردودة لا دليل عليها ولا ضرورة إليها، بل الحديث صحيح صريح في جواز ذلك، وليس فيه ما يخالف قواعد الشرع، لأن الآدمي طاهر وما في جوفه من النجاسة معفو عنه لكونه في معدته.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أن الفعل القليل لا يبطل الصلاة.
- تواضع النبي ﷺ مع الصبيان وسائر الضعفة وملاطفتهم.
- جواز إدخال الصبيان في المساجد، وأما حديث (جنبوا مساجدكم صبيانكم) رواه ابن ماجه وهو ضعيف
стр. 458
٢٢٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اُقْتُلُوا اَلْأَسْوَدَيْنِ فِي اَلصَّلَاةِ: اَلْحَيَّةَ، وَالْعَقْرَبَ) أَخْرَجَهُ اَلْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ
===
(الأسودين) أي الحية والعقرب، وسميتا الأسودين من باب التغليب.
• ما حكم قتل الحية والعقرب والصلاة؟
مشروع ولو في الصلاة، وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء.
• هل يقاس عليهما كل مؤذ؟
نعم، يشرع قتل كل مؤذٍ من الهوام وغيرها في الصلاة أو خارجها.
• هل الأمر بقتل الحية أو العقرب مقيد بعدد من الضربات؟
أن الأمر بقتل الحية والعقرب مطلق غير مقيد بضربة أو بضربتين، وقد أخرج البيهقي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (كفاك للحية ضربة أخطأتها أم أصبتها) وهذا يوهم التقييد بالضربة.
قال البيهقي: وهذا إن صح فإنما أراد والله أعلم وقوع الكفاية بما في الإتيان بالمأمور، فقد أمر النبي ﷺ بقتلها، وأراد والله أعلم إذا امتنعت بنفسها ولم يرد به المنع من الزيادة على ضربة واحدة.
ثم استدل البيهقي على ذلك بحديث أبي هريرة عند مسلم (من قتل وزغة في أول ضربة فله كذا وكذا حسنة، ومن قتلها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة أدنى من الأولى، ومن قتلها في الضربة الثالثة فله كذا وكذا حسنة أدنى من الثانية).
• اذكر أنواع الحركة في الصلاة؟
قسم بعض العلماء الحركة في الصلاة إلى أقسام:
أولاً: الحركة الواجبة.
هي التي يتوقف عليها صحة الصلاة، هذا هو الضابط لها والصور كثيرة:
منها: لو أن رجلاً ابتدأ الصلاة إلى غير القبلة بعد أن اجتهد، ثم جاءه شخص وقال له القبلة على يمينك، فهنا الحركة واجبة، فيجب أن يتحرك إلى جهة اليمين.
ولو ذكر أن في غترته نجاسة وهو يصلي وجب عليه خلعها، لإزالة النجاسة.
ثانياً: الحركة المستحبة.
هي التي يتوقف عليها كمال الصلاة، ولها صور عديدة:
منها: لو تبين له أنه متقدم على جيرانه في الصف، فتأخره سنة.
ومنها: ولو تقلص الصف حتى صار بينه وبين جاره فرجة، فالحركة هنا سنة.
ثالثاً: الحركة المباحة.
هي الحركة اليسيرة للحاجة، أو الكثيرة للضرورة.
مثال: رجل يصلي في الظل فأحس ببرودة فتقدم، أو تأخر، أو تيامن، أو تياسر من أجل الشمس، فهذه مباحة.
رابعاً: الحركة المكروهة.
هي اليسيرة لغير حاجة، ولا يتوقف عليها كمال الصلاة، كما يوجد في كثير من الناس الآن كالنظر إلى الساعة، وأخذ القلم.
خامساً: الحركة المحرمة.
هي الكثيرة المتوالية لغير ضرورة.
الأحد/ ١٢/ ٣/ ١٤٣٢ هـ
стр. 459
باب سُتْرَةِ المُصلي
تعريف السترة: هي ما يجعله المصلي بين يديه لمنع المار.
٢٢٦ - عَنْ أَبِي جُهَيْمِ بْنِ اَلْحَارِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَوْ يَعْلَمُ اَلْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ اَلْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ مِنْ اَلْإِثْمِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
وَوَقَعَ فِي "اَلْبَزَّارِ" مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: - أَرْبَعِينَ خَرِيفًا -
===
(لَوْ يَعْلَمُ اَلْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ اَلْمُصَلِّي) قال في عون المعبود: أي أمامه بالقرب منه، وعبر باليدين لكون أكثر الشغل يقع بهما، واختلف في تحديد ذلك فقيل إذا مر بينه وبين مقدار سجوده، وقيل بينه وبين قدر ثلاثة أذرع وقيل بينه وبين قدر رمية بحجر.
(ماذا عليه) أي من الإثم والعقوبة.
(مِنْ اَلْإِثْمِ) قال الحافظ ابن حجر: ليست هذه الزيادة في شيء من الروايات عند غيره، وقد عزاها المحب الطبري في الأحكام للبخاري وأطلق، فعيب ذلك عليه وعلى صاحب العمدة في اتهامه أنها في الصحيحين
(لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ) يعني أن المار لو علم مقدار الإثم الذي يلحقه، لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: تحريم المرور بين يدي المصلي.
قال النووي: وَمَعْنَى الْحَدِيث النَّهْي الْأَكِيد وَالْوَعِيد الشَّدِيد فِي ذَلِكَ.
وقال الشوكاني: الحديث يدل على أن المرور بين يدي المصلي من الكبائر الموجبة للنار، وظاهره عدم الفرق بين صلاة الفريضة والنافلة.
• متى يحرم ذلك؟
إذا مرّ بين يدي المصلي، فالتحريم مقيد فيما إذا مر بين يديه (يعني في المنطقة التي بين سجوده ووقوفه)، وهنا لا فرق بين أن يكون له سترة أو لا يكون له سترة.
стр. 460
• ما الحكم إن مرّ في المنطقة التي من بعد موضع سجوده؟
إن مرّ في المنطقة التي من بعد موضع سجوده، فهذه لها حالان:
الأولى: أن يكون المصلي يتخذ سترة، فهنا يجوز المرور من خلف السترة.
أ- لقول النبي ﷺ (إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئا، فإن لم يجد فلينصب عصا، فإن لم يكن فليخط خطا ثم لا يضره من مر بين يديه) رواه أحمد وسيأتي.
ب- وعن طلحة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل ولا يبالي من مر وراء ذلك) رواه مسلم.
الثانية: أن لا يتخذ سترة، فهنا ليس له إلا موضع سجوده، وهذا الأقرب من أقوال أهل العلم، ويجوز لمن أراد أن يجتاز أن يمر فيما يلي موضع سجوده، وذلك لأن النهي الوارد في الحديث إنما هو في المرور بين يدي المصلي، وما يلي موضع سجوده ليس بين يدي المصلي.
• ما معنى قوله ﷺ (بَيْنَ يَدَيِ اَلْمُصَلِّي … )؟
اختلف العلماء في ذلك؟
فقيل: المراد من قدميه إلى منتهى موضع سجوده.
وقيل: إلى ثلاثة أذرع.
وقيل: إذا بعد عرفاً، بحيث لا يمكن دفعه إلا بالتقدم.
والأقرب الأول، لأن هذا هو الذي يحتاجه المصلي.
وهذا إذا لم يتخذ المصلي سترة، فإن اتخذ سترة فإنه يمر وراءها ولا حرج.
• ما المراد بالمصلي في قوله (لَوْ يَعْلَمُ اَلْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ اَلْمُصَلِّي … )؟
ظاهر الحديث يشمل بين يدي الإمام والمنفرد والمأموم، لكن دلت السنة على أن المأموم مستثنى.
أ-لحديث ابْنِ عَبَّاس. قَال (أَقْبَلْتُ رَاكِباً عَلَى أَتَانٍ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاِحْتِلَامَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى بِالنَّاسِ بِمِنًى فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيِ الصَّفِّ فَنَزَلْتُ فَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَىَّ أَحَد) متفق عليه.
следующие страницы →