Полный текст (3 038 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
قال النووي: مقتضى كلام أصحابنا أنه لا يكره السلام على المصلي، وهو الذي يقتضيه الأحاديث الصحيحة. (المجموع)
وقال الشيخ محمد بن عثيمين: السلام على المصلي جائز؛ لأن النبي ﷺ لم ينكر على الذين يسلمون عليه، إلا إذا خاف المسلم أن يشوش على المصلي فلا يسلم، أو خاف أن يتكلم بالرد، يعني: العامة أكثرهم لا يفهم، ربما إذا سلمت عليه قال: وعليك السلام، فبطلت صلاته إذا كان عالماً بأنها تبطل بذلك.
فعلى كل حال نقول: السلام على المصلي غير منكر. (لقاء الباب المفتوح)
• ما كيفية رد المصلي السلام؟
اختلف العلماء في ذلك:
فقيل: يرد بالكلام.
وهذا قول باطل مردود.
قال في المغني: إذا سلم على المصلي لم يكن له رد السلام بالكلام، فان فعل بطلت صلاته.
روي نحو ذلك عن أبي ذر وعطاء والنخعي وبه قال مالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور.
وكان سعيد بن المسيب والحسن وقتادة لا يرون به بأساً، وروي عن أبي هريرة أنه أمر بذلك، وقال إسحاق: إن فعله متأولاً جازت صلاته.
ولنا: حديث جابر وحديث ابن مسعود، ولأنه كلام آدمي فأشبه تشميت العاطس.
وقيل: يرد بعد السلام.
وهو قول أبي ذر، والثوري، وداود.
لحديث ابن مسعود قال: (كنا نسلم في الصلاة فقدمت على رسول الله ﷺ وهو يصلي فسلمت عليه فلم يردّ عليّ السلام … فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة ردّ عليّ). رواه أبو داود
وقيل: يرد بالإشارة.
وهذا مذهب جماهير العلماء، وهذا القول هو الراجح.
وقد ورد الإشارة باليد كما عند الترمذي.
وورد الإشارة برأسه كما عند البيهقي.
وورد بالإصبع كما عند أحمد.
قال الشوكاني: ويجمع بين الروايات أنه ﷺ فعل هذا مرة وهذا مرة، فيكون جميع ذلك جائزاً.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أن الإشارة المفهمة في الصلاة لا بأس بها، ويدل لذلك أحاديث منها:
حديث عائشة: (حيث صلوا خلف النبي ﷺ وهو يشتكي، فقاموا فأشار إليهم أن اجلسوا … ).
وأما حديث: (من أشار في الصلاة إشارة تفهم منه فليعد صلاته) رواه الدار قطني وأبو داود، فهو باطل.
- وجوب رد السلام.
стр. 457
٢٢٤ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتِ زَيْنَبَ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
وَلِمُسْلِمٍ: (وَهُوَ يَؤُمُّ اَلنَّاسَ فِي اَلْمَسْجِدِ).
===
(كَانَ يُصَلِّي) أي: صلاة الفريضة كما في رواية مسلم، وقد جاء عند أبي داود (صلاة الظهر أو العصر).
(وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ) وهي بنت أبي العاص بن الربيع، وقد جاء عند أبي داود (بينما نحن في المسجد جلوساً خرج علينا رسول الله ﷺ يحمل أمامة … وهي صبية).
(بِنْتِ زَيْنَبَ) نسبها إلى أمها لشرف نسبها إلى رسول الله ﷺ ، وقيل: لأن أباها كان مشركاً آنذاك، وزينب هي ابنة رسول الله ﷺ كبرى بناته.
(فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا … ) جاء عند أبي داود (حتى إذا أراد أن يركع أخذها فوضعها، ثم ركع وسجد، حتى إذا فرغ من سجوده ثم قام، أخذها فردها في مكانها … ).
• ما حكم حمل الصبي في الصلاة؟
يجوز حمل الصبي والصبية في الصلاة، وهذا الفعل لا يبطل الصلاة، لأنه قليل ولحاجة.
كما في حديث الباب.
• أنكر المالكية حمل الصبي في الفريضة، فماذا أجابوا عن حديث الباب؟
وأجابوا عن حديث الباب بأجوبة:
الجواب الأول: قالوا: إن هذا في النفل.
قال النووي: وهذا التأويل فاسد، لأن قوله: يؤم الناس، صريح أو كالصريح في أنه كان في الفريضة.
الجواب الثاني: قالوا: إنه منسوخ.
وهذا قول ضعيف، لأن النسخ لا يثبت بالاحتمال.
الجواب الثالث: قالوا: هي التي تعلقت به.
وهذا غير صحيح، ففي الحديث (إذا سجد وضعها، وإذا قام حملها) وعند أبي داود (ثم أخذها فردها في مكانها).
قال النووي: وادعى بعضهم أنه خاص بالنبي ﷺ ، وبعضهم أنه كان لضرورة، وكل هذه الدعاوى باطلة مردودة لا دليل عليها ولا ضرورة إليها، بل الحديث صحيح صريح في جواز ذلك، وليس فيه ما يخالف قواعد الشرع، لأن الآدمي طاهر وما في جوفه من النجاسة معفو عنه لكونه في معدته.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أن الفعل القليل لا يبطل الصلاة.
- تواضع النبي ﷺ مع الصبيان وسائر الضعفة وملاطفتهم.
- جواز إدخال الصبيان في المساجد، وأما حديث (جنبوا مساجدكم صبيانكم) رواه ابن ماجه وهو ضعيف
стр. 458
٢٢٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اُقْتُلُوا اَلْأَسْوَدَيْنِ فِي اَلصَّلَاةِ: اَلْحَيَّةَ، وَالْعَقْرَبَ) أَخْرَجَهُ اَلْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ
===
(الأسودين) أي الحية والعقرب، وسميتا الأسودين من باب التغليب.
• ما حكم قتل الحية والعقرب والصلاة؟
مشروع ولو في الصلاة، وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء.
• هل يقاس عليهما كل مؤذ؟
نعم، يشرع قتل كل مؤذٍ من الهوام وغيرها في الصلاة أو خارجها.
• هل الأمر بقتل الحية أو العقرب مقيد بعدد من الضربات؟
أن الأمر بقتل الحية والعقرب مطلق غير مقيد بضربة أو بضربتين، وقد أخرج البيهقي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (كفاك للحية ضربة أخطأتها أم أصبتها) وهذا يوهم التقييد بالضربة.
قال البيهقي: وهذا إن صح فإنما أراد والله أعلم وقوع الكفاية بما في الإتيان بالمأمور، فقد أمر النبي ﷺ بقتلها، وأراد والله أعلم إذا امتنعت بنفسها ولم يرد به المنع من الزيادة على ضربة واحدة.
ثم استدل البيهقي على ذلك بحديث أبي هريرة عند مسلم (من قتل وزغة في أول ضربة فله كذا وكذا حسنة، ومن قتلها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة أدنى من الأولى، ومن قتلها في الضربة الثالثة فله كذا وكذا حسنة أدنى من الثانية).
• اذكر أنواع الحركة في الصلاة؟
قسم بعض العلماء الحركة في الصلاة إلى أقسام:
أولاً: الحركة الواجبة.
هي التي يتوقف عليها صحة الصلاة، هذا هو الضابط لها والصور كثيرة:
منها: لو أن رجلاً ابتدأ الصلاة إلى غير القبلة بعد أن اجتهد، ثم جاءه شخص وقال له القبلة على يمينك، فهنا الحركة واجبة، فيجب أن يتحرك إلى جهة اليمين.
ولو ذكر أن في غترته نجاسة وهو يصلي وجب عليه خلعها، لإزالة النجاسة.
ثانياً: الحركة المستحبة.
هي التي يتوقف عليها كمال الصلاة، ولها صور عديدة:
منها: لو تبين له أنه متقدم على جيرانه في الصف، فتأخره سنة.
ومنها: ولو تقلص الصف حتى صار بينه وبين جاره فرجة، فالحركة هنا سنة.
ثالثاً: الحركة المباحة.
هي الحركة اليسيرة للحاجة، أو الكثيرة للضرورة.
مثال: رجل يصلي في الظل فأحس ببرودة فتقدم، أو تأخر، أو تيامن، أو تياسر من أجل الشمس، فهذه مباحة.
رابعاً: الحركة المكروهة.
هي اليسيرة لغير حاجة، ولا يتوقف عليها كمال الصلاة، كما يوجد في كثير من الناس الآن كالنظر إلى الساعة، وأخذ القلم.
خامساً: الحركة المحرمة.
هي الكثيرة المتوالية لغير ضرورة.
الأحد/ ١٢/ ٣/ ١٤٣٢ هـ
стр. 459
باب سُتْرَةِ المُصلي
تعريف السترة: هي ما يجعله المصلي بين يديه لمنع المار.
٢٢٦ - عَنْ أَبِي جُهَيْمِ بْنِ اَلْحَارِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَوْ يَعْلَمُ اَلْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ اَلْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ مِنْ اَلْإِثْمِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
وَوَقَعَ فِي "اَلْبَزَّارِ" مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: - أَرْبَعِينَ خَرِيفًا -
===
(لَوْ يَعْلَمُ اَلْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ اَلْمُصَلِّي) قال في عون المعبود: أي أمامه بالقرب منه، وعبر باليدين لكون أكثر الشغل يقع بهما، واختلف في تحديد ذلك فقيل إذا مر بينه وبين مقدار سجوده، وقيل بينه وبين قدر ثلاثة أذرع وقيل بينه وبين قدر رمية بحجر.
(ماذا عليه) أي من الإثم والعقوبة.
(مِنْ اَلْإِثْمِ) قال الحافظ ابن حجر: ليست هذه الزيادة في شيء من الروايات عند غيره، وقد عزاها المحب الطبري في الأحكام للبخاري وأطلق، فعيب ذلك عليه وعلى صاحب العمدة في اتهامه أنها في الصحيحين
(لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ) يعني أن المار لو علم مقدار الإثم الذي يلحقه، لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: تحريم المرور بين يدي المصلي.
قال النووي: وَمَعْنَى الْحَدِيث النَّهْي الْأَكِيد وَالْوَعِيد الشَّدِيد فِي ذَلِكَ.
وقال الشوكاني: الحديث يدل على أن المرور بين يدي المصلي من الكبائر الموجبة للنار، وظاهره عدم الفرق بين صلاة الفريضة والنافلة.
• متى يحرم ذلك؟
إذا مرّ بين يدي المصلي، فالتحريم مقيد فيما إذا مر بين يديه (يعني في المنطقة التي بين سجوده ووقوفه)، وهنا لا فرق بين أن يكون له سترة أو لا يكون له سترة.
стр. 460
• ما الحكم إن مرّ في المنطقة التي من بعد موضع سجوده؟
إن مرّ في المنطقة التي من بعد موضع سجوده، فهذه لها حالان:
الأولى: أن يكون المصلي يتخذ سترة، فهنا يجوز المرور من خلف السترة.
أ- لقول النبي ﷺ (إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئا، فإن لم يجد فلينصب عصا، فإن لم يكن فليخط خطا ثم لا يضره من مر بين يديه) رواه أحمد وسيأتي.
ب- وعن طلحة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل ولا يبالي من مر وراء ذلك) رواه مسلم.
الثانية: أن لا يتخذ سترة، فهنا ليس له إلا موضع سجوده، وهذا الأقرب من أقوال أهل العلم، ويجوز لمن أراد أن يجتاز أن يمر فيما يلي موضع سجوده، وذلك لأن النهي الوارد في الحديث إنما هو في المرور بين يدي المصلي، وما يلي موضع سجوده ليس بين يدي المصلي.
• ما معنى قوله ﷺ (بَيْنَ يَدَيِ اَلْمُصَلِّي … )؟
اختلف العلماء في ذلك؟
فقيل: المراد من قدميه إلى منتهى موضع سجوده.
وقيل: إلى ثلاثة أذرع.
وقيل: إذا بعد عرفاً، بحيث لا يمكن دفعه إلا بالتقدم.
والأقرب الأول، لأن هذا هو الذي يحتاجه المصلي.
وهذا إذا لم يتخذ المصلي سترة، فإن اتخذ سترة فإنه يمر وراءها ولا حرج.
• ما المراد بالمصلي في قوله (لَوْ يَعْلَمُ اَلْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ اَلْمُصَلِّي … )؟
ظاهر الحديث يشمل بين يدي الإمام والمنفرد والمأموم، لكن دلت السنة على أن المأموم مستثنى.
أ-لحديث ابْنِ عَبَّاس. قَال (أَقْبَلْتُ رَاكِباً عَلَى أَتَانٍ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاِحْتِلَامَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى بِالنَّاسِ بِمِنًى فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيِ الصَّفِّ فَنَزَلْتُ فَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَىَّ أَحَد) متفق عليه.
стр. 461
ب-لأن سترة الإمام سترة لمن خلفه.
стр. 462
• ماذا نستفيد من قوله (لو يعلم المار … )؟
نستفيد: أن غير المار (الجالس أو الواقف) لا يضر.
ويدل لذلك حديث عائشة قالت (كنت أنام بين يدي
• هل يجوز أن يجعل إنساناً سترة له؟
نعم يجوز.
لحديث عائشة السابق.
قال ابن قدامة: فَإِنْ اسْتَتَرَ بِإِنْسَانٍ فَلَا بَأْسَ، فَإِنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ غَيْرِهِ مِنْ السُّتْرَةِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ هِلَالٍ، قَالَ: رَأَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَجُلًا يُصَلِّي، وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَوَلَّاهُ ظَهْرَهُ، وَقَالَ بِثَوْبِهِ هَكَذَا، وَبَسَطَ يَدَيْهِ هَكَذَا.
وَقَالَ: صَلِّ، وَلَا تُعَجِّلْ.
وَعَنْ نَافِعٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا لَمْ يَجِدْ سَبِيلًا إلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، قَالَ: وَلِّنِي ظَهْرَكَ.
رَوَاهُمَا النَّجَّادُ بِإِسْنَادِهِ.
• هل يحرم المرور بين يدي المصلي في الحرم أم لا؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه حرام حتى في المسجد الحرام.
وهذا مذهب الشافعية.
أ- لعموم حديث الباب، وليس هناك دليل يخص مكة أو المسجد الحرام.
وقد ثبت في حديث جابر (أن النبي ﷺ لما صلى ركعتي الطواف جعل المقام بينه وبين البيت).
ومن تراجم البخاري في صحيحه: باب السترة بمكة وغيرها، ثم أورد تحتها حديث أبي جحيفة قال (خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْهَاجِرَةِ فَصَلَّى بِالْبَطْحَاءِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ وَنَصَبَ بَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةً وَتَوَضَّأَ فَجَعَلَ النَّاسُ يَتَمَسَّحُونَ بِوَضُوئِهِ).
قال ابن حجر: … فأراد البخاري التنبيه على ضعف هذا الحديث وأن لا فرق بين مكة وغيرها في مشروعية السترة واستدل على ذلك بحديث أبي جحيفة وقد قدمنا وجه الدلالة منه وهذا هو المعروف عند الشافعية وأن لا فرق في منع المرور بين يدي المصلي بين مكة وغيرها واغتفر بعض الفقهاء ذلك للطائفين دون غيرهم للضرورة وعن بعض الحنابلة جواز ذلك في جميع مكة.
стр. 463
القول الثاني: أن الحرم مستثنى.
أ-لحديث المطلب بن أبي وداعة بلفظ (رأيت رسول الله ﷺ في المسجد الحرام ليس بينه وبينهم - أي الناس - سترة) رواه أبو داود وهو ضعيف، ضعفه ابن حجر ونقل تضعيفه عن البخاري.
ب- وللمشقة الشديدة من الزحام.
قال ابن قدامة: ولا بأس أن يصلي بمكة إلى غير سترة، وروي ذلك عن ابن الزبير وعطاء ومجاهد.
قال الأثرم: قيل لأحمد: الرجل يصلي بمكة، ولا يستتر بشيء؟ فقال: قد روي عن النبي ﷺ أنه صلى ثم ليس بينه وبين الطُّوَّاف سترة. قال أحمد: لأن مكة ليست كغيرها، كأنّ مكة مخصوصة ..
وقال ابن أبي عمار: رأيت ابن الزبير جاء يصلي، والطُّوَّاف بينه وبين القبلة، تمر المرأة بين يديه، فينتظرها حتى تمر، ثم يضع جبهته في موضع قدمها. رواه حنبل في كتاب "المناسك".
وقال المعتمر: قلت لطاووس: الرجل يصلي - يعني بمكة - فيمر بين يديه الرجل والمرأة؟ فإذا هو يرى أن لهذا البلد حالا ليس لغيره من البلدان، وذلك لأن الناس يكثرون بمكة لأجل قضاء نسكهم، ويزدحمون فيها، فلو مَنَع المصلي من يجتاز بين يديه لضاق على الناس.
والأول أصح.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
استنبط ابن بطال من قوله (لو يعلم) أن الإثم يختص بمن يعلم بالنهي وارتكبه، قال الحافظ: وأخْذه من ذلك فيه بُعد، لكن هو معروف من أدلة أخرى.
стр. 464
٢٢٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (سُئِلَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ عَنْ سُتْرَةِ اَلْمُصَلِّي. فَقَالَ: مِثْلُ مُؤْخِرَةِ اَلرَّحْلِ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
===
(غَزْوَةِ تَبُوكَ) وكانت سنة ٩ هـ.
(مِثْلُ مُؤْخِرَةِ اَلرَّحْلِ) هي عمود الخشب الذي يكون خلف الراكب يستند إليه.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أن الأفضل أن يكون مقدار السترة طولاً مِثْلُ مُؤْخِرَةِ اَلرَّحْلِ.
قال النووي ﵀: وَفِي الْحَدِيث النَّدْب إِلَى السُّتْرَة بَيْن يَدَيْ الْمُصَلِّي، وَبَيَان أَنَّ أَقَلّ السُّتْرَة مُؤْخِرَة الرَّحْل، وَهِيَ قَدْر عَظْم الذِّرَاع، هُوَ نَحْو ثُلُثَيْ ذِرَاع، وَيَحْصُل بِأَيِّ شَيْء أَقَامَهُ بَيْن يَدَيْهِ هَكَذَا. (شرح مسلم).
وقال ابن عثيمين ﵀: الأفضل أن تكون السترة كمؤخرة الرحل، يعني أن تكون شيئاً قائماً بنحو ثلثي ذراع؛ أي نصف متر. (نور على الدرب).
• هل قوله ﷺ (مثل مؤخرة الرحل) على سبيل التحديد أو على سبيل التحديد أو على سبيل التقريب والأفضلية؟
هذا على سبيل التقريب والأفضلية، فيجوز أطول منها وأقصر.
(فقد ثبت أنه ﷺ كان يستتر بالجدار). رواه مسلم
(وثبت أنه ﷺ استتر بالمقام).
وعن ابن أبي أوفى (أنه طاف بالبيت وصلى خلف المقام ركعتين). رواه مسلم
(وثبت أنه ﷺ استتر بالعنزة). رواه البخاري.
وكل هذه الأشياء أطول بكثير من مؤخرة الرحل.
• هل قوله ﷺ (مثل مؤخرة الرحل) تحديد لعرض السترة وغلظها فلا يجوز أقل من ذلك، أم تمثيل وتقريب؟
قال ابن قدامة: فأما قدرها في الغلظ - الدقة - فلا حد له نعلمه، فيجوز أن تكون دقيقة كالسهم والحربة وغليظة كالحائط، ويدل لذلك:
أنه ثبت أنه ﷺ صلى إلى حربة.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ يَوْمَ الْعِيدِ أَمَرَ بِالْحَرْبَةِ فَتُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيُصَلِّى إِلَيْهَا وَالنَّاسُ وَرَاءَهُ، وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِى السَّفَرِ، فَمِنْ ثَمَّ اتَّخَذَهَا الأُمَرَاءُ) متفق عليه.
وثبت أنه ﷺ صلى إلى عَنَزَة.
عن أَبِى جُحَيْفَةَ قَالَ (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِى قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ، وَرَأَيْتُ بِلَالاً أَخَذَ وَضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَأَيْتُ النَّاسَ يَبْتَدِرُونَ ذَاكَ الْوَضُوءَ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئاً تَمَسَّحَ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ شَيْئاً أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ، ثُمَّ رَأَيْتُ بِلَالاً أَخَذَ عَنَزَةً فَرَكَزَهَا، وَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مُشَمِّرًا، صَلَّى إِلَى الْعَنَزَةِ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُّونَ مِنْ بَيْنِ يَدَىِ الْعَنَزَة) متفق عليه.
أمر بالصلاة إلى السهم.
كما في حديث سبرة. قال: قال ﷺ (لِيَسْتَتِرْ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ وَلَوْ بِسَهْمٍ).
وكل ذلك أدق بكثير من مؤخرة الرحل، ولم يرد في الشرع ما يمنع أدق من هذه المذكورات.
- لكن السترة العريضة أولى، وأبعد عن التشويش، وأجمع لقلب المصلي، إذا تيسرت له.
قال الإمام أحمد ﵀: وما كان أعرض فهو أعجب إلي.
قال ابن قدامة: وذلك لأن قوله (ولو بسهم) يدل على أن غيره أولى منه.
стр. 465
٢٢٨ - وَعَنْ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ اَلْجُهَنِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لِيَسْتَتِرْ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ وَلَوْ بِسَهْمٍ) أَخْرَجَهُ اَلْحَاكِمُ.
===
(وَلَوْ بِسَهْمٍ) لو: تفيد التقليل.
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث سنده حسن، وما ذكره المصنف ﵀ هذا لفظ ابن أبي شيبة، وأما لفظ الحاكم (استتروا بصلاتكم ولو بسهم).
• اذكر بعض الأدلة على مشروعية السترة؟
لازم النبي ﷺ اتخاذ السترة حضراً وسفراً، في العمران والفضاء.
أولاً: أمره ﷺ الاستتار بالسهم.
كما في حديث الباب (لِيَسْتَتِرْ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ وَلَوْ بِسَهْمٍ).
ثانياً: استتاره ﷺ بالحربة.
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ يَوْمَ الْعِيدِ أَمَرَ بِالْحَرْبَةِ فَتُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيُصَلِّى إِلَيْهَا وَالنَّاسُ وَرَاءَهُ، وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ، فَمِنْ ثَمَّ اتَّخَذَهَا الأُمَرَاءُ) متفق عليه.
ثالثاً: استتاره ﷺ بالعَنَزَة.
عن أَبِى جُحَيْفَةَ قَالَ (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ، وَرَأَيْتُ بِلَالاً أَخَذَ وَضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَأَيْتُ النَّاسَ يَبْتَدِرُونَ ذَاكَ الْوَضُوءَ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئاً تَمَسَّحَ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ شَيْئاً أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ، ثُمَّ رَأَيْتُ بِلَالاً أَخَذَ عَنَزَةً فَرَكَزَهَا، وَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مُشَمِّرًا، صَلَّى إِلَى الْعَنَزَةِ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُّونَ مِنْ بَيْنِ يَدَيِ الْعَنَزَة) متفق عليه.
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَغْدُو إِلَى الْمُصَلَّى، وَالْعَنَزَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، تُحْمَلُ وَتُنْصَبُ بِالْمُصَلَّى بَيْنَ يَدَيْهِ فَيُصَلِّى إِلَيْهَا) رواه البخاري.
وعن أنس قال (رأيت رسول الله ﷺ يصلي إليها بالمصلى يعني العنَزَة) رواه ابن خزيمة.
رابعاً: استتاره ﷺ بالراحلة.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (أَنَّهُ كَانَ يُعَرِّضُ رَاحِلَتَهُ فَيُصَلِّى إِلَيْهَا) متفق عليه.
خامساً: استتاره ﷺ بالمقام.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن أَبِى أَوْفَى قَالَ (اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَهُ مَنْ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ) رواه البخاري.
حديث جابر (وصلى ركعتين والمقام بينه وبين البيت) رواه مسلم.
стр. 466
سادساً: استتاره ﷺ بالشجرة.
عن علي قال (لقد رأيتنا وما فينا إنسان إلا نائم إلا رسول الله ﷺ فإنه كان يصلي إلى شجرة يدعو حتى أصبح) رواه النسائي.
سابعاً: استتاره ﷺ بالسرير.
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ (أَعَدَلْتُمُونَا بِالْكَلْبِ وَالْحِمَارِ لَقَدْ رَأَيْتُنِي مُضْطَجِعَةً عَلَى السَّرِيرِ، فَيَجِيءُ النَّبِيُّ ﷺ فَيَتَوَسَّطُ السَّرِيرَ فَيُصَلِّى، فَأَكْرَهُ أَنْ أُسَنِّحَهُ فَأَنْسَلُّ مِنْ قِبَلِ رِجْلَي السَّرِيرِ حَتَّى أَنْسَلَّ مِنْ لِحَافِي) متفق عليه.
ثامناً: استتاره ﷺ بالجدار.
عَنْ سَهْلٍ قَالَ (كَانَ بَيْنَ مُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ الْجِدَارِ مَمَرُّ الشَّاة) متفق عليه.
تاسعاً: استتاره ﷺ بالاسطوانة.
عن يَزِيدُ بْنُ أَبِى عُبَيْدٍ قَالَ (كُنْتُ آتِى مَعَ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ فَيُصَلِّى عِنْدَ الأُسْطُوَانَةِ الَّتِي عِنْدَ الْمُصْحَفِ. فَقُلْتُ يَا أَبَا مُسْلِمٍ أَرَاكَ تَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَ هَذِهِ الأُسْطُوَانَةِ. قَالَ فَإِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَهَا) متفق عليه.
قال ابن قدامة: السنة للمصلي أن يصلي إلى سترة … ولا نعلم في استحباب ذلك خلافاً.
وقال النووي: السنة للمصلي أن يكون بين يديه سترة من جدار أو سارية أو غيرهما ويدنو منها.
• ما حكم اتخاذ السترة في الصلاة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنها واجبة.
وهذا مذهب ابن خزيمة، ورجحه ابن حزم، والشوكاني.
أ-لحديث الباب (لِيَسْتَتِرْ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ وَلَوْ بِسَهْمٍ).
ب- ولحديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ (إذا صلى أحدكم فليصلّ إلى سترة وليدن منها) رواه أبو داود
قال الشوكاني: فيه أن اتخاذ السترة واجب.
ورجحه الألباني، وقال: القول بالاستحباب ينافي الأمر بالسترة في عدة أحاديث.
ج- وعن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ (إذا صلى أحدكم فليستتر) رواه ابن خزيمة.
стр. 467
القول الثاني: أنها غير واجبة.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
أ- لحديث ابْنِ عَبَّاس. قَال (أَقْبَلْتُ رَاكِباً عَلَى أَتَانٍ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاِحْتِلَامَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى بِالنَّاسِ بِمِنًى إلى غَيرِ جِدار، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيِ الصَّفِّ فَنَزَلْتُ فَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَىَّ أَحَد) متفق عليه.
وجه الدلالة: قوله (إلى غير جدار) قال الحافظ ابن حجر: أي إلى غير سترة، قاله الشافعي، وسياق الكلام يدل على ذلك، لأن ابن عباس أورده في معرض الاستدلال على أن المرور بين يدي المصلي لا يقطع صلاته، ويؤيده رواية البزار بلفظ (والنبي يصلي المكتوبة ليس لشيء يستره).
ب- ولحديث أبي سعيد وسيأتي (إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أن يجتاز بين يديه … ).
فقوله: (إذا صلى أحدكم … ) يدل على أن المصلي قد يصلي إلى شيء يستره وقد لا يصلي.
وهذا القول هو الراجح.
• هل السترة مشروعة حتى في الفضاء؟
نعم، فالسترة مستحبة سواء صلى في العمران أو في الفضاء، خشي ماراً أو لم يخشى.
قال الشوكاني: اعلم أن ظاهر أحاديث الباب عدم الفرق بين الصحاري والعمران، وهو الذي ثبت عنه ﷺ من اتخاذه السترة سواء في الفضاء أو في غيره.
وقال السفاريني: اعلم أنه يستحب صلاة المصلي إلى سترة اتفاقاً ولو لم يخشى ماراً خلافاً لمالك.
• ما الحكم إذا انتهى الإمام من صلاته وقام المأموم يقضي فهل تستمر سترة الإمام سترة للمأمومين، أو يكون الإمام سترة للمأموم بعد انفراده؟
الجواب: المأموم لما سلم الإمام صار منفرداً فلا تكون سترة الإمام سترة له حتى الإمام الآن ليس بإمام؛ لأنه انصرف وذهب عن مكانه.
لكن هل يشرع للمأموم بعد ذلك إذا قام يقضي ما فاته أن يتخذ سترة؟
الذي يظهر لي: أنه لا يشرع، وأن الصحابة ﵃ إذا فاتهم شيء قضوا بدون أن يتخذوا سترة.
ثم لو قلنا: بأنه يستحب أن يتخذ سترة، أو يجب على قول من يرى وجوب السترة، فإن الغالب أنه يحتاج إلى مشي وإلى حركة لا نستبيحها إلا بدليل بيِّن، فالظاهر أن المأموم يقال له: سترة الإمام انتهت معك وأنت لا تتخذ سترة؛ لأنه لم يرد اتخاذ السترة في أثناء الصلاة، وإنما تتخذ السترة قبل البدء في الصلاة. (لقاء الباب المفتوح).
стр. 468
• ما حكم الدنو من السترة؟
يسن الدنو من السترة.
لقوله ﷺ : (إذا صلى أحدكم إلى سترة، فليدن منها فإن الشيطان يمرّ بينه وبينها). رواه ابن حبان
قال البغوي: والعمل على هذا عند أهل العلم استحبوا الدنو من السترة.
وقد ورد الحكمة من ذلك: في قوله ﷺ (إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته) رواه أبو داود.
قال الحافظ: وقد ورد الأمر بالدنو منها وفيه بيان الحكمة في ذلك، وهو ما رواه أبو داود وغيره من حديث سهل بن أبي حثمة مرفوعاً (إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها لا يقطع الشيطان عليه صلاته).
وقال السفاريني: والحكمة من الأمر بالدنو من السترة هو بيان أن لا يقطع الشيطان على المصلي صلاته.
وقال الشوكاني: والحكمة في الأمر بالدنو أن لا يقطع الشيطان عليه صلاته.
• ما الحكمة من السترة:
قال النووي: قال العلماء: الحكمة من السترة كف البصر عما وراءه ومنع من يجتاز بقربه.
وقال الصنعاني: وفائدة اتخاذها أنه مع اتخاذها لا يقطع الصلاة شيء، ومع عدم اتخاذها يقطعها ما يأتي … ).
وقال بعض العلماء: الحكمة من السترة قطع نظر المصلي عما أمامه، فيجعل بصره محصوراً في موضع سجوده، فلا يذهب بصره يمنة ويسرة.
стр. 469
٢٢٩ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (يَقْطَعُ صَلَاةَ اَلْمَرْءِ اَلْمُسْلِمِ - إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ اَلرَّحْلِ - اَلْمَرْأَةُ، وَالْحِمَارُ، وَالْكَلْبُ اَلْأَسْوَدُ … ) اَلْحَدِيثَ. - وَفِيهِ - اَلْكَلْبُ اَلْأَسْوَدِ شَيْطَانٌ -. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
٢٣٠ - وَلَهُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ نَحْوُهُ دُونَ: "اَلْكَلْبِ".
٢٣١ - وَلِأَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ: عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ نَحْوُهُ، دُونَ آخِرِهِ. وَقَيَّدَ اَلْمَرْأَةَ بِالْحَائِضِ.
===
• اذكر ألفاظ هذه الأحاديث التي ذكرها المصنف ﵀؟
حديث أبي ذر لفظه:
عَنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّى فَإِنَّهُ يَسْتُرُهُ إِذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ الْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ وَالْكَلْبُ الأَسْوَدُ». قُلْتُ يَا أَبَا ذَرٍّ مَا بَالُ الْكَلْبِ الأَسْوَدِ مِنَ الْكَلْبِ الأَحْمَرِ مِنَ الْكَلْبِ الأَصْفَرِ قَالَ يَا ابْنَ أَخِي سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا سَأَلْتَنِي فَقَالَ «الْكَلْبُ الأَسْوَدُ شَيْطَانٌ) رواه مسلم.
وحديث أبي هريرة لفظه:
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ وَيَقِي ذَلِكَ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ) رواه مسلم.
وحديث ابن عباس لفظه:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَفَعَهُ شُعْبَةُ - قَالَ (يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ الْحَائِضُ وَالْكَلْبُ) رواه أبو داود.
• ما صحة أحاديث الباب؟
حديث أبي ذر وحديث أبي هريرة في صحيح مسلم.
وأما حديث ابن عباس فالصحيح أنه موقوف، قال أبو داود: وقفه سعيد وهشام وهمام عن قتادة عن جابر بن زيد على ابن عباس.
• اذكر الخلاف هل يقطع الصلاة شيء أم لا؟
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة، هل يقطع الصلاة شيء أم لا؟
القول الأول: يقطع الصلاة هذه الأشياء الثلاثة: المرأة البالغ، والحمار، والكلب الأسود.
واختار هذا القول ابن تيمية وابن القيم، وابن المنذر، والشوكاني، والألباني.
لحديث أبي ذر، وحديث أبي هريرة.
قال ابن المنذر: وأما حجة من قال يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة، فظاهر خبر عبد الله بن الصامت عن أبي ذر … وهو خبر صحيح لا علة له، فالقول بظاهره يجب، وليس مما يثبت عن رسول الله ﷺ إلا التسليم له وحدّك أن يحمل على قياس أو نظر.
وقال الشوكاني: المراد بقطع الصلاة إبطالها، وقد ذهب إلى ذلك جماعة من الصحابة منهم: أبو هريرة، وأنس، وابن عباس، في رواية عنه … وممن قال به من التابعين يقطع الثلاثة المذكورة: الحسن البصري، وأبو الأحوص صاحب ابن مسعود، ومن الأئمة: أحمد بن حنبل فيما حكاه عنه ابن حزم الظاهري.
стр. 470
القول الثاني: أنه لا يقطع الصلاة شيء.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
قال النووي: وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وجمهور العلماء من السلف والخلف، لا تبطل الصلاة بمرور شيء من هؤلاء ولا من غيرهم.
أ-لحديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ (لا يقطع الصلاة شيء) رواه أبو داود وهو ضعيف.
ب- لحديث الفضيل بن عباس قال (زار النبي ﷺ عباساً في بادية لنا، ولنا كلبة وحمار يرعى، فصلى النبي ﷺ العصر، وهما بين يديه، فلم يؤخرا ولم يزجرا) رواه أبو داود، وهو ضعيف.
ج- ولحديث عائشة قالت (كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني) رواه مسلم.
د- ولحديث ابْنِ عَبَّاس. قَال (أَقْبَلْتُ رَاكِباً عَلَى أَتَانٍ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاِحْتِلَامَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى بِالنَّاسِ بِمِنًى إلى غَيرِ جِدار، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيِ الصَّفِّ فَنَزَلْتُ فَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَىَّ أَحَد) متفق عليه.
القول الثالث: أنه يقطع الصلاة الكلب الأسود خاصة.
وهذا قول أحمد وإسحاق.
وحجة هذا القول: أن الكلب لم يجيء في الترخيص فيه شيء يعارض الأحاديث المذكورة وهي حديث أبي ذر وأبي هريرة.
وأما المرأة فقد ورد عن عائشة أنها قالت (شبهتمونا بالكلاب والحمير).
وقالت (كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني).
وأما الحمار فقد ورد فيه حديث ابن عباس قَالَ (أَقْبَلْتُ رَاكِباً عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلامَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى إلَى غَيْرِ جِدَارٍ. مَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ فَنَزَلْتُ، فَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ. وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ) متفق عليه.
والراجح القول الأول، وأنه يقطع الصلاة هذه الأشياء الثلاثة المذكورة بالحديث.
قال ابن القيم: … فَإِنْ لَمْ يَكُنْ سُتْرَةٌ فَإِنّهُ صَحّ عَنْهُ أَنّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ " الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ ". وَثَبَتَ ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبّاسٍ وَعَبْدِ اللّهِ بْنِ مُغَفّلٍ. وَمُعَارِضُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ قِسْمَانِ صَحِيحٌ غَيْرُ صَرِيحٍ وَصَرِيحٌ غَيْرُ صَحِيحٍ فَلَا يُتْرَكُ الْعَمَلُ بِهَا لِمُعَارِضٍ هَذَا شَأْنُهُ.
стр. 471
• ماذا أجاب الجمهور عن أحاديث الباب التي فيها يقطع الصلاة؟
وأجاب من يقول بعدم القطع (وهم الجمهور) عن أحاديث القطع بأجوبة:
أ- قالوا إن المراد بالقطع نقص الصلاة.
قال النووي: وتأول هؤلاء حديث القطع على أن المراد به ينقص الصلاة لشغل القلب بهذه الأشياء، وليس المراد إبطالها. (شرح مسلم).
ب- أنه منسوخ.
قال النووي: وأما الجواب عن الأحاديث الصحيحة التي احتجوا بها فمن وجهين:
أصحهما وأحسنهما ما أجاب به الشافعي والخطابي والمحققون من الفقهاء والمحدثين: أن المراد بالقطع القطع عن الخشوع والذكر للشغل بها والالتفات إليها، لا أنها تفسد الصلاة، فهذا الجواب هو الذي نعتمده، وأما ما يدعيه أصحابنا وغيرهم من النسخ فليس بمقبول، إذ لا دليل عليه، ولا يلزم من كون حديث ابن عباس في حجة الوداع وهى في آخر الأمر أن يكون ناسخاً، إذ يمكن كون أحاديث القطع بعده، وقد علم وتقرر في الأصول، أن مثل هذا لا يكون ناسخاً مع أنه لو احتمل النسخ لكان الجمع بين الأحاديث مقدماً عليه، إذ ليس فيه رد شيء منها، وهذه أيضاً قاعدة معروفة. (المجموع).
• ما الجواب عن أدلة القول الثاني (وهم الجمهور)؟
أما حديث أبي سعيد (لا يقطع الصلاة شيء) فحديث ضعيف فلا حجة فيه.
ضعفه ابن حزم في المحلي، وقال النووي: هو ضعيف، وضعفه ابن قدامة في المغني، وابن حجر.
ولو صح فهو عام مخصوص بما ثبت عن النبي ﷺ من قطع المرأة والحمار والكلب الأسود، فتخص هذه الثلاثة من عموم هذا الحديث.
وأما حديث الفضيل ابن عباس (زار النبي ﷺ عباساً … ) فحديث ضعيف، فقد ضعفه ابن حزم في المحلى، ثم لم يبين لون هذه الكليبة، فقد يكون لونها ليس أسود، ولا يقطع الصلاة من الكلاب إلا الأسود.
وأما حديث عائشة، فهذا ليس بمرور، والنبي ﷺ يقول إذا مرّ، وفرق بين المرور والاضطجاع.
قال ابن القيم: وكان رسول الله ﷺ يصلي وعائشة نائمة في قبلته، وكأن ذلك ليس كالمار، فإن الرجل محرّم عليه المرور بين يدي المصلي ولا يكره له أن يكون لابثاً بين يديه، وهكذا المرأة يقطع مرورها الصلاة دون لبثها.
وأما حديث ابن عباس (قَال (أَقْبَلْتُ رَاكِباً عَلَى أَتَانٍ … ) فهو غير صريح في المسألة، فلا حجة فيه، إذ ليس فيه إلا أن الحمار مرّ بين يدي بعض الصف، وهذا لا يؤثر، إذ سترة الإمام سترة لمن خلفه.
стр. 472
• هل مرور المرأة من أمام المرأة يقطع الصلاة كالرجل؟
نعم، يدخل في المرور، مرور المرأة بين يدي المرأة، فإنه يقطع الصلاة، لأنه لا فرق بين الرجال والنساء في الأحكام إلا ما دلّ الدليل على تخصيصه.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: المرأة تقطع صلاة المرأة كما تقطع صلاة الرجل. (لقاء الباب المفتوح).
وقال الشيخ الألباني ﵀: الصلاة تنقطع ولو كانت المصلية امرأة والمارة امرأة؛ لأن الخطاب لجميع الأمة. (نقلاً من موقع الإسلام سؤال وجواب).
فائدة:
قال ابن قدامة: وَلَا فَرْقَ فِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالتَّطَوُّعِ؛ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ، وَلِأَنَّ مُبْطِلَاتِ الصَّلَاةِ يَتَسَاوَى فِيهَا الْفَرْضُ وَالتَّطَوُّعُ فِي غَيْرِ هَذَا، فَكَذَلِكَ هَذَا.
• ما المراد بالمرأة التي تقطع الصلاة؟
المراد بها المرأة البالغة لأمرين:
الأول: لحديث ابن عباس فيه التقييد ( .. المرأة الحائض … ).
والثاني: ولأن غير البالغة لا يصدق عليها أنها امرأة.
• ما المراد بالحمار الذي يقطع الصلاة؟
قيل: يشمل جميع الحمير الأهلي والوحشي.
لظاهر الحديث (يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ .. ) فيشمل جميع الحمير؟
وقيل: المراد الحمار الأهلي.
قالوا: لأن اسم الحمار إذا أطلق ينصرف إلى المعهود المألوف في الاستعمال وهو الأهلي.
والأول أرجح.
• ما المراد بالكلب الذي يقطع الصلاة؟
جاء في حديث أبي ذر تقييده بالأسود، وجاء في حديث أبي هريرة مطلق غير مقيد، فيحمل المطلق على المقيد، فلا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود، بدليل حديث أبي ذر السابق ( … قُلْتُ يَا أَبَا ذَرٍّ مَا بَالُ الْكَلْبِ الأَسْوَدِ مِنَ الْكَلْبِ الأَحْمَرِ مِنَ الْكَلْبِ الأَصْفَرِ قَالَ يَا ابْنَ أَخِي سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا سَأَلْتَنِي فَقَالَ «الْكَلْبُ الأَسْوَدُ شَيْطَانٌ) رواه مسلم.
стр. 473
• ما الحكم لو مر أحد هذه الثلاثة أمام المأموم؟
لا تقطع صلاته، لأن سترة الإمام تعتبر سترة لمن خلفه، ويدل لذلك:
حديث ابن عباس - وقد تقدم - (أقبلت على حمار أتان وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله ﷺ يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف ولم ينكر ذلك علي أحد) متفق عليه.
وقد بوب البخاري: باب سترة الإمام سترة من خلفه.
ثم ذكر ثلاثة أحاديث:
حديث ابن عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ (أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاِحْتِلَامَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ فَنَزَلْتُ وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ).
وحديث ابن عُمَر (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ يَوْمَ الْعِيدِ أَمَرَ بِالْحَرْبَةِ فَتُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيُصَلِّي إِلَيْهَا وَالنَّاسُ وَرَاءَهُ، وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ فَمِنْ ثَمَّ اتَّخَذَهَا الأُمَرَاءُ).
وحديث أَبِي جُحَيْفَةَ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمْ بِالْبَطْحَاءِ - وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ - الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ تَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ).
قال ابن قدامة: فإن سترة الإمام سترة لمن خلفه، نص عليه أحمد، وهو قول أكثر أهل العلم، فلا يسن للمأموم أن يتخذ سترة، لأن الصحابة كانوا يصلون مع النبي ﷺ ولم يتخذ أحد منهم شيء.
• ما الحكم لو مرّ أحد هذه الثلاثة أمام الإمام وسترته؟
لو مر أحد هذه الثلاثة بين الإمام وسترته، قطعت صلاته وصلاة المأمومين، وهذه هي المسألة الوحيدة التي تبطل فيها صلاة المأموم ببطلان صلاة الإمام.
• ما حكم الصلاة إلى النائم؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه مكروه.
وذهب إليه مجاهد وطاووس ومالك، كما ذكر ذلك الشوكاني، خشية ما يبدو منه مما يلهي المصلي عن صلاته.
ولحديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ (لا تصلوا خلف النائم المتحدث). رواه أبو داود وقال: طرقه كلها ضعيفة.
القول الثاني: أنه لا يكره.
وهو ظاهر تبويب البخاري، حيث، قال: باب الصلاة خلف النائم. ثم ذكر حديث عائشة.
وهذا القول هو الصحيح.
стр. 474
٢٣٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنْ اَلنَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٢٣٣ - وَفِي رِوَايَةٍ (فَإِنَّ مَعَهُ اَلْقَرِينَ).
===
(إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ) أي: جعل شيئاً أمامه في صلاته يحول بينه وبين الناس.
(أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ) أي: قريباً منه بينه وبين سترته.
(فَلْيَدْفَعْهُ) وعند مسلم (فليدفع في نحره).
(فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ) أي: فعله شيطان، لأنه عات ومتمرد، فكل شيطان من كل جنس فهو متمرده وعاتيه وفي رواية (القرين) أي الحامل له على المرور هو القرين، هو الذي يحثه ويؤزه.
• ما المراد بالمقاتلة في قوله ( … فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ)؟
نقل القاضي عياض، والقرطبي، وابن عبد البر الإجماع على أن المقاتلة في قوله (فليقاتله) لا تكون بالسيف ولا بالسلاح ولا بالخطاب، ولا يبلغ به المصلي مبلغاً يفسد به صلاته لمخالفة ذلك لقاعدة الصلاة والاشتغال بها.
قال الْقَاضِي عِيَاض: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمهُ مُقَاتَلَته بِالسِّلَاحِ، وَلَا مَا يُؤَدِّي إِلَى هَلَاكه، فَإِنْ دَفَعَهُ بِمَا يَحُوز فَهَلَكَ مِنْ ذَلِكَ فَلَا قَوَد عَلَيْهِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاء. (شرح مسلم).
وقال العيني: اختلفوا في معنى (فليقاتله) والجمهور على أن معناه الدفع بالقهر لا جواز القتل، والمقصود المبالغة في كراهة المرور.
стр. 475
وقال البغوي: المراد من المقاتلة الدفع بالعنف لا القتل، فإنه يروى في حديث أبي سعيد (وليدرءه ما استطاع).
وقال الباجي: ويعدل عن ظاهر المقاتلة بالإجماع على أنه لا يجوز المقاتلة التي تفسد صلاته.
• ما حكم دفع المار بين يدي المصلي وبين سترته؟
اختلف العلماء في حكم دفع المار على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه مستحب لا واجب.
وهذا مذهب جمهور العلماء.
قال النووي: الأمر بالدفع أمر ندب متأكد، ولا أعلم أحداً من العلماء أوجبه، بل صرح أصحابنا وغيرهم بأنه مندوب غير واجب.
القول الثاني: أنه واجب.
وهو قول أهل الظاهر ورجحه الشوكاني.
قال الحافظ ابن حجر بعد أن نقل كلام النووي السابق: وقد صرح بوجوبه أهل الظاهر.
قال ابن حزم: ودفع المار بين يدي المصلي وسترته ومقاتلته - إن أبى - حق واجب على المصلي لظاهر الحديث، فإنه أمر والأمر يقتضي الوجوب.
وقال الشوكاني: وظاهر الحديث مع من أوجب الدفع.
القول الثالث: التفريق بين ما يقطع الصلاة وبين ما لا يقطعها.
ورجحه الشيخ ابن عثيمين.
والراجح القول بالوجوب.
• ما لحكمة من دفع المار؟
قال الصنعاني: وقد اختلف في الحكمة المقتضية للأمر بالدفع، فقيل: لدفع الإثم عن المار، وقيل: لدفع الخلل الواقع بالمرور في الصلاة، لأن عناية المصلي بصيانة صلاته أهم من دفعه الإثم عن غيره.
قال الحافظ ابن حجر: وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود (أن المرور بين يدي المصلي يقطع نصف صلاته) وروى أبو نعيم عن عمر (لو يعلم المصلي ما ينقص من صلاته بالمرور بين يديه ما صلى إلا إلى شيء يستره من الناس). فهذان الأثران مقتضاهما أن الدفع لخلل يتعلق بصلاة المصلي، ولا يختص بالمار، وهما وإن كانا موقوفين لفظاً فحكمهما حكم الرفع، لأن مثلهما لا يقال بالرأي.
стр. 476
• ما كيفية دفع المار؟
يشرع دفع المار بالأسهل فالأسهل، بالإشارة ولطيف المنع، أو بوضع اليد في نحر المار كما في رواية مسلم (فليدفعه في نحره).
• ما الحكم إذا مرّ ولم يدفعه فهل يرده؟
ذهب جمهور العلماء إلى أنه إذا مرّ ولم يدفعه فلا ينبغي له أن يرده، لأن فيه إعادة للمرور.
• هل الدفع (فليدفعه) مقيد بوضع السترة؟
ذهب بعض العلماء إلى أن الدفع مقيد بوضع السترة، فإن فرط ولم يضع سترة فليس له دفع المار.
منهم الإمام الخطابي، والبغوي، والنووي، وابن القيم، والصنعاني، والشوكاني، بل حكى النووي الاتفاق على ذلك، فقال: واتفقوا على أن هذا كله لمن لم يفرط في صلاته، بل احتاط وصلى إلى سترة أو في مكان يأمن المرور بين يديه.
واستدلوا بمفهوم (إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره).
وذهب بعض العلماء إلى أنه يشرع رد المار مطلقاً.
لعموم حديث ابن عمر (إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحداً يمر … ). فهذا الحديث مطلق ولم يقيد بوضع السترة، واختاره الشيخ ابن باز.
стр. 477
٢٣٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلْيَخُطَّ خَطًّا، ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ، وَلَمْ يُصِبْ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُضْطَرِبٌ، بَلْ هُوَ حَسَنٌ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
هذا الحديث رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والبخاري في التاريخ، وابن خزيمة، وابن حبان وابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، والحميدي، والبييهقي: كلهم عن طريق: إسماعيل بن أمية عن أبي عمرو بن محمد بن حريث عن أبي هريرة.
وهذا الحديث وقع خلاف في صحته وضعفه على قولين:
فبعض العلماء ضعفه ومنهم:
سفيان بن عيينة فقد، قال: لم نجد شيئاً نشد به هذا الحديث.
وابن الصلاح، والنووي، وابن عبد الهادي، والعراقي، وابن حزم، والبغوي، والدار قطني، والطحاوي، وأحمد شاكر، والألباني.
وسبب ضعفه أمور:
أن إسماعيل قد اضطرب في اسم شيخه أبي عمرو بن محمد بن حريث وفي كنيته.
جهالة حال أبي عمرو بن محمد وجهالة جده حريث.
وذهب بعض العلماء إلى تصحيحه منهم: ابن خزيمة، وابن حبان، ونص ابن عبد البر على أن الإمام أحمد وعلي بن المديني صححاه، والحاكم، وابن المنذر، والبيهقي، والسخاوي، والحافظ ابن حجر كما هنا.
والأقرب أنه لا يصح.
• هل يخط المصلي خطاً إذا لم يجد سترة؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أنه لا يخط خطاً.
لأن الحديث ضعيف.
القول الثاني: أنه يخط.
ورجحه النووي، وقال: المختار استحباب الخط، لأنه وإن لم يثبت الحديث ففيه تحصيل حريم المصلي.
стр. 478
• ما صفة الخط؟
فقيل: يجعل مثل الهلال.
وقيل: يمد طولاً إلى جهة القبلة.
وقيل: يمده يميناً وشمالاً.
والأمر في هذا واسع.
فائدة: قال الشيخ ابن عثيمين: أن الخط يكفي عن العصا، وهذا إذا كانت الأرض يؤثر فيها الخط كالرملية والحصائية.
• ماذا نستفيد من قوله (فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئًاً)؟
أن المصلي إذا صلى إلى سترة فإنها تكون أمامه تلقاء وجهه، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يستحب أن ينحرف عن السترة، ويجعلها على حاجبه الأيمن أو الأيسر.
ورجح هذا القول ابن العربي المالكي، والبغوي، والنووي، والموفق، وابن قدامة.
قال ابن قدامة: وَإِذَا صَلَّى إلَى عُودٍ أَوْ عَمُودٍ أَوْ شَيْءٍ فِي مَعْنَاهُمَا، اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَنْحَرِفَ عَنْهُ، وَلَا يَصْمُدُ لَهُ صَمَدًا.
لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد، عَنْ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ (مَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى إلَى عُودٍ أَوْ إلَى عَمُودٍ وَلَا شَجَرَةٍ، إلَّا جَعَلَهُ عَلَى حَاجِبِهِ الْأَيْمَنِ أَوْ الْأَيْسَرِ، وَلَا يَصْمُدُ لَهُ صَمَدًا) أَيْ لَا يَسْتَقْبِلُهُ فَيَجْعَلُهُ وَسَطًا، وَمَعْنَى الصَّمَدِ: الْقَصْدُ. (المغني).
ورجح هذا القول ابن القيم، وقال: وأحب - يعني رسول الله ﷺ لمن صلى إلى عود أو عمود أو شجرة أو نحو ذلك أن يجعله على أحد حاجبيه ولا يصمد له صمداً قطعاً لذريعة التشبه بالسجود إلى غير الله.
القول الثاني: أنه يجعل السترة بين يديه ولا يجعلها عن يمينه ولا عن يساره.
لأن الأحاديث تدل على أنه يجعلها قبال وجهه، كحديث أبي هريرة: (إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً … ) رواه أبو داود
وأما حديث ضباعة فهو حديث ضعيف، قال ابن مفلح: إسناده لين، وقال عبد الحق: وليس إسناده بقوي.
وهذا القول هو الصحيح.
• ما الأفضل لمن أراد أن يستتر بعضا؟
الأفضل أن يجعله قائماً، وهذا هو هدي النبي ﷺ ، فإنه ﷺ إذا أراد أن يضع سترة يركز العنَزَة على الأرض حتى تكون قائمة.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
استحباب السترة للمصلي وتأكدها.
أن السترة تكون أمام المصلي.
دليل من قال الصلاة لا يقطعها شيء
стр. 479
٢٣٥ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا يَقْطَعُ اَلصَّلَاةَ شَيْءٌ، وَادْرَأْ مَا اِسْتَطَعْتَ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث ضعيف ولا يصح، لأنه من رواية مجالد سعيد وهو ضعيف، وهو أيضاً قد اضطرب في هذا الحديث.
• حديث الباب دليل لمن؟
دليل لجمهور العلماء أن الصلاة لا يقطعها شيء، وقد أجاب القائلون بالقطع، بأن هذا الحديث ضعيف ولا يصح.
بابُ اَلْحَثِّ عَلَى اَلْخُشُوعِ فِي اَلصَّلَاةِ
• عرف الخشوع؟
الخشوع لغة: السكون والانخفاض، قال تعالى (وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ).
والخشوع في الصلاة: حضور القلب بين يدي الله وسكون الجوارح واستحضار ما يقوله المصلي أو يفعله.
• ما حكم الخشوع في الصلاة؟
اختلف العلماء في حكم الخشوع في الصلاة على قولين:
القول الأول: أنه واجب.
ورجحه الغزالي، والقرطبي، وشيخ الإسلام ابن تيمية.
أ- لقوله تعالى (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) والتدبر لا يتصوّر بدون الوقوف على المعنى.
ب- ولحديث ابن عباس. قال ﷺ (إن الرجل ينصرف من صلاته وما كتب له إلا عُشر صلاته، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها) رواه أبو داود.
ج- ولقوله تعالى (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) وهذا يقتضي ذم غير الخاشعين.
د- ولقوله تعالى (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ … أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُون) قال ابن تيمية: فأخبر سبحانه أن هؤلاء هم الذين يرثون فردوس الجنة، وذلك يقتضي أنه لا يرثها غيرهم.
القول الثاني: أنه سنة وليس بواجب.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
أ- لقوله ﷺ ( … فَإِذَا قُضِىَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ يَخْطُرُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ يَقُولُ اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا. لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِى كَمْ صَلَّى فَإِذَا لَمْ يَدْرِ أَحَدُكُمْ كَمْ صَلَّى فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ) متفق عليه.
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمره في هذه الصلاة التي قد أغفله الشيطان فيها، حتى لم يدر كم صلى: بأن يسجد سجدتي السهو، ولم يأمرها بإعادتها.
وهذا الراجح.
стр. 480
٢٣٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ اَلرَّجُلُ مُخْتَصِرًا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
وَمَعْنَاهُ: أَنْ يَجْعَلَ يَدَهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ.
٢٣٧ - وَفِي اَلْبُخَارِيِّ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ ذَلِكَ فِعْلُ اَلْيَهُودِ.
===
• عرف الاختصار؟
هو أن يضع الإنسان يده على خاصرته، وبذلك جزم أبو داود ونقله الترمذي عن بعض أهل العلم، وهذا هو المشهور في تفسيره، وهو تفسير عائشة كما ذكره المصنف ﵀.
وقيل: المراد بالاختصار قراءة آية أو آيتين من آخر السورة.
وقيل: أن يحذف الطمأنينة.
• ما الحكمة من النهي:
قيل: لأن إبليس أهبط مختصراً.
وقيل: لأن اليهود تكثر من فعله، فنهى عنه كراهة التشبه بهم، وأخرجه البخاري عن عائشة من فعله.
وقيل: لأنه راحة أهل النار.
وقيل: لأنه صفة الزاجر حين ينشد.
وقيل: لأنه فعل المتكبرين.
وقيل: لأنه فعل أهل المصائب.
قال ابن حجر: وقول عائشة أعلى ما ورد، ولا منافاة بين الجميع.
• ما حكم الاختصار؟
اختلف العلماء في حكمه على قولين:
القول الأول: أنه مكروه.
وهذا مذهب الجماهير.
أ-لحديث الباب.
ب- ولحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (الاختصار راحة أهل النار) رواه ابن خزيمة.
ج- ولأن في الاختصار تشبهاً باليهود.
стр. 481
القول الثاني: أنه حرام.
وذهب إليه ابن حزم.
لحديث الباب، فهو صريح في النهي، ولا صارف له عن التحريم.
وهذا القول له قوة.
• ما حكم تغميض العينين في الصلاة؟
مكروه.
قال ابن القيم: ولم يكن من هديه تغميض عينيه في الصلاة.
قيل: لأنه من فعل اليهود.
ولأنه مظنة النوم.
لكن إن كان هناك شيء في قبلته يشغله ويشوش عليه فهو أفضل.
قال ابن القيم: وإن كان يحول بينه وبين الخشوع لما في قبلته من الزخرفة والتزويق أو غيره مما يشوش عليه قلبه، فهنالك لا يكره التغميض قطعاً، والقول باستحبابه في هذا الحال أقرب إلى أصول الشرع ومقاصده من القول بالكراهة.
فائدة:
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: يذكر كثير من الناس أنه إذا أغمض عينيه كان أخشع له، وهذا من الشيطان يخشِّعُه إذا أغمض عينيه من أجل أن يفعل هذا المكروه.
стр. 482
٢٣٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (إِذَا قُدِّمَ اَلْعَشَاءُ فَابْدَءُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا اَلْمَغْرِبَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
• ما حكم الصلاة عند حضور العشاء والطعام؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن الأمر بالحديث للاستحباب.
وهذا مذهب جمهور العلماء.
القول الثاني: أنه للوجوب.
قال الشوكاني: وقد ذهب إلى الأخذ بظاهر الأحاديث ابن حزم الظاهري، فقالوا: يجب تقديم الطعام، وجزم ببطلان الصلاة إذا قدمت.
لظاهر الحديث.
ومذهب الجمهور هو الصحيح.
• هل الحديث خاص بصلاة المغرب؟
لا، ليس الحديث خاصاً بصلاة المغرب، بل عام لكل الصلوات.
أ- لحديث عائشة. قال: قال ﷺ (لا صلاة بحضرة طعام) رواه مسلم.
ب-وعنها عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ (إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَحَضَرَ الْعَشَاءُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ) رواه البخاري.
ج-وللعلة في ذلك وهي اشتغال القلب بالطعام، وذهاب كمال الخشوع في الصلاة عند حضوره، والصلوات متساوية في هذا.
• هل يقدم الطعام على الصلاة مطلقاً أم هناك شروطاً لذلك؟
ظاهر الحديث أنه يقدم الطعام مطلقاً، لكن جمهور العلماء اشترطوا شروطاً لذلك:
أ- أن يكون الطعام حاضراً.
ب - وأن تكون نفسه تتوق إليه.
ج-وأن يكون قادراً على تناوله حساً وشرعاً.
الشرعي: كالصائم إذا حضر طعام الفطور عند صلاة العصر والرجل جائع جداً، فنقول هنا: يصلي ولا يؤخر الصلاة.
الحسّي: كما لو قدّم له طعام حار ولا يستطيع أن يتناوله، فهنا نقول يصلي ولا تكره صلاته لأن انتظاره لا فائدة فيه.
стр. 483
• هل يأكل حتى يشبع أو يأكل ما يسد رمقه؟
قال بعض العلماء أنه يأكل مقدار ما يسد رمقه، والصحيح أن له أن يشبع ويدل لذلك:
رواية ( … ولا تعجلوا عن عشائكم).
وفي رواية ( … ولا يعجل حتى يفرغ منه).
قال النووي: في هذا دليل على أنه يأكل حاجته من الأكل بكماله هذا هو الصواب، وأما ما تأوله بعض أصحابنا على أنه يأكل لقماً يكسر بها شدة الجوع فليس بصحيح وهذا الحديث صريح في إبطاله.
وكان ابن عمر يوضع له الطعام وتقام الصلاة فلا يأتيها حتى يفرغ وأنه ليسمع قراءة الإمام.
• هل هذا الأمر من باب تقديم حق المخلوق على الخالق؟
قال ابن الجوزي: ظن قوم أن هذا من باب تقديم حق العبد على حق الله، وليس كذلك، وإنما هو صيانة لحق الحق، ليدخل الخلق في عبادته بقلوب مقبلة.
• ما الحكمة من ذلك؟
أن المطلوب في الصلاة هو حضور القلب، والحاجة إلى الطعام تشغل القلب وتحول دون الخشوع في الصلاة.
وعليه: ينبغي إبعاد كل ما يشغل المصلي عن الخشوع.
وفي هذا دليل على أهمية الخشوع.
قال تعالى (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ).
وقال تعالى (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ … أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُون).
стр. 484
٢٣٩ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي اَلصَّلَاةِ فَلَا يَمْسَحِ اَلْحَصَى، فَإِنَّ اَلرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَزَادَ أَحْمَدُ: (وَاحِدَةً أَوْ دَعْ).
٢٤٠ - وَفِي "اَلصَّحِيحِ" عَنْ مُعَيْقِيبٍ نَحْوُهُ بِغَيْرِ تَعْلِيلٍ.
===
(إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي اَلصَّلَاةِ) لفظ أبي داود والترمذي (إلى الصلاة) والمعنى: إذا شرع في الصلاة.
(فَلَا يَمْسَحِ اَلْحَصَى) أي: يسويه للسجود، والحصى الحجارة الصغيرة.
(فَإِنَّ اَلرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ) هذا تعليل للنهي، والمعنى: أن الرحمة تقابله وتنزل عليه.
• ما صحة أحاديث الباب؟
حديث أبي ذر ضعيف، لأن فيه أبو الأحوص وهو مجهول.
ورواية أحمد صحيحة لشواهدها.
وأما حديث معيقيب فقد رواها البخاري ومسلم عن أبي سلمة قال: حدثني معيقيب: أن النبي ﷺ قال في الرجل يسوي التراب حيث يسجد قال (إن كنت فاعلاً فواحدة).
• ما حكم مسح الحصى في الصلاة؟
قال النووي: واتفق العلماء على كراهة المسح.
قال ابن حجر: وفيه نظر فقد حكى الخطابي عن مالك أنه لم ير به بأساً وكان يفعله، فكأنه لم يبلغه الخبر.
وقال الصنعاني: إن النهي ظاهر في التحريم.
• لماذا خص النبي ﷺ الحصى؟
خص النبي ﷺ الحصى، لأنه الغالب على فرش مساجدهم، وإلا فلا فرق بينه وبين التراب والرمل كما في حديث معيقيب.
• ما العلة من النهي عن مسح الحصى في الصلاة؟
فقيل: لأن الرحمة تواجهه، كما في حديث أبي ذر وفي سنده ضعف.
وقيل: لأنه محل يجب أن يسجد عليها.
قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر أن علة كراهيته المحافظة على الخشوع.
وقال النووي: لأنه ينافي التواضع، ولأنه يشغل المصلي.
стр. 485
٢٤١ - عَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ (سَأَلْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ عَنْ اَلِالْتِفَاتِ فِي اَلصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: هُوَ اِخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ اَلشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ اَلْعَبْدِ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
وَلِلتِّرْمِذِيِّ: عَنْ أَنَسٍ - وَصَحَّحَهُ - (إِيَّاكَ وَالِالْتِفَاتَ فِي اَلصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ هَلَكَةٌ، فَإِنْ كَانَ فَلَا بُدَّ فَفِي اَلتَّطَوُّع).
===
(هُوَ اِخْتِلَاسٌ) أي اختطاف بسرعة.
(فَإِنَّهُ هَلَكَةٌ) أي: هلاك، لأنه طاعة للشيطان، وهو سبب الهلاك.
(فَإِنْ كَانَ فَلَا بُدَّ فَفِي اَلتَّطَوُّعِ) أي: إن كان لا مفر ولا محيد عن الالتفات فليكن في التطوع.
• ما المراد بالالتفات المذكور في الحديث؟
المراد بالالتفات: المراد بالرأس أو العنق [تحويل الوجه عن القبلة]، وأما الالتفات بالصدر حرام.
• اذكر بعض الأحاديث في النهي عن الالتفات؟
جاءت أحاديث في ذلك:
منها: قوله ﷺ ( … فإذا صليتم فلا تلتفتوا … ) رواه الترمذي.
وقوله ﷺ (لا يزال الله مقبلاً على العبد في صلاته ما لم يلتفت، فإذا صرف وجهه عنه انصرف).
• ما حكم الالتفات في الصلاة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه مكروه.
وهذا مذهب الجمهور كما قال الحافظ ابن حجر.
القول الثاني: أنه حرام.
وهذا مذهب أهل الظاهر.
والراجح مذهب الجمهور.
• متى يجوز الالتفات؟
يجوز إذا كان لحاجة، ويدل لذلك:
أ- حديث سهل بن الحنضلية قال: (ثوب في الصلاة - يعني صلاة الفجر - فجعل النبي ﷺ يصلي وهو يلتفت إلى الشعب).
قال أبو داود: وكان النبي ﷺ أرسل فارساً إلى الشعب يحرس، فكان النبي ﷺ يلتفت إليه ويترقب قدومه.
ب- وحديث أنس في مرض النبي ﷺ وأنه خرج والمسلمون في صلاة الفجر وكشف السترة … فنظر إلى المسلمين وهم صفوف فتبسم ﷺ فطفق أبو بكر يريد أن يتأخر … ونظر المسلمون إلى رسولهم حتى كادوا أن يفتتنوا.
ج- وفي حديث جابر أنه قال (اشتكى النبي ﷺ فصليت وراءه وهو قاعد فالتفت فرآنا قياماً … ).
стр. 486
• ما الحكمة من النهي عن الالتفات:
قيل: لأنه ينافي الخشوع.
وقيل: لأن فيه انصراف عن الله. ولا مانع من القولين.
• اذكر أنواع الالتفات في الصلاة؟
الالتفات ينقسم إلى قسمين:
الأول: الالتفات بالقلب عن الله إلى غير الله.
والثاني: الالتفات بالبصر.
وكلاهما منهي عنه.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أن الالتفات من كيد الشيطان.
- التحذير من الشيطان، وأنه عدو للإنسان.
قال القرطبي: سمي الالتفات اختلاساً تصويراً لقبح تلك الفعلة بالمختلس، لأن المصلي يقبل عليه الرب والشيطان مرتصد له ينتظر فوات ذلك عليه، فإذا التفت اغتنم الشيطان الفرصة فسلبه تلك الحالة.
стр. 487
٢٤٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي اَلصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ شِمَالِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ (أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ).
===
(يُنَاجِي رَبَّهُ) المناجاة لغة المسارة، ناجيته ساررته، والمراد هنا يناجي ربه بذكره ودعائه.
(فَلَا يَبْزُقَنَّ) البزق إخراج ما في الفم.
(بَيْنَ يَدَيْهِ) أي: أمامه.
• على ماذا يدل الحديث؟
الحديث يدل على النهي أن يبزق المصلي أمامه أو عن يمينه.
• ما الحكمة من النهي عن ذلك؟
أما أمام المصلي:
جاء في رواية عند البخاري (فإن ربه بينه وبين القبلة)
وفي رواية (فإن الله قِبل وجه المصلي).
وأما عن يمينه:
جاء عند البخاري من حديث أبي هريرة (ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكاً).
• ما حكم أن يبزق المصلي أمامه أو عن يمينه؟
ظاهر الحديث التحريم.
لنهي النبي ﷺ عن ذلك.
ولأن النبي ﷺ غضب لما رأى البصاق في جهة القبلة.
• قوله ﷺ (ولكن عن شماله) فإذا قيل: كيف يبصق عن شماله وفيه ملكاً أيضاً؟
الجواب:
أولاً: أن المصلي لا يبصق في الصلاة إلا في حال الحاجة، والحاجة تبيح المكروهات.
ثانياً: جهة اليمين أشرف من جهة الشمال.
ثالثاً: الملك المقيم في جهة اليمين أشرف من الملك المقيم في جهة الشمال.
стр. 488
• قوله ﷺ (ولكن عن يساره … ) متى يكون هذا؟
هذا يكون إذا كان المصلي يصلي في صحراء أو في بيته أو أرض رملية.
وأما في المسجد فإنه يبصق في ثوبه أو منديله.
وأيضاً قوله ﷺ (عن يساره) محمول على ما إذا كانت جهة يساره خالية من المصلين، لما ورد في حديث طارق بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ (إذا قام أحدكم إلى الصلاة، أو إذا صلى أحدكم فلا يبزقن أمامه، ولا عن يمينه، ولكن تلقاء يساره إن كان فارغاً أو تحت قدمه).
إذاً قوله ﷺ (ولكن عن يساره) هذا مشروط بشرطين:
الأول: ألا يكون عن شماله مصلٍ آخر في صلاة الجماعة، سواء كان في المسجد أو خارج المسجد.
الثاني: ألا يكون في المسجد؛ لأن النبي ﷺ أخبر أن البصاق في المسجد خطيئة.
• ما حكم البصاق تجاه القبلة؟
اختلف العلماء في حكم البصاق اتجاه القبلة أو عن يمينه: على قولين:
القول الأول: التحريم مطلقاً سواء في المسجد أو خارج المسجد، أو كان يصلي أو لا يصلي.
ورجح هذا القول النووي والصنعاني والألباني.
أن أغلب الأحاديث التي وردت في النهي عن البصاق في القبلة أو عن يمينه مطلقة ليس بها تقييد ذلك البصاق بالصلاة.
وذكر الشيخ الألباني واحتج بحديث (من تفل اتجاه القبلة جاء يوم القيامة وتفلته بين عينيه) رواه ابن خزيمة.
القول الثاني: أن ذلك محرم في الصلاة فقط.
وهذا قول الأكثر لورود التقييد.
(إذا كان أحدكم يصلي … ).
وظاهر صنيع البخاري أنه يرجح هذا المذهب، ولذلك بوب في صحيحه: (باب: لا يبصق عن يمينه في الصلاة).
ومما يؤيد أن ذلك خاص بالصلاة قوله: ( … ولا عن يمينه، فإن عن يمينه ملكاً) يعني أثناء الصلاة.
وهذا القول هو الراجح.
стр. 489
٢٤٣ - وَعَنْهُ قَالَ (كَانَ قِرَامٌ لِعَائِشَةَ ﵂ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا فَقَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ هَذَا، فَإِنَّهُ لَا تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ لِي فِي صَلَاتِي) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
٢٤٤ - وَاتَّفَقَا عَلَى حَدِيثِهَا فِي قِصَّةِ أَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ، وَفِيهِ (فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي عَنْ صَلَاتِي).
===
(كَانَ قِرَامٌ لِعَائِشَةَ) القِرام: ستر رقيق من صوف ذو ألوان.
(أَمِيطِي) أي: أزيلي.
(تَعْرِضُ لِي فِي صَلَاتِي) أي: تلوح وتظهر.
• اذكر لفظ حديث عائشة الثاني؟
عن عائشة (أن النبي ﷺ صلى في خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف قال: اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم، وأتوني بأنبجانية أبي جهم فإنها ألهتني آنفاً عن صلاتي).
(خميصة) كساء مربع له أعلام (الإنبجانية: كساء غليظ لا علم له (إلى أبي جهم) خصه ﷺ بإرسال الخميصة لأنه كان أهداها للنبي ﷺ (ألهتني) أي شغلتني.
• ماذا نستفيد من أحاديث الباب؟
- ينبغي للمصلي أن يزيل كل ما يشغله عن صلاته.
- مشروعية الخشوع في الصلاة، وفعل الأسباب الجالبة له، والابتعاد عن كل ما يشغل المصلي في صلاته.
- الأفضل للمصلي أن يقصد الأماكن التي لا يكون بها ما يلهيه أو يشغله عن صلاته.
• هل على الإنسان أن يبادر إلى نفي ما يشغله عن صلاته؟
نعم، فالحديث فيه مبادرة الرسول ﷺ إلى مصالح الصلاة، ونفي ما لعله يخدش فيها. [قاله ابن دقيق]
стр. 490
• لماذا أمر النبي ﷺ أن يذهبوا بالخميصة لأبي جهم؟
أمر النبي ﷺ أن يذهبوا بالخميصة لأبي جهم لأنه كان أهداها للنبي ﷺ كما رواه مالك في الموطأ عن عائشة قالت: (أهدى أبو جهم بن حذيفة إلى رسول الله ﷺ خميصة لها أعلام، فشهد فيها الصلاة … ).
وطلب ﷺ أن يأتوه بالأنبجانية، قال ابن بطال: إنما طلب منه ثوباً غيرها ليعلمه أنه لم يرد عليه هديته استخفافاً به.
• إذا قال قائل: لماذا بعث ﷺ بالخميصة لأبي جهم ألا يمكن أن تشغله وتلهيه؟
فالجواب:
أولاً: أنه لا يلزم أن يستعملها في الصلاة.
ثانياً: ويحتمل أن يكون ذلك من باب قوله: (كل فإني أناجي من لا تناجي).
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- رعاية الإنسان لحال أصحابه وخواطرهم.
- وجوب صيانة المساجد عما يشوش على المصلين من الزخرفة أو كتابة شيء من الآيات أو تعليق الساعات ونحو ذلك مما يكون في قبلة المصلي.
стр. 491
٢٤٥ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَيَنْتَهِيَنَّ قَوْمٌ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى اَلسَّمَاءِ فِي اَلصَّلَاةِ أَوْ لَا تَرْجِعَ إِلَيْهِمْ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
===
(فِي اَلصَّلَاةِ) جاء عند مسلم (في الدعاء).
(أَوْ لَا تَرْجِعَ إِلَيْهِمْ) أي أبصارهم، و (أو) للتخيير المقصود به التهديد، والمعنى: ليكونن منهم الانتهاء عن رفع الأبصار أو خطف الأبصار عند الرفع فلا تعود إليهم.
• على ماذا يدل الحديث؟
الحديث يدل على نهي المصلي أن يرفع بصره إلى السماء في الصلاة.
وجاء أيضاً في مسلم عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ رَفْعِهِمْ أَبْصَارَهُمْ عِنْدَ الدُّعَاءِ فِى الصَّلَاةِ إِلَى السَّمَاءِ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ).
• هل النهي للتحريم أو للكراهة؟
والصحيح أنه للتحريم، لأن الحديث فيه النهي، والنهي يقتضي التحريم، وأيضاً فيه التهديد على من فعل ذلك، وهذا قول ابن حزم.
وجمهور العلماء على عدم بطلان الصلاة بذلك، وذهب ابن حزم إلى بطلان صلاة من رفع بصره إلى السماء، بناء على أن النهي يقتضي الفساد.
• هل النهي خاص وقت الدعاء في الصلاة؟
لا، النهي عام سواء حال الدعاء أو غيره، لأن معظم الروايات جاءت مطلقة.
ولأن المعنى الذي نهي المصلي من أجله أن يرفع بصره إلى السماء موجود حال الدعاء وغيره.
• ما الحكمة من النهي عن ذلك؟
لأنه ينافي الخشوع والإقبال على الله.
ولأن فيه إعراضاً عن القبلة.
وخروجاً عن هيئة الصلاة.
стр. 492
• ما معنى قوله ﷺ في حديث أبي هريرة (أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ)؟
فقيل: هو وعيد، وعلى هذا فالفعل المذكور حرام.
وقيل: أنه يخشى على الأبصار من الأنوار التي تنزل بها الملائكة على المصلين.
والمعنى الأول أقوى. [فتح الباري].
• ما حكم رفع البصر حال الدعاء خارج الصلاة؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أنه جائز.
قال ابن حجر: واختاره الأكثرون، لأن السماء قبلة الدعاء كما أن الكعبة قبلة الصلاة.
القول الثاني: أنه مكروه.
ورجحه الشيخ ابن باز، وقال: الصواب أن قبلة الدعاء هي قبلة الصلاة، لوجوه:
أولها: أن هذا القول لا دليل عليه من الكتاب والسنة ولا يعرف عن سلف الأمة.
الثاني: أن الرسول ﷺ كان يستقبل القبلة في دعائه، كما ثبت ذلك عنه ﷺ في مواطن كثيرة.
الثالث: أن قبلة الشيء هي ما يقابله لا ما يرفع إليه بصره.
• إلى أين ينظر المصلي في صلاته؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: ينظر إلى موضع سجوده.
وهذا قول جماهير العلماء.
لحديث الباب.
ولحديث عائشة: (أن النبي ﷺ دخل الكعبة فما جاوز بصره موضع سجوده). رواه الحاكم.
ولأن الله أثنى على المؤمنين ومدحهم بالخشوع في الصلاة، ومن صفات الخاشع أن ينظر إلى موضع سجوده
قال ابن تيمية: إن خفض البصر من تمام الخشوع.
القول الثاني: ينظر أمامه.
وهذا مذهب المالكية.
استدلالاً بقوله تعالى (فول وجهك شطر المسجد الحرام).
قالوا: إن المصلي مأمور بأن يولي وجهه شطر المسجد الحرام، وإذا نظر إلى موضع سجوده احتاج إلى نوع من الانحناء، والمنحني إلى موضع سجوده لم يولِ وجهه شطر المسجد الحرام.
والصحيح القول الأول (يستثنى حال التشهد فإنه ينظر إلى سباحته.
стр. 493
٢٤٦ - وَلَهُ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ (لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ).
===
(وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَان) أي: البول والغائط، وقد ورد التصريح بهما عند ابن حبان من حديث عائشة ولفظه (لا يقوم أحدكم إلى الصلاة وهو بحضرة الطعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان الغائط والبول)، ومعنى يدافعه: أن يدفعهما عن الخروج، وهما يدفعانه عن الشغل بغيرهما ليخرجا.
• ما المراد بالنفي في قوله (لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ)؟
جمهور العلماء على أن هذا النفي نفي للكمال، وأنه يكره أن يصلي في هذه الحال، ولو صلى فصلاته صحيحة، وقد تقدمت المسألة عند حديث (إذا قدّم العشاء … ).
• قوله ﷺ (لا صلاة بحضرة طعام) هل هذا قيد معتبر؟
ذهب بعض العلماء إلى حضور الطعام قيد معتبر، فإن كان غير حاضر فلا تؤخر.
وذهب بعضهم: إلى أنه إذا كان الطعام غير حاضر ونفسه تتوق إليه فالحكم فيه كما لو حضره، لوجود المعنى، وهو ترك الخشوع.
والأول أظهر.
• ماذا نستفيد من حديث الباب؟
النهي عن الصلاة حال مدافعة البول والغائط.
وقد قال ﷺ (إذا أراد أحدكم أن يذهب إلى الخلاء وأقيمت الصلاة فليبدأ بالخلاء).
ولو صلى الإنسان وهو يدافع الأخبثان فصلاته مكروهة عند أكثر العلماء.
وقال بعض العلماء ببطلانها.
• ما الحكمة من النهي عن ذلك؟
لأن مدافعة الإنسان للحدث تمنع حضور قلبه في الصلاة وإقباله عليها.
وأيضاً تمنع خشوعه فيها، وتجعله مهتماً بإنهائها بأسرع وقت حتى يذهب لقضاء حاجته. فلا يكون مقبلاً على صلاته لأنه مشغول.
стр. 494
• إذا كان الرجل على وضوء وهو يدافع البول والريح، فإذا قضى حاجته لم يكن عنده ماء يتوضأ به، فهل تقول: أقضي حاجتك وتيمم للصلاة، أو تقول صل وأنت مدافع الأخبثين؟
الجواب نقول: أقضي حاجتك وتيمم ولا تصل وأنت تدافع الأخبثين، لأن الصلاة بالتيمم لا تكره بالإجماع، أما الصلاة مع مدافعة الأخبثين مكروهة ومن العلماء من حرمها.
• ما الحكم إذا كان الإنسان حاقن ويخشى إن قضى حاجته أن تفوته صلاة الجماعة، فهل يصلي حاقناً ليدرك الجماعة، أو يقضي حاجته ولو فاتته الجماعة؟
الجواب: يقضي حاجته ويتوضأ ولو فاتته الجماعة، لأن هذا عذر.
• ما الحكم إذا ترتب على قضاء حاجته خروج الوقت؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يصلي ولو مع مدافعة الأخبثين.
وهذا قول الجمهور.
حفاظاً على الوقت.
القول الثاني: أنه يقضي حاجته ويصلي ولو خرج الوقت.
وهذا قول ابن حزم.
والله أعلم.
• هل يلحق بمدافعة الأخبثين كل ما يشغل بال المصلي؟
نعم، ألحق العلماء بمدافعة الأخبثين كل ما يشغل بال المصلي من ريح في جوفه، أو حر أو برد شديدين، أو جوع أو عطش كذلك.
لأن المعنى المراد موجود في الجميع، وهو حضور القلب.
стр. 495
٢٤٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ (اَلتَّثَاؤُبُ مِنْ اَلشَّيْطَانِ فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اِسْتَطَاعَ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَاَلتِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ (فِي اَلصَّلَاةِ).
===
• ما حكم التثاؤب في الصلاة؟
مكروه في الصلاة وخارج الصلاة، لكنه في الصلاة أشد.
• لماذا نسب التثاؤب إلى الشيطان؟
نسبته إلى الشيطان، لأن التثاؤب دليل الكسل والفتور وثقل البدن وامتلائه واسترخائه، والشيطان يدعو إلى مثل هذه الأمور.
• اذكر علاج التثاؤب؟
أولاً: الكظم.
لحديث الباب (فليكظم ما استطاع).
ثانياً: فإن لم يستطع فليضع يده على فيه.
لحديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فيه، فإن الشيطان يدخل). رواه مسلم
• هل الأفضل أن يضع على فمه اليد اليسرى أم اليمنى؟
استحب غير واحد من أهل العلم أن يكون باليد اليسرى؛ لأنه من باب دفع الأذى، وقاعدة الشريعة: تقديم اليمين في كل ما كان من باب الكرامة، وتقديم الشمال في كل ما كان من باب المهانة.
وذكروا أن ذلك يكون بوضع ظهر كفه اليسرى على فمه؛ لأنه من باب دفع الشيطان، فيكون دفعه بباطنها، فإن كظمه باليمنى حصل أصل السنة، وحينئذ يكون بوضع باطنها على الفم.
قال المناوي ﵀ (فليضع يده) أي ظهر كف يسراه كما ذكره جمع، ويتجه أنه للأكمل وأن أصل السنة يحصل بوضع اليمين. قيل: لكنه يجعل بطنها على فيه عكس اليسرى.
وقال السفاريني ﵀: وَقَالَ لِي شَيْخُنَا التَّغْلِبِيُّ فَسَّحَ اللَّهُ لَهُ فِي قَبْرِهِ: إنْ غَطَّيْت فَمَك فِي التَّثَاؤُبِ بِيَدِك الْيُسْرَى فَبِظَاهِرِهَا، وَإِنْ كَانَ بِيَدِك الْيُمْنَى فَبِبَاطِنِهَا.
قَالَ وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ: لأَنَّ الْيُسْرَى لِمَا خَبُثَ وَلا أَخْبَثَ مِنْ الشَّيْطَانِ، وَإِذَا وَضَعَ الْيُمْنَى فَبَطْنَهَا; لأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْغِطَاءِ، وَالْيُسْرَى مُعَدَّةٌ لِدَفْعِ الشَّيْطَانِ، وَإِذَا غَطَّى بِظَهْرِ الْيُسْرَى فَبَطْنُهَا مُعَدٌّ لِلدَّفْع. (غذاء الألباب).
следующие страницы →