Полный текст (3 038 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
٢٤٥ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَيَنْتَهِيَنَّ قَوْمٌ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى اَلسَّمَاءِ فِي اَلصَّلَاةِ أَوْ لَا تَرْجِعَ إِلَيْهِمْ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
===
(فِي اَلصَّلَاةِ) جاء عند مسلم (في الدعاء).
(أَوْ لَا تَرْجِعَ إِلَيْهِمْ) أي أبصارهم، و (أو) للتخيير المقصود به التهديد، والمعنى: ليكونن منهم الانتهاء عن رفع الأبصار أو خطف الأبصار عند الرفع فلا تعود إليهم.
• على ماذا يدل الحديث؟
الحديث يدل على نهي المصلي أن يرفع بصره إلى السماء في الصلاة.
وجاء أيضاً في مسلم عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ رَفْعِهِمْ أَبْصَارَهُمْ عِنْدَ الدُّعَاءِ فِى الصَّلَاةِ إِلَى السَّمَاءِ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ).
• هل النهي للتحريم أو للكراهة؟
والصحيح أنه للتحريم، لأن الحديث فيه النهي، والنهي يقتضي التحريم، وأيضاً فيه التهديد على من فعل ذلك، وهذا قول ابن حزم.
وجمهور العلماء على عدم بطلان الصلاة بذلك، وذهب ابن حزم إلى بطلان صلاة من رفع بصره إلى السماء، بناء على أن النهي يقتضي الفساد.
• هل النهي خاص وقت الدعاء في الصلاة؟
لا، النهي عام سواء حال الدعاء أو غيره، لأن معظم الروايات جاءت مطلقة.
ولأن المعنى الذي نهي المصلي من أجله أن يرفع بصره إلى السماء موجود حال الدعاء وغيره.
• ما الحكمة من النهي عن ذلك؟
لأنه ينافي الخشوع والإقبال على الله.
ولأن فيه إعراضاً عن القبلة.
وخروجاً عن هيئة الصلاة.
стр. 492
• ما معنى قوله ﷺ في حديث أبي هريرة (أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ)؟
فقيل: هو وعيد، وعلى هذا فالفعل المذكور حرام.
وقيل: أنه يخشى على الأبصار من الأنوار التي تنزل بها الملائكة على المصلين.
والمعنى الأول أقوى. [فتح الباري].
• ما حكم رفع البصر حال الدعاء خارج الصلاة؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أنه جائز.
قال ابن حجر: واختاره الأكثرون، لأن السماء قبلة الدعاء كما أن الكعبة قبلة الصلاة.
القول الثاني: أنه مكروه.
ورجحه الشيخ ابن باز، وقال: الصواب أن قبلة الدعاء هي قبلة الصلاة، لوجوه:
أولها: أن هذا القول لا دليل عليه من الكتاب والسنة ولا يعرف عن سلف الأمة.
الثاني: أن الرسول ﷺ كان يستقبل القبلة في دعائه، كما ثبت ذلك عنه ﷺ في مواطن كثيرة.
الثالث: أن قبلة الشيء هي ما يقابله لا ما يرفع إليه بصره.
• إلى أين ينظر المصلي في صلاته؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: ينظر إلى موضع سجوده.
وهذا قول جماهير العلماء.
لحديث الباب.
ولحديث عائشة: (أن النبي ﷺ دخل الكعبة فما جاوز بصره موضع سجوده). رواه الحاكم.
ولأن الله أثنى على المؤمنين ومدحهم بالخشوع في الصلاة، ومن صفات الخاشع أن ينظر إلى موضع سجوده
قال ابن تيمية: إن خفض البصر من تمام الخشوع.
القول الثاني: ينظر أمامه.
وهذا مذهب المالكية.
استدلالاً بقوله تعالى (فول وجهك شطر المسجد الحرام).
قالوا: إن المصلي مأمور بأن يولي وجهه شطر المسجد الحرام، وإذا نظر إلى موضع سجوده احتاج إلى نوع من الانحناء، والمنحني إلى موضع سجوده لم يولِ وجهه شطر المسجد الحرام.
والصحيح القول الأول (يستثنى حال التشهد فإنه ينظر إلى سباحته.
стр. 493
٢٤٦ - وَلَهُ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ (لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ).
===
(وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَان) أي: البول والغائط، وقد ورد التصريح بهما عند ابن حبان من حديث عائشة ولفظه (لا يقوم أحدكم إلى الصلاة وهو بحضرة الطعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان الغائط والبول)، ومعنى يدافعه: أن يدفعهما عن الخروج، وهما يدفعانه عن الشغل بغيرهما ليخرجا.
• ما المراد بالنفي في قوله (لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ)؟
جمهور العلماء على أن هذا النفي نفي للكمال، وأنه يكره أن يصلي في هذه الحال، ولو صلى فصلاته صحيحة، وقد تقدمت المسألة عند حديث (إذا قدّم العشاء … ).
• قوله ﷺ (لا صلاة بحضرة طعام) هل هذا قيد معتبر؟
ذهب بعض العلماء إلى حضور الطعام قيد معتبر، فإن كان غير حاضر فلا تؤخر.
وذهب بعضهم: إلى أنه إذا كان الطعام غير حاضر ونفسه تتوق إليه فالحكم فيه كما لو حضره، لوجود المعنى، وهو ترك الخشوع.
والأول أظهر.
• ماذا نستفيد من حديث الباب؟
النهي عن الصلاة حال مدافعة البول والغائط.
وقد قال ﷺ (إذا أراد أحدكم أن يذهب إلى الخلاء وأقيمت الصلاة فليبدأ بالخلاء).
ولو صلى الإنسان وهو يدافع الأخبثان فصلاته مكروهة عند أكثر العلماء.
وقال بعض العلماء ببطلانها.
• ما الحكمة من النهي عن ذلك؟
لأن مدافعة الإنسان للحدث تمنع حضور قلبه في الصلاة وإقباله عليها.
وأيضاً تمنع خشوعه فيها، وتجعله مهتماً بإنهائها بأسرع وقت حتى يذهب لقضاء حاجته. فلا يكون مقبلاً على صلاته لأنه مشغول.
стр. 494
• إذا كان الرجل على وضوء وهو يدافع البول والريح، فإذا قضى حاجته لم يكن عنده ماء يتوضأ به، فهل تقول: أقضي حاجتك وتيمم للصلاة، أو تقول صل وأنت مدافع الأخبثين؟
الجواب نقول: أقضي حاجتك وتيمم ولا تصل وأنت تدافع الأخبثين، لأن الصلاة بالتيمم لا تكره بالإجماع، أما الصلاة مع مدافعة الأخبثين مكروهة ومن العلماء من حرمها.
• ما الحكم إذا كان الإنسان حاقن ويخشى إن قضى حاجته أن تفوته صلاة الجماعة، فهل يصلي حاقناً ليدرك الجماعة، أو يقضي حاجته ولو فاتته الجماعة؟
الجواب: يقضي حاجته ويتوضأ ولو فاتته الجماعة، لأن هذا عذر.
• ما الحكم إذا ترتب على قضاء حاجته خروج الوقت؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يصلي ولو مع مدافعة الأخبثين.
وهذا قول الجمهور.
حفاظاً على الوقت.
القول الثاني: أنه يقضي حاجته ويصلي ولو خرج الوقت.
وهذا قول ابن حزم.
والله أعلم.
• هل يلحق بمدافعة الأخبثين كل ما يشغل بال المصلي؟
نعم، ألحق العلماء بمدافعة الأخبثين كل ما يشغل بال المصلي من ريح في جوفه، أو حر أو برد شديدين، أو جوع أو عطش كذلك.
لأن المعنى المراد موجود في الجميع، وهو حضور القلب.
стр. 495
٢٤٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ (اَلتَّثَاؤُبُ مِنْ اَلشَّيْطَانِ فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اِسْتَطَاعَ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَاَلتِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ (فِي اَلصَّلَاةِ).
===
• ما حكم التثاؤب في الصلاة؟
مكروه في الصلاة وخارج الصلاة، لكنه في الصلاة أشد.
• لماذا نسب التثاؤب إلى الشيطان؟
نسبته إلى الشيطان، لأن التثاؤب دليل الكسل والفتور وثقل البدن وامتلائه واسترخائه، والشيطان يدعو إلى مثل هذه الأمور.
• اذكر علاج التثاؤب؟
أولاً: الكظم.
لحديث الباب (فليكظم ما استطاع).
ثانياً: فإن لم يستطع فليضع يده على فيه.
لحديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فيه، فإن الشيطان يدخل). رواه مسلم
• هل الأفضل أن يضع على فمه اليد اليسرى أم اليمنى؟
استحب غير واحد من أهل العلم أن يكون باليد اليسرى؛ لأنه من باب دفع الأذى، وقاعدة الشريعة: تقديم اليمين في كل ما كان من باب الكرامة، وتقديم الشمال في كل ما كان من باب المهانة.
وذكروا أن ذلك يكون بوضع ظهر كفه اليسرى على فمه؛ لأنه من باب دفع الشيطان، فيكون دفعه بباطنها، فإن كظمه باليمنى حصل أصل السنة، وحينئذ يكون بوضع باطنها على الفم.
قال المناوي ﵀ (فليضع يده) أي ظهر كف يسراه كما ذكره جمع، ويتجه أنه للأكمل وأن أصل السنة يحصل بوضع اليمين. قيل: لكنه يجعل بطنها على فيه عكس اليسرى.
وقال السفاريني ﵀: وَقَالَ لِي شَيْخُنَا التَّغْلِبِيُّ فَسَّحَ اللَّهُ لَهُ فِي قَبْرِهِ: إنْ غَطَّيْت فَمَك فِي التَّثَاؤُبِ بِيَدِك الْيُسْرَى فَبِظَاهِرِهَا، وَإِنْ كَانَ بِيَدِك الْيُمْنَى فَبِبَاطِنِهَا.
قَالَ وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ: لأَنَّ الْيُسْرَى لِمَا خَبُثَ وَلا أَخْبَثَ مِنْ الشَّيْطَانِ، وَإِذَا وَضَعَ الْيُمْنَى فَبَطْنَهَا; لأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْغِطَاءِ، وَالْيُسْرَى مُعَدَّةٌ لِدَفْعِ الشَّيْطَانِ، وَإِذَا غَطَّى بِظَهْرِ الْيُسْرَى فَبَطْنُهَا مُعَدٌّ لِلدَّفْع. (غذاء الألباب).
стр. 496
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: وإِذا غلبه فإِنه ينبغي تغطية فمه بيده اليسرى؛ لأَنه من باب دفع الخبث؛ فإِن الشيطان خبيث. ويكون الذي يلي فمه ظهر كفه؛ لأَنه من باب الدفع والمنع، يدفع الشيطان ويمنعه لا يدخل.
والذي يظهر أن الأمر في هذا واسع، ولم تأت السنة بتعيين اليسرى أو اليمنى في كظم التثاؤب، فضلاً عن التفصيل المذكور، وهو كونه بباطن اليد أو ظهرها، فمتى حصل ذلك باليد اليمنى أو اليسرى، حصلت السنة.
• سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل الرسول ﷺ كان عندما يتثاءب يضع يده اليمنى أم يده اليسرى أم يضعهما معاً على فمه الطاهر؟
فأجاب: لا أعلم أن النبي ﷺ كان يضع يده على فمه إذا تثاءب، وإنما ورد ذلك من قوله حيث أمر ﷺ الرجل عند التثاؤب - يعني: أو المرأة - أن يكظم - يعني: يمنع فتح فمه ما استطاع - فإن لم يستطع فليضع يده على فمه، ويضع اليد اليمنى أو اليسرى، المهم أن لا يبقي فمه مفتوحاً عند التثاؤب. (نور على الدرب).
• لماذا أمر المتثاوب أن يكظم؟
أمر المتثاوب أن يكظم التثاؤب لأمور:
أولاً: إن لم يفعل دخل الشيطان.
قال ﷺ (إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فيه، فإن الشيطان يدخل).
ثانياً: إن لم يفعل فإنه يضحك الشيطان منه.
قال ﷺ (التثاؤب من الشيطان فليرده ما استطاع، فإذا قال: ها، ضحك منه الشيطان) رواه البخاري.
ثالثاً: أن فتح الفم وإخراج صوت منه أمر مستقبح ومستقذر.
فائدة:
قال الحافظ ابن حجر: ومن الخصائص النبوية ما أخرجه ابن أبي شيبة والبخاري في التاريخ من مرسل يزيد بن الأصم قال (ما تثاءب النبي ﷺ قط) وأخرج الخطابي من طريق مسلمة بن عبد الملك بن مروان قال: (ما تثاءب نبي قط) ومسلمة أدرك بعض الصحابة وهو صدوق، ويؤيد ذلك ما ثبت: أن التثاؤب من الشيطان.
• هل يشرع قول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم عند التثاؤب؟
قال الشيخ ابن عثيمين: إذا تجشأ الإنسان أو تثاءب فليس له ذكر، خلافاً للعامة، فالعامة إذا تجشئوا يقولون: الحمد لله! والحمد لله على كل حال؛ لكن لم يرد أن التجشؤ سبب للحمد، كذلك إذا تثاءبوا قالوا: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهذا لا أصل له، ولم يرد عن النبي ﵊ أنه كان يفعل ذلك.
لكن قد يقول قائل: أليس التجشؤ نعمة، والنعمة يستحق الله عليها الحمد؟ قلنا: بلى.
стр. 497
هو نعمة؛ لكن لم يرد عن النبي ﵊ أنه كان يحمد الله إذا تجشأ، وإذا لم يرد فإنه ليس مشروعاً بناء على قاعدة معروفة عند العلماء، وهي: أن كلَّ شيء وُجِد سببه في عهد الرسول ﵊ فلم يفعله ففعلُه ليس بسنة؛ لأن فعل الرسول سنة وتركه سنة، فالتجشؤ موجود، ولم يكن الرسول ﷺ يحمد الله عليه، إذاً: ترك الحمد هو السنة.
كذلك الاستعاذة من الشيطان الرجيم عند التثاؤب قد يقول قائل: إن الرسول ﷺ قال: (التثاؤب من الشيطان)، وقد قال الله تعالى (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ)! قلنا: إن المراد بقوله تعالى (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ) أنك إذا هممتَ بمعصية أو بترك واجب فاستعذ بالله؛ لأن الأمر بالفحشاء من الشيطان، (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ) فإذا حصل هذا النزغ فاستعذ بالله.
أما التثاؤب فإن الرسول ﵊ قال: (التثاؤب من الشيطان، فإذا تثاءب أحدُكم فليَكْظِم ما استطاع، فإن عجز فليضع يده على فيه) ولم يقل: إذا تثاءب أحدكم فليستعذ بالله، مع أنه قال: (التثاؤب من الشيطان)، فدل هذا على أن الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم عند التثاؤب ليست بسُنَّة.
стр. 498
بَابُ اَلْمَسَاجِدِ
٢٤٨ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (أمَرَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ بِبِنَاءِ اَلْمَسَاجِدِ فِي اَلدُّورِ، وَأَنْ تُنَظَّفَ، وَتُطَيَّبَ.) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَ إِرْسَالَهُ.
===
(اَلْمَسَاجِدِ) جمع مسجد، وهو اسم لمكان السجود، وهو بهذا المعنى لا يختص بموضع معين.
وأما عند الفقهاء: الأرض الذي تحررت من الملك الشخصي وخصصت للصلاة والعبادة.
(فِي اَلدُّورِ) قال سفيان بن عيينة: القبائل، قال البغوي: يريد المحال التي فيها الدور.
(وَأَنْ تُنَظَّفَ) من الأذى والقذارة.
(وَتُطَيَّب) يجعل فيها الطيب.
• ماذا نستفيد من حديث الباب؟
نستفيد: مشروعية بناء المساجد في الأحياء السكنية ليجتمع الناس للصلاة.
وحكمه التكليفي: فرض كفاية، لأن الأصل في الأمر الوجوب، والمقصود من بناء المساجد هو تحصيل المسجد، وهذا يكفي من الواحد والاثنين.
• اذكر بعض الأحاديث في فضل بناء المساجد؟
عن عثمان قال: قال رسول الله ﷺ : (من بنى مسجداً لله بنى الله له بيتاً في الجنة). متفق عليه
(مسجداً) التكبير فيه للشيوع، فيدخل التكبير والتصغير، ورفع في رواية أنس عند الترمذي: (صغيراً أو كبيراً).
وزاد ابن أبي شيبة في حديث الباب من وجه آخر عن عثمان: (ولو كمفحص قطاة) وهذه الزيادة عند ابن حبان من حديث أبي ذر، وعند الطبراني من حديث أنس وابن عمر، وعند أبي نعيم من حديث أبي بكر.
وحمل أكثر العلماء ذلك على المبالغة، لأن المكان الذي كمفحص القطاة عنه لتضع فيه بيضها وترقد عليه، لا يكفي مقدار للصلاة فيه.
(لله) المراد الإخلاص. قال ابن الجوزي: من كتب اسمه على المسجد الذي يبنيه كان بعيداً من الإخلاص.
(مثله) قال ابن الجوزي: يحتمل أن يكون المراد أن فضله على بيوت الجنة كفضل المسجد على بيوت الدنيا.
جاء عند أحمد: (بنى الله له في الجنة أفضل منه) وللطبراني: (أوسع منه).
وقال ﷺ (إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته … أو مسجداً بناه … ).
стр. 499
• ما حكم تنظيف المساجد؟
واجب.
أ-قال الله تعالى (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ).
ب- حديث الباب.
ج- عن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ (أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَتَّخِذَ الْمَسَاجِدَ فِي دِيَارِنَا وَأَمَرَنَا أَنْ نُنَظِّفَهَا) رواه أحمد.
د- وعن أبي هريرة (أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد ففقدها رسول الله ﷺ ، فسأل عنها، فقيل له: إنها ماتت، فقال: فهلا آذنتموني، فأتى قبرها فصلى عليها) متفق عليه.
وعند ابن خزيمة (أن امرأة كانت تلتقط الخرق والعيدان من المسجد).
قال ابن حجر: وَفِي الْحَدِيثِ فَضْلُ تَنْظِيفِ الْمَسْجِدِ، وَالسُّؤَالِ عَنْ الْخَادِمِ وَالصَّدِيقِ إِذَا غَاب.
وقد ورد في فضل تنظيف المسجد حديث ضعيف وهو: كنس المساجد مهور الحور العين.
• ما حكم تطييب المساجد؟
الحديث دليل على استحباب تطييب المساجد.
وكان ابن عمر يجمر المساجد كل جمعة.
وكذلك كان نعيم المجمر، ويسمى المجمر لأنه كان يأتي بالبخور إلى المسجد.
стр. 500
٢٤٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (قَاتَلَ اَللَّهُ اَلْيَهُودَ: اِتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ - مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
وَزَادَ مُسْلِمُ - وَالنَّصَارَى -
٢٥٠ - وَلَهُمَا: مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ (كَانُوا إِذَا مَاتَ فِيهِمْ اَلرَّجُلُ اَلصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا - وَفِيهِ: - أُولَئِكَ شِرَارُ اَلْخَلْقِ).
===
(قَاتَلَ اَللَّهُ) قيل: معناها قتلهم، وقيل: لعنهم، وقيل: عاداهم. والأرجح لعنهم، لأنه جاء في روايات أخرى (لعن الله اليهود … )، وقوله: (لعن الله) يحتمل أن يكون هذا خبر من الرسول ﷺ أن الله لعنهم، ويحتمل أن الرسول ﷺ يدعو عليهم بأن يطردهم من رحمته.
(اَلْيَهُودَ) هم من آلي موسى، سموا بذلك: قيل: نسبة إلى جدهم (يهوذا). وقيل: لقولهم (إنا هدنا إليك) أي: تبنا ورجعنا من عبادة العجل.
(النصارى) هم من ينتسبون إلى عيسى، سموا بذلك: قيل: نسبة إلى قرية في فلسطين تسمى (الناصرة)، وقيل: لأنهم قالوا: (نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ).
(اِتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) أي بنوا المساجد عليها، أو اتخذوا القبور أمكنة للصلاة، ولو لم تبنى عليها المساجد.
(أُولَئِكَ شِرَارُ اَلْخَلْقِ) أي أعظم الخلق شراً عند الله.
(أم حبيبة) رملة بنت أبي سفيان.
(أم سلمة) هند بنت أبي أمية.
(كنيسة) جاء في رواية أن اسمها (مارية).
(صوروا فيه تلك التصاوير) إنما يفعل ذلك أوائلهم ليتأسوا برؤية تلك الصور ويتذكروا أحوالهم الصالحة فيجتهدوا كاجتهادهم، ثم خلف من بعدهم خلوف جهلوا مرادهم ووسوس لهم الشيطان أن أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها ويعبدونها.
• ما حكم بناء المساجد على القبور؟
حرام ومن كبائر الذنوب، وقد جاءت أحاديث كثيرة في تحريم ذلك وأنه كبيرة:
أ- أحاديث الباب، وقد قالت عائشة: (ولولا ذلك أبرز قبره).
فهذا يدل على أن السبب الذي من أجله دفنوا النبي ﷺ في بيته ألا وهو سد الطريق على من عسى أن ينتهي عليه مسجده.
ب-وعن جندب قال: قال رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس (لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك) رواه مسلم.
قال الحافظ: وفائدة التنصيص على زمن النبي ﷺ الإشارة إلى أنه من الأمر المحكم الذي لم ينسخ لكونه صدر في آخر حياته ﷺ .
ج-وقال ﷺ (إن من شرار الناس من تدركه الساعة وهم أحياء ومن يتخذ القبور مساجد) رواه ابن خزيمة.
стр. 501
• ما معنى اتخاذ القبور مساجد؟
- أن يبني عليها مساجد ليقصد الصلاة بها.
- أن يتخذ مكاناً للصلاة عندها وإن لم يبني مسجد.
- الصلاة على القبور بمعنى السجود عليها.
• اذكر بعض الشبه التي يستدل بها بعض من يفعل ذلك وما الجواب عنها؟
الشبهة الأولى: أن قبر النبي ﷺ في مسجده كما هو موجود اليوم.
الجواب: أن هذا وإن كان هو المشاهد اليوم، فإنه لم يكن كذلك في عهد الصحابة، فإنه لما مات ﷺ دفنوه في حجرته التي كانت بجانب المسجد، وكان يفصل بينهما جدار فيه باب كان ﷺ يخرج منه إلى المسجد، لكن في عام: (٨٨ هـ) أمر الوليد بن عبد الملك بهدم المسجد النبوي وإضافة حجر أزواج النبي ﷺ إليه، فأدخل فيه الحجرة النبوية، فصار القبر بذلك في المسجد.
الشبهة الثانية: أن النبي ﷺ صلى في مسجد الخيف، وقد دفن فيه سبعين نبياً.
الجواب:
أولاً: الحديث أنه دفن فيه سبعين نبياً لا يصح، رواه الطبراني.
ثانياً: أن الحديث ليس فيه أن القبور ظاهرة في مسجد الخيف، ومن المعلوم أن الشريعة إنما تبني أحكامها على الظاهر.
الشبهة الثالثة: أن قبر إسماعيل في الحجر من المسجد الحرام.
والجواب: أنه لم يثبت في حديث مرفوع أن إسماعيل أو غيره من الأنبياء دفنوا في المسجد الحرام، ولم يرد شيء من ذلك.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- لا يجوز الصلاة في المقابر.
قال ﷺ (الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام) رواه الترمذي.
وقال ﷺ (لا تصلوا إلى القبور ولا عليها) رواه مسلم.
стр. 502
- اختلف في الحكمة:
فقيل: النجاسة. وهذه علة عليلة ضعيفة لأمور:
أولاً: أن النبي ﷺ صلى على المرأة التي كانت تقم المسجد في المقبرة ولو كانت العلة النجاسة لما صلى عليها.
ثانياً: أن النبي ﷺ قال (لا تصلوا إلى القبور).
والصواب أن العلة سد ذريعة الشرك.
- النهي الأكيد والتحريم الشديد من اتخاذ القبور مساجد، وأن ذلك من أسباب اللعن.
- أن هذا من فعل اليهود والنصارى فمن فعله فقد اقتفى أثرهم.
- حرص النبي ﷺ على حماية جانب التوحيد.
- أن النبي ﷺ حذر من اتخاذ القبور مساجد ثلاث مرات:
أولاً: في سائر حياته.
ثانياً: قبل موته بخمس.
ثالثاً: وهو في سياق الموت.
- ورد في الحديث قبل قليل (أن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء … )، مع أن الرسول ﷺ قال (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين حتى تقوم الساعة):
الجمع بين الحديثين:
نقول المراد بقوله (حتى تقوم الساعة) أي قرب قيام الساعة، أو أن المراد بالساعة موتهم.
- جواز اللعن بالوصف، واللعن من حيث حكمه ينقسم إلى أقسام:
القسم الأول: لعن المسلم المصون.
وهذا حرام بالإجماع.
للأحاديث الكثيرة في النهي عن اللعن.
القسم الثاني: اللعن بالوصف العام أو الخاص.
كقول: لعنة الله على الظالمين - لعنة الله على الفاسقين - لعن الله آكل الربا.
وهذا جائز بلا خلاف.
قال تعالى (فلعنة الله على الكافرين) وقال (لعنة الله على الكاذبين).
القسم الثالث: لعن الكافر المعين الذي مات على الكفر. مثل فرعون وأبي جهل.
فهذا جائز ولا خلاف فيه.
قال تعالى (إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين).
القسم الرابع: لعن الكافر المعين الحي، فها اختلف العلماء على قولين:
القول الأول: المنع.
قالوا: ربما يسلم هذا الكافر فيموت مقرباً عند الله.
القول الثاني: جواز لعنه.
واستدلوا بقوله ﷺ في قصة الذي كان يؤتى به سكران فيحده، فقال رجل: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به، فقال رسول الله ﷺ : لا تلعنه، فإنه يحب الله ورسوله.
والذي يظهر لي جواز لعنه خاصة إذا كان يؤذي المسلمين.
القسم الخامس: لعن المسلم، المعين، الفاسق.
هذا لا يجوز لعنه، ولذلك نهى النبي ﷺ عن لعن ذلك الرجل الذي كان يؤتى به من السكر وقال: إنه يحب الله ورسوله.
стр. 503
٢٥١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ (بَعَثَ اَلنَّبِيُّ ﷺ خَيْلاً، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي اَلْمَسْجِدِ) اَلْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(خَيْلاً) أي فرساناً، والأصل أنهم كانوا رجالاً على خيل.
• اذكر لفظ الحديث كاملاً؟
عن أبي هُرَيْرَةَ قال (بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْلاً قِبَلَ نَجْدٍ فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِى حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ. فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِى الْمَسْجِدِ فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ «مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ». فَقَالَ عِنْدِى يَا مُحَمَّدُ خَيْرٌ إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ. فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ فَقَالَ «مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ». قَالَ مَا قُلْتُ لَكَ إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ. فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى كَانَ مِنَ الْغَدِ فَقَالَ «مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ». فَقَالَ عِنْدِى مَا قُلْتُ لَكَ إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مَنْهُ مَا شِئْتَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ». فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. يَا مُحَمَّدُ وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَىَّ مِنْ وَجْهِكَ فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَىَّ وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَىَّ مِنْ دِينِكَ فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ كُلِّهِ إِلَىَّ وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضَ إِلَىَّ مِنْ بَلَدِكَ فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ كُلِّهَا إِلَىَّ وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِى وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ فَمَاذَا تَرَى فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لَهُ قَائِلٌ أَصَبَوْتَ فَقَالَ لَا وَلَكِنِّى أَسْلَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا وَاللَّهِ لَا يَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ متفق عليه.
(يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ) بن أثال بن الغمام بن مسلمة الحنفي، وهو من فضلاء الصحابة.
(وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ) قيل: إن تقتل تقتل ذا دم أي صاحب دم لدمه موقع يشتفي قاتله بقتله ويدرك ثأره لرياسته وعظمته، وقيل: يحتمل أن يكون المعنى أن عليه دم، وهو مطلوب فلا لوم عليك في قتله.
стр. 504
• ما حكم دخول الكافر المسجد؟
اختلف العلماء في حكم دخول الكافر المسجد على أقوال:
القول الأول: لا يجوز دخول الكافر للمسجد مطلقاً.
وهذا روي عن مالك وأحمد.
أ-لقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ)
ب- ولقوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ).
وجه الدلالة: (مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ) ففي هذه الآية أن المشرك لا يدخل المسجد إلا وهو خائف من المسلم أن يطرده، ولأنه لا ينبغي أن يدخلها على حين غفلة من المؤمنين لأنه يسعى في خراب المساجد.
ج-قال في المغني: أو لأن حدث الجنابة والحيض والنفاس يمنع المقام في المسجد، فحدث المشرك أولى.
القول الثاني: أنه يجوز للمشرك دخول جميع المساجد ما عدا المسجد الحرام.
وهذا مذهب الشافعي ورجحه ابن حزم.
أ-لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) والمراد الحرم كله. واستدلوا:
ب- ولحديث الباب، فإن النبي ﷺ أمر بربط ثمامة بن أثال بسارية من سواري المسجد.
ج-ولحديث الأعرابي - وهو ضمام بن ثعلبة - الذي جاء إلى النبي ﷺ يسأله عن الإسلام، وقد ربط بعيره ثم قال: أيكم محمد … وسأل عن الإسلام، وكان هذا الأعرابي وقت دخوله المسجد مشركاً.
(مذهب أبي حنيفة نفس هذا المذهب لكنه لا يستثني المسجد الحرام، فعنده يجوز للمشرك دخول جميع المساجد بلا استثناء).
والراجح: أنه يجوز للمصلحة والحاجة جمعاً بين الأدلة.
فائدة:
- أما جلب الخادمات الكافرات وغيرهن من الكفار إلى الحرم: فلا يجوز سواء للعمرة أو للحج أو لغيرهما لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذا).
والمسجد الحرام هنا هو: الحرم كله.
قال النووي ﵀: والمراد بالمسجد الحرام ها هنا: الحرم كله، فلا يمكَّن مشرك من دخول الحرم بحال، حتى لو جاء في رسالة أو أمر مهم لا يمكَّن من الدخول، بل يُخرج إليه من يقضى الأمر المتعلق به، ولو دخل خفية ومرض ومات: نبش وأخرج من الحرم .... (شرح مسلم " (٩/ ١١٦).
وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: بالنسبة لحكم استصحاب الخادمة الكافرة وإدخالها إلى الحرم؟.
فأجاب: أجبني: كيف يذهب بامرأة كافرة إلى المسجد الحرام والله يقول (فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ)؟
لا، هذا حرام عليه، وإذا قدِّر أنه اضطر إلى هذا يقول لها: أسلمي، فإن أسلمت: فهذا المطلوب، وإن لم تسلم: إما أن يبقى معها، وإما أن يرسلها إلى أهلها، وأما أن يأتي بها إلى مكة: فهذا لا يجوز.
أولاً: معصية لله .
ثانياً: امتهان للحرم.
السائل: هو يا شيخ من غير هذه البلاد، وجاء بها، وعندما سأل عن الحكم وقيل له: لا يجوز، هل يرجع هو وإياها؟.
الشيخ: نعم، يرجع هو وإياها، أو يردها إلى بلدها. (لقاء الباب المفتوح).
стр. 505
٢٥٢ - وَعَنْهُ ﵁ (أَنَّ عُمَرَ ﵁ مُرَّ بِحَسَّانَ يَنْشُدُ فِي اَلْمَسْجِدِ، فَلَحَظَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: "قَدْ كُنْتُ أَنْشُدُ، وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(مُرَّ بِحَسَّانَ) هو ابن ثابت بن المنذر الأنصاري الخزرجي، شاعر رسول الله ﷺ .
(يَنْشُدُ فِي اَلْمَسْجِدِ) يعني يسمع الناس في المسجد شيئاً من الشعر.
(فَلَحَظَ إِلَيْهِ) أي: نظر إليه، واللحظ النظر بمؤخر العين، أي: نظر إليه نظر عتب وإنكار.
• ما حكم إنشاد الشعر في المسجد؟
حديث الباب دليل على جواز الشعر في المسجد إذا كان مباحاً، وخاصة إذا كان في مناظرة للحق وللدفاع عن الإسلام.
وأيضاً يذل لذلك:
أ-عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ (مَرَّ عُمَرُ فِي الْمَسْجِدِ وَحَسَّانُ يُنْشِدُ فَقَالَ: كُنْتُ أُنْشِدُ فِيهِ وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ ثمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ أَجِبْ عَنِّي اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ قَالَ نَعَمْ) رواه البخاري.
قال النووي: فِيهِ جَوَاز إِنْشَاد الشِّعْر فِي الْمَسْجِد إِذَا كَانَ مُبَاحًا، وَاسْتِحْبَابه إِذَا كَانَ فِي مَمَادِح الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ.
بب- وعن عَائِشَة قَالَتْ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَضَعُ لِحَسَّانَ مِنْبَرًا فِى الْمَسْجِدِ يَقُومُ عَلَيْهِ قَائِمًا يُفَاخِرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ قَالَ يُنَافِحُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رواه الترمذي.
ج-وعن جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ (شَهِدْت النَّبِيَّ ﷺ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ مَرَّةٍ فِي الْمَسْجِدِ وَأَصْحَابُهُ يَتَذَاكَرُونَ الشِّعْرَ وَأَشْيَاءَ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَرُبَّمَا تَبَسَّمَ مَعَهُم) رواه الترمذي.
• فإن قيل: ما الجواب عن حديث عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (أَنَّهُ نَهَى عَنْ تَنَاشُدِ الْأَشْعَارِ فِي الْمَسْجِدِ، وَعَنْ الْبَيْعِ وَالِاشْتِرَاءِ فِيهِ) رواه الترمذي.
الجواب الأول: أحاديث النهي ناسخة لأحاديث الجواز.
وقد قال بهذا القول واحد من الفقهاء ذكره الحافظ ابن حجر في (الفتح) فقال: وَأَبْعَدَ أَبُو عَبْد الْمَلِك الْبَوْنِيُّ فَأَعْمَلَ أَحَادِيث النَّهْيِ وَادَّعَى النَّسْخَ فِي حَدِيثِ الْإِذْنِ وَلَمْ يُوَافِقْ عَلَى ذَلِكَ حَكَاهُ اِبْنُ التِّينِ عَنْه.
الجواب الثاني: أحاديث الإذن تدل على الجواز، وأحاديث النهي تدل على الكراهة، فيكون إنشاد الشعر في المسجد جائز مع الكراهة.
الجواب الثالث: أن يحمل النهي على تناشد أشعار الجاهلية والمبطلين، والمأذون فيه ما سلم من ذلك، وقيل: المنهي عنه ما إذا كان التناشد غالباً على المسجد حتى يتشاغل به من فيه (الفتح)
стр. 506
• ما حكم قول الشعر، (والمقصود بالشعر من حيث أنه شعر).
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أنه مباح.
وهذا منقول عن كافة أهل العلم.
قال ابن قدامة: ليس في إباحة الشعر خلاف، وأدلتهم كثيرة:
أ-حديث الباب.
ب-حديث عائشة: (كان النبي ﷺ ينصب لحسان … ).
ج-وقال ﷺ : (إن من الشعر لحكمة) متفق عليه.
د-وقد استنشد النبي ﷺ الشريد بن سويد مائة قافية من شعر أمية بن أبي الصلت.
هـ-وسمع قصيدة كعب.
و-وتمثل الصديق بالشعر، وتمثلت به الصديقة ابنته.
قال ابن عبد البر: ليس أحد من كبار الصحابة إلا وقد قال الشعر أو تمثل به أو سمعه فرضيه.
القول الثاني: الكراهة.
نقل هذا عن بعض السلف، كإبراهيم النخعي، والحسن البصري، ومسروق.
أ-لحديث عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً) متفق عليه.
ب-ولحديث أبي أمامة مرفوعاً (إن إبليس لما أهبط إلى الأرض قال: رب، اجعل لي مزماراً. قال: قرآنك الشعر) رواه الطبراني ....
والصحيح الأول.
• ما الجواب عن أدلة القول الثاني؟
الجواب: أما حديث: (لأن يمتلئ جوف أحدكم … ):
أ- أن يغلب عليه الشعر حتى يشغله عن القرآن والعلم.
وبوب البخاري على الحديث: ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر حتى يصده.
وقال ابن عبد البر ﵀ وأما قوله ﷺ (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعراً).
فأحسن ما قيل في تأويله والله أعلم، أنه الذي قد غلب الشعر عليه، فامتلأ صدره منه دون علم سواه، ولا شيء من الذكر غيره، ممن يخوض به في الباطل، ويسلك به مسالك لا تحمد له كالمكثر من الهذر واللغط، والغيبة وقبيح القول، ولا يذكر الله كثيراً، وهذا كله مما اجتمع العلماء على معنى ما قلت منه، ولهذا قلنا فيما روي عن ابن سيرين والشعبي ومن قال بقولهما من العلماء: "الشعر كلام، فحسنه حسن، وقبيحة قبيح"، أنه قول صحيح وبالله التوفيق.
ب-أن المراد به التنفير عن خاصة الشعر، وهو ما كان متضمناً هجاءً وفحشاً.
- وأما حديث أبي أمامة فهو حديث ضعيف.
стр. 507
• هل إقرار النبي ﷺ حجة؟
نعم، فما أقره النبي ﷺ فهو حجة، فحسان استدل بإقرار النبي ﷺ إياه على إنشاد الشعر في المسجد.
وتقرير النبي ﷺ (السنة التقريرية): وهو أن يسكت النبي ﷺ عن إنكار قول قيل، أو فعل فعل بين يديه، أو في عصره وعلم به، وسكوته هذا يفيد جواز هذا الأمر.
ومما يدل على أن إقرار النبي ﷺ حجة:
أ- حديث الباب.
ب- عن أنس بن مالك لما سئل وهو غاد إلى عرفة: كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله ﷺ ؟ فقال: كان يهل منا المهل فلا ينكر عليه، ويكبر منا المكبر فلا ينكر عليه) رواه البخاري.
ج- وعن ابن عباس. قال (أقبلت راكباً على حمار أتان وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله ﷺ يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك علي أحد) متفق عليه
د-وها هو البخاري يبين هذا الأمر في ترجمة باب من أبواب كتاب الاعتصام بالسنة، فيقول فيها: باب من رأى ترك النكير من النبي ﷺ حجة، لا من غير الرسول، وروى بسنده عن محمد بن المنكدر أنه قال: رأيت جابر بن عبد الله يحلف بالله أن ابن الصياد الدجال، قلت: تحلف بالله؟ قال: إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي ﷺ فلم ينكره النبي ﷺ .
قال ابن حجر موضحا هذه الترجمة بقوله: وقد اتفقوا على أن تقرير النبي ﷺ لما يفعل بحضرته أو يقال، ويطلع عليه بغير إنكار دال على الجواز، لأن العصمة تنفي عنه ما يحتمل في حق غيره مما يترتب على الإنكار فلا يقر على باطل.
فائدة: أفعال الرسول ﷺ .
القاعدة الأولى: الخصوصية لا تثبت إلا بدليل.
الأصل في أفعال النبي ﷺ أنها تشريع لجميع الأمة، وليست خاصة به، حتى يقوم الدليل الدال على أنها خاصة.
قال ابن القيم: الأصل مشاركة أمته له في الأحكام إلا ما خصه الدليل.
وقال ابن حزم في الإحكام (١/ ٤٦٩): لا يحل لأحد أن يقول في شيء فعله ﵇ إنه خصوص له إلا بنص. انتهى.
القاعدة الثانية: لا يشرع المداومة على ما لم يداوم عليه النبي ﷺ من العبادات.
الأصل في العبادات المنع، فما لم يداوم عليه النبي ﷺ من العبادات لا يشرع المداومة عليه.
كعدم مداومته على فعل النوافل جماعة، وإنما فعل ذلك أحيانا كما في حديث أنس بن مالك أن جدته مليكة دعت لطعام صنعته له، فأكل منه ثم قال: ((قوموا فلأصل لكم) رواه البخاري ومسلم.
стр. 508
قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مختصر الفتاوى المصرية (٨١): والإجماع على أن صلاة النفل أحياناً مما تستحب فيه الجماعة إذا لم يتخذ راتبة وكذا إذا كان لمصلحة مثل أن لا يحسن أن يصلي وحده، فالجماعة أفضل إذا لم تتخذ راتبة، وفعلها في البيت أفضل إلا لمصلحة راجحة. انتهى
القاعدة الثالثة: إقرار النبي ﷺ حجة، فما فعل بحضرة النبي ﷺ وأقره يعتبر حجة.
لأن النبي ﷺ لا يؤخر البيان عن وقته.
قال البخاري: باب من رأى ترك النكير من النبي ﷺ حجة، لا من غير الرسول، وروى بسنده عن محمد بن المنكدر أنه قال: رأيت جابر بن عبد الله يحلف بالله أن ابن الصياد الدجال، قلت: تحلف بالله؟ قال: إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي ﷺ فلم ينكره النبي ﷺ .
فهذا الحديث يدل على أن الصحابة كانوا يفهمون بأن إقرار النبي لشيء صنع أمامه يعتبر حجة.
القاعدة الرابعة: ما وقع في زمن النبي يعتبر حجة وإن لم يكن اطلع عليه النبي ﷺ .
عن جابر بن عبد الله قال: كنا نعزل والقرآن ينزل. أخرجه البخاري.
قال الحافظ في الفتح (٩/ ٢١٦): أراد بنزول القرآن أعم من المتعبد بتلاوته أو غيره مما يُوحى إلى، فكأنه يقول: فعلناه في زمن التشريع ولو كان حراماً لم نقر عليه،
- قال الشيخ ابن عثيمين: … لكن؛ قد يعترضُ مُعترضٌ فيقول: هل عَلِمَ بذلك رسولُ الله ﷺ أوَ لم يعلمْ؟
الجواب: إما أنْ نقولَ: إنَّه عَلِمَ. وإما أنْ نقولَ: إنَّه لم يعلمْ. وإما أنْ نقولَ: لا ندري. فإن كان قد عَلِمَ فالاستدلالُ بهذه السُّنَّةِ واضحٌ، وإن عَلِمنا أنَّه لم يعلم فإننا نقول: إنَّ الله قد عَلِمَ، وإقرارُ اللهِ للشيء في زَمَنِ نزولِ الوحي دليلٌ على جَوازِه، وأنه ليس بمنكرٍ؛ لأنه لو كان منكراً لأنكرَه اللهُ، وإن كان الرسولُ لم يعلمْ به، ودليل ذلك:
أولاً: قول الله تعالى (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً) فأنكرَ اللهُ عليهم تبييتَهم للقولِ مع أنَّ الناسَ لا يعلمون به؛ لأنهم إنما بَيَّتوا أمراً منكراً، فدلَّ هذا على أن الأمرَ المنكرَ لا يمكن أن يَدَعَهُ الله، وإنْ كان الناسُ لا يعلمون به.
ثانياً: أن الصحابةَ استدلُّوا على جوازِ العَزْلِ بأنهم كانوا يَعزلون والقرآنُ ينزل. وهذا استدلالٌ منهم بإقرارِ الله تعالى.
стр. 509
٢٥٣ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ سَمِعَ رَجُلاً يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي اَلْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا اَللَّهُ عَلَيْكَ، فَإِنَّ اَلْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا) رَوَاهُ مُسْلِم.
===
(يَنْشُدُ) أي يسأل عنها ويرفع صوته يبحث عنها.
(ضَالَّةً) هي الضائع من المواشي.
(لَا رَدَّهَا اَللَّهُ عَلَيْكَ) دعاء بنقيض قصده.
• ما حكم إنشاد الضالة في المسجد؟
حرام.
أ- لحديث الباب، فالنبي ﷺ نهى عن ذلك، والنهل اهي للتحريم.
ب-ولحديث بُرَيْدَةَ ﵁ (أَنَّ رَجُلًا نَشَدَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: مَنْ دَعَا إِلَى الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ (لَا وَجَدْتَ؛ إِنَّمَا بُنِيَتْ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَه) رواه مسلم.
ج- وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد ضالة فقولوا: لا ردها الله عليك) رواه الترمذي.
قال النووي ﵀: قَوْله ﷺ (لَا وَجَدْت) وَأَمَرَ أَنْ يُقَال مِثْل هَذَا، فَهُوَ عُقُوبَة لَهُ عَلَى مُخَالَفَته وَعِصْيَانه وَيَنْبَغِي لِسَامِعِهِ أَنْ يَقُول: لَا وَجَدْت فَإِنَّ الْمَسَاجِد لَمْ تُبْنَ لِهَذَا. أَوْ يَقُول: لَا وَجَدْت إِنَّمَا بُنِيَتْ الْمَسَاجِد لِمَا بُنِيَتْ لَهُ. كَمَا قَالَهُ رَسُول اللَّه ﷺ .
وقد قال ابن عبد البر ﵀: وقد ذكر الله تعالى المساجد بأنها بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه وأن يسبح له فيها بالغدو والآصال، فلهذا بنيت، فينبغي أن تنزه عن كل ما لم تبن له.
د-لأن النبي ﷺ أمرنا أن ندعو عليه بأن لا يجد ضالته عقوبة له على صنيعه المحرم هذا.
• ما حكم إنشاد اللقطة في المسجد؟
يحرم إنشاد اللقطة أيضاً، لأن النبي ﷺ علل (أن المساجد لم تبنَ لهذا).
стр. 510
• ما حكم تعليق أوراق إعلانات فيها نشد الضوال؟
قال الشيخ ابن باز ﵀: المساجد لم تُبن لنشد الضوال أو البيع والشراء، وإنما بنيت لعبادة الله وطاعته بالصلاة والذكر وحلقات العلم ونحو ذلك، وكتابة ورقة وتعلق في المسجد فهذا إذا كان في الجدار الخارجي فلا بأس أو على الباب الخارجي فلا بأس، أما من الداخل فلا ينبغي لأن هذا يشبه الكلام، ولأنه قد يشغل الناس بمراجعة الورقة وقراءتها.
فالذي يظهر لنا: أنه لا يجوز، لأن تعليق أوراق في المسجد معناه نشد الضوال، ولكن إذا كتب على الجدار الخارجي من ظهر المسجد أو على الباب وتكون خارج المسجد فلا بأس بهذا. (فتاوى نور على الدرب).
• ما حكم وضع بعض الإعلانات في المسجد؟ كالإعلان عن حملة للحج أو للعمرة، أو الإعلان عن وجود محاضرات أو دروس علم؟
قال الشيخ ابن عثيمين: أما ما كان إعلاناً عن طاعة فلا بأس به؛ لأن الطاعة مما يقرب إلى الله، والمساجد بنيت لطاعة الله ، وأما ما كان لأمور الدنيا، فإنه لا يجوز، ولكن يعلن عنه على جدار المسجد من الخارج. فالحملات - حملات الحج - أمر دنيوي، فلا نرى أن نعلن عنها في الداخل.
وحلق الذكر - كدورات العلم - خيرٌ محض، فلا بأس أن يعلن عنها في داخل المسجد؛ لأنها خير.
• ما حكم أن ينشد الضالة عند باب المسجد؟
ظاهر الحديث أنه لو خرج عند باب المسجد فنشدها فإنه لا يحرم، لأنه ليس من المسجد.
• هل هذا الدعاء (لا ردها عليك) يقوله جهراً أو سراً؟
ظاهر الحديث أنه يقول هذا الدعاء جهراً.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- بيان وظيفة المسجد، وأنها للذكر وقراءة القرآن والصلاة.
- هذا الحكم عاماً سواء كان حيواناً أو متاعاً أو نقداً.
стр. 511
٢٥٤ - وَعَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ، أَوْ يَبْتَاعُ فِي اَلْمَسْجِدِ، فَقُولُوا: لَا أَرْبَحَ اَللَّهُ تِجَارَتَكَ) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
===
• ما حكم البيع والشراء في المسجد؟
اختلف العلماء في حكم البيع والشراء في المسجد: على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه مكروه.
وهذا مذهب جمهور العلماء.
أ-لحديث الباب.
ب-ولحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (نهى رسول الله ﷺ عن البيع والشراء في المسجد) رواه الترمذي.
وجه الدلالة: أن هذا الدعاء عليه يدل على كراهة البيع، ولو كان محرماً لبين النبي ﷺ بطلانه، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
القول الثاني: أنه حرام.
وهو قول لبعض الحنابلة ورجحه الشيخ ابن عثيمين.
لقوله: (لا أربح الله تجارتك).
قالوا: إن النبي ﷺ دعا على البائع والمشتري في المسجد بعدم الربح، وهذا عقوبة لهم.
القول الثالث: الجواز.
لقوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ).
والراجح القول الأول.
• ماذا يقال لمن باع واشترى بالمسجد؟
أنه يدعى على من يبيع أو يشتري في المسجد بقول: لا أربح الله تجارتك، ويقولها جهراً.
• ما الحكمة من قول: لا أربح الله تجارتك؟
معاملة له بنقيض قصده، لأنه إنما باع واشترى في المسجد لقصد الربح.
• شخص في المسجد اتصل به شخص آخر عن طريق الهاتف يطلب شراء سلعة، فهل يجوز له أن يبيع له؟
لا يجوز، لأن النبي ﷺ قال: من يبيع أو يبتاع.
• ما حكم عقد الإجارة في المسجد؟
لا يجوز، لأن الإجارة بيع.
• ما حكم فعل الأشياء غير البيع كالهبة والنكاح والإبراء من الدين والقرض؟
جائزة في المسجد.
لعدم دخولها في البيع والشراء. [قاله الشيخ ابن عثمين].
стр. 512
٢٥٥ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا تُقَامُ اَلْحُدُودُ فِي اَلْمَسَاجِدِ، وَلَا يُسْتَقَادُ فِيهَا) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ ضَعِيف.
===
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث كما قال المصنف فيه ضعف، لأن فيه انقطاعاً، وفيه راوياً متكلم فيه.
لكن الحافظ ابن حجر في التلخيص قال: إسناده لا بأس به. ولعله لشواهده فإن له شواهد.
• ما معنى (الحدود) (والقود)؟
الحدود: عقوبة مقدرة شرعاً في معصية للتكفير عن صاحبها ومنع غيره منها، كالزنا، والسرقة، والقذف، وحد قطاع الطريق.
والقَوَد: هو القصاص، وقتل القاتل بدل القتيل.
• ما حكم إقامة الحدود في المساجد؟
اختلف العلماء في ذلك على أقوال؟
القول الأول: المنع.
وهذا مذهب جمهور العلماء.
أ-لحديث الباب.
ب-ولشواهده، كحديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تقام الحدود في المساجد ولا يقتل والد بولده) رواه الترمذي
ج-ولحديث أبي هريرة قال: (أتى رجل رسول الله ﷺ وهو في المسجد، فنادى فقال: يا رسول الله، إني زنيت … اذهبوا به فارجموه) متفق عليه، فأمر النبي ﷺ بإخراج من وجب عليه الحد من المسجد لأجل إقامة الحد.
د-ويمكن أن يستدل بقوله ﷺ : (إن المساجد لم تبنَ لهذا).
هـ-ولأن إقامة الحدود في المسجد لا يؤمن تلويث المسجد.
القول الثاني: يجوز التأديب في المسجد بخمسة أسواط أو نحوها.
وهذا مذهب مالك وأبي ثور.
ويمكن أن يستدل بأن هذا الضرب الخفيف يؤمن معه تضرر المسجد.
والقول الأول هو الصحيح.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- وجوب إقامة الحدود، ولا فرق على الشريف أو الضعيف.
- ثبوت القود، وهو واجب لكن له شروط، ويسقط إذا عفا صاحب الحق.
стр. 513
٢٥٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ اَلْخَنْدَقِ، فَضَرَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ خَيْمَةً فِي اَلْمَسْجِدِ، لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
• اذكر لفظ الحديث كاملاً؟
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ (أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الْخَنْدَقِ رَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالُ لَهُ ابْنُ الْعَرِقَةِ. رَمَاهُ فِى الأَكْحَلِ فَضَرَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْمَةً فِى الْمَسْجِدِ يَعُودُهُ مِنْ قَرِيبٍ، فَلَمْ يَرُعْهُمْ - وَفِى الْمَسْجِدِ مَعَهُ خَيْمَةٌ مِنْ بَنِى غِفَارٍ - إِلاَّ وَالدَّمُ يَسِيلُ إِلَيْهِمْ فَقَالُوا يَا أَهْلَ الْخَيْمَةِ مَا هَذَا الَّذِى يَأْتِينَا مِنْ قِبَلِكُمْ فَإِذَا سَعْدٌ جُرْحُهُ يَغِذُّ دَماً فَمَاتَ مِنْهَا) متفق عليه.
(سعد) هو ابن معاذ صحابي جليل. (أكحله) عرق في اليد أو الذراع.
• ما حكم وضع خيمة في المسجد؟
يجوز.
أ-لحديث الباب.
ب-ولحديث عائشة الآتي (أن وليدة كانت سوداء لحي من العرب فأعتقوها فكانت معهم، … قالت عائشة: فكان لها خباء في المسجد).
• هل يشترط لذلك شروطاً؟
نعم، يشترط عدة شروط:
أولاً: أن يكون الذي تضرب له الخيمة أهلاً لذلك، لكونه سيداً أو شريفاً في قومه.
ثانياً: ألا يتأذى المسجد أو أهله بها.
ثالثاً: أن يكون لغرض صحيح.
• اذكر بعض فضائل سعد بن معاذ؟
أ-قال ﷺ للأنصار (قوموا إلى سيدكم) متفق عليه.
ب-وقال ﷺ لما أهدي له ثوب حرير فجعل الصحابة يعجبون من لينه فقال (أتعجبون من هذا، لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا).
ج-وقال ﷺ (اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ) متفق عليه.
د-وعن أنس قال (لما حملت جنازة سعد بن معاذ قال المنافقون: ما أخف جنازته، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: إن الملائكة كانت تحمله) رواه الترمذي.
• ما معنى قوله ﷺ (اهتز عرش الرحمن لموت سعد)؟
قيل: المراد اهتزاز حملة العرش.
ويؤيده حديث: (إن جبريل قال: من هذا الميت الذي فتحت له أبواب السماء إذ استبشر به أهلها). رواه الحاكم
وقيل: هي علامة نصبها الله لموت من يموت من أوليائه ليشعر ملائكته بفضله.
وقيل: المراد باهتزاز العرش استبشاره وسروره بقدوم روحه.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- جواز تمريض المريض في المسجد.
- فيه تقدير أهل الفضل والسابقة في الإسلام وتنزيلهم منازلهم من الشفقة والعناية والتكرمة.
- استحباب تكرار عيادة المريض.
- جواز النوم في المسجد.
стр. 514
٢٥٧ - وَعَنْهَا قَالَتْ (رَأَيْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَسْتُرُنِي، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى اَلْحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ فِي اَلْمَسْجِدِ … ) اَلْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(الْحَبَشَةِ) جيل من الناس من السود في إفريقيا (أثيوبيا).
(يَلْعَبُونَ) أي بحرابهم، كما جاء في رواية، وكان ذلك يوم عيد.
• ما حكم اللعب بالحراب ونحوها في المسجد؟
يجوز، لأن فيه مصلحة للمسلمين.
ويدل للجواز:
أ- حديث الباب (يلعبون في المسجد).
ب-ولحديث أبي هريرة قال (بينما الحبشة يلعبون عند رسول الله ﷺ بحرابهم إذ دخل عمر فأهوى إلى الحصباء فحصبهم بها، فقال رسول الله ﷺ : دعهم يا عمر) متفق عليه.
ذهب بعض العلماء إلى أن ذلك منسوخ، لكن هذا ضعيف.
• ما رأيك بقول بعض العلماء: إنهم كانوا يلعبون خارج المسجد؟
قال بعض العلماء أنهم كانوا يلعبون خارج المسجد، وهذا خلاف الحديث، فإن الحديث نص في أنهم في المسجد، وأيضاً عمر أنكر عليهم لعبهم في المسجد.
• ما حكم نظر المرأة إلى الرجل؟
وهذه المسألة تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: إذا كان بشهوة فهو حرام بالاتفاق. [قاله النووي].
القسم الثاني: إذا كان بغير شهوة، فاختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه يحرم على المرأة نظر الرجل كما يحرم على الرجل نظر المرأة.
وهو مذهب الشافعية في الصحيح عندهم، والحنابلة في رواية ثالثة، ورأى عند المالكية.
وهذا القول هو الذى عليه أكثر الصحابة وجمهور العلماء.
стр. 515
قال النووي: الصحيح الذي عليه جمهور العلماء وأكثر الصحابة أنه يحرم على المرأة النظر إلى الأجنبى كما يحرم عليه النظر إليها.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد ذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الأجانب من الرجال بشهوة ولا بغير شهوة أصلاً.
وقال ابن كثير: ذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يجوز للمرأة النظر إلى الرجال الأجانب بشهوة ولا بغير شهوة أصلاً.
أ- قال تعالى (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ).
وظاهر الآية أن المنع يشمل النظر بشهوة أو بغير شهوة، والأصل فى النصوص العامة أن تبقى على عمومها، فلا تخصَّصُ إلا بدليل شرعى، إما نصٌّ، أو إجماعٌ، أو قياس صحيح، ولم يوجد واحد من هذه الثلاثة بالنسبة لعموم الآية.
ب- وسُئل رسول الله ﷺ عن نظر الفجأة فقال (لَا تُتْبِعْ النَّظَرَ النَّظَرَ فَإِنَّ الأُولَى لَكَ وَلَيْسَتْ لَكَ الأَخِيرَة) رواه أحمد، وصححه الألبانى.
والنساء والرجال فى أحكام الشرع سواء ما لم يأتِ التخصيص.
والآية والحديث صريحان فى المنع من النظر إلا لضرورة أو نظرة الفجأة، وهذا ليس خاص بالرجال.
ج- عن نبهان مولى أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ (كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَمَيْمُونَةَ، فَأَقْبَلَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أُمِرَ بِالْحِجَابِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : احْتَجِبَا مِنْهُ. فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ أَعْمَى لَا يُبْصِرُنَا وَلَا يَعْرِفُنَا؟ فَقَالَ: أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا؛ أَلَسْتُمَا تُبْصِرَانِه؟) رواه أحمد وأبو داود والترمذى والنسائى وابن حبان.
قالْ النووي: الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُور الْعُلَمَاء وَأَكْثَر الصَّحَابَة أَنَّهُ يَحْرُم عَلَى الْمَرْأَة النَّظَر إِلَى الْأَجْنَبِيّ كَمَا يَحْرُم عَلَيْهِ النَّظَر إِلَيْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارهمْ … ) (وَ قُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارهنَّ) وَلِأَنَّ الْفِتْنَة مُشْتَرَكَة وَكَمَا يَخَاف الِافْتِتَان بِهَا تَخَاف الِافْتِتَان بِهِ، وَيَدُلّ عَلَيْهِ مِنْ السُّنَّة حَدِيث نَبْهَان مَوْلَى أُمّ سَلَمَة عَنْ أُمّ سَلَمَة أَنَّهَا كَانَتْ هِيَ وَمَيْمُونَة عِنْد النَّبِيّ ﷺ فَدَخَلَ اِبْن أُمّ مَكْتُوم فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ : اِحْتَجِبَا مِنْهُ، فَقَالَتَا: إِنَّهُ أَعْمَى لَا يُبْصِر فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ : أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا فَلَيْسَ تُبْصِرَانِهِ؟) وَهَذَا الْحَدِيث حَدِيث حَسَن رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيْرهمَا قَالَ التِّرْمِذِيّ هُوَ حَدِيث حَسَن وَلَا يُلْتَفَت إِلَى قَدَح مِنْ قَدَح فِيهِ بِغَيْرِ حُجَّة مُعْتَمَدَة. (نووي).
стр. 516
وقال ابن حجر فى الفتح فى موضع: هو حديث مختلف فى صحته.
وقال فى موضع آخر: وهو حديث أخرجه أصحاب السنن من رواية الزهرى عن نبهان مولى أم سلمة عنها وإسناده قوى؛ وأكثر ما عُلل به انفراد الزهرى بالرواية عن نبهان وليست بعلة قادحة، فإن من يعرفه الزهرى ويصفه بأنه مكاتب أم سلمة ولم يجرحه أحد لا ترد روايته.
وقال فى تلخيص الحبير: وليس في إسناده سوى نبهان مولى أم سلمة شيخ الزهري، وقد وُثق.
مع العلم بأن الإمام ابن حجر يرجح جواز النظر.
وقال العينى: وهو حديث صحَّحه الأئمة بإسناد قوى.
ومِمَّن صحَّحه: التركمانى في الجوهر النقى، والشوكانى في نيل الأوطار.
قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن السعد: إسناده صالح.
وقد ثبت عن عائشة (أنها احتجبت من أعمى فقيل لها إنه لا ينظر إليكِ قالت: لكنى أنظر إليه) رواه ابن سعد فى الطبقات، وصحَّحه ابن عبد البر، وقد أخرجه الإمام مالك في إحدى موطآته كما عزاه الحافظ إليه فى التلخيص الحبير.
د-أن النساء أحد نوعى الآدميين فحرم عليهن النظر إلى النوع الآخر قياساً على الرجال ويحققه أن المعنى المحرم للنظر هو خوف الفتنة وهذا فى المرأة أبلغ فإنها أشد شهوة وأقل عقلا فتسارع إليها الفتنة أكثر من الرجل.
القول الثاني: أنه يجوز النظر بغير شهوة فيما عدا ما بين سرته وركبته وأما بشهوة فحرام.
وبه قال جمهور الحنفية ورواية عن الشافعى وأحمد، ولكنهم جعلوا جواز النظر إلى الرجال مشروط بما لم يكن بشهوة مع أمن الفتنة.
أ- واستدلوا بحديث الباب.
والجواب عن هذا الحديث:
ثبت فى بعض طرق الحديث أن الذين كانوا يلعبون بالحراب إنما هم صبيان وليسوا رجالاً.
فعن عائشة (كَانَ رَسُولُ الله ﷺ جَالِساً فَسَمِعْنَا لَغَطاً وَصَوْتَ صِبْيَانٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ فَإِذَا حَبَشِيَّةٌ تَزْفِنُ وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهَا، فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ تعالى فَانْظُرِى … ) الحديث، رواه الترمذى وغيره وصححه الألبانى فى غير ما موضع. فليُتدبَّر.
والصَّبِيُّ: الصغير دون الغلام، وقيل الصَّبِيَّ: من حين يولد إلى أن يشب، انظر المعجم الوسيط.
стр. 517
قال النووى: وفيه جواز نظر النساء إلى لعب الرجال من غير نظر إلى نفس البدن، وأما نظر المرأة إلى وجه الرجل الأجنبى فإن كان بشهوة فحرام بالاتفاق، وإن كان بغير شهوة ولا مخافة فتنة ففي جوازه وجهان لأصحابنا: أصحهما تحريمه.
وقال ﵀: ليس فيه أنها نظرت إلى وجوههم وأبدانهم، وإنما نظرت لعبهم وحرابهم، ولا يلزم من ذلك تعمد النظر إلى البدن وإن وقع النظر بلا قصد صرفته في الحال.
ب-حديث فاطمة بنت قيس (أنه ﷺ أمرها أن تعتد فى بيت ابن أم مكتوم وقال: إنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده) متفق عليه
قال الإمام النووي: وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الصَّحَابَة ﵃ كَانُوا يَزُورُونَ أُمّ شَرِيك وَيُكْثِرُونَ التَّرَدُّد إِلَيْهَا لِصَلَاحِهَا فَرَأَى النَّبِيّ ﷺ أَنَّ عَلَى فَاطِمَة مِنْ الِاعْتِدَاد عِنْدهَا حَرَجًا، مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَلْزَمهَا التَّحَفُّز مِنْ نَظَرهمْ إِلَيْهَا وَنَظَرهَا إِلَيْهِمْ وَانْكِشَاف شَيْء مِنْهَا، وَفِي التَّحَفُّظ مِنْ هَذَا مَعَ كَثْرَة دُخُولهمْ وَتَرَدُّدهمْ مَشَقَّة ظَاهِرَة، فَأَمَرَهَا بِالِاعْتِدَادِ عِنْد اِبْن أُمّ مَكْتُوم لِأَنَّهُ لَا يُبْصِرهَا وَلَا يَتَرَدَّد إِلَى بَيْته مَنْ يَتَرَدَّد إِلَى بَيْت أُمّ شَرِيك.
ثم قال ﵀: وَأَمَّا حَدِيث فَاطِمَة بِنْت قَيْس مَعَ اِبْن أُمّ مَكْتُوم، فَلَيْسَ فِيهِ إِذْن لَهَا فِي النَّظَر إِلَيْهِ بَلْ فِيهِ أَنَّهَا تَأْمَن عِنْده مِنْ نَظَر غَيْرهَا وَهِيَ مَأْمُورَة بِغَضِّ بَصَرهَا فَيُمْكِنهَا الِاحْتِرَاز عَنْ النَّظَر بِلَا مَشَقَّة بِخِلَافِ مُكْثهَا فِي بَيْت أُمّ شَرِيك.
وقال الشوكاني: إنه يمكن ذلك مع غض البصر منها ولا ملازمة بين الإجتماع فى البيت والنظر.
فتوى:
- قال العلامة الألبانى إجابة على سؤال وُجه إليه يقول صاحبه: ما الرد على من يدعى إباحة نظر الرجل إلى المرأة فى التلفاز أو المجلة مستدلاً بأن عائشة كانت تنظر إلى رجال الحبشة وهم يلعبون؟
فقال ﵀: نظر السيدة عائشة ﵂ إلى الحبشة فأمرٌ مسموح به لها ولغيرها، لأنها منصرفة إلى النظر إلى اللعب، وليس إلى الأشخاص، كأن تنظر المرأة إلى معركة قتال لا يخطر فى بال المرأة عندئذٍ ما قد يوسوس الشيطان إليها أن تحلق ببصرها إلى الرجل. فهنا سمح بالنظر لأن الفتنة مأمونة.
وحينئذٍ لا يصطدم هذا الحديث مع النص القرآني فى قوله تعالى: "قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ"، وقوله تعالى: " وَقُلْ لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ".
стр. 518
فالنظر هنا إلى القصد، فإذا كان النظر بقصد شيء فهو المقصود فى الآية، أما إن كان النظر بقصد حسن فلا يدخل فى النهي فى الآيتين السابقتين، وقد قال ﷺ لعلى بن أبى طالب ﵁: "يا على لا تتبع النظرة النظرة، فإن النظرة الأولي لك، والثانية عليك" أي إن من أعاد النظر لشخص المرأة لذاتها فذلك من الشيطان.
وجاء فى حديث الخثعمية فى صحيح البخاري لما وقفت تسأل النبى ﷺ عن أبيها، وقد أدركته فريضة الحج، وهو شيخ كبير لا يثبت على الرَحْل، قالت: أفأحج عنه؟ قال لها: "حجي عنه"، وكان رديف النبى ﷺ الفضل بن العباس، فكان ينظر إليها وتنظر إليه، فكان الرسول ﷺ يصرف بصر الفضل إلى الجانب الآخر، كي لا يدخل الشيطان بينهما.
لذلك لا يجوز للمرأة أن تكرر النظر إلى الرجل، كما أنه لا يجوز للرجل أن يكرر النظر إلى المرأة؛ إلا فى حالة واحدة وهي حالة الخطبة. نقلاً من كتاب "فتاوى المرأة المسلمة ص ٥١٦، ٥١٥".
• وقد سُئل فضيلة الشيخ أبو إسحاق الحويني: ما حكم نظر المرأة للرجال بدون شهوة؟
فأجاب: أما نظر المرأة للرجال فمحرم بالنص فإذا كان لا بد أن تستفيد المرأة فلتعطى ظهرها للصورة ولتستفيد، أما النظر العام الذي لا يختص لرجل معين فهذا جائز لحديث عائشة فى الصحيحين أنها كانت تنظر إلى الحبشة وهم يلعبون فى المسجد، وأما غير ذلك فلا يجوز بثبوت النص بذلك كما فى سورة النور
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- جواز النظر إلى اللهو المباح.
- حسن خلق النبي ﷺ مع أهله وكرم معاشرته.
- فضل عائشة وعظيم محلها عنده.
стр. 519
٢٥٨ - وَعَنْهَا: (أَنَّ وَلِيدَةً سَوْدَاءَ كَانَ لَهَا خِبَاءٌ فِي اَلْمَسْجِدِ، فَكَانَتْ تَأْتِينِي، فَتَحَدَّثُ عِنْدِي … ) اَلْحَدِيثَ. مُتَّفِقٌ عَلَيْه.
===
• الحديث له قصة اذكرها؟
عَنْ عَائِشَةَ (أَنَّ وَلِيدَةً كَانَتْ سَوْدَاءَ لِحَىٍّ مِنَ الْعَرَبِ، فَأَعْتَقُوهَا، فَكَانَتْ مَعَهُمْ قَالَتْ فَخَرَجَتْ صَبِيَّةٌ لَهُمْ عَلَيْهَا وِشَاحٌ أَحْمَرُ مِنْ سُيُورٍ قَالَتْ فَوَضَعَتْهُ أَوْ وَقَعَ مِنْهَا، فَمَرَّتْ بِهِ حُدَيَّاةٌ وَهْوَ مُلْقًى، فَحَسِبَتْهُ لَحْماً فَخَطَفَتْهُ قَالَتْ فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ قَالَتْ فَاتَّهَمُونِى بِهِ قَالَتْ فَطَفِقُوا يُفَتِّشُونَ حَتَّى فَتَّشُوا قُبُلَهَا قَالَتْ وَاللَّهِ إِنِّى لَقَائِمَةٌ مَعَهُمْ، إِذْ مَرَّتِ الْحُدَيَّاةُ فَأَلْقَتْهُ قَالَتْ فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ قَالَتْ فَقُلْتُ هَذَا الَّذِى اتَّهَمْتُمُونِى بِهِ - زَعَمْتُمْ - وَأَنَا مِنْهُ بَرِيئَةٌ، وَهُوَ ذَا هُوَ قَالَتْ فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمَتْ. قَالَتْ عَائِشَةُ فَكَانَ لَهَا خِبَاءٌ فِى الْمَسْجِدِ أَوْ حِفْشٌ قَالَتْ فَكَانَتْ تَأْتِينِى فَتَحَدَّثُ عِنْدِى قَالَتْ فَلَا تَجْلِسُ عِنْدِى مَجْلِساً إِلاَّ قَالَتْ وَيَوْمَ الْوِشَاحِ مِنْ أَعَاجِيبِ رَبِّنَا أَلَا إِنَّهُ مِنْ بَلْدَةِ الْكُفْرِ أَنْجَانِى قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ لَهَا مَا شَأْنُكِ لَا تَقْعُدِينَ مَعِى مَقْعَداً إِلاَّ قُلْتِ هَذَا قَالَتْ فَحَدَّثَتْنِى بِهَذَا الْحَدِيث) رواه البخاري.
(وليدة) أي أمة. (خباء) الخيمة.
• ما حكم النوم في المسجد؟
اختلف العلماء في حكم هذه المسألة:
القول الأول: جواز النوم في المسجد.
وهذا مذهب الجمهور. واستدلوا:
أ-بحديث الباب.
ب-ولحديث أنس ﵁ قال: (قدم رهط من عكل على النبي ﷺ فكانوا في الصفة) وقال عبد الرحمن بن أبي بكر: كان أصحاب الصفة الفقراء. رواه البخاري
ج-وعن ابن عمر: (أنه كان ينام وهو شاب أعزب لا أهل له في مسجد النبي ﷺ . رواه البخاري
стр. 520
د-ولحديث سهل بن سعد قال: (جاء رسول الله ﷺ بيت فاطمة فلم يجد علياً في البيت، فقال: أين ابن عمك؟ .... الحديث وفيه: فجاء رسول الله ﷺ وهو مضطجع في المسجد قد سقط رداؤه عن شقه وأصابه تراب … ). رواه البخاري
القول الثاني: يكره.
وهو مروي عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وسعيد بن جبير وإسحاق.
لقوله ﷺ : (إن المساجد لم تبنَ لهذا).
والراجح القول الأول.
لكن ينهى أن يتخذ المسجد مسكناً، لأن المساجد لم تبنَ لهذا.
- وقد ذكر شيخ الإسلام ﵁ في الفتاوى المصرية، إنما يرخص في النوم في المساجد لذوي الحاجة مثل ما كان أهل الصفة، كان الرجل يأتي مهاجرا إلى المدينة ليس له مكان يأوي إليه فيقيم بالصفة إلى أن يتيسر له أهل أو مكان يأوي إليه ثم ينتقل، ومثل المسكينة التي كانت تأوي إلى المسجد وكانت تقمه، ومثل ما كان ابن عمر ﵁ يبيت في المسجد وهو عزب; لأنه لم يكن له بيت يأوي إليه حتى تزوج، ومن هذا الباب أن علي بن أبي طالب ﵁ لما تقاول هو وسيدتنا فاطمة ﵂ ذهب إلى المسجد فنام فيه.
قال: فيجب الفرق بين الأمر اليسير وذوي الحاجات، وبين ما يصير عادة ويكثر وما يكون لغير ذوي الحاجات ولهذا قال ابن عباس ﵄: لا يتخذ المسجد مبيتا ومقيلا.
وقال في موضع آخر وقد سئل عن المبيت في المسجد: إن كان المبيت لحاجة كالغريب الذي لا أهل له والقريب الفقير الذي لا بيت له ونحو ذلك إذا كان يبيت فيه بمقدار الحاجة ثم ينتقل فلا بأس، وأما من اتخذه مبيتاً ومقيلاً فينهى عن ذلك. (نقلاً من غذاب الألباب).
وقال الحافظ ابن حجر في حديث الوليدة: وفيه إباحة المبيت والمقيل في المسجد لمن لا مسكن له من المسلمين رجلاً كان أو امرأة عند أمن الفتنة.
• اذكر بعض الأحاديث في النوم في المسجد؟
- الاستلقاء في المسجد، فهذا جائز.
لحديث عبادة بن تميم عن عمه: (أنه رأى رسول الله ﷺ مستلقياً في المسجد واضعاً إحدى رجليه على الأخرى). متفق عليه
- النوم إذا كان معتكفاً، فهذا جائز.
لأنه ليس له إلا النوم في المسجد، لفعل النبي ﷺ وأصحابه حيث كانوا عاكفين في المسجد، ولو لم يرقد المعتكف في المسجد لبطل اعتكافه.
стр. 521
• استدل بهذا الحديث بعض العلماء على جواز لبث الحائض في المسجد؟ اذكر الخلاف؟
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: تحريم مكثها في المسجد.
وهذا قول جماهير العلماء.
لحديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : (إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب). رواه أبو داود
ولأن النبي ﷺ أمر النساء بالخروج لصلاة العيد، وأمر الحيض أن يعتزلن المصلى.
ولحديث عائشة أن رسول الله ﷺ قال لها: (ناوليني الخمْرة من المسجد، فقلت: إني حائض. فقال ﷺ : إن حيضتك ليست في يدك). رواه مسلم
فقولها (إني حائض) هذا دليل على أنه كان معروفاً أن الحائض لا تمكث في المسجد.
القول الثاني: يجوز لها ذلك.
لحديث الباب.
فهذه المرأة ساكنة في المسجد، ومن المعلوم أن المرأة لا تخلو من الحيض كل شهر، فلم يمنعها النبي ﷺ ولم ينهها.
والراجح الأول، وأما قصة هذه المرأة فهي قضية عين لا عموم لها، ويحتمل أن هذه السوداء كانت عجوزاً قد يئست من الحيض. (وقد تقدمت المسألة في كتاب الحيض).
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- جواز الخروج من البلد الذي حصل له فيه محنة.
- فضل الهجرة من دار الكفر.
- إجابة دعوة المظلوم ولو كان كافراً، لأن في السياق أن إسلامها كان بعد قدومها من المدينة.
- في الحديث (اتق دعوة المظلوم ولو كان كافراً) رواه أحمد.
стр. 522
٢٥٩ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اَلْبُزَاقُ فِي اَلْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
• ما حكم البصاق في المسجد؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: التحريم مطلقاً.
ورجحه النووي.
لقوله ﷺ (البصاق في المسجد خطيئة).
القول الثاني: يجوز إذا أراد دفنها.
وهو قول القاضي، والقرطبي، وجماعة.
ويستدل لهم بما رواه أحمد بإسناد حسن من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعاً (من تنخم في المسجد فليغيب نخامته أن يصيب جلد مؤمن أو ثوبه فتؤذيه).
وأوضح منه في المقصود ما رواه أحمد أيضاً بإسناد حسن من حديث أبي أمامة مرفوعاً (من تنخم في المسجد فلم يدفنه فسيئة، وإن دفنه فحسنة). فلم يجعله سيئة إلا بقصد عدم الدفن.
وعند مسلم (وجدت في مساوئ أعمال أمتي النخامة تكون في المسجد لا تدفن).
قال القرطبي: فلم يثبت لها حكم السيئة لمجرد إيقاعها في المسجد، بل به وبتركها غير مدفونة فيه.
وعلة النهي ترشد إلى ذلك، وهي تأذي المؤمن بها.
قال ابن حجر: ومما يدل على أن عمومه مخصوص جواز ذلك في الثوب ولو كان في المسجد بلا خلاف
القول الثالث: التوسط بين القولين، فيحمل الجواز على إذا ما كان له عذر، كأن لم يتمكن من الخروج من المسجد والمنع على ما إذا كان ليس له عذر.
قال ابن حجر: وهو تفصيل حسن.
• قوله ﷺ (وكفارتها دفنها) متى هذا؟
هذا إذا كان المسجد قد فرش بالحصباء أو الرمل، أما ما كان مفروشاً بالفرش القطنية أو الصوفية - كما في وقتنا الحاضر - فكفارتها فركها حتى تزول.
• هل يدل الحديث على أن البزاق طاهر؟
نعم، لأن النبي ﷺ قال (كفارتها دفنها) ولم يقل: يصب الماء عليها، كما قال في بول الأعرابي (أريقوا عليه سجلاً من ماء).
стр. 523
٢٦٠ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا تَقُومُ اَلسَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى اَلنَّاسُ فِي اَلْمَسَاجِدِ - أَخْرَجَهُ اَلْخَمْسَةُ إِلَّا اَلتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَة.
٢٦١ - وَعَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ اَلْمَسَاجِدِ - أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ.
===
(الساعة) أي ساعة البعث، وسميت بذلك لسرعة مجيئها، أو لأنها تفجأ الناس في ساعة فيموت الخلق كلهم بصيحة واحدة.
(يتباهى) يتفاخرون.
(بِتَشْيِيدِ اَلْمَسَاجِدِ) المراد بذلك رفع البناء وتطويله
• على ماذا تدل أحاديث الباب؟
تدل هذه الأحاديث على النهي عن زخرفة المساجد والتباهي بذلك.
قال البخاري: وأمر عمر ببناء المساجد، وقال: أكن الناس من المطر وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس
وقال أنس (يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلاً).
وقال ابن عباس (لتزخرفنها كما زخرفتها اليهود والنصارى).
• ما حكم زخرفة المساجد؟
زخرفة المساجد بدعة لأمور:
أولاً: نهي النبي ﷺ عن ذلك.
كما في أحاديث الباب.
ثانياً: أنه بدعة.
فلم يكن على عهد الرسول ﷺ ولا على عهد الصحابة.
وقد قال ﷺ (كل بدعة ضلالة).
ثالثاً: أنه إسراف وتبذير للمال، وهذا أمر محرم.
قال تعالى (وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ).
(وقد نهى النبي ﷺ عن إضاعة المال). متفق عليه
رابعاً: أن ذلك تشبه باليهود.
ونحن منهيون عن التشبه بالكفار.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديثين؟
- أن زخرفة المساجد من علامات الساعة.
- علم من أعلام النبوة، فقد وقع ما أخبر به النبي ﷺ .
- إثبات البعث والساعة.
- أن نظافة المسجد وحسن بنيانه لا يعد من الزخرفة.
стр. 524
٢٦٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي، حَتَّى اَلْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا اَلرَّجُلُ مِنْ اَلْمَسْجِدِ - رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ ..
===
(القذاة) بزنة حصاة، وهي مستعملة في كل شيء يقع في العبث وغيره إذا كان يسيراً.
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث ضعيف ولا يصح، لأنه من رواية المطلب بن عبد الله، وهو لم يسمع من أنس، وفيه ابن جريج وهو مدلس.
-الحديث فيه زيادة (وعرضت عليّ ذنوب أمتي فلم أرى ذنباً أعظم من آية من كتاب الله أو سورة حفظها ثم نسيها).
• على ماذا يدل الحديث؟
الحديث يدل على فضل إخراج القذى من المسجد وأنه مأجور عليه وإن قلّ أو حقر.
لكن الحديث ضعيف، ولم يرد حديث في فضل تنظيف المسجد خاصة.
لكن تنظيف المسجد وكنسه أجره كبير.
• اذكر بعض الأحاديث التي تدل على أن الإنسان لا ينبغي أن يستحقر العمل القليل؟
حديث الباب، وهو ضعيف كما سبق.
قوله ﷺ (لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق) رواه مسلم.
وقال ﷺ (رأيت رجلاً يتقلبُ في الجنة في شجرةٍ قطَعَها من ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين) رواه مسلم.
وقال ﷺ (بينما كلبُ يُطيف بركيّة قد كاد يقتله العطش، إذ رأته بغيٌ من بغايا بني إسرائيل، فنزعت موقها فاستقتْ له به فسقته فغُفِر لها به) رواه البخاري.
[الموق] الخف [يُطيف] يدور [رَكيّة] البئر.
لأن الإنسان لايدري أي أعماله أخلص، فالعبرة بالإخلاص وما يقع في القلب من صحة القصد وسلامة النية.
• هل ورد حديث في ذم من حفظ القرآن ثم نسيه؟
نعم، ورد حديثان:
حديث الباب، وهو لا يصح.
وحديث ( … فهو أجذم … ) عند أبي داود ولا يصح.
ولا يصح في ذنب من نسي شيئاً من القرآن حديث.
стр. 525
٢٦٣ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ اَلْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ) مُتَّفَقٌ عليه.
===
• الحديث له قصة في أولها، اذكرها؟
القصة ذكرها مسلم عن أبي قتادة قال: (دخلت المسجد ورسول الله ﷺ جالس بين ظهراني الناس قال: فجلست فقال رسول الله ﷺ : ما منعك أن تركع ركعتين قبل أن تجلس، قال: فقلت: يا رسول الله، رأيتك جالساً والناس جلوس … فذكره … ).
• ما حكم تحية المسجد؟
تحية المسجد مشروعة، لكن اختلف العلماء هل هي واجبة أم لا على قولين:
القول الأول: أنها واجبة.
ونسب لداود الظاهري، ورجحه الشوكاني والألباني.
أ-لحديث الباب، وجاء في رواية: (فليركع) وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب.
ب-عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ (جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِىُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ فَجَلَسَ فَقَالَ لَهُ «يَا سُلَيْكُ قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا - ثُمَّ قَالَ - إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا) رواه مسلم.
القول الثاني: أنها سنة غير واجبة.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
بل قال النووي: وعليه إجماع المسلمين، والصارف عن الوجوب.
قال النووي ﵀: أجمع العلماء على استحباب تحية المسجد، ويكره أن يجلس من غير تحية بلا عذر؛ لحديث أبي قتادة المصرح بالنهي … " انتهى من "المجموع" (٣/ ٥٤٤).
وقال الحافظ ابن حجر ﵀: وَاتَّفَقَ أَئِمَّة الْفَتْوَى عَلَى أَنَّ الْأَمْر فِي ذَلِكَ لِلنَّدْبِ، وَنَقَلَ اِبْن بَطَّالٍ عَنْ أَهْل الظَّاهِر الْوُجُوب، وَاَلَّذِي صَرَّحَ بِهِ اِبْن حَزْم عَدَمه.
أ-حديث الأعرابي لما أخبره النبي ﷺ بأن عليه خمس صلوات، فقال: هل عليّ غيرها؟ قال: (لا إلا أن تطوع).
ب-حديث عبد الله بن بسر: أن رجلاً دخل المسجد والنبي ﷺ يعظ الناس فقال: (اجلس فقد آذيت وآنيت) رواه أبو داود.
ج-حديث ابن عباس في بعث معاذ إلى اليمن، وهو في الصحيحين.
د-وبقصة الثلاثة الذين جاؤوا والنبي ﷺ في حلقة جالس مع أصحابه، فإن أحدهم جلس في الحلقة، وأما الثاني فجلس خلفهم … ) متفق عليه.
وهذا القول هو الصحيح.
стр. 526
• ماذا نستفيد من قوله (فلا يجلس)؟
الحديث نص على الجلوس، فهو يشمل من دخل المسجد بنية الجلوس فيه، ومن باب أولى من دخل المسجد للنوم.
وأيضاً: ظاهره لا يتناول من لم يرد الجلوس، كمن دخل ماراً بالمسجد، أو دخل ليعمل عملاً وهو واقف
• ما المراد بالمسجد في قوله (إذا دخل أحدكم .. )؟
عام يشمل جميع المساجد حتى المسجد الحرام.
لكن يستثنى المسجد الحرام في حالة واحدة: فإن تحيته الطواف لمن أراد أن يطوف، أما إذا دخل المسجد الحرام للصلاة أو لغرض آخر غير الطواف، فإن له تحية المسجد كغيره من المساجد.
(أما حديث: تحية البيت الطواف، فإنه لا يصح).
قال الألباني: تحية المسجد الحرام هي ركعتان كغيره من المساجد لعموم الأدلة الآمرة بالتحية دون تخصيص مسجد عن آخر، فمن دخل المسجد الحرام وأراد القعود لانتظار الصلاة أو لحضور درس أو لقراءة القران فإنه يصلي ركعتي المسجد، أما من دخل المسجد الحرام يريد الطواف فإنه يطوف ويجزئ الطواف عن التحية لتضمنه الركعتين، وأما القول بأن تحية المسجد الحرام الطواف لكل داخل ففيه نظر:
أولاً: لضعف الحديث الوارد وهو (من أتى البيت فليحييه بالطواف (ضعفه ابن حجر.
ثانيا: لما فيه من حرج عظيم على المسلمين لاسيما إذا تكرر دخول المسجد وخصوصًا أيام المواسم كرمضان والحج.
وقال الشيخ ابن عثيمين: اشتهر عند كثير من الناس أن تحية المسجد الحرام الطواف، وليس كذلك، ولكن تحية الطواف لمن أراد أن يطوف، فإذا دخلت المسجد الحرام تريد الطواف فإن طوافك يغني عن تحية المسجد، لكن إذا دخلت المسجد الحرام بنية انتظار الصلاة، أو حضور مجلس العلم، أو ما أشبه ذلك فإن تحيته أن تصلي ركعتين كغيره من المساجد لقول النبي ﷺ (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) وهذا يشمل المسجد الحرام، وأما إذا دخلت للطواف فإن الطواف يغني عن التحية؛ لأن النبي ﷺ دخل المسجد الحرام للطواف فلم يصل التحية.
• لو دخل الإنسان المسجد في وقت النهي، هل يصلي هذه التحية أم لا؟
ظاهر الحديث أنك تصلي ركعتين حتى ولو في وقت نهي، وهذه مسألة خلافية، وقد سبق أن الصلوات ذات السبب تفعل في وقت النهي.
стр. 527
• ما حكم تحية المسجد إذا تكرر دخوله؟
قيل: تستحب لكل مرة إذا تكرر دخوله.
قال النووي: وهو الأقوى والأقرب لظاهر الحديث.
وقيل: لا تكرر إذا عاد للمسجد من قرب.
قال الشيخ ابن عثيمين: … أما الذي يخرج من المسجد ويعود عن قرب فلا يصلي تحية المسجد؛ لأنه لم يخرج خروجاً منقطعاً، ولهذا لم ينقل عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا خرج لبيته لحاجة وهو معتكف ثم عاد أنه كان يصلي ركعتين، وأيضاً فإن هذا الخروج لا يعد خروجاً، بدليل أنه لا يقطع اعتكاف المعتكف، ولو كان خروجه يعتبر مفارقة للمسجد لقطع الاعتكاف به، ولهذا لو خرج شخص من المسجد على نية أنه لن يرجع إلا في وقت الفرض التالي، وبعد أن خطا خطوة رجع إلى المسجد ليتحدث مع شخص آخر ولو بعد نصف دقيقة فهذا يصلي ركعتين؛ لأنه خرج بنية الخروج المنقطع.
• ما الحكم إذا جلس ولم يصل تحية المسجد وطال جلوسه؟
قال الشيخ ابن عثيمين: … وكذلك تحية المسجد إذا جلس الإنسان وطال الجلوس فإنه لا يقضيها لأنها فاتت عن وقتها.
• ما الحكم لو دخل المسجد ووجدهم يصلون صلاة الجنازة، فصلى معهم فهل تجزاؤ عن تحية المسجد؟
قال الشيخ ابن عثيمين: لا يجلس حتى يصلي ركعتين؛ لأن صلاة الجنازة ليست من جنس صلاة الركعتين، فلا تجزئه عن تحية المسجد .... مجموع فتاوى ابن عثيمين" (١٧/ ١٥٦).
• ما حكم من دخل المسجد بعد العشاء وصلى الوتر ركعة، فهل تجزاء عن تحية المسجد أم لا؟
الذي عليه جمهور الفقهاء أن التحية لا تسقط بفعل ركعة واحدة.
لأن الحديث نص على ركعتين (فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) فمفموهه عدم إجزاء الواحدة.
стр. 528
باب صفة الصلاة
٢٦٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ (إِذَا قُمْتُ إِلَى اَلصَّلَاةِ فَأَسْبِغِ اَلْوُضُوءَ، ثُمَّ اِسْتَقْبِلِ اَلْقِبْلَةَ، فَكَبِّرْ، ثُمَّ اِقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ اَلْقُرْآنِ، ثُمَّ اِرْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ اِرْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ اِرْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ اِرْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ اِفْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا) أَخْرَجَهُ اَلسَّبْعَةُ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
وَلِابْنِ مَاجَهْ بِإِسْنَادِ مُسْلِمٍ: - حَتَّى تَطْمَئِنَّ قَائِمًا -
٢٦٥ - وَمِثْلُهُ فِي حَدِيثِ رِفَاعَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَابْنِ حِبَّانَ.
وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ: - فَأَقِمْ صُلْبَكَ حَتَّى تَرْجِعَ اَلْعِظَامُ -
وَلِلنَّسَائِيِّ، وَأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ: - إِنَّهَا لَنْ تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبِغَ اَلْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اَللَّهُ، ثُمَّ يُكَبِّرَ اَللَّهَ، وَيَحْمَدَهُ، وَيُثْنِيَ عَلَيْهِ -
وَفِيهَا - فَإِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأْ وَإِلَّا فَاحْمَدِ اَللَّهَ، وَكَبِّرْهُ، وهلِّلْهُ -
وَلِأَبِي دَاوُدَ: - ثُمَّ اِقْرَأْ بِأُمِّ اَلْقُرْآنِ وَبِمَا شَاءَ اَللَّهُ -
وَلِابْنِ حِبَّانَ: - ثُمَّ بِمَا شِئْت -؟
===
(فَأَسْبِغِ اَلْوُضُوءَ) المراد إكماله وإتمامه.
(ثُمَّ اِرْفَعْ) أي: رأسك من الركوع.
(حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا) وفي رواية عند ابن ماجه (حتى تطمئن قائماً) أخرجه ابن أبي شيبة، قال الحافظ: فثبت ذكر الطمأنينة في الاعتدال على شرط الشيخين، ومثله في حديث رفاعة عند أحمد وابن حبان، وفي لفظ أحمد (فأقم صلبك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها).
• الحديث في أوله قصة، اذكرها؟
عن أبي هريرة: (أن رسول الله ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل فصلى، فسلم على النبي ﷺ فردّ، وقال: ارجع فصلّ، فإنك لم تصلّ، فرجع يصلي كما صلى، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ ، فقال: ارجع فصلّ فإنك لم تصلّ، ثلاثاً، فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره، فعلمني؟ فقال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، … ).
(دخل رجل) هو خلاد بن رافع كما عند ابن أبي شيبة. (فصلى) زاد النسائي: ركعتين، وفيه إشعار بأنه صلى نفلاً، قال الحافظ: والأقرب أنها تحية المسجد، (فسلم على النبي ﷺ فردّ عليه) وفي رواية للبخاري ومسلم فقال: وعليك السلام (ارجع فصلّ) وفي رواية: أعد صلاتك (فإنك لم تصل) أي: لأنك لم تصل، أي: لم تصح صلاتك (فرجع يصلي كما صلى) أي: مثل صلاته الأولى بلا طمأنينة ولا اعتدال.
• لماذا النبي ﷺ لم يعلمه أولاً؟
قال النووي: وإنما لم يعلمه أولاً ليكون أبلغ في تعريفه، وتعريف غيره بصفة الصلاة المجزئة.
وقال ابن الجوزي: يحتمل أن يكون ترديده لتفخيم الأمر، وتعظيمه عليه، ورأى الوقت لم يفته.
• ما حكم الوضوء للصلاة؟
شرط لصحة الصلاة.
لقوله في هذا الحديث (إِذَا قُمْتُ إِلَى اَلصَّلَاةِ فَأَسْبِغِ اَلْوُضُوءَ) وأن المكلف مأمور بإسباغه.
ومما يدل على شرطية الوضوء.
أ-حديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يتوضأ) متفق عليه.
ب-وعن ابن عمر. قال: قال ﷺ (لا يقبل الله صلاة بغير طهور) رواه مسلم.
ج-وعن علي. قال: قال ﷺ (مفتاح الصلاة الطهور) رواه أبو داود.
стр. 529
• ما حكم تكبيرة الإحرام؟
ركن من أركان الصلاة.
أ- لقوله ( … فَكَبِّرْ … ).
ب- ولقوله ﷺ (وتحريمها التكبير) رواه أبو داود.
قال النووي ﵀: فتكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة لا تصح إلا بها. هذا مذهبنا ومذهب مالك وأحمد وجمهور السلف والخلف، وحكى ابن المنذر وأصحابنا عن الزهري أنه قال: تنعقد الصلاة بمجرد النية بلا تكبير. قال ابن المنذر: ولم يقل به غير الزهري.
ثم قال: قد ذكرنا أن تكبيرة الإحرام لا تصح الصلاة إلا بها، فلو تركها الإمام أو المأموم سهوا أو عمدا لم تنعقد صلاته، ولا تجزئ عنها تكبيرة الركوع ولا غيرها، هذا مذهبنا وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد وداود والجمهور. (المجموع).
• هل يجزئ للمصلي أن يكبر بغير لفظ: الله أكبر؟
اختلف العلماء هل يجزئ أن يكبر بغير لفظ الله أكبر على قولين:
القول الأول: لا بد من لفظ الله أكبر.
وهذا مذهب الجمهور.
قال ابن قدامة: ولنا أن النبي ﷺ قال: تحريمها التكبير.
وقال للمسيء في صلاته: إذا قمت إلى الصلاة فكبر.
وفي حديث رفاعة: أن النبي ﷺ قال: لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الوضوء مواضعه ثم يستقبل القبلة فيقول: الله أكبر.
وكان النبي ﷺ يفتتح الصلاة بقوله: الله أكبر.
ولم ينقل عنه عدول عن ذلك حتى فارق الدنيا، وهذا يدل على أنه لا يجوز العدول عنه.
القول الثاني: أنها تنعقد بكل اسم لله تعالى على وجه التعظيم.
وهذا مذهب أبي حنيفة.
لأنه ذكر لله تعالى على وجه التعظيم أشبه قوله الله أكبر.
وقول الجمهور أصح.
• هل ورد فل فيمن أدرك تكبيرة الإحرام مع الإمام؟
قد ورد في فضل ذلك جملة من النصوص والآثار.
ومن ذلك: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ صَلَّى لِلَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الْأُولَى، كُتِبَتْ لَهُ بَرَاءَتَانِ: بَرَاءَةٌ مِنْ النَّارِ، وَبَرَاءَةٌ مِنْ النِّفَاقِ) رواه الترمذي.
стр. 530
وهذا الحديث يروى موقوفا على أنس بن مالك ﵁، ومرفوعا إلى النبي ﷺ ، وقد رجح الترمذي والدارقطني وقفه، واختار الشيخ الألباني تحسينه مرفوعاً.
وسواء صح مرفوعاً أو موقوفاً فله حكم الرفع؛ لأن مثل هذا الحكم لا يقوله أنس ﵁ اجتهاداً من عند نفسه، فالظاهر أنه علم ذلك من النبي ﷺ .
وقد ورد في فضل إدراك تكبيرة الإحرام أحاديث أخرى مرفوعة ولكنها لا تخلو من ضعف.
ينظر: "مجمع الزوائد" (٢/ ١٢٣)، "التلخيص الحبير" (٢/ ٢٧).
وأما الآثار عن السلف في الحرص على إدراك تكبيرة الإحرام فكثيرة جداً، ومنها:
عن مجاهد قال: سمعت رجلا من أصحاب النبي ﷺ لا أعلمه إلا ممن شهد بدراً- قال لابنه: أدركت الصلاة معنا؟ قال: نعم، قال: أدركت التكبيرة الأولى؟ قال: لا. قال: لَمَا فاتك منها خير من مئة ناقة كلها سود العين. (مصنف عبد الرزاق)
وقال سعيد بن المسيب: ما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين سنة. (حلية الأولياء).
وقال وكيع: كان الأعمش قريبا من سبعين سنة، لم تفته التكبيرة الأولى، واختلفت إليه قريباً من سنتين، فما رأيته يقضي ركعة. (مسند ابن الجعد).
وعن إبراهيم قال: إذا رأيت الرجل يتهاون في التكبيرة الأولى فاغسل يدك منه [يعني: لا خير فيه]. (حلية الأولياء).
وقال يحيى بن معين: سمعت وكيعاً، يقول: (من لم يدرك التكبيرة الأولى فلا ترج خيره). (شعب الإيمان).
قال ابن حجر: وَالْمَنْقُولُ عَنْ السَّلَفِ فِي فَضْلِ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى آثَارٌ كَثِيرَةٌ ". (التلخيص الحبير).
فينبغي الحرص على إدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام .... (الإسلام سؤال وجواب).
• بماذا يدرك المأموم فضل تكبيرة الإحرام؟
للعلماء في ذلك عدة أقوال:
الأول: أن المأموم يدرك فضلها بحضوره تكبيرة إحرام إمامه، وتكبيره بعده دون تأخير.
الثاني: أنه يدركها ما لم يشرع الإمام في الفاتحة.
الثالث: يدركها إذا أدرك الإمام قبل أن ينتهي من قراءة الفاتحة، وهو قول وكيع حيث سئل عن حد التكبيرة الأولى، فقال: ما لم يختم الإمام بفاتحة الكتاب. (طبقات المحدثين" للأصبهاني) (٣/ ٢١٩).
الرابع: أنها تُدرك بإدراك القيام مع الإمام لأنه محل تكبيرة الإحرام.
الخامس: أنها تحصل بإدراك الركوع الأول مع الإمام، وهو مذهب الحنفية.
ينظر: "رد المحتار" (٤/ ١٣١)، " الفتاوى الهندية " (٣/ ١١)، " المجموع " (٤/ ٢٠٦).
следующие страницы →