Полный текст (3 038 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
٣٣١ - وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ، فَقَامَ فِي اَلرَّكْعَتَيْنِ، فَاسْتَتَمَّ قَائِمًا، فَلْيَمْضِ، وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَتِمْ قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ وَلَا سَهْوَ عَلَيْهِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَاَلدَّارَقُطْنِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث رواه أبو داود وابن ماجه، وهو ضعيف.
لأن في إسناده جابر الجعفي، وهو رافضي متروك، كما قال الدارقطني.
قال البيهقي: لا يحتج به.
• اذكر حالات ترك التشهد الأول؟
قال بعض العلماء: إن القيام عن التشهد الأول له أحوال:
أ- إن قرأ، يحرم الرجوع.
ب- إن استتم قائماً ولم يشرع بالقراءة، يكره رجوعه.
ج- إن لم يستتم قائماً، يرجع.
وسبق أن القول الصحيح له حالتين.
الأولى: إن استتم قائماً، فإنه لا يرجع.
لاشتغاله بفرض القيام، ويأتي بسجود السهو قبل السلام كما سبق في حديث ابن بحينة.
والثانية: إن ذكر قبل أن يستتم قائماً، فإنه لا يرجع.
• لكن إن ذكر قبل أن ينتصب قائماً فهل عليه سجود سهو؟
في ذلك قولان:
قيل: لا سجود عليه.
أ-لحديث الباب (وَإِنْ لَمْ يَسْتَتِمْ قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ وَلَا سَهْوَ عَلَيْهِ).
ب- ولأنه استدرك الواجب فأتى به. (فهو لم يترك التشهد).
وقيل: عليه سجود.
ورجحه الشيخ ابن باز ﵀.
أ- لأنه ذلك ورد عن أنس.
ب-ولأنه أتى بزيادة وهي هذه الحركة.
والراجح الأول.
стр. 667
• لو قام عن التشهد الأول ناسياً واستتم قائماً ثم رجع، هل تبطل صلاته أم لا؟
قيل: تبطل صلاته.
وهذا مذهب الحنفية والشافعية.
أ-لأنه خالف الحديث.
ب- ولأنه ترك ركناً ليأتي بواجب أو سنة.
وقيل: إن شرع في القراءة ورجع بطلت صلاته، وإن لم يقرأ لم تبطل صلاته.
وهذا مذهب الحنابلة.
لأن القراءة هي الركن المقصود في القيام.
وقيل: لا تبطل مطلقاً.
قالوا: لأنه إنما رجع ليستدرك واجباً.
والراجح
стр. 668
٣٣٢ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لَيْسَ عَلَى مَنْ خَلَفَ اَلْإِمَامَ سَهْوٌ فَإِنْ سَهَا اَلْإِمَامُ فَعَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ) رَوَاهُ اَلْبَزَّارُ وَالْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث ضعيف، لأن في إسناده خارجة بن مصعب، وهو ضعيف.
قال أحمد: لا يكتب حديثه.
• هل على المأموم سجود سهو إذا سها في صلاته؟
لا، فالإمام يتحمل عن المأموم السهو.
فلو نسي المأموم أو سها في صلاته، فليس عليه سجود سهو.
أ-لأن هذا ظاهر أحاديث سجود السهو.
ب- ولعموم قوله ﷺ (إنما جعل الإمام ليؤتم به … فلا تختلفوا … ).
ج- ولأن النبي ﷺ علّم الصحابة أحكام سجود السهو، ولم يأمر المأمومين إذا سهوا أن يسجد الواحد منه، مع أن وقوع السهو منهم أمر لا يمكن لأحد إنكاره، ومع ذلك فلم ينقل أن أحداً منهم سجد بعد سلامه ﷺ ، ولو كان مشروعاً لفعلوه، ولو فعلوه لنقل.
وحكي إجماعاً.
• هل يستثنى من ذلك شيء؟
استثنى العلماء من هذه المسألة إذا كان المأموم مسبوقاً بركعة فأكثر: فإنه يسجد لسهوه، سواء سها إمامه أو سها فيما انفرد به.
أ-لأجل أن يجبر صلاته، لأن له حكم الانفراد، بسبب أنه فاته ركعة أو أكثر.
ب-ولأنه إذا سجد بعد قضاء ما فاته، لا يكون مخالفاً لإمامه.
• هل يجب على المأموم أن يتابع إمامه في سجود السهو؟
نعم، فالواجب على المأموم أن يتبع إمامه في الصلاة.
لقوله ﷺ في الحديث الذي رواه أبو هريرة: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه … ) رواه البخاري، سواء ابتدأها معه، أو كان مسبوقاً.
فإذا ابتدأ المأموم الصلاة مع الإمام وسها الإمام، وجب على المأموم متابعته في سجود السهو، للحديث المتقدم، وفيه ( … وإذا سجد فاسجدوا … )، سواء سجد الإمام للسهو قبل السلام أو بعده، لزيادة أو نقصان أو شك.
مثال ذلك: سهى الإمام فترك قول (سبحان ربي العظيم) في الركوع، ولا عِلْم للمأموم بما ترك الإمام، لكون التسبيح سراً، والمأموم لم يترك شيئاً من الأركان والواجبات، ولم يفته شيء من الصلاة، فلما أراد الإمام أن يسلم، سجد قبل السلام، لتركه واجب التسبيح، فعلى المأموم أن يتبع إمامه في هذا السجود وجوباً.
стр. 669
ثانياً: فإن فات المأموم شيء من الصلاة، بأن دخل الصلاة مسبوقاً:
فهنا يجب على المأموم متابعته في سجود السهو، إن كان قبل السلام.
مثال ذلك: قام الإمام عن التشهد الأول ناسياً، فإنه يلزمه السجود قبل السلام، والمأموم لحق بالإمام في الركعة الثانية، أو الثالثة، فيلزمه السجود تبعاً لإمامه، لأن الإمام لم تنقطع صلاته بعد، فإذا سلم الإمام، أتم المأموم ما فاته من الصلاة وسلم.
فإن سها الإمام بما يوجب السجود بعد السلام، فهل يلزم المسبوق متابعته في سجود السهو؟
الصحيح أنه إذا سجد الإمام بعد السلام، فلا يلزم المأموم متابعته:
أ-لتعذر ذلك؛ بسبب انقطاع المتابعة بسلام الإمام.
ب- لأن المأموم لو تابع الإمام في السلام عمداً بطلت صلاته.
فإذا أتم المأموم قضاء ما فاته، سجد للسهو بعد السلام إذا كان السهو فيما أدركه مع الإمام، وأما إذا كان السهو فيما مضى من صلاة الإمام قبل أن يدخل معه المأموم، لم يجب عليه السجود في هذه الحال.
• ما الحكم إن سها المأموم مسبوقاً، والإمام لم يسهو، فهل عليه سجود؟ مثال ذلك: دخل المأموم مع الإمام في الركعة الثانية، وفي الجلسة بين السجدتين نسي أن يقول (رب اغفر لي) وسلم الإمام؟
حكمه: أنه يلزمه أن يتم صلاته ويسجد للسهو قبل السلام.
أ-لجبر النقص الحاصل في صلاته بترك واجب.
ب- ولأنه انفصل عن إمامه، فلا مخالفة في سجوده حينئذٍ.
стр. 670
٣٣٣ - وَعَنْ ثَوْبَانَ ﵁ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بَعْدَمَا يُسَلِّمُ). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ
===
• ما صحة حديث الباب؟
أخرجه أبو داود وابن ماجه، والحديث سنده ضعيف.
وضعفه البيهقي، وعبد الحق الأشبيلي، والنووي، ومتنه مخالف للأحاديث الصحيحة، وفي إسناده زهير بن سالم، وهو ضعيف.
• هل سجود السهو يتعدد بتعدد السهو في الصلاة؟
لا، لا يتكرر بتعدد السهو.
فالأحاديث التي سبقت تدل بظاهرها أن السهو ولو تعدد كفى فيه سجدتان.
أ-ولقوله ﷺ (إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين) رواه مسلم.
ب-ولأن النبي ﷺ في حديث ذي اليدين سها فسلم وتكلم بعد صلاته، وسجد لذلك سجوداً واحداً.
وقيل معناه صحيح، وهو أن معناه: ليس أن السجود يتكرر بتكرر السهو، وإنما معناه: أي سهو يكفي فيه سجدتان، وليس هذا مقصوراً على المواضع التي سها فيها الرسول ﷺ .
إذا تكرر السهو في الصلاة، فيكفي المصلي سجدتان، يجبران كل ما فات، وهذا ما عليه أكثر الفقهاء
قال في المغني: إذا سها سهوين أو أكثر من جنس كفاه سجدتان للجميع، لا نعلم أحداً خالف فيه، وإن كان السهو من جنسين، فكذلك، حكاه ابن المنذر قولاً لأحمد، وهو قول أكثر أهل العلم، منهم النخعي والثوري، ومالك، والليث، والشافعي، وأصحاب الرأي.
مثال ذلك: شخص ترك في صلاة قول (سبحان ربي العظيم) في الركوع، وترك التشهد الأول، وترك قول: (رب اغفر لي) في الجلسة بين السجدتين، في صلاة واحدة سهواً، فيكفيه سجدتان، لأن الواجب المتروك سهواً من جنس واحد، يجبره السجود قبل السلام، فدخل بعضها في بعض، كمن أحدث ببول وريح وغائط وأكل لحم جزور، فإنه يتطهر بوضوء واحد ولا يلزمه تعدد الوضوء بتعدد الأسباب.
стр. 671
٣٣٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: - سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ فِي: (إِذَا اَلسَّمَاءُ اِنْشَقَّتْ)، و: (اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) - رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
٣٣٥ - وَعَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ ((ص) لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ اَلسُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَسْجُدُ فِيهَا) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
٣٣٦ - وَعَنْه (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ بِالنَّجْمِ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
٣٣٧ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﷺ قَالَ (قَرَأْتُ عَلَى اَلنَّبِيِّ ﷺ اَلنَّجْمَ، فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٣٣٨ - وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ﷺ قَالَ (فُضِّلَتْ سُورَةُ اَلْحَجِّ بِسَجْدَتَيْنِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي " اَلْمَرَاسِيلِ ".
٣٣٩ - وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ مَوْصُولًا مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَزَادَ (فَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا، فَلَا يَقْرَأْهَا) وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ.
===
• ما صحة حديث خالد بن معدان؟
ضعيف لا يصح.
كذلك رواية أحمد عن عقبة بن عامر.
وضعفه: الترمذي، والمنذري، والنووي، وابن كثير، والقرطبي، والحافظ.
• على ماذا تدل أحاديث الباب؟
تدل على مشروعية سجود التلاوة عند وجود سببه.
لأحاديث الباب.
ولحديث ابن عمر قال: (كان النبي ﷺ يقرأ السورة التي فيها السجدة ونحن عنده، فيسجد ونسجد معه، فنزدحم حتى ما يجد أحدنا لجبهته موضعاً يسجد عليه) متفق عليه.
قال النووي: فيه إثبات سجود التلاوة، وقد أجمع العلماء عليه.
وقد اختلف العلماء في وجوبه على قولين بعد اتفاقهم على مشروعيته (وستأتي المسالة إن شاء الله).
• على ماذا يدل حديث أبي هريرة (أن النبي ﷺ سجد بالانشقاق، والعلق)؟
يدل على أن المفصل فيه سجود تلاوة.
وكذلك حديث زيد (أن النبي ﷺ سجد بالنجم).
وهذا مذهب جماهير العلماء.
وذهب مالك على أنه لا سجود في المفصل.
لحديث ابن عباس (أن رسول الله ﷺ لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة) رواه أبو داود.
стр. 672
• ما الجواب عن حديث ابن عباس ( … لم يسجد منذ تحول إلى المدينة).
الجواب من وجهين:
أولاً: أنه حديث ضعيف لمخالف للأحاديث الصحيحة.
ولذلك ضعفه البيهقي، وعبد الحق، والنووي، وابن حجر، وغيرهم.
ثانياً: على فرض ثبوته، فإن حديث أبي هريرة مقدم عليه، لأنه مثبت، وحديث ابن عباس نافٍ، والمثبت مقدم على النافي.
• هل السجدة الثانية في الحج من مواضع السجود أم لا؟
أولاً: اتفق العلماء على أن السجدة الأولى في الحج من مواضع السجود، كما نقله النووي، وابن حجر.
ثانياً: الخلاف في السجدة الثانية.
ذهب الحنفية إلى أنها لا يسجد بها. قالوا: إن آخر الحج، السجود فيها سجود الصلاة، لاقترانه بالركوع، بخلاف الأولى، فإن السجود فيها مجرد عن ذكر الركوع.
والصحيح أنه يسجد فيها.
لورود الأحاديث في ذلك، لكنها لا تصح.
- كحديث عقبة بن عامر المذكور في الباب.
- وحديث عمرو بن العاص: (أن النبي ﷺ قرأ خمس عشرة سجدة في القرآن، منها: ثلاث في المفصل، وفي الحج سجدتان) رواه أبو داود لكنه ضعيف
إلا أن عمل الصحابة على السجود فيها قد يستأنس به على مشروعيتها، ولا سيما لا يعرف لهم مخالف.
قال النووي: فممن أثبتها: عمر بن الخطاب، وعلي، وابن عمر، وأبو الدرداء، وأبو موسى، وأبو عبد الرحمن السلمي وأبو العالية، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود.
قال ابن المنذر: قال أبو إسحاق _ يعني السبيعي التابعي الكبير _أدركت الناس منذ سبعين سنة يسجدون في الحج سجدتين.
• هل سجدة (ص) من مواضع السجود؟
اختلف العلماء في ذلك:
ذهب الشافعية إلى أنه لا يسجد فيها.
لحديث ابن عباس (أن النبي ﷺ سجد في (ص) وقال: سجد هنا داود توبة، ونحن نسجدها شكراً) رواه النسائي
والصحيح أنها موضع سجود.
لحديث أبي سعيد: (أن النبي ﷺ قرأ (ص) وهو على المنبر، فلما بلغ السجدة نزل فسجد، وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تشزن الناس للسجود، فقال رسول الله ﷺ : إنما هي توبة نبي، ولكن قد رأيتكم تشزنتم، فنزل وسجد وسجدوا) رواه أبو داود.
стр. 673
(التشزن): التأهب والتهيؤ.
فسجوده ﷺ في الجمعة الأولى وترك الخطبة لأجلها يدل على أنها سجدة تلاوة.
ولحديث الباب حديث ابن عباس (ص ليست من عزائم السجود، وقد رأيت رسول الله ﷺ يسجد فيها).
قوله (ليست من عزائم السجود) أي: ليست من السجدات المؤكدات التي ورد في السجود فيها أمر أو تحضيض أو حث كغيرها من سجدات القرآن، وإنما وردت بصيغة الإخبار عن داود ﵇ أنه سجدها، وسجدها نبينا ﷺ اقتداء به.
الخلاصة: عدد السجدات:
مذهب الحنابلة: ١٥ سجدة.
مذهب الشافعية: ١٤ سجدة، لم يحسبوا سجدة (ص).
مذهب مالك: ١١ سجدة، أسقطوا سجدات المفصل.
مذهب أبو حنيفة: ١٤ سجدة، أسقطوا السجدة الثانية من الحج.
فائدة: اتفق العلماء على مشروعية السجود في عشرة مواضع، وهي متوالية، إلا ثانية الحج و (ص).
• ثبت في حديث ابن عباس أن النبي ﷺ سجد بالنجم، فلم لم يسجد كما في حديث زيد بن ثابت؟
قيل: تركه لبيان الجواز.
قال الحافظ ابن حجر: وهذا أرجح الاحتمالات، وبه جزم الشافعي.
وقيل: يحتمل أنه ترك السجود فيها لأن زيداً هو القاراء ولم يسجد، ولو سجد لسجد النبي ﷺ .
وقد ذكر هذا الجواب أبو داود والترمذي، وذكره أيضاً شيخ الإسلام ابن تيمية.
• ماذا يقال في سجود التلاوة؟
يقول ما يقوله في سجود الصلاة (سبحان ربي الأعلى).
وقد جاءت أدعية أخرى اختلف العلماء في صحتها:
منها: جاء في حديث عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ يقول في سجود القرآن بالليل: سجد وجهي للذي خلقه، وشق سمعه وبصره، بحوله وقوته، فتبارك الله أحسن الخالقين) رواه أبو داود.
ومنها: ما جاء عن ابن عباس قال: (كنت عند النبي ﷺ فأتاه رجل، فقال: إني رأيت البارحة فيما يرى النائم، كأني أصلي إلى أصل شجرة، فقرأت السجدة فسجدت، فسجدت الشجرة لسجودي فسمعتها تقول: اللهم احطط بها عني وزراً، واكتب لي بها أجراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود، قال ابن عباس: فرأيت النبي ﷺ قرأ السجدة فسجد، فسمعته يقول في سجوده مثل الذي أخبره الرجل عن قول الشجرة). رواه الترمذي
стр. 674
• هل تشترط الطهارة لسجود التلاوة خارج الصلاة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه يشترط.
وهذا مذهب الشافعية، وبه قال أكثر الحنابلة.
أ-لقوله ﷺ (لا يقبل الله صلاة بغير طهور)، قالوا: فيدخل في عمومه السجود.
ب- القياس على سجود السهو بعد السلام، فكما اشترطت الطهارة له، فكذلك تشترط الطهارة لسجود التلاوة.
القول الثاني: لا يشترط له ما يشترط للصلاة.
وهذا اختيار بعض المحققين، كابن جرير، وابن حزم، وابن القيم، والشوكاني.
أ-لحديث ابن عباس: (أن النبي ﷺ سجد بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس) متفق عليه
وجه الدلالة من وجهين:
الأول: سجود المشركين، وهم على ما هم عليه من الحدث، وأُقرُّوا على ذلك، وسمى الصحابة فعلهم هذا سجوداً.
والثاني: أنه يبعد أن يكون جميع من حضر من المسلمين كانوا عند قراءة الآية على وضوء، لأنهم لم يتأهبوا لذلك، فيكون سجودهم مع إقرار النبي ﷺ لهم على ذلك دليلاً على عدم اشتراط الطهارة لسجود التلاوة.
ب- ما جاء عن ابن عمر (أنه كان يسجد للتلاوة على غير وضوء) رواه ابن أبي شيبة والبخاري تعليقاً.
وهذا القول هو الصحيح.
• هل إذا مر بآية سجدة وتجاوزها ونسي أن يسجد؟ هل يرجع ويسجد أم لا؟
إن ذكر مع قرب الفصل سجد، وإن تجاوزها وطال الفصل فإنه لا يسجد، لأن القاعدة عند أهل العلم: أن السنة إذا فات محلها فإنها تسقط، لأنها عُلّقت بسبب فزال. (الشيخ ابن عثيمين).
стр. 675
• من الذي يسجد؟
الذي يسجد القارئ والمستمع دون السامع.
لقول ابن عمر (كان النبي ﷺ يقرأ علينا السورة فيها السجدة فيسجد، ونسجد معه حتى ما يجد أحدنا موضعاً لجبهته). متفق عليه
(السامع) الذي لم يقصد الاستماع.
قال ابن قدامة: ويسن السجود للتالي والمستمع، لا نعلم في هذا خلافاً، وقد دلت عليه الأحاديث التي رويناها. وقد روى البخاري، ومسلم، وأبو داود، عن ابن عمر، قال (كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا السورة في غير الصلاة، فيسجد، ونسجد معه، حتى لا يجد أحدنا مكانا لموضع جبهته).
فأما السامع غير القاصد للسماع فلا يستحب له.
وروي ذلك عن عثمان، وابن عباس، وعمران، وبه قال مالك.
وقال أصحاب الرأي: عليه السجود. وروي نحو ذلك عن ابن عمر، والنخعي، وسعيد بن جبير، ونافع، وإسحاق; لأنه سامع للسجدة، فكان عليه السجود كالمستمع. وقال الشافعي: لا أؤكد عليه السجود، وإن سجد فحسن.
ولنا ما روي عن عثمان ﵁: أنه مر بقاص، فقرأ القاص سجدة ليسجد عثمان معه، فلم يسجد. وقال: إنما السجدة على من استمع. وقال ابن مسعود، وعمران: ما جلسنا لها. وقال سلمان: ما عدونا لها. ونحوه عن ابن عباس، ولا مخالف لهم في عصرهم نعلمه إلا قول ابن عمر: إنما السجدة على من سمعها. فيحتمل أنه أراد من سمع عن قصد، فيحمل عليه كلامه جمعا بين أقوالهم; ولا يصح قياس السامع على المستمع، لافتراقهما في الأجر. (المغني).
• هل يشرع سجود التلاوة في الصلاة الجهرية؟
نعم، يشرع لحديث أبي هريرة.
• هل يسجد في وقت النهي؟
نعم، لأن السجود ليس بصلاة على القول الراجح، والأحاديث الواردة في النهي مختصة بالصلاة.
• هل يشرع سجود التلاوة في الصلاة السرية؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه يجوز.
وهذا مذهب الشافعية.
لحديث ابن عمر (أن النبي ﷺ سجد في صلاة الظهر، ثم قام فركع، فرأيت أنه قرأ: تنزيل السجدة) رواه أبو داود وهو ضعيف.
القول الثاني: أنه يكره.
وهذا مذهب الحنفية والحنابلة.
لأن في ذلك إيهاماً للمأمومين.
стр. 676
• ما الحكم إذا كان الإنسان يكرر الآية التي فيها سجدة من أجل الحفظ، فهل يكرر السجود؟
اختلف أهل العلم ﵏ في هذه المسألة، والصحيح أنه يكفيه أن يسجد سجدة واحدة، دفعاً للحرج والمشقة، فيسجد إذا قرأ آية السجدة أول مرة ثم لا يعيد السجود مرة أخرى.
وهذا هو مذهب الأحناف، وقال به بعض الشافعية والحنابلة، واختاره الشيخ ابن عثيمين ﵀.
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل يجب على قارئ القرآن عندما يمر بآية فيها سجدة أن يسجد؟ وإذا كان الإنسان يكرر الآية للحفظ فهل يسجد في كل مرة؟
فأجاب: لا يجب عليه أن يسجد، سواء قرأ الآية التي فيها السجود مرة واحدة أم تكررت عليه الآيات التي فيها سجود، فسجود التلاوة سنة وليس بواجب، والدليل على هذا أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ في إحدى خطب الجمع آية فيها سجدة، وهي التي في سورة النحل فنزل وسجد، ثم قرأها في جمعة أخرى ولم يسجد، ثم قال (إن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء). فسجود التلاوة سنة وليس بواجب.
وإذا تكررت الآيات فإن كان الإنسان يكرر ليحفظ القرآن فسجوده الأول يغني عن الباقي، ولا حاجة أن يعيد السجود، وإن كان يقرأ مثلاً في سورة الحج، فسجد في السجدة الأولى، وأتى على السجدة الثانية فليسجد فيها أيضاً، وإن كان الفصل ليس طويلاً.
• إن كان الإنسان يستمع إلى تلاوة القرآن الكريم بواسطة جهاز التسجيل، ومر القارئ بآية فيها سجدة تلاوة، فهل يسجد؟
لا يشرع للمستمع أن يسجد إلا إذا سجد القارئ، لأن النبي ﷺ قرأ عليه زيد بن ثابت ﵁ سورة النجم ولم يسجد، فلم يسجد النبي ﷺ ، فدل ذلك على عدم وجوب سجود التلاوة، لأن النبي ﷺ لم ينكر على زيد تركه، كما دل الحديث أيضاً على أن المستمع لا يسجد إلا إذا سجد القارئ. (الشيخ ابن باز).
стр. 677
٣٤٠ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ (يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ. وَفِيهِ إِنَّ اَللَّهَ] تَعَالَى [لَمْ يَفْرِضْ اَلسُّجُودَ إِلَّا أَنْ نَشَاءَ) وَهُوَ فِي " اَلْمُوَطَّأِ ..
===
• الحديث له قصة اذكرها؟
عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التَّيْمِىِّ (أن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ بِسُورَةِ النَّحْلِ حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ، حَتَّى إِذَا كَانَتِ الْجُمُعَةُ الْقَابِلَةُ قَرَأَ بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ. وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ ﵁.
وَزَادَ نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضِ السُّجُودَ إِلاَّ أَنْ نَشَاءَ.
• هل سجود التلاوة واجب أم لا؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أنه واجب.
وهذا مذهب الحنفية، وهو اختيار ابن تيمية.
أ-لقوله تعالى (فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُون) فذمهم الله على ترك السجود.
ب-ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا مرّ ابن آدم بالسجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي ويقول: يا ويلي، أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار) رواه مسلم.
فقوله (أمر ابن آدم) والأمر للوجوب.
القول الثاني: أنه سنة غير واجب.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
أ- لحديث زيد بن ثابت قال: (قرأت على النبي ﷺ النجم فلم يسجد فيها) ولو كان واجباً لأمره النبي ﷺ به.
ب- ولحديث الباب (فعل عمر)، ووجه الدلالة منه من وجهين:
الأول: قوله (ومن لم يسجد فلا إثم عليه).
والثاني: أن هذا كان بحضرة الجمع الكثير من الصحابة ولم ينكر ذلك عليه أحد.
قال الحافظ ابن حجر: قوله (ومن لم يسجد فلا إثم عليه) قال: ظاهرة في عدم الوجوب.
قوله (ولم يسجد عمر) قال الحافظ: فيه توكيد لبيان جواز ترك السجود بغير ضرورة.
وقال النووي: وهذا الفعل والقول من عمر ﵁ في هذا الموطن والمجمع العظيم دليل ظاهر في إجماعهم على أنه ليس بواجب.
وقال الشوكاني: تصريحه - يعني عمر - بعدم الفرضية، وبعدم الإثم على التارك، في مثل هذا الجمع من دون صدور إنكار يدل على إجماع الصحابة على ذلك.
وهذا القول هو الصحيح.
стр. 678
• ما الجواب عن قوله تعالى (وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُون)؟
الجواب: أن المراد بالسجود هنا: سجود الذل والخضوع. (الشيخ ابن عثيمين).
• ما حكم قراءة ما فيه سجدة حال الخطبة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: الجواز.
وهذا مذهب جمهور العلماء.
أ-لفعل عمر كما في حديث الباب.
ب-ولحديث أبي سعيد قال (قرأ رسول الله ﷺ على المنبر (ص) فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه، .. ) رواه أبو داود.
القول الثاني: يكره.
وهذا مذهب مالك.
أ-لأنه يخل بالخطبة لزوال نظامها.
ب-ولأنه إذا لم يسجد دخل في الوعيد، وإن سجد كان فيه التخليط على الناس إذ يتوهمون الفراغ من الخطبة والقيام إلى الناس.
وهذا فيه نظر، إذ لا وعيد على ترك سجود، وأما التخليط فغير متحقق مع جهره بالسجدة، وإعلامهم بأنه سيسجد للتلاوة.
والقول الأول هو الصحيح.
• اذكر بعض الفوائد من الحديث:
- مشروعية السجود للمستمع.
- أن القارئ إذا لم يسجد فإن السامع لا يسجد.
стр. 679
٣٤١ - وَعَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ (كَانَ اَلنَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْنَا اَلْقُرْآنَ، فَإِذَا مَرَّ بِالسَّجْدَةِ، كَبَّرَ، وَسَجَدَ، وَسَجَدْنَا مَعَهُ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ فِيهِ لِيِنٌ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
هذا الحديث ضعيف، فقد جاء من طريق عبد الله بن عمر (المكبر) عن نافع عن ابن عمر.
وعبد الله بن عمر ضعيف، وتفرد بهذه اللفظة.
ولذلك ضعف الحديث النووي، والحافظ ابن حجر.
• ما حكم التكبير لسجود التلاوة خارج الصلاة والرفع منه؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: يسن التكبير في الهوي والرفع منه.
وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة.
أ-لحديث الباب (فإذا مر بالسجدة كبّر) فإن فيه التكبير للهوي.
ب-ولأنه سجود منفرد، فشرع التكبير في ابتدائه والرفع منه، كسجود السهو بعد السلام.
ج-وقياساً على سجدات الصلاة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يكبر في كل خفض ورفع.
القول الثاني: يكبر في الخفض دون الرفع.
وذهب إليه جماعة من العلماء ورجحه الشيخ ابن عثيمين ﵀.
لحديث الباب.
القول الثالث: لا يشرع التكبير مطلقاً.
لعدم الدليل على إثبات التكبير لسجود التلاوة خارج الصلاة، والسنن لا تثبت إلا بدليل صحيح.
وهذا اختيار ابن تيمية.
وهذا هو الصحيح.
• هل يكبر داخل الصلاة؟
نعم، السجدة إذا كانت في الصلاة فإنه يكبر لها إذا سجد، لأنه له حكم سجود الصلاة، وقد جاء في صفة صلاة النبي ﷺ أنه كان يكبر كلما خفض ورفع.
• ما رأيك فيما يفعله بعض الناس داخل الصلاة من أنه يكبر إذا سجد ولا يكبر إذا رفع؟
هذا وهْم منه، وليس الفعل مبنياً على أصل صحيح. (الشيخ ابن عثيمين).
стр. 680
٣٤٢ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا جَاءَهُ أَمْرٌ يَسُرُّهُ خَرَّ سَاجِداً لِلَّهِ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ.
٣٤٣ - وَعَنْ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ قَالَ: (سَجَدَ اَلنَّبِيُّ ﷺ فَأَطَالَ اَلسُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَقَالَ: " إِنَّ جِبْرِيلَ آتَانِي، فَبَشَّرَنِي، فَسَجَدْت لِلَّهِ شُكْراً) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ
٣٤٤ - وَعَنْ اَلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ عَلِيًّا إِلَى اَلْيَمَنِ - فَذَكَرَ اَلْحَدِيثَ - قَالَ: فَكَتَبَ عَلِيٌّ ﵁ بِإِسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا قَرَأَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ اَلْكِتَابَ خَرَّ سَاجِدًا) رَوَاهُ اَلْبَيْهَقِيُّ.
وَأَصْلُهُ فِي اَلْبُخَارِيِّ.
===
• ما الذي تفيده أحاديث الباب؟
تفيد مشروعية سجود الشكر عند وجود سببه.
هذه الأحاديث الثلاثة كلها صحيحة، ولها ما يشهد لها.
ومن الأدلة على مشروعيته:
أ-حديث الباب - حديث أبي بكرة - (أن النبي ﷺ كان إذا جاءه أمر يسره أو بشر به خرّ ساجداً لله تعالى).
ب-ولحديث عبد الرحمن بن عوف عن النبي ﷺ أنه قال (إني لقيت جبريل ﵇، فبشرني وقال: من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه، فسجدت لله شكراً) رواه الحاكم.
ج-وعن ابن عباس: (أن النبي ﷺ سجد في [ص] وقال: سجدها داود توبة، ونسجدها شكراً) رواه النسائي.
د-ونقل فعله عن كثير من السلف:
فقد روي عن أبي بكر أنه سجد لما جاءه خبر فتح اليمامة وقتل مسيلمة الكذاب. رواه عبد الرزاق
وروي أن أمير المؤمنين عمر، سجد لما جاءه خبر بعض الفتوحات في عهده.
وسجد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب حين وجد ذا الثدية مع قتلى الخوارج بعد وقعت النهروان بينه وبينهم، لأنه عرف أنه على الحق، لأن النبي ﷺ أخبر عن الخوارج أنهم شرّ الناس، وأن سيماهم أن منهم رجلاً ليس له ذراع، وعلى رأس عضده مثل ملحة الثدي.
- وثبت أن كعب بن مالك سجد لما جاءته البشرى بتوبة الله عليه.
стр. 681
• هل قال بعض العلماء بكراهته؟
نعم، روي هذا القول عن إبراهيم النخعي، وهو المشهور من مذهب المالكية.
لما رواه البخاري ومسلم عن أنس قال (بينما رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة، إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله، هلكت المواشي … فمطرنا … ).
قالوا: إنه ﷺ لم يسجد لتجدد نعمة المطر أولاً، ولا لدفع نقمته آخراً.
والراجح القول الأول وهو قول الجمهور.
والجواب عن دليل من قال بالكراهة: أن ترك السجود في بعض المواضع، لا يدل على أن سجود الشكر غير مستحب.
• متى يشرع سجود الشكر؟
يشرع سجود الشكر عند مفاجأة نعمة عامة ظاهرة، وعند اندفاع بلية عامة ظاهرة.
وكذلك يستحب للمسلم السجود عند حدوث نعمة خاصة به، أو اندفاع نقمة عنه.
فقد سجد كعب بن مالك شكراً لما بشر بتوبة الله عليه.
وقد ذكر كثير من العلماء: أنه لا يستحب السجود للنعم المستمرة، كنعمة الإسلام، ونعمة العافية، ونعمة الحياة، ونعمة الغنى عن الناس.
لأن نعم الله دائمة لا تنقطع، فلو سجد لذلك لاستغرق عمره في السجود.
قال النووي ﵀ في "المجموع" (٣/ ٥٦٤): قال الشافعي والأصحاب: سجود الشكر سنة عند تجدد نعمة ظاهرة واندفاع نقمة ظاهرة، سواء خصته النعمة والنقمة أو عمت المسلمين. قال أصحابنا: وكذا إذا رأى مبتلى ببلية في بدنه أو بغيرها أو بمعصية يستحب أن يسجد شكرا لله تعالى، ولا يشرع السجود لاستمرار النعم; لأنها لا تنقطع " انتهى.
وقال ابن القيم ﵀ في "إعلام الموقعين" (٢/ ٢٩٦): فإن النعم نوعان: مستمرة، ومتجددة، فالمستمرة شكرها بالعبادات والطاعات، والمتجددة شرع لها سجود الشكر; شكرا لله عليها، وخضوعا له وذلا، في مقابلة فرحة النعم وانبساط النفس لها، وذلك من أكبر أدوائها; فإن الله سبحانه لا يحب الفرحين ولا الأشرين; فكان دواء هذا الداء الخضوع والذل والانكسار لرب العالمين.
• هل يشترط لسجود الشكر طهارة؟
اختلف العلماء: هل يشترط له الطهارة؟ على قولين:
القول الأول: لا يشترط له الطهارة.
وهذا قول ابن جرير، وابن حزم، وابن تيمية، وابن القيم، والشوكاني.
أ-لعدم الدليل.
ب-أن ظاهر حديث أبي بكرة وغيره من الأحاديث التي روي فيها أن النبي ﷺ سجد فيها سجود الشكر، تدل على أنه ﷺ لم يكن يتطهر لهذا السجود.
قال ابن القيم: وكانوا يسجدون عقبه، ولم يؤمروا بوضوء، ولم يخبروا أنه لا يفعل إلا بوضوء، ومعلوم أن هذه الأمور تدهم العبد وهو على غير طهارة، فلو تركها لفاتت مصلحتها.
стр. 682
ج-لو كانت الطهارة وغيرها من شروط الصلاة واجبة لبينها النبي ﷺ لأمته.
د-أن سجود الشكر يأتي فجأة، وقد يكون من يريد السجود على غير طهارة، وفي تأخير السجود بعد وجود سببه حتى يتوضأ، زوال لسرّ المعنى الذي شرع السجود لأجله.
القول الثاني: يشترط له الطهارة.
وهذا مذهب الشافعية والحنابلة.
قالوا: أن السجود المجرد صلاة، لأنه سجود يقصد به التقرب إلى الله، فشرط له الوضوء.
والراجح الأول.
• هل لسجود الشكر تكبير في أوله أو في آخره؟
ليس لسجود الشكر تكبير لا في أوله ولا في آخره، لعد ثبوت ذلك عن النبي ﷺ أو أحد من أصحابه.
• ماذا يقال في سجود الشكر؟
ليس له ذكر معين، بل يستحب أن يأتي بذكر يناسب المقام.
قال الشوكاني: ينبغي أن يستكثر من شكر الله ، لأن السجود سجود شكر.
• هل يسجد للشكر في الصلاة؟
لا يجوز السجود للشكر في الصلاة.
لأن سبب السجود في هذه الحالة ليس من الصلاة، وليس له تعلق بها، بخلاف سجود التلاوة.
• هل هناك صلاة تسمى صلاة شكر؟
قال الشيخ ابن باز ﵀: لا أعلم أنه ورد شيء في صلاة الشكر، وإنما الوارد في سجود الشكر.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: لا أعلم في السنة صلاة تسمى: صلاة الشكر، ولكن فيها سجوداً يسمى: سجود الشكر.
بَابُ صَلَاةِ اَلتَّطَوُّعِ
• صلاة التطوع: كل طاعة ليست بواجبة.
• والتطوع أقسام:
تطوع مطلق.
كأن يصلي في أي وقت ما عدا أوقات النهي.
وتطوع مقيد بوقت: كالوتر.
وتطوع مقيد بفرض: كالسنن الرواتب.
وتطوع مقيد بسبب: كتحية المسجد.
стр. 683
٣٤٥ - عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيِّ ﵁ قَالَ (قَالَ لِي اَلنَّبِيُّ ﷺ سَلْ. فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي اَلْجَنَّةِ. فَقَالَ: أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ، قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: " فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ اَلسُّجُودِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
===
• ما المراد بقوله ﷺ (بكثرة السجود)؟
المراد بالسجود هنا صلاة التطوع، لأن السجود بغير صلاة أو لغير سبب غير مرغّب فيه على انفراده، وعبر عن الصلاة هنا بالسجود، لأن السجود من أركانها، وقد يعبّر عن الشيء بما هو من أركانها كما قال تعالى (وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) أي: صلوا مع المصلين.
قال النووي: فيه الحث على كثرة السجود والترغيب به، والمراد به السجود في الصلاة.
• لماذا ذكر المصنف ﵀ هذا الحديث في أول باب صلاة التطوع؟
ذكره في أول الباب لأنه يدل على فضل الإكثار من صلاة التطوع، وأنها من أعظم الطاعات، وأعظم الأسباب لعلو الدرجات في جنات النعيم.
• اذكر بعض فوائد التطوع؟
أولاً: جبر ما يكون في المفروضة من نقص.
قال ﷺ (إن أول ما يحاسب به الناس يوم القيامة الصلاة، قال: يقول ربنا لملائكته - وهو أعلم - انظروا في صلاة عبدي، أتمها أم نقصها، فإن كانت تامة، كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئاً، قال: انظروا، هل لعبدي من تطوع؟ فإن كان له تطوع قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه) رواه أبو داود.
ثانياً: من أسباب محبة الله.
قال ﷺ : (قال الله تعالى: … لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه) رواه البخاري.
ثالثاً: من أسباب دخول الجنة.
كما في حديث الباب.
وكما في حديث ثوبان أن النبي ﷺ قال له (عليك بكثرة السجود، فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة). رواه مسلم
رابعاً: الحصول على الأجر المترتب عليها.
خامساً: ترويض النفس على الطاعة، وتهيئتها للفرائض.
سادساً: شغل الوقت بأفضل الطاعات.
سابعاً: الإقتداء بالرسول ﷺ .
стр. 684
• التطوع ينقسم إلى قسمين، اذكرهما:
أولاً: تطوع مطلق.
وهو الذي لم يأتِ به الشارع بحد.
مثال: صدقة التطوع، لك أن تتبرع في سبيل الله بما شئت، ولك أن تتطوع بالصلاة في الليل والنهار مثنى مثنى.
ثانياً: التطوع المقيد.
وهو ما حد له حد في الشرع.
مثال: سنة الفجر.
• على ماذا يدل قول ربيعة للنبي ﷺ : أسألك مرافقتك في الجنة؟
يدل على علو همة ربيعة، وهكذا المسلم ينبغي أن يكون عالي الهمة.
وقد حث القرآن والسنة على علو الهمة:
قال تعالى (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ).
وقال تعالى (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين).
وقال تعالى (لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُون).
وقال تعالى (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُون).
وقال ﷺ (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا).
وقال ﷺ (لو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه).
وقال ﷺ (لأعطين الراية رجل يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه، فبات الناس يدوكون أيهم يعطاها، حتى قال عمر: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ).
وعن عطاء بن أبي رباح قال: (قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي ﷺ فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فادع الله لي، قال: إن شئت صبرتِ ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك، قالت: أصبر، قالت: إني أتكشف، فادع الله ألا أتكشف، فدعا لها) متفق عليه.
ومما يدل على علو همتهم وتسابقهم في الخيرات: ففي سنن أبي داود: (أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن المؤذنين يفضلوننا، فقال رسول الله ﷺ : قل كما يقولون، فإذا انتهيت فسل تعط) رواه أبو داود.
стр. 685
• ما أفضل التطوعات؟
اختلف العلماء في أفضل التطوعات على أقوال:
القول الأول: الجهاد في سبيل الله.
وهذا المذهب.
قال أحمد: لا أعلم شيئاً بعد الفرائض أفضل من الجهاد.
قال ابن تيمية: الجهاد أفضل ما تطوع به الإنسان، وكان باتفاق العلماء أفضل من الحج والعمرة، ومن صلاة التطوع، والصوم التطوع، كما دل عليه الكتاب والسنة.
للأدلة الكثيرة في فضل الجهاد:
كقوله ﷺ (لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها).
وغيره من الأحاديث، كقوله ﷺ : (مثل المجاهد في سبيل الله، كالقائم الذي لا يفتر، وكالصائم الذي لا يفطر).
القول الثاني: العلم وتعليمه.
وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك.
لنفعه المتعدي.
ولقوله ﷺ : (فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم). رواه الترمذي
القول الثالث: أن أفضل ما تطوع به الصلاة.
وهذا مذهب الشافعي.
لحديث الباب.
قال ابن تيمية في رده على الرافضي بعد أن ذكر تفصيل أحمد للجهاد، والشافعي للصلاة، وأبي حنيفة ومالك للعلم: والتحقيق أنه لا بد لكل من الآخرين، وقد يكون كل واحد أفضل في حالٍ، كفعل النبي ﷺ وخلفائه، بحسب المصلحة والحاجة.
وقال: وأفضل الجهاد والعمل الصالح ما كان أطوع للرب، وأنفع للعبد، فإذا كان يَضُرُّه ويمنعه مما هو أنفع منه لم يكن ذلك صالحاً.
وقال: ولكن خير الأعمال ما كان لله أطوع، ولصاحبه أنفع، وقد يكون ذلك أيسر العملين، وقد يكون أشدهما، فليس كل شديد فاضلاً، ولا كل يسير مفضولاً، بل الشرع إذا أمرنا بأمر شديد، فإنما يأمر به لما فيه من المنفعة لا لمجرد تعذيب النفس، كالجهاد الذي قال فيه تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَر).
стр. 686
• ما الأفضل كثرة السجود أم طول القيام؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: أن طول القيام أفضل من كثرة العدد.
وهذا قول جمهور الحنفية، والمالكية - في قول - والشافعية.
لحديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال (إنْ كان النبي ﷺ ليقوم ليصلِّي حتى ترم قدماه - أو ساقاه - فيقال له، فيقول: أفلا أكون عبداً شكوراً) متفق عليه.
القول الثاني: أن الأفضل كثرة الركوع والسجود.
وهذا مذهب المالكية في الأظهر، وهو وجه عند الحنابلة.
أ-لحديث الباب.
ب-ولحديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء) رواه مسلم.
القول الثالث: أنهما سواء.
وهذا اختيار ابن تيمية.
لحديث حذيفة قال (صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء، فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها يقرأ مترسلاً إذا مر بآية فيها تسبيح سبَّح وإذا مر بسؤال سأل وإذا مر بتعوذ تعوذ ثم ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحوا من قيامه، ثم قال سمع الله لمن حمده، ثم قام طويلاً قريباً مما ركع، ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريباً من قيامه) رواه مسلم.
стр. 687
ورجح شيخ الإسلام ابن تيمية القول الثالث، قال ﵀:
وقد تنازع الناس، هل الأفضل طول القيام؟ أم كثرة الركوع والسجود؟ أو كلاهما سواء؟ على ثلاثة أقوال: أصحها أن كليهما سواء، فإن القيام اختص بالقراءة، وهي أفضل من الذكر والدعاء، والسجود نفسه أفضل من القيام، فينبغي أنه إذا طوَّل القيام أن يطيل الركوع والسجود، وهذا هو طول القنوت الذي أجاب به النبي ﷺ لما قيل له: أي الصلاة أفضل؟ فقال: طول القنوت، فإن القنوت هو إدامة العبادة، سواء كان في حال القيام، أو الركوع أو السجود، كما قال تعالى: (أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً)، فسمَّاه قانتاً في حال سجوده، كما سمَّاه قانتاً في حال قيامه.
وقال: وقد تنازع العلماء: أيما أفضل: إطالة القيام؟ أم تكثير الركوع والسجود؟ أم هما سواء؟ على ثلاثة أقوال: وهي ثلاث روايات عن أحمد، وقد ثبت عنه في الصحيح " أي الصلاة أفضل؟ قال: (طول القنوت) "، وثبت عنه أنه قال: (إنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة; وحط عنك بها خطيئة) رواه مسلم، وقال لربيعة بن كعب: (أعنِّي على نفسك بكثرة السجود) رواه مسلم، ومعلوم أن السجود في نفسه أفضل من القيام، ولكن ذكر القيام أفضل، وهو القراءة، وتحقيق الأمر: أن الأفضل في الصلاة أن تكون معتدلة، فإذا أطال القيام، يطيل الركوع والسجود، كما كان النبي ﷺ يصلي بالليل، كما رواه حذيفة وغيره، وهكذا كانت صلاته الفريضة، وصلاة الكسوف، وغيرهما: كانت صلاته معتدلة، فإن فضَّل مفضِّل إطالة القيام والركوع والسجود مع تقليل الركعات، وتخفيف القيام والركوع والسجود مع تكثير الركعات: فهذان متقاربان، وقد يكون هذا أفضل في حال، كما أنه لما صلى الضحى يوم الفتح صلَّى ثماني ركعات يخففهن، ولم يقتصر على ركعتين طويلتين، وكما فعل الصحابة في قيام رمضان لما شق على المأمومين إطالة القيام.
وقال ابن القيم: وَقَدْ اخْتَلَفَ النّاسُ فِي الْقِيَامِ وَالسّجُود أَيّهُمَا أَفْضَلُ؟
فَرَجّحَتْ طَائِفَةٌ الْقِيَامَ لِوُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: أَنّ ذِكْرَهُ أَفْضَلُ الْأَذْكَارِ فَكَانَ رُكْنُهُ أَفْضَلَ الْأَرْكَانِ.
وَالثّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى (وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِينَ).
الثّالِثُ قَوْلُهُ ﷺ أَفْضَلُ الصّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ السّجُودُ أَفْضَلُ.
وَاحْتَجّتْ بِقَوْلِهِ ﷺ أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ.
وَبِحَدِيثِ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ لَقِيتُ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللّهِ ﷺ فَقُلْتُ حَدّثَنِي بِحَدِيثٍ عَسَى اللّهُ أَنْ يَنْفَعَنِي بِهِ؟ فَقَالَ: عَلَيْكَ بِالسّجُودِ، فَإِنّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ ﷺ يَقُولُ مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْجُدُ لِلّهِ سَجْدَةً إلّا رَفَعَ اللّهُ لَهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً قَالَ مَعْدَانُ ثُمّ لَقِيتُ أَبَا الدّرْدَاءِ فَسَأَلْته فَقَالَ لِي مِثْلَ ذَلِكَ.
стр. 688
وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ لِرَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الْأَسْلَمِي وَقَدْ سَأَلَهُ مُرَافَقَتَهُ فِي الْجَنّةِ (أَعِنّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السّجُودِ).
وَأَوّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللّهِ ﷺ سُورَةُ (اقْرَأْ) عَلَى الْأَصَحّ وَخَتَمَهَا بِقَوْلِهِ (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ).
وَبِأَنّ السّجُودَ لِلّهِ يَقَعُ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ كُلّهَا عُلْوِيّهَا وَسُفْلِيّهَا.
وَبِأَنّ السّاجِدَ أَذَلّ مَا يَكُونُ لِرَبّهِ وَأَخْضَعُ لَهُ وَذَلِكَ أَشْرَفُ حَالَاتِ الْعَبْدِ فَلِهَذَا كَانَ أَقْرَبَ مَا يَكُونُ مِنْ رَبّهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.
وَبِأَنّ السّجُودَ هُوَ سِرّ الْعُبُودِيّةِ فَإِنّ الْعُبُودِيّةَ هِيَ الذّلّ وَالْخُضُوعُ يُقَالُ طَرِيقٌ مُعَبّدٌ أَيْ ذَلّلَتْهُ الْأَقْدَامُ وَوَطّأَتْهُ وَأَذَلّ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ وَأَخْضَعُ إذَا كَانَ سَاجِدًا.
وَقَالَ شَيْخُنَا: الصّوَابُ أَنّهُمَا سَوَاءٌ وَالْقِيَامُ أَفْضَلُ بِذِكْرِهِ وَهُوَ الْقِرَاءَةُ وَالسّجُودُ أَفْضَلُ بِهَيْئَتِهِ فَهَيْئَةُ السّجُودِ أَفْضَلُ مِنْ هَيْئَةِ الْقِيَامِ وَذِكْرُ الْقِيَامِ أَفْضَلُ مِنْ ذِكْرِ السّجُودِ وَهَكَذَا كَانَ هَدْيَ رَسُولِ اللّهِ ﷺ فَإِنّهُ كَانَ إذَا أَطَالَ الْقِيَامَ أَطَالَ الرّكُوعَ وَالسّجُودَ كَمَا فَعَلَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَفِي صَلَاةِ اللّيْلِ وَكَانَ إذَا خَفّفَ الْقِيَامَ خَفّفَ الرّكُوعَ وَالسّجُودَ وَكَذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ فِي الْفَرْضِ كَمَا قَالَهُ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ: كَانَ قِيَامُهُ وَرُكُوعُهُ وَسُجُودُهُ وَاعْتِدَالُهُ قَرِيبًا مِنْ السّوَاءِ وَاَللّه أَعْلَمُ .... (زاد المعاد).
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أن النبي ﷺ لا يملك لأحد أن يدخله الجنة.
- حرص الصحابة على الفوز بمرافقة الرسول ﷺ في الآخرة.
- قوله (مرافقتك) المراد القرب منه ﷺ ، لا أن يساويه في المنزلة.
- اجتهاد النبي ﷺ في إصلاح أصحابه وترتيبهم.
- أن أفضل الطاعات تحقيق العبودية.
- أن نظر الصحابة إلى الآخرة.
- الصحابي ربيعة بن كعب أحد المتشرفين بخدمة النبي ﷺ ، وكان يبيت عند النبي ﷺ يأتيه بوضوئه، فأراد النبي ﷺ أن يكافئه على عمله وخدمته.
- ففيه كرم النبي ﷺ بمكافأة هذا الصحابي، وقد قال ﷺ : (من صنع إليكم معروفاً فكافئوه).
- جواز استخدام الرجل الحر.
- الجنة إنما تنال بمجاهدة النفس في الطاعة.
стр. 689
٣٤٦ - وَعَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: - حَفِظْتُ مِنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ عَشْرَ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ اَلظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ اَلْمَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ اَلْعِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ اَلصُّبْحِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا (َرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ اَلْجُمْعَةِ فِي بَيْتِهِ).
٣٤٧ - وَلِمُسْلِمٍ (كَانَ إِذَا طَلَعَ اَلْفَجْرُ لَا يُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ).
٣٤٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ اَلظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ اَلْغَدَاةِ). رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ
===
(كَانَ لَا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ اَلظُّهْر) أي: قبل صلاة الظهر لا قبل دخول الوقت.
(وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ اَلْغَدَاة) أي: قبل صلاة الفجر.
• كم عدد السنن الرواتب؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنها عشر. (الخلاف في الركعتين قبل الظهر هل هي أربع أم اثنتين).
لحديث الباب - حديث ابن عمر - قال (حفظت .. وركعتين قبل الظهر … ).
فعلى هذا القول يكون قبل الظهر ركعتين، وهذا هو المشهور عند الحنابلة.
القول الثاني: أن السنن الراتبة ثنتا عشرة ركعة. (بزيادة ركعتين قبل الظهر فتكون أربعاً).
وهذا قول الحنفية، واختاره ابن تيمية.
لحديث أُم حَبِيبَة قَالَتْ: سَمِعْتَ اَلنَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ (مَنْ صَلَّى اِثْنَتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي اَلْجَنَّةِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ (تَطَوُّعًا).
ولحديث عائشة - حديث الباب - (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ اَلظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ اَلْغَدَاةِ).
وهذا هو الصحيح.
• ما الأفضل أن تفعل السنن الرواتب وبقية النطوعات؟
الأفضل أن تفعل التطوعات في البيت.
أ-لقوله ﷺ (صلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) متفق عليه.
ب-ولقوله ﷺ (اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً) متفق عليه.
ج-ولقوله ﷺ (إذا قضى أحدكم صلاته في مسجده، فليجعل لبيته نصيباً من صلاته، فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيراً) رواه مسلم.
د- حديث الباب.
لكن ظاهر الحديث أن راتبة الجمعة والمغرب والعشاء الأفضل أن تصلى في البيت، وسكت عن مكان راتبة الفجر وكذا الظهر:
لكن وقع في رواية للبخاري عن ابن عمر قال (وحدثتني حفصة أن النبي ﷺ كان يصلي سجدتين خفيفتين بعدما يطلع الفجر، وكانت ساعة لا أدخل على النبي ﷺ فيها).
وأما راتبة الظهر: فقد ورد في حديث عائشة لما سئلت عن تطوع النبي ﷺ قال (كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعاً، ثم يخرج فيصلي بالناس … ) رواه مسلم.
стр. 690
• هل هذا الحكم حتى لو كان الإنسان في مكة أو المدينة؟
نعم، فالأفضل أن يصلي التطوع في بيته حتى لو كان في مكة أو بالمدينة.
• ما الحكمة في أن صلاة النافلة في البيت أفضل؟
قال النووي مبيناً الحكمة:
أ- لكونه أخفى وأبعد من الرياء.
ب- وأصون من المحبطات.
ج- وليتبرك البيت بذلك.
د-وتنزل فيه الرحمة والملائكة.
هـ- وينفر منه الشيطان. (انتهى كلام النووي).
و-أن فعلها في المنزل يخرج البيت عن كونه مقبرة.
ز-امتثال أمر الرسول ﷺ .
• أيهما أفضل في الأجر: التبكير إلى المسجد وحضور الصف الأول، أم صلاة السنة الراتبة في البيت، وبذلك يفوت الصف الأول؟
الذي يظهر لي أن الأفضل أن تصلي في البيت؛ لأن مخاطبتك بالراتبة قبل مخاطبتك بالصف، ويُبدأ بالأول فالأول، فصلِّ الراتبة ثم اذهب إلى المسجد، وكن حيثما تجد المكان. (الشيخ ابن عثيمين).
• ما وقت السنة الراتبة؟
قال ابن قدامة: كل سنة قبل الصلاة فوقتها من دخول وقتها إلى فعل الصلاة، وكل سنة بعدها فوقتها من فعل الصلاة إلى خروج وقتها.
• ما الحكم إذا فاتته سنة الظهر القبلية، فهل بعد الفريضة يبدأ بالبعدية أولاً أو الفائتة؟
قال الشيخ ابن عثيمين: إذا كان للصلاة سنتان قبلها وبعدها، وفاتته الأولى، فإنه يبدأ أولاً بالبعدية، ثم ما فاتته.
مثال: دخل والإمام يصلي الظهر - وهو لم يصلّ راتبة الظهر - فإذا انتهت الصلاة يصلي أولاً الركعتين اللتين بعد الصلاة ثم يقضي الأربع التي قبلها.
стр. 691
• هل هذه السنن الرواتب تفعل في السفر أم لا؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين؟
القول الأول: أنها مستحبة في السفر.
وهذا قول الحنفية، والمالكية، والشافعية.
أ-لعموم الأحاديث التي تحث عليها.
كحديث ابن عمر قال (حفظت من رسول الله ﷺ عشر ركعات … ).
وحديث أم حبيبة. قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول (من صلى لله ثنتي عشرة ركعة … ).
وجه الدلالة: أن الترغيب في هذه النوافل مطلق، فيشمل الحضر والسفر.
ب- القياس على النوافل المطلقة، فكما استحب للمسافر صلاتها، فإنه يستحب له صلاة الرواتب، بجامع الترغيب الوارد في كل منهما.
القول الثاني: أن راتبة الظهر والمغرب والعشاء لا تفعل، وتفعل جميع التطوعات والنوافل في السفر.
وهذا اختيار ابن تيمية ﵀.
أ-لحديث ابن عمر قال: (صحبت النبي ﷺ فلم أره يسبح في السفر) وقال تعالى (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة).
ب- قول ابن عمر (ولو كنت مسبحاً لأتممت).
قال ابن حجر: ومراد ابن عمر بقوله: (لو كنت مسبحاً لأتممت) يعني أنه لو كان مخيراً بين الإتمام وصلاة الراتبة لكان الإتمام أحب إليهم .... (مسبحاً) المسبح هنا المتنفل.
أي: فإذا قصرت الفريضة تخفيفاً على المكلف، فترك التنفل بالرواتب من باب أولى.
وهذا القول هو الصحيح.
قال الشيخ ابن عثيمين: الذي تبين لنا من السنة أن الذي يسقط في السفر ثلاثة أشياء فقط والباقي باق على ما هو عليه، والثلاث هي: سنة الظهر الراتبة، وراتبة المغرب، وراتبة العشاء، ثلاثة، والباقي افعله كما تشاء، حتى الظهر لو شئت أن تصلي تطوعاً بدون راتبة فلا بأس، إذاً: سنة الضحى مشروعة، التهجد في الليل مشروع، الوتر مشروع، سنة الفجر مشروعة، تحية المسجد مشروعة، كل النوافل باقية على أصلها إلا ثلاث، هي: راتبة الظهر، وراتبة المغرب، وراتبة العشاء، هذا الذي دلت عليه السنة.
стр. 692
• هل بقية التطوعات تفعل في السفر؟
قال النووي: اتفق العلماء على استحباب النوافل المطلقة في السفر، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه صلى الضحى في سفر وكان يصلي الوتر على بعيره.
عن ابن عمر (أن رسول الله ﷺ كان يصلي على راحلته في السفر حيث توجهت به) متفق عليه.
وعن أم هانئ (أن رسول الله ﷺ صلى في بيتها يوم الفتح ثمان ركعات) متفق عليه.
• هل تقضى الرواتب إذا ذهب وقتُها؟
الرواتب إذا ذهب وقتها نسياناً أو لنومٍ فإنها تُقْضَى.
أ- لدخولها في عموم قول النبي ﷺ (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها).
ب-ولأن النبي صلى ﷺ حين نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس، وقام وقام الصحابة معه فإنهم صَلَّوا الراتبة قبل الفريضة. (قاله الشيخ ابن عثيمين).
• ما الفرق بين سنة ابلضحى فلا تقضى، والوتر والسنن الرواتب تقضى؟
سنة الضحى إذا فات محلها فاتت؛ لأن سنة الضحى مقيدة بهذا، لكن الرواتب لما كانت تابعة للمكتوبات صارت تقضى، وكذلك الوتر لما ثبت في السنة أن النبي ﷺ إذا غلبه النوم أو المرض في الليل صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة، فالوتر يقضى
أيضاً. (قاله الشيخ ابن عثيمين).
стр. 693
٣٤٩ - وَعَنْهَا قَالَتْ (لَمْ يَكُنْ اَلنَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَيْءٍ مِنْ اَلنَّوَافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيْ اَلْفَجْرِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٣٥٠ - وَلِمُسْلِمٍ (رَكْعَتَا اَلْفَجْرِ خَيْرٌ مِنْ اَلدُّنْيَا وَمَا فِيهَا).
===
(عَلَى شَيْءٍ مِنْ اَلنَّوَافِلِ) أي: نوافل الصلاة، والمراد هنا: الرواتب التابعة للفرائض.
(أَشَدَّ تَعَاهُدًا) أي: أقوى وأكثر محافظة.
(مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيْ اَلْفَجْرِ) أي: راتبة الفجر.
(وَمَا فِيهَا) من المال والأهل والبنين وغيرها من زينة الدنيا.
• اذكر ما تختص به راتبة الفجر عن بقية الرواتب؟
تختص راتبة الفجر عن بقية الرواتب بخصائص:
أولاً: أنه أفضل الرواتب.
لأحاديث الباب.
ولمسلم (لهما أحب إليّ من الدنيا جميعاً).
ثانياً: يسن تخفيفها.
لحديث عائشة قالت (كان رسول الله ﷺ يصلي ركعتي الفجر فيخفف حتى أني أقول هل قرأ فيهما بأم القرآن) متفق عليه.
وعن حفصة قالت (كان رسول الله ﷺ إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين) رواه مسلم.
ثالثاً: لها قراءة خاصة.
في الركعة الأولى: الكافرون وفي الثانية: الإخلاص.
عن أبي هريرة ﵁ (أن رسول الله ﷺ قرأ في ركعتي الفجر قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد) رواه مسلم
أو يقرأ في الأولى (قولوا آمنا بالله) و (قل يا أهل الكتاب تعالوا) رواه مسلم.
رابعاً: أنها آكد السنن، ولذلك تفعل حتى في السفر.
لم يكن النبي ﷺ يدعها لا حضراً ولا سفراً.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه لما نام عن صلاة الفجر في السفر مع أصحابه قضى سنة الفجر.
بخلاف بقية الرواتب فإنها لا تفعل في السفر.
خامساً: يسن الاضطجاع بعدهما.
عن عائشة قالت (كان النبي ﷺ إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن) رواه البخاري.
стр. 694
• هل قال أحد من السلف بوجوب راتبة الفجر؟
قال الحافظ ابن حجر: وهو منقول عن الحسن البصري.
لقول عائشة ﵂ ( … ولم يكن يدعهما أبداً) رواه البخاري. أي سفراً وحضراً
وذهب الجمهور إلى أنهما غير واجبتين، لقول عائشة (لم يكن النبي ﷺ على شيء من النوافل … ).
• أيهما أفضل راتبة الفجر أم الوتر؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: الوتر.
أ-لمحافظة النبي ﷺ عليه.
ب-ولقوله ﷺ (الوتر حق).
القول الثاني: أن ركعتي الفجر أفضل.
أ-لقول عائشة (لم يدعهما أبداً).
ب-ولقوله ﷺ (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها).
قال ابن القيم ﵀: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: سنة الفجر تجري مجرى بداية العمل، والوتر خاتمته، ولذلك كان ﷺ يصلي سنة الفجر والوتر بسورتي الإخلاص، وهما الجامعتان لتوحيد العلم والعمل، وتوحيد المعرفة والإرادة، وتوحيد الاعتقاد والقصد.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- حقارة الدنيا وما فيها.
- عظيم فضل الله .
- أن من أهمل سنة الفجر - وقد ورد فيها هذا الفضل - فهذا يدل على ضعف دينه.
стр. 695
٣٥١ - وَعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ أُمِّ اَلْمُؤْمِنِينَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتَ اَلنَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ (مَنْ صَلَّى اِثْنَتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي اَلْجَنَّةِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ (تَطَوُّعاً).
٣٥٢ - وَلِلتِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ، وَزَادَ (أَرْبَعًا قَبْلَ اَلظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ اَلْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ اَلْعِشَاءِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ اَلْفَجْرِ).
٣٥٣ - وَلِلْخَمْسَةِ عَنْهَا (مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعٍ قَبْلَ اَلظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اَللَّهُ عَلَى اَلنَّارِ).
===
• ما صحة حديث (مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعٍ قَبْلَ اَلظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اَللَّهُ عَلَى اَلنَّارِ)؟
الحديث ضعيف على الأرجح من أقوال العلماء.
قال الشيخ عبد الله السعد حفظه الله: حديث (من صلى قبل الظهر أربعا وبعدها أربعا حرم الله جسده على النار) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، وتكلم فيه أبو داود الطيالسي، وساق النسائي روايات هذا الحديث، وبين الاختلاف! والأقرب أنه معلول وأصله حديث أم حبيبة (من حافظ على ثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة بنى الله له بيتا في الجنة). رواه مسلم
• اذكر لفظ حديث أم حبيبة كاملاً؟
رواه مسلم في صحيحة: … من طريق النُّعْمَان بْن سَالِم عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ قَالَ حَدَّثَنِى عَنْبَسَةُ بْنُ أَبِى سُفْيَانَ فِى مَرَضِهِ الَّذِى مَاتَ فِيهِ بِحَدِيثٍ يُتَسَارُّ إِلَيْهِ قَالَ سَمِعْتُ أُمَّ حَبِيبَةَ تَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (مَنْ صَلَّى اثْنَتَىْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بُنِىَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِى الْجَنَّةِ).
قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَقَالَ عَنْبَسَةُ فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ أُمِّ حَبِيبَةَ.
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ أَوْسٍ مَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ عَنْبَسَةَ.
وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ سَالِمٍ مَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ.
• ما فضل من حافظ على السنن الرواتب؟
بني له بيت في الجنة، وأن ذلك من أسباب دخول الجنة.
وهي: أربع قبل الظهر، واثتنان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل صلاة الصبح، كما ورد تفصيل ذلك في رواية الترمذي.
• هل هذا الأجر لمن فعلها بصفة دائمة، أم كل يوم له أجره؟
لفظ حديث أم حبيبة: (مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ) أن من صلى الرواتب الاثنتي عشرة ركعة - ولو يوماً واحداً من عمره - بنى الله له بيتاً في الجنة، وأن من حافظ عليها لأيام كثيرة كان له من البيوت في الجنة بعدد تلك الأيام التي حافظ عليها.
стр. 696
والأخذ بظاهر هذا اللفظ هو ما يبدو من قول عائشة ﵂ (من صلى أول النهار ثنتي عشرة ركعة بني له بيت في الجنة) رواه ابن أبي شيبة في (المصنف).
وكذلك هو ما يظهر من قول أبي هريرة ﵁ قال (ما من عبد مسلم يصلي في يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعا إلا بني له بيت في الجنة) رواه أحمد.
وهو أيضا ما يبدو من تبويب الإمام الترمذي ﵀ في جامعه (١/ ٥٣٧) على هذا الحديث بقوله:
(باب ما جاء فيمن صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة من السنة ما له فيه من الفضل).
وبوب عليه ابن حبان في " صحيحه " (٦/ ٢٠٤) بقوله:
(ذكر بناء الله جل وعلا بيتا في الجنة لمن صلى في اليوم والليلة اثنتي عشرة ركعة سوى الفريضة).
فكل هذه النقول جاءت بصيغة المطلق (في يوم وليلة اثنتي عشرة ركعة)، وهذا يدل على أن المحافظة على هذه الرواتب في يوم واحد فقط كاف لبناء بيت في الجنة.
سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل من صلاها وداوم عليها في اليوم الذي يصلى فيه يبنى له هذا البيت في الجنة، أم أنه لو صلى مثلا ثلاثة أيام يبنى له ثلاثة بيوت، أم ماذا؟
فأجاب ﵀:
" مَنْ صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بنى الله له بيتاً في الجنة على الجميع، فإذا حافظ عليها، صار كلَّ يوم يمضي يُبنَى له بيت في الجنة " انتهى باختصار.
وقال أيضاً ﵀: وظاهر الحديث أنه لا تشترط المحافظة على هذه الركعات، وأن الإنسان إذا صلاها يوماً واحداً: بنى الله له بيتاً في الجنة.
وجاء حديث أم حبية بلفظ آخر (مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُصَلِّي لِلَّهِ كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعًا غَيْرَ فَرِيضَةٍ إِلَّا بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ أَوْ إِلَّا بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ) رواه مسلم.
وهذا اللفظ يدل على اشتراط المحافظة على هذه الرواتب الاثنتي عشرة ركعة في كل يوم كي يثاب صاحبها عليها ببناء بيت واحد في الجنة.
بل وأصرح منه حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال (مَنْ ثَابَرَ عَلَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً مِنْ السُّنَّةِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ).
رواه الترمذي (رقم/ ٤١٤) وقال: حديث غريب من هذا الوجه، ومغيرة بن زياد قد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه. وصحح الحديث الشيخ الألباني في " صحيح الترمذي ".
стр. 697
وهو ظاهر ما يذهب إليه ابن أبي شيبة في (المصنف) (٢/ ١٠٨) حيث بوب عليه بقوله:
(في ثواب من ثابر اثني عشرة ركعة من التطوع).
والنسائي في " السنن الكبرى " (١/ ٤٥٨) حيث يقول:
(باب ثواب من ثابر على اثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة، وذكر اختلاف ألفاظ الناقلين في ذلك).
والله أعلم.
• اذكر بعض الأمثلة على حرص السلف على العمل بالعلم؟
أ-عن سالم عن أبيه عن رسول الله ﷺ قال: (نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل).
قال سالم: (فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلاً) متفق عليه.
ب-ولما علم النبي ﷺ علياً وفاطمة: (أن يسبحا ثلاثاً وثلاثين، ويحمدا ثلاثاً وثلاثين، ويكبرا أربعاً وثلاثين قبل النوم قال علي: ما تركته منذ سمعته من النبي ﷺ ، قيل: ولا ليلة صفين: قال: ولا ليلة صفين) رواه مسلم.
ج-وعن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه، يبيت ثلاث ليال، إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه، قال ابن عمر: ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ قال ذلك، إلا وعندي وصيتي) رواه مسلم.
د-وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ (من قرأ آية الكرسي عقيب كل صلاة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت). رواه النسائي
قال ابن القيم: بلغني عن شيخ الإسلام أنه قال: ما تركتها عقب كل صلاة إلا نسياناً أو نحوه.
هـ-وقال البخاري: ما اغتبت أحداً منذ علمت أن الغيبة حرام.
د-وقال الإمام أحمد: ما كتبت حديثاً إلا قد عملت به، حتى مرّ بي أن النبي ﷺ احتجم وأعطى أبى طيبة ديناراً فاحتجمت وأعطيت الحجام ديناراً.
• كم عدد السنة البعدية للظهر؟
تقدم في حديث ابن عمر أن بعد الظهر ركعتان، وأما حديث (مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعٍ قَبْلَ اَلظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اَللَّهُ عَلَى اَلنَّارِ) فضعيف كما سبق.
وعند من صححه من العلماء: فتكون هاتين الركعتين غير مؤكدتين.
стр. 698
٣٥٤ - وَعَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (رَحِمَ اَللَّهُ اِمْرَأً صَلَّى أَرْبَعًا قَبْلَ اَلْعَصْرِ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَاَلتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَصَحَّحَهُ.
===
• ما صحة الحديث؟
هذا الحديث مختلف في صحته، فصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والنووي، والألباني.
وضعفه آخرون:
قال ابن القيم: أعله أبو حاتم، قال ابنُ أبي حاتم: سمعت أبي يقول: سألت أبا الوليد الطيالسي عن حديث محمد بن مسلم بن المثنى عن أبيه عن ابن عمر، عن النبيِّ ﷺ : رَحِمَ اللهُ امرءاً صَلًى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبعاً، فقال: دع هذا. فقلت: إن أبا داود قد رواه، فقال: قال أبو الوليد: كان ابن عمر يقول: حفظتُ عن النبي ﷺ عشرَ ركعاتٍ في اليوم والليلة"، فلو كان هذا لعدَّه. قال أبي: كان يقول: حَفِظَتُ ثنتي عشرةَ ركعةَ.
وجاء أيضاً حديث آخر عن علي (أن النبي ﷺ كان يصلي قبل العصر أربعاً) رواه أحمد، وهو مختلف في صحته أيضاً.
قال ابن القيم: وسمعتُ شيخ الإِسلام ابن تيمية يُنكر هذا الحديث ويدفعه جداً، ويقول: إنه موضوع. ويذكر عن أبي إسحاق الجُوزجاني إنكاره.
• على ماذا يدل حديث الباب؟
يدل على استحباب صلاة أربع ركعات قبل العصر.
قال ابن قدامة: قوله: (رحم الله امرأً صلى … ) ترغيب فيها، ولم يجعلها من السنن الرواتب، بدليل أن ابن عمر راويه ولم يحفظها عن النبي ﷺ .
قال ابن تيمية: ليس للعصر سنة راتبة.
• ما معنى قوله (رحمك الله … )؟
تحتمل دعاء من النبي ﷺ ، وتحتمل أنه إخبار.
• اذكر بعض الأعمال التي يُرحم أصحابها؟
بالأسباب التي تنال بها الرحمة:
أولاً: رحمة الناس.
قال ﷺ (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) رواه أبو داود.
وقال ﷺ (إنما يرحم الله من عباده الرحماء).
وقال ﷺ (والشاة إن رحمتها رحمك الله).
стр. 699
ثانياً: الإحسان.
قال تعالى (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ).
ثالثاً: طاعة الرسول ﷺ -.
قال تعالى (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)
رابعاً: السماحة في البيع والشراء.
قال رسول الله ﷺ (رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى). رواه البخاري.
خامساً: عيادة المريض.
قال رسول الله ﷺ (من عاد مريضاً خاض في الرحمة).
سادساً: قيام الليل وإيقاظ الأهل.
قال رسول الله ﷺ (رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء) رواه أبو داود.
سابعاً: الحلق في النسك.
قال رسول الله ﷺ : اللهم ارحم المحلقين ثلاثاً.
ثامناً: مجالس الذكر.
قال رسول الله ﷺ : لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ..... رواه مسلم.
تاسعاً: الجلوس في المسجد.
قال رسول الله ﷺ (إن الملائكة تستغفر للمصلي مادام في مصلاه تقول: اللهم اغفر له اللهم ارحمه) متفق عليه
عاشراً: سماع حديث الرسول وتبليغه.
قال رسول الله ﷺ (رحم الله من سمع مني حديثاً فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع) رواه ابن حبان.
الحادي عشر: الإنصات للقرآن.
قال تعالى (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).
стр. 700
٣٥٥ - وَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ ﵁ عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (صَلُّوا قَبْلَ اَلْمَغْرِبِ، صَلُّوا قَبْلَ اَلْمَغْرِبِ " ثُمَّ قَالَ فِي اَلثَّالِثَةِ: " لِمَنْ شَاءَ " كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا اَلنَّاسُ سُنَّةً) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
وفي رواية ابن حبان (أن النبي ﷺ صلى قبل المغرب ركعتين).
٣٥٦ - وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ. قال (كُنَّا نُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ اَلشَّمْسِ، فَكَانَ ﷺ يَرَانَا، فَلَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَانا).
===
• على ماذا تدل هذه الأحاديث؟
هذه الأحاديث تدل على استحباب ركعتين قبل المغرب، وقد ثبت من قوله ﷺ ، وفعله، وإقراره.
أما قوله ﷺ (صلوا قبل المغرب).
وأما فعله ﷺ : ففي رواية ابن حبان.
وأما إقراره فحديث أنس، حيث كان يرى ﷺ الصحابة يفعلونها ولا ينكر عليهم.
• ما معنى قوله (كراهية أن يتخذها الناس سنة)؟
أي: طريقة لازمة أو سنة راتبة يكره تركها.
قال المحب الطبري: لم يرد نفي استحبابها، لأنه لا يمكن أن يأمر بما لا يستحب، بل هذا الحديث من أقوى الأدلة على استحبابها.
• هل هذه السنة من السنن الرواتب؟
لا، ليست من السنن الرواتب.
أ-لقوله (كراهية أن يتخذها الناس سنة).
ب-ولأنه لم يثبت أن النبي ﷺ واظب عليها.
• هل يسن أن يكون هناك فاصلاً بين الأذان والإقامة؟
نعم، فالسنة أن يفصل يسيراً بين الأذان والإقامة.
لقوله ﷺ (صلوا قبل المغرب) فهذا يدل على الفصل بين الأذان والإقامة في المغرب.
ولفعل الصحابة، حيث كانوا إذا أذن المغرب قاموا يصلون والنبي ﷺ يراهم فلم ينههم، وهذا إقرار.
خلافاً لمن قال من العلماء أن السنة في صلاة المغرب أن تقرن بالأذان.
стр. 701
• ما حجة من قال بعدم استحباب سنة المغرب؟ وما الرد عليهم؟
ذهب بعض العلماء إلى عدم استحبابها؟
قال النووي: ولم يستحبها أبو بكر وعمر وعثمان وآخرون من الصحابة، ومالك وأكثر الفقهاء.
وقال النخعي: هي بدعة.
وحجتهم:
أ-أن استحبابها يؤدي إلى تأخير صلاة المغرب عن أول وقتها قليلاً.
ب-وقالوا عن أحاديث الباب أنها منسوخة.
والرد عليهم:
قال النووي: والمختار استحبابها لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة، وأما قولهم: يؤدي إلى تأخير المغرب، فهذا خيال منابذ للسنة فلا يلتفت إليه، ومع هذا فهو زمن يسير لا تتأخر به الصلاة عن أول وقتها، وأما من زعم النسخ فهو مجازف، لأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا عجزنا عن التأويل والجمع بين الأحاديث.
стр. 702
٣٥٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (كَانَ اَلنَّبِيُّ ﷺ يُخَفِّفُ اَلرَّكْعَتَيْنِ اَللَّتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ اَلصُّبْحِ، حَتَّى إِنِّي أَقُولُ: أَقَرَأَ بِأُمِّ اَلْكِتَابِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(أَقَرَأَ بِأُمِّ اَلْكِتَابِ) أي سورة الفاتحة، سميت بذلك: قيل: لأنه يبدأ بكتابتها في المصاحف، وبقراءتها في الصلاة قبل السورة، وقيل: أم الشيء أصله، وهي أصل القرآن لاشتمالها على أنواع أغراض القرآن ومقاصده، قال الرازي: " سميت أم القرآن وأم الكتاب، لأنها أصل القرآن، منها بدئ القرآن ".
• ما السنة في راتبة الفجر التخفيف أم التطويل؟
المستحب تخفيفها.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
أ-لحديث الباب.
ب-ولحديث حفصة قالت (كان رسول الله ﷺ إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين) رواه مسلم.
ج-ولحديث عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ يصلي ركعتي الفجر إذا سمع الأذان ويخففها) متفق عليه.
وذهب الحنفية إلى استحباب تطويلها.
واستدلوا بالأحاديث الواردة في الترغيب في تطويل الصلاة، كقوله ﷺ (أفضل الصلاة طول القنوت).
والصحيح أن حديث (أفضل الصلاة طول القنوت) عام، وحديث الباب خاص.
• ما الحكمة من تخفيفها:
قيل: ليبادر إلى صلاة الفجر في أول الوقت، وبه جزم القرطبي.
وقيل: ليستفتح صلاة النهار بركعتين خفيفتين كما يصنع في صلاة الليل، ليدخل في الفرض بنشاط واستعداد تام.
• ما معنى قولها (حتى إني أقول: هل أقرأ بأم القرآن)؟
قال النووي: هذا الحديث دليل على المبالغة في التخفيف، والمراد المبالغة بالنسبة إلى عادته ﷺ من إطالة صلاة الليل وغيرها من نوافله.
• هل ذهب بعض العلماء إلى أنه لا يزيد في راتبة عن الفجر على أم الكتاب؟
نعم، فقد استدل بحديث الباب من قال: إنه لا يزيد فيهما على أم القرآن، وهو قول مالك.
وقال الجمهور: باستحباب ذلك.
وقالوا: معنى قول عائشة (هل قرأ بأم القرآن) أي مقتصراً عليها، أو ضم إليها غيرها، وذلك لإسراعه بقراءتها، وكان من عادته أن يرتل السورة حتى يكون أطول فيها.
• ما رأيك بقول من قال: إنه لا قراءة في راتبة الفجر أصلاً، استدلالاً بحديث الباب؟
قال النووي: وهو غلط بيّن، فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة التي ذكرها مسلم بعد هذا، أن رسول الله ﷺ كان يقرأ بعد الفاتحة بـ (قل يا أيها الكافرون) … وثبت في الأحاديث الصحيحة أنه لا صلاة إلا بقراءة.
стр. 703
٣٥٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﷺ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ فِي رَكْعَتَيْ اَلْفَجْرِ: (قُلْ يَا أَيُّهَا اَلْكَافِرُونَ) و: (قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدٌ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
===
• ما السنة في القراءة في ركعتي الفجر:
أ- السنة أن يقرأ في الأولى (قُلْ يَا أَيُّهَا اَلْكَافِرُونَ) و في الثانية (قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدٌ).
ب-أو يقرأ في الأولى (قولوا آمنا بالله) [البقرة: ١٣٦] و (قل يا أهل الكتاب تعالوا) [آل عمران: ٥٢] رواه مسلم.
• ما الحكمة من قراءة هاتين السورتين (قُلْ يَا أَيُّهَا اَلْكَافِرُونَ) و في الثانية (قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدٌ)؟
لما تضمنتا نوعي التوحيد.
فسورة (قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدٌ) تضمنت إثبات كل كمال لله تعالى، ونفي كل نقص عنه تعالى.
وسورة (قُلْ يَا أَيُّهَا اَلْكَافِرُونَ) تضمنت إيجاب عبادته وحده لا شريك له، والتبرؤ من عبادة كل ما سواه.
стр. 704
٣٥٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (كَانَ اَلنَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيْ اَلْفَجْرِ اِضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ اَلْأَيْمَنِ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
٣٦٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ اَلرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ اَلصُّبْحِ، فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى جَنْبِهِ اَلْأَيْمَنِ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
===
• ما صحة حديث أبي هريرة؟
اختلف العلماء فيه:
فصححه: ابن حبان، وابن خزيمة، وقواه ابن حجر، والنووي.
وضعفه: البيهقي، وابن العربي، وابن تيمية فيما نقله عنه ابن القيم، فقد قال: هذا حديث باطل، ليس بصحيح، وإنما الصحيح عنه الفعل لا الأمر بها، والأمر تفرد به عبد الواحد بن زياد وغلط فيه.
• ما حكم الاضطجاع بعد ركعتي الفجر؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: أنه مستحب.
قال العراقي: فممن كان يفعل ذلك أو يقول به من الصحابة: أبو موسى الأشعري، ورافع بن خديج، وأنس، وأبو هريرة، وممن أفتى به من التابعين: ابن سيرين، وعروة، وبقية الفقهاء السبعة، وممن قال باستحباب ذلك من الأئمة: الشافعي وأصحابه.
لأحاديث الباب، ورجحه النووي.
القول الثاني: أنه واجب مفترض لا بد منه.
وهو قول ابن حزم.
قال ابن القيم: وأما ابن حزم ومن تابعه، فإنهم يوجبون هذه الضجعة، ويبطل ابن حزم صلاة من لم يضطجعها.
لحديث أبي هريرة: (إذا صلى أحدكم … ) وسبق أنه ضعيف.
القول الثالث: أن ذلك مكروه وبدعة.
قال النووي: قال القاضي عياض: وذهب مالك وجمهور العلماء وجماعة من الصحابة إلى أنه بدعة.
القول الرابع: أنه خلاف الأولى.
القول الخامس: التفرقة بين من يقوم بالليل فيستحب له ذلك، وبين غيره فلا يشرع له.
واختاره ابن العربي، ورجحه ابن تيمية.
والراجح أنها سنة مطلقاً.
لفعل النبي ﷺ .
стр. 705
• ما الدليل على أنها غير واجبة؟
الدليل على أنها غير واجبة: حديث عائشة (أن النبي ﷺ كان إذا صلى سنة الفجر، فإن كنت مستيقظة حدثني، وإلا اضطجع) رواه البخاري.
قال ابن حجر: وبذلك احتج الأئمة على عدم الوجوب.
• ما الحكمة من هذا الاضطجاع؟
اختلف العلماء في الحكمة من هذا الاضطجاع:
فقيل: الراحة والنشاط لصلاة الفرض، وعلى هذا القول فلا يستحب إلا للمتهجد.
وقيل: أن فائدتها الفصل بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح.
وقيل: البعد عن الرياء.
• هل الاضطجاع بعد سنة الفجر أم بعد الوتر؟
الاضطجاع بعد سنة الفجر كما في حديث عائشة.
وما جاء في أنه بعد الوتر فهو شاذ.
وأما رواية مالك عن ابن الزهري عن عروة عن عائشة (أن رسول الله ﷺ كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة، يوتر منها بواحدة، فإذا فرغ منها، اضطجع على شقه الأيمن، حتى يأتيه المؤذن، فيصلي ركعتين خفيفتين). فجعل الاضطجاع بعد الوتر، وهذه الرواية شاذة.
فعامة أصحاب الزهري جعلوا هذا الاضطجاع بعد سنة الفجر، وخالفهم مالك وجعله بعد الوتر.
ولذلك حكم بعض العلماء على رواية مالك بالوهم: كالبيهقي، والذهلي، ومسلم.
وقد قال الحافظ ابن القيم: وأما حديث عائشة فاختلف على ابن شهاب فيه فقال مالك عنه: فإذا فرغ يعني من قيام الليل، اضطجع على شقه الأيمن، … ثم قال: وخالف مالكاً عقيل ويونس وشعيب وابن أبي ذئب والأوزاعي وغيرهم، فرووا عن الزهري أن النبي ﷺ كان يركع الركعتين للفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن، حتى تأتيه المؤذن، فيخرج معه، فذكر مالك أن اضطجاعه كان قبل ركعتي الفجر، ومن حديث الجماعة أنه اضطجع بعدهما، فحكم العلماء أن مالكاً أخطأ وأصحاب غيره.
ورد ذلك ابن عبد البر وقال بأن كلا الروايتين محفوظة.
• هل الاضطجاع يفعل في المسجد أم في البيت؟
السنة أن يفعل في البيت دون المسجد.
وهذا محكي عن ابن عمر.
ولأنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه فعله في المسجد.
وصح عن ابن عمر أنه كان يحصب من يفعله في المسجد. أخرجه ابن أبي شيبة
следующие страницы →