Полный текст (3 038 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
٤٠٧ - وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (يَؤُمُّ اَلْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اَللَّهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي اَلْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي اَلسُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي اَلْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا -وَفِي رِوَايَةٍ: سِنًّا- وَلَا يَؤُمَّنَّ اَلرَّجُلُ اَلرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ) رَوَاهُ مُسْلِم.
===
(على تكرمته) قال العلماء: التكرمة الفراش مما يبسط لصاحب المنزل ويخص به.
• من أولى الناس بالأمة في الصلاة؟
أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اَللَّهِ.
لقوله ﷺ (يَؤُمُّ اَلْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اَللَّهِ).
• ما معنى قوله (أقرؤهم لكتاب الله)؟
اختلف في معنى (أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اَللَّه) على قولين:
القول الأول: أنه الأكثر حفظاً.
أ- لحديث ابْنِ عُمَرَ قَالَ (لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الأَوَّلُونَ الْعُصْبَةَ - مَوْضِعٌ بِقُبَاءٍ - قَبْلَ مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِى حُذَيْفَةَ، وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآناً) رواه البخاري.
وجه الدلالة: أن سالم تقدم على هؤلاء الصحابة بكونه أكثرهم قرآناً، فيكون هذا الحديث مبيناً لما أجمل في حديث أبي مسعود (يَؤُمُّ اَلْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اَللَّهِ).
ب- لحديث عمرو بن سلمة - وقد سبق - ( … فَإِذَا حَضَرَتْ اَلصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآناً … ).
القول الثاني: الأحسن قراءة.
قالوا: لأن هذا هو الموافق للغة.
والصحيح الأول.
• أيهم يقدم الأقرأ أم الأفقه؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يقدم الأقرأ على الأفقه.
قال النووي: وهو مذهب أبي حنيفة، وأحمد، وبعض أصحابنا.
أ-لحديث الباب.
ب-وعن ابن عمر قال: (لما قدم المهاجرون الأولون نزلوا العصبة قبل مقدم رسول الله ﷺ ، فكان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة وكان أكثرهم قرآناً). رواه البخاري وكان منهم عمر، وأبو سلمة.
стр. 772
القول الثاني: يقدم الأفقه على الأقرأ.
قال النووي: وقال مالك والشافعي الأفقه مقدم على الأقرأ.
لقوله ﷺ (مروا أبا بكر فليصلّ بالناس) متفق عليه.
قالوا: إن النبي ﷺ أمر أبا بكر أن يصلي وفيه من هو أقرأ منه، كأبي بن كعب بقوله ﷺ : (أقرؤكم أبي) فدل على تقديم الأفقه.
وقالوا: لأن الذي يحتاج إليه من القراء مضبوط، والذي يحتاج إليه من الفقه غير مضبوط، وقد يعرض في الصلاة أمر لا يقدر على مراعاة الصواب فيه إلا كامل الفقه.
وأجابوا عن حديث: (يؤم القوم أقرؤهم … ):
قالوا: بأن الأقرأ من الصحابة كان هو الأفقه، لأن الصحابة كانوا لا يتعلمون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل.
والراجح الأول.
قال النووي: في قوله (فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة) دليل على تقديم الأقرأ مطلقاً.
• من الذي يقدم بعد الأقرأ؟
الأعلم بالسنة.
لحديث الباب ( … فَإِنْ كَانُوا فِي اَلْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ).
• ما معنى الأعلم بالسنة؟
يعني بأحكام الشريعة من صلاة و صيام وحج وغيرها.
• من الذي يقدم بعد الأعلم بالسنة؟
الأقدم هجرة.
لقوله ﷺ ( … فَإِنْ كَانُوا فِي اَلسُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً).
• ما معنى الأقدم هجرة؟
معناه: أن من هاجر إلى رسول الله ﷺ أولاً يقدّم على من هاجر بعده.
• ما الحكمة من تقديمه؟
قال بعض العلماء: لأنه أسبق إلى الخير، وأقرب إلى معرفة الشرع ممن تأخر في بلاد الكفر.
стр. 773
• هل الأشرف مقدم على الأقدم هجرة؟
ذهب إلى ذلك بعض العلماء وهو مذهب لشافعية، والحنابلة.
واستدلوا بالأحاديث التي جاءت بالأمر بتقديم القرشيين على غيرهم في الخلافة، كحديث أبي هريرة. أن النبي ﷺ قال (الناس تبع لقريش) متفق عليه.
وحديث (قدموا قريشاً ولا تقدموها) رواه الخطيب.
وحديث (الأئمة من قريش) رواه أحمد.
قالوا: وإمامة الصلاة ولاية، فإذا قدم في الولاية الكبرى بالنسب فالولاية الصغرى أولى.
لكن الصحيح أن الأقدم هجرة مقدم على الأشرف لصحة لحديث الباب في ذلك.
وهذا قول الحنفية، والمالكية، واختيار ابن تيمية.
فالنبي ﷺ رتب الخصال التي يكون بحسبها المفاضلة ولم يذكر منها الشرف، فتقديمه اعتبار لما لم يعتبره الشارع، وإلغاء لما اعتبره من الهجرة.
وأما الأحاديث التي استدل بها أصحاب القول الأول فيقال: بأن تقديمهم في الولاية الكبرى لا يلزم منه تقديمهم في الولاية الصغرى.
• من الذي يقدم بعد الأقدم هجرة؟
يقدم الأقدم إسلاماً، ثم الأكبر سناً.
لقوله ﷺ ( … فَإِنْ كَانُوا فِي اَلْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا -وَفِي رِوَايَةٍ: سِناً).
لقوله ﷺ (وليؤمكم أكبركم).
• ما الجواب عن قوله ﷺ (فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم) حيث قدم الأكبر سناً؟
الجواب: لأنهم كانوا متساوين في باقي الخصال، لأنهم هاجروا جميعاً، وأسلموا جميعاً، وصحبوا رسول الله ﷺ ، ولازموه عشرين ليلة، فاستووا في الأخذ عنه، ولم يبق ما تقدم به إلا السن، وقد جاء عند أبي داود (وكنا متقاربين).
• ما حكم إذا تساووا في المراتب الماضية كلها؟
يختار أحدهما بالقرعة.
قال الشيخ ابن عثيمين في الممتع: (ثَم مَنْ قَرَعَ).
قوله (ثم من قرع) أي: إذا استوى في هذه المراتبِ كلِّها رَجُلان؛ فإنَّنا في هذه الحال نستعملُ القُرْعَةَ، فمَن غَلَبَ في القُرعةِ فهو أحقُّ، فإذا اجتمعَ جماعةٌ يريدون الصَّلاةَ، فقال أحدُهم: أنا أتقدَّمُ، وقال الثاني: أنا أتقدَّمُ، ونظرنا فإذا هما متساويان في كلِّ الأوصافِ فهنا نُقرِعُ بينهما ما لم يتنازل أحدِهما عن طَلَبِهِ، فَمَنْ قَرَعَ فهو الإِمامُ. والقُرْعَةُ ليس لها صورةٌ معينةٌ، بل هي بحسب ما يتَّفِقُ الناسُ عليه، فممكن أن نكتب بورقة (إمام) والأخرى (بيضاء)، ونخلُطَ بعضَهما ببعضٍ، ونعطيهما واحداً، ونقولُ: أعطِ كُلَّ واحدٍ مِنْ هذين الرَّجُلين ورقةً، فإذا وقعت بيد أحدِهما، (إمام) فهو الإِمام، أو ما أشبه ذلك، فكيفما اقترعوا جَازَ.
• فإن قال قائلٌ: ما الدَّليلُ على استعمال القُرعةِ في العباداتِ؟
قلنا: قَولُ النَّبيِّ ﷺ (لو يَعْلَمُ النَّاسُ ما في النِّداءِ والصَّفِّ الأولِ، ثم لم يجدوا إلا أنْ يَسْتَهِموا عليه لاسْتَهَمُوا) فهذا نصٌّ واضحٌ في أنَّ القُرعةَ تدخُلُ في الأذانِ والصَّفِ الأولِ إذا تَشَاحُّوا فيهما.
стр. 774
• وهل وردت القُرعَةُ في القرآن؟
الجواب: نعم، في موضعين مِنْ القرآن:
الأول: في سورة آل عمران: في قوله تعالى (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ).
الثاني: في سورة الصافات: في قوله تعالى (فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ). (الشرح الممتع)
• من أحق بالإمامة صاحب البيت أو ضيفه إذا كان أفقه وأقرأ منه؟
صاحب البيت والمجلس وإمام المسجد أحق من غيره، وإن كان ذلك الغير أفقه وأقرأ.
لقوله ﷺ (ولا يؤمنّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه).
عند أبي داود (أو في بيته).
فإمام المسجد الراتب أحق من غيره ولو كان غيره أقرأ.
لحديث: (ولا يؤمنّ الرجل … ) وإمام المسجد سلطان في مسجده.
ولأننا لو قلنا أن الأقرأ أولى حتى ولو كان للمسجد إمام راتب، لحصل بذلك فوضى، وكان لهذا المسجد في كل صلاة إمام.
• من يقدّم مالك البيت أو المستأجر؟
المستأجر أَولى، لأنَّ المستأجرَ مالكُ المنفعةِ، فهو أحقُّ بانتفاعِهِ في هذا البيت. (الشرح الممتع).
• ما حكم الجلوس على فراش صاحب المنزل؟
لا يجوز القعود على فراش صاحب المنزل إلا بإذنه.
لقوله ( … وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِه).
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- فضل حفظ القرآن الكريم، وأنه من أفضل العبادات، وسبب للتقديم.
стр. 775
٤٠٨ - وَلِابْنِ مَاجَهْ: مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ (وَلَا تَؤُمَّنَّ اِمْرَأَةٌ رَجُلًا، وَلَا أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا، وَلَا فَاجِرٌ مُؤْمِنًا) وَإِسْنَادُهُ وَاهٍ.
===
(الأعرابي) ساكن البادية،
(والمهاجر) من كان بالحاضرة.
- ما صحة حديث الباب؟
لا يصح كما قال المصنف ﵀، فيه عبد الله بن محمد العدوي، متروك الحديث، وفيه علي بن زيد بن جدعان ضعيف.
- ما حكم إمامة المرأة للرجال؟
أولاً: إمامة المرأة للرجال لا تجوز مطلقاً لا في الفرض ولا في النفل.
أ- لقوله ﷺ (خير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها) رواه مسلم.
دل الحديث على أن موقفهن في الصلاة التأخير عن الرجال والإمام لا يكون إلا متقدماً، فإمامتها للرجال إذن لا تجوز.
ب- لحديث أبي بكرة أن رسول الله ﷺ قال: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) رواه البخاري.
دل الحديث على نفي الفلاح لمن ولى أمره امرأة والإمامة نوع من الولاية العظمى.
ج- قوله ﷺ (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهل للب الرجل … ).
دل الحديث على وصف المرأة بنقصان الدين والعقل، والإمامة موضع رفعة، فلا تصح إمامة من كان بهذا الوصف .... [أحكام الإمامة والائتمام].
• ما حكم إمامة الأعرابي؟
قال بعض العلماء بالكراهة.
لأن الغالب على أهل البادية الجفاء، وقلة المعرفة بحدود الله.
والصحيح أنه تصح إمامة الأعرابي للمهاجر إذا كان أقرأ منه.
أ-لعموم (يؤم القوم أقرؤوهم لكتاب الله).
ب-ولأنه مكلف من أهل الإمامة.
• ما حكم إمامة الفاسق؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: لا تصح إمامته.
وهذا مذهب أحمد.
لحديث الباب ( … وَلَا فَاجِرٌ مُؤْمِنًا).
وعللوا: بأن الإمامة تتضمن حمل القراءة ولا يؤمن تركه لها، ولا يؤمن ترك بعض شرائطها كالطهارة وليس ثَم أمارة يستدل بها.
القول الثاني: أنه تصح.
وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، واختاره الشيخ ابن باز.
أ-لحديث أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : (كيف أنت إذا كان عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: صلّ الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصلّ فإنها لك نافلة). متفق عليه
ب- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم). رواه البخاري
فالرسول ﷺ أذن بالصلاة خلف أمراء الجوْر، فدل على جواز الصلاة خلف الفاسق.
ج- أن الصحابة ومنهم ابن عمر كانوا يصلون خلف الحجاج، وابن عمر من أشد الناس تحرياً لاتباع السنة، والحجاج من الفساق.
والحسن والحسين وغيرهما من الصحابة كانوا يصلون مع مروان.
وهذا القول هو الصحيح.
стр. 776
٤٠٩ - وَعَنْ أَنَسٍ، عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (رُصُّوا صُفُوفَكُمْ، وَقَارِبُوا بَيْنَهَا، وَحَاذُوا بِالْأَعْنَاقِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ.
===
(رُصُّوا صُفُوفَكُمْ) من الرص، يقال رص العنان يرصيه رصاً إذا ألصق بعضه ببعض، ومنه قوله تعالى (كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوص)، ومعناه تضاموا وتلاصقوا حتى يتصل ما بينكم.
(وَقَارِبُوا بَيْنَهَا) أي بين الصفوف.
(وَحَاذُوا بِالْأَعْنَاقِ) جمع عنق، والمراد به الرقبة.
(خلل) الخلل ما يكون بين الاثنين من اتساع عند التزاحم.
(الحَذَف) غنم سود صغار حجازية.
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث رواه أبو داود والنسائي وهو حديث صحيح.
وفيه زيادة: (فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصف كأنها الحذف).
• ما حكم تسوية الصفوف؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنها واجبة.
وهذا مذهب ابن حزم، واختاره ابن تيمية والشيخ ابن عثيمين.
أ- لحديث الباب وفيه (رصوا … ).
وهذا أمر والأمر يقتضي الوجوب.
ب- ولحديث النعمان بن بشير. قال: قال ﷺ (لتسوون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم) متفق عليه.
قال الألباني: فإن هذا التهديد لا يقال فيما ليس بواجب كما لا يخفى.
ج- ولحديث أبي مسعود البدري. قال (كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم) رواه مسلم.
القول الثاني: أنه سنة مؤكدة غير واجب.
وهذا مذهب جمهور العلماء.
لقوله ﷺ : ( … فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة) وفي رواية: (من كمال الصلاة).
وجه الدلالة: حيث لم يذكر الحديث أن تسوية الصفوف من أركان الصلاة، ولا من واجباتها، وإنما من تمامها وحسنها، وهذا غايته الاستحباب ليس إلا.
والراجح القول الأول.
стр. 777
• ما معنى قوله ﷺ (أو ليخالفن الله بين وجوهكم)؟
قيل: معناه يمسخها ويحولها عن صورها.
وقيل: معناه يوقع بينكم العداوة والبغضاء واختلاف القلوب، وهذا هو الصحيح.
ويؤيده رواية أبي داود (أو ليخالفن الله بين قلوبكم).
• بما تكون تسوية الصفوف؟
تسوية الصَّفِّ تكون بالتساوي، بحيث لا يتقدَّم أحدٌ على أحد، وهل المعتبر مُقدَّم الرِّجْلِ؟
قال الشيخ ابن عثيمين: المعتبر المناكب في أعلى البَدَن، والأكعُب في أسفل البَدَن، وإنما اعتُبرت الأكعب؛ لأنها في العمود الذي يَعتمد عليه البدنُ، فإن الكعب في أسفل السَّاق، والسَّاقُ هو عمودُ البَدَن، فكان هذا هو المُعتبر. وأما أطراف الأرجُل فليست بمعتبرة؛ وذلك لأن أطراف الأرجُلِ تختلف، فبعض الناس تكون رِجْلُه طويلة، وبعضهم قصيرة، فلهذا كان المعتبر الكعب.
وهناك تسوية أخرى بمعنى الكمال؛ يعني: الاستواء بمعنى الكمال، كما قال الله تعالى: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى)، أي: كَمُلَ، فإذا قلنا: استواءُ الصَّفِّ بمعنى كماله؛ لم يكن ذلك مقتصراً على تسوية المحاذاة، بل يشمَل عِدَّة أشياء:
أولاً: تسويةَ المحاذاة، وهذه على القول الرَّاجح واجبة، وقد سبقت.
ثانياً: التَّراصَّ في الصَّفِّ، فإنَّ هذا مِنْ كماله، وكان النبي ﷺ يأمر بذلك، ونَدَبَ أمَّتَهُ أن يصفُّوا كما تصفُّ الملائكةُ عند ربِّها، يتراصُّون ويكملون الأول فالأول، ولكن المراد بالتَّراصِّ أن لا يَدَعُوا فُرَجاً للشياطين، وليس المراد بالتَّراص التَّزاحم؛ لأن هناك فَرْقاً بين التَّراصِّ والتَّزاحم؛ ولهذا كان النبي ﷺ يقول: أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب … ولا تذروا فُرُجَات للشيطان، أي: لا يكون بينكم فُرَج تدخل منها الشياطين؛ لأن الشياطِين يدخلون بين الصُّفوفِ كأولاد الضأن الصِّغارِ؛ من أجل أن يُشوِّشوا على المصلين صلاتَهم.
ثالثاً: إكمالَ الأول فالأول، فإنَّ هذا مِنْ استواءِ الصُّفوف، فلا يُشرع في الصَّفِّ الثاني حتى يَكمُلَ الصَّفُّ الأول، ولا يُشرع في الثالث حتى يَكمُلَ الثاني وهكذا، وقد نَدَبَ النبي ﷺ إلى تكميل الصفِّ الأول فقال: (لو يعلم الناسُ ما في النِّداءِ والصَّفِّ الأولِ؛ ثم لم يجدوا إلا أن يَسْتَهِمُوا عليه لاسْتَهَمُوا) يعني: يقترعون عليه؛ فإذا جاء اثنان للصفِّ الأول، فقال أحدهم: أنا أحقُّ به منك، وقال الآخر: أنا أحقُّ، قال: إذاً نقترعُ، أيُّنا يكون في هذا المكان الخالي
ومِنْ لَعِبِ الشيطان بكثير من الناس اليوم: أنهم يرون الصفَّ الأول ليس فيه إلا نصفُه، ومع ذلك يشرعون في الصفِّ الثاني، ثم إذا أُقيمت الصلاة، وقيل لهم: أتمُّوا الصفَّ الأول، جعلوا يتلفَّتون مندهشين.
стр. 778
رابعاً: ومِن تسوية الصُّفوف: التقاربُ فيما بينها، وفيما بينها وبين الإِمام؛ لأنهم جماعةٌ، والجماعةُ مأخوذةٌ مِنْ الاجتماع: ولا اجتماع كامل مع التباعد، فكلما قَرُبَت الصُّفوفُ بعضها إلى بعض، وقَرُبَت إلى الإِمام كان أفضل وأجمل، ونحن نرى في بعض المساجد أنَّ بين الإِمام وبين الصَّفِّ الأول ما يتَّسع لصفٍّ أو صفَّين، أي: أنَّ الإِمام يتقدَّم كثيراً، وهذا فيما أظنُّ صادر عن الجهل، فالسُّنَّةُ للإمام أن يكون قريباً مِنْ المأمومين، وللمأمومين أن يكونوا قريبين مِنْ الإِمام، وأن يكون كلُّ صفٍّ قريباً مِنْ الصَّفِّ الآخر، وحَدُّ القُرب: أن يكون بينهما مقدار ما يَسَعُ للسُّجودِ وزيادة يسيرة
خامساً: ومِن تسوية الصُّفوفِ وكمالها: أن يدنوَ الإِنسانُ مِنْ الإِمامِ؛ لقول النبي ﷺ : لِيَلِنِي منكم أولُو الأحْلامِ والنُّهَى، وكلَّما كان أقربَ كان أَولى، ولهذا جاء الحثُّ على الدُّنوِّ مِنْ الإِمام في صلاة الجُمعة، لأن الدُّنوَّ مِنْ الإِمام في صلاة الجُمعة يحصُل به الدُّنُو إليه في الصَّلاةِ، وفي الخطبة، فالدُّنُو مِنْ الإِمام أمرٌ مطلوب، وبعضُ الناس يتهاون بهذا؛ ولا يحرِصُ عليه
سادساً: ومِن تسوية الصُّفوف: تفضيل يمين الصفِّ على شماله، يعني: أنَّ أيمن الصَّفِّ أفضل مِنْ أيسره، ولكن ليس على سبيل الإِطلاق؛ كما في الصَّفِّ الأول؛ لأنه لو كان على سبيل الإِطلاق، كما في الصف الأول؛ لقال الرَّسولُ ﵊: (أتمُّوا الأيمن فالأيمن) كما قال: (أتمُّوا الصَّفَّ الأول، ثم الذي يليه). وإنما يكون يمين الصف أفضل من يساره إذا تساوى اليمينُ واليسار أو تقاربا، كما لو كان اليسار خمسة واليمين خمسة؛ وجاء الحادي عشر؛ نقول: اذهبْ إلى اليمين؛ لأنَّ اليمين أفضلُ مع التَّساوي، أو التقارب أيضاً؛ بحيث لا يظهر التفاوتُ بين يمين الصَّفِّ ويسارِه، أما مع التَّباعد فلا شكَّ أنَّ اليسار القريبَ أفضل من اليمين البعيد. ويدلُّ لذلك: أنَّ المشروع في أول الأمر للجماعة إذا كانوا ثلاثة أن يقف الإِمام بينهما، أي: بين الاثنين. وهذا يدلُّ على أن اليمينَ ليس أفضلَ مطلقاً؛ لأنه لو كان أفضلَ مطلقاً؛ لكان الأفضل أن يكون المأمومان عن يمينِ الإِمامِ، ولكن كان المشروعُ أن يكون واحداً عن اليمين وواحداً عن اليسار حتى يتوسَّط الإِمام، ولا يحصُل حَيْفٌ وجَنَفٌ في أحد الطرفين.
سابعاً: ومِن تسوية الصُّفوفِ: أن تُفرد النِّساءُ وحدَهن؛ بمعنى: أن يكون النِّساءُ خلف الرِّجال، لا يختلط النِّساء بالرِّجال، لقول النبي ﷺ (خير صفوف النساء آخرها .... ).
• اذكر فضل تسوية الصفوف؟
أولاً: أنها من تسوية الصلاة وكمالها.
قال ﷺ (سووا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة).
ثالثاً: يصله الله.
كما قال ﷺ (من وصل صفاً وصله الله) رواه أبو داود.
فائدة: قوله: (فإني أراكم من ورائي ظهري).
جاء في رواية: (أقبل رسول الله ﷺ على الناس بوجهه فقال: أتموا صفوفكم … ).
دليل على أن شروع الإمام في تكبيرة الإحرام عند قول المؤذن: قد قامت الصلاة بدعة، لمخالفتها للسنة الصحيحة، لأن الحديث يدل على أن الإمام بعد إقامة الصلاة أمر الناس بتسوية الصف.
стр. 779
٤١٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (خَيْرُ صُفُوفِ اَلرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ اَلنِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا) رَوَاهُ مُسْلِم.
===
(خَيْرُ صُفُوفِ اَلرِّجَالِ أَوَّلُهَا) أي: أكثرها ثواباً وأجراً.
(وَشَرُّهَا آخِرُهَا) قال النووي: والمراد بشر الصفوف أقلها ثواباً وفضلاً، وأبعدها من مطلوب الشرع.
• ما أفضل صفوف الرجال؟
أولها، وقد جاءت أحاديث كثيرة في فضل الصف الأول.
عن جابر بن سَمُرَة ﵄، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُول اللهِ ﷺ ، فَقَالَ (ألَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ المَلائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟) فَقُلنَا: يَا رَسُول اللهِ، وَكَيفَ تُصَفُّ المَلائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ قَالَ: ((يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الأُوَلَ، وَيَتَرَاصُّونَ في الصَّفِّ)) رواه مُسلِم.
وعن أبي هريرة ﵁: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلاَّ أنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا) متفقٌ عَلَيهِ.
وعنه قَالَ: قال رَسُول اللهِ ﷺ (خيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أوَّلُهَا). رواه مُسلِم
وعن أبي سعيد الخدرِيِّ ﵁: أنَّ رَسُول اللهِ ﷺ رأى في أصْحَابِهِ تَأَخُّراً، فَقَالَ لَهُمْ (تَقَدَّمُوا فَأتَمُّوا بِي، وَلْيَأتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ الله) رواه مُسلِم.
• ما خير صفوف النساء؟
آخرها.
لقوله ﷺ (وَخَيْرُ صُفُوفِ اَلنِّسَاءِ آخِرُهَا).
• هل صفوف النساء أفضلها آخرها مطلقاً سواء صلين مع الرجال أو لوحدهن، أو المراد إذا صلين مع الرجال؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أنهم إذا صلين منفردات عن الرجال فخير صفوفهن أولها.
وهذا اختاره النووي، والصنعاني.
وقالوا: أن المراد بالحديث إذا صلين مع الرجال.
قال النووي: وأما صفوف النساء فالمراد بالحديث صفوف النساء اللواتي يصلين مع الرجال، وأما إذا صلين متميزات لا مع الرجال فهن كالرجال خير صفوفهن أولها، وشرها آخرها.
القول الثاني: إن خير صفوف النساء آخرها مطلقاً، سواء صلين منفردات أو مع الرجال.
لعموم الحديث.
стр. 780
• لماذا فضل آخر صفوف النساء الحاضرات مع الرجال؟
إنما فضل آخر صفوف النساء الحاضرات مع الرجال لبعدهن من مخالطة الرجال، ورؤيتهم، وتعلق القلب بهم عند رؤية حركاتهم وسماع كلامهم
• ما المراد بالصف بالأول في قوله ﷺ (أولها … )؟
المراد بالصف الأول الذي جاءت الأحاديث بفضله والحث عليه هو الصف الذي يلي الإمام، سواء جاء صاحبه متقدماً أو متأخراً.
وقيل: الصف الأول عبارة عن مجيء الإنسان إلى المسجد أولاً وإن صلى في صف متأخر.
ورجح النووي الأول.
• ما حكم صلاة النساء في المسجد؟
الحديث دليل على جواز ذلك.
وقد قال ﷺ مخاطباً الأولياء (لا تمنعوا إماء الله … ).
وقال ﷺ مخاطباً النساء (وليخرجن تفلات) أي غير متطيبات.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- الحديث دليل على ألآن النساء يقفن في الصلاة صفوفاً كالرجل إذا صلين جماعة.
- ذم التأخر عن الصف الأول.
стр. 781
٤١١ - وَعَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ بِرَأْسِي مِنْ وَرَائِي، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
===
(فَأَخَذَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ بِرَأْسِي مِنْ وَرَائِي) جاء عند مسلم (فأخذني من وراء ظهره).
• ما موقف المأموم إذا كان واحداً؟
الحديث دليل على أن المأموم الواحد يقف عن يمين الإمام.
قال ابن قدامة: وإذا كان المأموم واحداً ذكراً، فالسنة أن يقف عن يمين الإمام رجلاً كان أو غلاماً.
وقال النووي: وأما الواحد فيقف عن يمين الإمام عند العلماء كافة.
لحديث الباب.
ولحديث جابر قال (قام رسول الله ﷺ ليصلي، فجئت فقمت عن يساره، فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه، ثم جاء جبار بن صخر فأخذ بأيدينا جميعاً فدفعنا حتى أقامنا خلفه). رواه مسلم
• ما الحكم لو وقف المأموم عن يسار الإمام، هل تصح صلاته أم لا؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: لا تصح صلاته.
وهذا المذهب.
لحديث الباب.
قالوا: أن النبي ﷺ أدار ابن عباس من يساره إلى يمينه، فدل على أن اليسار غير موقف للمأموم الواحد، فإذا وقف فيه بطلت صلاته.
القول الثاني: تصح صلاته.
وهذا مذهب جماهير العلماء، ورجحه الشيخ السعدي.
لحديث ابن عباس وجابر السابقين.
وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ لم يأمرهما باستئناف الصلاة، ولو لم يكن موقفاً لأمرهما الرسول ﷺ باستئناف الصلاة.
وكون النبي ﷺ ردّ جابر وجبار وابن عباس، لا يدل على عدم الصحة، بدليل ردّ جابر وجبار إلى ورائه، مع صحة صلاتهما عن جانبه.
وهذا القول هو الصحيح.
قال الشيخ السعدي: والصحيح أن وقوف المأموم عن يمين الإمام سنة مؤكدة، لا واجب تبطل الصلاة، فتصح الصلاة عن يسار الإمام مع خلو يمينه، لأن النهي إنما ورد عن الفذية، وأما يمينه فإنه يدل على الأفضلية لا على الوجوب، لأنه لم ينه عنه، والفعل يدل على السنية.
стр. 782
• ما رأيك بمن يقول: إذا صلى مع الإمام واحد، فإنه يشرع له أن يتأخر المأموم قليلاً ليكون الإمام متقدم؟
هذا القول ضعيف.
بل الصواب أنه يقف عن جنبه مساوياً من غير تقدم ولا تأخر.
ففي حديث الباب في رواية ( … فقمت إلى جنبه) وهذا ظاهر في المساواة.
وهو الذي مشى عليه البخاري فقال باب: يقوم عن يمين الإمام بحذائه سواءً إذا كانا اثنين.
وفي حديث عائشة في صلاة النبي ﷺ بالصحابة في مرض موته (فجلس رسول الله ﷺ حذاء أبي بكر، إلى جنبه).
قال الألباني: إن الرجل إذا ائتم بالرجل وقف عن يمين الإمام، والظاهر أنه يقف محاذياً له لا يتقدم ولا يتأخر، لأنه لو كان وقع شيء من ذلك لنقله الراوي، لا سيما وأن الاقتداء به من أفراد الصحابة قد تكرر.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أنه لا يشترط لصحة الإمامة أن ينوي الإمام قبل الدخول في الصلاة أنه إمام.
وهذا مذهب الشافعية (وقد سبقت المسألة) فالنبي ﷺ دخل في صلاته منفرداً، ثم دخل معه ابن عباس فصار إماماً له من أثناء الصلاة.
- جواز صلاة التطوع جماعة إذا لم يتخذ عادة. [وسبقت المسألة].
- أن الحركة اليسيرة في الصلاة لا تبطلها.
- استدل بالحديث من قال: إن صلاة المنفرد خلف الصف صحيحة، لأن النبي ﷺ أدار ابن عباس، وحين أداره صار ابن عباس خلف الرسول ﷺ في تلك الإدارة، ولم يؤمر بالإعادة. [وسيأتي بحث المسألة]
- أنه لو وقف المأموم الواحد عن يسار الإمام، فإنه يشرع أن يجعله عن يمينه.
- السنة إذا أراد الإمام أن يحرك من وقف عن يساره أن يحركه من ورائه، وليس من الأمام.
- جواز الحركة في الصلاة لمصلحتها.
- مشروعية صلاة الليل واستحبابها.
- حرص ابن عباس على العلم ومعرفة عبادة النبي ﷺ .
стр. 783
٤١٢ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ (صَلَّى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ فَقُمْتُ وَيَتِيمٌ خَلْفَهُ، وَأُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيّ.
===
• ما هو موقف المأموم إذا كان مع الإمام اثنان؟
حديث الباب يدل على أنه إذا كان مع الإمام اثنان أن يقفا خلف الإمام.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
أ-لقول أنس (فقمت واليتيم خلفه).
فالرسول ﷺ تقدم على أنس واليتيم، فدل على أن الاثنين موقفهما خلف الإمام.
ب-ولحديث جابر السابق (قام رسول الله ﷺ يصلي فجئت فقمت عن يساره … ثم جاء جبار بن صخر، فأخذ بأيدينا جميعاً فدفعنا حتى أقامنا خلفه). رواه مسلم
فالرسول ﷺ أقام جابر وجبار خلفه، فدل على أن موقف الاثنين وراء الإمام.
وذهب بعض السلف إلى أن الإمام يقف بينهما.
وهو قول ابن مسعود.
عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ وَالأَسْوَدِ (أَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ أَصَلَّى مَنْ خَلْفَكُمْ قَالَا نَعَمْ. فَقَامَ بَيْنَهُمَا وَجَعَلَ أَحَدَهُمَا عَنْ يَمِينِهِ وَالآخَرَ عَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ رَكَعْنَا فَوَضَعْنَا أَيْدِيَنَا عَلَى رُكَبِنَا فَضَرَبَ أَيْدِيَنَا ثُمَّ طَبَّقَ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ جَعَلَهُمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ فَلَمَّا صَلَّى قَالَ هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
والصحيح الأول، والجواب عن فعل ابن مسعود:
قيل: أن هذا الحديث منسوخ.
فخبر ابن مسعود بمكة، لأن فيه التطبيق وقد نسخ بالمدينة، وحديث جابر وجبار بالمدينة، لأن جابر إنما شهد المشاهد بعد بدر وحديث أنس بن مالك فإنه كان بالمدينة، وغاية ما فيه خفاية الناسخ على عبد الله، وليس ببعيد، إذ لم يكن دأبه ﷺ إلا إمامة الجمع الكثير إلا في الندرة كهذه القصة وحديث أنس وهو في داخل بيت امرأة فلم يطلع عبد الله على خلاف ما علمه.
وقيل: محمول على ضيق المكان، كما قاله إبراهيم النخعي وابن سيرين. (انظر أحكام الإمامة والائتمام).
• ما حكم مصافة الصبي في صلاة النفل؟
جائزة.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
لقول أنس (صففت أنا واليتيم وراءه).
واليتيم هو من مات أبوه وهو لم يبلغ، وقد صف هذا اليتيم مع أنس خلف النبي ﷺ .
стр. 784
• ما حكم مصافة اليتيم في صلاة الفرض؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: لا تصح.
وهذا المذهب.
أ-قالوا: لأن الصبي لا تصح إمامته فلا تصح مصافته.
ب- وقالوا: يخشى أن لا يكون متطهراً فيصير البالغ فذاً.
القول الثاني: تصح مصافته.
وهذا مذهب المالكية، والحنفية، والشافعية واختاره من الحنابلة ابن عقيل وصوبه البعلي وقال ابن مفلح وهو أظهر.
أ- لحديث الباب (فَقُمْتُ وَيَتِيمٌ خَلْفَهُ).
وجه الدلالة: أن اليتيم - وهو الذي مات أبوه ولم يبلغ - صف مع أنس خلف النبي ﷺ ، والقاعدة: أن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا بدليل يفرق، ولا دليل.
ب- ولحديث عمرو بن سلِمة - وقد سبق - ( … فكنت أؤمهم وأنا ابن ست سنين أو سبع).
وجه الدلالة: أن الحديث دل على جواز إمامة الصبي، فإذا جازت إمامته جازت مصافته من باب أولى.
ج- علل ابن قدامة بقوله: أن الصبي بمنزلة المتنفل، والمتنفل يصح أن يصاف المفترض كذا ها هنا.
وهذا القول هو الصحيح.
• ما الجواب عن تعليل أصحاب القول الأول؟
قولهم: إن الصبي لا تصح إمامته، فهذا غير صحيح، لأن السنة وردت بخلافه، وأن الصبي تصح إمامته.
• أين تقف المرأة إذا صلت مع الرجال؟
أن المرأة إذا صلت مع الرجال فإن موقفها يكون خلفهم، سواء كانت لوحدها أو معها نساء، وسواء كانت مع رجل من محارمها أو لا، فموقفها خلف الرجال.
لحديث الباب (وأم سليم خلفنا).
• ما الحكم لو وقفت في صف الرجال؟
إذا وقفت في صف الرجال تصح صلاتها وصلاة الرجل.
وعند الحنفية تفسد صلاة الرجل دون المرأة.
قال ابن لقيم: وهو عجيب، وفي توجيهه تعسف، حيث قال قائلهم: قال ابن مسعود: أخروهن من حيث أخرهن الله، والأمر للوجوب، فإذا حاذت الرجل فسدت صلاة الرجل، لأنه ترك ما أمر به من تأخيرها، قال: وحكاية هذا تغني عن جوابه.
стр. 785
• ما الحكم لو صلت المرأة مع جماعة النساء، فهل يصح أن تقف خلف الصف منفردة؟
لو صلت المرأة مع جماعة النساء، فالصحيح أنها كالرجال مع جماعة الرجال، يعني لا يصح أن تقف خلف صف النساء منفردة، بل يجب عليها أن تكون في الصف، وهذا اختيار ابن تيمية وابن القيم.
• اذكر حالات إمامة الرجل للنساء؟
الحالة الأولى:
أن يكون النساء في المسجد مع الرجال.
فهذا جائز، وأدلته كثيرة.
منها حديث عائشة قالت (كان رسول الله ﷺ يصلي الفجر فيشهد معه نساء من المؤمنات متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس) متفق عليه.
الحالة الثانية:
أن يؤم النساء ومعهن أحد محارمه أو رجل آخر.
فهذا جائز ولا كراهة فيه.
لحديث الباب. قال أَنَسٍ (صَلَّى رَسُولُ اللَّه ﷺ فَقُمْتُ وَيَتِيمٌ خَلْفَهُ، وَأُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا).
الحالة الثالثة:
أن يؤم امرأة واحدة أجنبية منه.
فهذا لا يجوز.
لأنه فيه خلوة بالأجنبية، والخلوة بالأجنبية حرام، لقوله ﷺ (لا يخلون أحدكم بامرأة إلا مع ذي محرم).
الحالة الرابعة:
أن يؤم نساء أجانب عنه ولا رجل معهن غيره ولا أحد محارمه.
فهذه الحالة اختلف فيها العلماء:
فقيل: يكره.
وقيل: يجوز بلا كراهة.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- جواز صلاة النافلة جماعة، بشرط ألا يتخذ ذلك عادة. [وسبق]
- تواضع النبي ﷺ .
стр. 786
٤١٣ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ (أَنَّهُ اِنْتَهَى إِلَى اَلنَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ رَاكِعٌ، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى اَلصَّفِّ، فَقَالَ لَهُ اَلنَّبِيُّ ﷺ زَادَكَ اَللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ فِيهِ: - فَرَكَعَ دُونَ اَلصَّفِّ، ثُمَّ مَشَى إِلَى اَلصَّفِّ -.
===
(لا تعد): بفتح التاء وضم الباء.
• ما المراد بقوله (لا تعد)؟
اختلف العلماء في المراد به:
فقيل: لا تعد إلى التأخير في المجيء إلى الصلاة.
وقيل: إلى الركوع دون الصف.
لرواية أبي داود: (أيكم الذي ركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف).
ويؤيده حديث أبي هريرة: (إذا دخلت والإمام راكع فلا تركع حتى تأخذ مصافك من الصف) رواه الطحاوي، وقد روي موقوفاً، لكن صحح ابن رجب أنه موقوف.
وقيل: النهي عن الإسراع.
وهذا جاء حديث بخصوصه سيأتي قريباً.
وأقربها القول الثاني.
وذهب بعض العلماء إلى جواز الركوع دون الصف، وممن رجح هذا القول الشيخ الألباني.
لفعل بعض الصحابة.
وقد قال عطاء بن يسار أنه سمع عبد الله بن الزبير على المنبر يقول للناس (إذا دخل أحدكم المسجد والناس ركوع فليركع حين يدخل ثم ليدب راكعاً، حتى يدخل في الصف، فإن ذلك السنة). رواه ابن خزيمة والطبراني
وقد فعل ذلك بعض الصحابة:
كأبي بكر: عند البيهقي.
وزيد بن ثابت: رواه البيهقي.
وابن مسعود: كما عند ابن أبي شيبة.
والله أعلم.
• متى تسقط الفاتحة؟
تسقط إذا أدرك الإمام راكعاً.
فائدة: استدل بالحديث جماهير العلماء على صحة صلاة المنفرد خلف الصف (وستأتي المسألة).
стр. 787
٤١٤ - وَعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ] اَلْجُهَنِيِّ]﵁ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ اَلصَّفِّ وَحْدَهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ اَلصَّلَاةَ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ.
٤١٥ - وَلَهُ عَنْ طَلْق (لَا صَلَاةَ لِمُنْفَرِدٍ خَلْفَ اَلصَّفِّ).
٤١٦ - وَزَادَ اَلطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ وَابِصَةَ (أَلَا دَخَلْتَ مَعَهُمْ أَوْ اِجْتَرَرْتَ رَجُلًا؟).
===
• ما صحة أحاديث الباب؟
حديث وابصة حديث صحيح، صححه أحمد، والدارمي، والترمذي، وابن معين، وأبو حاتم، والبغوي وابن المنذر، وأن الاضطراب والاختلاف فيه لا يوجب تضعيفه.
وقول الحافظ: وله عن طلق (لا صلاة لمنفرد … ) فهو وهْم من الحافظ ﵀، فإنه إنما هو عن علي بن شيبان والقصة قد قال (قدمنا على رسول الله ﷺ ، فصلينا خلف رسول الله ﷺ ، فلما قضى رسول الله صلاته، إذا رجل فرد فوقف عليه نبي الله حتى قضى الرجل صلاته، ثم قال له نبي الله: استقبل صلاتك، فإنه لا صلاة لمنفرد خلف الصف). رواه ابن حبان، وابن ماجه، قال البوصيري: إسناده صحيح.
وأما رواية الطبراني ضعيفة جداً، وفي إسنادها السري بن اسماعيل. قال الحافظ: متروك.
• ما حكم صلاة المنفرد خلف الصف؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: تصح صلاته بعذر أو بغير عذر.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
أ-لحديث أبي بكرة السابق ( … فركع قبل أن يصل إلى الصف … ).
وجه الدلالة: أن أبا بكرة أتى بجزء من الصلاة خلف الصف ولم يأمره النبي ﷺ بالإعادة، مما يدل على صحة صلاته.
ب- ولحديث أنس السابق (والعجوز من ورائنا).
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ جوّز صلاة المرأة منفردة خلف الصف، فيقاس عليها الرجل.
ج- ولحديث ابن عباس السابق (أنه وقف عن يسار رسول الله ﷺ مؤتماً به، فأداره من خلفه حتى جعله عن يمينه).
وجه الدلالة: أن ابن عباس صار خلف النبي ﷺ في حال الإدارة، وذلك كحال المنفرد خلف الصف، ولم يأمره بالإعادة، فدل على صحة صلاة المنفرد خلف الصف.
стр. 788
القول الثاني: أن صلاته باطلة سواء وجد فرجة أم لا.
وهذا مذهب الإمام أحمد، وبه قال إبراهيم النخعي، والحسن بن صالح، وأحمد، وإسحاق بن راهوية، وابن المنذر، وابن خزيمة، واستدلوا بأحاديث الباب.
أ- بحديث وابصة (أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يصلي وحده خلف الصف فأمره أن يعيد الصلاة).
ب- ولحديث علي بن شيبان (لا صلاة لمنفرد … ).
ولأن النبي ﷺ حين أمر الرجل أن يعيد الصلاة لم يستفصل هل وجد فرجة أم لا.
وهذا القول هو الصحيح.
• ما الحكم لو وجد الصفوف مكتملة؟
الراجح أنه إذا جاء ووجد الصفوف مكتملة، فإنه يجوز أن يصلي وحده.
واستدلوا على صحتها في حالة العذر بأدلة:
أ- قوله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) وقوله تعالى (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا).
وجه الدلالة من الآيتين: أن من لم يجد فرجة في الصف، ولم يجد من يصف معه، فوقف وحده، فإنه معذور قد أتى بما في وسعه، فتصح صلاته لعدم التكليف بما ليس في الوسع والقدرة.
ب-أن واجبات الصلاة تسقط بالعجز.
ورجحه ابن تيمية، وقال: ونظير ذلك أن لا يجد الرجل موقفاً إلا خلف الصف، فهذا فيه نزاع، بين المبطلين لصلاة المنفرد، والأظهر صحة صلاته في هذا الموضع، لأن جميع واجبات الصلاة تسقط بالعجز.
وقال ابن القيم: إن الرجل إذا لم يجد خلف الصف من يقوم معه، وتعذر عليه الدخول في الصف، ووقف فذاً صحت صلاته للحاجة، وهذا هو القياس المحض، فإن واجبات الصلاة تسقط بالعجز عنها.
واختاره الشيخ السعدي، وقال: وهذا القول هو الموافق لأصول الشريعة وقواعدها.
واختاره الشيخ الألباني، وقال: إذا لم يستطع الرجل أن ينضم إلى الصف فصلى وحده، الأرجح الصحة، والأمر محمول على من لم يستطع القيام بواجب الانضمام.
واختاره الشيخ ابن عثيمين ﵀: وبهذا تبين أن القول الراجح وجوب المصافة، وأن من صلى وحده خلف الصف فصلاته باطلة، وعليه أن يعيدها؛ لتركه واجب المصافة، ولكن هذا الواجب كغيره من الواجبات يسقط بفوات محله، أو بالعجز عنه عجزاً شرعياً، أو عجزاً حسياً لقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم) وقول النبي ﷺ (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)، فيجب أن يكون في الصف حيث وجد مكاناً فيه، فإن لم يجد مكاناً سقط عنه هذا الواجب، وكذلك إن لم يكن له مكان شرعاً فإنه يسقط عنه الواجب.
стр. 789
• ما هو الانفراد المبطل للصَّلاة؟
الانفرادُ المبطلُ للصَّلاةِ أنْ يرفعَ الإِمامُ مِنْ الركوعِ ولم يدخل مع المسبوقِ أحدٌ، فإنْ دَخَلَ معه أحدٌ قبل أن يرفعَ الإِمامُ رأسَه مِنْ الرُّكوعِ، أو انفتح مكانٌ في الصَّفِّ فدخلَ فيه قبل أن يرفعَ الإِمامُ مِنْ الركوعِ، فإنَّه في هذه الحالِ يزول عن الفرديَّة. (الشرح الممتع)
• هل يشرع أن يسحب أحداً من الصف؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه يشرع أن يجذب من الصف من يقوم معه.
وهو قول للشافعي، وصححه ابن قدامة.
أ-لحديث الباب - حَدِيث وَابِصَةَ ( … أَلَا دَخَلْتَ مَعَهُمْ أَوْ اِجْتَرَرْتَ رَجُلاً؟) وهو حديث ضعيف.
ب- ولحديث مقاتل بن حيان. أن النبي ﷺ قال (إن جاء فلم يجد أحداً فليختلج إليه رجلاً من الصف فليقم معه فما أعظم أجر المختلج) وهو حديث ضعيف لا يصح.
القول الثاني: أنه لا يشرع.
وبه قال أبو حنيفة ومالك، واختاره ابن تيمية، وذلك لأمور:
أولاً: أن الحديث ضعيف لا يصح.
ثانياً: ظلم للرجل المجذوب.
ثالثاً: قطع الصف، وقد قال النبي ﷺ (من قطع صفاً قطعه الله).
رابعاً: التشويش على الصف.
وهذا القول هو الصحيح.
• هل يشرع أن يقف عن يمين الإمام؟
ذهب بعض العلماء إلى أنه يجوز أن يقف عن يمين الإمام.
لأن النبي ﷺ في مرضه، حين وجد في نفسه خفة، خرج وصلى بالناس إماماً وأبو بكر يمينه، فالنبي ﷺ هو الإمام، وأبو بكر يصلي بصلاة الرسول ﷺ ، والناس يصلون بصلاة أبي بكر.
وذهب بعض العلماء إلى أنه لا ينبغي، لأمور:
أولاً: أنه يؤدي إلى تخطي الرقاب، وخاصة إذا كثرت الصفوف.
ثانياً: أن في ذلك خلاف للسنة في انفراد الإمام وحده، ورجحه الشيخ ابن عثيمين.
стр. 790
٤١٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (إِذَا سَمِعْتُمْ اَلْإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى اَلصَّلَاةِ، وَعَلَيْكُمْ اَلسَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، وَلَا تُسْرِعُوا، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
===
(الإقامة) أي إقامة الصلاة، وقد جاء في رواية (إذا أتيتم الصلاة)، ولفظ (الإقامة) أخص، قال الحافظ: إنه من مفهوم الموافقة، لأن المسرع إذا أقيمت الصلاة يترجى إدراك فضيلة التكبيرة الأولى ونحو ذلك، فغيره مما جاء قبل الإقامة لا يحتاج إلى الإسراع لأنه يتحقق إدراك الصلاة كلها، فينهى عن الإسراع من باب أولى.
(السكينة) قال النووي: التأني في الحركات، واجتناب العبث.
(الوقار) في الهيئة كغض البصر، وخفض الصوت، وعدم الالتفات.
• على ماذا يدل حديث الباب؟
الحديث يدل على النهي عن الإسراع في الذهاب إلى الصلاة.
ومما يدل على النهي الحديث الذي سبق ( … زادك الله حرصاً ولا تعد).
• ما الحكمة من النهي عن الإسراع في الذهاب إلى الصلاة؟
جاء في صحيح مسلم بيان الحكمة، فقد ذكر نحو حديث الباب، وقال في آخره (فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة) أي أنه في حكم المصلي، فينبغي اعتماد ما ينبغي للمصلي اجتنابه.
وأيضاً عدم الإسراع يستلزم كثرة الخطا، وهذا مقصود لذاته، وقد جاءت فيه أحاديث:
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (صَلَاةُ الرَّجُلِ فِى جَمَاعَةٍ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِى بَيْتِهِ وَصَلَاتِهِ فِى سُوقِهِ بِضْعاً وَعِشْرِينَ دَرَجَةً وَذَلِكَ أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ لَا يَنْهَزُهُ إِلاَّ الصَّلَاةُ لَا يُرِيدُ إِلاَّ الصَّلَاةَ فَلَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلاَّ رُفِعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ .. ) متفق عليه.
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ تَطَهَّرَ فِى بَيْتِهِ ثُمَّ مَشَى إِلَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ لِيَقْضِىَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ كَانَتْ خَطْوَتَاهُ إِحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً وَالأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً) رواه مسلم.
وهذه الأحاديث فيها إشكال:
في هذه الأحاديث إشكال: في الحديث الأول قال (فَلَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلاَّ رُفِعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ) وفي الثاني قال (كَانَتْ خَطْوَتَاهُ إِحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً وَالأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً).
الجمع بينها: ما استظهر ابن حجر: أن العبد إذا خطا خطوة إما أن تكون عليه خطيئة أو لا تكون عليه خطيئة، فإذا كانت عليه خطيئة محيت تلك الخطيئة، وإن لم تكن عليه خطيئة كتب له بها حسنة توجب رفعة درجة.
стр. 791
• قوله ﷺ في الحديث (إذا سمعتم الإقامة) هل معنى ذلك أنه يجوز قبل الإقامة؟
قال النووي: إِنَّمَا ذَكَرَ الْإِقَامَة لِلتَّنْبِيهِ بِهَا عَلَى مَا سِوَاهَا؛ لِأَنَّهُ إِذَا نَهَى عَنْ إِتْيَانهَا سَعْيًا فِي حَال الْإِقَامَة مَعَ خَوْفه فَوْت بَعْضهَا فَقَبْل الْإِقَامَة أَوْلَى، وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِبَيَانِ الْعِلَّة فَقَالَ ﷺ : فَإِنَّ أَحَدكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِد إِلَى الصَّلَاة فَهُوَ فِي صَلَاة. وَهَذَا يَتَنَاوَل جَمِيع أَوْقَات الْإِتْيَان إِلَى الصَّلَاة، وَأَكَّدَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا آخَر قَالَ: فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا، فَحَصَلَ فِيهِ تَنْبِيه وَتَأْكِيد لِئَلَّا يَتَوَهَّم مُتَوَهِّم أَنَّ النَّهْي إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ لَمْ يَخَفْ فَوْت بَعْض الصَّلَاة، فَصَرَّحَ بِالنَّهْيِ وَإِنْ فَاتَ مِنْ الصَّلَاة مَا فَاتَ، وَبَيَّنَ مَا يُفْعَل فِيمَا فَات. (شرح مسلم).
ويحتمل أن هذا خرج مخرج الغالب، لأن الغالب أنه إنما يفعل ذلك من خاف الفوت، فأما من بادر في أول الوقت فلا يفعل ذلك، لوثوقه بإدراك أول الصلاة.
• في الحديث النهي عن الإسراع، فما الجواب عن قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ)؟
أن المراد بالإسراع في الآية المضي والذهاب، يقال: سعيت إلى كذا، أي: ذهبت إليه، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى).
• قوله ﷺ (ولا تسرعوا … ) هل هو عام أم يستثنى منه شيء؟
الصحيح أنه عام يشمل جميع الأحوال، لا فرق بين أن يخاف فوات تكبيرة الإحرام، أو فوات ركعة، أو فوات الجماعة بالكلية، كما أنه لا فرق بين الجمعة وغيرها، لأن النهي عام ولم يستثني شيئاً.
وبهذا قال جمهور العلماء.
• ماذا نستفيد من قوله (وما فاتكم)؟
فيه دليل على جواز قول: فاتتنا الصلاة، وأنه لا كراهية فيه، وبهذا قال جمهور العلماء.
وكرهه ابن سيرين، وقال: إنما يقال لم ندركها. (قاله النووي).
• ماذا نستفيد من قوله (فما أدركتم فصلوا … )؟
نستفيد أنه ينبغي الدخول مع الإمام ولو لم يدرك إلا قليلاً من الصلاة.
وقال بعض العلماء بالتفصيل: إن كان يرجو جماعة فإنه لا يدخل، لأنه سوف يصلي صلاة تامة مع جماعة، أو كان يرجوا إدراك ركعة في مسجد آخر، وأما إذا كان يغلب على ظنه عدم وجود شيء من ذلك، فإنه يدخل مع الإمام ولو بالتشهد.
стр. 792
• ما يدركه المأموم مع إمامه هل هي أول صلاته أم آخرها؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن ما يدركه المأموم مع إمامه هو أول صلاته، وما يقضي هو آخرها.
قال النووي: وبهذا قال الشافعي وجمهور العلماء من السلف والخلف.
لقوله (فأتموا … ) فهذا دليل على أن ما يقضيه هو آخر صلاته، لأنه وصفه بالإتمام.
القول الثاني: أن ما يدركه المأموم مع إمامه هو آخر صلاته.
وهذا مذهب أبي حنيفة.
لأنه جاء في رواية: (فاقضوا … ) والقضاء لا يكون إلا شيء قد فات.
والراجح الأول.
• ما الجواب عن قوله (فاقضوا)؟
أجيب:
أ- أَنَّ أَكْثَر الرِّوَايَات (وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا).
ب-وأما رواية (فاقضوا) أَنَّ الْمُرَاد بِالْقَضَاءِ الْفِعْل لَا الْقَضَاء الْمُصْطَلَح عَلَيْهِ عِنْد الْفُقَهَاء، وَقَدْ كَثُرَ اِسْتِعْمَال الْقَضَاء بِمَعْنَى الْفِعْل فَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى (فَقَضَاهُنَّ سَبْع سَمَاوَات) وَقَوْله تَعَالَى (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِككُمْ) وَقَوْله تَعَالَى: (فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلَاة) وَيُقَال: قَضَيْت حَقّ فُلَان، وَمَعْنَى الْجَمِيع الْفِعْل. (شرح مسلم للنووي).
• بعض الناس عند ما يدخل المسجد والإمام راكع يقول: إن الله مع الصابرين، فما حكم هذا القول؟
هذا لا أصل له ولم يكن في عهد الصحابة ولا من هديهم، وفيه أيضاً تشويش على المصلين الذين مع الإمام، والتشويش على المصلين منهي عنه؛ لأنه يؤذيهم كما خرج النبي ﷺ ذات ليلة على أصحابه وهم يصلون ويرفعون أصواتهم بالقراءة فنهاهم عن ذلك، وقال (لا يجهرن بعضكم على بعض في القرآن). وفي حديث آخر (لا يؤذين بعضكم بعضاً في القرآن).
وهذا يدل على أن كل ما يشوش على المأمومين في صلاتهم فإنه منهي عنه لما في ذلك من الإيذاء والحيلولة بين المصلي وبين صلاته.
أما بالنسبة للإمام فإن الفقهاء ﵏ يقولون: إذا أحس الإمام بداخل في الصلاة فإنه ينبغي انتظاره ما لم يشق على المأمومين، فإن شق عليهم فلا ينتظر؛ ولا سيما إذا كانت الركعة الأخيرة؛ لأن الركعة الأخيرة بها تدرك الجماعة، لقول النبي ﷺ (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) (فتاوى الشيخ ابن عثيمين).
стр. 793
٤١٨ - وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (صَلَاةُ اَلرَّجُلِ مَعَ اَلرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ اَلرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ اَلرَّجُلِ، وَمَا كَانَ أَكْثَرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اَللَّهِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّان.
===
(أزكى) أكثر أجراً.
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث إسناده حسن، وقد صححه ابن حبان، وابن خزيمة، والحاكم، والعقيلي.
• على ماذا يدل حديث الباب؟
الحديث دليل على فضل كثرة الجماعة في المسجد، وأن هذا محبوب إلى الله.
• اذكر حكم تكرار الجماعة في المسجد؟
تكرار الجماعة في المسجد لها أحوال:
أولاً: أن تكرر الجماعة في المسجد المطروق في ممر الناس أو سوقهم، فلا يكره تكرار الجماعة حينئذٍ، لأن المسجد الذي بهذه الحالة لا تنتظم له جماعة لكثرة رواده، ولا يحصل المحذور وهو التسلط على حق الإمام الراتب فيه.
قال النووي في المجموع: إذا لم يكن للمسجد إمام راتب، فلا كراهة في الجماعة الثانية والثالثة وأكثر بالإجماع.
ثانياً: أن يكون إعادة الجماعة أمراً دائماً، بأن يكون في المسجد جماعتان دائماً، فهذا لا شك أنه مكروه، لأنه لم يكن معروفاً في عهد النبي ﷺ ولا أصحابه.
ثالثاً: أن يكون إعادة الجماعة أمراً عارضاً، أي أن يكون الإمام الراتب هو الذي يصلي بالجماعة، لكن أحياناً يتخلف رجلان أو ثلاثة أو أكثر لعذر، فهل لهم أن يقيموا جماعة ثانية في المسجد؟
هذه المسألة اختلف العلماء فيها:
القول الأول: المنع من ذلك، واختيار الصلاة فرادى عن الصلاة في جماعة في مسجد قد صلي فيه مرة.
وهذا مذهب كل من: سفيان الثوري، عبد الله بن المبارك، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس الشافعي، والليث بن سعد الأوزاعي، والزهري، وعثمان البتي، وربيعة، والنعمان بن ثابت أبي حنيفة، ويعقوب بن إبراهيم أبي يوسف القاضي ومحمد بن الحسن الشيباني، والقاسم، ويحي بن سعيد، وسالم بن عبد الله، وأبي قلابة، وعبد الرزاق الصنعاني، وابن عون، وأيوب السختياني، والحسن البصري، وعلقمة، والأسود بن يزيد، والنخعي، وعبد الله بن مسعود.
قال الترمذي في المنع: وهذا قول سفيان، وابن المبارك، ومالك، والشافعي، فهؤلاء يختارون الصلاة فرادى عن الصلاة في جماعة في مسجد قد صُلِّي فيه مرة.
стр. 794
وقال الإمام الشافعي: وإذا كان للمسجد إمام راتب، ففاتت رجلاً أو رجالاً فيه الصلاة، صلوا فرادى وأحب أن يصلوا فيه جماعة، فإن فعلوا أجزأتهم الجماعة فيه.
الأدلة:
حديث أبي بكرة ﵁ (وهو أن رسول الله ﷺ أقبل من نواحي المدينة يريد الصلاة، فوجد الناس قد صلوا، فمال إلى منزله فجمع أهله فصلى بهم). رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وأخرجه ابن عدي في الكامل، وحسنه الألباني في تمام المنة.
وأخرج عبد الرزاق، عن معمر، عن إبراهيم (أن علقمة والأسود أقبلا مع ابن مسعود إلى المسجد، فاستقبلهم الناس قد صلوا، فرجع بهما إلى البيت، فجعل أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله ثم صلى بهما).
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، بسندهما إلى الحسن البصري، قال: (كان أصحاب محمد ﷺ إذا دخلوا المسجد وقد صُلي فيه، صلوا فرادى).
فلو كانت الجماعة الثانية في المسجد جائزة مطلقاً لما جمع ابن مسعود في البيت مع كون الفريضة في المسجد أفضل، وكما صلى أصحاب رسول الله ﷺ فرادى مع استطاعتهم على التجميع.
ب- وقالوا: إن الجماعة الثانية تؤدي إلى تفريق الجماعة الأولى المشروعة، لأن الناس إذا علموا أنهم تفوتهم الجماعة يستعجلون فتكثر الجماعة، وإذا علموا أنها لا تفوتهم يتأخرون فتقل الجماعة، وتقليل الجماعة مكروه.
القول الثاني: الجواز مطلقاً (بل قد يقال بمشروعيتها).
وهو المذهب عند الحنابلة.
قال الترمذي: لا بأس أن يصلي القوم جماعة في مسجد قد صلى فيه جماعة، وبه يقول أحمد وإسحاق.
أ- لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ (أن النبي ﷺ أبصر رجلاً يصلي وحده، فقال: ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه، فصلى معه رجلاً) رواه أبو داود وأحمد وابن خزيمة والحاكم في المستدرك، وقال بعد: وهذا الحديث أصل في إقامة الجماعة في المساجد مرتين.
وبوب عليه أبو داود: [باب في الجمع في المسجد مرتين].
وبوب عليه الدارمي: [باب صلاة الجماعة في مسجد قد صلي فيه مرة].
وبوب عليه الحاكم: [إقامة الجماعة في المساجد مرتين].
وبوب عليه ابن حبان: [ذكر الإباحة لمن صلى في مسجد جماعة أن يصلي فيه مرة أخرى جماعة].
قال المباركفوري: إذا ثبت من الحديث حصول ثواب الجماعة بمفترض ومتنفل، فحصول ثوابها بمفترضين بالأولى.
وقال صاحب عون المعبود: والحديث يدل على جواز أن يصلي القوم جماعة في مسجد قد صلي فيه مرة.
ب- ولحديث - الباب - (صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده … ) وهذا نص صريح بأن صلاة الرجل مع الرجل أفضل من صلاته وحده، ولو قلنا لا تقام الجماعة للزم أن نجعل المفضول فاضلاً وهذا خلاف النص.
وهذا القول هو الراجح أن صلاة الجماعة مشروعة في هذه الحال.
إذاً: المشهور من مذهب الإمام أحمد مشروعية الجماعة الثانية في مسجد قد صلي فيه.
стр. 795
• هل يستثنى شيء على مذهب الحنابلة؟
الحنابلة استثنوا: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، فقالوا: تكره إعادة الجماعة فيهما، واستدلوا:
لئلا يتوانى الناس عن حضور الصلاة مع الإمام الراتب.
والقول الثاني في المسألة: أن المسجد الحرام والمسجد النبوي كغيرهما في حكم إعادة الجماعة، فلا تكره إعادة الجماعة فيهما، بل تستحب لعموم الأدلة، ولأننا لو أخذنا بالتعليل الذي ذكروه، لانطبق على المسجدين وغيرهما.
وعلى هذا فإذا دخلت المسجد الحرام وقد فاتتك الصلاة مع الإمام الراتب أنت وصاحبك، فصليا جماعة ولا حرج.
• في أي المساجد الفضل أن تكون الصلاة فيها؟
استدل بالحديث على أن المسجد الأكثر جماعة أفضل من الأقل، والأحوال كالتالي:
أولاً: الأفضل أن يصلي الإنسان في المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة إلا بحضوره، لأنه إذا لم يحضر لتعطلت الجماعة.
ثانياً: ثم الأكثر جماعة.
فلو قدر أن هناك مسجدين، أحدهما أكثر جماعة من الآخر، فالأفضل أن يذهب إلى الأكثر جماعة.
لحديث الباب.
стр. 796
٤١٩ - وَعَنْ أُمِّ وَرَقَةَ ﵂ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ.
===
(أم ورقة) بنت نوفل الأنصارية، من فضيلات الصحابة، كان رسول الله ﷺ يزورها.
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث صحيح، وفيه راوٍ وهو الوليد بن جُمَيْع، قال الحافظ: صدوق يهم.
• ما حكم صلاة النساء جماعة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة مع اتفاقهم على عدم وجوبها عليهن، على أقوال:
القول الأول: أنه مستحب.
وبه قال الشافعية، والحنابلة.
أ- لحديث الباب.
ب- وورد (أن عائشة أمت نساء في الفريضة في المغرب وقامت وسطهن) رواه ابن حزم في المحلى.
القول الثاني: مكروه.
وهذا مذهب الحنفية.
لأن المرأة ليست من أهل الاجتماع، ولأن هذا ليس معهود في أمهات المؤمنين وغيرهن.
والصحيح أنها جائزة.
• ما حكم إمامة المرأة للنساء، وأين تقف؟
الحديث دليل على جواز إمامة المرأة للنساء، وتقف وسطهن.
وقد جاء عند الحاكم (أذن لها أن تؤم أهل دارها في الفرائض، وتقف وسطهن).
وجاء عن عائشة (أنها أمت نساء في الفريضة في صلاة المغرب وقامت وسطهن، وجهرت بالقراءة). رواه ابن حزم.
وجاء عن أم سلمة: (أنها كانت تؤمهن في رمضان وتقوم معهن في الصف).
ولأنه أستر لها.
ونقل ابن قدامة ﵀ الخلاف في استحباب جماعة النساء ثمّ قال عن إمامة النساء: إذا صلّت بهنّ قامت في وسطهنّ ولا نعلم فيه خلافا بين من رأى أنها تؤمهنّ، ولأنّ المرأة يستحبّ لها التستّر .. وكونها في وسط الصفّ أستر لها لأنّها تستتر بهنّ من جانبيها. المغني ٢/ ٢٠٢
وقال صاحب المهذّب: السنّة أن تقف إمامة النساء وسطهنّ لما روي أنّ عائشة وأمّ سلمة أمّتا نساء فقامتا وسطهن. ٤/ ٢٩٥
• ما حكم إمامة المرأة للرجال؟
سبقت المسألة وأنه لا يجوز وهذا مذهب أكثر العلماء.
وقد استدل من قال بالجواز بهذا الحديث برواية (فاستأذنت رسول الله ﷺ أن تتخذ في دارها مؤذناً لها).
والجواب عن هذا:
أولاً: أنه لم يثبت أن مؤذنها كان يصلي معها، فقد يكون يؤذن لها ويذهب لأحد المساجد فيصلي به.
ثانياً: أنه جاء عند الدار قطني (أن رسول الله ﷺ أذن لها أن يؤذن لها وتقام وتؤم نسائها).
стр. 797
٤٢٠ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ اِسْتَخْلَفَ اِبْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، يَؤُمُّ اَلنَّاسَ، وَهُوَ أَعْمَى) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد.
٤٢١ - وَنَحْوُهُ لِابْنِ حِبَّانَ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂.
===
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث إسناده حسن، فيه رجل صدوق الحديث.
• ماذا نستفيد من حديث الباب؟
الحديث دليل على جواز إمامة الأعمى كالبصير، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة:
فذهب بعض العلماء إلى أن البصير أولى من الأعمى.
وبه قال الحنفية واختاره ابن قدامة، واستدلوا:
أ-بأن ابن عباس قال (كيف أمهم وهم يعدلوني إلى القبلة حين عمي). رواه عبد الرزاق
وهذا فعل صحابي يدل على أن البصير أولى من الأعمى.
وعللوا ذلك بتعليلين:
الأول: أن الأعمى قد لا يمكنه أن يصون ثيابه عن النجاسات بخلاف البصير فإنه يتجنب النجاسات.
الثاني: أن البصير يستقبل القبلة باجتهاده، بخلاف الأعمى فإنه بتقليد غيره.
والصحيح أن الأعمى كالبصير سواء.
أ-لحديث الباب.
ب-وأيضاً ثبت ما يعارض فعل ابن عباس من فعله، فعن سعيد بن جبير قال (أمنا ابن عباس وهو أعمى). رواه ابن أبي شيبة
ج- ولعموم قوله ﷺ (يؤم القوم أقرؤهم) ولفعل ابن أم مكتوم. (أحكام الإمامة والائتمام).
وهذا هو الصحيح.
стр. 798
٤٢٢ - وَعَنْ اِبْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ، وَصَلُّوا خَلْفَ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ) رَوَاهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.
===
(صلوا خلف من قال لا إله إلا الله) المراد ما لم يكن متلبساً بأحد نواقض الإسلام.
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث موضوع لا يصح، ففي إسناده عثمان بن عبد الرحمن، قال ابن المديني: ضعيف جداً.
وللحديث طرق كثيرة كلها لا تصح.
وقد جاء عند أبي داود (الصلاة المكتوبة واجبة خلف كل مسلم براً كان أو فاجراً أو إن كان من أهل الكبائر).
لكنه لا يصح لأنه منقطع، لأنه من رواية مكحول عن أبي هريرة، ومكحول لم يسمع من أبي هريرة.
• ماذا نستفيد من حديث الباب؟
الحديث يدل على صحة الصلاة خلف الفاسق، لكن الحديث لا يصح كما سبق، لكن جاءت أدلة أخرى تؤيده، وقد سبقت المسألة، وأن الراجح أنه تجوز الصلاة خلف الفاسق.
(وقد كان ابن عمر يصلي خلف الحجاج) رواه البخاري.
(وصلى أبو سعيد خلف مروان بن الحكم) متفق عليه.
стр. 799
٤٢٣ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ (إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ اَلصَّلَاةَ وَالْإِمَامُ عَلَى حَالٍ، فَلْيَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ اَلْإِمَامُ) رَوَاهُ اَلتِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث في إسناده ضعف، فإن فيه الحجاج بن أرطاة.
وأعله بعضهم بأن ابن ليلى لم يسمع من معاذ، ولكن سبق معنى الحديث كما سبق (وما أدركتم فصلوا).
• ماذا نستفيد من الحديث؟
الحديث يدل على أن المصلي إذا دخل المسجد، ووجد الإمام يصلي، فإنه يدخل معه على حسب حاله.
• اذكر حالات من دخل والإمام يصلي؟
أ- إذا دخل ووجد الإمام يقرأ الفاتحة، فإنه يدخل معه ويسكت.
ب-إن أدركه قائماً، أو راكعاً، اعتد بتلك الركعة.
ج-إن أدركه قاعداً أو ساجداً، لم يعتد به.
وجاء في الحديث (إذا جئت ونحن سجود فلا تعتدها شيئاً) رواه ابن خزيمة.
د-إذا جاء والإمام قائماً، فإنه يدخل معه، ويستفتح، ويتعوذ، ويقرأ.
وإذا كان الإمام يقرأ الفاتحة، فإنه يسكت حتى ينتهي الإمام.
و_إذا جاء والإمام راكع، فإنه يكتفي بتكبيرة الإحرام، ثم يركع، وإن كبر للركوع فحسن.
• ما رأيك بما يفعله بعض الناس إذا جاء والإمام ساجد ينتظر حتى يقوم؟
هذا خطأ منتشر، وما يدري الإنسان ربما تكون هذه السجدة سبباً لمغفرة الذنوب.
الاثنين ٤/ ١٢/ ١٤٣٢ هـ
стр. 800
بَابُ صَلَاةِ اَلْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ
٤٢٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (أَوَّلُ مَا فُرِضَتِ اَلصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ اَلسَّفَرِ وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ اَلْحَضَرِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
وَلِلْبُخَارِيِّ (ثُمَّ هَاجَرَ، فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا، وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ اَلسَّفَرِ عَلَى اَلْأَوَّلِ).
٤٢٥ - زَادَ أَحْمَدُ (إِلَّا اَلْمَغْرِبَ فَإِنَّهَا وِتْرُ اَلنَّهَارِ، وَإِلَّا اَلصُّبْحَ، فَإِنَّهَا تَطُولُ فِيهَا اَلْقِرَاءَةُ).
===
(أَوَّلُ مَا فُرِضَتِ اَلصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ) وذلك بمكة ليلة الإسراء، وفي رواية (في الحضر والسفر).
(فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ اَلسَّفَرِ) أي: بقيت صلاة السفر على الحالة الأولى التي فرضها الله ركعتين ركعتين.
(وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ اَلْحَضَرِ) وفي رواية مسلم (وزيد في صلاة الحضر) أي: بعد الهجرة إلى المدينة، لمَا عند البخاري في صحيحه في (كتاب الهجرة) عن عائشة قالت (فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي ﷺ ففُرضتْ أربعاً).
• اذكر الأدلة على مشروعية قصر الصلاة؟
مشروعية القصر ثابت بالكتاب والسنة والإجماع:
قال تعالى (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا).
وظاهر الآية أن القصر مقيد بحال الخوف، إلا أن السنة بينت المراد من الآية، وهو أن القصر مشروع في الأمن والخوف في حال السفر.
ففي صحيح مسلم عن يعلى بن أمية قال: (قلت لعمر (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) وقد أمن الناس، فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته). رواه مسلم
وعن ابن عمر قال: (صحبت رسول الله ﷺ فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر، وعمر، وعثمان كذلك). متفق عليه
وفي لفظ مسلم: (صحبت النبي ﷺ فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله) وفي رواية (ومع عثمان صدراً من خلافته ثم أتم).
وأجمع أهل العلم على مشروعية القصر في السفر الطويل.
• اذكر الخلاف في حكم القصر هل هو واجب أم لا؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: أنه واجب.
وهذا مذهب أبي حنيفة، ونصره ابن حزم، واختاره الصنعاني.
أ-لقول عائشة (أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر … ) فهذا يدل على أن صلاة السفر مفروضة ركعتين.
قال الشوكاني: وهو دليل ناهض على الوجوب، لأن صلاة السفر إذا كانت مفروضة ركعتين، لم يجز الزيادة عليها، كما أنها لا تجوز الزيادة على أربع في الحضر.
ب- ولحديث يعلى ابن أمية السابق، وفيه (صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته) فقوله (فاقبلوا) هذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب.
ج- ولحديث ابن عمر قال (صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِى السَّفَرِ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، وَصَحِبْتُ أَبَا بَكْرٍ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، وَصَحِبْتُ عُمَرَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، ثُمَّ صَحِبْتُ عُثْمَانَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة) متفق عليه.
وجه الدلالة: مداومة النبي ﷺ على قصر الصلاة في السفر، فلم ينقل عنه أنه أتم في سفره، فمداومته دليل على الوجوب.
стр. 801
د-ولقول ابن عباس: (فرض الله الصلاة على لسان نبيكم، على المسافر ركعتين، وعلى المقيم أربعاً، والخوف ركعة). رواه مسلم
قال الشوكاني: فهذا الصحابي الجليل، قد حكى عن الله أنه فرض صلاة السفر ركعتين، وهو أتقى وأخشى من أن يحكي أن الله فرض ذلك بلا برهان.
القول الثاني: أن القصر سنة مؤكدة غير واجب.
وهذا قول الجمهور: مالك، والشافعي، وأحمد.
أ- لقوله تعالى (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا).
وجه الدلالة: قالوا: إن نفي الجناح يفيد أنه رخصة.
ب- ولحديث عمر السابق (صدقة تصدق الله بها عليكم).
قال ابن قدامة: وهذا يدل على أنه رخصة وليس بعزيمة، وأتم عثمان في آخر حياته وصلى معه الصحابة، ولم ينكر.
القول الثالث: أن قصر الرباعية سنة مؤكدة وأن الإتمام مكروه.
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.
قال ﵀: إن القصر سنة، والإتمام مكروه، لأنه خلاف هدي النبي ﷺ الدائم.
وقال ابن تيمية: المسلمون نقلوا بالتواتر أن النبي ﷺ لم يصلّ في السفر إلا ركعتين، ولم ينقل عنه أحد أنه صلى أربعاً قط.
وهذا القول هو الراجح.
• أي الصلوات التي تقصر؟
الصلوات الرباعية فقط.
وقد نقل الإجماع في ذلك ابن حزم في المحلى، وابن قدامة في المغني نقلاً عن ابن المنذر.
فالمغرب لا تقصر لأنها وتر النهار، فلو قصرت منها ركعة لم يبق منها وتراً، ولو قصرت ركعتان فإنه إجحاف بها بذهاب أكثرها، وأما الصبح فتبقى على ما هي عليه، لأن قصرها إلى واحدة إجحاف بها.
• علمنا أن القصر مسنون ومشروع، وهو هدي النبي ﷺ في السفر، لكن هناك حالات يتم بها المسافر، اذكرها؟
الحالة الأولى: إذا ذكر صلاة حضر في سفر.
مثال: رجل مسافر، وفي أثناء السفر تذكر أنه صلى الظهر في بلده من غير وضوءه، فإنه يجب أن يعيدها أربعاً.
قال ابن قدامة: بالإجماع حكاه الإمام أحمد، وابن المنذر، لأن الصلاة تعين عليه فعلها أربعاً، فلم يجز له النقصان من عددها.
стр. 802
فائدة: ما الحكم لو نسي صلاة سفر فذكرها في حضر؟
مثال: رجل مسافر، وصلى الظهر ركعتين، فلما وصل إلى بلده، ذكر أنه صلاها بغير وضوء.
فالمشهور من المذهب أنه يجب أن يعيدها أربعاً، وهو قول الشافعي.
أ- قالوا: لأن القصر رخصة من رخص السفر، يبطل بزواله.
ب-ولأنها وجبت عليه في الحضر.
وذهب بعض العلماء إلى أنه يصليها ركعتين.
وهو قول الحنفية، والمالكية.
قالوا: لأن القضاء يحكي الأداء.
وهذا هو الصحيح، والأول أحوط.
الحالة الثانية: إذا صلى المسافر خلف المقيم.
قال ابن قدامة: المسافر متى ائتم بمقيم وجب عليه الإتمام، سواء أدرك جميع الصلاة أو ركعة، أو أقل.
أ- لما روي عن ابن عباس: (أنه قيل له: ما بال المسافر يصلي ركعتين في حال الانفراد، وأربعاً إذا ائتم بمقيم؟ فقال: تلك السنة). رواه أحمد، وأصله في مسلم بلفظ: (كيف أصلي إذا كنت بمكة إذا لم أصلِّ مع الإمام، فقال: ركعتين، سنة أبي القاسم ﷺ .
ب- وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان إذا صلى مع الإمام صلى أربعاً، وإذا صلاها وحده صلى ركعتين.
ج- لأن: هذه صلاة مردودة من أربع إلى ركعتين فلا يصليها خلف من يصلي الأربع كالجمعة.
د- لأنه اجتمع ما يقتضي القصر والتمام فغلب التمام كما لو أحرم بها في السفر ثم أقام.
وهذا اختيار الشيخ ابن عثيمين ﵀.
فقال ﵀: الواجب على المسافر إذا صلى خلف مقيم أن يتم، لعموم قوله ﷺ (إنما جعل الإمام ليؤتم به)، ولأن الصحابة كانوا يصلون خلف أمير المؤمنين عثمان في الحج في مني، فكان يصلي بهم أربعاً فيصلون معه أربعاً.
وهذا واضح إذا ما دخل المسافر مع الإمام من أول الصلاة، لكن لو أدرك معه الركعتين الأخيرتين فهل يسلم؛ لأنه صلى ركعتين وفرضه ركعتان أو يأتي بما بقي؟ نقول: يأتي بما بقي، فيتم أربعاً لعموم قوله ﷺ (فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)؛ ولأن المأموم في هذه الحال ارتبطت صلاته بالإمام فلزم أن يتابعه حتى فيما فاته. (الشيخ ابن عثيمين).
стр. 803
القول الثاني: يتم المسافر الصلاة خلف المقيم إذا أدرك من صلاته ركعة فأكثر، ويقصر إذا أدرك معه أقل من ركعة.
وهو قول الحسن البصري، والنخعي، والزهري، وقتادة، وقول للأوزاعي، وهو مذهب مالك.
عن الزهري وقتادة في مسافر يدرك من صلاة المقيمين ركعة، قالا: يصلي بصلاتهم، فإن أدركهم جلوساً صلى ركعتين. رواه عبد الرزاق
وقال الحسن في مسافر أدرك ركعة من صلاة المقيمين في الظهر قال: يزيد إليها ثلاثاً، وإن أدركهم جلوساً صلى ركعتين. رواه عبد الرزاق.
أ-لقوله ﷺ (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك).
دلَّ هذا الحديث على أن من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة، أي: حكمها ووقتها وفضلها، فدلَّ ذلك على أن من أدرك أقل من ركعة لم يدرك شيئاً من ذلك، وأن الركعة حد أدنى لإدراك تلك الفضائل.
ب-ولأن من أدرك من الجمعة ركعة أتمها جمعة، ومن أدرك أقل من ذلك لا يلزمه فرضها.
ج-أن المسافر إذا لم يدرك ركعة من الصلاة كاملة فهو في حكم من لم يدرك شيئاً منها، وإذا لم يدرك شيئاً من صلاة المقيم صلى ركعتين بإجماع.
القول الثالث: المسافر يقصر الصلاة سواء خلف مقيم أو غيره.
وهو قول إسحاق، والشعبي، وطاووس، وهو مذهب الظاهرية.
لحديث الباب (أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ اَلصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ اَلسَّفَرِ وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ اَلْحَضَرِ … ).
فدل هذا الحديث على أن صلاة السفر هي الأصل فبمجرد السفر يثبت حكمها ما دام مسافراً فلا يتغير حكمها بالائتمام.
الحالة الثالثة: إذا نوى الإقامة أكثر من أربع أيام.
(وهذه مسألة خلافية سيأتي ذكر الخلاف فيها إن شاء الله).
• هل يجوز القصر في سفر المعصية؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يجوز له القصر.
وهذا مذهب أبي حنيفة، واختاره ابن تيمية.
قال النووي: وذهب الحنفية، والثوري، والأوزاعي، والمزني من أصحاب الشافعي بجواز القصر في سفر المعصية وغيره.
قالوا: لأن فرض السفر ركعتان، ولأنه داخل تحت النصوص المطلقة.
القول الثاني: لا يجوز له القصر.
وهذا مذهب الجمهور: مالك، والشافعي، وأحمد.
لأن الترخيص شرع للإعانة على تحصيل المقصد المباح توصلاً للمصلحة، فلو شرع هنا لشرع إعانة على المحرّم تحصيلاً للمفسدة، والشرع منزه عن هذا.
والراجح القول الأول.
стр. 804
٤٢٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْصُرُ فِي اَلسَّفَرِ وَيُتِمُّ، وَيَصُومُ وَيُفْطِرُ) رَوَاهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ. إِلَّا أَنَّهُ مَعْلُول.
وَالْمَحْفُوظُ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ فِعْلِهَا، وَقَالَتْ (إِنَّهُ لَا يَشُقُّ عَلَيَّ) أَخْرَجَهُ اَلْبَيْهَقِيّ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
هذا الحديث معلول كما قال الحافظ ابن حجر، مع أن رجاله ثقات، فقد رواه الدار قطني من طريق سعيد بن محمد بن ثواب حدثنا أبو عاصم حدثنا عمرو بن سعيد عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة به.
قال الحافظ في التلخيص: قد استنكره أحمد، وصحته بعيدة.
قال ابن تيمية: والحديث الذي رواه الدارقطني عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يقصر في السفر وتتم، ويفطر وتصوم. باطل في الإتمام، وإن كان صحيحاً في الإفطار بخلاف النقل المتواتر المستفيض.
وقال ابن القيم: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هو كذب على رسول الله ﷺ .
وجه النكارة: أن عائشة كانت تتم، فلو كان عندها هذا الحديث، لم يقل عروة عنها: إنها تأولت.
وعن عائشة ﵂ قالت: خرجت مع النبي ﷺ في عمرة رمضان فأفطر وصمت، وقصر وأتممت، فقلت: بأبي وأمي أفطرت وصمت، وقصرت، وأتممت، فقال: أحسنت يا عائشة.
قال ابن تيمية ﵀: فهذا لو صح لم يكن فيه على أن النبي ﷺ أتم، وإنما فيه إذن في الإتمام، مع أن هذا الحديث على هذا الوجه ليس بصحيح بل هو خطأ لوجوه:
أحدها: أن الذي في الصحيحين عن عائشة: أن الصلاة ركعتان، وقد ذكر ابن أخيها وهو أعلم الناس بها: أنها أتمّت الصلاة في السفر بتأويل تأولته، لا بنص كان معها، فعلم أنه لم يكن معها فيه نص.
الثاني: أن في الحديث أنها خرجت معتمرة معه في رمضان، وكانت صائمة، وهو كذب باتفاق أهل العلم. فإن النبي ﷺ لم يعتمر في رمضان قط، وإنما كانت كلها في شوال، وإذا كان لم يعتمر في رمضان، ولم يكن في عمره عليه صوم، بطل هذا الحديث.
الثالث: أن النبي ﷺ إنما سافر في رمضان غزوة بدر فلم يكن معه فيها أزواجه، ولا كانت عائشة، وأما غزوة الفتح فقد صام فيها أول سفره ثم أفطر، خلاف ما في هذا الحديث المفتعل.
الرابع: أن عائشة لم تكن بالتي تصوم، وتصلي طول سفرها إلى مكة، وتخالف فعله بغير إذنه، بل كانت تستفتيه قبل الفعل، فإن الإقدام على مثل هذا لا يجوز.
• هل أتم النبي ﷺ في سفره؟
النبي ﷺ لم يتم في سفره قط.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: وأما في السفر فقد سافر رسول الله ﷺ قريباً من ثلاثين سفرة، وكان يصلي ركعتين في أسفاره، ولم ينقل عنه أحد من أهل العلم أنه صلى في السفر أربعاً قط، حتى في حجة الوداع، وهي آخر أسفاره كان يصلي بالمسلمين بمنى ركعتين ركعتين، وهذا من العلم العام المستفيض المتواتر الذي اتفق على نقله جميع أصحابه، ومن أخذ العلم عنهم.
وقال ابن القيم ﵀: وكان يَقصُر الرُّبَاعية، فيصليها ركعتين مِنْ حين يخرُج مسافراً إلى أن يرجع إلى المدينة، ولم يثبُت عنه أنه أتمَّ الرُّباعية في سفره البتة.
стр. 805
• من مِنْ الصحابة أتم في سفره؟
عائشة، وعثمان.
أما عائشة، فقد روى البيهقي عن عروة عن عائشة: (أنها كانت تصلي في السفر أربعاً، فقلت لها: لو صليت ركعتين؟ فقالت: يا ابن أختي، إنه لا يشق عليّ) وسنده صحيح.
قال الحافظ: وهو دال على أنها تأولت أن القصر رخصة، وأن الإتمام لمن لا يشق عليه أفضل.
أما عثمان، فقد أتم في آخر خلافته ست سنوات.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ (صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ وَأَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ وَعُمَرُ بَعْدَ أَبِى بَكْرٍ وَعُثْمَانُ صَدْراً مِنْ خِلَافَتِهِ ثُمَّ إِنَّ عُثْمَانَ صَلَّى بَعْدُ أَرْبَعاً. فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا صَلَّى مَعَ الإِمَامِ صَلَّى أَرْبَعاً وَإِذَا صَلاَّهَا وَحْدَهُ صَلَّى رَكْعَتَيْن) رواه مسلم.
• اذكر بعض الأسباب التي قيلت في سبب إتمام عثمان؟
اختلف العلماء في سبب إتمام عثمان:
فقيل: أن الأعراب قد حجوا في تلك السنة، فأراد أن يعلمهم أن فرض الصلاة أربع، لئلا يتوهموا أنها ركعتان في الحضر والسفر.
ورد هذا: بأنهم كانوا أحرى بذلك في حج النبي ﷺ ، فكانوا حديثي عهد بالإسلام، والعهد بالصلاة قريب، ومع هذا فلم يُرَبِّع بهم النبي ﷺ .
وقيل: إنه كان إماماً للناس، والإمام حيث نزل فهو عمله ومحل ولايته.
ورد هذا: بأن إمام الخلائق على الإطلاق رسول الله ﷺ كان هو أولى بذلك ولم يربّع.
وقيل: إنه كان قد عزم على الإقامة والاستيطان بمنى، واتخاذها داراً للخلافة.
وهذا التأويل أيضاً مما لا يقوى، فإن عثمانَ ﵁ من المهاجرين الأولين، وقد مَنع ﷺ المهاجرين من الإِقامة بمكة بعد نسكهم، ورخَّص لهم فيها ثلاثة أيام فقط، فلم يكن عُثمانُ لِيقيم بها، وقد منع النبيُّ ﷺ من ذلك، وإنما رخَص فيها ثلاثاً وذلك لأنهم تركوها للّه، وما تُرِكَ للّه، فإنه لا يُعاد فيه، ولا يُسترجع.
وقيل: إنه كان قد تأهل بمنى، والمسافر إذا أقام في موضع، وتزوج فيه، أو كان له به زوجة، أتم، ورجح هذا ابن القيم.
لورود حديث في ذلك عند أحمد (من تأهل ببلدة، فإنه يصلي صلاة مقيم).
ورجح هذا ابن القيم وقال: وهذا أحسن ما اعتُذِر به عن عثمان.
ورد هذا الحافظ ابن حجر، فقال: فهذا الحديث لا يصح، لأنه منقطع، وفي رواته من لا يحتج به، ويرده قول عروة: إن عائشة تأولت ما تأول عثمان.
والراجح ما قاله الشنقيطي في أضواء البيان، حيث قال: الذي يظهر لي - والله تعالى أعلم - أن أحسن ما يعتذر به عن عثمان وعائشة في الإتمام في السفر، أنهما فهما من بعض النصوص أن القصر في السفر رخصة، كما ثبت في صحيح مسلم، أنه صدقة تصدق الله بها، وأنه لا بأس بالإتمام لمن لا يشق عليه ذلك كالصوم في السفر.
стр. 806
٤٢٧ - وَعَنْ اِبْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِنَّ اَللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ ..
وَفِي رِوَايَةٍ: (كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ).
===
(أَنْ تُؤْتَى) أن تفعل.
(رُخَصُهُ) الرخص جمع رخصة، لغة: السهولة، واصطلاحاً: تخفيف الحكم الأصلي دون إبطال العمل به
(مَعْصِيَتُهُ) المعصية مخالفة الأمر وفعل المعصية.
• ما مناسبة الحديث لباب قصر الصلاة؟
الحديث فيه دليل على استحباب العمل بالرخص، ومن ذلك قصر الصلاة في السفر.
واستدل بهذا الحديث جمهور العلماء على أن القصر في السفر مستحب.
وقد قال بعض العلماء: الأصل في الرخص الإباحة، لأنه لو كان مأموراً بها لم تكن رخصة.
لكن قد تجب أحياناً، كأكل الميتة للمضطر في المجاعة.
• ما عقيدة أهل السنة في صفة المحبة؟
عقيدتهم: أنهم يثبتون صفة المحبة إثباتاً يليق بجلاله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيه.
والأدلة على ذلك:
قوله (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).
وقوله (وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).
وقوله (فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ).
وقوله (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ).
وقوله (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ).
وقوله (فسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ).
وقوله (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ)
وفسرها أهل البدع بالثواب، وهذا لا يصح، لأنه: خلاف الظاهر، وخلاف طريقة السلف، وليس عليه دليل.
стр. 807
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- سعة رحمة الله وكرمه، حيث يحب من عباده أن يفعلوا الرخص.
- أن الله يحب من عبده أن يعمل بالرخص.
فإن قال قائل: أنا لا يشق علي الإتمام في السفر.
فالجواب: أن هذا خلاف ما يحبه الله.
- إثبات الكراهة لله، وهو إثبات يليق بجلاله، كما قال تعالى (وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُم).
- أن الله يكره أن يعصى.
فائدة: قال ابن حجر في (الفتح): وقد روى أحمد من طريق أبي طعمة قال: قال رجل لابن عمر: إني أقوى على الصوم في السفر، فقال له بن عمر: من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة، وهذا محمول على من رغب عن الرخصة لقوله ﷺ : (من رغب عن سنتي فليس مني).
стр. 808
٤٢٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَال أَوْ فَرَاسِخَ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ
===
(إذا خرج) أي إذا توجه من المدينة مسافراً.
(ثلاثة أميال) جمع ميل، وهو كيل ونصف.
(فراسخ) واحد فرسخ، والفرسخ أربعة أميال، والشك من الراوي وهو شعبة، والفرسخ أحوط.
• ما معنى قوله في الحديث (كان إذا خرج ثلاثة أميال … )؟
فقيل: قال النووي: وأما حديث أنس فليس معناه أن غاية سفره كانت ثلاثة أميال، بل معناه أنه كان إذا سافر سفراً طويلاً فتباعد ثلاثة أميال قصر [الجمهور].
وقيل: إذا خرج رسول الله ﷺ إلى هذه المسافة قصر الصلاة.
فعلى هذا القول الثلاثة فراسخ هي كل المسافة.
وقد أخذ بهذا الظاهرية، فقالوا: أن أقل مسافة القصر ثلاثة أميال.
• ما المسافة التي يعتبر بها المسافر إذا قطعها مسافراً؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: ثلاثة أميال.
وهذا مذهب الظاهرية.
لحديث الباب.
القول الثاني: ميل واحد.
وهذا مذهب ابن حزم.
أ-واحتج له بإطلاق السفر في كتاب الله تعالى، كقوله (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْض).
ب- لم يخص الله ولا رسوله ولا المسلمون بأجمعتهم سفراً من سفر.
ج-وثبت ذلك عن ابن عمر بإسناد صحيح كما عند ابن أبي شيبة.
القول الثالث: أن أقل مسافة للقصر هي مرحلتان لسير الإبل المحملة. [أربعة برد، تقريباً ٨٣ كيلو]
وهذا مذهب الأكثر.
فهو قول المالكية، والشافعية، والحنابلة.
واستدلوا بالآثار المروية عن بعض الصحابة في تحديد السفر الذي تقصر فيه الصلاة، وأنه ما كان على مسافة أربعة برد.
стр. 809
فعن عطاء (أن ابن عمر وابن عباس كانا يصليان ركعتين ويفطران في أربعة برد فما فوق.) رواه البخاري تعليقاً والبيهقي، قال النووي: بإسناد صحيح.
وعنه قال (قلت لابن عباس: أأقصر إلى عرفة؟ فقال: لا، قلت: أأقصر إلى منى؟ قال: لا، قلت: أأقصر إلى الطائف وإلى عسفان؟ قال: نعم، وذلك ثمانية، أربعون ميلاً وعقده بيده) رواه البيهقي وابن أبي شيبة، قال الحافظ في التلخيص: إسناده صحيح.
القول الرابع: أن أقل مدة تقصر فيها الصلاة هي ثلاثة أيام.
وهذا مذهب أبي حنيفة.
أ- لحديث ابن عمر. أن النبي ﷺ قال (لا تسافر المرأة فوق ثلاثة أيام ولياليهن إلا ومعها زوجها أو ذو محرم منها) متفق عليه.
ب- ولحديث علي قال (جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر) وهذا يقتضي أن كل مسافر له ذلك، ولأن الثلاثة متفق عليها وليس في أقل من ذلك توقيف ولا اتفاق.
القول الخامس: أنه لا حد للسفر بالمسافة، فكل ما عد سفراً فهو سفر.
واختار هذا ابن تيمية، وابن قدامة في المغني.
أ-لقوله تعالى (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْض) فالله علق مشروعية قصر الصلاة على مطلق الضرب في الأرض، فيصدق ذلك على كل مسافر، قصيراً كان سفره أو طويلاً، وحيث لا دليل يدل على تقييد هذا المطلق فيجب العمل به على إطلاقه.
ب- أن التقدير بابه التوقيف فلا يجوز المصير إليه برأي مجرد، سيما وليس له أصل يرد إليه ولا نظير يقاس عليه.
قال ابن قدامة بعد ذكره الأقوال: ولا أرى لما صار إليه الأئمة حجة، لأن أقوال الصحابة متعارضة مختلفة، ولا حجة فيها مع الاختلاف، وإذا لم تثبت أقوالهم، امتنع الحصر إلى التقدير الذي ذكروه، لوجهين:
الأول: أنه مخالف لسنة النبي ﷺ التي رويناها، ولظاهر القرآن، فإن ظاهره إباحة القصر لمن ضرب في الأرض.
الثاني: أن التقدير بابه التوقيف، فلا يجوز المصير إليه برأي مجرد سيما ولا أصل يرد إليه، ولا نظير يقاس عليه، والحجة مع من أباح القصر لكل مسافر إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه.
قال ابن تيمية: الفرق بين السفر الطويل والقصر، لا أصل له في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ ، بل الأحكام التي علقها الله بالسفر مطلقة.
والأحوط قول الجمهور.
• سئل الشيخ ابن عثيمين: مجموعة من المدرسين يترددون لقرى بعيدة تقريباً فوق (١٠٠ كم) ويترخصون برخص السفر، يجمعون بين الظهر والعصر مع أنهم يصلون إلى ديارهم تقريباً الساعة الواحدة والنصف، ويقولون: عندهم فتوى منكم أنتم، فهل يجوز لهم أن يترخصوا برخص السفر؟ وإذا كان لا يجوز فهل يجوز لهم أن يجمعوا بين الظهر والعصر من غير قصر أم لا؟
الجواب: العلماء ﵏ اختلفوا في السفر المبيح للرخص، فمنهم: من يحده بالمسافة ويقول: المسافة (٨٣ كم) فإذا جاوزها الإنسان ولو بنصف ذراع حلت له الرخص.
وبناءً على هذا القول: يكون هؤلاء ممكن يكون لهم الرخص؛ لأنك قلت: (١٠٠ كم) أو أكثر.
هؤلاء يقولون: له القصر وله الفطر وله الجمع ولو قطع هذه المسافة، أعني: (٨٣ كم) بنصف ساعة أو أقل، على هذا القول يكون لهؤلاء أن يقصروا إذا صادفتهم الصلاة وهم في غير بلدهم، ويجوز لهم أن يجمعوا.
وأما على القول الثاني الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وهو أقرب إلى الصواب فيقول: العبرة بما يسميه الناس سفراً، وهؤلاء القوم الذين يذهبون صباحاً ويرجعون مساءً قبل المساء لا يعدون مسافرين فلا يقصرون .... (فتاوى لقاء الباب المفتوح).
стр. 810
• ما حكم القصر للمكي بعرفة ومزدلفة ومنى؟
اختلف العلماء في هذا المسألة على قولين:
القول الأول: أنه ليس لأهل مكة القصر بعرفة ومزدلفة وبمنى.
وهذا قول الشافعية، والحنابلة.
قالوا: إن المسوغ للجمع والقصر هو السفر، والخروج إلى هذه الأماكن لا يعد سفراً بالنسبة للمكي لعدم المسافة.
القول الثاني: أن لأهل مكة القصر في هذه الأماكن كسائر الحجاج.
وهذا مذهب المالكية، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.
أ-لأن النبي ﷺ كان يقصر بمنى، وجمع وقصر بعرفة ومزدلفة، وصلى معه جميع المسلمين من أهل مكة وغيرهم، ولم يأمر أهل مكة بالإتمام، ولا بتأخير العصر في عرفة، أو تقديم المغرب في المزدلفة.
ب- قالوا: ولو أن أهل مكة قاموا فأتموا وصلوا أربعاً، وفعلوا ذلك بعرفة ومزدلفة وفي أيام منى، لكان مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله بالضرورة.
قال ابن تيمية: … إنما قصروا لأجل سفرهم لا لأجل النسك، ولهذا لم يكونوا يقصرون بمكة وإن كانوا محرمين.
والأحوط الأول.
• ما الجواب عن حديث (أن النبي ﷺ قال لأهل مكة: يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفْر)؟
الجواب من وجهين:
الأول: أنه ضعيف، رواه أبو داود وغيره، قال ابن حجر: وهذا ضعيف، لأن الحديث من رواية علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف.
والثاني: أنه على التسليم بصحته، فإنما قاله ﷺ عام الفتح في جوف مكة، والحال أن أهل مكة مقيمون حقيقة.
• متى يبدأ المسافر بالقصر؟
إذا فارق عمران بلده.
وهذا مذهب جماهير العلماء: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد.
قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المريد للسفر أن يقصر إذا خرج من جميع القرية التي يخرج منها.
وقال الحافظ: وهذا مذهب جمهور أهل العلم، أن المسافر إذا أراد سفراً تقصر في مثله الصلاة لا يقصر حتى يفارق جميع البيوت.
أ- لقوله تعالى (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْض)، ولا يكون ضارباً في الأرض حتى يخرج، وقبل مفارقته لا يكون ضارباً فيها.
ب-ولأن النبي ﷺ إنما كان يقصر إذا ارتحل كما في حديث الباب.
следующие страницы →