Полный текст (3 038 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
٤٢٧ - وَعَنْ اِبْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِنَّ اَللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ ..
وَفِي رِوَايَةٍ: (كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ).
===
(أَنْ تُؤْتَى) أن تفعل.
(رُخَصُهُ) الرخص جمع رخصة، لغة: السهولة، واصطلاحاً: تخفيف الحكم الأصلي دون إبطال العمل به
(مَعْصِيَتُهُ) المعصية مخالفة الأمر وفعل المعصية.
• ما مناسبة الحديث لباب قصر الصلاة؟
الحديث فيه دليل على استحباب العمل بالرخص، ومن ذلك قصر الصلاة في السفر.
واستدل بهذا الحديث جمهور العلماء على أن القصر في السفر مستحب.
وقد قال بعض العلماء: الأصل في الرخص الإباحة، لأنه لو كان مأموراً بها لم تكن رخصة.
لكن قد تجب أحياناً، كأكل الميتة للمضطر في المجاعة.
• ما عقيدة أهل السنة في صفة المحبة؟
عقيدتهم: أنهم يثبتون صفة المحبة إثباتاً يليق بجلاله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيه.
والأدلة على ذلك:
قوله (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).
وقوله (وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).
وقوله (فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ).
وقوله (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ).
وقوله (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ).
وقوله (فسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ).
وقوله (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ)
وفسرها أهل البدع بالثواب، وهذا لا يصح، لأنه: خلاف الظاهر، وخلاف طريقة السلف، وليس عليه دليل.
стр. 807
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- سعة رحمة الله وكرمه، حيث يحب من عباده أن يفعلوا الرخص.
- أن الله يحب من عبده أن يعمل بالرخص.
فإن قال قائل: أنا لا يشق علي الإتمام في السفر.
فالجواب: أن هذا خلاف ما يحبه الله.
- إثبات الكراهة لله، وهو إثبات يليق بجلاله، كما قال تعالى (وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُم).
- أن الله يكره أن يعصى.
فائدة: قال ابن حجر في (الفتح): وقد روى أحمد من طريق أبي طعمة قال: قال رجل لابن عمر: إني أقوى على الصوم في السفر، فقال له بن عمر: من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة، وهذا محمول على من رغب عن الرخصة لقوله ﷺ : (من رغب عن سنتي فليس مني).
стр. 808
٤٢٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَال أَوْ فَرَاسِخَ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ
===
(إذا خرج) أي إذا توجه من المدينة مسافراً.
(ثلاثة أميال) جمع ميل، وهو كيل ونصف.
(فراسخ) واحد فرسخ، والفرسخ أربعة أميال، والشك من الراوي وهو شعبة، والفرسخ أحوط.
• ما معنى قوله في الحديث (كان إذا خرج ثلاثة أميال … )؟
فقيل: قال النووي: وأما حديث أنس فليس معناه أن غاية سفره كانت ثلاثة أميال، بل معناه أنه كان إذا سافر سفراً طويلاً فتباعد ثلاثة أميال قصر [الجمهور].
وقيل: إذا خرج رسول الله ﷺ إلى هذه المسافة قصر الصلاة.
فعلى هذا القول الثلاثة فراسخ هي كل المسافة.
وقد أخذ بهذا الظاهرية، فقالوا: أن أقل مسافة القصر ثلاثة أميال.
• ما المسافة التي يعتبر بها المسافر إذا قطعها مسافراً؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: ثلاثة أميال.
وهذا مذهب الظاهرية.
لحديث الباب.
القول الثاني: ميل واحد.
وهذا مذهب ابن حزم.
أ-واحتج له بإطلاق السفر في كتاب الله تعالى، كقوله (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْض).
ب- لم يخص الله ولا رسوله ولا المسلمون بأجمعتهم سفراً من سفر.
ج-وثبت ذلك عن ابن عمر بإسناد صحيح كما عند ابن أبي شيبة.
القول الثالث: أن أقل مسافة للقصر هي مرحلتان لسير الإبل المحملة. [أربعة برد، تقريباً ٨٣ كيلو]
وهذا مذهب الأكثر.
فهو قول المالكية، والشافعية، والحنابلة.
واستدلوا بالآثار المروية عن بعض الصحابة في تحديد السفر الذي تقصر فيه الصلاة، وأنه ما كان على مسافة أربعة برد.
стр. 809
فعن عطاء (أن ابن عمر وابن عباس كانا يصليان ركعتين ويفطران في أربعة برد فما فوق.) رواه البخاري تعليقاً والبيهقي، قال النووي: بإسناد صحيح.
وعنه قال (قلت لابن عباس: أأقصر إلى عرفة؟ فقال: لا، قلت: أأقصر إلى منى؟ قال: لا، قلت: أأقصر إلى الطائف وإلى عسفان؟ قال: نعم، وذلك ثمانية، أربعون ميلاً وعقده بيده) رواه البيهقي وابن أبي شيبة، قال الحافظ في التلخيص: إسناده صحيح.
القول الرابع: أن أقل مدة تقصر فيها الصلاة هي ثلاثة أيام.
وهذا مذهب أبي حنيفة.
أ- لحديث ابن عمر. أن النبي ﷺ قال (لا تسافر المرأة فوق ثلاثة أيام ولياليهن إلا ومعها زوجها أو ذو محرم منها) متفق عليه.
ب- ولحديث علي قال (جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر) وهذا يقتضي أن كل مسافر له ذلك، ولأن الثلاثة متفق عليها وليس في أقل من ذلك توقيف ولا اتفاق.
القول الخامس: أنه لا حد للسفر بالمسافة، فكل ما عد سفراً فهو سفر.
واختار هذا ابن تيمية، وابن قدامة في المغني.
أ-لقوله تعالى (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْض) فالله علق مشروعية قصر الصلاة على مطلق الضرب في الأرض، فيصدق ذلك على كل مسافر، قصيراً كان سفره أو طويلاً، وحيث لا دليل يدل على تقييد هذا المطلق فيجب العمل به على إطلاقه.
ب- أن التقدير بابه التوقيف فلا يجوز المصير إليه برأي مجرد، سيما وليس له أصل يرد إليه ولا نظير يقاس عليه.
قال ابن قدامة بعد ذكره الأقوال: ولا أرى لما صار إليه الأئمة حجة، لأن أقوال الصحابة متعارضة مختلفة، ولا حجة فيها مع الاختلاف، وإذا لم تثبت أقوالهم، امتنع الحصر إلى التقدير الذي ذكروه، لوجهين:
الأول: أنه مخالف لسنة النبي ﷺ التي رويناها، ولظاهر القرآن، فإن ظاهره إباحة القصر لمن ضرب في الأرض.
الثاني: أن التقدير بابه التوقيف، فلا يجوز المصير إليه برأي مجرد سيما ولا أصل يرد إليه، ولا نظير يقاس عليه، والحجة مع من أباح القصر لكل مسافر إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه.
قال ابن تيمية: الفرق بين السفر الطويل والقصر، لا أصل له في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ ، بل الأحكام التي علقها الله بالسفر مطلقة.
والأحوط قول الجمهور.
• سئل الشيخ ابن عثيمين: مجموعة من المدرسين يترددون لقرى بعيدة تقريباً فوق (١٠٠ كم) ويترخصون برخص السفر، يجمعون بين الظهر والعصر مع أنهم يصلون إلى ديارهم تقريباً الساعة الواحدة والنصف، ويقولون: عندهم فتوى منكم أنتم، فهل يجوز لهم أن يترخصوا برخص السفر؟ وإذا كان لا يجوز فهل يجوز لهم أن يجمعوا بين الظهر والعصر من غير قصر أم لا؟
الجواب: العلماء ﵏ اختلفوا في السفر المبيح للرخص، فمنهم: من يحده بالمسافة ويقول: المسافة (٨٣ كم) فإذا جاوزها الإنسان ولو بنصف ذراع حلت له الرخص.
وبناءً على هذا القول: يكون هؤلاء ممكن يكون لهم الرخص؛ لأنك قلت: (١٠٠ كم) أو أكثر.
هؤلاء يقولون: له القصر وله الفطر وله الجمع ولو قطع هذه المسافة، أعني: (٨٣ كم) بنصف ساعة أو أقل، على هذا القول يكون لهؤلاء أن يقصروا إذا صادفتهم الصلاة وهم في غير بلدهم، ويجوز لهم أن يجمعوا.
وأما على القول الثاني الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وهو أقرب إلى الصواب فيقول: العبرة بما يسميه الناس سفراً، وهؤلاء القوم الذين يذهبون صباحاً ويرجعون مساءً قبل المساء لا يعدون مسافرين فلا يقصرون .... (فتاوى لقاء الباب المفتوح).
стр. 810
• ما حكم القصر للمكي بعرفة ومزدلفة ومنى؟
اختلف العلماء في هذا المسألة على قولين:
القول الأول: أنه ليس لأهل مكة القصر بعرفة ومزدلفة وبمنى.
وهذا قول الشافعية، والحنابلة.
قالوا: إن المسوغ للجمع والقصر هو السفر، والخروج إلى هذه الأماكن لا يعد سفراً بالنسبة للمكي لعدم المسافة.
القول الثاني: أن لأهل مكة القصر في هذه الأماكن كسائر الحجاج.
وهذا مذهب المالكية، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.
أ-لأن النبي ﷺ كان يقصر بمنى، وجمع وقصر بعرفة ومزدلفة، وصلى معه جميع المسلمين من أهل مكة وغيرهم، ولم يأمر أهل مكة بالإتمام، ولا بتأخير العصر في عرفة، أو تقديم المغرب في المزدلفة.
ب- قالوا: ولو أن أهل مكة قاموا فأتموا وصلوا أربعاً، وفعلوا ذلك بعرفة ومزدلفة وفي أيام منى، لكان مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله بالضرورة.
قال ابن تيمية: … إنما قصروا لأجل سفرهم لا لأجل النسك، ولهذا لم يكونوا يقصرون بمكة وإن كانوا محرمين.
والأحوط الأول.
• ما الجواب عن حديث (أن النبي ﷺ قال لأهل مكة: يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفْر)؟
الجواب من وجهين:
الأول: أنه ضعيف، رواه أبو داود وغيره، قال ابن حجر: وهذا ضعيف، لأن الحديث من رواية علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف.
والثاني: أنه على التسليم بصحته، فإنما قاله ﷺ عام الفتح في جوف مكة، والحال أن أهل مكة مقيمون حقيقة.
• متى يبدأ المسافر بالقصر؟
إذا فارق عمران بلده.
وهذا مذهب جماهير العلماء: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد.
قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المريد للسفر أن يقصر إذا خرج من جميع القرية التي يخرج منها.
وقال الحافظ: وهذا مذهب جمهور أهل العلم، أن المسافر إذا أراد سفراً تقصر في مثله الصلاة لا يقصر حتى يفارق جميع البيوت.
أ- لقوله تعالى (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْض)، ولا يكون ضارباً في الأرض حتى يخرج، وقبل مفارقته لا يكون ضارباً فيها.
ب-ولأن النبي ﷺ إنما كان يقصر إذا ارتحل كما في حديث الباب.
стр. 811
ج-وفي حديث أنس قال (صليت مع النبي ﷺ الظهر بالمدينة أربعاً، وبذي الحليفة ركعتين). متفق عليه
وروى مالك بإسناد صحيح عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان إذا خرج حاجاً، أو معتمراً قصر الصلاة بذي الحليفة.
د-ومن المعقول: فإنه لا يطلق على الشخص مسافراً إلا إذا باشر السفر وفعله، ولا يكون ذلك إلا بخروجه من بلده.
قال الشيخ ابن عثيمين: المسافر لا يعد مسافراً إلا إذا فارق العمران، لكن ليس المراد المفارقة بالرؤية، بل المفارقة بالبدن حتى لو كان بينه وبين البلد ذراعاً واحداً، فله أن يترخص برخص السفر.
فائدة: قال النووي: وقال مجاهد لا يقصر المسافر نهاراً حتى يدخل الليل، قال ابن المنذر: لا نعلم أحداً وافقه، وعن عطاء أنه قال إذا جاوز حيطان داره فله القصر، فهذان المذهبان فاسدان:
فمذهب مجاهد منابذ للأحاديث الصحيحة في قصر النبي ﷺ بذى الحليفة حين خرج من المدينة، ومذهب عطاء وموافقيه منابذ لاسم السفر. (المجموع شرح المهذب).
• كم سبب لقصر الصلاة؟
سبب واحد وهو السفر.
قال تعالى (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ … ).
• ما الحكم في رجل دخل عليه وقت صلاة الظهر وسافر فهل له القصر؟
إذا دخل عليه وقت الصلاة وخرج من البلد فإنه يصلي صلاة مسافر.
وهو قول الجمهور كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، ورواية عن الإمام أحمد.
لأن الحكم للمكان لا للزمان.
وقيل: ليس له القصر.
لأنها وجبت عليه في الحضر فلزمه إتمامها وهذا أحد القولين في مذهب الإمام أحمد.
وهذا القول فيه ضعف، وينتقض بما لو دخل عليه الوقت في السفر ولم يصل حتى رجع إلى بلده فإنه يصلي صلاة مقيم عند الحنابلة وغيرهم، فبان أن الحكم للمكان لا للزمان، فحيثما صلى اعتبر مكانه، فإن صلى في السفر فإنه يصلي صلاة مسافر وإن صلى في الحضر صلى صلاة مقيم.
قال الشيخ ابن عثيمين: إذا سافر الإنسان بعد دخول الوقت وصلى في مسيره، فإنه يقصر صلاته كما أنه لو دخل عليه الوقت وهو في السفر ثم وصل بلده فإنه يتم الصلاة؛ لأن العبرة بفعل الصلاة لا بوقتها، فمتى فعل الصلاة في السفر قصرها، ومتى فعلها في الحضر أتم.
• سئل الشيخ ابن عثيمين: إذا ذهب أحدهم للنزهة إلى مسافة بعيدة تستوجب القصر أو الجمع، هل يقصر أو يجمع رغم أنه لم يذهب لسفر معين، وإنما لنزهة فقط؛ ولكنه قطع مائة وخمسين ميلاً أو مائتين أو ما أشبه ذلك؟
السفر -بارك الله فيك- ما دام مباحاً فإنه يترخص الإنسان فيه برخص السفر ولو كان نزهة. (ابن عثيمين).
стр. 812
٤٢٩ - وَعَنْهُ قَالَ (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ مِنْ اَلْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى اَلْمَدِينَةِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
===
(خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ مِنْ اَلْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ) جاء في رواية عند البخاري (قلت: أقمتم بمكة شيئاً؟ قال: أقمنا بها عشراً) ولمسلم: (خرجنا من المدينة إلى الحج … ).
• اختلف العلماء، ما هي المدة التي إذا أقامها المسافر يعتبر مقيماً؟ على أقوال كثيرة، اذكر بعض الأقوال؟
القول الأول: أن أقل مدة الإقامة أربعة أيام، فإذا نوى إقامة أربعة أيام فأكثر انقطع ترخصه.
وهذا مذهب جماهير العلماء، وبه قال المالكية، والشافعية، والحنابلة، ورجحه الشيخ ابن باز ﵀.
أ-لحديث أنس، حيث أن النبي ﷺ قدم مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة، فأقام بها الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلى الصبح في يوم الثامن ثم خرج إلى منى.
قالوا: فيجوز لمن كانت إقامته كإقامة النبي ﷺ أن يقصر الصلاة.
قالوا: وإقامة النبي ﷺ بالأبطح في عام حجة الوداع معلومة البداية والنهاية.
وقالوا: إن هناك فرقاً كبيراً بين إقامته ﷺ بمكة عام الفتح وبتبوك، وبين إقامته بمكة عام حجة الوداع، ويظهر الفرق من وجهين:
أولاً: إن إقامة النبي ﷺ عام الفتح، وفي إقامة تبوك إقامة طارئة، وغير مقصودة من قبل، بل اقتضتها مصالح الجهاد ومتطلبات الفتح، فهي إقامة غير معلومة البداية، وغير محددة النهاية، لأن هذا السفر من أجل الجهاد ومنازلة الأعداء والكر والفر، لا من أجل المكث والإقامة، ومن المعلوم أن من كانت هذه حاله، فإنه لا يدري ما سيواجهه من أوضاع، لذا فإنه لا يصح أن يقال قد بيت الإقامة، أو أنه قد حدد موعد الرحيل، حتى تكون النهاية معلومة إذ لو فعله لنقل إلينا، وعدم نقله دليل على عدم فعله.
ثانياً: إن إقامة النبي ﷺ بمكة عام حجة الوداع تختلف عن إقامته ﷺ عام الفتح، وفي عام تبوك لما علم من معرفة النبي ﷺ بعدد الأيام التي يحتاجها من أراد الرحلة من المدينة إلى مكة، لأنه ﷺ قد طرقه قبل الهجرة وبعدها، كما أنه طريق قريش إلى رحلة الصيف، ثم إنه كان طريقاً آمناً عام حجة الوداع، كما أن اليوم الذي يبدأ به الحج معلوم لما عرف من أن مشروعية الحج كانت في السنة التاسعة فمشروعيته سابقة على حجة الوداع.
стр. 813
لهذه الأسباب كلها فإن إقامته ﷺ بالأبطح قبل الحج إقامة مقصودة، وهي معلومة البداية والنهاية.
ب-واستدلوا بقوله ﷺ : (يمكث المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثاً). رواه مسلم
قال ابن حجر: يستنبط من ذلك أن إقامة ثلاثة أيام لا تخرج صاحبها من حكم المسافر.
القول الثاني: أن مدة الإقامة خمسة عشر يوماً، فإذا نوى إقامة خمسة عشر يوماً فأكثر امتنع عليه الترخص، وإن نوى دون ذلك ترخص.
وهذا مذهب الحنفية.
لما روي عن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا (إذا قدمت بلدة وأنت مسافر، وفي نفسك أن تقيم خمسة عشر يوماً، أكمل الصلاة بها، وإن كنت لا تدري متى تظعن فاقصرها) رواه الطحاوي.
ويرد عليهم: أنه لا حجة في أقوال الصحابة في المسائل التي للاجتهاد فيها مسرح، وهذه منها.
وأيضاً فقد ثبت عن ابن عباس وابن عمر خلاف ما حكي عنهم.
القول الثالث: أن مرجع ذلك إلى العرف، فإنه يقصر ولو طالت المدة ما لم يجمع الإقامة.
ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، واختاره الشيخ ابن عثيمين ﵀.
قال ﵀: للمسافر القصر والفطر ما لم يجمع على الإقامة والاستيطان، والتمييز بين المقيم والمسافر نية أيام معلومة يقيمها ليس هو أمراً معلوماً لا بشرع ولا عرف.
والأحوط مذهب الجمهور.
• هل يجوز للمسافر القصر حتى ولو كان قد اقترب من بلده؟
إذا اقترب المسافر من بلد إقامته راجعاً إليها، جاز له القصر ما لم يدخل بلده، لأنه ما زال مسافراً.
لقول أنس ﵁: (خرجنا مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين، ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة).
• ما الحكم إذا رجع المسافر من السفر، ودخل عليه الوقت وهو في السفر، ثم وصل بلده قبل خروج وقتها؟
فإنه يصلي الرباعية أربعاً ولا يقصرها، لانقطاع سفره بعد دخوله بلده.
стр. 814
٤٣٠ - وَعَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (أَقَامَ اَلنَّبِيُّ ﷺ تِسْعَةَ عَشَرَ يَقْصُرُ - وَفِي لَفْظٍ: - بِمَكَّةَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيّ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ (سَبْعَ عَشْرَةَ).
وَفِي أُخْرَى (خَمْسَ عَشْرَةَ).
٤٣١ - وَلَهُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ (ثَمَانِيَ عَشْرَةَ).
٤٣٢ - وَلَهُ عَنْ جَابِرٍ (أَقَامَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ اَلصَّلَاةَ) وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي وَصْلِه.
===
• ما الجمع بين الروايات التي ذكرها المصنف ﵀؟
الجمع بين رواية البخاري (تسع عشرة) ورواية أبي داود (سبع عشرة) أن رواية البخاري أرجح كما أشار إلى ذلك أبو داود بعد سياقه هذه الرواية، أو يصار إلى الجمع بينهما فيكون من قال: سبعة عشر لم يعد يوم الدخول ويوم الخروج.
وأما رواية أبي داود الثانية (خمس عشرة) فقد ضعفها النووي، لأن فيها محمد ابن إسحاق وهو مدلس وقد عنعن.
وأما حديث عمران فلفظه: عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ (غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَشَهِدْتُ مَعَهُ الْفَتْحَ فَأَقَامَ بِمَكَّةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً لَا يُصَلِّى إِلاَّ رَكْعَتَيْنِ وَيَقُولُ: يَا أَهْلَ الْبَلَدِ صَلُّوا أَرْبَعًا فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ) وهو حديث ضعيف، لأن في سنده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف.
• ما حكم من سافر وأقام مدة لا يدري متى يرجع؟
حكم المسافر إذا أقام مدة ولا يعرف متى ينقضي عمله، فإنه يقصر ولو طالت المدة، وهذا مذهب جماهير العلماء.
أ-لحديث الباب، فقد أقام النبي ﷺ تسع عشرة يقصر الصلاة، وأقام بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة.
ب-وعن نافع قال (أقام ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يصلي ركعتين، وقد حال الثلج بينه وبين الدخول). رواه البيهقي
ج-وعن علي قال (إن قلت أخرج اليوم أو غداً، فأصلي ركعتين) رواه عبد الرزاق.
د-ولأن ذلك لا يعد لبثاً.
стр. 815
٤٣٣ - وَعَنْ أَنَسٍ: كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا اِرْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ اَلشَّمْسُ أَخَّرَ اَلظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ اَلْعَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ زَاغَتْ اَلشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى اَلظُّهْرَ، ثُمَّ رَكِبَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةِ اَلْحَاكِمِ فِي "اَلْأَرْبَعِينَ" بِإِسْنَادِ اَلصَّحِيحِ (صَلَّى اَلظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، ثُمَّ رَكِبَ).
وَلِأَبِي نُعَيْمٍ فِي "مُسْتَخْرَجِ مُسْلِمٍ (كَانَ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ، فَزَالَتْ اَلشَّمْسُ صَلَّى اَلظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ اِرْتَحَلَ).
٤٣٤ - وَعَنْ مُعَاذٍ ﵁ قَالَ (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَكَانَ يُصَلِّي اَلظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
===
• عرف الجمع؟
الجمع هو ضم إحدى الصلاتين إلى الأخرى، والصلاتين التي يصح جمعهما: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء.
• هل ورد جمع التقديم؟
ورد في الرواية التي ذكرها الحافظ وَفِي رِوَايَةِ اَلْحَاكِمِ فِي "اَلْأَرْبَعِينَ" بِإِسْنَادِ اَلصَّحِيحِ (صَلَّى اَلظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، ثُمَّ رَكِبَ) ذكر الحافظ ﵀ هذه الرواية لأن فيها جمع التقديم، لأن حديث أنس الذي في الصحيحين الذي ذكره المصنف فيه جمع التأخير فقط.
وجاء جمع التقديم في حديث معاذ (أن النبي ﷺ في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر، يصليهما جمعاً، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جمعاً ثم يسافر … ).
وهذا الحديث رواه أبو داود والترمذي وأعله كبار الحفاظ: كالبخاري، وأبو حاتم، وأبو داود، والترمذي، والبيهقي.
وقد ثبت أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر جمع تقديم بعرفة.
• ما حكم الجمع للمسافر؟
الجمع قسمان:
القسم الأول: قسم متفق عليه بين العلماء، وهو الجمع بعرفة ومزدلفة.
قال ابن عبد البر: وقد أجمع المسلمون على الجمع بين الصلاتين بعرفة ومزدلفة.
القسم الثاني: مختلف فيه، وهو الجمع للسفر.
وقد اختلف العلماء فيه:
القول الأول: لا يجوز الجمع مطلقاً في غير عرفات ومزدلفة.
وهذا قول أبي حنيفة.
قال الحافظ: وقال قوم لا يجوز الجمع مطلقاً إلا بعرفة ومزدلفة، وهو قول الحسن، والنخعي، وأبي حنيفة وصاحبيه.
أ-لقوله تعالى (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) أي لها وقت معين له ابتداء فلا يجوز التقدم عليه، وانتهاء فلا يجوز التأخر عنه.
ب-ولقوله تعالى (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَات) أي في أوقاتها.
وحملوا الروايات التي فيها الجمع في السفر على الجمع الصوري، وهو أنه أخر المغرب مثلاً إلى آخر وقتها، وعجل العشاء في أول وقتها.
стр. 816
القول الثاني: جواز الجمع تقديماً وتأخيراً.
قال في المغني: وهو قول أكثر أهل العلم.
وقال الخطابي: وقال كثير من أهل العلم: يجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما، إن شاء قدم العصر، وإن شاء أخر الظهر على ظاهر الأخبار المروية في هذا الباب، وهذا قول ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح، وسالم بن عبد الله، وطاوس، ومجاهد، وبه قال الفقهاء: الشافعي، وإسحاق ابن راهويه، وقال أحمد بن حنبل: وإن فعل لم يكن به بأس.
وقال البغوي: فذهب كثير من أهل العلم إلى جوازه.
قال في نيل الأوطار: ذهب إلى جوازه كثير من الصحابة والتابعين.
وقال البيهقي: الجمع بين الصلاتين بعذر السفر من الأمور المشهورة المستعملة ما بين الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين.
فهو قول الشافعي وأحمد.
أ-لحديث الباب.
ب-وبحديث معاذ وهو ضعيف.
ج-ولأن النبي ﷺ جمع في عرفة ومزدلفة.
د-وعن ابن عباس: (أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر، قيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته) رواه مسلم.
القول الثالث: أنه يجوز جمع التأخير دون التقديم.
وهذا مذهب مالك، واختاره ابن حزم.
لحديث أنس (حديث الباب).
وأما جمع التقديم فلم يصح فيه حديث.
والقول الراجح مذهب الجمهور، وهو جواز الجمع تقديماً وتأخيراً.
• ما الجواب عن أدلة أصحاب القول الأول؟
الجواب ما قاله الخطابي: بأن الجمع رخصة، فلو كان على ما ذكروه لكان أعظم ضيقاً من الإتيان بكل صلاة في وقتها، لأن أوائل الأوقات وأواخرها مما لا يدركه أكثر الخاصة فضلاً عن العامة.
وقال في الفتح مؤيداً لما قاله الخطابي: وأيضاً فإن الأخبار جاءت صريحة بالجمع في وقت إحدى الصلاتين، وذلك هو المتبادر إلى الفهم من لفظ الجمع.
وأما الجواب عن أصحاب القول الثالث: (لم يصح حديث في جمع التقديم):
فالجواب: أنه صح التقديم في عرفات كما في صحيح مسلم، وصح أيضاً في الحضر كما في حديث ابن عباس السابق (جمع بين … من غير خوف ولا مطر) وإذا صح جمع التقديم في الحضر ففي السفر من باب أولى.
فائدة: ذهب بعض العلماء إلى أن الجمع خاص بمن جدّ به السير.
لحديث ابن عمر، وفيه (رأيت رسول الله ﷺ يجمع بين المغرب والعشاء إذا جدّ به السير).
وذهب الأكثر إلى جوازه للجادّ بالسير والمقيم.
قال الشيخ ابن عثيمين: الأفضل للمسافر النازل أن لا يجمع، وإن جمع فلا بأس، وفي حق السائر مستحب
стр. 817
• ما الأفضل في الجمع، جمع التقديم أو جمع التأخير؟
الأفضل في الجمع فعل الأرفق بالمسافر من تقديم وتأخير.
أ-لقوله تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر).
ب-والجمع إنما شرع رفقاً بالمكلف، فما كان هو أرفق فهو أفضل.
• ما الحكم إذا تساوى الأمران عند الإنسان أي تساوى عنده جمع التقديم والتأخير فأيهما أفضل؟
الأفضل هنا التأخير، لأن التأخير غاية ما فيه تأخير الأولى عن وقتها، والصلاة بعد وقتها جائزة مجزئة.
أما التقديم ففيه صلاة الثانية قبل دخول وقتها، والصلاة قبل دخول الوقت لا تصح ولو جهلاً.
• اذكر شروط الجمع بين الصلاتين مبيناً القول الراجح في ذلك؟
الشرط الأول: الترتيب.
بأن يبدأ بالأولى ثم الثانية.
أ-لأن النبي ﷺ قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي).
ب-ولأن الشرع جاء بترتيب الأوقات والصلوات، فوجب أن تكون كل صلاة في المحل الذي رتبها الشارع فيه.
الشرط الثاني: النية.
قالوا: لا بد أن ينوي عند افتتاح الأولى.
مثال: دخل في الصلاة الأولى وهو لا ينوي الجمع، ثم في أثناء الصلاة بدا له أن يجمع.
مثال آخر: إنسان صلى الأولى، وبعدما سلم نوى الجمع. اختلف العلماء، هل يصح أم لا؟
القول الأول: لا يصح الجمع.
وهذا مذهب المالكية، والحنابلة فلا بد من نية الجمع.
لحديث عمر. قال ﷺ (إنما الأعمال بالنيات).
وجه الدلالة: إن الصلاة الثانية تفعل في وقت الأولى جمعاً، وقد تفعل سهواً فلا بد من نية تميزها.
стр. 818
القول الثاني: لا يشترط للجمع نية.
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ورجحه النووي وابن حجر.
لأن الرسول ﷺ لما جمع بأصحابه لم يعلمهم بأنه سيجمع قبل الدخول، بل لم يكونوا يعلمون أنه سيجمع حتى قضى الصلاة الأولى.
قال ابن تيمية: إن النبي ﷺ لما كان يصلي بأصحابه جمعاً وقصراً لم يكن يأمر أحداً منهم بنية الجمع والقصر، بل خرج من المدينة إلى مكة يصلي ركعتين من غير جمع، ثم صلى بهم الظهر بعرفة ولم يعلمهم أنه يريد أن يصلي العصر بعدها، ثم صلى بهم العصر، ولم يكونوا نووا الجمع، وهذا جمع تقديم.
فهذا القول هو الراجح أنه لا يشترط نية الجمع عند إحرام الأولى، والذي يشترط هو وجود سبب الجمع عند الجمع.
ثالثاً: الموالاة.
بأن لا يفرق بين الصلاة تفريقاً كثيراً.
واختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه يشترط الموالاة بين الصلاتين في جمع التقديم.
وهذا قول المالكية، والشافعية، والحنابلة.
قالوا: بأن الجمع يصيّر الصلاتين المجموعتين كالصلاة الواحدة، فلا يجوز التفريق بينهما، كما لا يجوز التفريق بين ركعات الصلاة الواحدة.
القول الثاني: لا يشترط.
واختاره ابن تيمية.
فيجوز مثلاً أن يصلي الظهر، ثم يتوضأ ويستريح، ثم يصلي العصر.
قالوا: لأن الجمع هو من باب ضم الصلاة إلى الأخرى في الوقت لا في الفعل، فإذا جاز الجمع صار الوقتان وقتاً واحداً.
والأحوط القول الأول.
стр. 819
فوائد:
لا يجمع إلا بين الظهرين أو بين العشاءين.
قال ابن عبد البر: أجمع المسلمون أنه ليس لمسافر ولا مريض ولا في حال المطر، يجمع بين الصبح والظهر، ولا بين العصر والمغرب، ولا بين العشاء والصبح، وإنما الجمع بين صلاتي الظهر والعصر، وبين صلاتي المغرب والعشاء.
فائدة: أن الصلاة في الجمع تصلى بأذان واحد وإقامتين. [وسبقت المسألة]
فائدة: رجل مسافر نوى جمع التأخير، ولكنه قدم إلى بلده قبل خروج وقت الأولى.
لا يجوز له أن يجمع الأولى إلى الثانية، لأن العذر انقطع وزال، فيجب أن يصليها في وقتها.
فائدة: عن ابن عباس قال: (جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا سفر، قال سعيد بن جبير: (قلت لابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته).
وفي رواية: (ولا مطر) اختلف العلماء، ما سبب الجمع في هذا؟
قيل: جمع بعذر المطر.
قال النووي: وهذا ضعيف بالرواية الأخرى: (من غير خوف ولا مطر).
وقيل: إنه كان في غيم، فصلى الظهر ثم انكشف الغيم وبان وقت العصر دخل فصلاها.
قال النووي: وهذا أيضاً باطل، لأنه وإن كان فيه أدنى احتمال في الظهر والعصر، لا احتمال فيه في المغرب والعشاء.
ومنهم من تأوله: على تأخير الأولى إلى آخر وقتها فصلاها فيه، فلما فرغ منها دخلت الثانية فصلاها، فصارت صلاته صورة جمع.
قال النووي: وهذا أيضاً ضعيف أو باطل، لأنه مخالف للظاهر مخالفة لا تحتمل.
قال الحافظ ابن حجر: وهذا الذي ضعفه استحسنه القرطبي، ورجحه قبله إمام الحرمين، وجزم به من القدماء ابن الماجشون والطحاوي، وقواه ابن سيد الناس.
ورجحه الحافظ ابن حجر.
وقيل: هو محمول على الجمع بعذر المرض أو نحوه مما هو في معناه من الأعذار.
وهذا قول أحمد بن حنبل، واختاره الخطابي، وهو المختار في تأويله لظاهر الحديث.
стр. 820
٤٣٥ - وَعَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا تَقْصُرُوا اَلصَّلَاةَ فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ; مِنْ مَكَّةَ إِلَى عُسْفَانَ) رَوَاهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ، كَذَا أَخْرَجَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
حديث ابن عباس ضعيف كما قال المصنف ﵀، وأنه موقوف.
• على ماذا يدل الحديث؟
الحديث يدل على أن أقل مسافة للقصر هي أربعة برد.
وهذا مذهب جماهير العلماء، وقد تقدمت المسألة.
стр. 821
٤٣٦ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (خَيْرُ أُمَّتِي اَلَّذِينَ إِذَا أَسَاءُوا اِسْتَغْفَرُوا، وَإِذَا سَافَرُوا قَصَرُوا وَأَفْطَرُوا) أَخْرَجَهُ اَلطَّبَرَانِيُّ فِي "اَلْأَوْسَطِ" بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.
وَهُوَ فِي مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ اَلْمُسَيَّبِ عِنْدَ اَلْبَيْهَقِيِّ مُخْتَصَر.
===
• ما صحة حديث الباب؟
حديث ضعيف.
• على ماذا يدل الحديث؟
الحديث دليل على مشروعية القصر للمسافر، وأن ذلك من خير الأمة.
وقد تقدمت المسألة وحكم القصر.
стр. 822
٤٣٧ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ قَالَ (كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ، فَسَأَلْتُ اَلنَّبِيَّ ﷺ عَنْ اَلصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
===
١ - الحديث تقدم شرحه في كتاب صفة الصلاة (٣٢٨)، وهو دليل على وجوب القيام في صلاة الفريضة.
٢ - الحديث دليل على أن من لم يستطع القيام في الصلاة فله أن يصلي جالساً، فإن لم يستطع فعلى جنب.
٣ - الحديث دليل على يسر الشريعة الإسلامية.
٤ - الحديث دليل على قاعدة (لا واجب مع العجز).
٥ - الحديث مصداق لحديث النبي ﷺ (فما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم).
стр. 823
٤٣٨ - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ (عَادَ اَلنَّبِيُّ ﷺ مَرِيضًا، فَرَآهُ يُصَلِّي عَلَى وِسَادَةٍ، فَرَمَى بِهَا، وَقَالَ: "صَلِّ عَلَى اَلْأَرْضِ إِنْ اِسْتَطَعْتَ، وَإِلَّا فَأَوْمِ إِيمَاءً، وَاجْعَلْ سُجُودَكَ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِكَ) رَوَاهُ اَلْبَيْهَقِيُّ. وَصَحَّحَ أَبُو حَاتِمٍ وَقْفَهُ.
===
١ - الحديث تقدم شرحه في كتاب صفة الصلاة (٣٢٩) وهو دليل على أن المريض يصلي حسب استطاعته.
٢ - الحديث دليل على أنه لا يشرع صلاة المريض على وسادة.
٣ - الحديث دليل على أن غير القادر على السجود والركوع، فإنه يصلي حسب حاله، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه.
стр. 824
٤٣٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (رَأَيْتُ اَلنَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ.
===
الحديث تقدم شرحه في كتاب صفة الصلاة (٣٠١).
قال الشيخ العلوان حفظه: في كيفية القعود في صلاة الجالس:
الصحيح في هذه المسألة جواز التربع والافتراش لأنه لم يثبت في ذلك شيء عن رسول الله ﷺ .
وقد وصفت عائشة ﵂ كيفية صلاته جالساً ولم تذكر كيفية قعوده فدل ذلك على السعة في الأمر.
وقد قال الإمام الشافعي ﵀: يجوز على أيّ صفة شاء المصلي.
وقال الإمام ابن المنذر في الأوسط (٤/ ٣٧٦): ليس في صفة جلوس المصلي قاعداً سنة تتبع وإذا كان كذلك كان للمريض أن يصلي فيكون جلوسه كما سهل ذلك عليه، إن شاء صلى متربعاً وإن شاء محتبياً وإن شاء جلس كجلوسه بين السجدتين كل ذلك قد روي عن المتقدمين … ).
وقد قالت طائفة من أهل العلم التربع أفضل وهذا مروي عن ابن عمر وأنس بن مالك وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد.
والحجة لهم ما رواه النسائي (٣/ ٣٧٦) وغيره من طريق أبي داود الحفري عن حفص عن حميد عن عبد الله بن شقيق عن عائشة قالت: رأيت النبي ﷺ يُصلي متربعاً.
وهذا الحديث لا يصح وقد جاء من غير وجه ليس في شيء من ذلك ذكر التربع قال النسائي ﵀ لا أعلمُ أحداً روى هذا الحديث غيرَ أبي داود وهو ثقة ولا أحسب هذا الحديث إلا خطأ.
وقال الإمام ابن المنذر في الأوسط (٤/ ٣٧٦): حديث حفص بن غياث قد تكلم في إسناده، روى هذا الحديث جماعة عن عبد الله بن شقيق ليس فيه ذكر التربع ولا أحسب هذا الحديث يثبت مرفوعاً … ).
وجاء عن عبد الله بن مسعود أنه كره الصلاة متربعاً رواه ابن أبي شيبة وابن المنذر.
وعن أحمد رواية: أنه إن أطال القراءَة تربع وإلا افترش.
والصحيح القول الأول وهو التخيير بين التربع والافتراش.
بَابُ صَلَاةُ اَلْجُمُعَةِ
اختلف في سبب تسمية الجمعة بهذا الاسم:
فقيل: لأن الله تعالى جمع فيه خلق آدم، وقد جاء حديث عند أحمد، ورجحه الحافظ ابن حجر والشوكاني.
وقيل: لاجتماع الناس فيها في المكان الجامع لصلاتهم.
وقيل: لأن الله تعالى جمع فيه آدم مع حواء في الأرض.
وقيل: لما جمع فيه من الخير.
قال الحافظ: بالاتفاق أنه كان يسمى في الجاهلية العَرُوبة.
• ذهب جمهور العلماء إلى أن الجمعة إنما فرضت بالمدينة.
واستدلوا على ذلك بقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ)، لأن هذه السورة مدنية، وأنه لم يثبت أن النبي ﷺ كان يصلي الجمعة بمكة قبل الهجرة.
стр. 825
٤٤٠ - عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵃، - أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ -عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ (لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ اَلْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اَللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ اَلْغَافِلِينَ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
===
(عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ) أي: حال كونه قائماً على أعواد منبره، قال الصنعاني: أي منبره الذي كان من عود لا الذي كان من الطين ولا على الجذع الذي كان يستند إليه، وقد جاء في رواية (كان النبي ﷺ يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر تحول إليه، فحن الجزع، فأتاه فمسح يده عليه). وفي رواية ( … فصاحت النخلة صياح الصبي، ثم نزل النبي ﷺ فضمه إليه، يئن أنين الصبي، الذي يسكته، قال: كان يبكي على ما كانت تسمع من الذكر) وفي رواية (فلما صنع له المنبر فكان عليه فسمعنا لذلك الجذع صوتاً كصوت العشار، حتى جاءه النبي ﷺ فوضع يده عليها فسكتت). وفي رواية (فأتاه فاحتضنه فسكن فقال: لو لم أفعل لما سكن). ولابن خزيمة (والذي نفسي بيده لو لم ألتزمه لما زال هكذا إلى يوم القيامة حزناً على رسول الله ﷺ ثم أمر به فدفن).
(عَنْ وَدْعِهِمُ اَلْجُمُعَاتِ) أي: تركهم الجمعات والتخلف عنها من غير عذر.
(ليختمنّ) الختم الطبع، والاستيثاق من الشيء بوضع الختم عليه لئلا يعلم به.
(الغافلين) اللاهين.
• على ماذا يدل الحديث؟
الحديث دليل على عظم ذنب ترك الجمعة، وذلك بختم على قلبه، كما يختم على المنافقين.
وقد قال ﷺ (من ترك صلاة جمعة ختم الله على قلبه) رواه أبو داود.
• ما حكم صلاة الجمعة؟
واجبة، فإن هذا التهديد لا يكون إلا بترك واجب.
والجمعة فرض بالكتاب والسنة والإجماع:
أ-قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون).
ب-ولحديث الباب.
ج- عن أَبَي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ (نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا ثُمَّ هَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدَانَا اللَّهُ فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ الْيَهُودُ غَدًا وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ) متفق عليه.
د-ولحديث ابن مسعود. أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِقَوْمٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجُمُعَةِ (لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلاً يُصَلِّى بِالنَّاسِ ثُمَّ أُحَرِّقَ عَلَى رِجَالٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجُمُعَةِ بُيُوتَهُمْ) رواه مسلم.
هـ- ولحديث طارق بن شهاب. عن النبي ﷺ قال (الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض) رواه أبو داود.
و- ولحديث حفصة. عن النبي ﷺ قال (رواح الجمعة واجب على كل محتلم) رواه أبو داود.
والإجماع، قال ابن قدامة: أجمع المسلمون على وجوب صلاة الجمعة.
وحكى الإجماع أيضاً ابن المنذر.
стр. 826
• على من يلزم حضور الجمعة؟
على المسلم، البالغ، العاقل، الذكر، الحر. (وسيأتي إن شاء الله تفصيلها في حديث طارق بن شهاب).
• ما حكم أن يكون الخطيب على منبر؟
مستحب
لفعل النبي ﷺ .
أ- ما روي أَنَّ نَفَراً جَاءُوا إِلَى سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَدْ تَمَارَوْا فِى الْمِنْبَرِ مِنْ أَيِّ عُودٍ هُوَ فَقَالَ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَعْرِفُ مِنْ أَيِّ عُودٍ هُوَ وَمَنْ عَمِلَهُ وَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوَّلَ يَوْمٍ جَلَسَ عَلَيْهِ - قَالَ - فَقُلْتُ لَهُ يَا أَبَا عَبَّاسٍ فَحَدِّثْنَا. قَالَ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى امْرَأَةٍ قَالَ أَبُو حَازِمٍ إِنَّهُ لَيُسَمِّيهَا يَوْمَئِذٍ: انْظُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ يَعْمَلْ لِي أَعْوَاداً أُكَلِّمُ النَّاسَ عَلَيْهَا، فَعَمِلَ هَذِهِ الثَّلَاثَ دَرَجَاتٍ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوُضِعَتْ هَذَا الْمَوْضِعَ فَهْيَ مِنْ طَرْفَاءِ الْغَابَةِ. وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ عَلَيْهِ فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ النَّاسُ وَرَاءَهُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ ثُمَّ رَفَعَ فَنَزَلَ الْقَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ فِى أَصْلِ الْمِنْبَرِ ثُمَّ عَادَ حَتَّى فَرَغَ مِنْ آخِرِ صَلَاتِهِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ «يَا أُيُّهَا النَّاسُ إِنِّي صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي) متفق عليه.
قال الحافظ: وفيه استحباب اتخاذ المنبر، لكونه أبلغ في مشاهدة الخطيب والسماع منه.
ب- حديث الباب.
قال عنه النووي: … فيه استحباب اتخاذ المنبر.
ج- عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ (كَانَ جِذْعٌ يَقُومُ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمَّا وُضِعَ لَهُ الْمِنْبَرُ سَمِعْنَا لِلْجِذْعِ مِثْلَ أَصْوَاتِ الْعِشَارِ حَتَّى نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْه) رواه البخاري.
د- عن أم هشام بنت حارثة بن النعمان قالت (وَمَا أَخَذْتُ (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) إِلاَّ عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقْرَؤُهَا كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ إِذَا خَطَبَ النَّاس) متفق عليه.
هـ- عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قال (جَاءَ رَجُلٌ وَالنَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَخْطُبُ فَقَالَ لَهُ «أَرَكَعْتَ رَكْعَتَيْنِ». قَالَ لَا. فَقَالَ «ارْكَع» متفق عليه.
و- لأن الخطبة على المنبر أبلغ في إعلام الحاضرين الذي يتحقق به مقصود الخطبة.
ز_ أن الإمام إذا كان على منبر شاهده الناس، وإذا شاهدوه كان أبلغ في وعظهم.
стр. 827
٤٤١ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ اَلْأَكْوَعِ ﵁ قَالَ (كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ اَلْجُمُعَةَ، ثُمَّ نَنْصَرِفُ وَلَيْسَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ نَسْتَظِلُّ بِهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيّ.
وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ (كُنَّا نَجْمَعُ مَعَهُ إِذَا زَالَتِ اَلشَّمْسُ، ثُمَّ نَرْجِعُ، نَتَتَبَّعُ اَلْفَيْءَ).
٤٤٢ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵄ قَالَ (مَا كُنَّا نَقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إِلَّا بَعْدَ اَلْجُمُعَةِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ: (فِي عَهْدِ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ .
===
(ثم ننصرف) إلى بيوتنا.
(ليس للحيطان ظل) هذا نفي للظل الطويل لا أصل الظل [يعني أن الظل قصير].
(نُجمّع): أي نصلي الجمعة.
(نتبع الفيء) هو الظل بعد زوال الشمس.
(نقيل) القيلولة هي استراحة نصف النهار.
• ما وقت صلاة الجمعة ابتداء وانتهاء؟
اتفق العلماء على أن آخر وقتها كالظهر.
واختلفوا في بداية وقتها على أقوال:
القول الأول: أن وقتها كالظهر [بعد الزوال].
وهذا مذهب الجمهور.
قال النووي: قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين وممن بعدهم، لا تجوز الجمعة إلا بعد زوال الشمس.
أ-لحديث أنس بن مالك قال (كان رسول الله يصلي الجمعة حين تميل الشمس) رواه البخاري.
ب-وعن سلمة بن الأكوع قال (كنا نجمع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس).
وكل من الحديثين واضح الدلالة.
ج- وعن عائشة. قالت (كان الناس مهنة أنفسهم، وكانوا إذا راحوا للجمعة راحوا في هيئتهم، فقيل لهم: لو اغتسلتم) رواه البخاري.
وجه الدلالة: أن المقصود بالرواح في الحديث ما بعد الزوال، ودليل ذلك أنهم كان يصيبهم العرق والغبار ونحوهما، وذلك بعد اشتداد الحر في وقت مجيئهم من العوالي، وذلك لا يكون إلا بعد الزوال.
стр. 828
د- آثار عن الصحابة.
ما روي أن أبا بكر كان يصلي إذا زالت الشمس. ذكره ابن حجر وعزاه لابن أبي شيبة وقال: إسناده قوي.
ما روي أن علي بن أبي طالب كان يصلي الجمعة بعد ما تزول الشمس. أخرجه ابن أبي شيبة وقال ابن حجر: إسناده صحيح.
القول الثاني: يجوز قبل الزوال (من ارتفاع الشمس قيد رمح).
وهذا من مفردات المذهب.
أ-لحديث سهل بن سعد: (ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة). (الغداء: هو طعام أول النهار).
قال الشوكاني: وجه الاستدلال به أن الغداء والقيلولة محلها قبل الزوال، وفي الحديث أنهم كانوا يصلون الجمعة قبلها.
قال ابن قتيبة: لا يسمى غداء ولا قائلة إلا بعد الزوال.
فكانوا يبدؤون بصلاة الجمعة قبل القيلولة.
ب-وعن جابر قال: (إن النبي ﷺ كان يصلي الجمعة، ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حتى تزول الشمس، يعني النواضح). رواه مسلم
وجه الدلالة: أن جابراً ذكر أنهم يصلون الجمعة ثم يذهبون إلى جمالهم فيريحونها عند الزوال، فدل على أنهم يصلون قبله.
ج-ولحديث عبد الله بن سيدان قال: (شهدت الجمعة مع أبي بكر فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، ثم شهدتها مع عمر، فكانت صلاته وخطبته على أن أقول انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان، فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول زال النهار، فما رأيت أحداً عاب ذلك ولا أنكره) رواه الدارقطني.
القول الثالث: أنه يبدأ من الساعة السادسة، قبل الزوال بساعة.
وهذه رواية عن أحمد، اختارها ابن قدامة صاحب المغني، واختارها الشيخ ابن عثيمين.
لحديث أبي هريرة: (من راح في الساعة الأولى … إلى أن قال: ثم الخامسة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة … ).
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: فيكون حضور الإمام على مقتضى الحديث الساعة السادسة.
стр. 829
• بماذا أجاب الجمهور عن أدلة الجواز؟
قال النووي: وحمل الجمهور هذه الأحاديث على المبالغة في تعجيلها وأنهم كانوا يؤخرون الغداء والقيلولة في هذا اليوم إلى ما بعد صلاة الجمعة لأنهم ندبوا إلى التبكير إليها فلو اشتغلوا بشيء من ذلك قبلها خافوا فوتها أو فوت التبكير إليها.
فائدة (١): لكن الأفضل أن تفعل بعد الزوال.
قال ابن قدامة: فالأولى أن لا تصلى إلا بعد الزوال ليخرج من الخلاف وبفعلها في الوقت الذي كان النبي ﷺ يفعلها فيه في أكثر أوقاته و يعجلها في أول وقتها في الشتاء والصيف لأن النبي ﷺ كان يعجلها بدليل الأخبار التي رويناها، ولأن الناس يجتمعون لها في أول وقتها ويبكرون إليها قبل وقتها فلو انتظر الإبراد بها لشق على الحاضرين.
فائدة (٢): وقال ﵀: وأما في أول النهار فالصحيح أنها لا تجوز لما ذكره أكثر أهل العلم ولأن التوقيت لا يثبت إلا بدليل من نص أو ما يقوم مقامه وما ثبت عن النبي ﷺ ولا عن خلفائه أنهم صلوها في أول النهار، ولأن مقتضى الدليل كون وقتها وقت الظهر وإنما جاز تقديمها عليه بما ذكرنا من الدليل وهو مختص بالساعة السادسة فلم يجز تقديمها عليها والله أعلم، ولأنها لو صليت في أول النهار لفاتت أكثر المصلين فإن العادة اجتماعهم لها عند الزوال وإنما يأتيها ضحى أحاد من الناس وعدد يسير كما روي عن ابن مسعود أنه أتى الجمعة فوجد أربعة قد سبقوه فقال: رابع أربعة وما رابع أربعة ببعيد.
فائدة (٣): قال الشوكاني: واعلم أن الأحاديث الصحيحة قد اشتمل بعضها على التصريح بإيقاع صلاة الجمعة وقت الزوال كحديث سلمة بن الأكوع في الصحيحين (قال كنا نجمع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس) وبعضها فيه التصريح بإيقاعها قبل الزوال كما في حديث جابر عند مسلم وغيره (أن النبي ﷺ كان يصلي الجمعة ثم يذهبون إلي جمالهم فيريحونها حين تزول الشمس) وبعضها محتمل لإيقاع الصلاة قبل الزوال وحاله كما في حديث سهل بن سعد في الصحيحين قال (ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة) وكما في حديث أنس عند البخاري وغيره قال (كنا نصلي مع النبي ﷺ الجمعة ثم نرجع إلي القائلة فنقيل) ومجموع هذه الأحاديث يدل على أن وقت صلاة الجمعة حال الزوال وقبله ولا موجب لتأويل بعضها.
стр. 830
٤٤٣ - وَعَنْ جَابِرٍ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا، فَجَاءَتْ عِيرٌ مِنَ اَلشَّامِ، فَانْفَتَلَ اَلنَّاسُ إِلَيْهَا، حَتَّى لَمْ يَبْقَ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
===
(عِيرٌ مِنَ اَلشَّامِ،) بكسر العين، وهي الإبل التي تحمل التجارة طعاماً كان أو غيره.
(فَانْفَتَلَ اَلنَّاسُ) أي انصرفوا، جاء في رواية (فأنزلت هذه الآية: وإذا رأوا تجارة أو لهواً … ).
وفي رواية لمسلم: (لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلاً منهم أبو بكر وعمر)، وفي رواية للبخاري (فالتفتوا إليها) وفي رواية (فانفض الناس) وهو موافق للفظ القرآن، ودال على أن المراد بالالتفات الانصراف.
قوله (أن النبي ﷺ كان يخطب) جاء في رواية عند البخاري (بينما نحن نصلي إذا أقبلت عير) فكيف الجمع؟
يمكن الجمع بأن يُحمل قوله (نصلي) أي: ننتظر الصلاة.
وحمل ابن الجوزي قوله (يخطب قائماً) على أنه خبر آخر غير خبر كونهم كانوا معه في الصلاة، قال الحافظ: ولا يخفى تكلفه.
• ما العدد الذي تنعقد به الجمعة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: يشترط حضور اثنا عشر رجلاً.
وهذا مذهب المالكية.
لحديث الباب.
وليس فيه دليل.
قال الشوكاني: فيه أنه يدل على صحتها بهذا المقدار، وأما أنها لا تصح إلا بهم فصاعداً لا بما دونهم، فليس في الحديث ما يدل على ذلك.
القول الثاني: يشترط حضور أربعين رجلاً.
وهذا المشهور من مذهب الحنابلة.
أ-لحديث جابر قال: (مضت السنة في كل أربعين فصاعداً جمعة) رواه الدارقطني والبيهقي. ولا يصح كما سيأتي في تخريجه.
ب-ولما روي عن كعب بن مالك، وكان قائداً لأبيه بعد كف بصره، يقول (سمعت أبي حينما سمع النداء يوم الجمعة يترحم لأسعد بن زرارة، فقلت: لأسلنه عن ذلك، فسألته فقال: إنه أول من جمع بنا، قلت: كم كنتم يومئذٍ، قال: كنا نحو أربعين). رواه أبو داود وابن ماجه
قال الشوكاني: استدل به من قال إن الجمعة لا تنعقد إلا بأربعين رجلاً، وإلى ذلك ذهب الشافعي وأحمد في أحد الروايتين عنه، وبه قال عبيد الله بن عيينة، وعمر بن عبد العزيز، ووجه الاستدلال بالحديث: أن الأمة أجمعت على اشتراط العدد، والأصل الظهر، فلا تصح الجمعة إلا بعدد ثابت بدليل، وقد ثبت جوازها بأربعين فلا يجوز بأقل منه إلا بدليل صحيح.
لكن ليس فيه دليل على اشتراط الأربعين، لأنه ثبت كما في حديث الباب، حيث لم يبق معه ﷺ إلا اثنا عشر رجلاً.
стр. 831
القول الثالث: أنها تنعقد باثنين.
قال الشوكاني: أما من استدل أنه تصح باثنين، فاستدل بأن العدد واجب بالحديث والإجماع، ورأى أنه لم يثبت دليل على اشتراط عدد مخصوص، وقد صحت الجماعة في سائر الصلوات باثنين، ولا فرق بينها وبين الجماعة، ولم يأت نص من رسول الله ﷺ بأن الجمعة لا تنعقد إلا بكذا، وهذا القول هو الراجح عندي.
القول الرابع: أنها تنعقد بثلاثة، إمام ومستمعين.
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، واختاره الشيخ ابن باز ﵀، وهو الراجح.
أ-لقوله تعالى (فاسعوا إلى ذكر الله).
وجه الدلالة: أن الخطاب ورد للجمع في قوله (فاسعوا) وأقل الجمع ثلاثة.
ب- ولحديث أبي سعيد. أن النبي ﷺ قال (إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم) رواه مسلم.
وجه الدلالة: أن الأمر بالإمامة عام في الصلوات كلها الجمعة والجماعة، واستثناء الجمعة من هذا العموم محتاج إلى دليل.
ج- أن الأصل وجوب الجمعة على الجماعة المقيمين، والثلاثة جماعة فتجب عليهم، حيث لا دليل على إسقاطها عنهم أصلاً.
وهذا القول هو الراجح.
• اذكر بعض الفوائد من الحديث؟
- مشروعية خطبة الجمعة. [وستأتي مباحثها]
- مشروعية الخطبة قائماً. [وستأتي مباحثها]
- انفضاض الصحابة وترك الخطبة، لأنهم لم يعلموا بوجوب سماع الخطبة والبقاء في المسجد.
وقد قيل: إن هذا كان يوم كانت الصلاة قبل الخطبة، جاء هذا عند أبي داود في المراسيل. لكن قال الحافظ ابن حجر: وهذا مع شذوذه معضل.
- فضل أبي بكر وعمر.
стр. 832
٤٤٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ اَلْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا فَلْيُضِفْ إِلَيْهَا أُخْرَى، وَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَاَلدَّارَقُطْنِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، لَكِنْ قَوَّى أَبُو حَاتِمٍ إِرْسَالَهُ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث رواه النسائي وابن ماجه من طريق بقية بن الوليد عن يونس بن يزيد الأيلي عن الزهري عن سالم عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : …
لكن أبو حاتم رجح إرساله.
فقد جاء من طريق سلمان بن بلال عن يونس عن ابن شهاب عن سالم عن رسول الله: … ، وليس فيه ذكر الجمعة، فالحديث لا يصح، وهذا يدل على خطأ بقية في ذكر الجمعة، فالحديث لا يصح، والمحفوظ حديث أبي هريرة قال: قال ﷺ : (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) متفق عليه.
• ما حكم من أدرك ركعة من صلاة الجمعة؟
الحديث دليل على أنه من أدرك ركعة من صلاة الجمعة فإنه يكون مدركاً للجمعة، ويكفيه أن يأتي بركعة واحدة.
قال في المغني: أكثر أهل العلم يرون أن من أدرك ركعة من الجمعة مع الإمام فهو مدرك لها يضيف إليها أخرى وتجزيه.
وهذا قول ابن مسعود، وابن عمر، وأنس، وسعيد بن المسيب، والحسن، وعلقمة بن الأسود، وعروة، والزهري، والنخعي، ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي.
أ- لحديث الباب (من أدرك ركعة من صلاة الجمعة … ).
فالحديث صريح في الدلالة على أن من أدرك من الجمعة ركعة فقد أدركها ومفهومه أن من أدرك أقل من ركعة لم يدركها.
ب-ولحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)، وهذا عام يشمل الجمعة وغيرها.
ج- قال ابن عمر: إذا أدركت من الجمعة ركعة فأضف إليها أخرى. رواه ابن أبي شيبة.
د- قال ابن مسعود: إذا أدركت ركعة من الجمعة فأضف إليها أخرى فإن فاتك الركوع فصل أربعاً. رواه ابن أبي شيبة.
قال ابن قدامة: ولأنه قول من سمينا من الصحابة ولا مخالف لهم في عصرهم.
стр. 833
• على ماذا يدل مفهوم الحديث؟
مفهوم الحديث أن من أدرك أقل من ركعة مع الإمام، فإنه لا يكون مدركاً للجمعة، ويصلي الظهر أربعاً.
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه لا يعتبر مدركاً للجمعة ويعتبر ظهراً.
وهو قول جمهور العلماء.
لحديث (من أدرك ركعة … ) فمفهومه أنه إذا أدرك أقل من ذلك لم يكن مدركاً لها.
وجاء عن ابن عمر أنه قال (إذا أدركت من الجمعة ركعة فأضف إليها أخرى) أخرجه ابن أبي شيبة
قال ابن مسعود (إذا أدركت ركعة من الجمعة فأضف إليها أخرى، فإن فاتك الركوع فصل أربعاً). أخرجه ابن أبي شيبة
القول الثاني: أنها تدرك بتكبيرة الإحرام قبل سلام الإمام.
وعلى هذا القول، فمن جاء والإمام بالتشهد فإنه يصلي ركعتين.
وهذا مذهب أبي حنيفة.
لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا سمعتم الإقامة … فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا).
قالوا: إن من أدرك الإمام ساجداً أو جالساً في التشهد، يسمى مدركاً فيتم ما فاته.
والراجح الأول.
فائدة: ينبغي إذا جاء يوم الجمعة والإمام في التشهد، وأراد أن يصلي ظهراً، ينبغي أن ينظر هل زالت الشمس أم لا؟ لأنه كما تقدم يجوز أداء الجمعة قبل الزوال، فمن فاتته الجمعة يصليها ظهراً، والظهر لا تصح إلا بعد الزوال.
• ماذا يشترط لمن أدرك مع الإمام يوم الجمعة أقل من ركعة لكي يتمها؟
يشترط لمن أدرك مع الإمام يوم الجمعة أقل من ركعة لإتمامها ظهراً، شرطان:
الأول: أن ينوي الظهر.
الثاني: يكون وقت الظهر قد دخل.
стр. 834
٤٤٥ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵄ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ قَائِمًا، فَمَنْ أَنْبَأَك أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ جَالِسًا، فَقَدْ كَذَبَ) أَخْرَجَهُ مُسْلِم.
===
(فقد كذب) وتمام الحديث (فمن نبأك أنه كان يخطب جالساً فقد كذب، فقد والله صليت مع أكثر من ألفي صحابي) قال النووي: المراد الصلوات الخمس لا الجمعة.
قال الشوكاني: ولا بد من هذا، لأن الجُمَع التي صلاها ﷺ من عند افتراض الجمعة إلى عند موته، لا تبلغ ذلك المقدار ولا نصفه.
• ما حكم أن يكون الخطيب قائماً؟
الحديث دليل على مشروعية أن يكون الخطيب قائماً.
قال ابن المنذر: وهذا الذي عليه عمل أهل العلم من علماء الأمصار.
وقد اختلف في وجوبه على قولين:
القول الأول: أنه واجب.
وبهذا قال أكثر المالكية.
أ-لحديث الباب، فإنه يدل على مواظبة النبي ﷺ على القيام حال الخطبة.
ب-ولحديث جابر السابق (أن النبي ﷺ كان يخطب قائماً يوم الجمعة فجاءت عير … ).
قال الحافظ في فتح الباري في معرض استدلاله بهذه الأدلة وتوجيهها: وبمواظبة النبي ﷺ على القيام، وبمشروعية الجلوس بين الخطبتين، فلو كان القعود مشروعاً في الخطبتين ما احتيج إلى الفصل إلى الجلوس.
القول الثاني: أن القيام سنة.
وبهذا قال الحنفية، والحنابلة، وبعض المالكية.
أ- أن رجالاً أتوا سهل بن سعد الساعدي وقد اقتادوا في المنبر ممَّ عوده؟ فسألوه، فقال: (إني لأعرف مما هو، الحديث … أرسل رسول الله ﷺ إلى فلانة - امرأة سماها سهل - مري غلامك النجار أن يعمل لي أعواداً أجلس عليهن إذا كلمت الناس … ). متفق عليه
الشاهد قوله: (أجلس عليهن … ).
لكن يحتمل أن تكون الإشارة إلى الجلوس أول ما يصعد، وبين الخطبتين.
ب- ولحديث أبي سعيد الخدري قال: (إن رسول الله ﷺ جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله … ). رواه البخاري
وهذا يجاب عنه أنه في غير خطبة الجمعة.
وهذا القول هو الراجح.
стр. 835
• ماذا نستفيد من قوله: (إن النبي ﷺ كان يخطب)؟
فيه دليل على أنه لا بد من خطبة الجمعة.
وقد ذهب جماهير العلماء إلى أن الخطبة شرط.
قال في المغني: وجملة ذلك أن الخطبة شرط في الجمعة لا تصح بدونها … ولا نعلم فيه مخالفاً إلا الحسن.
أ-لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّه).
وقد اختلف السلف في المراد بذكر الله على قولين:
فمنهم قال: الخطبة. ومنهم قال: الصلاة.
ورجح ابن العربي أنها تشمل الجميع.
فعلى القول بأن المراد الخطبة تدل على وجوبها من وجوه:
أولاً: أنه أمر بالسعي إليها، والأصل في الأمر الوجوب.
ثانياً: أن الله أمر بترك البيع عند النداء لها، أي أن البيع يحرم في ذلك الوقت، فتحريمها للبيع دليل على وجوبها.
وعلى القول بأن المراد الصلاة: فإن الخطبة من الصلاة.
ب-قوله تعالى (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً) فالله تعالى ذمهم على الانفضاض وترك الخطبة، والواجب هو الذي يذم تاركه شرعاً.
ج-ولحديث الباب، مع قوله ﷺ (صلوا كما رأيتموني أصلي).
وعلى هذا فإن شرطية الخطبة لصحة صلاة الجمعة إنما هي في الجملة وليست بخصوص كل واحد، أي أن صلاة الجمعة من حيث هي يشترط لصحتها الخطبة، فلا تصح بدونها، فإذا وجدت ولم يدركها بعض المصلين، لكنهم أدركوا الصلاة فقط صحت صلاتهم.
• ماذا نستفيد من قوله: (كان يخطب ثم يجلس ثم يقوم يخطب)؟
نستفيد: أنه لا بد من خطبتين.
وقد اختلف العلماء: هل يشترط خطبتين، أم تكفي خطبة واحدة؟ على قولين:
القول الأول: أنه يشترط خطبتان.
وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، وبعض المالكية.
أ-لحديث الباب.
ب- ولحديث ابن عمر (أن النبي ﷺ كان يخطب خطبتين وهو قائم، يفصل بينهما بجلوس) متفق عليه.
وجه الدلالة من الحديثين: أن فيهما أن النبي ﷺ كان يخطب للجمعة خطبتين، وقد قال ﷺ (صلوا كما رأيتموني أصلي).
ج- أن الخطبتين أقيمتا مقام الركعتين من صلاة الظهر، فكل خطبة مكان ركعة، فالإخلال بإحداهما كالإخلال بإحدى الركعتين.
стр. 836
القول الثاني: أنه لا يشترط خطبتان، بل تجزئ خطبة واحدة.
وبهذا قال الحنفية.
لحديث جابر بن سمرة (أن رسول الله ﷺ كان يخطب قائماً خطبة واحدة، فلما أسن جعلها خطبتين يجلس جلسة) لكن هذا الحديث لا يعرف.
والراجح القول الأول.
• ما الحكم لو أخرت الخطبة عن الصلاة؟
لا يصح.
فالحديث دليل على أن الخطبة مقدمة على الصلاة، وأنها لو أخرت عن الصلاة فإنها لا تصح.
وهذا مذهب الأئمة الأربعة.
• ماذا نستفيد من قوله (كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ .. )؟
نستفيد مشروعية الجلوس بين الخطبتين، وقد اختلف العلماء في حكم هذه الجلسة على قولين:
القول الأول: أنه سنة.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
قال في المغني: ويستحب أن يجلس بين الخطبتين جلسة خفيفة وليست واجبة في قول أكثر أهل العلم.
لحديث الباب، وهو واضح الدلالة.
القول الثاني: أنها واجبة.
وهو قول الشافعي.
لأن النبي ﷺ كان يجلسها وقد قال (صلوا كما رأيتموني أصلي).
والراجح القول الأول.
• كم مقدار هذه الجلسة؟
قيل: بقدر قراءة سورة الإخلاص.
وبه قال الشافعية.
وقيل: بقدر قراءة ثلاث آيات.
وقيل: بقدر الجلسة بين السجدتين.
والراجح أن التقييد ليس عليه دليل، وأنه لا تقدير لها، وأنها جلسة خفيفة للاستراحة والفصل بين الخطبتين.
• ما الحكمة من الجلوس بين الخطبتين؟
قيل: للفصل بين الخطبتين.
وقيل: للراحة.
ورجح الحافظ ابن حجر القول الأول.
стр. 837
٤٤٦ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ ﵄ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا خَطَبَ، احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ، وَيَقُولُ: "أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ اَلْحَدِيثِ كِتَابُ اَللَّهِ، وَخَيْرَ اَلْهَدْيِ هَدْي مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ اَلْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ كَانَتْ خُطْبَةُ اَلنَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ اَلْجُمُعَةِ: - يَحْمَدُ اَللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ عَلَا صَوْتُهُ -
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: - مَنْ يَهْدِه اَللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ -.
وَلِلنَّسَائِيِّ (وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي اَلنَّارِ).
===
(احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ) هذه حالات تعتري الخطيب الناصح المتحمس.
(وَعَلَا صَوْتُهُ) أي: ارتفع.
(وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ) إنما يفعل ذلك، إزالة للغفلة من قلوب الناس، حتى يتمكن فيها الوعظ فضلَ تمكن، ويؤثر فيها حق تأثير.
(حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ) هو الذي يجيء مخبراً للقوم بما دهمهم من عدو. الإنذار: الإخبار مع التخويف.
(وَخَيْرَ اَلْهَدْيِ) ضبط بضم الهاء وفتح الدال (هُدَى) فيكون المعنى: الدلالة والإرشاد، وضبط بفتح الهاء وسكون الدال (هَدْي) فيكون المعنى أحسن الطرق.
(وَشَرَّ اَلْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا) جمع محدثة، والمراد كل ما أحدث في الدين.
(ضلالة) الضلالة ضد الهداية.
• اذكر بعض ما يسن للخطيب أن يكون عليه في خطبته كما جاء في الحديث؟
قال الشوكاني: فيه أنه يستحب للخطيب أن يضخم أمر الخطبة ويرفع صوته، ويحرك كلامه، ويظهر غاية الغضب والفزع، لأن تلك الأوصاف إنما تكون عند اشتدادهما.
وقال الصنعاني: في الحديث دليل على أنه يستحب للخطيب أن يرفع بالخطبة صوته.
• ما حكم رفع الخطيب صوته بالخطبة زيادة على القدر الواجب؟
ذهب أصحاب الأئمة الأربعة إلى أن رفع الصوت بالخطبة زيادة على القدر الواجب حسب الطاقة سنة من سنن الخطبة.
أ-لحديث الباب.
ب-ولحديث النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب يقول (أنذركم النار، أنذركم النار، حتى لو أن رجلاً كان بالسوق لسمعه من مقامي هذا، قال: حتى وقعت خميصة كانت على عاتقه عند رجليه) رواه أحمد.
ج-ولأن رفع الصوت بالخطبة أبلغ في إعلام الناس، فيتحقق المقصود بها.
стр. 838
• ما حكم قول (أما بعد) في الخطب؟
مستحب.
وكان هدي النبي ﷺ أن يقولها.
فقد جاء في الحديث (أن النبي ﷺ حمد الله وأثنى عليه، وقال: أما بعد، ما من شيء لم أكن رأيته إلا قد رأيته في مقامي هذا حتى الجنة والنار).
وجاء في حديث آخر (فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فو الله إني لأعطي الرجل والذي أدع أحب إلي من الذي … ).
وهي أداة شرط بمعنى: مهما يكن من شيء.
ويؤتى بها للانتقال من الخطبة إلى الموضوع.
وقد اختلف العلماء في أول من قالها:
فقيل: داود ﵇، رواه الطبراني وفي إسناده ضعف.
وقيل: أول من قالها يعقوب، رواه الدار قطني.
وقيل: أول من قالها يعرب بن قحطان.
وقيل: كعب بن لؤي.
وقيل: قيس بن ساعدة.
قال الحافظ: والأول أشبه.
قال ابن رجب: وقد قيل: أن هذه الكلمة فضل الخطاب الذي أوتيه داود ﵇، وقد سبق ذكر ذلك في أول الكلام في الكلام على حديث كتاب النبي ﷺ إلى هرقل (أما بعد؛ فاني ادعوك بدعاية الإسلام).
والمعنى في الفصل بأما بعد: الإشعار بأن الأمور كلها وان جلت وعظمت فهي تابعة لحمد الله والثناء عليهِ، فذاك هوَ المقصود بالإضافة، وجميع المهمات تبع له من أمور الدين والدنيا.
ولهذا قال النبي ﷺ (كل أمر ذي بال لا يبدأ بالحمد لله فهو أقطع) وفي روايةٍ: (أجذم).
стр. 839
• ماذا نستفيد من قوله (يحمد الله)؟
نستفيد: مشروعية حمد الله في الخطبة.
وقد اختلف العلماء في حكم حمد الله في الخطبة على قولين:
القول الأول: أنها ركن، فلا تصح الخطبة بدونها.
وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة.
أ-لحديث الباب: (يحمد الله ويثني عليه … ).
قال النووي: فيه دليل للشافعي أنه يجب حمد الله في الخطبة، وينبغي لفظه، ولا يقوم غيره مقامه.
ب-ولحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ (كل كلام لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم) رواه أبو داود.
القول الثاني: أنه سنة ليس بواجب.
وبه قال الحنفية، والمالكية، وهو ظاهر كلام ابن تيمية، والشيخ السعدي.
قال شيخ الإسلام: ولا يكفي في الخطبة ذم الدنيا وذكر الموت، بل لا بد من مسمى الخطبة عرفاً، ولا تحصل باختصار يفوت المقصود.
وقال الشيخ السعدي: … والصواب أنه إذا خطب خطبة يحصل بها المقصود والموعظة، أن ذلك كاف وإن لم يلتزم بتلك المذكورات، نعم من كمال الخطبة الثناء على الله وعلى رسوله … ).
والراجح الأول.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أنه ينبغي أن يكون مضمون الخطبة: الثناء على الله وحمده، وبيان العقيدة الصحيحة، والتحذير من البدع، والدعوة إلى السنة، وفيها الترغيب والترهيب.
- استحباب سلوك طريق محمد ﷺ .
- أن كل طريق غير طريق محمد ﷺ فهو ضلال.
- التحذير من البدعة.
أولاً: البدعة هي: التعبد لله بما ليس عليه النبي ﷺ ولا خلفاؤه الراشدون.
ثانياً: كل البدع ضلال من غير تفصيل.
لقوله ﷺ (كل بدعة ضلالة). رواه مسلم
فهذا حكم عام، فمن خصصه أو قيده فقد أخطأ، ومما يدل على التحذير من البدع:
قوله ﷺ : (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد). متفق عليه
ثالثاً: البدعة تستلزم عدة محاذير:
تستلزم تكذيب قول الله تعالى (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُم) لأنه إذا جاء ببدعة جديدة يعتبرها ديناً، فمقتضى ذلك أن الدين لم يكمل.
تستلزم القدح في الشريعة، وأنها ناقصة.
تستلزم القدح في المسلمين الذين لم يأتوا بها.
تستلزم القدح في رسول الله ﷺ ، لأن هذه البدعة إما أن يكون الرسول لم يعلم بها وحينئذٍ يكون جاهلاً، وإما أن يكون قد علم بها ولكن كتمها، فيكون كاتماً للرسالة أو بعضها.
стр. 840
٤٤٧ - وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ (إِنَّ طُولَ صَلَاةِ اَلرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
===
(إِنَّ طُولَ صَلَاةِ اَلرَّجُلِ) أي: إطالتها.
(وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ) أي: تقصيرها.
(مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ) أي: علامة يتحقق فيها فقهه.
• اذكر لفظ الحديث كاملاً؟
لفظ الحديث:
عن أَبي وَائِلٍ قال (خَطَبَنَا عَمَّارٌ فَأَوْجَزَ وَأَبْلَغَ فَلَمَّا نَزَلَ قُلْنَا يَا أَبَا الْيَقْظَانِ لَقَدْ أَبْلَغْتَ وَأَوْجَزْتَ فَلَوْ كُنْتَ تَنَفَّسْتَ. فَقَالَ إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ وَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْراً).
(لو تنفست) أي لو أطلت قليلاً، (إن من البيان) من هنا تبعيضية.
• ما المشروع في خطبة الجمعة؟
عدم إطالتها.
قال في الإنصاف: بلا نزاع.
ومما يدل على ذلك أيضاً:
أ-حديث عبد الله بن أبي أوفى قال (كان رسول الله ﷺ يطيل الصلاة ويقصر الخطبة) رواه النسائي.
ب-وعن جابر بن سمرة قال (كان رسول الله ﷺ لا يطيل الموعظة يوم الجمعة، وإنما هنّ كلمات يسيرات) رواه أبو داود.
• لماذا كان قصر الخطبة دليل على فقه الرجل؟
قال الصنعاني: وإنما كان قصر الخطبة علامة على فقه الرجل، لأن الفقيه هو المطلع على حقائق المعاني، وجوامع الألفاظ، فيتمكن من التعبير بالعبارة الجزلة المفيدة، ولذلك كان من تمام هذا الحديث: (فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة …
وأيضاً في إطالة الخطبة إصابة الملل للناس، والملل من أسباب إذهاب الفائدة من الموعظة.
وقال الشوكاني: وإنما كان إقصار الخطبة علامة فقه الرجل، لأن الفقيه هو المطلع على جوامع الألفاظ، فيتمكّن بذلك من التعبير باللفظ المختصر عن المعاني الكثيرة.
وقال: وإنما كانت صلاته ﷺ وخطبته كذلك لئلا يمل الناس.
стр. 841
• كيف الجمع بين هذا الحديث في قوله ﷺ (فأطيلوا الصلاة)، وفي أمره ﷺ بالتخفيف؟
قال النووي: وليس في الحديث مخالفاً للأحاديث الصحيحة المشهورة، والأمر بتخفيف الصلاة، لقوله ﷺ في الرواية الأخرى (وكانت صلاته قصداً) لأن المراد بالحديث الذي نحن فيه أن الصلاة تكون طويلة بالنسبة إلى الخطبة لا تطويلاً يشق على المأمومين، وهي حينئذٍ قصد، أي معتدلة، والخطبة قصد بالنسبة إلى وضعها.
• ما معنى قوله (إن من البيان لسحراً)؟
قيل: هو ذم.
لأنه إمالة القلوب وصرفها بمقاطع الكلام إليه.
واستدل من قال هذا بإدخال مالك الحديث في موطئه في: باب ما يكره الكلام بغير ذكر الله، وأنه مذهبه في تأويل الحديث.
وقيل: إنه مدح.
لأن الله تعالى أثنى على عباده وتعليمهم البيان حيث قال (خلق الإنسان. علمه البيان)، وشبهه بالسحر لميل القلوب إليه، فالبيان يصرف القلوب ويميلها إلى ما تدعوا إليه.
قال القرطبي: وهذا التأويل أولى لهذه الآية وما معناها.
وقال النووي: وهذا الثاني هو الصحيح المختار.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- ينبغي أن يكون الخطيب حكيماً، يعرف سنة النبي ﷺ في الخطبة.
- فضل قلة الكلام ووضوحه.
- ذم التطويل في الموعظة والإكثار منها، وقد قال ابن مسعود (كان رسول الله ﷺ يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا). متفق عليه
- أن من أسباب ضياع الفائدة: تطويل الموعظة وتكلفها.
- فضل الحكمة في التعامل مع الناس ووعظهم.
- أن للمواعظ والتذكير سنن وآداب يحسن بالواعظ معرفتها لكي يستفاد من موعظته.
стр. 842
٤٤٨ - وَعَنْ أُمِّ هِشَامٍ بِنْتِ حَارِثَةَ ﵂ قَالَتْ (مَا أَخَذْتُ: "ق وَالْقُرْآنِ اَلْمَجِيدِ"، إِلَّا عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ يَقْرَؤُهَا كُلَّ جُمُعَةٍ عَلَى اَلْمِنْبَرِ إِذَا خَطَبَ اَلنَّاسَ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
===
(أم هشام بنت حارثة) صحابية جليلة.
(مَا أَخَذْتُ: ق وَالْقُرْآنِ اَلْمَجِيدِ) أي: ما حفظت هذه السورة.
• ماذا نستفيد من قوله (عَلَى اَلْمِنْبَرِ)؟
استحباب أن يكون الخطيب على منبر.
قال النووي: فيه استحباب اتخاذ المنبر، وهو سنة مجمع عليها.
وقد تقدمت أدلة ذلك في الحديث الأول.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد أنه يستحب للخطيب أن يخطب يوم الجمعة بسورة (ق).
قال النووي: وفيه استحباب قراءة (ق) أو بعضها في كل خطبة.
وقال: فمما حُفِظَ من خطبه ﷺ أنه كان يكثر أن يخطب بالقرآن في سورة (ق).
• ما الحكمة من اختيار النبي ﷺ سورة (ق) للقراءة بها كل جمعة؟
والحكمة من ذلك والله أعلم: لأن سورة (ق) مشتملة على البعث بعد الموت، والمواعظ الشديدة، والزواجر الأكيدة فاستحب قراءتها في الخطبة.
• هل نستفيد من قولها (يَقْرَؤُهَا كُلَّ جُمُعَةٍ عَلَى اَلْمِنْبَرِ إِذَا خَطَبَ اَلنَّاسَ) أن النبي ﷺ كان يداوم على ذلك؟
هذا محمول على الغالب، لأنه ورد ما يدل على أن النبي ﷺ كان لا يلازم سور معينة أو آية مخصوصة كما في حديث جابر بن سمرة (أن النبي ﷺ كان في الخطبة يقرأ آيات من القرآن ويذكر الناس).
• ما حكم قراءة شيء من القرآن الكريم في الخطبة؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أنه شرط.
وهو مذهب الشافعية، والحنابلة.
أ-لحديث جابر بن سمرة قال: (كان للنبي ﷺ خطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن ويذكر الناس) رواه مسلم.
قال النووي: فيه دليل للشافعي في أنه يشترط للخطبة الوعظ والقرآن.
ب-ولحديث الباب.
قال النووي: فيه دليل للقراءة في الخطبة.
ج-ولحديث صفوان بن يعلى عن أبيه: (أنه سمع النبي ﷺ يقرأ: ونادوا يا مالك) رواه مسلم.
قال النووي: فيه القراءة في الخطبة.
القول الثاني: أنها سنة.
وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، ورجحه السعدي.
لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّه … ).
فالله أمر بالذكر مطلقاً من غير تقييد بالقراءة.
قالوا: إن فعل النبي ﷺ يدل على الاستحباب.
والقول الأول أحوط.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- تكرار المواعظ.
- أن أعظم واعظ هو القرآن (قد جاءتكم موعظة من ربكم … ).
стр. 843
٤٤٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ اَلْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَهُوَ كَمَثَلِ اَلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا، وَاَلَّذِي يَقُولُ لَهُ: أَنْصِتْ، لَيْسَتْ لَهُ جُمُعَةٌ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، بِإِسْنَادٍ لَا بَأْسَ بِهِ. وَهُوَ يُفَسِّرُ.
٤٥٠ - حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فِي "اَلصَّحِيحَيْنِ" مَرْفُوعًا (إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ يَوْمَ اَلْجُمُعَةِ وَالْإِمَامِ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْت).
===
• ما صحة حديث ابن عباس؟
الحديث فيه ضعف، لأن فيه مجالد بن سعيد، وهو ضعيف، فقد ضعفه الجمهور.
قال الحافظ: وله شاهد قوي في جامع حماد بن سلمة عن بن عمر موقوفاً.
(إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِك) لفظ النسائي (من قال لصاحبه .. ) والمراد بالصاحب هو الذي يخاطبه إذ ذاك أو جليسه، وإنما ذكر الصاحب لكونه الغالب.
(أَنْصِتْ) أي: اسكت، قال الحافظ ابن حجر: قال ابن خزيمة: المراد بالإنصات السكوت عن مكالمة الناس دون ذكر الله، وتعقب بأنه يلزم منه جواز القراءة والذكر حال الخطبة، فالظاهر أن المراد السكوت مطلقاً، ومن فرق احتاج إلى دليل.
فائدة: الإنصات: الاصغاء إلى كلام المتكلم، والاستماع: تقصد إدراك الصوت.
(وَالْإِمَامِ يَخْطُبُ) أي: حال الإمام يخطب.
(فَقَدْ لَغَوْتَ) أي وقعت في اللغو، قال ابن المنير: اتفقت أقوال المفسرين على أن اللغو ما لا يحسن من الكلام.
• ما حكم الكلام أثناء الخطبة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة - كلام الحاضر للخطبة إذا كان يسمعها - على قولين:
القول الأول: يحرم الكلام ويجب الإنصات.
وهذا مذهب الجمهور، من الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وبه قال ابن حزم.
أ-لحديث الباب.
قال النووي: ففي الحديث النهي عن جميع أنواع الكلام حال الخطبة، ونبه بهذا على ما سواه، لأنه إذا قال: أنصت، وهو في الأصل أمر بمعروف، وسماه لغواً، فغيره من باب أولى.
ب-ولحديث ابن عباس حديث الباب، فإنه يدل على وجوب الإنصات.
وجه الدلالة من وجهين:
الأول: أنه شبه المتكلم بالحمار، ومعلوم أن ذلك صفة ذم ونقص لا يوصف بها تارك الندب.
الثاني: نفي أن يكون له جمعة، وقد علمنا أنها جمعة، فلما استعار له لفظ نفي الإجزاء وعدم الصحة، دلّ على تأكيد منعه وشدة تحريمه.
стр. 844
القول الثاني: لا يحرم الكلام، ولكن يستحب الإنصات.
وهذا مذهب الشافعي.
واستدلوا بحديث الأعرابي الذي قام وكلم النبي ﷺ من أجل أن يستقي لهم.
قالوا: أن الأعرابي تكلم أثناء الخطبة ولم ينكر عليه النبي ﷺ ، ولو حرم عليه لأنكره.
والراجح القول الأول.
• ما وجه الشبه بين الحمار الذي يحمل أسفاراً، وبين المتكلم والإمام يخطب يوم الجمعة؟
شبه من لم يمسك عن الكلام بالحمار الحامل للإسفار بجامع عدم الانتفاع.
• ما حكم كلام الحاضر للخطبة إذا كان لا يسمعها لبعد أو غيره؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يحرم عليه الكلام.
وهو مذهب المالكية، ومذهب الحنابلة، وبه قال ابن حزم.
واستدلوا بعموم ما تقدم من الأدلة السابقة التي تدل على تحريم الكلام أثناء الخطبة، فقالوا هي عامة تشمل من يسمع الخطبة ومن لا يسمعها.
القول الثاني: يجوز له الكلام.
وبه قال الحنفية، وهو مذهب الشافعية.
واستدلوا بما استدلوا به في الأمر السابق على جواز الكلام في الخطبة للسامع، فقالوا: إذا كان يجوز مع السماع فمع عدمه من باب أولى.
والراجح الأول، لقوة ما استدلوا به، وخاصة عموم الأدلة، ولأنه يؤدي إلى التشويش، وقد يجر إلى كلام مكروه أو يحرم في المسجد.
• ما حكم رد السلام وتشميت العاطس أثناء الخطبة؟
حرام، وهذا القول هو الصحيح.
لحديث الباب (إذا قلت لصاحبك أنصت فقد لغوت).
معنى هذا أن النبي ﷺ سمى الأمر بالمعروف أثناء الخطبة لغواً مع أنه أمر مطلوب شرعاً، وفيه فائدة متعدية للآخرين وهي منع التشويش عليهم، فكذلك ردّ السلام وتشميت العاطس، بل هو أولى.
• ما حكم الصلاة على النبي ﷺ إذا ذكره الخطيب في خطبته؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يجوز سراً.
وهذا مذهب الحنابلة، وهو اختيار ابن تيمية.
أ-لأن الصلاة على النبي ﷺ سراً لا تشغل عن سماع الخطبة، ففي فعله إحرازاً للفضيلتين: الصلاة والاستماع.
ب- ولأن الخطيب إذا قال (يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه … ) فهو يبلغ الحاضرين أمراً، فيجب امتثاله.
القول الثاني: لا تجوز الصلاة عليه.
وبه قال الحنفية.
والراجح الأول.
стр. 845
• ماذا نستفيد من قوله ( … والإمام يخطب … )؟
نستفيد أن التحريم حال الخطبة فقط، أما ما قبل الخطبة وما بعدها وما بين الخطبتين جائز.
أ-لما رواه ثعلبة بن مالك القرضي: (أنهم كانوا في زمان عمر بن الخطاب يصلون الجمعة حتى يخرج عمر، فإذا خرج وجلس على المنبر وأذن المؤذن، قال ثعلبة: جلسنا نتحدث، فإذا سكت المؤذنون وقام عمر يخطب أنصتنا فلم يتكلم منّا أحد).
قال ابن شهاب: فخروج الإمام يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام.
قال في الغني: وهذا يدل على شهرة الأمر بينهم.
ب-ولأن النهي عن الكلام إنما هو لأجل الإنصات واستماع الخطبة، فيقتصر على حالة الخطبة.
• ما معنى قوله ﷺ ( … فلا جمعة له)؟
قال الشوكاني: قال العلماء: معناه لا جمعة له كاملة، للإجماع على إسقاط فرض الوقت عنه.
وقال ابن حزم: معناه بطلت وعليه إعادتها في الوقت، لأنه لم يصلها.
والصحيح الأول ويؤيده حديث عبد الله بن عمرو. قال: قال ﷺ ( .. ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهراً) رواه أبوداود.
• ماذا نستفيد من قوله ( … والإمام يخطب يوم الجمعة)؟
نستفيد أنه لا يجب الإنصات لغير خطبة الجمعة، كالعيد والاستسقاء عند بعض العلماء.
следующие страницы →