Полный текст (3 038 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
٥٠٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (مَا هَبَّتْ رِيحٌ قَطُّ إِلَّا جَثَا اَلنَّبِيُّ ﷺ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَقَالَ: "اَللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رَحْمَةً، وَلَا تَجْعَلَهَا عَذَابًا) رَوَاهُ اَلشَّافِعِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث ضعيف، فقد رواه الشافعي فقال: أخبرني من لا أتهم، حدثنا العلاء ....
وقد قال الربيع بن سلمان: إذا قال الشافعي حدثني من لا أتهم، فإنه يريد بذلك إبراهيم بن أبي يحي، وإبراهيم هذا لا يحتج به
وله طريق أخرى عند الطبراني لكنه ضعيف، فيه حَسْي بن قيس ضعفه أحمد والنسائي.
• ما السنة أن يقول لمن رأى الريح؟
الحديث دليل على أنه يسن للمسلم إذا رأى الريح أن يقول هذا الدعاء، لكن الحديث ضعيف ويغني عنه:
ما رواه مسلم عن عائشة قالت: (كان النبي ﷺ إذا عصفت الريح قال: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلَتْ به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به) رواه مسلم.
وعن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون، فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشر ما أمرت به) رواه الترمذي.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- النهي عن سب الريح، لأن الريح إنما أرسلها الله ﵎، فسبك إياها سباً لله.
- أن الرياح من آيات الله لا يقدر أحد على تصريفها إلا خالقها.
كما قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) وقال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ).
- استحباب قول الدعاء عند هبوب الريح.
- استحباب الدعاء بخير هذه الريح والاستعاذة من شرها، لأن الريح قد تكون عاتية شديدة تهدم الديار، وقد تكون فيها خير تقع به.
- بيان قدرة الله العظيمة.
- خوف النبي ﷺ من ربه.
- فضل الأذكار والدعوات.
стр. 912
٥٠٦ - وَعَنْهُ (أَنَّهُ صَلَّى فِي زَلْزَلَةٍ سِتَّ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وَقَالَ: هَكَذَا صَلَاةُ اَلْآيَاتِ) رَوَاهُ اَلْبَيْهَقِيُّ.
٥٠٧ - وَذَكَرَ اَلشَّافِعِيُّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ مِثْلَهُ دُونَ آخِرِهِ.
===
• ما صحة هذه الآثار؟
أثر ابن عباس صحيح، فقد صححه البيهقي.
وأما أثر علي أخرجه البيهقي وفيه ضعف، ففيه رجل لم يسم.
• هل تشرع الصلاة للآيات غير الكسوف والخسوف.
اختلف العلماء في هذه المسألة:
القول الأول: لا يصلى لغير الكسوف والخسوف.
وهذا قول مالك، والشافعي.
لأن النبي ﷺ لم يصلّ لغير الكسوف، وقد كان في عصره بعض هذه الآيات، وكذلك خلفاؤه.
وحدثت الزلزلة في عهد عمر فلم يصلوا.
القول الثاني: يصلى لكل آية.
وهذا مذهب الحنابلة، واختاره ابن تيمية، وهو مذهب أبي حنيفة.
لأن النبي ﷺ علل الكسوف بأنه آية من آيات الله يخوف بها عباده، وصلى ابن عباس بالبصرة للزلزلة كما في أثر الباب.
وقد جاء عند أبي داود عن عكرمة قال: (قيل لابن عباس: ماتت فلانة، إحدى زوجات النبي ﷺ ، فسجد، فقيل: لم تسجد في هذه الساعة، فقال: قال رسول الله ﷺ : إذا رأيتم آية فاسجدوا، وأي آية أعظم من ذهاب زوجات النبي ﷺ . [الاثنين: ٧/ ٣/ ١٤٣٣ هـ]
стр. 913
بَابُ صَلَاةِ اَلِاسْتِسْقَاءِ
أي: باب الصلاة لأجل الاستسقاء، وهو الدعاء بطلب السقيا على صفة مخصوصة.
قال في الفتح: الاستسقاء لغة طلب سقي الماء من الغير للنفس أو للغير.
وشرعاً: طلبه من الله تعالى عند حصول الجدب على وجهٍ مخصوص.
٥٠٨ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (خَرَجَ اَلنَّبِيُّ ﷺ مُتَوَاضِعًا، مُتَبَذِّلًا، مُتَخَشِّعًا، مُتَرَسِّلًا، مُتَضَرِّعًا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كَمَا يُصَلِّي فِي اَلْعِيدِ، لَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو عَوَانَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ.
===
(مُتَوَاضِعًا) أي: مظهِراً للتواضع.
(مُتَبَذِّلًا) أي لابساً لثياب البذلة تاركاً لثياب الزينة تواضعاً لله.
(مُتَرَسِّلًا) الترسل التأني في المشي وعدم العجلة.
(مُتَضَرِّعًا) أي مظهراً للضراعة وهي التذلل عند طلب الحاجة.
• ما حكم صلاة الاستسقاء؟
سنة عند وجود سببها.
قال ابن قدامة: صلاة الاستسقاء سنة عند الحاجة إليها سنة مؤكدة، لأن النبي ﷺ فعلها وكذلك خلفاؤه، وهذا قول سعيد بن المسيب وداود ومالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا تسن صلاة الاستسقاء ولا الخروج إليها، لأن النبي ﷺ استسقى على المنبر يوم الجمعة ولم يخرج ولم يصل.
وقول الجمهور هو الصحيح.
فقد ثبتت الأحاديث في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ صلى الاستسقاء ركعتين.
كحديث عباد بن تميم عن عمه عبد الله بن زيد (أن النبي ﷺ خرج إلى المصلى فاستسقى وصلى ركعتين) متفق عليه.
وفي رواية للبخاري (خرج النبي ﷺ يستسقي فتوجه إلى القبلة يدعو، وحول رداءه ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة).
وحديث الباب (خَرَجَ اَلنَّبِيُّ ﷺ مُتَوَاضِعًا، مُتَبَذِّلًا، مُتَخَشِّعًا، مُتَرَسِّلًا، مُتَضَرِّعًا).
وحديث عائشة (أن النبي ﷺ شكوا إليه قحوط المطر … فخطب ثم أقبل على الناس … ) وسيأتي الحديث.
• متى تشرع صلاة الاستسقاء؟
تشرع عند وجود سببها، وهي قحوط المطر. [وسيأتي الحديث بعد هذا]
• ما صفة صلاة الاستسقاء:
ركعتان.
قال النووي: بإجماع المثبتين لها.
وقال ابن قدامة: لا نعلم بين القائلين بصلاة الاستسقاء خلافاً في أنها ركعتان.
لحديث الباب (فَصَلَّى رَكْعَتَيْن).
أما بقية صفتها: كصلاة العيد، كما في حديث الباب (كما يصلى العيد).
يعني يكبر الأولى سبعاً، وفي الثانية خمساً.
стр. 914
• ما صفة الخروج إلى صلاة الاستسقاء؟
أن يكون متواضعاً، متخشعاً، متذللاً، لأنه يوم استكانة وخضوع.
واستحب الفقهاء أن يخرج أهل الدين والشيوخ.
• هل يمنع من الطيب عند خروج للاستسقاء؟
قال بعض الفقهاء: إن الإنسان إذا خرج للاستسقاء لا يتطيب.
لأن هذه الصلاة يشرع فيها الاستكانة والخضوع.
قال الشيخ ابن عثيمين: الصحيح أنه لا ينكر على من تطيب، لأن الطيب لا يمنع الاستكانة والخضوع لله تعالى.
• ماذا نستفيد من قوله (لم يخطب كخطبتكم هذه)؟
نستفيد مشروعية الخطبة.
لأن هذا القول من ابن عباس (لم يخطب كخطبتكم هذه) دليل على أنه خطب لكنه ليس كخطبتكم هذه.
والمشروع في صلاة الاستسقاء خطبة واحدة.
• هل يشرع الصوم في يوم الاستسقاء؟
قال بذلك بعض العلماء.
وقال الشيخ ابن عثيمين: لكنه ليس في هذا سنة، لكن من كان يعتاد أن يصوم الاثنين فهذا طيب، يصوم الاثنين ويجمع بين هذا وهذا.
• هل يشرع النداء لصلاة الاستسقاء؟
لا.
لأنه لم ينقل (وقد تقدمت المسألة).
стр. 915
٥٠٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (شَكَا اَلنَّاسُ إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ قُحُوطَ الْمَطَرِ، فَأَمَرَ بِمِنْبَرٍ، فَوُضِعَ لَهُ فِي اَلْمُصَلَّى، وَوَعَدَ اَلنَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ، فَخَرَجَ حِينَ بَدَا حَاجِبُ اَلشَّمْسِ، فَقَعَدَ عَلَى اَلْمِنْبَرِ، فَكَبَّرَ وَحَمِدَ اَللَّهَ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدَبَ دِيَارِكُمْ، وَقَدْ أَمَرَكُمْ اَللَّهُ أَنْ تَدْعُوَهُ، وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اَلْعَالَمِينَ، اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ اَلدِّينِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اَللَّهُمَّ أَنْتَ اَللَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ اَلْغَنِيُّ وَنَحْنُ اَلْفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ، وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَ قُوَّةً وَبَلَاغًا إِلَى حِينٍ" ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إِبِطَيْهِ، ثُمَّ حَوَّلَ إِلَى اَلنَّاسِ ظَهْرَهُ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَقْبِلَ عَلَى اَلنَّاسِ وَنَزَلَ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَأَنْشَأَ اَللَّهُ سَحَابَةً، فَرَعَدَتْ، وَبَرَقَتْ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ: "غَرِيبٌ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ.
وَقِصَّةُ اَلتَّحْوِيلِ فِي "اَلصَّحِيحِ" مِنْ:
٥١٠ - حَدِيثِ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، وَفِيهِ: - فَتَوَجَّهَ إِلَى اَلْقِبْلَةِ، يَدْعُو، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ -.
٥١١ - وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ مُرْسَلِ أَبِي جَعْفَرٍ اَلْبَاقِرِ: وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ؛ لِيَتَحَوَّلَ اَلْقَحْطُ.
===
(قُحُوطَ الْمَطَرِ) القحط احتباس المطر، والقُحُوط امتناعه وعدم نزوله.
(بَدَا حَاجِبُ اَلشَّمْسِ) أي: ظهر.
(جَدَبَ دِيَارِكُمْ) الجدْب ضد الخصب.
• ما صحة أحاديث الباب؟
حديث عائشة حديث حسن صححه ابن حبان والترمذي. قال النووي: إسناده حسن.
وحديث عبد الله بن زيد لفظه (خرج النبي ﷺ يستسقي فتوجه إلى القبلة يدعو، وحول رداءه ثم صلى ركعتين يجهر فيهما بالقراءة).
ومرسل أبي جعفر الباقر، ضعيف لأنه مرسل، وقد ذكره الحافظ لبيان الحكمة من التأويل.
• أين تستحب أن تصلى صلاة الاستسقاء؟
يستحب أن تصلى في المصلى.
• ماذا نستفيد من قوله (إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدَبَ دِيَارِكُم)؟
نستفيد أن صلاة الاستسقاء مستحبة عند جدب الأرض واحتباس المطر.
стр. 916
• متى وقت صلاة الاستسقاء؟
ليس لها وقت معين، لكن الأفضل وقت صلاة العيد.
قال ابن قدامة: وليس لصلاة الاستسقاء وقت معين، إلا أنها لا تفعل في وقت النهي بغير خلاف; لأن وقتها متسع، فلا حاجة إلى فعلها في وقت النهي، والأولى فعلها في وقت العيد.
أ- لما روت عائشة، أن رسول الله ﷺ خرج حين بدا حاجب الشمس. رواه أبو داود.
ب- ولأنها تشبهها في الموضع والصفة، فكذلك في الوقت، إلا أن وقتها لا يفوت بزوال الشمس، لأنها ليس لها يوم معين،
فلا يكون لها وقت معين .... (المغني).
وقال النووي ﵀: في وقت صلاة الاستسقاء ثلاثة أوجه:
أحدها: وقتها وقت صلاة العيد …
الوجه الثاني: أول وقت صلاة العيد ويمتد إلى أن يصلي العصر …
والثالث: وهو الصحيح، بل الصواب: أنها لا تختص بوقت، بل تجوز وتصح في كل وقت من ليل ونهار، إلا أوقات الكراهة على أحد الوجهين. وهذا هو المنصوص للشافعي، وبه قطع الجمهور وصححه المحققون. (المجموع).
• ما هو المستحب في حق الإمام إذا أراد الخروج للاستسقاء؟
المستحب له إذا أراد الخروج يعد الناس يوماً يخرجون فيه، لقولها (ووعد الناس يوماً يخرجون فيه).
• متى تكون الخطبة في صلاة الاستسقاء، قبل الصلاة أم بعدها؟
هذه المسألة اختلف العلماء فيها على أقوال:
القول الأول: أن الخطبة قبل الصلاة. (بخلاف العيد)
روي ذلك عن عمر، وابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، وذهب إليه ابن عبد البر.
أ-لحديث الباب ( … فقعد على المنبر، فكبر وحمد الله، ثم قال: إنكم شكوتم … ثم نزل فصلى) فهو نص أنه خطب قبل الصلاة.
ب-ولحديث عبد الله بن زيد، وفيه: ( … فحول ظهره إلى الناس واستقبل القبلة يدعو ثم حول رداءه ثم صلى ركعتين).
القول الثاني: أن الخطبة بعد الصلاة. (كالعيد)
وهذا مذهب الجمهور، المالكية، والشافعية، والحنابلة.
стр. 917
قال النووي: وبه قال الجماهير.
أ- لحديث ابن عباس وقد سبق (خرج متضرعاً … فصلى كما يصلي العيد).
ب- ولحديث أبي هريرة قال (صلى بنا رسول الله ﷺ ثم خطبنا) رواه ابن ماجه.
ج-ولحديث عبد الله بن زيد قال (رأيت النبي ﷺ يوم خرج يستسقي، فحول ظهره إلى الناس، واستقبل القبلة يدعو، ثم حول رداءه، ثم صلى ركعتين، جهر فيهما بالقراءة) متفق عليه.
القول الثالث: أنه مخير.
واختار هذا الشوكاني.
لورود الأخبار بكلا الأمرين.
والراجح الأول.
• بما تستفتح خطبة الاستسقاء؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: أن السنة افتتاح خطبة الاستسقاء بالاستغفار.
وهذا قول المالكية والشافعية.
قالوا: لأن الاستغفار أليق بالحال، وأخص بالاستسقاء، لأنه حال طلب ودعاء.
القول الثاني: أن السنة افتتاح خطبة الاستسقاء بالتكبير.
وهذا قول الحنابلة.
لحديث ابن عباس - السابق - (خَرَجَ اَلنَّبِيُّ ﷺ مُتَوَاضِعًا، مُتَبَذِّلًا، مُتَخَشِّعًا، مُتَرَسِّلًا، مُتَضَرِّعًا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كَمَا يُصَلِّي فِي اَلْعِيدِ).
القول الثالث: أن السنة افتتاح خطبة الاستسقاء بالحمد.
وهذا قول ابن تيمية.
أ-لحديث أبي هريرة. أن النبي ﷺ قال (كل امرئ ذي بال لا يُبدأ فيه بالحمد أقطع) رواه أبو داود.
ب- قال ابن تيمية: لم ينقل عن أحد عن النبي ﷺ أنه افتتح خطبه بغير الحمد لا خطبة عيد ولا استسقاء.
وهذا القول هو الصحيح.
قال ابن القيم: وقد اختلف الناسُ في افتتاح خُطبة العيدين والاستسقاء، فقيل: يُفتتحان بالتكبير، وقيل تفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار، وقيل: يُفتتحان بالحمد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهو الصواب، لأن النبي ﷺ قال: كلُّ أَمْرٍ ذي بالٍ لَا يُبْدَأ فيهِ بِحَمْدِ الله، فَهُوَ أَجْذَم، وكان يفتتح خطبَه كلَّها بالحمد لله.
стр. 918
• ما حكم تحويل الرداء في صلاة الاستسقاء؟
مستحب.
قال ابن قدامة ﵀: يستحب تحويل الرداء للإمام والمأموم، في قول أكثر أهل العلم.
وقال أبو حنيفة: لا يسن; لأنه دعاء، فلا يستحب تحويل الرداء فيه، كسائر الأدعية.
وسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع.
وحكي عن سعيد بن المسيب، وعروة، والثوري، أن تحويل الرداء مختص بالإمام دون المأموم. وهو قول الليث، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، لأنه نقل عن النبي ﷺ دون أصحابه.
ولنا أن ما فعله النبي ﷺ ثبت في حق غيره، ما لم يقم على اختصاصه به دليل، كيف وقد عُقِل المعنى في ذلك، وهو التفاؤل بقلب الرداء، ليقلب الله ما بهم من الجدب إلى الخصب، وقد جاء ذلك في بعض الحديث. (المغني).
• هل التحويل خاص بالإمام أو حتى للمأمومين؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يستحب للمأمومين أن يحولوا أرديتهم في الاستسقاء كما يحوّل الإمام.
وهذا قول أكثر العلماء، وبه قال المالكية، والشافعية، والحنابلة.
أ-فقد جاء في مسند أحمد من حديث عبد الله بن زيد: ( … ثم تحول إلى القبلة، وحول رداءه فقلبه ظهْراً لبطن وتحول الناس معه) وهذا إسناد حسن من أجل محمد بن إسحاق، وقد صرح التحديث فانتفت شبهة تدليسه.
ب-أن ما ثبت في حقه ﷺ ثبت في حق غيره ما لم يقم دليل على اختصاصه.
ج-ولأن العلة واحدة وهي التفاؤل.
القول الثاني: أن سنة تحويل الرداء في الاستسقاء خاصة بالإمام دون المأمومين.
وإليه ذهب جماعة من السلف منهم: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وهو مذهب الحنفية.
قالوا: إن تحويل الرداء إنما نقل عن النبي ﷺ دون أصحابه الذين صلوا معه الاستسقاء، فدل ذلك على اختصاص التحويل بالإمام دون المأمومين.
والراجح الأول.
стр. 919
• اذكر كيفية تحويل الأردية في الاستسقاء؟
اختلف أهل العلم القائلين باستحباب تحويل الأردية في الاستسقاء في هيئة التحويل على قولين:
القول الأول: أن تحويل الرداء يكون بقلبه فقط، وذلك بجعل ما كان من الرداء على اليمين على اليسار، وما على اليسار على اليمين.
وهذا مذهب الجمهور.
أ-لحديث عبد الله بن زيد في خبر خروج النبي ﷺ بأصحابه للاستسقاء وفيه (وحول رداءه، فجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر، وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن، ثم دعا الله) رواه أحمد.
ب- ولحديث أبي هريرة قال (خرج رسول الله ﷺ يوماً يستسقي، فصلى بنا ركعتين … وحول وجهه نحو القبلة رافعاً يديه، ثم قلب رداءه، فجعل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن) رواه ابن ماجه، وفي إسناده النعمان بن راشد فيه ضعف.
القول الثاني: يستحب مع قلب الرداء تنكيسه، بأن يجعل أعلاه أسفله.
وهذا مذهب الشافعي.
واستدلوا بالحديث الذي سبق: ( … فقلبه ظهراً لبطن وتحول الناس معه).
والراجح القول الأول، لأن الأحاديث فيه أصرح.
• ما الحكمة من التحويل؟
أ- قال النووي: التحويل شرع تفاؤلاً بتغير الحال من القحط إلى نزول الغيث والخصب، ومن ضيق الحال إلى سعته.
ب- وتأسياً بالنبي ﷺ .
ج-وكأن الرجل التزم أن يغير عمله السيئ إلى عمل صالح، لأن الأعمال لباس.
• هل يقدّم التحويل أم الدعاء؟
يقدم الدعاء ثم التحويل.
وهذا ظاهر حديث الباب أنه دعا ثم حوّل رداءه.
وكذلك حديث عبد الله بن زيد.
• ما الذي يقلب من الثياب؟
بالنسبة لما يقلب فالذي ورد هو قلب الرداء.
لحديث عبد الله بن زيد (أن النبي ﷺ استسقى فقلب رداءه) ومثله البشت والعباءة للمرأة، لكن المرأة إذا كان المسجد مكشوفاً وكان تحت العباءة ثياب تلفت النظر، فأخشى أنه في حال قيامها لتقلب العباءة تظهر هذه الثياب وتكون مفسدة أكبر من المصلحة فلا تقلب.
стр. 920
• هل يقلب الشماغ والغترة؟
وأما قلب الغترة والشماغ فلا أظن هذا مشروعاً، لأنه لم يرد أن العمامة تُقلب، والغترة والشماغ بمنزلة العمامة. (فتاوى الشيخ ابن عثيمين).
وذهب بعض العلماء - وهو قول الشيخ ابن باز - إلى أن الشماغ يقلب.
• هل يقلب الكوت إذا كان عليه كوت؟
في نفسي من هذا شيء، والظاهر أنه لا يقلبها، ولا يلزمه أن يلبس شيئاً أيضاً من أجل أن يقلبه، يعني يخرج على طبيعته .... (فتاوى ابن عثيمين).
• ماذا يستحب في الاستسقاء؟
يستحب التصدق.
جاء في (الموسوعة الفقهية): اتّفقت المذاهب على استحباب الصّدقة قبل الاستسقاء، ولكنّهم اختلفوا في أمر الإمام بها، قال الشّافعيّة، والحنابلة، والحنفيّة، وهو المعتمد عند المالكيّة: يأمرهم الإمام بالصّدقة في حدود طاقتهم، وقال بعض المالكيّة: لا يأمرهم بها، بل يترك هذا للنّاس بدون أمرٍ؛ لأنّه أرجى للإجابة، حيث تكون صدقتهم بدافعٍ من أنفسهم، لا بأمرٍ من الإمام. انتهى
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: قوله: " والصدقة " أي: ويأمرهم أيضاً بالصدقة - أي: قبل الاستسقاء -، والصدقة قد يقال: إنها مناسبة؛ لأن الصدقة إحسان إلى الغير، والإحسان سبب للرحمة؛ لقول الله تعالى: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)، والغيث رحمة؛ لقول الله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ)، والصدقة هنا ليست الصدقة الواجبة، بل المستحبة، أما الصدقة الواجبة فإن منْعها سبب لمنع القطر من السماء كما قال النبي ﵊ في الحديث المروي عنه: وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء. (الشرح الممتع).
• هل صلاة الاستسقاء جهرية أم سرية؟
جهرية.
لحديث عبد الله بن زيد قال (خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَسْقِى فَتَوَجَّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ يَدْعُو، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَة) رواه البخاري ورواه مسلم دون الجهر بالقراءة.
قال النووي: أجمعوا على استحبابه، وكذلك نقل الإجماع على استحباب الجهر ابن بطال.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- اثبات علو الله.
- أن الإبط ليس بعورة.
- استحباب رفع اليدين حال الاستسقاء والاستصحاء فقط. (وسيأتي حالات رفع اليدين في الدعاء إن شاء الله).
- قدرة الله تعالى العظيمة.
стр. 921
٥١٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ (أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ اَلْمَسْجِدَ يَوْمَ اَلْجُمُعَةِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ، هَلَكَتِ اَلْأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتِ اَلسُّبُلُ، فَادْعُ اَللَّهَ؟ [ ] يُغِيثُنَا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "اَللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اَللَّهُمَّ أَغِثْنَا .. ) " - فَذَكَرَ اَلْحَدِيثَ، وَفِيهِ اَلدُّعَاءُ بِإِمْسَاكِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ) لا يعرف.
(دار القضاء) فسره بعضهم القضاء بأنها دار الإمامة، قال في الفتح: وليس كذلك، وإنما هي دار عمر بن الخطاب، وسميت دار القضاء لأنها بيعت في قضاء دينه فكان يقال لها دار قضاء دين عمر.
(هَلَكَتِ اَلْأَمْوَالُ) المراد بالأموال هنا الماشية.
(وَانْقَطَعَتِ اَلسُّبُلُ) المراد بذلك الإبل، ضعفت لقلة القوت عن السفر لكونها لا تجد في طريقها من الكلأ ما يعلف.
(ولا قزَعة) بفتح القاف والزاء أي سحاب متفرق.
(وما بيننا وبين سلع) بفتح السين وسكون اللام جبل معروف بالمدينة.
(مثل الترس) أي: مستديرة.
(الآكام) قيل: هي الهضبة الضخمة، وقيل: هي الجبل الصغير.
• اذكر الحديث بتمامه؟
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ (أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ بَابٍ كَانَ نَحْوَ دَارِ الْقَضَاءِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتْ الأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ تَعَالَى يُغِيثُنَا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا. قَالَ أَنَسٌ: فَلا وَاَللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلا قَزَعَةٍ، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلا دَارٍ قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ. فَلَمَّا تَوَسَّطَتْ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ، قَالَ: فَلا وَاَللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتاً، قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ النَّاسَ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِماً، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتْ الأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُمْسِكَهَا عَنَّا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ، قَالَ: فَأَقْلَعَتْ، وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ. قَالَ شَرِيكٌ: فَسَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: أَهُوَ الرَّجُلُ الأَوَّلُ قَالَ: لا أَدْرِي) متفق عليه.
(ولا قزَعة) بفتح القاف والزاء أي سحاب متفرق، (وما بيننا وبين سلع) بفتح السين وسكون اللام جبل معروف بالمدينة.
(مثل الترس) أي مستديرة، (الآكام) قيل: هي الهضبة الضخمة، وقيل: هي الجبل الصغير.
стр. 922
• ما حكم الاستسقاء يوم الجمعة؟
جائز.
لحديث الباب.
• اذكر أنواع الاستسقاء التي وردت عن النبي ﷺ -؟
ورد على عدة أوجه:
الأول: استسقى يوم الجمعة وهو يخطب.
كما في حديث الباب.
الثاني: السؤال من كل واحد من الناس.
وقد استسقى النبي ﷺ بدون صلاة، كما ورد في حديث ابن عباس أن النبي ﷺ استسقى فقال (اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً مريئاً غدقاً طبقاً عاجلاً .... ) رواه ابن ماجه.
الثالث: خرج بهم إلى المصلى واستسقى بهم.
كما في حديث عبد الله بن زيد، وحديث عائشة.
• اذكر ما يقال في الدعاء عند الاستسقاء؟
أ- ما جاء في حديث الباب (اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا … ).
ب- وجاء في حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قال (أن النَّبِيَّ ﷺ دعا في الاستسقاء، فَقَالَ: (اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا، مَرِيئًا، مَرِيعًا، نَافِعًا، غَيْرَ ضَارٍّ، عَاجِلًا، غَيْرَ آجِلٍ. قَالَ: فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ السَّمَاءُ) رواه أبو داود.
قال النووي: إسناده صحيح على شرط مسلم.
الغيث: المطر. المغيث: المنقذ من الشدة. المريء: المحمود العاقبة. المريع: الذي يأتي بالريع وهو الزيادة.
فائدة: في قوله ﷺ (عاجلاً غير آجل) دليل على جواز سؤال الله بهذه الصيغة.
وبناء عليه يمكننا تقسيم الاستعجال في الدعاء إلى نوعين:
الأول: استعجال بمعنى طلب تعجيل المطلوب، وسؤال قرب وقوعه على أكمل وجه: فهذا استعجال جائز بل محمود، لأنه من باب الطمع في كرم الله وجوده وإحسانه، وهو سبحانه يرضى من عباده أن يقدروه حق قدره.
الثاني: أما الاستعجال المذموم فهو استبطاء الإجابة، والتسخط على الله ، والتشكك في جوده وكرمه، والتذمر من عدم تحقق المراد، والله لا يرضى أن يضيق قلب عبده المؤمن به. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي) متفق عليه.
стр. 923
• اذكر حالات رفع اليدين في الدعاء (متى ترفع ومتى لا ترفع)؟
القسم الأول: ما ثبت فيه رفع اليدين صريحاً عن النبي ﷺ .
وذلك في خطبة صلاة الاستسقاء وكذلك في صلاة الجمعة عند الاستسقاء.
كما في حديث الباب.
القسم الثاني: ما ثبت عدم الرفع فيه.
وذلك في الدعاء في خطبة الجمعة في غير استسقاء ولا استصحاء.
القسم الثالث: ما كان ظاهر السنة فيه عدم الرفع.
وذلك كالدعاء بين السجدتين وآخر التشهد.
القسم الرابع: ما سوى ذلك، فالأصل فيه الرفع، ولذلك كان من آداب الدعاء أن يرفع يديه في الدعاء.
• ما حكم طلب الدعاء من الرجل الصالح الحي؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: الجواز.
أ- لحديث الباب.
ب- (أن عمر طلب من أويس القرني أن يستغفر له) رواه مسلم.
ج-وقالت أم الدرداء لزوج ابنها صفوان بن عبد الله بن صفوان (أتريد الحج العام؟ قال: نعم، قالت: فادع الله لنا بخير).
د-وقال الجبار لسارة (ادعي الله لي ولا أضرك).
هـ-وقال تعالى (قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك).
القول الثاني: أنه مذموم إلا إذا قصد به نفع الداعي.
وهذا اختيار ابن تيمية.
قال ﵀: ومن قال لغيره من الناس: ادع لي - أو لنا - وقصده أن ينتفع ذلك المأمور بالدعاء وينتفع هو أيضاً بأمره ويفعل ذلك المأمور به كما يأمره بسائر فعل الخير فهو مقتد بالنبي ﷺ ، وأما إن لم يكن مقصوده إلا طلب حاجته لم يقصد نفع ذلك والإحسان إليه، فهذا ليس من المقتدين بالرسول المؤتمين به في ذلك، بل هذا من السؤال المرجوح الذي تركه إلى الرغبة إلى الله ورسوله أفضل من الرغبة إلى المخلوق وسؤاله.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- جواز تكلم الخطيب يوم الجمعة للحاجة.
- مشروعية الإلحاح في الدعاء.
- استحباب رفع اليدين حال الدعاء.
وقد قال ﷺ (إن الله ليستحيي إذا رفع العبد يديه أن يردهما صفراً) رواه أبو داود.
وقال ﷺ ( … الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه … ) رواه مسلم.
- ظهور قدرة الله الباهرة في إنزال المطر وإمساكه.
- جواز تعدد النقم التي تحل بالمسلم إذا لم يقصد بذلك التسخط من تدبير الله.
- أنه يستحب أن يدعو بهذا الدعاء: اللهم حوالينا ولا علينا ..... إذا كثر المطر وخيف منه.
стр. 924
٥١٣ - وَعَنْ أَنَسٍ; - أَنَّ عُمَرَ ﵁ (كَانَ إِذَا قَحِطُوا يَسْتَسْقِي بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ. وَقَالَ: اَللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَسْقِي إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا، فَيُسْقَوْنَ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
===
(كَانَ إِذَا قَحِطُوا) أي: أمسك عنهم المطر.
(يَسْتَسْقِي بِالْعَبَّاسِ) الاستسقاء هو طلب نزول الغيث على البلاد، وهنا طلب عمر من العباس أن يدعو الله بطلب السقيا، فمعنى يستسقي بالعباس أي: بدعائه، وذلك لقرابته من النبي ﷺ ، وما كان عليه من الديانة والتقوى.
(وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ) التوسل: ما يتقرب بها إلى الغير، فالوسيلة إلى الله تعالى هو تقرب عبده إليه بعمل صالح.
(وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا) أي: بدعائه.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
الحديث دليل على جواز التوسل بدعاء الصالحين.
وقد روى ابن سعد في الطبقات: (أن معاوية استسقى بيزيد بن الأسود الجرشي) وسنده صحيح.
• ما حكم التوسل بذوات الصالحين؟
حرام.
لحديث الباب.
وجه الدلالة: فلو كان مشروعاً لما عدل الصحابة بالتوسل بالعباس عن التوسل بالنبي ﷺ ، لأن حرمة النبي ﷺ ميتاً كحرمته حياً، وأيضاً في عهد عمر فيه الكثير من الصحابة ممن هم أفضل من العباس، ومع ذلك لم يتوسلوا بهم، قد كان حياً عثمان، وعلي، وعمر أيضاً، وهؤلاء أفضل من العباس.
وأيضاً كان قبر النبي ﷺ قريباً منهم، فلو كان التوسل جائزاً أو مشروعاً بالصالحين، أو بذواتهم أحياءً أو أمواتاً لبادروا إلى حجرة عائشة متوسلين بالنبي ﷺ لسبقهم.
ففي الحديث رد على أهل البدع الذين استدلوا بهذا الحديث على جواز التوسل بذوات الصالحين.
• ما المراد بقول عمر (وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا)؟
أي: بدعائه، وليس بذاته، ويدل لذلك:
أ-أنه جاء في رواية أن عمر قال له: قم يا عباس فادعو الله.
ب-أنه قال (اَللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَسْقِي إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا … وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا) ومعلوم أنهم كانوا يتوسلون بالنبي ﷺ بدعائه، إذاً فكذلك يتوسلون بالنسبة للعباس بدعائه.
ج-أنه لو كان المراد التوسل بالذات، لكان التوسل بذات النبي ﷺ أولى، لأنه لا أعظم من النبي ﷺ .
стр. 925
• اذكر أنواع التوسل المشروع؟
أنواع التوسل المشروع:
النوع الأول: التوسل بأسماء الله وصفاته وأفعاله.
فيتوسل إلى الله تعال بالاسم المقتضي لمطلوبه، أو بالصفة المقتضية له، أو بالفعل المقتضي له.
قال تعالى (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا).
فيقول: اللهم يا رحيم ارحمني، ويا غفور اغفر لي، ونحو ذلك.
النوع الثاني: التوسل إلى الله تعالى بالإيمان به وطاعته.
كقوله تعالى عن أولي الألباب: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا).
النوع الثالث: أن يتوسل إلى الله بدعاء من ترجى إجابته.
كطلب الصحابة ﵃ من النبي ﷺ أن يدعو الله لهم، مثل قول الرجل الذي دخل يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب فقال: ادع الله أن يغيثنا، وقول عكاشة بن محصن: ادع الله أن يجعلني منهم.
وهذا إنما يكون في حياة الداعي.
• ما حكم التوسل بالنبي ﷺ أو بغيره بعد موته؟
لا يجوز.
لأنه لا عمل له فقد انتقل إلى دار الجزاء، ولذلك لما أجدب الناس في عهد عمر بن الخطاب ﵁ لم يطلبوا من النبي ﷺ أن يستسقي لهم بل استسقى عمر بالعباس عم النبي ﷺ فقال له قم فاستسق، فقام العباس فدعا.
• ما حكم التوسل بجاه النبي ﷺ -؟
التوسل بجاه النبي ﷺ لا يجوز سواء في حياته أو بعد مماته، لأن جاه الرسول ﷺ لا ينتفع به إلا الرسول ﷺ ، وعلى هذا فلا يجوز أن يقول الإنسان: اللهم إني أسألك بجاه نبيك أن تغفر لي أو ترزقني.
والخلاصة التوسل بالنبي ﷺ أقسام:
أولاً: أن يتوسل بالإيمان به واتباعه، فهذا جائز في حياته وبعد مماته.
ثانياً: أن يتوسل بدعائه، أي بأن يطلب من الرسول ﷺ أن يدعو له، فهذا جائز في حياته لا بعد مماته، لأنه بعد مماته متعذر.
ويدل على الجواز: حديث الأعرابي الذي دخل ورسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة ....
ثالثاً: أن يتوسل بجاهه ومنزلته عند الله، فهذا لا يجوز لا في حياته ولا في مماته، لأنه ليس وسيلة.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- فضل العباس.
- أن صلاة الاستسقاء تشرع عند وجود سببها وهو القحط.
- أن الصحابة ما كانوا يأتون إلى قبر النبي ﷺ فيطلبون منه الدعاء ويتوسلون بذاته وجاهه.
- تواضع عمر.
- معرفة عمر لأهل البيت منزلتهم.
стр. 926
٥١٤ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ (أَصَابَنَا -وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اَللَّه ﷺ مَطَرٌ قَالَ: فَحَسَرَ ثَوْبَهُ، حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ اَلْمَطَرِ، وَقَالَ: "إِنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ) رَوَاهُ مُسْلِم.
===
(فَحَسَرَ ثَوْبَهُ) أي كشف.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
الحديث دليل على استحباب التعرض لأول المطر، وإخراج شيء من جسده ليناله المطر.
عن ابن عباس (أنه كان إذا أمطرت السماء قال لغلامه: أخرج رحْلي وفراشي يصيبه المطر).
• ما معنى قوله (إنه حديث عهد بربه)؟
أي بتكوين ربه له أو تنزيله.
• ما الحكمة من ذلك؟
استنبط بعض العلماء الحكمة من ذلك:
فقال بعضهم: لما كان المطر رحمة، فاستحب أن يتطلع لهذه الرحمة.
وقيل: للاعتراف بالتواضع.
стр. 927
٥١٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا رَأَى اَلْمَطَرَ قَالَ (اَللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعاً) أَخْرَجَاهُ
===
(صيباً) أي اجعله صيباً، والصيب المطر.
(نافعاً) احترازاً من الصيب الضار.
• ما الدعاء المستحب عند نزول المطر؟
يستحب أن يقول: اللهم صيباً نافعاً.
ويستحب أيضاً أن يقول: مطرنا بفضل الله ورحمته.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أن من المطر ما يكون نافعاً، ومنه ما يكون ضاراً، وعلى هذا فيستحب أن يقيد دعاءه بقوله: نافعاً.
- قول بعضهم إذا نزل المطر: اللهم زدنا، هذا دعاء غير مشروع، لأن الزيادة غير مطلوبة بذاتها، فلربما زاد المطر فكان غرقاً أو هلاكاً.
ولهذا تقدم ما نقول إذا كثر المطر، وأن النبي ﷺ قال (اللهم حوالينا ولا علينا، … ).
- استحباب قرن الدعاء بالبركة، فإذا دعا بمال أو ولد أو مركب، فإنه يسن أن يدعو أن يكون مباركاً، لأن كل شيء لا بركة فيها، فإنه لا تقع منه.
فكم من الناس كانت أموالهم نعمة عليهم وكذلك أولادهم.
وقد قال تعالى عن عيسى: (واجعلني مباركاً … ).
وكم من الناس صار علمهم غير نافع، لأنه لا بركة به، ولهذا كان من دعاء النبي ﷺ : (اللهم إني أسألك علماً نافعاً، وأعوذ بك من علم لا ينفع).
стр. 928
٥١٦ - وَعَنْ سَعْدٍ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ دَعَا فِي اَلِاسْتِسْقَاءِ: اَللَّهُمَّ جَلِّلْنَا سَحَابًا، كَثِيفًا، قَصِيفًا، دَلُوقًا، ضَحُوكًا، تُمْطِرُنَا مِنْهُ رَذَاذًا، قِطْقِطًا، سَجْلًا، يَا ذَا اَلْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ.
===
(جَلِّلْنَا سَحَابًا) أي: غطّنا.
(قَصِيفًا) أي: شديد الرعد.
(دَلُوقًا) الدلوق المنهمر بسرعة.
(ضَحُوكًا) أي: كثير البرق.
(تُمْطِرُنَا مِنْهُ رَذَاذًا) الرذاذ المطر الخفيف.
قِطْقِطًا) بكسر القاف وإسكان الطاء، أصغر من الرذاذ.
(سَجْلًا) أي: كثيراً.
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث ضعيف.
• لماذا يستحب البسط في الدعاء؟
يستحب البسط في الدعاء لأمور:
أولاً: أنه من الإلحاح في الدعاء
ثانياً: أن ذلك من شدة الاستحضار.
ثالثاً: أن فيها اظهار الافتقار لله والحاجة.
رابعاً: أن المحب يحب طول المناجاة مع محبوبه.
стр. 929
٥١٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (خَرَجَ سُلَيْمَانُ ﵇ يَسْتَسْقِي، فَرَأَى نَمْلَةً مُسْتَلْقِيَةً عَلَى ظَهْرِهَا رَافِعَةً قَوَائِمَهَا إِلَى اَلسَّمَاءِ تَقُولُ: اَللَّهُمَّ إِنَّا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِكَ، لَيْسَ بِنَا غِنًى عَنْ سُقْيَاكَ، فَقَالَ: ارْجِعُوا لَقَدْ سُقِيتُمْ بِدَعْوَةِ غَيْرِكُمْ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِم.
===
(خَرَجَ سُلَيْمَانُ ﵇ هو ابن داود، أحد أنبياء بني إسرائيل، جمع الله له بين النبوة والملك.
• ما صحة حديث الباب؟
هذا الحديث رواه أحمد والحاكم، وفي إسناده محمد بن عون وأبوه لا يعرفان، لكن جاء من طريق أخرى عند الطحاوي وفيه ضعف.
وجاء من طريق أخرى مرسلاً.
فالحديث حسن بهذه الطرق، وقد ضعفه بعضهم.
• هل يستحب إخراج الحيوانات في صلاة الاستسقاء؟
ذهب بعض العلماء إلى ذلك.
استدلالاً بحديث الباب ....
ولأن القحط أصابها كما أصاب بني آدم.
والصحيح أنه لا يستحب.
لأن النبي ﷺ لم يفعله، ولأن في خروجها إشغال للناس.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أن الاستسقاء موجود في الأمم الماضية.
- إثبات علو الله، وحتى البهائم تعترف بعلو الله.
- أنه إذا نزل المطر، فإنه لا يحتاج إلى صلاة الاستسقاء.
- عظم ملك سليمان، فقد أوتي علم منطق الحيوانات.
- فيه التوسل بأسماء الله وصفاته.
- ثبوت رسالة النبي ﷺ حيث أخبر عن هذا الأمر الغيبي.
стр. 930
٥١٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْقَى فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى اَلسَّمَاءِ) أَخْرَجَهُ مُسْلِم.
===
• على ماذا يدل الحديث؟
الحديث يدل على استحباب رفع اليدين في الاستسقاء والمبالغة في ذلك.
• اذكر أقوال العلماء في معنى الحديث؟
اختلف العلماء في الحديث على قولين:
القول الأول: أن السنة في صفة رفع اليدين أن يرفع الداعي يديه وظهورهما إلى السماء.
وهذا قول الأكثر (المالكية، والشافعية، والحنابلة).
لحديث الباب.
قالوا: إن هذا كالنص في كيفية رفع اليدين في الدعاء في الاستسقاء.
القول الثاني: أن السنة في صفة رفع اليدين أن يرفع الداعي يديه وبطونهما إلى السماء.
وهذا ظاهر مذهب الحنفية، وهو اختيار ابن تيمية.
لحديث ابن عباس مرفوعاً (إذا دعوت فادع بباطن كفيك ولا تدع بظهورهما) رواه أبو داود وفيه ضعف.
وقالوا: إن المراد بحديث الباب المبالغة في رفع اليدين، وأنه من شدة الرفع صار ظهور الكفين نحو السماء وبطونهما نحو الأرض.
وهذا هو الصحيح.
- قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين: … وينبغي في هذا الرفع أن يبالغ فيه لأن النبي ﷺ كان يبالغ فيه حتى يري بياض أبطيه ولا يرى البياض إلا مع الرفع الشديد حتى أنه جاء في صحيح مسلم أن النبي ﷺ (جعل ظهورهما نحو السماء) واختلف العلماء في تأويله:
فقال بعضهم: يجعل ظهورهما نحو السماء.
وقال بعضهم: بل رفعهما رفعاً شديداً حتى كان الرائى يرى ظهورهما نحو السماء، لأنه إذا رفع رفعاً شديداً صارت ظهورهما نحو السماء.
وهذا هو الأقرب وهو اختيار شيخ الإسلام بن تيمية ﵀، وذلك لأن الرافع يديه عند الدعاء يستجدي ويطلب، ومعلوم أن الطلب إنما يكون بباطن الكف لا بظاهره. (الشرح الممتع).
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
من أسباب إجابة الدعاء رفع اليدين.
إثبات علو الله.
تواضع النبي ﷺ .
خوف النبي ﷺ من ربه.
عبودية النبي ﷺ لربه.
مشروعية طلب الحاجات من الله.
-من أسباب إجابة الدعاء التضرع والتذلل لله. [الأحد/ ٢٠/ ٣/ ١٤٣٣ هـ].
بَابُ اَللِّبَاسِ
اللباس: ما يلبس على الجسم ليستره أو يدفئه.
وهو من نعم الله على عباده، كما قال تعالى (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ).
- الأصل في اللباس الحل.
قال تعالى (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ).
وقال تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً).
• والمحرم من اللباس إما يحرم لوصفه أو لعينه أو لعارض أو لكسبه:
لوصف فيه: كالثوب المُصوّر، وكالإسبال للرجال.
المحرم لعينه: كالحرير للرجل.
المحرم لعارض: كالمخيط للمحرم.
والمحرم لكسبه: كالمسروق والمغصوب.
стр. 931
٥١٩ - عَنْ أَبِي عَامِرٍ اَلْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ اَلْحِرَ وَالْحَرِيرَ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَصْلُهُ فِي اَلْبُخَارِيِّ.
٥٢٠ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ (نَهَى اَلنَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ اَلذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا، وَعَنْ لُبْسِ اَلْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ، وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
٥٢١ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: (نَهَى اَلنَّبِيُّ ﷺ عَنْ لُبْسِ اَلْحَرِيرِ إِلَّا مَوْضِعَ إِصْبَعَيْنِ، أَوْ ثَلَاثٍ، أَوْ أَرْبَعٍ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
٥٢٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لِعَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرِ فِي قَمِيصِ اَلْحَرِيرِ، فِي سَفَرٍ، مِنْ حكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي) أي: أمة الإجابة.
(أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ) أي: يفعلونها فعل المستحل من غير مبالاة ويتهاون بها لضعف الإيمان.
(اَلْحِرَ) وهو الفرج.
(وَالْحَرِيرَ) الحرير الحقيقي خيوط دقيقة تفرزها دودة تسمى دودة القز.
(أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ) الرخصة: ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح، وقيل: إن الأحسن في تعريفها: التسهيل لترك واجب أو فعل محرّم لسبب.
(فِي قَمِيصِ اَلْحَرِيرِ) أي: في قميصٍ من حرير.
(مِنْ حَكَّةٍ) (من) للسببية، أي: بسبب حِكةٍ.
• اذكر لفظ الحديث عند البخاري؟
قال الإمام البخاري: وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ حَدَّثَنَا عَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ الْكِلَابِيُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ الأَشْعَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنِى أَبُو عَامِرٍ - أَوْ أَبُو مَالِكٍ - الأَشْعَرِيُّ وَاللَّهِ مَا كَذَبَنِى سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ (لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِى أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ، وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ، يَأْتِيهِمْ - يَعْنِى الْفَقِيرَ - لِحَاجَةٍ فَيَقُولُوا ارْجِعْ إِلَيْنَا غَداً. فَيُبَيِّتُهُمُ اللَّهُ وَيَضَعُ الْعَلَمَ، وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة).
стр. 932
• ما صحة حديث أبي عامر الأشعري؟
حديث أبي مالك بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ رواه البخاري تعليقاً مجزوماً به، قال هشام بن عمار حدثنا صدقة.
وقد ضعفه ابن حزم بالانقطاع بين البخاري وابن هشام، والرد عليه:
قال ابن القيم: وقد طعن ابن حزم وغيره في هذا الحديث، وقالوا: لا يصح لأنه منقطع، لم يذكر البخاري من حدثه به، وإنما قال هشام بن عمار، وهذا القدح باطل لوجوه:
أولاً: أن البخاري قد لقي هشام بن عمار وسمع منه، فإذا روى عنه معنعناً حمل على الاتصال اتفاقاً.
ثانياً: أن الثقات الأثبات قد رووه عن هشام موصولاً.
ثالثاً: أنه قد صح من غير حديث هشام.
وقال ابن رجب: وهكذا ذكره البخاري في صحيحه بصيغة التعليق المجزوم به، والأقرب أنه مسند، فإن هشام بن عمار أحد شيوخ البخاري، وقد قيل: أن البخاري إذا قال في صحيحه: قال فلان، ولم يصرح بروايته عنه، وكان قد سمع منه فإنه يكون قد أخذه عنه عرضاً أو مناولة أو مذاكرة، وهذا كله لا يخرجه عن أن يكون مسنداً.
• ما حكم لبس الحرير للرجال؟ واذكر الأدلة على ذلك؟
حرام ولا يجوز.
أ- لحديث الباب.
ب-ولحديث البراءِ بن عازب ﵄ قَالَ (أمرنا رَسُول الله ﷺ بسبع، ونهانا عن سبع: أمَرَنَا بعيَادَة المَرِيض، وَاتِّبَاعِ الجَنَازَةِ، وتَشْمِيتِ العَاطسِ، وَإبْرار المُقْسِم، ونَصْرِ المَظْلُوم، وَإجَابَةِ الدَّاعِي، وَإِفْشَاءِ السَّلامِ، ونَهَانَا عَنْ خَواتِيمٍ أَوْ تَخَتُّمٍ بالذَّهَبِ، وَعَنْ شُرْبٍ بالفِضَّةِ، وَعَنْ الميَاثِرِ الحُمْرِ، وَعَنْ القَسِّيِّ، وَعَنْ لُبْسِ الحَريرِ والإسْتبْرَقِ وَالدِّيبَاجِ) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
ج-وعن أبي موسى قال (أخذ رسول الله ﷺ حريراً بشماله وذهباً بيمينه، ثم رفع بهما يديه وقال: إن هذين حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم) رواه الترمذي.
د-وعن عمر قال: قال رسول الله ﷺ (إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة) متفق عليه.
خ-وحديث الباب.
هـ_ وعن أنس. قال: قال رسول الله ﷺ (من لبس الحرير في الدنيا فلن يلبسه في الآخرة) متفق عليه.
و_ وعن عمر. قال: قال رسول الله ﷺ (لا تلبسوا الحرير، فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة) متفق عليه.
قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن لباس الحرير للنساء حلال، وأجمعوا أن النهي عن لباس الحرير إنما خوطب به الرجال دون النساء، وأنه حُظِر على الرجال وأبيحَ للنساء.
стр. 933
• ما الحكمة من تحريم الحرير على الرجال؟
أولاً: لما فيه من الإسراف والتبذير والعجب.
ثانياً: أنه ثوب رفاهية وزينة فيليق بزي النساء دون شهامة الرجال.
قال ابن القيم: حرّم - يعني الحرير - لما يورثه بملامسته للبدن من الأنوثة والتخنث وضد الشهامة والرجولة، فإن لبسه يكسب القلب صفة من صفات الإناث، ولهذا لا تكاد تجد من يلبسه في الأكثر إلا وعلى شمائله من التخنث والتأنث والرخاوة ما لا يخفى حتى لو كان من أشهم الناس، وأكثرهم فحولة ورجولية
ثالثاً: لما فيه من مشابهة الكفار والمشركين كما في حديث حذيفة ( … فإنه لهم في الدنيا، وهو لكم في الآخرة).
قال ابن حجر: واختلف في علة تحريم الحرير على الرجال على رأيين مشهوريين:
أحدهما: الفخر والخيلاء.
والثاني: لكونه ثوب رفاهية وزينة.
• هل لبس الحريم للرجال خاص بالكبار دون الصغار؟
لا، بل يحرم لبس الحرير حتى على الصغار.
لقوله ﷺ (هذان حرام على ذكور أمتي … ) والصبي من الذكور.
قال ابن تيمية: وأما لباس الحرير للصبيان الذين لم يبلغوا، ففيه قولان مشهوران للعلماء، لكن أظهرهما أنه لا يجوز، فإن ما حرم على الرجال فعله حرم عليه أن يمكّن منه الصغير.
• اذكر الحالات التي يجوز فيها لبس الحرير؟
الحالة الأولى: أن يكون الحرير في الثوب يسيراً. (وقد ضبطوا اليسير بألا يتجاوز أربع أصابع).
لحديث الباب (حديث عمر).
قال النووي: وفي هذه الرواية: إباحة العَلَم من الحرير في الثوب إذا لم يَزد على أربع أصابع، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور.
الحالة الثانية: حالة الضرورة، والحاجة إلى لبس الحرير.
لحديث أنس (أن رسول الله ﷺ رخص لعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، في القمص الحرير في السفر من حكة كانت بهما) متفق عليه.
(الحكة) هي الجرب ونحوه.
قال الشوكاني: والحديث يدل على جواز لبس الحرير لعذر الحِكة، والقمل عند الجمهور، وقد خالف في ذلك مالك، والحديث حجة عليه.
وقال ﵀: والتقييد بالسفر بيان للحال الذي كانا عليه، لا للتقييد، وقد جعل السفر بعض الشافعية قيداً في الترخيص، وهو ضعيف.
стр. 934
• ما رأيك بمن يقول إن الرخصة خاصة بعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام؟
هذا القول مردود من وجهين:
الأول: أن العبرة في نصوص الشارع بعموم لفظها لا بخصوص سببها.
الثاني: أنه قد تقرر في الأصول أن ما ثبت في حق صحابي ثبت في حق غيره، ما لم يقم دليل على اختصاصه بذلك، إذ لا فرق بين هذين الصحابيين اللذين رخص لهما النبي ﷺ في لبس الحرير عند الحاجة وبين غيرهما من أفراد الأمة في هذا.
قال ابن القيم: فالذى استقرت عليه سُنَّته ﷺ إباحةُ الحرير للنساء مطلقاً، وتحريمه على الرجال إلا لحاجةٍ ومصلحةٍ راجحةٍ، فالحاجة إمَّا من شِدَّة البرد، ولا يَجِدُ غيرَه، أو لا يجدُ سُترةً سواه، ومنها: لباسه للجرب، والمرض، والحِكةِ، وكثرة القَمْل كما دلّ عليه حديث أنس هذا الصحيح.
والجواز: أصح الروايتين عن الإمام أحمدَ، وأصحُ قولى الشافعى، إذ الأصلُ عدمُ التخصيص، والرخصةُ إذا ثبتت فى حقِّ بعض الأُمة لمعنى تعدَّتْ إلى كُلِّ مَنْ وُجِدَ فيه ذلك المعنى، إذ الحكمُ يَعُم بعُمُوم سببه.
• ما حكم لبس الحرير حال القتال والحرب؟
اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يباح لبس الحرير في الحرب مطلقاً لحاجة كان أم لا.
وهذا ذهب إليه جمع من السلف، منهم عطاء بن أبي رباح، وعروة بن الزبير، والمذهب عند الحنابلة.
أ- لحديث الشعبي قال (رخص رسول الله ﷺ في لباس الحرير عند القتال) وهذا حديث ضعيف.
ب- عن الحسن قال (كان المسلمون يلبسون الحرير في الحرب) رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى.
ج- أن المنع من لبس الحرير للرجال إنما هو من أجل ما يورثه لابسه من الخيلاء وكسر قلوب الفقراء والمساكين، والخيلاء في وقت المعركة والحرب غير مذموم.
القول الثاني: يجوز لبس الحرير للرجال عند الحاجة، أما مع عدم الحاجة فلا يجوز له لبسه.
وإليه ذهب الشافعية في الوجه الصحيح عندهم.
أ- لحديث أنس (أن رسول الله ﷺ رخص لعبد الرحمن بن عوف … ).
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ رخص لهما في لبس الحرير لحاجتهما إليه، وقد كان ذلك في الغزو، ولم يثبت أنه ﷺ رخص في لبس الحرير حال الحرب مطلقاً، فدل هذا على أنه لا يجوز لبس الحرير في الحرب إلا عند الحاجة إليه.
стр. 935
القول الثالث: تحريم الحرير مطلقاً على الرجال في الحرب وغيره.
وهو مذهب الحنفية.
لعموم الأدلة التي تدل على تحريم الحرير على الرجال مطلقاً.
والراجح القول الثاني أنه يجوز للحاجة.
فائدة: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما لباس الحرير عند القتال للضرورة فيجوز باتفاق المسلمين، وذلك بأن لا يقوم غيره مقامه في دفع السلاح والوقاية.
فائدة أخرى: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما لباسه لإرهاب العدو ففيه قولان للعلماء؛ أظهرهما أن ذلك جائز.
• ما حكم الجلوس على الحرير والديباج؟
حرام.
لقوله ( … وأن نجلس عليه).
قال الحافظ ابن حجر ﵀: قَوْله (وَأَنْ نَجْلِس عَلَيْهِ) حُجَّة قَوِيَّة لِمَنْ قَالَ بِمَنْعِ الْجُلُوس عَلَى الْحَرِير، وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور، وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن وَهْب فِي جَامِعه مِنْ حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص قَالَ: لَأَنْ أَقْعُد عَلَى الجَمْر أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْعُد عَلَى مَجْلِس مِنْ حَرِير. (الفتح).
وقال ابن القيم ﵀: لو لم يأت هذا النص لكان النهي عن لبسه متناولا لافتراشه كما هو متناول للالتحاف به، وذلك لبس لغة وشرعا، كما قال أنس: (قمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس) رواه البخاري ومسلم. ولو لم يأت اللفظ العام المتناول لافتراشه بالنهي لكان القياس المحض موجبا لتحريمه. (إعلام الموقعين).
وقال النووي: يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ اسْتِعْمَالُ الدِّيبَاجِ وَالْحَرِيرِ فِي اللُّبْسِ وَالْجُلُوسُ عَلَيْهِ وَالِاسْتِنَادُ إلَيْهِ وَالتَّغَطِّي بِهِ وَاِتِّخَاذُهُ سَتْرًا وَسَائِرُ وُجُوهِ اسْتِعْمَالِهِ، وَلَا خِلَافَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا إلَّا وَجْهًا مُنْكَرًا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرِّجَالِ الْجُلُوسُ عَلَيْهِ، وَهَذَا الْوَجْهُ بَاطِلٌ وَغَلَطٌ صَرِيحٌ مُنَابِذٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، هَذَا مَذْهَبُنَا، فَأَمَّا اللُّبْسُ فَمُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مَا سِوَاهُ فَجَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَوَافَقَنَا عَلَى تَحْرِيمِهِ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَمُحَمَّدٌ وَدَاوُد وَغَيْرُهُمْ. دَلِيلُنَا حَدِيثُ حُذَيْفَةَ، وَلِأَنَّ سَبَبَ تَحْرِيمِ اللُّبْسِ مَوْجُودٌ فِي الْبَاقِي، وَلِأَنَّهُ إذَا حَرُمَ اللُّبْسُ مَعَ الْحَاجَةِ فَغَيْرُهُ أَوْلَى .... (المجموع).
وجاء في (الموسوعة الفقهية) اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ افْتِرَاشِ النِّسَاءِ لِلْحَرِيرِ. أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلرِّجَال فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى تَحْرِيمِهِ " انتهى.
• هل هذا النهي [وهو الجلوس على الحرير والديباج] خاص بالرجال أم هو عام للرجال والنساء؟
قيل: إن تحريم الجلوس عام للرجال والنساء.
لأن الأصل التحريم، وإنما أبيح اللبس للنساء من أجل التجمل والتزين.
وقيل: إن التحريم خاص بالرجال.
وهذا هو الراجح.
стр. 936
• هل يدخل في تحريم الحرير، الحرير الصناعي؟
لا، لا يدخل.
• ما معنى قوله ﷺ (من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة)؟
فقيل: هو كناية على عدم دخول الجنة.
قال الشوكاني: والظاهر أنه كناية عن عدم دخول الجنة، وقد قال الله تعالى في أهل الجنة: (ولباسهم فيها حرير) فمن لبسه في الدنيا لم يدخل الجنة، ويدل لذلك حديث ابن عمر عند الشيخين بلفظ: قال رسول الله ﷺ (إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة) والخلاق كما في كتب اللغة وشروح الحديث: النصيب، أي من لا نصيب له في الآخرة.
وقيل: أنه لا يلبس الحرير في الجنة ويلبس غيره من الملابس.
وقيل: هذا من الوعيد الذي له حكم أمثاله من نصوص الوعيد التي تدل على أن الفعل مقتضي لهذا الحكم وقد يتخلف عنه لمانع.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- تحريم الزنا.
- تحريم الخمر.
- تحريم الغناء.
قال ابن القيم:
حب القرآن وحب ألحان الغناء … في قلب عبدٍ ليس يجتمعانِ.
- ظهور آية من آيات الله حيث وقع ما أخبر به.
- تحريم لبس الديباج، وهو ما غلظ من الحرير.
- تحريم الجلوس على الحرير والديباج.
стр. 937
٥٢٣ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ (كَسَانِي اَلنَّبِيُّ ﷺ حُلَّةً سِيَرَاءَ، فَخَرَجْتُ فِيهَا، فَرَأَيْتُ اَلْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، فَشَقَقْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ.
===
(كَسَانِي اَلنَّبِيُّ ﷺ أي: أعطاني وليس معناه ألبسني.
(حُلَّةً) الحلة إزار ورداء.
(سِيَرَاءَ) ثوب مضلع بالحرير.
(فَخَرَجْتُ فِيهَا) جاء في رواية (فلبستها).
(فَرَأَيْتُ اَلْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ) أي: أثره، لأن الغضب ليس شيئاً محسوساً، وقد جاء في رواية لمسلم (فقال: إني لم أبعث بها إليك لتلبسها، إنما بعثت بها إليك لتشققها حمراً بين النساء)، وفي رواية أخرى (شققها حمراً بين الفواطم).
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: تحريم الحرير على الرجال.
ونستفيد: حل الحرير على النساء.
• ما معنى قوله (فَرَأَيْتُ اَلْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ)؟
أي: أثره، لأمرين:
الأول: أن الغضب ليس شيئاً محسوساً.
الثاني: أن الغضب محله القلب وليس الوجه.
• هل السيراء كانت حريراً صرفاً أم لا؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
فقيل: لم تكن حريراً صِرفاً.
واختار هذا الحافظ ابن حجر.
وقيل: كانت حريراً خالصاً.
واختاره النووي. ويدل لذلك:
ما رواه علي نفسه: (أن أُكيْدر دُومة أهدى إلى النبي ﷺ ثوب حرير، فأعطاه علياً، فقال: شقِّقه حُمُراً بين الفواطم) رواه مسلم.
قال النووي: الحلة كانت حريراً محضاً، وهو الصحيح الذي يتعين القول به … ولأنها هي المحرمة، أما المختلط من حرير وغيره فلا يحرم إلا أن يكون الحرير أكثر.
стр. 938
• هل يجوز إهداء الحرير للرجال، وكذلك خاتم الذهب؟
نعم يجوز.
لأنه لا يتعين أن يستعملها هو، بل قد يبيعها أو يعطيها أحداً من نسائه.
• ما المراد بالفواطم؟
زوجته: فاطمة بنت النبي ﷺ .
وأمه: فاطمة بنت أسد.
وبنت عمه: فاطمة بنت حمرة.
وزوجة أخيه عقيل: فاطمة بنت شيبة.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- مشروعية الهدية.
- مشروعية قبول الهدية، لكن بشروط ثلاثة:
أن لا يكون خجلاً - أن لا تقع موقع الرشوة - ألا يخشى الرشوة.
- الغضب إذا انتهكت حرمات الله.
стр. 939
٥٢٤ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ: (أُحِلَّ اَلذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لِإِنَاثِ أُمَّتِي، وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهِمْ.) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث أعله ابن حبان وغيره بالانقطاع، وأن سعيد بن أبي هند لم يسمع من أبي موسى، لكنه حديث صحيح لشواهده، ومن شواهده حديث علي قال (أخذ النبي ﷺ حريراً في يمينه وذهباً في يساره وقال: هذان حرام على ذكور أمتي) رواه أبو داود وابن ماجه وزاد (حل لإناثهم).
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: تحريم لبس الحرير على الرجال.
ونستفيد: تحريم لبس الذهب على الرجال.
• اذكر بعض الأدلة على تحريم الذهب على الرجال؟
أ-حديث الباب.
عن- البراءِ بن عازب ﵄، قَالَ: أمرنا رَسُول الله ﷺ بسبع، ونهانا عن سبع: … ونَهَانَا عَنْ خَواتِيمٍ أَوْ تَخَتُّمٍ بالذَّهَبِ، وَعَنْ شُرْبٍ بالفِضَّةِ، … ) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
ج-وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ (أنه نهى عن خاتم الذهب).
د- عن ابن عباس ﵄: أن رَسُول الله ﷺ رأى خاتَماً مِنْ ذهبٍ في يدِ رجلٍ فنَزعه فطرحه، وَقالَ (يَعْمدُ أحَدُكُمْ إِلَى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَيَجْعَلُهَا في يَدِهِ!)) فقيل للرجل بعد ما ذهب رسول اللهِ ﷺ : خُذْ خَاتَمَكَ انْتَفِعْ بِهِ. قَالَ: لا والله لا آخُذُهُ أبَداً وَقَدْ طَرَحَهُ رسولُ الله ﷺ رواه مسلم.
• ما حكم لبس الحرير للصبيان؟
حرام كالكبار.
لقوله ﷺ (هذان حرام على ذكور أمتي … ) والصبي من الذكور.
قال ابن تيمية: وأما لباس الحرير للصبيان الذين لم يبلغوا، ففيه قولان مشهوران للعلماء، لكن أظهرهما أنه لا يجوز، فإن ما حرم على الرجال فعله حرم عليه أن يمكّن منه الصغير.
стр. 940
• ما حكم لبس الذهب للنساء؟
جائز مباح المحلق وغير المحلق، وهذا قول جماهير العلماء.
أ- لحديث الباب (حل لإناثهم).
وجه الدلالة: الحديث لم يستثن من الذهب شيئاً محلقاً ولا غير محلق.
ب- ولحديث جَابِر بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ (قَامَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْفِطْرِ، فَصَلَّى فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ خَطَبَ، فَلَمَّا فَرَغَ نَزَلَ فَأَتَى النِّسَاءَ، فَذَكَّرَهُنَّ وَهْوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى يَدِ بِلَالٍ وَبِلَالٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ، يُلْقِى فِيهِ النِّسَاءُ الصَّدَقَةَ. قُلْتُ لِعَطَاءٍ زَكَاةَ يَوْمِ الْفِطْرِ قَالَ لَا وَلَكِنْ صَدَقَةً يَتَصَدَّقْنَ حِينَئِذٍ، تُلْقِى فَتَخَهَا وَيُلْقِينَ. قُلْتُ أَتُرَى حَقًّا عَلَى الإِمَامِ ذَلِكَ وَيُذَكِّرُهُنَّ قَالَ إِنَّهُ لَحَقٌّ عَلَيْهِمْ، وَمَا لَهُمْ لَا يَفْعَلُونَهُ) متفق عليه.
(فتخها: هي الخواتيم العظام).
ج-عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ (شَهِدْتُ الصَّلَاةَ يَوْمَ الْفِطْرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَكُلُّهُمْ يُصَلِّيهَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ ثُمَّ يَخْطُبُ بَعْدُ، فَنَزَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فَكَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَيْهِ حِينَ يُجَلِّسُ الرِّجَالَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ يَشُقُّهُمْ حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ مَعَ بِلَالٍ فَقَالَ (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ) حَتَّى فَرَغَ مِنَ الآيَةِ كُلِّهَا ثُمَّ قَالَ حِينَ فَرَغَ «أَنْتُنَّ عَلَى ذَلِكَ». وَقَالَتِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ لَمْ يُجِبْهُ غَيْرُهَا نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا يَدْرِى الْحَسَنُ مَنْ هِيَ. قَالَ «فَتَصَدَّقْنَ» وَبَسَطَ بِلَالٌ ثَوْبَهُ فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ الْفَتَخَ وَالْخَوَاتِيمَ فِى ثَوْبِ بِلَالٍ).
وفي رواية (ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تَصَدَّقُ بِخُرْصِهَا وَسِخَابِهَا).
(فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِى قُرْطَهَا).
(بخرصها: قال الحافظ بضم الخاء وسكون الراء هي الحلقة الصغيرة من الذهب أو الفضة).
(وسخابها: قلادة تتخذ من طيب ليس فيها ذهب ولا فضة).
(قُرطها: كل ما علق على الأذن فهو قرط سواء كان ذهباً أو فضة أو غير ذلك).
د-ولحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (أن امرأة أتت رسول الله ﷺ معها ابنة لها وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب فقال لها: أتؤدين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟ قال: فخلعتهما فألقتهما إلى النبي ﷺ وقالت: هما لله ولرسوله) رواه أبو داود.
وجه الدلالة: من الواضح في هذا الحديث - وضوحاً جلياً - أن النبي ﷺ ما أنكر على الصحابية لبس السوارين، ولكنه سألها هل تؤدين الزكاة عليهما؟ ولو كان لبس السوارين محرماً لنهاها النبي ﷺ .
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- حل لبس الحرير للنساء.
- حل الذهب للنساء.
стр. 941
٥٢٥ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄; أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (إِنَّ اَللَّهَ يُحِبُّ إِذَا أَنْعَمَ عَلَى عَبْدٍ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ) رَوَاهُ اَلْبَيْهَقِيُّ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث إسناده صحيح وله شواهد تقويه:
منها: ما رواه أبو الأحوص عن أبيه قال (أتيت النبي ﷺ في ثوب دُونٍ، فقال: ألك مال؟ قلت: نعم. قال: من أي المال؟ قلت: آتاني الله من الإبل والغنم والخيل والرقيق. قال: فإذا آتاك الله مالاً فليُرَ أثر نعمته عليك وكرامته) رواه أبو داود.
- الحديث له قصة عن أبي رجاء العُطاردي قال: (خرج علينا عمران بن حصين وعليه قطرَف من خز لم نره عليه قبل ذلك ولا بعده، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: من أنعم الله عليه نعمة فإن الله يحب … ).
• ما حكم لبس الملابس الحسنة؟
يستحب لبس الملابس الحسنة، ومما يدل لذلك:
أ- حديث الباب.
ب-ولحديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله جميل يحب الجمال) رواه مسلم.
فقد أباح الإسلام لأهله التمتع بالطيبات المباحة أكلاً وشرباً، ولباساً وزينة، وطالب المكلفين برعاية الجسد، كما أمرهم بإصلاح النفس وتهذيب الروح.
• ما شروط هذا التجمل؟
هذا التجمل مشروط بشرطين:
الأول: عدم الإسراف.
الثاني: عدم الخيلاء.
قال ﷺ (كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة) رواه أحمد.
وقال ابن عباس (كل ما شئت والبس ما شئت، ما أخطأتك اثنتان: سرف أو مخيلة).
فالحديث نص في مشروعية التجمل بأنواع اللباس المشروع ما لم يصاحب ذلك إسراف ومجاوزة للحد في التبذير أو مخيلة.
والمخيلة: هي الكبر.
قال الشافعي: من نظف ثوبه قل همه.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- استحباب إظهار نعمة الله تعالى، لأن ذلك من شكرها.
- إثبات المحبة لله، فالله يحب ويُحب.
- استدل بحديث الباب على جواز لبس الخز.
والخز: ثياب مخلوطة من صوف وحرير، وهذا هو الخز الذي كان على عهد النبي ﷺ وصحابته.
стр. 942
٥٢٦ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﷺ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ الْقَسِيِّ وَالْمُعَصْفَرِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
٥٢٧ - وَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرِوٍ ﵄، قَالَ (رَأَى عَلَيَّ اَلنَّبِيُّ ﷺ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ، فَقَالَ: "أُمُّكَ أَمَرَتْكَ بِهَذَا؟) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
===
(الْقَسِيِّ) قال النووي: بفتح القاف وكسر السين المشددة، قال أهل اللغة: وغريب الحديث هي ثبات مصلعة بالحرير تعمل بالقسي، بفتح القاف، وهو موضع من بلاد مصر، وهو قرية على ساحل البحر.
(وَالْمُعَصْفَرِ) المصبوغ بالعصفر [وهو بضم العين] اسم نبات له أزهار يوجد منها صبغ أحمر.
• ما حكم لبس لباس القسي؟
حرام، لنهي النبي ﷺ عن ذلك.
• ما حكم لبس الثياب المعصفرة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه حرام لبسها.
واختار هذا القول جمع من المحققين كابن عبد البر، والنووي، وابن تيمية، وابن القيم، والشوكاني.
لأحاديث الباب فإنها نص على التحريم.
أ- حديث علي (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ الْقَسِيِّ وَالْمُعَصْفَرِ).
ب- حديث عن عبد اللهِ بن عمرو بن العاص ﵄، قَالَ (رأى النَّبيُّ ﷺ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ، فَقَالَ: أُمُّكَ أمَرَتْكَ بِهَذا؟ قلتُ: أَغْسِلُهُمَا؟ قَالَ: بَلْ أَحْرِقْهُمَا).
وفي رواية (فَقَالَ: إنَّ هَذَا مِنْ ثِيَابِ الكُفَّارِ فَلَا تَلْبَسْهَا) رواه مسلم.
فهذه الأحاديث دلالة واضحة على التحريم.
فقد أمر عبد الله بن عمرو بإحراقها.
وقال (إنها لباس الكفار).
قال ابن القيم: وهذه الأحاديث صريحة في التحريم لا معارض لها، فالعجب ممن تركها.
القول الثاني: أنه يكره.
وذهب إليه جماعة من العلماء.
واستدلوا بأدلة القول الأول، وصرفوها عن التحريم إلى الكراهة، لأنه ثبت أن النبي ﷺ لبس حلة حمراء.
لكن هذا مردود، لأن الأصل في النهي التحريم.
стр. 943
القول الثالث: يباح.
قال النووي: فأباحها جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك.
لأنه ثبت أن النبي ﷺ لبس حلة حمراء.
والراجح القول الأول القاضي بتحريم لبس الثياب المعصفرة للرجال، لقوة أدلته وصراحته في التحريم.
وأما لبس النبي ﷺ للأحمر:
فقد قال الشوكاني: الحق أنه يتوجه النهي عن المعصفر إلى نوع خاص من الأحمر، وهو المصبوغ بالعصفر، لأن العصفر يصبغ صباغاً أحمر، فما كان من الأحمر مصبوغاً بالعصفر فالنهي يتوجه إليه، وما كان من الأحمر غير مصبوغ بالعصفر فلبسه جائز، وعليه يحمل ما صح عنه ﷺ أنه لبس الحلة الحمراء.
• ما الحكمة من النهي عن لبس الثياب المعصفرة؟
أولاً: أنها لبسا الكفار.
الثاني: أنها لباس النساء.
عن عبد اللهِ بن عمرو بن العاص ﵄، قَالَ: رأى النَّبيُّ ﷺ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ، فَقَالَ: أُمُّكَ أمَرَتْكَ بِهَذا؟ قلتُ: أَغْسِلُهُمَا؟ قَالَ: (بَلْ أَحْرِقْهُمَا).
وفي رواية، فَقَالَ: إنَّ هَذَا مِنْ ثِيَابِ الكُفَّارِ فَلَا تَلْبَسْهَا) رواه مسلم.
قال النووي: قوله ﷺ (أمك أمرتك بهذا؟) معناه أنَّ هذا من لباس النساء وزيهن وأخلاقهن وأما الأمر بإحراقهما فقيل هو عقوبة وتغليظ لزجره وزجر غيره عن مثل هذا الفعل.
• ما حكم لبس الثوب الأحمر؟
اختلف العلماء في حكم لبس الثوب الأحمر على أقوال:
القول الأول: الجواز.
وهو قول المالكية، والشافعية.
أ- لحديث البراء قال (رأيت رسول الله ﷺ في حلةٍ حمراء ما رأيت شيئاً أحسن منه) متفق عليه.
ب-ولحديث أبي جحيفة قال (خرج رسول الله في حلة حمراء ثم ركزت له عنَزة فتقدم وصلى الظهر) متفق عليه.
وجه الدلالة: فهذا الحديثان وما جاء في معناهما يدلان على جواز لبس ما كان أحمر اللون من اللباس، إذ لو كان لبسه مكروهاً لما لبسه النبي ﷺ .
стр. 944
قال ابن رجب: والمقصود هاهنا: أن النبي ﷺ خرج في حلة حمراء مشمّراً، وصلى بالناس، يدل على جواز الصلاة في الثوب الأحمر، وإذا جاز لبسه في الصلاة جاز في غيرها من باب أولى.
ج-عن عامر بن عمرو. قال (رأيت رسول الله ﷺ بمنى يخطب على بغلة وعليه بُردٌ أحمر، وعليٌ أمامه يُعبِّرُ عنه) رواه أبو داود. (يعبر عنه: أي يبلغ ويردّد عنه كلامه ليسمعه الحجيج).
القول الثاني: يكره للرجل لبس الثياب الحمراء إذا كانت مُصْمَتة (حمراء كلها) مشبَّعة بالحمرة أم لا، وأما ما فيه لون آخر غير الأحمر من بياض وسواء وغيرهما فلا كراهة فيه.
وهذا مذهب الحنابلة، والحنفية، واختيار ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم.
عن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ قال (نهيت عن الثوب الأحمر، وخاتم الذهب، وأن أقرأ وأنا راكع) رواه النسائي.
ب- ولحديث عبد الله بن عمرو قال (مر على النبي ﷺ رجل عليه ثوبان أحمران، فسلم عليه فلم يرد عليه النبي ﷺ رواه أبو داود، قال الحافظ: وهو حديث ضعيف الإسناد.
ج- عن رافع بن يزيد. أن رسول الله ﷺ قال (إن الشيطان يحب الحمرة، فإياكم والحمرة) رواه الطبراني في الأوسط وهو ضعيف.
وأجاب هؤلاء عن أدلة الجواز:
قال ابن القيم: ولبس ﷺ حُلة حمراء، والحلة: إزار ورداء، ولا تكون الحُلة إلا اسماً للثوبين معاً، وغلط من ظن أنها كانت حمراء بحتاً لا يُخالطها غيره، وإنما الحلةُ الحمراء: بردان يمانيان منسوجان بخطوط حمر مع الأسود، كسائر البرود اليمنية، وهي معروفة بهذا الاسم باعتبار ما فيها من الخطوط الحمر، وإلا فالأحمر البحتُ منهي عنه أشد النهي، ثم ساق عدداً من الأدلة على المنع ثم قال: وفي جواز لبس الأحمر من الثياب والجوخ وغيرها نظر. وأما كراهته، فشديدة جداً، فكيف يُظن بالنبي ﷺ أنه لبس الأحمر القاني، كلا لقد أعاذه اللهُ منه، وإنما وقعت الشبهةُ مِنْ لفظ الحلة الحمراء.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر الأقوال في هذه المسألة وأوصلها إلى سبعة أو ثمانية أقوال، ورجح الحافظ في الفتح القول بكراهته إن كان للزينة والشهرة، وجوازه إن كان في البيوت والمهنة، ونسب هذا القول إلى ابن عباس ﵄، وكذا نسبه إلى الإمام مالك ﵀.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- وجوب إنكار المنكر.
- جواز العقوبات المالية.
- التحذير من التشبه بالكفار، وقد قال ﷺ (من تشبه بقوم فهو منهم) رواه أبو داود.
- أن التشبه يقع في اللباس كما يقع في غيره.
- شدة اتباع الصحابة للرسول ﷺ .
- تحريم التشبه بالنساء.
стр. 945
٥٢٨ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ (أَنَّهَا أَخْرَجَتْ جُبَّةَ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ مَكْفُوفَةَ اَلْجَيْبِ وَالْكُمَّيْنِ وَالْفَرْجَيْنِ، بِالدِّيبَاجِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَأَصْلُهُ فِي "مُسْلِمٍ"، وَزَادَ: (كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ حَتَّى قُبِضَتْ، فَقَبَضْتُهَا، وَكَانَ اَلنَّبِيُّ ﷺ يَلْبَسُهَا، فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى نَسْتَشْفِي بِهَا).
وَزَادَ اَلْبُخَارِيُّ فِي "اَلْأَدَبِ اَلْمُفْرَدِ (وَكَانَ يَلْبَسُهَا لِلْوَفْدِ وَالْجُمُعَةِ).
===
(جُبَّةَ) الجبة ثوب واسع مفتوح من الأمام، يلبس فوق الثياب.
(مَكْفُوفَةَ اَلْجَيْبِ) الكف عطف أطراف الثوب.
(وَالْكُمَّيْنِ) الكُم مدخل اليد.
(وَالْفَرْجَيْنِ) الشق الذي يكون أمام الثوب وخلفه.
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث إسناده حسن، لأن في إسناده المغيرة بن زياد متكلم فيه، قال الحافظ: صدوق له أوهام.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: جواز لبس الثوب الذي فيه يسير الحرير.
لقوله ﷺ : ( … بالديباج) والديباج ما غلظ من الحرير.
ففي هذا الحديث أن ما استدار حول الشق وحول الكمين كان محلى بالديباج.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- مشروعية التحلي للاجتماعات العامة كالجمعة والعيد ولقاء الوفود.
وقد قال عمر للنبي ﷺ : (ابتع هذه تتجمل بها للعيد والجمعة) فهذا يدل على أن التحلي للعيد كان معروفاً.
- جواز التبرك بآثار النبي ﷺ .
- تحريم التبرك بآثار الصالحين.
فما ذهب إليه بعض العلماء من جواز التبرك بآثار الصالحين قياساً على النبي ﷺ قول باطل:
لأن الصحابة لم يفعلوا ذلك مع غير النبي ﷺ ، ولو كان خيراً لسبقونا إليه.
سد ذريعة الشرك، لأن جواز التبرك بآثار الصالحين يفضي إلى الغلو بهم وبعبادتهم من دون الله، فوجب المنع من ذلك.
الأحد/ ٢٧/ ٣/ ١٤٣٣ هـ.
стр. 946
كِتَابُ اَلْجَنَائِزِ
٥٢٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اَللَّذَّاتِ: اَلْمَوْتِ) رَوَاهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث حسن، وفي إسناده محمد بن عمرو وهو مختلف فيه، والراجح أنه حسن الحديث ما لم يخالف.
(أَكْثِرُوا ذِكْرَ) أي: في نفوسكم، وفيما بينكم.
(هَاذِمِ) بالذال أي: قاطع.
(اَللَّذَّاتِ) أي لذات الدنيا.
• على ماذا يدل حديث الباب؟
الحديث يدل على استحباب الإكثار من ذكر الموت، في نفس الإنسان، وفيما بينه وبين الناس.
• اذكر فوائد الإكثار من الموت؟
يرقق القلب، ويرغب في الآخرة ويحث على الاجتهاد إليها، والنشاط في العبادة، ويرضى بالقليل من الدنيا، ويزهد في الدنيا، ويريح القلب من همّ الدنيا، و يمنع من الأشر والبطر والتوسع من الدنيا، ويحث على التوبة والاستدراك، ويدعو إلى التواضع وترك الكبر والظلم، ويقصر الأمل.
قال ﷺ (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الآخرة) وفي رواية (وترق القلب وتدمع العين).
قال الحسن (من أكثر من ذكر الموت هانت عليه مصائب الدنيا).
وقال بعض السلف: من أكثر من ذكر الموت أكرم بثلاثة أشياء: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، والنشاط في العبادة.
• ما مراد النبي ﷺ بالإكثار من ذكر الموت؟
مراد النبي ﷺ من الإكثار من ذكر الموت هو الاستعداد له بالعمل الصالح.
• اذكر ماذا يتضمن الإيمان بالموت؟
الإيمان بالموت يتضمن أموراً:
أولاً: تحتمه على كل من كان في الدنيا من أهل السماوات والأرض من الإنس والجن والملائكة.
قال تعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه).
وقال تعالى: (كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام).
وقال تعالى: (كل نفس ذائقة الموت).
стр. 947
ثانياً: أن كل له أجل محدود وأمد ممدود ينتهي إليه لا يتجاوزه ولا يقصر عنه.
قال تعالى: (حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا).
وقال تعالى: (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً).
ثالثاً: أن ذلك الأجل المحتوم والحد المرسوم لانتهاء كل عمر إليه لا اطلاع لنا عليه ولا علم لنا به.
قال تعالى: (وما تدري نفس ما ذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت).
رابعاً: التأهب له قبل نزوله والاستعداد لما بعده قبل حصوله.
عن ابن عمر قال: (أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك). رواه البخاري
وقال علي: (ارتحلت الدنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، ولك واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، فإن اليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل).
وقال تعالى: (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال ربّ ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت … ).
وقال تعالى: (وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول ربّ لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين).
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- التحذير من الاغترار بالدنيا.
- استحباب معرفة الأسباب التي تعين على الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، ومنها الموت.
стр. 948
٥٣٠ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ اَلْمَوْتَ لِضُرٍّ يَنْزِلُ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا فَلْيَقُلْ: اَللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ اَلْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ اَلْوَفَاةُ خَيْرًا لِي) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ) الخطاب للصحابة، والمراد هم ومن بعدهم من المسلمين عموماً.
(لِضُرٍّ يَنْزِلُ بِهِ) من فقر أو مرض أو غير ذلك من الأضرار الدنيوية، والمراد بالضر الدنيوي لرواية ابن حبان (لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به في الدنيا).
(فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ) أي: لا محالة ولا مفر.
(اَللَّهُمَّ أَحْيِنِي) دعاء.
• ما حكم تمني الموت؟
لا يجوز.
لحديث الباب.
ولحديث خباب قال: (لولا أن النبي ﷺ نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به) رواه البخاري.
• هل النهي تمني الموت نهي عام أم يجوز في أحوال؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: المنع مطلقاً.
وهذا قول القرطبي.
أ- لحديث الباب.
ب- ولحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ (لا يتمنى أحدكم الموت، إما محسناً فلعله يزداد، وإما مسيئاً فلعله يستعتب) رواه البخاري.
ج- وعنه. قال: قال ﷺ (لا يتمنى أحدكم الموت، ولا يدْعُ به من قبل أن يأتيَه، إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيراً) رواه مسلم.
стр. 949
قال القرطبي: وأما حديث أبي هريرة ففيه النهي عن تمني الموت مطلقاً لضرٍّ ولغير ضر.
القول الثاني: أنه لا يجوز لضر نزل به من فقر أو مرض وأما إذا خاف فتنة في دينه فإنه يجوز.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
أ- أن النبي ﷺ أطلق - في حديث أبي هريرة - النهي عن تمني الموت، وقيّده في حديث أنس، بأن يكون تمنيه لضر نزل به، فيحمل المطلق على المقيد.
ب- أن مطلق حديث أنس يشمل الضر الدنيوي والأخروي، لكن المراد إنما هو الضر الدنيوي فقط، بدليل رواية ابن حبان ( … لضر نزل به في الدنيا) حيث قيد الضر كونه في الدنيا.
ج- أنه قد ورد عن النبي ﷺ ما يدل على جواز الدعاء بالموت عند خوف الفتن، ففي الحديث أن النبي ﷺ قال ( … وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون) رواه أحمد.
وقال ﷺ (والذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل على القبر فيتمرغ عليه ويقول: يا ليتني كنت مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدين إلا البلاء) رواه مسلم.
فقوله ﷺ (وليس به الدين) يقتضي إباحة ذلك أن لو كان عن الدين.
قال ابن رجب: وأما تمني خوف فتنة في الدين، فإنه يجوز بغير خلاف.
وقال في موضع آخر: هو جائز عند أكثر العلماء.
• اذكر ما ورد عن السلف في تمني الموت خوف الفتنة؟
وقال عمر (اللهم كبرت سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط)
وتمنت زينب بنت جحش لما جاءها عطاء عمر فاستكثرته وقالت: اللهم لا يدركني عطاء لعمر بعدها، فماتت قبل أن يدركها عطاء ثان لعمر.
وسأل عمر بن عبد العزيز من ظن به إجابة الدعاء أن يدعو له بالموت، لما ثقلت عليه الرعية، وخشي العجز عن القيام بحقوقهم.
وطُلب كثير من السلف الصالح إلى بعض الولايات، فدعوا لأنفسهم بالموت فماتوا.
واشتهر بعضهم واطلع على بعض عمل أحدهم أو معاملته مع الله فدعا لنفسه بالموت فمات.
وكان سفيان الثوري يتمنى الموت كثيراً فسئل عن ذلك فقال: ما يدريني لعلي أدخل في بدعة، لعلي أدخل فيما لا يحل لي، لعلي أدخل في فتنة أكون قد مت فسبقت هذا.
وفي المسند عن محمود بن لبيد. عن النبي ﷺ قال (اثنتان يكرههما ابن آدم: الموت، والموت خير للمؤمن من الفتنة، ويكره قلة المال، وقلة المال أقل للحساب).
стр. 950
• ما الحكمة من تحريم تمني الإنسان الموت بسبب الضر الدنيوي؟
أولاً: أنه يدل على عدم الصبر، والمسلم مطالب بالصبر والاحتساب.
ثانياً: أن بقاء المسلم قد يكون خيراً له.
ففي الحديث - وقد سبق - (لا يتمنين أحدكم الموت، إما محسناً فلعله أن يزداد خيراً، وإما مسيئاً فلعله أن يستعتب) أي يتوب.
وعند أحمد (وأنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيراً).
قال الحافظ: فيه إشارة إلى أن المعنى في النهي عن تمني الموت والدعاء به هو انقطاع العمل بالموت، فإن الحياة يتسبب منها العمل، والعمل يحصل زيادة الثواب، ولو لم يكن إلا استمرار التوحيد فهو أفضل الأعمال.
وقد قال ﷺ (إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله).
ثالثاً: أن الإنسان لا يدري ما الأفضل له، البقاء أم الموت.
• ما الحكمة من هذا الدعاء (اللهم أحيني … ) لمن كان داعياً بالموت؟
لأن في هذا الدعاء استسلام لقضاء الله، والمسلم يقول هذا الدعاء، لأنه لا يعلم هل الخير البقاء أم في الموت، فشرع قول هذا الدعاء لأن فيه رد ذلك إلى الله الذي يعلم عاقبة الأمور.
• ما الجمع بين هذا الحديث، وقول يوسف (ربّ توفني مسلماً … )؟
قال القرطبي: قيل: قال قتادة: لم يتمنى الموت أحد، نبي ولا غيره، إلا يوسف حين تكالبت عليه النعم وجُمع له الشمل، اشتاق إلى لقاء ربه.
وقيل: إن يوسف لم يتمن الموت وإنما تمنى الموافاة على الإسلام، أي إذا جاء أجلي توفني مسلماً، وهذا هو القول في تأويل الآية عند أهل التأويل.
• قوله ﷺ (لضر نزل به) فهل معنى ذلك أنه يجوز إذا لم يكن به ضر؟
لا، لا يجوز.
لكن هذا وصف أغلبي، ولكن الغالب على النفوس أنها تتمنى الموت حين ينزل بها الضر.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أنه لا يعلم الغيب إلا الله.
- في قوله (اللهم أحيني ما كانت … ) تفويض وتسليم للقضاء.
- أن الموت قد يكون خيراً للإنسان، لقوله (ما كانت الوفاة خيراً لي).
- ثبوت علم الله للمستقبل.
следующие страницы →