وقوله ﵊ فيما رواه معاذ ﵁ قال: "كنت رديف النبي ﷺ على حمار فقال لي: "يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ "فقلت: الله ورسوله أعلم، قال: "حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به"، فقلت يا رسول الله: أفلا أبشر الناس، قال: "لا تبشرهم فيتكلوا".
وما رواه عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله حرم الله عليه النار" ١.
وما رواه جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار" ٢.
وما رواه ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من مات وهو يدعو لله ندا دخل النار" ٣.
وما رواه أبو هريرة ﵁ وقد كانوا مع رسول الله ﷺ في عزوة تبوك ثم ذكر من حديثه فقال رسول الله ﷺ : "أشهد أن لا إله إلا الله وإني رسول الله لا يلفى الله بهما عبد غير شاك فيحجب عن الجنة" ٤.
стр. 247
وما رواه جندب بن عبد الله ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "أني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، أني أنهاكم عن ذلك" ١.
وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله" ٢.
والأحاديث في هذا الموضوع كثيرة جدا، منها ما يأمر بالتوحيد، ومنها ما يحذر من الشرك وينهى عنه، ومنها ما يحذر من الوسائل والذرائع المفضية إلى الشرك حتى ولو لم تكن شركا، كل ذلك لتقرير هذا التوحيد وترسيخه في القلوب وصيانته من كل ما يخالفه.
стр. 248
الفصل الرابع: أنواع الشرك
المبحث الأول: الشرك الأكبر
...
كما أن التوحيد أنواع فكذلك الشرك أنواع بيّنها رسول الله ﷺ وحذّر من الوقوع فيها حماية لجناب التوحيد وحرصاً على أهله من الشرك أيا كان نوعه لأنه إما أن يخرج صاحبه من الإسلام ويحرمه نعمة التوحيد، ويورده النار وبئس المصير، وإما أن ينافي كماله فيحرم العبد تمام نعمة التوحيد، وقد ينتهي به إلى الخروج من الإسلام آخر الأمر، أو يخدش توحيده ويلوث صفاءه.
المبحث الأول: الشرك الأكبر
وهو اتخاذ الأنداد من دون الله، ودعوتهم ومحبتهم والتقرب إليهم من دون الله تعالى، وهو أعظم الذنوب، وأشد المحرمات لا يغفره الله تعالى لمن لم يتب منه توبة نصوحا، ولا يقبل منه صرفا ولا عدلا. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً﴾ ١.
وقال: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ ٢.
وقال: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ٣.
стр. 249
وقال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ١.
وقال: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ ٢.
وفي الحديث عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من مات وهو يدعو لله نداً دخل النار" ٣.
وعنه ﵁ قال: "سألت رسول الله ﷺ أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله نداً وهو خلقك" ٤.
وهذا النوع من أنواع الشرك ينقسم إلى أقسام:
أحدها: شرك الدعاء:
كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ ٥.
وهذا إخبار عن حال المشركين وأنهم في حال الرخاء يدعون غير الله ويسألون غيره، فإذا نزلت بهم مصيبة لجأوا إلى الله وسألوه كشف الضر عنهم، حتى إذا كشفه عنهم واستجاب لهم وتحقق مطلبهم عادوا إلى ما
стр. 250
كانوا عليه من الشرك بالله والإعراض عنه، ثم خلف من بعدهم خلف أشد منهم شركا وإعراضا فهم على شركهم وعنادهم في الرخاء والشدة فهم أسوأ حالا من أسلافهم.
فهؤلاء أشركوا مع الله تعالى غيره في الدعاء الذي هو العبادة، كما يفعله مشركوا اليوم ممن ينتسبون إلى الإسلام، وهو منهم براء كغلاة المتصوفة والرافضة وأضرابهم.
الثاني: شرك النية والقصد والإرادة:
ومن أدلته قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً وَمَنْ أَرَادَ الاخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ ٢.
стр. 251
الثالث: شرك في الطاعة:
وذلك بطاعة غير الله تعالى في معصيته سبحانه، كطاعة العلماء والأمراء والسلاطين وغيرهم، إذ "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" و"إنما الطاعة في المعروف ".
فمن أطاع أحداً في تحليل ما حرم الله تعالى أو تحريم ما أحله فقد اتخذ ذلك المطاع ربا من دون الله بقدر طاعته له، قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١.
الرابع: شرك المحبة:
بأن يصرف المحبة لغير الله تعالى مما يجب أن يكون لله، ومن أدلته قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّه﴾ ٢.
وقوله ﷺ : "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار" ٣.
стр. 252
فهذه أقسام الشرك الأكبر الذي يخرج صاحبه من الملة، ويخلده في النار إذا لم يتب منه ولا يقبل الله منه عملا، كما قال تعالى عن المشركين: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ ١.
وقال مخاطبا رسوله ﷺ : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ٢.
وقال بعد ذكر عدد من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٣.
стр. 253
المبحث الثاني: الشرك الأصغر .
وهو دون الشرك الأكبر لا يخرج من الملة، ولا يخلد صاحبه في النار، ولا يحبط غيره من الأعمال، وهو مع هذا أكبر الكبائر، ومن أشد الذنوب، وصاحبه على خطر عظيم قد يصل به على الشرك الأكبر، وأنواعه كثيرة - منها:
الحلف بغير الله تعالى:
قال ﷺ : "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" ١.
وقول: ما شاء الله وشئت:
لقوله ﷺ : "لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان" ٢.
ولما قال رجل لرسول الله ﷺ : ما شاء الله وشئت. قال: "أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده" ٣.
ومنها: الرياء
وهو العمل أو تحسينه أو تركه من أجل الناس، وفي الحديث عن رسول الله ﷺ : "أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر"، فسئل عنه
стр. 254
فقال: "الرياء"١. قال شداد بن أوس ﵁: "كنا نعد الرياء على عهد رسول الله ﷺ الشرك الأصغر" ٢.
وغير ذلك من الشرك في الأمثال والأقوال فيما هو دون الشرك الأكبر، وقد يكون هذا شركا أكبر حسب قصد فاعله أو قائله.
стр. 255
المبحث الثالث: الشرك الخفي
وهو الشرك في الإرادة والنيات كالرياء والسمعة، وهو الذي لا يكاد يسلم منه أحد إلا من عصمه الله تعالى، كما قال رسول الله ﷺ : "أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل"، فقال له من شاء الله أن يقول: وكيف نتقيه يا رسول الله؟ قال: قولوا: "اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه" ١.
ويمكن تقسيم الشرك بالنسبة إلى أنواع التوحيد إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الشرك في الربوبية: وهو نوعان:
شرك التعطيل: وهو أعظم أنواع الشرك وأقبحها، فالتعطيل أصل كل شرك وإلحاد، كشرك فرعون، وشرك الفلاسفة ومن شابههم من الملاحدة وأهل وحدة الوجود كابن عربي، وابن سبعين وابن الفارض، وكذا من عطل أسماء الرب وصفاته كغلاة الجهمية والقرامطة.
وشرك من جعل مع الله إلها آخر ولم يعطل أسماؤه ولا صفاته ولا ربوبيته: كشرك النصارى والقائلين بأن الله ثالث ثلاثة، والمجوس الذين يقولون بإلهين للخير والشر وهما النور والظلمة.
ومثلهم عباد الكواكب وغلاة عباد القبور الذين يرون الأولياء لهم
стр. 256
قدرة بعد موتهم على تفريج الكربات وقضاء الحاجات١.
القسم الثاني: الشرك في الألوهية:
وهو شرك الجاهلية الذي كانوا يعترفون بربوبية الله تعالى ولكنهم يشركون معه في ألوهيته أصنامهم ومعبوداتهم ويقولون كما حكى الله عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٢.
فلم يقبل ذلك منهم ولم ينفعهم إقرارهم واعترافهم بربوبية الله تعالى مع شركهم في ألوهيته، وهذا الشرك أكثر شرك أهل الأرض، وهو الذي من أجله بعث الرسل عليهم الصلاة والسلام وأنزلت الكتب وقامت بسببه الخصومة بين الرسل وأممهم، ويدخل تحت هذا القسم من الشرك: الشرك الأكبر، والأصغر، واللذان سلف الكلام عنهما٣.
القسم الثالث: الشرك في الأسماء والصفات: وهو نوعان:
أولهما: شرك من شبه الله تعالى بخلقه كمن يقول: له يد كيدي، أو استواء كاستوائي، أو سمع كسمعي أو نحو ذلك، وهذا هو شرك المشبهة.
стр. 257
وثانيهما: تسمية الآلهة بأسماء الله تعالى كتسمية المشركين آلهتهم بأسماء مشتقة من أسماء الله تعالى، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الاسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١.
قال ابن عباس ﵁: يلحدون في أسمائه: يشركون، سموا اللات من الإله، والعزى من العزيز
стр. 258
الفصل الخامس: منهج الرسول ﷺ في حماية التوحيد
تقدم الكلام عن منهجه ﵊ في دعوته إلى التوحيد، وجهاده في سبيله، وكيف كانت دعوته ﵊ كلها تدور حول التوحيد، وتحقيقه، وترسيخه في النفوس، لأنه أول واجب على العبد، وأساس إيمانه، كما كان مفتاح دعوة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وفي الوقت نفسه بيّن الشرك المضاد لهذا التوحيد وحذّر منه، ونهى عنه وبيّن أنواعه، وخطورته على الناس وعواقبه الوخيمة في الدنيا والآخرة.
سار ﵊ على هذا المنهج وربى عليه أصحابه ﵃ حتى علت كلمة التوحيد، ورفرفت راية العقيدة، واختفى الشرك، وتحطمت معاقله، وسار الناس على المحجة البيضاء ليلها كنهارها.
واستمر جهاد رسول الله ﷺ بعد ذلك في حماية هذا التوحيد، وحراسة حماه، وكان ﵊ دائم التعليم لأصحابه يبين لهم فضل الله عليهم بهذا التوحيد وما أعد لأهله من الأجر العظيم والثواب الجزيل، ويحذرهم وينهاهم عن كل ما يخالفه أو يخل به، أو يكدر صفوه، أو يكون ذريعة إلى شيء من ذلك، وما توعد الله به أعداء توحيده، وخصوم أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام الذين أرسلهم ليخرجوا الناس من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد.
стр. 259
وقام صرح عقيدة التوحيد واشتد، ورسول الله ﷺ قائم على حمايته خير قيام وأعظمه وأكمله، وسطع نور التوحيد وظهر في أنصع صوره وأجملها وأنقاها، وما ترك ﵊ شيئا يخل بهذه الصورة إلا حذر منه ونهى عنه وإن لم يكن في نفسه شركا، سدا للذريعة، وحماية لجانب هذا التوحيد، وحراسة لحماه بكافة أنواعه.
стр. 260
المبحث الأول: منهجه ﵊ في حماية توحيد الربوبية
عني الرسول ﷺ بهذا النوع من التوحيد عناية كبيرة مع أنه بعث في مجتمع لا ينكر ربوبية الخالق ، فأكد على هذا النوع من التوحيد، وبيّن دلائله، وشواهده، وجاءت الآيات والأحاديث تبيّن ذلك وتؤكده لأمور أهمها:
١) بيان أن الله تعالى هو المتفرد بالربوبية المطلقة التي لا يشاركه فيها أحد، فهو رب كل شيء ومليكه، وهو القادر على كل شيء، وله الخلق والأمر كلهم مخلوقون مربوبون، وهذا يستدعي العناية والحماية له لما له من أهمية في معرفة العبد ربه ، ولما له من ارتباط بغيره من أنواع التوحيد الأخرى.
٢) أنه وجد من أنكر ربوبية الله تعالى، ونسب ما يجب لله لغيره، وإن كان ذلك قليلا، فكان لا بد من بيان ذلك والرد عليه.
٣) أنه قد يأتي في زمن من الأزمنة من يقع في مثل ذلك، كما هو الحال في زماننا الذي انتشر فيه الإلحاد وإنكار ربوبية الله ، كالشيوعية الملحدة، وما يعتقده غلاة الصوفية في أوليائهم وغلاة الرافضة في أئمتهم، فكان من الضروري، العناية بهذا النوع من التوحيد.
إلزام الذين يقرون بهذا النوع بالإقرار بأنواع التوحيد الأخرى وإلا فلا معنى لإقرارهم بتوحيد الربوبية ولا ينفعهم ذلك، فقد كانت
стр. 261
١) الآيات من القرآن الكريم تنزل على رسول الله ﷺ تدعوهم إلى التفكر في آيات الله في الكون وأنه تعالى خالق كل شيء ومدبره ليؤكد ما يقرون به، من هذا التوحيد، ويحتج عليهم به، ويعيب عليهم تفريقهم بين توحيد الربوبية والألوهية، مع تلازمهما.
فلا يكفي توحيد الربوبية دون توحيد الألوهية، ولا يتأتى توحيد الألوهية دون توحيد الربوبية، بل هما متلازمان، فتوحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية والعبادة يتضمن توحيد الربوبية ولا يتم إلا به.
стр. 262
المبحث الثاني: منهجه ﵊ في حماية توحيد الألوهية
كان لتوحيد الألوهية والعبادة الاهتمام الأول في العناية والحماية، فهو الذي كان ينكره المشركون ويردّون دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام إليه، ويعجبون منها، كما قال الله تعالى حكاية عن المشركين: ﴿أَجَعَلَ الالِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ١.
ولهذا فقد بين رسول الله ﷺ هذا التوحيد أتم بيان ودعا إليه أعظم دعوة، وجلُّ القرآن الكريم نزل ليقرر هذا النوع من التوحيد ويدعو إليه، وجاهد رسول الله ﷺ في ذلك أعظم جهاد، وقام في حمايته وصيانة حماه حتى أتاه اليقين، بل إنه وهو في الرمق الأخير، وهو يعالج نزع الروح يبين لأمته أهمية هذا التوحيد، كما ربى أصحابه ﵃ على ذلك ليكونوا جنودا وحماة لهذا التوحيد ويسلّموا هذه الأمانة إلى من بعدهم صافية نقية، وقد كانوا كذلك ﵃ وأرضاهم.
وفيما يلي بعض الأمثلة من حماية رسول الله ﷺ لهذا النوع من التوحيد وبيانه والنهي عن كل ما يضاده من شرك أو بدعة أو يكون وسيلة وذريعة إلى ذلك وإن لم يكن في نفسه شركا.
стр. 263
أولا: النهي عن الغلو والإطراء
الغلو أصل كل شر وبلاء في الدين، فهو أصل الشرك والانحراف الذي صار طريق كل هالك وسبيل كل ضال، والإطراء باب من أبوابه ووسيلة من أعظم وسائله، فالغلو هو الذي كان سببا في وقوع الشرك في الأرض بعد أن لم يكن، ثم صار بعد أساس كل شرك يقع في كل زمان ومكان،
فهو سبب كفر النصارى، وشركهم الذين قال الله عنهم: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ ١.
ولهذا حذر الرسول ﷺ أمته من ذلك، ومن كل وسيلة قد توصل إليه خوفا على أمته وحماية لجناب التوحيد، فنهاهم عن الغلو في الدين وحذرهم منه، وعن إطرائه أو تجاوز الحد في مدحه والثناء عليه، لئلا يقعوا فيما وقع فيه غيرهم، فكان سبب هلاكهم، فذم التنطع وحذر منه وهو أول سهم من سهام الغلو، فقال ﷺ : "هلك المتنطعون" ٢ قالها ثلاثا.
وكان ﷺ لا يحب المتعمقين، فقد روى أبو هريرة ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الوصال في الصوم فقال رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول الله، قال: "وأيكم مثلي؟ إني أبيت يطعمني ربي ويسقين".
стр. 264
فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال أقبل بهم يوما ثم يوما، ثم أراد الهلاك، فقال: "لو تأخر لزدتكم"، كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا"١.
وكان الصحابة أقل الأمة تكلفا، اقتداء بنبيهم ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ ٢.
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: "من كان مستنا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد، كانوا أفضل هذه الأمة: أبرها قلوبا واعمقها علما، وأقلها تكلفا، اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على أثرهم وسيرتهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم"٣.
وقال أنس ﵁:"كنا عند عمر ﵁ فسمعته يقول: نهينا عن التكلف".
وقال مالك: قال عمر بن عبد العزيز: "سن رسول الله ﷺ وولاة الأمور بعده سننا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها، ولا النظر فيما خالفهما، من اقتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا"٤.
стр. 265
وقال مالك: بلغني أن عمر بن الخطاب كان يقول:"سُنتْ لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض، وتُرِكتم على الواضحة، إلا أن تميلوا بالناس يمينا وشمالا"١.
وقال ﷺ : "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين" ٢.
فأخبر أن الغالين يحرفون ما جاء به، والمبطلين، ينتحلون بباطلهم غير ما كان غير ما كان عليه، والجاهلون يتأولونه على غير تأويله، وفساد الإسلام من هؤلاء الطوائف الثلاثة، فلولا أن الله تعالى يقيم لدينه من ينفي عنه ذلك لجرى عليه ما جرى على أديان الأبياء مثله من هؤلاء٣.
وحذر ﵊ من الغلو فقال: "إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو" ٤، وسد الذرائع الموصلة إليه، فنهى عن الإطراء وقال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله" ٥.
стр. 266
فقد كان الإطراء والغلو سببا لكفر النصارى وقولهم في عيسى ﵇ غير الحق.
وأخبر عن هلاك المتنطعين فقال: "هلك المتنطعون" ١.
وأنكر على أصحابه المبالغة في المدح والثناء عليه خوفا عليهم من مجاوزة الحد إلى النهي عنه، وحماية لعقيدة التوحيد من أن يمسها دنس واحتياطا في الحفاظ عليها حتى من الأمور التي قد لا تكون في الواقع شركا أو بدعة، روى عبد الله بن الشخير ﵁ قال: "انطلقت في وفد بني عامر إلى النبي ﷺ فقلنا: أنت سيدنا، فقال: "السيد الله ﵎"، قلنا: وأفضلنا فضلا، وأعظمنا طولا، فقال: "قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان" ٢.
وروى أنس ﵁: أن أناسا قالوا: يا رسول الله، يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، فقال: "يا أيها الناس قولوا بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد عبد الله ورسوله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله " ٣.
فالنبي ﷺ لما أكمل الله له مقام العبودية صار يكره أن يمدح صيانة لهذا المقام، وأرشد أمته إلى ترك ذلك نصحا لهم وحماية لمقام التوحيد أن يدخله ما يفسده، أو يضعفه من الشرك ووسائله٤.
стр. 267
والنهي عن الغلو عام في كل أمر من أمور الدين وأول ذلك أمر العقيدة التي هي أساس الدين وأصله.
والنهي عن الإطراء ومجاوزة الحد في شخصه ﵊، وغيره من باب أولى أيا كان ذلك الغير ملكا أو نبيا أو صالحا أو غير ذلك، وما أكثر من استزلهم الشيطان فوقعوا فيما نهى الله عنه ورسوله ﷺ ، وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل، وأضلهم عن الهدى بدعوى المحبة والوسيلة، والتقرب إلى الله تعالى، حتى صدق على كثير منهم قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ ١.
وقوله: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٢.
وقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٣.
стр. 268
وإنما المحبة الصحيحة والوسيلة الصالحة في اقتفاء أثر رسوله ﷺ وصحابته والتابعين لهم بإحسان والسير على طريقهم الذي هو صراط الله المستقيم كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١.
وكما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ ٢.
وقال بعد ذكر عدد من الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ ٣.
стр. 269
ثانيا: زيارة القبور والنهي عن اتخاذها مساجد:
وهذا الموضوع له أهمية عظيمة نظرا لما له من الأثر المباشر في عقيدة التوحيد قديما وحديثا، وما حصل بسببه من الفتن التي أدت بكثير من أهلها إلى الشرك بالله ، ولهذا فقد كان له أهميته العظيمة، ومن أهم ما اهتم به رسول الله ﷺ ، فبيّن الهدى فيه وأمر به، وحذر من الانحراف عنه وما يترتب على ذلك من عواقب وخيمة وفتن عظيمة.
والكلام عن هذا الموضوع الهام يتلخص في عدة أمور:
الأمر الأول: الحكمة من زيارة القبور
لقد بيّن ﵊ الحكمة التي من أجلها شرعت زيارة القبور وهي أمران:
أحدهما: تذكر الآخرة، والاعتبار بحال أهل القبور وما سينتهي إليه كل إنسان كما قال ﷺ : "فزوروا القبور فإنها تذكركم الموت" ١.
فقد بيّن ﵊ الغاية من زيارة القبور وأنها تذكر بالآخرة، وما ينبغي للزائر أن يكون قصده من زيارته للقبور، وهذه حكمة عظيمة تبعث في نفس المؤمن الاستعداد للموت والدار الآخرة، وتحذر من الغفلة والاغترار بالدنيا، وهذه حكمة عظيمة لو عقلها المسلمون.
стр. 270
ثانيهما: من الحكمة في زيارة القبور: الدعاء للميت والاستغفار له والترحم عليه، وهذه حكمة أخرى من زيارة القبور، وهي حق للميت على الحي، إذ الميت قد انقطع عمله، وهو في أمس الحاجة وأشدها إلى من يدعو الله له بالمغفرة والرحمة.
فالزائر للقبور على الوجه المشروع تتحقق له هذه الحكمة، ويجمع بين خيرين له وللميت، فله بتذكر الآخرة والاستعداد لها، ونيل ثواب الزيارة وأجرها، وللميت بما حصل له من الاستغفار والدعاء.
هذا هو الذي شرعه رسول الله ﷺ في زيارة القبور والحكمة منها.
ولكن المشركين عكسوا ذلك فجعلوا الزيارة لدعاء الميت والتوسل به وليس للدعاء له فيعود الزائر مأزورا لا مأجورا، فيجمع بين شرين، ويحرم الميت من حصول الدعاء له بسبب مخالفة هدي رسول الله ﷺ وسنته١.
الأمر الثاني: الزيارة الشرعية
بين رسول الله ﷺ كيفية الزيارة الشرعية للقبور بقوله وعمله، وعلمها أصحابه وعملوا بها كما علمهم ﵊، فعن أم المؤمنين عائشة ﵂: أن جبريل ﵇ أتى رسول الله ﷺ فقال: "إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم"، قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: "قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم
стр. 271
لاحقون" ١.
وعنها ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ كلما كان ليلتها منه يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غدا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل البقيع الغرقد" ٢.
وكان رسول الله ﷺ قد نهى عن زيارة القبور أول الأمر سدا للذريعة، ثم أذن فيها حين تمكن التوحيد في القلوب، وبين الزيارة المشروعة وأمر بها، ونهى عن كل ما يخالفها وحذر منه أشد التحذير.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "زوروا القبور فإنها تذكر الموت" ٣.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: "زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال: "استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزورها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت" ٤.
وعن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :" كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فمن أراد أن يزور فليزر، ولا تقولوا هجرا" ٥.
стр. 272
فقد بين ﷺ الزيارة الشرعية قولاً وعملاً أتم بيان، وأتبعه على ذلك أصحابه ﵃ في حياته وبعد مماته.
فالزيارة الشرعية يقصد بها السلام عليهم والدعاء لهم، كما يقصد الصلاة على أحدهم إذا مات فيصلى صلاة الجنازة، فهذه الزيارة الشرعية١.
فالحي محتاج إلى اتباع السنة، والحصول على الأجر والثواب، وتذكر الآخرة، والميت محتاج أمس الحاجة إلى من يدعو له ويستغفر أو يترحم عليه، وتحقيق هاتين المصلحتين كانت هدف الشارع من مشروعية زيارة القبور، وما خرج عن ذلك فهو ابتداع لا اتباع وشرك أو ذريعة له.
فهذه الزيارة الشرعية المستفادة من الأحاديث النبوية، وعليها درج الصحابة والتابعون وتابعوهم بإحسان، إنما فيها التذكر بالقبور والاعتبار بأهلها والدعاء لهم والترحم عليهم، وسؤال الله العفو عنهم، فمن ادعى فيها غير هذا طولب بالبرهان، وأنى له ذلك، ومن أين يطلبه، بل كذب
стр. 273
وافترى، وقفا ما ليس له به علم، بل إن العلوم الشرعية دالة على ضلاله وجهله.
الأمر الثالث: الزيارة غير الشرعية
وهي إما شركية كزيارة المشركين للقبور لدعاء الموتى وسؤالهم الحوائج من دون الله ، واعتقاد أنهم يقدرون على ذلك.
وأما بدعية مفضية إلى الشرك كتحري الدعاء عند القبور واعتقاد أنه افضل منه في مكان آخر، أو أن التوسل بهم إلى الله ﵎ يقتضي الإجابة.
وكلا الزيارتين باطلتان مخالفتان لما شرعه رسول الله ﷺ في زيارة القبور، وما سار عليه سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ﵃، كما تقدم من الأحاديث الصريحة الصحيحة.
إذ الناس في هذا الباب – أعني زيارة القبور – ثلاثة أقسام: قوم يزورون١ الموتى فيدعون لهم، وهذه هي الزيارة الشرعية، وقوم يزورونهم يدعون بهم وهؤلاء المشركون في الألوهية والمحبة، وقوم يزورونهم فيدعونهم أنفسهم، وقد قال النبي ﷺ : "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" ٢، وهؤلاء المشركون في الربوبية٣.
стр. 274
وهذه الزيارة هي التي فتحت أبواب الشرك والبدع على المسلمين، إذ جعل أهلها القبور مقصدا لمن أراد الدعاء وطلب الحاجات وتفريج الكربات، وعظموها أشد من تعظيم بيوت الله تعالى فيعطونها من التعظيم والاحترام والخشوع والخضوع ما لا يفعلون بعضه في المساجد التي هي مكان العبادة والصلاة وذكر الله وسؤاله، فبذلك سعوا إلى عمارة القبور والمشاهد والبناء عليها واسراجها والدعوة إليها، وخراب المساجد وهجرها، وتقليل مكانتها وعظمتها في نفوس المسلمين.
وقد آل الأمر بهؤلاء الضلال المشركين إلى أن شرعوا للقبور حجا، ووضعوا له مناسك، حتى صنف بعض غلاتهم في ذلك وسماه "مناسك حج المشاهد" مضاهاة منه بالقبور للبيت الحرام، ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام، ودخول في دين عبادة الأصنام، فانظر إلى هذا التباين العظيم بين ما شرعه رسول الله ﷺ وقصده، من النهي عما تقدم ذكره في القبور، وبين ما شرعه هؤلاء وقصدوه، ولا ريب أن في ذلك من المفاسد ما يعجز العبد عن حصره١.
والذين هذا حالهم في زيارتهم للقبور قد تنكبوا الصواب، وغفلوا عن الرشد، وكان أولى لهم من زيارة قبور من يعتقدون صلاحهم للتوسل كان أولى لهم أن يقتدوا بهم في أعمالهم ويتبعوا سبيلهم، يخافون من الله كما يخافون، ويرجون رحمته كما كانوا يرجون. قال الله جل شأنه:
стр. 275
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ ١.
وقبلها قوله : ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ ٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وهؤلاء الفضلاء من الأئمة إنما ينبغي محبتهم واتباعهم، وإحياء ما أحيوه من الدين، والدعاء لهم بالمغفرة والرحمة والرضوان، ونحو ذلك.
وأما اتخاذ قبورهم أعيادا، فهو مما حرمه الله ورسوله، واعتياد قصد هذه القبور في وقت معين، أو الاجتماع العام عندها في وقت معين، وهو اتخاذها عيدا –كما تقدم – ولا أعلم بين المسلمين، أهل العلم في ذلك خلافا، ولا يغتر بكثرة العادات الفاسدة، فإن هذا من التشبه بأهل الكتابين، الذي أخبرنا النبي ﷺ أنه كائن في هذه الأمة.
وأصل ذلك إنما هو اعتقاد فضل الدعاء عندها، وإلا فلو لم يقم هذا الاعتقاد بالقلوب انمحي ذلك كله، فإذا كان قصدها للدعاء يجر هذه المفاسد كان حراماً، كالصلاة عندها وأولى، وكان ذلك فتنة للخلق، وفتحا لباب الشرك، وإغلاقا لباب الإيمان"٣.
стр. 276
ولقد كان حرص رسول الله ﷺ في هذا الباب شديدا، فبين المشروع من ذلك بياناً واضحاً جلياً وأمر به وحث عليه، وحذر مما يخالفه أو يكون وسيلة وذريعة إليه أشد التحذير، إذ هو سبب كل شر، وأصل كل شرك في الأرض منذ ظهر الشرك أول ما ظهر في قوم نوح ﵇.
الرابع: بعض ما ورد عن رسول الله ﷺ في التحذير والنهي عن ذلك:
فمن ذلك ما روته أم المؤمنين عائشة ﵂ أن أم المؤمنين أم سلمة ﵂ وأم حبيبة ﵂ ذكرتا لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجد، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله" ١ متفق عليه.
ولهما أيضا عنها ﵂ قالت: "لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة على وجهه فإذا اغتم كشفها فقال وهو كذلك: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، يحذر ما صنعوا ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا٢.
وعن جندب بن عبد الله ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن
стр. 277
من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك" ١.
واتخاذ القبور مساجد يشمل ثلاثة معاني:
الأول: السجود إليها واستقبالها عند الصلاة والدعاء
فقد كانوا يسجدون لها تعظيما، ويتوجهون إليها في صلاتهم، فلذلك لعنهم رسول الله ﷺ ، ونهى أمته عن مشابهتهم بعمل مثل هذه الأعمال كما جاء في الأحاديث السابقة وكما في حديث أبي مرثد الفنوي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها" ٢.
الثاني: بناء المساجد على القبور وقصد الصلاة فيها
وهذا يشمل بناء المساجد على القبور أو إدخال القبور في المساجد، فالعلة الموجودة للنهي قائمة على كلا المعنيين، وقد ذكر البخاري رحمه الله تعالى ذلك في بابين:
أحدهما: باب ما يكره من اتخاذ القبور، وأورد تحته حديث عائشة ﵂ المتقدم، والذي فيه لعن رسول الله ﷺ لليهود والنصارى، وأثرا عما حدث لامرأة الحسن بن الحسن بن عليّ ﵄ ونصه: "لما مات الحسن بن الحسن بن عليّ ﵃ ضربت امرأته
стр. 278
قبة على قبره سنة، ثم رُفعت، فسمعوا صائحا يقول: ألا هل وجدوا ما فقدوا؟ فأجابه الآخر: بل يئسوا فانقلبوا".
والآخر: باب بناء المسجد على القبر، وأورد فيه حديث عائشة ﵂ فيما رأته أم سلمة وأم حبيبة ﵄ في أرض الحبشة، وقد تقدم نصه.
وفي شرح حديث عائشة ﵂ في الباب الأول أورد الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى قول الكرماني: "مفاد الحديث منع اتخاذ القبر مسجدا، ومدلول الترجمة اتخاذ المسجد على القبر، ومفهومهما متغاير، ويجاب بأنهما متلازمان وإن تغاير المفهوم"١.
الثالث: من معاني اتخاذ القبور مساجد: الصلاة على القبور والسجود عليها: كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ "أن رسول الله ﷺ نهى أن يبنى على القبور أو يقعد عليها أو يصلي عليها" ٢.
والأحاديث الواردة في النهي عن ذلك تشمل هذه المعاني الثلاثة لأنها جميعا مما ورد النهي عنه، وهي إما شرك أو ذريعة إليه.
وتخصيص قبور الأنبياء في كثير من الأحاديث، لأن اتخاذها مساجد وقصد الصلاة والدعاء عندها أكثر من غيره، وتعلق الناس بها أعظم. ومن الأحاديث في التحذير من ذلك إضافة إلى ما سبق:
стр. 279
حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتدّ غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ١. وقد استجاب الله دعاء رسوله محمد ﷺ وحمى قبره من أن يتخذ عيدا أو وثنا، فما هذه الحماية التي يسخر الله لها من شاء إلا استجابة له ﵊، قال ابن القيم الجوزية في النونية:
فأجاب رب العالمين دعاءه ... وأحاطه بثلاثة الجدران
حتى غدت أرجاؤه بدعائه ... في عزة وحماية وصيان
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" ٢. فقوله ﵊: "لا تجعلوا بيوتكم قبورا" معناه: بعدم الصلاة وقراءة القرآن والدعاء فيها، وهذا حث منه ﷺ على إعطاء البيوت قسطا من نوافل العبادات لما في ذلك من الحكم والمنافع العظيمة، ومفهوم هذا القول منه ﷺ أن القبور يجب أن تكون خالية من هذه الأمور.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "أي لا تعطلوها من الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحري العبادة في البيوت، ونهى عن تحريها عند القبور، عكس ما يفعله المشركون
стр. 280
من النصارى ومن تشبه بهم من هذه الأمة"١
وعن ابن عمر ﵄ مر فوعا: "اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا" ٢. وعن أبي هريرة ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان يفر من البيت الذي يسمع سورة البقرة تقرأ فيه" ٣.
وهان الحديثان يدلان على ما دل عليه الحديث الأول من النهي عن تشبيه البيوت بالمقابر في عدم الصلاة والدعاء وقراء القرآن فيها، والحث على تخصيص شيء من النوافل في البيوت، وذلك يتضمن – كم سبق ذكره – النهي عن فعل شيء من ذلك عند القبور.
وعن عبد الله بن مسعود ﷺ أن رسول الله قال: "إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون قبور أنبيائهم مساجد" ٤.
وعن جابر ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبر، وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه بناء" ٥.
ومن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة
стр. 281
مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" ١.
وهذه الأحاديث وغيرها كثير كلها تنهى وتحذر أشد التحذير من الغلو في القبور والتوسل بأهلها، واتخاذها مساجد ومجاوزة الحد المشروع في تعظيمها وتخصيصها بالدعاء، واعتقاد أفضلية شيء من العبادة عندها، واتخاذها أعيادا ورفعها والبناء عليها وتجصيصها واتخاذ السرج عليها، وشد الرحال لزيارتها- عدا ما ورد في الحديث السابق- وكل ما خرج عن الحدّ الشرعي الثابت عن رسول الله ﷺ ، كل ذلك كان حرصا منه ﵊ على عقيدة التوحيد لتبقى طاهرة صافية نقية، وسد كل طرق الشرك أو ذرائعه حتى ولو لم تكن شركا في نفسها، لئلا يمس جانب هذه العقيدة دنس من الشرك، أو بدعة، وعلى الأخص ما يتعلق بالقبور وأهلها فقد اهتم به أعظم اهتمام حتى في اللحظات الأخيرة من حياته ﵊، وفي وقت النزع والاحتضار لأن هذا الباب هو الذي دخل منه الشرك على الناس على مدار التاريخ وأخطر معول يهدم بناء التوحيد الذي بناه الأنبياء والمرسلون عليهم الصلاة والسلام بوحي من ربهم جل شأنه وتعالى ذكره، وتوحيد العبادة على وجه الخصوص وهو التوحيد الذي كان أول ما دعا غليه الرسل جميعا عليهم الصلاة والسلام أممهم وقامت بينهم الخصومة فيه بل وقد يفضي غلو بعض الناس في القبور وأهلها إلى الإخلال بتوحيد الربوبية والعياذ بالله تعالى.
стр. 282
وكما حذر رسول الله ﷺ ونهى عن الشرك وذرائعه في هذا الباب الخطير بين الطريق المشروع ووضحه ودعا إليه الناس جميعا، وسار عليه هو وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، ورباهم حماة لهذه العقيدة مجاهدين في سبيلها، ودعاة إليها، على ذلك المنهج القويم والصراط المستقيم الذين أنزله ربهم ﵎، وبينه رسوله ﷺ .
"فلو كان الدعاء عند القبور والصلاة عندها والتبرك بها فضيلة أو سنة أو مباحا لنصب المهاجرون والأنصار علما لذلك، ودعوا عنده، وسنوا ذلك لمن بعدهم، ولكن كانوا أعلم بالله ورسوله ودينه من الخلوف التي خلفت بعدهم، وكذلك التابعون لهم بإحسان راحوا على هذا السبيل، وقد كان عندهم من قبور أصحاب رسول الله ﷺ بالأمصار عدد كثير، وهم متوافرون، فما منهم من استغاث عند قبر صاحب، ولا دعاه ولا دعا به، ولا دعا عنده ولا استشفى به، ولا استسقى به ولا استنصر به، ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، بل على نقل ما هو دونه١.
بل الثابت ضد ذلك أنهم كانوا ينهون عن اقل من ذلك، كما ثبت أن عمر بن الخطاب ﵁ قطع الشجرة التي بايع تحتها أصحاب رسول الله: وكما أنكر ﵁ على أنس صلاته عند القبر، وقال له: "القبر، القبر"٢.
стр. 283
وكما فعل الصحابة ﵃ بقبر دانيال لما فتحوا تستر١، إذا حفروا قبورا متفرقة ودفنوه ليلا في إحداها وسووا القبور جميعا لئلا يعرفه الناس٢.
وهذه ثمرة تربية رسول الله ﷺ لهؤلاء الأخيار الذين كانوا جنودا أقوياء لهذه العقيدة، وحراسا أوفياء لها، يحبون ويعظمون ما أحبه الله ورسله وعظمه ويكرهون ويحرمون ما كرهه الله ورسوله وحرمه.
وإنما دين الله تعالى تعظيم بيوت الله وحده لا شريك له، وهي المساجد التي تشرع فيها الصلوات جماعة وغير جماعة، والاعتكاف وسائر العبادات البدنية والقلبية من القراءة والذكر والدعاء لله، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ٤.
ثالثا: التبرك:
وهو اعتقاد البركة في شيء من الأشياء والتماسها منه سواء كان ذلك الشيء شخصا، أو غيره من شجر وحجر، وبقعة، وقبر وغير ذلك.
وهو باب خطير، دخلت منه على الإسلام والمسلمين شرور كثيرة لبست ثوب الحق والخير والاتباع، فزلت أقدام كثير من الناس، ووقع في الشرك كثير منهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ولفقت لذلك الأكاذيب وزوّرت في ذلك أحاديث نسبت إلى رسول الله ﷺ كذبا وبهتانا، ونسجت الأقاويل والأباطيل، وعزيت إلى كثير من سلف الأمة وعلمائها زورا وضلالا، كما كان المشركون من الأمم السابقة يعكفون على قبور الأنبياء والصالحين ويتخذونها أعيادا ويعتقدون فيها جلب البركة والنفع ودفع الضر، وسرى ذلك في هذه الأمة مصدقا لقوله ﷺ : "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا حجر ضبٍّ لدخلتموه"، قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟ " ١.
وقوله ﵊ في حديث أبي واقد الليثي ﵁ الآتي ذكره "الله أكبر إنها السنن".
"ولقد عمت البلوى بذلك وطمت في كل زمان ومكان حتى في هذه الأمة، لاسيما في زماننا هذا، ما من قبر ولا بقعة يذكر لها شيء من الفضائل، ولو كذبا، إلا وقد اعتادوا الاختلاف إليها والتبرك بها حتى