مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" ١.
وهذه الأحاديث وغيرها كثير كلها تنهى وتحذر أشد التحذير من الغلو في القبور والتوسل بأهلها، واتخاذها مساجد ومجاوزة الحد المشروع في تعظيمها وتخصيصها بالدعاء، واعتقاد أفضلية شيء من العبادة عندها، واتخاذها أعيادا ورفعها والبناء عليها وتجصيصها واتخاذ السرج عليها، وشد الرحال لزيارتها- عدا ما ورد في الحديث السابق- وكل ما خرج عن الحدّ الشرعي الثابت عن رسول الله ﷺ ، كل ذلك كان حرصا منه ﵊ على عقيدة التوحيد لتبقى طاهرة صافية نقية، وسد كل طرق الشرك أو ذرائعه حتى ولو لم تكن شركا في نفسها، لئلا يمس جانب هذه العقيدة دنس من الشرك، أو بدعة، وعلى الأخص ما يتعلق بالقبور وأهلها فقد اهتم به أعظم اهتمام حتى في اللحظات الأخيرة من حياته ﵊، وفي وقت النزع والاحتضار لأن هذا الباب هو الذي دخل منه الشرك على الناس على مدار التاريخ وأخطر معول يهدم بناء التوحيد الذي بناه الأنبياء والمرسلون عليهم الصلاة والسلام بوحي من ربهم جل شأنه وتعالى ذكره، وتوحيد العبادة على وجه الخصوص وهو التوحيد الذي كان أول ما دعا غليه الرسل جميعا عليهم الصلاة والسلام أممهم وقامت بينهم الخصومة فيه بل وقد يفضي غلو بعض الناس في القبور وأهلها إلى الإخلال بتوحيد الربوبية والعياذ بالله تعالى.
стр. 282
وكما حذر رسول الله ﷺ ونهى عن الشرك وذرائعه في هذا الباب الخطير بين الطريق المشروع ووضحه ودعا إليه الناس جميعا، وسار عليه هو وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، ورباهم حماة لهذه العقيدة مجاهدين في سبيلها، ودعاة إليها، على ذلك المنهج القويم والصراط المستقيم الذين أنزله ربهم ﵎، وبينه رسوله ﷺ .
"فلو كان الدعاء عند القبور والصلاة عندها والتبرك بها فضيلة أو سنة أو مباحا لنصب المهاجرون والأنصار علما لذلك، ودعوا عنده، وسنوا ذلك لمن بعدهم، ولكن كانوا أعلم بالله ورسوله ودينه من الخلوف التي خلفت بعدهم، وكذلك التابعون لهم بإحسان راحوا على هذا السبيل، وقد كان عندهم من قبور أصحاب رسول الله ﷺ بالأمصار عدد كثير، وهم متوافرون، فما منهم من استغاث عند قبر صاحب، ولا دعاه ولا دعا به، ولا دعا عنده ولا استشفى به، ولا استسقى به ولا استنصر به، ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، بل على نقل ما هو دونه١.
بل الثابت ضد ذلك أنهم كانوا ينهون عن اقل من ذلك، كما ثبت أن عمر بن الخطاب ﵁ قطع الشجرة التي بايع تحتها أصحاب رسول الله: وكما أنكر ﵁ على أنس صلاته عند القبر، وقال له: "القبر، القبر"٢.
стр. 283
وكما فعل الصحابة ﵃ بقبر دانيال لما فتحوا تستر١، إذا حفروا قبورا متفرقة ودفنوه ليلا في إحداها وسووا القبور جميعا لئلا يعرفه الناس٢.
وهذه ثمرة تربية رسول الله ﷺ لهؤلاء الأخيار الذين كانوا جنودا أقوياء لهذه العقيدة، وحراسا أوفياء لها، يحبون ويعظمون ما أحبه الله ورسله وعظمه ويكرهون ويحرمون ما كرهه الله ورسوله وحرمه.
وإنما دين الله تعالى تعظيم بيوت الله وحده لا شريك له، وهي المساجد التي تشرع فيها الصلوات جماعة وغير جماعة، والاعتكاف وسائر العبادات البدنية والقلبية من القراءة والذكر والدعاء لله، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ٤.
ثالثا: التبرك:
وهو اعتقاد البركة في شيء من الأشياء والتماسها منه سواء كان ذلك الشيء شخصا، أو غيره من شجر وحجر، وبقعة، وقبر وغير ذلك.
وهو باب خطير، دخلت منه على الإسلام والمسلمين شرور كثيرة لبست ثوب الحق والخير والاتباع، فزلت أقدام كثير من الناس، ووقع في الشرك كثير منهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ولفقت لذلك الأكاذيب وزوّرت في ذلك أحاديث نسبت إلى رسول الله ﷺ كذبا وبهتانا، ونسجت الأقاويل والأباطيل، وعزيت إلى كثير من سلف الأمة وعلمائها زورا وضلالا، كما كان المشركون من الأمم السابقة يعكفون على قبور الأنبياء والصالحين ويتخذونها أعيادا ويعتقدون فيها جلب البركة والنفع ودفع الضر، وسرى ذلك في هذه الأمة مصدقا لقوله ﷺ : "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا حجر ضبٍّ لدخلتموه"، قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟ " ١.
وقوله ﵊ في حديث أبي واقد الليثي ﵁ الآتي ذكره "الله أكبر إنها السنن".
"ولقد عمت البلوى بذلك وطمت في كل زمان ومكان حتى في هذه الأمة، لاسيما في زماننا هذا، ما من قبر ولا بقعة يذكر لها شيء من الفضائل، ولو كذبا، إلا وقد اعتادوا الاختلاف إليها والتبرك بها حتى
стр. 286
جعلوا لها أوقاتا معلومة يفوت عيدهم بفواتها، ويرون من أعظم الخسارات أن يفوت الرجل ذلك العيد المعلوم، وآل بهم الأمر إلى أن صنفوا في أحكام حجهم إليها كتبا سموها مناسك حج المشاهد، ومن أخل بشيء منها فهو عندهم أعظم جرماً ممن أخلَّ بشيء من مناسك الحجّ إلى بيت الله الحرام، وجعلوا لها طوافا معلوما، كالطواف بالبيت الحرام، وشرعوا تقبيلها كما يقبل الحجر الأسود حتى قالوا: إن زحمت فاستلم بمحجن أن أو أشر إليه، قياسا على فعل النبي ﷺ بالحجر الأسود، وشرعوا لها نذروا من المواشي والنقود، ووقفوا عليها الوقوف من العقارات والحرث وغيرها، وغير ذلك من شرائعهم الشيطانية، وقواعدهم الوثنية"١.
وكما حرص رسول الله ﷺ على بيان الطريق المشروع فيما يتعلق بالقبور، وحذر من مخالفته واهتم بذلك أعظم اهتمام، كذلك كان ﵊ في أمر التبرك وارتباطه بالقبور واضح جلي، إذ هو هدف كثير ممن يقصد القبور والمشاهد ويتمسح بها ويتحرى الصلاة عندها.
روى أبو واقد الليثي ﵁ قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ قِبَل حنين، ونحن حديثوا عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون حولها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها – ذات أنواط – فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النبي ﷺ : "الله أكبر، إنها
стр. 287
السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنوا إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، لتركبن سنن من كان قبلكم" ١.
فقد شبه ﵊ قول أصحابه – اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط – بقول بني إسرائيل لموسى ﵊ بعد خروجهم من البحر، وقد مروا على قوم يعكفون على أصنام لهم فطلبوا من موسى ﵊ أن يجعل لهم آلهة مثل أولئك كما قال الله : ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ٢.
"فأنكر النبي ﷺ مجرد مشابهتهم للكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها، معلقين عليها سلاحهم، فكيف بما هو أعظم من ذلك من مشابهتهم المشركين، أو هو الشرك بعينه؟ فمن قصد بقعة يرجوا الخير بقصدها، ولم تستحب الشريعة ذلك، فهو من المنكرات، وبعضه أشد من بعض، سواء كانت البقعة شجرة أو عين
стр. 288
ماء أو قناة جارية، أو جبلا، أو مغارة، وسواء قصدها ليصلي عندها أو يدعوا عندها، أو ليذكر الله سبحانه عندها، أو ليتنسك عندها، بحيث يخص تلك البقعة بنوع من العبادة التي لم يشرع تخصيص تلك البقعة به لا عينا ولا نوعا.
وأقبح من ذلك أن ينذر لتلك البقعة دهنا لتنور به ويقال: إنها تقبل النذر، كما يقال بعض الضالين، فإن هذا النذر نذر معصية باتفاق العلماء، ولا يجوز الوفاء به، بل عليه كفارة يمين عند كثير من أهل العلم"١.
وقد لا يكون الدافع أو الأمر شركا، ولا يقصد به ذلك ولكن الشيطان ما يلبث أن يزين للناس تلك المخالفة ويحببها إلى قلوبهم، وإن لم يجد لها أهلا في جيل وجد في الجيل الآخر، حتى يصل بأهلها إلى الشرك بالله تعالى، ثم يتبرأ منهم كما أخبر الله عنه، ولأجل ذلك كان رسول الله ﷺ شديد الحرص على حماية هذه العقيدة، وسد كل ثغرة مهما كانت صغيرة لئلا تكون مدخلا للشيطان وهو يعلم ﵊ أن الصحابة ﵃، لم يقصدوا بطلبهم ذات أنواط أن يفعلوا شركاً بعد أن أنعم الله عليهم بنعمة التوحيد، ولم يقصدوا ما قصد غيرهم، بل ظنوا ذلك أمرا محبوبا أرادوا التقرب به، وهم أجل من أن يقصدوا مخالفته ﷺ ، ولكنه مع ذلك استعظم طلبهم ذلك وشبهه بطلب بني إسرائيل من
стр. 289
موسى ﵊، وسمى تعظيم هذه الشجرة والعكوف عندها تألها، خوفا عليهم من الشرك، وحماية لجناب العقيدة وسدا لكل أبواب الشرك وذرائعه. "فإذا كان اتخاذ هذه الشجرة لتعليق الأسلحة والعكوف حولها اتخاذ إله مع الله تعالى، مع أنهم لا يعبدونها ولا يسألونها، فما الظن بالعكوف حول القبر والدعاء به ودعائه، والدعاء عنده، فأي نسبة للفتنة بشجرة إلى الفتنة بالقبر؟ لو كان أهل الشرك والبدعة يعلمون. قال بعض أهل العلم من أصحاب مالك: فانظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس ويعظمونها ويرجون البرء والشفاء من قبلها، ويضربون المسامير والخرق فهي ذات أنواط فاقطعوها"١.
فاعتقاد حصول البركة من غير الله تعالى من قبر أو صنم أو شجرة، أو غيرها شرك حذر منه رسول الله ﷺ ، وكذا تحري الدعاء في هذه الأماكن لأجل القبول والبركة.
والتبرك بآثار الصالحين، واعتقاد ذلك فيهم، لم يفعله أصحاب رسول الله ﷺ ولا التابعون لهم بإحسان، وهم القدوة والأسوة، إلا ما كان يفعله الصحابة رضوان الله عليهم مع الرسول ﷺ وحده دون غيره في حياته ﵊، فإن لرسول الله ﷺ في حياته خصائص لم يشاركه فيها غيره، وهو المقطوع ﵊، وهذا هو التبرك المشروع، ولم يعرف عن الصحابة ﵃ أنهم كانوا يفعلون ذلك مع غيره
стр. 290
عليه الصلاة والسلام، مهما كان فضله ومنزلته، وهم خير الأمة وأفضل الناس بعد الأنبياء والرسل، وأشدهم تمسكا، وخيرهم إيمانا وأحسنهم وأصفاهم عقيدة، ولو كان ذلك خيرا لكانوا اسبق الناس إليه وأحرصهم عليه رضوان الله تعالى عليهم، بشهادة رسول الله ﷺ الذي رباهم وعلمهم كل خير وحذرهم من كل شر، فكان يرشدهم ويوجههم ويبين لهم كما بين لهم عند ما طلبوا منه ذات أنواط وظنوا ذلك حسنا.
فإذا كان بعض الصحابة ظنوا ذلك حسنا، من النبي ﷺ حتى بين لهم أن ذلك كقول بني إسرائيل: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ فكيف لا يخفى على من هو دونهم في العلم والفضل بأضعاف مضاعفة، مع غلبة الجهل وبعد العهد بآثار النبوة، بل عليهم عظائم الشرك في الإلهية والربوبية، فأكثروا فعله، واتخذوه قربة١. ومن الناس من يترك عمل الصالحات ويتعلق بالآثار والأشخاص معتقدا البركة فيهم، ويفوت عمره في طلب ذلك، وإنما البركة والخير كل الخير في الإيمان الصادق والعمل الصالح والعلم الصحيح من كتاب الله تعالى والسنة الثابتة عن رسول الله ﷺ .
стр. 291
رابعا: الرقى والتمائم:
والمقصود بالرقى غير المشروع منها وهي التي تسمى العزائم، التي يعتقدون فيها دفع الآفات والحفظ من المكروهات، وهي المقصود في قول الرسول ﷺ كما رواه ابن مسعود ﵁: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك" ١.
أما ما كان منها من المشروع والمأثور من رسول الله ﷺ فلا يدخل في ذلك، لما جاء في الحديث عن عوف بن مالك ﵁ قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: "اعرضوا عليّ رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا" ٢.
والرقى المشروعة هي التي توفرت فيها شروط ثلاثة:
الأول: أن تكون بكلام الله أو بأسمائه وصفاته.
الثاني: أن تكون باللسان العربي وبمعان معروفة.
الثالث: أن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بتقدير الله .
أما التمائم: فهي جمع تميمة وهي: ما يعلق عادة على الصبيان من خرز أو عظام أو جلد أو نحو ذلك لاعتقاد دفع العين عنهم، وقد نهي عنها رسول الله ﷺ لما فيها من شرك، أو ذريعة إليه.
стр. 292
أما التولة: بكسر التاء وفتح الواو فهي ما يصنع بزعم أنه يحبب المرأة إلى زوجها١، كما فسر ذلك ابن مسعود ﵁ قالوا: يا أبا عبد الرحمن هذه الرقى والتمائم قد عرفناها، فما التولة؟ قال: "شيء تصنعه النساء يتحببن إلى أزواجهن".
وقال الحافظ رحمه الله تعالى: "التولة بكسر التاء وفتح الواو واللام مخففا شيء كانت المرأة تجلب به محبة زوجها وهو ضرب من السحر"٢.
ومن ذلك ما يعلق على الإبل من قلائد ونحوها باعتقاد أنه ترد عنها العين، كما جاء في الحديث عن أبي بشير الأنصاري ﵁ كان مع رسول الله في بعض أسفاره، فأرسل رسولاً: "أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر، أو قلادة إلا قطعت" ٣.
وهذه الأحاديث وغيرها التي تنهى عن هذه الأمور، التي فيها توكل على غير الله تعالى، واعتقاد جلب نفع أو دفع ضر من دونه ، والله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٤.
стр. 293
ويقول جل شأنه: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ١.
ويقول ﷻ : ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ ٢.
وأمر سبحانه رسوله محمدا ﷺ بأن يقول لمن توكل والتجأ إلى غيره من دونه لجلب نفع أو دفع ضر ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ ٣.
ولما لهذه من الكثرة والانتشار بين الناس قديما وحديثا، وما يعتقد أن تفضي إليه من مخالفة لعقيدة التوحيد، ومنافاة لصحة التوكل على الله واعتقاد في غيره فيما لا يقدر عليه إلا هو سبحانه، فقد حرص رسول الله ﷺ على حماية التوحيد من مثل الأمور التي قد يتساهل فيها المرء مع خطورتها.
стр. 294
فمن تعلق بالله، وأنزل حوائجه به، والتجأ إليه، وفوض أمره إليه، كفاه وقرب إليه كل بعيد، ويسر له كل عسير، ومن تعلق بغيره أو سكن على رأيه وعقله ودوائه وتمائمه ونحو ذلك وكله الله إلى ذلك وخذله، وهذا معروف بالنصوص والتجارب. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُه﴾ ١،٢.
стр. 295
خامسا: الاستسقاء بالأنواء:
ومعناه نسبة السقيا ونزول المطر إلى الأنواء، والأنواء: جمع نوء، وهي منازل القمر، وسميت بذلك: لأنه إذا سقط الساقط منها ناء الطالع بالمشرق أي: نهض، وهي ثمان وعشرين منزلة كما قال تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ ١.
وقد كان العرب في الجاهلية يزعمون أنه مع سقوط منزلة وظهور أخرى من منازل القمر يكون مطرا، وينسبون ذلك إليها فيقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا.
"فإنهم يعتقدون أن لمطالع الكواكب ومغاربها وسيرها، وانتقالها واقترانها وافتراقها تأثيرا في هبوب الرياح وسكونها، وفي مجيء المطر وتأخره، وفي رخص الأسعار وغلائها، وغير ذلك، فإذا وقع شيء من الحوادث نسبوه إلى النجوم فقالوا: هذا بنوء عطارد أو المشتري أو المريخ أو كذا أو كذا٢.
"ورد الله تعالى عليهم، وأكذبهم بما أنزله على رسول الله ﷺ . قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُوَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ
стр. 296
إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأرض رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيم هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ٢،٣.
وقد حرص الرسول ﷺ أن يبين لأمته ما كان عليه أهل الجاهلية من شرك وضلال، وأمرهم بالحذر من ذلك والبعد عنه، وأهم ذلك وأعظمه ما كان متعلقا بأمور الاعتقاد، ومن ذلك ما كان شائعا في الجاهلية من نسبة نزول المطر إلى النجوم ومطالعها ومغاربها، وبين ﵊ ما في ذلك من الشرك المنافي للتوحيد، كما جاء في حديث أبي مالك الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية
стр. 297
لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم والنياحة".
وقال: "والنائحة إذا لم تتب قبل موتها تقوم يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب" ١.
فبين ﵊ أن مما سيكون في هذه الأمة وهو من أمر الجاهلية وعمل أهلها أمورا منها الاستسقاء بالنجوم، وحذر منه لكونه من أمر الجاهلية وشركها الذي كانت عليه، وكونه من أمر الجاهلية كاف في النهي والزجر عنه.
كما جاء في حديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس منا من ضرب الخدود وشقّ الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية" ٢.
وهذا يقتضي تجنب ما كان من أمور الجاهلية وخصالها المخالفة لهدي الإسلام وشرعه.
"وهذا كله يقتضي أن ما كان من أمر الجاهلية، وفعلهم فهو مذموم، في دين الإسلام، وإلا لم يكن في إضافة هذه المنكرات إلى الجاهلية ذم لها، ومعلوم أن إضافتها إلى الجاهلية خرج مخرج الذم، وهذا كقوله : ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولى﴾ ٣، فإن في ذلك ذما للتبرج، وذما
стр. 298
لحال الجاهلية الأولى، وذلك يقتضي المنع من مشابهتهم في الجملة"١.
وهذا من معجزاته ﵊، وحرصه على حماية هذه العقيدة، وحراستها من كل شرك أو ذريعة إليه.
وعن زيد بن خالد٢ ﵁ قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل فلما انصرف أقبل على الناس فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي، كافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب" ٣.
وهذا الحديث القدسي العظيم يخبر به رسول الله ﷺ عن ربه أن من الناس من ينسب نعمه إلى غيره، ويضيف أفعاله إلى سواه، وهو تعالى المنعم وحده الذي يجب أن تنسب إليه وحده جميع النعم، ونسبتها إلى غيره شرك به جل شأنه، فهو المتفرد بالرزق، المستحق أن تنسب إليه النعم ويفرد بالشكر عليها وحده لا شريك له.
стр. 299
وهذا البيان من رسول الله حماية منه لجناب التوحيد وحرصا على أمته من الشرك، ومنه ما كان يعتاده أهل الجاهلية من نسبة المطر إلى النجوم والأنواء، وإن كان فيهم من يقر بأن ذلك من الله تعالى كما قال
سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأرض مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ ١.
وفي حديث آخر عن ابن عباس ﵄ بمعنى حديث زيد بن خالد الذي تقدم آنفا وفيه: وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا، فأنزل الله هذه الآيات: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ٢،٣ فبين في هذا الحديث أن سبب نزول هذه الكريمات من كتاب الله تعالى نسبتهم المطر إلى الأنواء والنجوم، وأقسم بها سبحانه، فالمقسم به مواقع النجوم وجواب القسم ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ولعل في ذلك إشارة إلى حكمة إلهية عظيمة وهي أن الله قد جعل لهم النجوم ليهتدوا بها في ظلمات البر والبحر، كما جاء
стр. 300
ذلك صراحة في آيات أخرى، وجعل القرآن هداية لهم كذلك من ظلمات الكفر والشرك والضلال. والله أعلم.
والحديث عن الاستقاء بالنجوم والأنواء يدفع إلى الكلام عن التنجيم وما جاء فيه عن رسول الله ﷺ :
فعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما واد" ١.
فهذا الحديث يبين أن التنجيم نوع من أنواع السحر الذي عده رسول الله ﷺ من الموبقات في الحديث الذي رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات "، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" ٢.
وهناك أحاديث أخرى في التحذير من ذلك حرصا منه ﵊ على حماية التوحيد وسلامته من دنس الشرك ووسائله وطرقه.
وقد نزل القرآن الكريم على رسول الله ﷺ يبين الحكمة من خلق النجوم. قال : ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً
стр. 301
لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ ١.
وقال ﵎: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ ٢.
فهذه ثلاث حكم جعلها الله في خلق النجوم فهي زينة للسماء، ورجوم ترجم بها الشياطين عند استراقهم السمع، ووسيلة للاهتداء في ظلمات البر والبحر.
قال قتادة: "خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه وكلف ما لا علم له به"٣.
والتنجيم الذي يدخل تحت هذا النهي والوعيد ما كان فيه ادعاء علم الغيب وربط الأشياء وتأثيرها بالتنجيم، أما ما يحتاج إليه مما يدرك بالمشاهدة كمعرفة ظل الشمس، وجهة القبلة، ونحو ذلك، فلا يدخل تحت النهي.
وقد رخص في تعلم المنازل أحمد وإسحاق.
стр. 302
وروى ابن المنذر عن مجاهد "أنه كان لا يرى بأسا أن يتعلم الرجل منازل القمر".
وقال ابن رجب: "والمأذون في تعلمه علم التسيير لا علم التأثير، فإنه باطل محرم قليله وكثيره، وأما علم التسيير فيتعلم ما يحتاج إليه من الاهتداء ومعرفة القبلة، والطرق، جائز عند الجمهور"١.
стр. 303
سادسا: الذبح لغير الله تعالى:
وهذا من عمل الجاهلية، وأهل الشرك في كل زمان ومكان، وهو شرك أكبر يخرج صاحبه من ملة الإسلام إلى الكفر.
وقد أمر الله جل شأنه رسوله محمدا ﷺ أن يعلن على المشركين: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ١.
وهذه هي درجة الكمال في العبودية لله تعالى لا شريك له، والولاء الخالص له ، وهي مفاصلة كاملة عما عليه أهل الجاهلية. قال ابن كثير ﵀ عند تفسير هذه الآية:"يأمره تعالى أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله، ويذبحون لغير اسمه، أنه مخالف لهم في ذلك، فإن صلاته لله، ونسكه على اسمه وحده لا شريك له، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ٢. أي: اخلص له صلاتك وذبحك، فإن المشركين كانوا يعبدون الأصنام، ويذبحون لها، فأمره الله تعالى بمخالفتهم، والانحراف عما هم فيه، والإقبال بالقصد والنية والعزم على الإخلاص لله تعالى"٣.
стр. 304
وقد حقق رسول الله ﷺ ما أمره به ربه ﵎ حقق ذلك قولا وعملا وعلم ذلك أمته، وشدد في النهي عن مخالفته كما في حديث عليّ ﵁:"حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات: "لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثا، لعن الله من غير منار الأرض" ١.
واللعن معناه: الطرد والإبعاد من رحمة الله تعالى. وهذا دليل على خطورة هذه الأمور التي نهى عنها رسول الله ﷺ وأعظمها خطرا الذبح لغير الله ، من الأصنام والأولياء والسادة والكهان والسحرة والمنجمين، أو الأشجار والكواكب، وجميع ما أهل به لغير الله تعالى، وكل ما كانت الجاهلية تفعله من هذا الأمر، كالفرع والعتيرة٢ونحوهما، فقد روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا فرع ولا عتيرة" ٣،٤.
قال الشوكاني ﵀ عند تفسير قوله : ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّه﴾ : "والمراد هنا ما ذكر عليه اسم غير الله، كاللات والعزى، إذا كان
стр. 305
الذابح وثنيا، والنار إذا كان الذابح مجوسيا، ولا خلاف في تحريم هذا وأمثاله ومثله ما يقع من المعتقدين للأموات من الذبح على قبورهم، فإنه مما أهل به لغير الله، ولا فرق بينه وبين الذبح للوثن"١.
وقال القرطبي ﵀ في تفسير الآية السالفة الذكر:"أي: ذكر غير اسم الله تعالى، وهي ذبيحة المجوسي، والوثني، والمعطل، فالوثني يذبح للوثن، والمجوسي للنار، والمعطل لا يعتقد شيئا فيذبح لنفسه"٢. فالذبح لله تعالى تقربا إليه سبحانه من أفضل وأعظم القربات، كما أن الذبح لغيره تقربا من أعظم الذنوب والآثام، إذ هو الشرك الأكبر المخرج من الملة الذي لا يغفره الله تعالى لمن مات عليه ولم يتب، كما قال جل شأنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ ٣.
وقال ﵎: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ٤.
وسواء أكان المتقرب به كبيرا أو صغيرا عظيما أو حقيرا، فإن المقصود عمل القلب، ولهذا حرص الرسول ﷺ أن يبين ذلك لأمته، ليحترسوا منه
стр. 306
كما روى طارق١ بن شهاب أن رسول الله ﷺ قال: "دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب"، قالوا: كيف ذلك يا رسول الله؟ قال: "مر رجلان على قوم لهم صنم، لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئا، فقالوا لأحدهما: قرب، قال: ليس عندي شيء أقرب، قالوا له: قرب ولو ذبابا، فقرب ذبابا، فخلوا سبيله، فدخل النار، وقالوا للآخر: قرب. فقال: ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله ، فضربوا عنقه فدخل الجنة" ٢.
ففي هذا الحديث بين رسول الله ﷺ أمورا عظمية منها:
١- أن صرف شيء من العبادة لغير الله تعالى شرك، وإن كانت تلك العبادة يسيرة في نظر فاعلها.
٢- أن أعظم مقصود الشيطان وأوليائه أن يقبل العبد شركهم ذلك، إذ المقصود عمل القلب.
٣- شدة خطر الشرك، وإنه محبط لعمل صاحبه، ومورد له إلى النار.
٤- عظمة منزلة التوحيد في قلوب المؤمنين، حتى ولو قدموا حياتهم في سبيله.
стр. 307
٢- شدة حرص الرسول ﷺ على أمته وما من الله به عليها من نعمة التوحيد، وحمايته ﵊ لهذا التوحيد من كل شرك أو ذريعة إليه.
ومن حرصه ﷺ وحمايته لجناب التوحيد، أنه كان يعلم أصحابه لا يفعلوا شيئا من القربات لله تعالى في مكان كان يتقرب فيه لغير الله ، أو يعتاده المشركون في أعمالهم الجاهلية، سدا لذريعة الشرك ووسائله والتذكير بأهله وأعمالهم، وإن كان العمل في نفسه ليس شركا.
فقد جاء في الحديث عن ثابت١ بن الضحاك ﵁ قال: "نذر رجل أن ينحر إبلا ببوانة٢ فسأل النبي ﷺ فقال: "هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ " قالوا: لا، قال: "فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ " قالوا: لا، فقال رسول الله ﷺ : "أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم" ٣.
فقد سأل رسول الله ﷺ ذلك الرجل الذي نذر أن يذبح لله في ذلك المكان سأله تلك الأسئلة، سدا للذريعة، وخوفا من مشابهة المشركين أيا
стр. 308
كانت تلك المشابهة، ولو كانت تلك الأوثان أو الأعياد قد زالت واندثرت، كل ذلك حماية منه ﵊ لحمى التوحيد أن يصل إليه شرك، أو مشابهة لأهله، ولذلك لما علم بخلوّ ذلك المكان من هذه الأمور قال للرجل "أوف بنذرك" ثم عقب على ذلك بقوله: "فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم".
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وهذا يدل على أن الذبح بمكان عيدهم وكل أوثانهم معصية لله من وجوه:
أحدها: أن قوله: "أوف بنذرك" تعقيب للوصف بالحكم بحرف الفاء، وذلك يدل على أن الوصف سبب الحكم، فيكون سبب الأمر بالوفاء: وجود المنذر خاليا من هذين الوصفين، فيكون الوصفان مانعين من الوفاء، ولو لم يكن معصية لجاز الوفاء به.
الثاني: أنه عقب ذلك بقوله: "لا وفاء لنذر في معصية الله" ولولا اندراج الصورة المسؤول عنها في هذا اللفظ العام، وإلا لم يكن في الكلام ارتباط.
والمنذور في نفسه – وإن لم يكن معصية- لكن لما سأله النبي ﷺ عن الصورتين قال له: "فأوف بنذرك" يعني: حيث ليس هناك ما يوجب تحريم الذبح هناك، فكان جوابه ﷺ فيه أمر بالوفاء عند الخلو من هذا، ونهى عنه عند وجود هذا، وأصل الوفاء بالنذر معلوم، فبين ما لا وفاء فيه.
واللفظ العام إذا ورد على سبب، فلابد أن يكون السبب مندرجا فيه.
стр. 309
الثالث: أنه لو كان الذبح في موضع العيد جائزا لسوغ النبي ﷺ للناذر الوفاء به، كما سوغ لمن نذرت الضرب بالدف، أن تضرب به، بل لأوجب الوفاء به، إذ كان الذبح بالمكان المنذور واجبا، وإذا كان الذبح بمكان عيدهم منهيا عنه، فكيف بالموافقة في نفس العيد، بفعل بعض الأعمال التي تعمل بسبب عيدهم؟.
إلى أن قال ﵀: "فإن كان من أجل تخصيص البقعة – وهو الظاهر – فإنما نهى عن تخصيص البقعة لأجل كونها موضع عيدهم، ولهذا لما خلت من ذلك أذن في الذبح فيها، وقصد التخصيص باق، فعلم: أن المحذور تخصيص بقعة عيدهم، وإذا كان تخصيص بقعة عيدهم محذورا، فكيف نفس عيدهم؟.
هذا كما أنه لما كرهها لكونها موضع شركهم بعبادة الأوثان كان ذلك أدل على النهي عن الشرك وعبادة الأوثان ... ثم قال ﵀: "فليس بعد حرصه ﷺ على أمته ونصحه لهم غاية – بأبي هو وأمي – وكل ذلك من فضل الله عليه وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون "١.
стр. 310
سابعا: السحر والكهانة:
السحر والكهانة من أشد الأخطار على عقيدة التوحيد، وأكثرها انتشارا بين الناس، وتلبيسا عليهم وتغريرا بهم، أدت بكثير منهم إلى الشرك من حيث يشعر أولا يشعر، والخطر فيهما لا يقتصر على الساحر والكاهن وحدهما فكفرهما وشركهما معلوم، ولكن ذلك يصل إلى كل من يأتيهما، وكل من يصدقهما، ومثلهم العرافون، فالكل تجمع بينهم الولاية للشياطين يطيعونهم من دون الله تعالى وتخدمهم الشياطين في بعض ما يريدون، فيلبسون على الناس، ويكذبون ويحتالون عليهم، ويدعون بذلك الولاية والكرامة وعلم الغيب، وينخدع بهم ضعفاء العقول وناقصو الإيمان، إذ يلبسون عليهم في دينهم، ويفتنونهم في عقيدتهم.
وشرهم وخطرهم عظيم قديماً وحديثاً، ولذلك فقد شدد رسول الله ﷺ في التحذير منهم بإتيانهم أو تصديقهم أو تعلم شيء مما يعملون.
من ذلك: ما رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات" قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: "الشرك بالله والسحر ... " الحديث١.
وكل الأحاديث التي وردت في عدد الكبائر وبيانها كان منها السحر.
وعن بجالة بن عبده قالَ: "كتب عمر بن الخطاب ﵁ أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، قال: فقتلنا ثلاث سواحر"٢.
стр. 311
وعن بعض أزواج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: "من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوما" ١. أي لا ثواب له عليها.
وعن معاوية بن الحكم السلمي٢ ﵁ قال: قلت: يا رسول الله أمورا كنا نصنعها في الجاهلية، كنا نأتي الكهان. قال: "فلا تأتوا الكهان" قال: قلت: كنا نتطير. قال: "ذاك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم" ٣.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من أتى كاهنا – قال موسى في حديثه -: فصدقه بما يقول أو أتى امرأة – قال مسدد: امرأته حائضا أو أتى امرأة – قال مسدد: يعنى امرأته في دبرها، فقد برئ مما أنزل على محمد ﷺ " ٤.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسو الله ﷺ : "من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ "٥.
والسحر:
رقى وعزائم وعقد يفعلها السحرة تؤثر في القلوب وفي الأبدان بمرض
стр. 312
أو قتل أو تفريق بين المرء وزوجه، وغير ذلك، كما أخبر الله عن ذلك في كتابه الكريم فقال: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِه﴾ ١ ويقع ضرره بمشيئة الله : ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ٢.
والسحر حقيقة، وقد أمر الله بالاستعاذة من أهله إذ يقول : ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَد وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ ٣ والنفاثات هن: السواحر.
والسحر أنواع كثيرة ليس هذا مقام الحديث عنها، وكلها شرك وكفر بالله ﵎ كما قال : ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ ٤.
قال أبو بكر ابن العربي ﵀: "وما كفر سليمان قط ولا سحر، ولكن الشياطين كفروا بسحرهم، وأنهم يعلمون الناس، ومعتقد السحر كافر، وقائله كفر، ومعلمه كافر، ويعلمون الناس ما أنزل على الملكين
стр. 313
ببابل هاروت وماروت، وما كان الملكان يعلمان أحدا حتى يقولا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ ١"٢.
وقد ذم الله السحر وأهله في كتابه الكريم، وبين بطلان عملهم، وأنهم لا خلاق لهم في الآخرة وجاء ذلك في آيات كثيرة من كتابه منها:
قوله : ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ٣.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٤.
وقوله ﵎: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ ٥.
стр. 314
أما الكاهن:
فهو الذي يخبر عن المغيبات، يأخذها عن مسترق السمع من الشياطين يصدقونه مرة ويكذبون معها مائة كذبة كما جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فُزِّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض – ووصف سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه – فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدرك الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قال لنا يوم كذا أو كذا كذا وكذا، فيصدق بتلك الكلمة التي سمع من السماء" ١.
والعراف:
أعم من الكاهن إذ يشمله ويشمل المنجم والرمال ونحوهم، والعرافة من السحر.
قال الإمام أحمد ﵀: "العرافة طرف من السحر، والسحر أخبث"٢.
стр. 315
وهم جميعا تجمعهم ولاية الشيطان، وادعاء علم الغيب، واستخدام الشياطين وادعاء أنهم أولياء الله وإن ما يعملونه كرامة، والحق بأنهم أولياء الشيطان وعملهم كذب وشعوذة، يلبسون به على جهلة المسلمين.
"ولا ريب أن من ادعى الولاية، واستدل بأخباره ببعض المغيبات، فهو من أولياء الشيطان، لا من أولياء الرحمن، إذ الكرامة أمر يجريه الله على يد عبده المؤمن التقي، إما بدعاء، أو أعمال صالحة، لا صنع للولي فيها، ولا قدرة له عليها، بخلاف من يدعي أنه ولي ويقول للناس: اعلموا أني أعلم المغيبات، فإن هذه الأمور قد تحصل بما ذكرنا من الأسباب، وإن كانت أسبابا محرمة كاذبة في الغالب، ولهذا قال النبي ﷺ في وصف الكهان: "فيكذبون معها مائة كذبة" فبين أنهم يصدقون مرة، ويكذبون مائة، وهكذا حال من سلك سبيل الكهان ممن يدعي الولاية والعلم بما في ضمائر الناس، مع أن نفس دعواه دليل على كذبه، لأن في دعواه الولاية تزكية النفس المنهي عنها بقوله تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ١ وليس هذا من شأن الأولياء، فإن من شأنهم الإزراء على نفوسهم وعيبهم لها وخوفهم من ربهم، فكيف يأتون الناس ويقولون: اعرفوا أننا أولياء، وإنا نعلم الغيب"٢.
стр. 316
والكلام عن السحر والكهانة والعرافة وأهلها طويل يحتاج أكثر من هذا وليس هذا مقام التفصيل في ذلك، والقصد بيان خطر ذلك على عقيدة التوحيد قديما وحديثا، واغترار كثير من الناس بما يلبسونه عليهم ليوقعوهم به في الشرك والكفر والضلال، فيفسدون على الناس توحيدهم ويصرفونهم عن عبادته إلى عبادة الجن والشياطين وغيرهم والتعلق بهم من دون الله تعالى.
وبيان حرص الرسول ﷺ على أمته وعقيدتها وتحذيره أشد التحذير من هذه الأمور وأهلها، حفاظا على هذه العقيدة وحماية لها من الشرك وأهله.
стр. 317
ثامنا: الشفاعة:
الشفاعة من أهم الوسائل التي اتخذها المشركون قديما وحديثا طريق للعبادة، فكانت سببا في وقوعهم في الشرك، وهم يظنون أنهم بذلك قد أصابوا الحق، وسلكوا الصراط المستقيم في اتخاذهم هذه الوسائل والوسائط، ورأوا أن هذا هو الذي يليق مع الله، والطريق الصحيح الذي يوصل إليه.
وهم في حقيقة الأمر قد أخطأوا الطريق، وفاتهم الصواب، وظنوا بربهم ظن السوء، وهو الذي أمرهم بإفراده بالعبادة وإخلاصها له وحده سبحانه لا شريك له.
قال جل شأنه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ١.
وقال : ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ٢.
وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٣.
стр. 318
فهذه الآيات الكريمات تبين ما عليه المشركون من اتخاذ الشفعاء من دون الله تعالى، فيدعونهم ويتوجهون إليهم من دون الله ، ويرون أن ذلك هو الطريق الصحيح للعبادة، وقد أخبر الله تعالى عن عملهم ذلك أنه شرك، وذمهم، وذم فعلهم، فذلك دعوة غيره من دونه سبحانه، وهذا هو عين الشرك١.
وقد بعث الله تعالى رسوله محمدا ﷺ والمشركون على ذلك، فدعاهم إلى التوحيد الخالص لله تعالى، وترك ما هم عليه من اتخاذ الشفعاء والأنداد من دونه سبحانه بدعوى أنها تقربهم إلى الله، ونزلت عليه الآيات الكثيرة التي تبين بطلان هؤلاء الشفعاء وشفاعتهم بكل صورها، وأنه ليس لأحد من العباد ولي ولا شفيع من دون الله ، قال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ٣.
стр. 319
وقال : ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ١.
وآيات أخرى كثيرة تنفي كل شفاعة فيها شرك بالله تعالى، وتبطل ما يدعيه المشركون من اتخاذ الشفعاء، وآيات أخرى تبين أن الشفاعة كلها لله تعالى وحده لا شريك له، يعطيها لمن يشاء ويرضى كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ٢.
وقال جل شأنه: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ٣.
وقال سبحانه: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ ٤.
وقال ﵎: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ ٥.
وقال : ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ٦.
стр. 320
فنزلت هذه الآيات على رسول الله ﷺ ليبين أن الشفاعة لله يأذن فيها لمن رضي عنه، كما بينت الآيات السابقة بطلان دعوى المشركين واعتقادهم في شفعائهم وشركائهم.
فتبين أن الشفاعة التي نفاها الله سبحانه في القرآن هي هذه الشفاعة الشركية التي يعرفها الناس، ويفعلها بعضهم مع بعض، ولهذا يطلق نفيها تارة بناء على أنها هي المعروفة والمشاهدة عند الناس، ويقيدها تارة بأنها لا تنفع إلا من بعد إذنه، وهذه الشفاعة في الحقيقة هي منه، فإنه الذي أذن، والذي قبل، والذي رضي عن المشفوع له، والذي وفقه لفعل ما يستحق به الشفاعة وقوله فمتخذ الشفيع مشرك، لا تنفعه شفاعته، ولا يشفع فيه، ومتخذ الرب وحده إلهه ومعبوده ومحبوبه، ومرجوه، ومخوفه الذي يتقرب إليه وحده، ويطلب رضاه، ويتباعد من سخطه، هو الذي يأذن الله سبحانه للشفيع أن يشفع فيه، قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢.