والكلام عن السحر والكهانة والعرافة وأهلها طويل يحتاج أكثر من هذا وليس هذا مقام التفصيل في ذلك، والقصد بيان خطر ذلك على عقيدة التوحيد قديما وحديثا، واغترار كثير من الناس بما يلبسونه عليهم ليوقعوهم به في الشرك والكفر والضلال، فيفسدون على الناس توحيدهم ويصرفونهم عن عبادته إلى عبادة الجن والشياطين وغيرهم والتعلق بهم من دون الله تعالى.
وبيان حرص الرسول ﷺ على أمته وعقيدتها وتحذيره أشد التحذير من هذه الأمور وأهلها، حفاظا على هذه العقيدة وحماية لها من الشرك وأهله.
стр. 317
ثامنا: الشفاعة:
الشفاعة من أهم الوسائل التي اتخذها المشركون قديما وحديثا طريق للعبادة، فكانت سببا في وقوعهم في الشرك، وهم يظنون أنهم بذلك قد أصابوا الحق، وسلكوا الصراط المستقيم في اتخاذهم هذه الوسائل والوسائط، ورأوا أن هذا هو الذي يليق مع الله، والطريق الصحيح الذي يوصل إليه.
وهم في حقيقة الأمر قد أخطأوا الطريق، وفاتهم الصواب، وظنوا بربهم ظن السوء، وهو الذي أمرهم بإفراده بالعبادة وإخلاصها له وحده سبحانه لا شريك له.
قال جل شأنه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ١.
وقال : ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ٢.
وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٣.
стр. 318
فهذه الآيات الكريمات تبين ما عليه المشركون من اتخاذ الشفعاء من دون الله تعالى، فيدعونهم ويتوجهون إليهم من دون الله ، ويرون أن ذلك هو الطريق الصحيح للعبادة، وقد أخبر الله تعالى عن عملهم ذلك أنه شرك، وذمهم، وذم فعلهم، فذلك دعوة غيره من دونه سبحانه، وهذا هو عين الشرك١.
وقد بعث الله تعالى رسوله محمدا ﷺ والمشركون على ذلك، فدعاهم إلى التوحيد الخالص لله تعالى، وترك ما هم عليه من اتخاذ الشفعاء والأنداد من دونه سبحانه بدعوى أنها تقربهم إلى الله، ونزلت عليه الآيات الكثيرة التي تبين بطلان هؤلاء الشفعاء وشفاعتهم بكل صورها، وأنه ليس لأحد من العباد ولي ولا شفيع من دون الله ، قال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ٣.
стр. 319
وقال : ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ١.
وآيات أخرى كثيرة تنفي كل شفاعة فيها شرك بالله تعالى، وتبطل ما يدعيه المشركون من اتخاذ الشفعاء، وآيات أخرى تبين أن الشفاعة كلها لله تعالى وحده لا شريك له، يعطيها لمن يشاء ويرضى كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ٢.
وقال جل شأنه: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ٣.
وقال سبحانه: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ ٤.
وقال ﵎: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ ٥.
وقال : ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ٦.
стр. 320
فنزلت هذه الآيات على رسول الله ﷺ ليبين أن الشفاعة لله يأذن فيها لمن رضي عنه، كما بينت الآيات السابقة بطلان دعوى المشركين واعتقادهم في شفعائهم وشركائهم.
فتبين أن الشفاعة التي نفاها الله سبحانه في القرآن هي هذه الشفاعة الشركية التي يعرفها الناس، ويفعلها بعضهم مع بعض، ولهذا يطلق نفيها تارة بناء على أنها هي المعروفة والمشاهدة عند الناس، ويقيدها تارة بأنها لا تنفع إلا من بعد إذنه، وهذه الشفاعة في الحقيقة هي منه، فإنه الذي أذن، والذي قبل، والذي رضي عن المشفوع له، والذي وفقه لفعل ما يستحق به الشفاعة وقوله فمتخذ الشفيع مشرك، لا تنفعه شفاعته، ولا يشفع فيه، ومتخذ الرب وحده إلهه ومعبوده ومحبوبه، ومرجوه، ومخوفه الذي يتقرب إليه وحده، ويطلب رضاه، ويتباعد من سخطه، هو الذي يأذن الله سبحانه للشفيع أن يشفع فيه، قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢.
стр. 321
فبين سبحانه أن المتخذين شفعاء مشركون، وأن الشفاعة لا تحصل باتخاذهم وإنما تحصل بإذنه للشافع، ورضاه عن المشفوع له "١.
والرسول ﷺ بين ذلك لأمته وأمرهم بسلوك الصراط المستقيم الذي يصلهم بربهم دون شفعاء ولا وسائط، وهو طريق التوحيد الخالص لله وإفراده سبحانه بالعبادة دون ما سواه، أما الشفاعة المثبتة التي أثبتها القرآن الكريم وبينها رسول الله ﷺ فلها شرطان:
أولهما: الإذن من الله تعالى للشافع. قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ ٢.
وثانيهما: الرضا عن المشفوع له: قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ٣.
وقد جمع هذين الشرطين قوله : ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ٤.
وهذه الشفاعة خص الله تعالى بها أهل توحيده وعبادته تفضلا منه وكرما، فهذه خاصة بهم لأنهم لم يتخذوا من دون الله وليا ولا شفيعا،
стр. 322
وقد رضي الله قولهم وعملهم كما جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: "من أسعد الناس بشفاعتك؟ فقال ﵊: "من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه" ١.
وأول الشافعين رسول الله ﷺ إمام الموحدين وخاتم المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين والذي اختصه الله تعالى وأكرمه بشفاعات عظيمة في ذلك اليوم تفضلا وتكريما منه سبحانه لرسوله محمد ﷺ ورحمة بأمته ﵊ كما روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لكل نبي دعوة مستجابة، وأني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئا" ٢.
فله ﵊ الشفاعة العظمى يوم القيامة والتي يتخلى عنها أولو العزم من الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهي كما بين أنها لأهل التوحيد من أمته.
وهو الذي يشفع في دخول المؤمنين الجنة، وفي إخراج عصاة الموحدين من النار، وله شفاعة في عمه أبي طالب.
وهذا من كريم فضل الله تعالى على خاتم رسله محمد ﷺ نسأل الله أن يرزقنا صدق الاتباع له في الدنيا، وأن يسعدنا بشفاعته في الآخرة.
стр. 323
والشفاعة إنما تكون وتنفع أهل التوحيد، أما غيرهم فهم كما قال : ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ ١.
قال ابن القيم الجوزية رحمه الله تعالى عن الكلام عن حديث أبي هريرة السابق: "تأمل هذا الحديث كيف جعل أعظم الأسباب التي تنال بها شفاعته تجريد التوحيد، عكس ما عند المشركين أن الشفاعة تنال باتخاذهم أوليائهم شفعاء وعبادتهم وموالاتهم، فقلب النبي ﷺ ما في زعمهم الكاذب، وأخبر أن سبب الشفاعة تجريد التوحيد، فحينئذ يأذن الله للشافع أن يشفع، ومن جهل المشرك اعتقاده أن من اتخذ وليا أو شفيعا أن يشفع له وينفعه عند الله، كما يكون خواص الولاة والملوك تنفع من والاهم، ولم يعلموا أنه لا يشفع عند أحد إلا بإذنه في الشفاعة، ولا يأذن في الشفاعة إلا لمن رضي قوله وعمله"٢.
وهذا الحرص الشديد من رسول الله ﷺ في أمر الشفاعة، حماية لعقيدة التوحيد من كل شرك أو ذريعة إليه، أو تشبه بأهله، إذ الشفاعة- كما سبق ذكره – كانت من أول الأسباب التي أوقعت المشركين في الشرك بالله وذلك باتخاذهم الشفعاء، واعتقادهم أن عبادة الله تعالى لا تتم إلا عن طريقهم وبواسطتهم، فبين ﵊ الطريق القويم، الموافق لتوحيد الله تعالى في هذه الشفاعة لئلا تقع أمته في شيء من ذلك،
стр. 324
وليعلموا أن الشفاعة لله جميعا بإذن فيها لمن يشاء ممن يرضى قوله وعمله، لا كما يفعله المشركون ويعتقدونه.
"وسر ذلك: أن الأمر كله لله وحده، فليس لأحد معه من الأمر شيء، وأعلى الخلق وأفضلهم وأكرمهم عنده هم الرسل والملائكة المقربون، وهم عبيد محض لا يسبقونه بالقول، ولا يتقدمون بين يديه، ولا يفعلون شيئا إلا بعد إذنه لهم وأمرهم، ولا سيما يوم لا تملك نفس لنفس شيئا، فهم مملوكون مربوبون، أفعالهم مقيدة بأمره وإذنه، فإذا أشرك بهم المشرك، واتخذهم شفعاء من دونه ظنا أنه إذا فعل ذلك تقدموا وشفعوا له عند الله، فهو من أجهل الناس بحق الرب سبحانه وما يجب له، ويمتنع عليه، فإن هذا محال ممتنع، شبيه قياس الرب تعالى على الملوك والكبراء، حيث يتخذ الرجل من خواصهم وأوليائهم من يشفع له عندهم في الحوائج، وبهذا القياس عبدت الأصنام واتخذ المشركون من دون الله الشفيع والولي١.
стр. 325
تاسعا: التوسل:
معنى التوسل:
التوسل والتوسيل في اللغة واحد، يقال: وسَّل فلان إلى ربه وسيلة، وتوسَّل إليه بوسيلة أي تقرب إليه بعمل.
والواسل: الراغب إلى الله. قال الشاعر:
أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم ... بلى كل ذي دين إلى الله واسل١
وهو في الشرع: التقرب إلى الله تعالى بالإيمان به وطاعته والإيمان برسوله ﷺ وطاعته.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ ٢.
وقال جل شأنه: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ ٣.
"فالوسيلة التي أمر الله أن تبتغي إليه، وأخبر عن ملائكته وأنبيائه أنهم يبتغونها إليه هي: ما يتقرب به إليه من الواجبات والمستحبات، فهذه الوسيلة التي أمر الله المؤمنين بابتغائها تتناول كل واجب ومستحب، وما
стр. 326
ليس بواجب ولا مستحب لا يدخل في ذلك سواء كان محرما أو مكروها أو مباحا، فالواجب والمستحب هو ما شرعه الرسول فأمر به أمر إيجاب أو استحباب، وأصل ذلك الإيمان بما جاء به الرسول، فجماع الوسيلة التي أمر الله الخلق بابتغائها هو التوسل باتباع ما جاء به الرسول، لا وسيلة لأحد إلى الله إلا ذلك "١.
وهذا التوسل أصل الدين ومطلوب من كل أحد، جاء الأمر به من الله في الآية الكريمة السابقة، وهو الطريق الصحيح الذي يصل العبد بربه، قال ابن كثير رحمه الله تعالى عند تفسير قوله : ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ : "قال سفيان الثوري عن طلحة عن عطاء عن ابن عباس أي: القُربة وكذا قال مجاهد وأبو وائل والحسن وقتادة وعبد الله بن كثير والسدي وابن زيد وغير واحد، وقال قتادة: أي تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه، وقرأ ابن زيد: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ وهو الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه"٢.
والتوسل بهذا المعنى هو التوسل الصحيح الذي علمه رسول الله ﷺ أصحابه وهو تعليم لجميع الأمة، وهو شامل لأنواع كثيرة بينها ﵊ أتم بيان وليس هذا مقام التفصيل في ذلك.
стр. 327
أما التوسل به ﵊ الذي أقره وكان الصحابة ﵃ يفعلونه فهو إما التوسل بالإيمان به وطاعته أو بدعائه وشفاعته ﵊ وكلا الأمرين جائز بإجماع المسلمين كما قال عمر ﵁: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبيك وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا"١، أي بدعائه. أما التوسل بذاته ﷺ والإقسام به على الله تعالى فهذا هو التوسل الممنوع ولم يفعله أحد من الصحابة ﵃ في حياة الرسول ﷺ ولا بعد مماته، فإذا كان التوسل بهذا الوجه ممنوع مع رسول الله ﷺ فمع غيره من باب أولى.
روى أبو هريرة ﵁ أنه لما أنزلت هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ دعا رسول الله ﷺ قريشا فعم وخص فقال: "يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئا، غير أن لكم رحما سأبلها ببلاها" ٢.
стр. 328
وفي رواية عنه: "يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله، فإني لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد المطلب، لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية – عمة رسول الله – لا أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت رسول الله سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا" ١.
وعنه ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ ذات يوم الغلول٢ فعظمه وعظم أمره ثم قال: "لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بغير له رغاء يقول: يا رسول الله أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على
стр. 329
رقبته رقاع تخفق١ فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة٢ فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت٣ فيقول: يا رسو الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا فقد أبلغتك" ٤.
فقوله ﵊ لا أملك لك شيئا: أي من المغفرة لأن الشفاعة أمرها إليه فهو كقول إبراهيم ﵇: ﴿لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٥ فلا عذر بعد الإبلاغ منه ﷺ .
وعن عبادة بن الصامت ﵁ أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين، فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق، فقال النبي ﷺ : "إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله" ٦.
وهذا تعليم منه ﵊ لأمته وحماية منه لجانب التوحيد، فقد أنكر على أصحابه ﵃ قولهم ذلك، وإن كان في شيء يقدر عليه في حياته ﷺ فيكف إذا كان في شيء لا يقدر عليه إلا الله، أو كان بعد وفاته ﵊.
يقول صاحب فتح المجيد: "كره ﷺ أن يستعمل هذا اللفظ في حقه، وإن كان مما يقدر عليه في حياته، حماية لجناب التوحيد، وسدا لذرائع الشرك، وأدبا وتواضعا لربه، وتحذيرا للأمة من وسائل الشرك في الأقوال
стр. 330
والأفعال، فإذا كان هذا فيما يقدر عليه النبي ﷺ في حياته، فكيف يجوز أن يستغاث به بعد وفاته، ويطلب منه أمور لا يقدر عليها إلا الله "١.
وأما شفاعته ودعاؤه ﷺ في حياته ويوم القيامة فهي نافعة لأهل التوحيد من أمته، كما سبق في سؤال أبي هريرة ﵁ رسول الله ﷺ : من أسعد الناس بشفاعتك؟
وكان الصحابة يطلبون منه ﵊ الدعاء فيدعو، ويوجههم إلى ما ينفعهم في الدنيا والآخرة.
ولم يكن ﷺ يطلب منهم أن يدعوه، أو يدعوا الملائكة أو الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ولا غيرهم أو يستشفعوا بهم، بل كان ينهاهم عن ذلك ولا يقر أحدا فعل ذلك منهم، ويبين لهم الطريق القويم والسبيل الحق الذي يصلهم بربهم وقد رضيه وشرعه لهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وعلم أنه لم يكن النبي ﷺ ، بل ولا أحد من الأنبياء قبله شرع للناس أن يدعوا الملائكة والأنبياء والصالحين، ولا يستشفعوا بهم، لا بعد مماتهم، ولا في مغيبهم، فلا يقول أحد: يا ملائكة الله اشفعوا لي عند الله، سلوا الله أن ينصرنا أو يرزقنا أو يهدينا، وكذلك لا يقول لمن مات من الأنبياء والصالحين: يا نبي الله، يا رسول الله، ادع الله لي، سل الله لي، استغفر الله لي، سل الله أن يغفر لي،
стр. 331
أو يهديني أن ينصرني، أو يعافيني، ولا يقول: أشكو إليك ذنوبي، أو نقص رزق، أو تسلط العدو علي، أو أشكو إليك فلانا الذي ظلمني، ولا يقول: أنا نزيلك أنا جارك، أو: أنت تجير من يستجير، أو أنت خير معاذ يستعاذ به، ولا يكتب ورقة يعلقها عند القبور ... إلى أن قال: ولا ذكر أحد من الأئمة لا في مناسك الحج ولا غيرها أنه يستحب لأحد أن يسأل النبي ﷺ عند قبره أن يشفع له أو يدعو لأمته، أو يشكو ما نزل بأمته من مصائب الدنيا والدين، وكان أصحابه يبتلون بأنواع من البلاء بعد موته فتارة بالجدب، وتارة بنقص الرزق، وتارة بالخوف وقوة العدو، وتارة بالذنوب والمعاصي، ولم يكن أحد منهم يأتي إلى قبر الرسول ﷺ ولا قبر الخليل ولا قبر أحد من الأنبياء فيقول نشكو إليك جدب الزمان، أو قوة العدو، أو كثرة الذنوب، ولا يقول: سل الله لنا أو لأمتك أو يرزقهم أو ينصرهم أو يغفر لهم، بل هذا وما يشبهه من البدع المحدثة التي لم يستحبها أحد من أئمة المسلمين، فليست واجبة ولا مستحبة باتفاق أئمة المسلمين"١.
ولم يقتصر رسول الله ﷺ في تعليمه أمته ألتوحيد، وتحذيرها من الشرك، وحمايته حمى التوحيد، لم يقتصر على بيان الشرك الأكبر المنافي للتوحيد، والتحذير منه وحده، بل بين ﵊ ما دون ذلك من الشرك الأصغر ووسائله، كما لم يقتصر التحذير من الشرك على ما
стр. 332
يقع في الأعمال فحسب، بل شمل مع ذلك ما كان في الأقوال أو المقاصد والنيات، حرصا منه ﷺ على حماية هذه العقيدة، وسلامتها من كل خلل أيا كان نوعه، كما أنه ﷺ قد حذر من أمور ليست في نفسها شركا ولكنها قد تؤدي إليه أو إلى شيء من وسائله.
والأمثلة على ذلك كثيرة، منها:
النهي عن الحلف بغير الله تعالى:
وهو من الشرك الأصغر – إن لم يعتقد الحالف مساواة المحلوف به لله ، وهو وإن سمي شركا أصغر فهو أكبر من الكبائر وأشد، لا يخرج من الملة، وقد يحبط العمل إذا زاد.
روى عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" ١.
وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ أدرك عمر ابن الخطاب ﵁ يسير في ركب يحلف بأبيه فقال: "ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت" ٢.
وعنه ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان حالفا فلا
стр. 333
يحلف إلا بالله" وكانت قريش تحلف بآبائها فقال: "فلا تحلفوا بآبائكم" ١.
وعن بريد ﵁ مرفوعا: "من حلف بالأمانة فليس منا" ٢.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله" ٣.
فهذه الأحاديث وغيرها يبين فيها رسول الله ﷺ أن الحلف بغير الله شرك، وينهى عنه ﵊، وبين أنه لا يجوز أن يحلف ِغلا بالله تعالى أو صفة من صفاته، لأن الحلف تعظيم، والمسلم لا يجوز له أن يعظم غير الله .
وبين ﵊ لمن وقع في شيء من ذلك ماذا يفعل وذلك بأن يقول: لا إله إلا الله، وتلك حكمة عظيمة، فالمخالف أخل بتوحيده فكانت كفارته أن يتذكر حكمة التوحيد الذي أخل به، وينطق بها ليتذكر عظمة الله واستحقاقه أن يفرد وحده بالعبادة ولوازمها، ومن ذلك تعظيمه .
ولذلك فقد ورد عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: "لأن أحلف بالله كاذبا، أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا"٤.
стр. 334
"وإنما رجح ابن مسعود ﵁ الحلف كاذبا على الحلف بغيره صادقا، لأن الحلف بالله توحيد، والحلف بغيره شرك، وإن قدر الصدق في الحلف بغير الله فحسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، وسيئة الكذب أسهل من سيئة الشرك، ذكره شيخ الإسلام١، وفيه دليل على أن الحلف بغير الله صادقا أعظم من اليمين الغموس، وفيه دليل على أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر، وفيه شاهد للقاعدة المشهورة وهي: ارتكاب أقل الشرين ضررا إذا كان لابد من أحدهما٢.
ومما ينبغي أن يعلم أن الحالف لو اعتقد أن ما حلف به أعظم من الله أو مثله، فإن ذلك شرك أكبر مخرج من ملة الإسلام نعوذ بالله من ذلك، وهذا هو شرك الجاهلية الأولى، الذي كانوا يعظمون معبوداتهم من دون الله ويحلفون بها، والذي يفعله بعض عباد القبور أعظم إذ يخشى أن يحلف بشيخه كذبا، ولا يخشى من الله ذلك.
فالذي يفعله عباد القبور إذا طلبت من أحدهم اليمين بالله، أعطاك ما شئت من الأيمان صادقا أو كاذبا، فإذا طلبت منه اليمين بالشيخ أو تربته أو حياته ونحو ذلك، لم يقدم على اليمين به إن كان كاذبا.
стр. 335
فهذا شرك أكبر بلا ريب، لأن المحلوف به عنده أخوف وأجل وأعظم من الله.
"وهذا ما بلغ إليه شرك عباد الأصنام، لأن جهد اليمين عندهم هو الحلف بالله كما قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ ١ فما كان جهد يمينه الحلف بالشيخ أو بحياته أو تربته فهو أكبر شركا منهم٢.
ومن الأمثلة أيضا نهيه ﷺ عن الألفاظ التي فيها شرك أو تحتمل الشرك ولو لم يقصد ذلك قائلها، حماية منه لجناب التوحيد، ومنها:
النهي عن قول ما شاء الله وشئت:
عن قتيلة٣ ﵂ أن يهوديا أتى النبي ﷺ فقال: "إنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبةِ، وأن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت" ٤.
стр. 336
فقد سمى ذلك اليهودي هذه الألفاظ شركا، وكانوا يعرفون ذلك، وأقره رسول الله ﷺ ، وأمر أصحابه ﵃ باستعمال الألفاظ الصحيحة البعيدة عن الشرك أو مشابهته.
وعن عبد الله بن عباس ﵄ أن رجلا أتى النبي ﷺ فكلمه في بعض الأمر، فقال: ما شاء الله وشئت، فقال النبي ﷺ : "أجعلتني لله ندا، ما شاء الله وحده" ١.
فقد أنكر ﷺ على الرجل هذه التسوية، وبين له كيف ينبغي أن يقول، وصحح له ما قاله خوفا من الشرك وألفاظه وحماية لعقيدة التوحيد من كل ما يخل بها مهما كان قصد قائله.
وعن الطفيل – أخي عائشة ﵂ لأمها – قال: "رأيت كأني أتيت على نفر من اليهود، قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله، قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، ثم مررت بنفر من النصارى، فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله، قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته فقال: "هل أخبرت بها أحداً؟ " قلت: نعم. قال: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد فإن طفيلا رأى رؤيا أخبر بها من
стр. 337
أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده" ١.
فقد أقره الرسول ﷺ ، وأمر أصحابه ﵃ باللفظ الصحيح الموافق لعقيدة التوحيد، ونهاهم عما كانوا يقولون من ألفاظ فيها مخالفة لذلك حماية لهذه العقيدة، وسدا لكل ذريعة تخل بها أيا كان نوعها، أو قصد فاعلها.
النهي عن قول عبدي وأمتي:
وهذا اللفظ نهى عنه رسول الله ﷺ ، لما فيه من اشتراك في اللفظ، احتراسا من الشرك ولو في الفظ، وأدبا مع الله تعالى، وابتعادا بالمؤمن عن الشرك وما يشابهه، من ألفاظ وإن لم تكن في نفسها شركا.
حاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وضئ ربك، وليقل: سيدي ومولاي، ولا يقل: أحدكم: عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي" ٢.
ففي إطلاق هاتين الكلمتين على غير الله تشريك في اللفظ، فنهاهم عن ذلك تعظيما لله تعالى، وأدبا وبعدا عن الشرك، وتحقيقا للتوحيد، وأرشدهم إلى أن يقولوا: "فتاي وفتاتي وغلامي" وهذا من باب حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد، فقد بلغ ﷺ أمته كل ما فيه نفع لهم، ونهاهم
стр. 338
عن كل ما فيه نقص في الدين، فلا خير إلا دلهم عليه وأوله تحقيق التوحيد، ولا شر إلا حذرهم منه، وأوله ما يقرب من الشرك لفظا وإن لم يقصد به١.
فإرشاده ﵊ بأن يقولوا: سيدي ومولاي، وفتاي وفتاتي وغلامي من باب سد ذرائع الشرك ووسائله اللفظية وإن لم يقصد القائل بها شركا.
النهي عن قول "لو":
المقصود بها التي تقال ندما وأسفا وجزعا، لما في ذلك من عدم الرضى والتسليم بما قدره الله وقضاه، فالمؤمن مأمور بالتسليم والرضى لأقدار الله، والصبر على بلائه، وفي ذلك خير له، وقول (لو) يتنافى مع ذلك المطلوب من المؤمن، مع ما قد يصاحبها من نوع اعتراض على أقدار الله تعالى وأحكامه.
ولذلك فقد نهى عنها رسول الله ﷺ ، حماية للتوحيد أن يمسه ما يقدح فيه ِأو يكون ذريعة إلى ذلك ولو رآه الناس يسيرا.
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أنني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فقل، فإن لو تفتح عمل الشيطان" ٢.
стр. 339
فقد أمر ﵊ وحث على الحرص على ما ينفع المسلم مستعينا بالله تعالى، ثم نهاه عما يفتح عمل الشيطان، ويؤدي إلى التسخط وعدم الرضى بأقدار الله تعالى، ويؤثر في سلامة التوحيد، وإخلاصه لله ، ثم بين ما يقوله المرء إذا وقع له شيء من البلاء من الألفاظ الموافقة للحق والمتفقة مع التوحيد الصحيح، والدالة على تسليم المؤمن ورضاه بما قدره ربه وقضاه.
وقد ذم الله تعالى أصحاب هذه المقولة في كتابه الكريم فقال جل شأنه: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ ١.
وقال : ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ ٢.
والذين قالوا ذلك هم المنافقون قالوه في عزوة أحد لما نزل بهم من خوف وجزع، كما جاء في الحديث عن عبد الله بن الزبير ﵄ قال: "لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ حين اشتد الخوف علينا، أرسل الله علينا النوم، فما منا رجل إلا ذقنه في صدره، فوالله إني لأسمع قول معتب ابن قشير ما أسمعه إلا كالحلم: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا فحفظتها منه، وفي ذلك أنزل الله : ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ لقول معتب"٣.
стр. 340
التحذير من الرياء:
لم يقف حرض رسول الله ﷺ على حماية جناب التوحيد، من الشرك وذرائعه في الأقوال والأفعال فحسب كما تقدمت الأمثلة على ذلك فيما سبق بل كان حرص رسول الله ﷺ كذلك على المقاصد والنيات أن تكون خالصة لله وحمايتها من كل ما يصرفها عنه من شرك أو بدعة أو شبهة أو ذريعة للشرك، إذ النية أساس صحة العمل أو بطلانه، وأمرها عظيم، فهي سر بين العبد وبين ربه، كما في حديث عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" ١.
ومن الأمثلة على حرصه ﵊ على سلامة النيات وخلوها لله :
عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: "قال الله تعالى:"أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه" ٢.
стр. 341
وعن محمود بن لبيد١ ﵁ قال: خرج النبي ﷺ فقال: "أيها الناس، إياكم وشرك السرائر"، قالوا: يا رسول الله: وما شرك السرائر؟ قال: "يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته جاهدا، لما يرى من نظر الرجل إليه، فذلك شرك السرائر" ٢.
وعن محمود بن لبيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر"، فسئل عنه فقال: "الرياء" ٣.
هذه الأحاديث وغيرها تبين خطر الرياء على الأعمال، فهو ينقص ثواب العمل، وقد يحبطه حسب نية فاعله، وقد سماه رسول الله ﷺ الشرك الأصغر، وحذر منه أمته تحذيرا شديدا حماية لحمى التوحيد، من الشرك أيا كان نوعه، وحرصا على سلامة قول المؤمن وعمله ونيته وقصده من كل ما لا يحبه الله تعالى وأول ذلك الشرك به جل شأنه.
"وإذا كان هذا الشرك الأصغر مخوفا على أصحاب رسول الله ﷺ مع كمال علمهم، وقوة إيمانهم فيكف لا يخافه وما فوقه من هو دونهم في العلم والإيمان بمراتب؟ خصوصا إذا عُرف أن أكثر علماء الأمصار اليوم
стр. 342
لا يعرفون من التوحيد إلا ما أقر به المشركون، وما عرفوا معنى الإلهية التي نفتها كلمة الإخلاص عن كل ما سوى الله١.
فإذا كان الباعث على العمل ابتغاء ما عند الله تعالى، وسلم من الرياء فهو العمل الصحيح المقبول عند الله ، وإن كان القصد والنية بالعمل إرادة غير الله فذلك نفاق اعتقادي قد يخرج صاحبه من الإسلام.
قال : ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ ٢.
وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً﴾ ٣.
أما إذا كان الباعث على العمل ابتغاء وجه الله تعالى وطلب ما عند من الأجر والثواب، ثم دخل عليه الرياء، فهو الذي سماه رسو الله ﷺ الشرك الأصغر، وبينه ﵊ بقوله: "يقوم الرجل فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل إليه" كما تقدم، فهذا لا يخرج من الملة،
стр. 343
ولكنه ينقص من ثواب العمل وقبوله، وقد يزيد فيحبط العمل، نعوذ بالله من ذلك.
وقد يعمل المسلم العمل خالصا لوجه الله تعالى، ثم يحصل له الثناء الجميل والذكر الطيب من الناس، لم يطلبه ولم يقصده بعمله، فليس ذلك من الرياء بل خير من الله وفضل منه سبحانه١، كما في حديث أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل عن الرجل يعمل العمل من الخير، يحمده الناس عليه فقال: "تلك عاجل بشرى المؤمن" ٢.
إرادة الإنسان بعمله الدنيا:
وهو أن ينوي بعمله الصالح، عرضا دنيويا، ويكون ذلك قصده الباعث على ذلك العمل، وهو أخطر من الرياء، فالرياء قد يعرض للعمل ثم يزول بالمجاهدة إما إرادة الإنسان الدنيا بعمله فهي الباعث له على عمله الملازمة له في ذلك العمل وكلاهما خطر عظيم وداء ووبال.
"وقد يظن بعض الناس أن هذا الباب داخل في الرياء، وأن هذا مجرد تكرير فأخطأ، بل المراد بهذا أن يعمل الإنسان عملا صالحا يريد به الدنيا، كالذي يجاهد للقطيفة والخميلة ونحو ذلك، ولهذا سماه النبي ﷺ عبدا لذلك، بخلا ف المرائي، فإنه يعمل ليراه الناس ويعظموه. والذي يعمل لأجل الدراهم والقطيفة ونحو ذلك أعقل من المرائي، لأن ذلك عمل لدنيا
стр. 344
يصيبها، والمرائي عمل لأجل المدح والجلالة في أعين الناس، وكلاهما خاسر، نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه"١.
ولخطورة هذا الأمر على عقيدة التوحيد فقد حذر منه رسول الله ﷺ أشد التحذير في أحاديث كثيرة، فهو بتعلق بنية العبد وقصده لا يعلم ذلك منه إلا الله وحده.
ومن هذه الأحاديث ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة تعس عبد الخميلة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا اتنقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة في الحراسة، وإن كان في الساقة في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع" ٢.
وهذا دعاء من رسول الله ﷺ جاء بصيغة الخبر الماضي الذي يدل على تحقيق الوقوع، ولا ريب أن من كانت الدنيا ومتاعها الزائل قصده ونيته، وهدفه وغايته، فإنه خاسر هالك في الدنيا والآخرة، وقد سماه ﵊ – عبدا – وهو الاسم والوصف المناسب له، إذ لو كان عبدا لله تعالى لطلب ذلك منه وهو الله الذي له الخلق والأمر
стр. 345
سبحانه، ليستعين بها على طاعته وعبادته وحده، ورضي بما اختاره الله له ورضيه، ولكنه قطع تعلقه بربه، وتعلق بغيره من أعراض الدنيا وحطامها الفاني، حتى كان كما أخبر عنه رسول الله ﷺ : "إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط".
"فإذا تعلق قلبه بها صار مستعبدا لها، وربما صار مستعبدا معتمدا على غير الله فيها، فلا يبقى معه حقيقة العبودية لله، ولا حقيقة التوكل عليه، بل فيه شعبة من العبادة لغير الله، وشعبة من التوكل على غير الله، وهذا من أحق الناس بقوله ﷺ : "تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة" وهذا هو عبد لهذه الأمور، ولو طلبها من الله، فإن الله إذا أعطاه إياها رضي، وإن منعه إياها سخط، وإنما عبد الله من يرضيه ما يرضي الله، ويسخطه ما يسخط الله، ويحب ما أحب الله ورسوله، ويبغض ما أبغض الله ورسوله، ويوالي أولياء الله، ويعادي أعداء الله، فهذا الذي "استكمل الإيمان" ١.
وهذا الحرص الشديد من رسول الله ﷺ والتحذير من هذه الأمور، ودعاؤه ﵊ على من هذا حاله، نظرا لما لها من عظيم الخطر على حمى التوحيد، ولشدة الرغبة والمحبة لهذه الأشياء التي جبل الناس على حبها، والحرص عليها، حتى صارت لكثير منهم هدفا وقصدا استحق بسببه دعاء رسول الله ﷺ كما سبق في الحديث، إذ وصفهم
стр. 346
بعبوديتهم لغير الله تعالى، تحذيرا من الشرك ووسائله وطرقه، وحماية لجناب التوحيد، وحرصا على أهله.
هذه بعض الأمثلة على بيان رسول الله ﷺ لتوحيد العبادة وبيان ما يضاده وينافيه وحمايته ﷺ لهذا النوع من التوحيد، الذي هو لب التوحيد والغاية التي لأجلها خلق الله الناس وبعث فيهم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وأنزل فيهم الكتب، وهو حق الله على عباده وأول فرض على المكلف، وأول ما دعا إليه الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام أممهم.
لذا كان جديرا أن يكون له هذا الاهتمام من رسول الله ﷺ والبيان الواضح والحماية العظيمة من كل ما يضاده أو يدنسه ويشوبه من شرك أو بدعة أو شك أو شهوة أو شبهة، فحقق ﵊ هذا التوحيد، وحسم عنهم مواد الشرك، وربى أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين على ذلك، فكانوا بعد الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام خير من عرف توحيد الله تعالى ودعا إليه وحماه، ومن بعدهم التابعون ومن تبعهم بإحسان في كل زمان ومكان.
стр. 347
المبحث الثالث: حماية الرسول ﷺ توحيد الأسماء والصفات .
توحيد الأسماء والصفات أحد أنواع التوحيد الذي بعث الله رسوله ﷺ بالدعوة إليه، ودعا إليه الأنبياء والرسل جميعاً قبله عليهم الصلاة والسلام.
وهو توحيده سبحانه وإفراده بإثبات ما أثبته لنفسه في كتابه الكريم وما أثبته له رسوله ﷺ في سنته الشريفة من الأسماء الحسنى والصفات العليا على ما يليق بجلاله وعظيم سلطانه من غير تحريف ولا تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل.
وقد أنزل الله كتابه الكريم بياناً وهدى للناس كما قال جل شأنه: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَؤُلاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ ١.
وتوحيده سبحانه والإيمان بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أعظم الأشياء وأهمها وأولاها، وقد بينها سبحانه أعظم بيان وأتمه وأكمله.
стр. 348
كما بين ذلك ووضحه على أكمل وجه وأتمه رسوله محمد ﷺ الذي قال له ربه ﵎: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ١.
وكما قال له: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ٢.
وقال له كذلك: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٣.
وأدلة التوحيد وبيانه أعظم الهدى، وهو الذي وقع فيه الاختلاف، وقد بين ذلك رسوله بما لا مجال للشك أو اللبس فيه لمن رزقه الله فقها في الدين، واتباعا لسبيل المؤمنين، كما ختم الآية الكريمة بقوله سبحانه: ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .
وكما قال : ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٤.
стр. 349
وكقوله سبحانه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَاراً﴾ ١.
وقد بلغ رسول الله ﷺ الرسالة وأدرى الأمانة، وجاهد في الله حق الجهاد، حتى أتاه اليقين، وأول ذلك وأهمه توحيد الله ﵎، والإيمان بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، وما مات ﵊ حتى أكمل الله الدين وأتم به النعمة، وترك الناس على المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
عن أبي الدرداء ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نذكر الفقر ونتخوفه فقال:: "آلفقر تخافون؟ والذي نفسي بيده لتصبن عليكم الدنيا حتى لا يزيغ قلب أحدكم إلا هيه، وأيم الله فقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء" ٢.
وأساس الدين ومفتاحه وقاعدته توحيد الله تعالى، ومعرفته بأسمائه وصفاته، والله قد بين ذلك ورسوله محمد ﷺ .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فمن المحال في العقل والدين أن يكون السراج المنير، الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، وأنزل معه الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وأمر الناس أن يردوا ما
стр. 350
تنازعوا فيه من أمر دينهم إلى ما بعث به من الكتاب والحكمة، وهو يدعو إلى الله وإلى سبيله بإذنه على بصيرة.
وقد أخبر الله بأنه أكمل له ولأمته دينهم، وأتم عليهم نعمته – محال مع هذا وغيره – أن يكون قد ترك باب الإيمان بالله والعلم به ملتبسا مشتبها لم يميز بين ما يجب لله من الأسماء الحسنى والصفات العليا، وما يجوز عليه، وما يمتنع عليه، فإن معرفة هذا أصل الدين، وأساس الهداية، وأفضل وأوجب ما اكتسبته القلوب، وحصلته النفوس، وأدركته العقول، فكيف يكون ذلك الكتاب وذلك الرسول، وأفضل خلق الله بعد النبيين لم يحكموا هذا الباب اعتقادا وقولا؟.
ومن المحال أيضا أن يكون النبي ﷺ ، وقد علم أمته كل شيء حتى الخراءة١ وقال: "إني قد تركتم على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك" ٢، وقال فيما صح عنه أيضا: "ما بعث الله من نبي ولا رسول إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم" ٣.
وقال أبو ذر ﵁: "لقد توفي رسول الله ﷺ وما من طائر يطلب جناحه في السماء إلا ذكر لنا منه علما ".
стр. 351
وقال عمر بن الخطاب ﵁: "قام فينا رسول الله ﷺ مقاما فذكر بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم، وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه " ١.
ومحال مع تعليمهم كل شيء لهم فيه منفعة في الدين وإن دقت، أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم، ويعتقدونه في قلوبهم في ربهم ومعبودهم، رب العالمين الذي معرفته غاية المعارف، وعبادته أشرف المقاصد، والوصول إليه غاية الطالب.
بل هذه خلاصة الدعوة النبوية، وزبدة الرسالة الإلهية، فكيف يتوهم من في قلبه أدنى مسكة من إيمان وحكمة أن لا يكون بيان هذا الباب قد وقع من الرسول ﷺ على غاية التمام، ثم إذا كان قد وقع ذلك منه، فمن المحال أن يكون خير أمته، وأفضل قرونها قصروا في هذا الباب زائدين فيه أو ناقصين عنه "٢.
وقد نقلت كلام شيخ الإسلام ابن تيمية هذا نظرا لما اشتمل عليه من بيان أهمية هذا النوع من التوحيد، وما قام به رسول الله ﷺ في سبيله من بيان له وحماية لحماه، ولم يقصر فيه أو يتركه لآراء الناس واجتهاداتهم.
وإليك أمثلة يسيرة مما ورد في كتاب الله الكريم وسنة رسوله محمد ﷺ في بيان أسماء الله وصفاته، لنرى كيف بين رسول الله ﷺ الطريق
стр. 352
المستقيم في هذا الباب – باب الإيمان بأسماء الله وصفاته – أتم بيان مما أنزل الله تعالى عليه من الكتاب والحكمة.
قال ﵎: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١.
وقال جل شأنه: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ ٢.
وفي الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، من حفظها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر" ٣.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أصاب مسلما قط همّ ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك، وابن أمتك ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي، إلا أذهب الله عنه همه، وأبدله مكان
стр. 353
همه فرحا"، قالوا: يا رسول الله ِألا نتعلم هذه الكلمات؟ قال: "بلى ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن" ١.
فدل الحديث الأول على عدد أسماء الله الحسنى التي من حفظها دخل الجنة وأجر من حفظها، ودل الحديث الثاني على أن هناك أسماء أخرى أكثر من هذا العدد، وهو الصحيح والله أعلم.
وإنما المراد بالحصر في الحديث الأول أن من أحصى هذه الأسماء دخل الجنة وليس المراد حصر الأسماء في هذا العدد الوارد في الحديث، كما دل على ذلك الحديث الثاني – حديث عبد الله بن مسعود ﵁ – وغيره من الأحاديث والله أعلم.
وقد جاءت هذه الأسماء الحسنى والصفات العليا في كتاب الله ، وفي سنة رسوله ﷺ ، فمن الأمثلة على أسمائه الحسنى : "الله، الأحد، الصمد".
قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ٢.
وهذه السورة العظيمة اشتملت على عدد من أسماء الله تعالى وصفاته ردا على الذين قالوا لرسول الله ﷺ : صف لنا ربك.
стр. 354
وأخبر ﵊ أنها تعدل ثلث القرآن كما روى أبو الدرداء عن النبي ﷺ قال: "أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن". قالوا: وكيف يقرأ ثلث القرآن؟ قال: "قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن" ١.
ومنها: هذه الأسماء في قوله : ٢.
وفي الحديث عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه كا ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ن يقول إذا آوى إلى فراشه: "اللهم رب السماوات ورب الأرض رب كل شيء فالق الحب والنوى، منزل التوراة والإنجيل والقرآن، أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء"زاد وهب: "اقض عني الدين وأغنني من الفقر" ٣.
ومنها: "الخالق":
قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ ٤.
стр. 355
وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ ١.
وقال جل شأنه: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢.
وآيات أخرى كثيرة.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: "أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: "خلق الله التربة يوم السبت، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة آخر الخلق في آخر ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل" ٣.
ومنا: "الملك والمليك "وهما بمعنى واحد:
قال الله ﵎: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ ٤.
وقال : ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقّ﴾ ٥
وقال جل شأنه: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ ٦.