← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1117

السبر عند المحدثين

عبد الكريم جراد

Полный текст (515 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الفَصْلُ الثَّانِي: نَشْأَةُ السَّبْرِ، وَصُوَرُهُ، والمُصَنَّفَاتُ المُتَعَلِّقَةُ بِهِ: المَبْحَثُ الأَوَّلُ: نَشْأَةُ السَّبْرِ وَتَطَوُّرُهُ عَبْرَ القُرُونِ: إذَا أردْنَا أنْ نؤرِّخَ لنشأةِ السَّبرِ، ونتكلَّمَ عنْ مراحلِ تطوُّرِهِ، لا بدَّ منَ الحديثِ عنْ نشأةِ كُلٍ منَ «الإسنادِ»، و «العلَّةِ»، و «الجرحِ والتَّعديلِ»، لأنَّهما - أي: الجرحُ والتَّعديلُ، والعلَّةُ - غرضانَ منْ أغراضِ السَّبرِ، والإسنادُ أداتُهُ. فالسَّبرُ هو المرحلةُ التي تلي نشأَةَ الإسنادِ وتسبِقُ أو تتزامنُ مع نشوءِ «العلَّةِ» و «الجرحِ والتعديلِ»، وهوَ ما يُعبَّرُ عنْهُ ب «تسارُعِ وتزامُنِ تطوُّرِ المنهَجِ النَّقدِيِّ عندَ المحدِّثينَ». نشأَ السَّبرُ بنشأَةِ الرِّوايَةِ للحديثِ النَّبوِيِّ الشَّريفِ، لكنَّ أغراضَ السَّبرِ كانتْ تختلفُ منْ قرنٍ إلى آخرَ، تبعاً لتطوُّرِ الإسنادِ والرِّوايَةِ. * * *

стр. 107

أولاً: السَّبْرُ بِمَعْنَى المُعَارَضَةِ لِلتَّثَبُّتِ وَالتَّحَرِّي «عَصْرُ الصَّحَابَةِ وَكِبَارِ التَّابِعِينَ»: فَالسبرُ بمعنَى المعارضَةِ والمقابلَةِ لغرَضِ التثبُّتِ نَشَأَ في زمنِ الصَّحابَةِ ﵃، وقدْ عقدَ شيخنَا محمَّدُ عجاجِ الخطيبُ (١) باباً في كتابِهِ «السُّنَّةُ قبلَ التَّدوينِ» بيَّنَ فيهِ بالأمثلةِ المستفيضَةِ احتياطَ وتثبُّتَ الصَّحابةِ والتَّابعينَ في قبولِ الأحاديثِ، فقالَ: «كَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ قُدْوَةً حَسَنَةً لِلْمُسْلِمِينَ فِي المُحَافَظَةِ عَلَى السُّنَّةِ، وَالتَّثَبُّتِ فِي قَبُولِ الأَخْبَارِ خَشْيَةَ أَنْ يَقَعَ وَيَقَعَ المُسْلِمُونَ فِي خَطَأٍ يُؤَدِّي بِهِمْ إِلَى مَا لَا تُحْمَدُ عُقْبَاهُ» (٢). ثمَّ أوردَ الأخبارَ التي تُبيِّنُ طريقَ الصَّحابةِ ومنهجَهُمْ في ذلكَ، مما سنأتي على ذكرِهِ. وقالَ الأعظمِيُّ (٣): «إِنَّ مَنْهَجَ المُعَارَضَةِ بَينَ الرِّوَايَاتِ المُخْتَلِفَةِ بَدَأَ فِي عَهْدٍ مُبَكِّرٍ جِدَاً، وَلَعَلَّ أَوَّلَ نَقْلٍ يُثْبِتُ هَذَا المَنْهَجَ وَصَلَنَا مِنْ عَهْدِ سَيِّدِنَا أَبِي بَكْرٍ ﵁ حَيثُ كَانَ هُوَ نَفْسُهُ النَّاقِدَ المُتَّبِعَ لِهَذَا المَنْهَجِ» (٤). ومنَ الأمثلةِ على ذلكَ:

стр. 108

حينمَا جاءَتِ الجدَّةُ إلى أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ تلتمسُ ميراثَهَا، فقالَ: ما أجدُ في كتابِ اللهِ شيئاً، وما علمتُ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ذكرَ لكِ شيئَاً. ثمَّ سألَ النَّاسَ، فقامَ المغيرةُ، فقالَ: حضرتُ رسولَ اللهِ ﷺ يعطيهَا السُّدُسَ. فقالَ لهُ: هلْ معكَ أحدٌ؟ فشهدَ محمدُ بنُ مَسْلَمَةَ مثلَ ذلكَ، فأنفذَهُ لهَا أبو بكرٍ ﵁ (١). قالَ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ»: «أَبُو بَكْرٍ ﵁ أَوَّلُ مَنْ وَقَى الكَذِبَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ » (٢). وقالَ الذَّهبيُّ «ت ٧٤٨ هـ»: «فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَوَّلَ مَنِ احْتَاطَ فِي قَبُولِ الأَخْبَارِ» (٣). وقالَ أيضاً: «إِلَيهِ المُنْتَهَى فِي التَّحَرِّي وَالقَبُولِ» (٤). قالَ الأعظميُّ: «وَهُوَ الذِي دَلَّنَا عَلَى أَهَمِّ قَاعِدَةٍ لِلنَّقْدِ وَالتَّدْقِيقِ، وَهِيَ المُقَارَنَةُ بَينَ الرِّوَايَاتِ» (٥). وقدْ مضى عمرُ ﵁ على المنهَجِ ذاتِهِ في مُقابلَةِ المرويَّاتِ ومعارضتِهَا ببعضٍ لغرضِ التثبُّتِ، ومنْ ذلكَ حينمَا جاءَ أبو موسىَ الأشعريُّ ﵁ إلى عمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁، فاستأذَنَ ثلاثَاً، ثمَّ رجَعَ، فأرسَلَ عمرُ ﵁ في أَثَرِهِ. فقالَ: مالَكَ لمْ تدخُلْ؟ فقالَ أبو موسى: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: الاستئذانُ

стр. 109

ثلاثٌ، فإنْ أُذِنَ لكَ فادخُلْ، وإلا فارجِعْ، فقالَ عُمَرُ ﵁: «وَمَنْ يَعْلَمُ هَذَا؟ لَئِنْ لَمْ تَاتِنِي بِمَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ لَأَفْعَلَنَّ بِكَ كَذَا وَكَذَا، فَخَرَجَ أَبُو مُوسَى حَتَّى جَاءَ بِأَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ فَشَهِدَ مَعَهُ»، فقالَ عُمَرُ بنُ الخطَّابِ ﵁ لأبي موسَى: «أَمَا إِنِّي لَمْ أَتَّهِمْكَ، وَلَكِنْ خَشِيتُ أَنْ يَتَقَوَّلَ النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ » (١). قالَ ابنُ حبَّانَ «ت ٣٥٤ هـ»: «إِنَّ عُمَرَ وَعَلِيَاً أَوَّلَ مَنْ فَتَّشَا عَنِ الرِّجَالِ في الرِّوَايةِ، وَبَحَثَا عَنِ النَّقْلِ فِي الأَخْبَارِ، ثُمَّ تَبِعَهُمْ نَاسٌ عَلَى ذَلِكَ» (٢). ويُحملُ قولُ ابنُ حبَّانَ على أنَّهمَا أوَّلُ منْ وسَّعَ التَّثبُّتَ والتَّحرِّيَ في الرِّواياتِ، فأبو بكرٍ ﵁ هوَ أوَّلُ منْ قامَ بذلكَ. وَكذلكَ ما وردَ عنِ ابنِ عُمرَ ﵁ حينمَا روى حديثَاً مُخالفاً لفتوى ابنِ عبَّاسٍ ﵁، ثمُّ قالَ لصاحبِهِ: «إِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ فَسَلْ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ ذَلِكَ، فَانْطَلَقَ، فَسَأَلَ أَبَا سَعِيدٍ، فَقِيلَ لابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ مَا قَالَ ابنُ عُمَرَ وَأَبُو سَعِيدٍ، فَاسْتَغْفَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ اللهَ ، وَقَالَ: هَذَا رَايٌ رَأَيتُهُ» (٣). وعندمَا روى أبو هريرةَ حديثَ رسولِ اللهِ ﷺ : «مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ». فقالَ لهُ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ ﵁: «انظُرْ مَا تُحَدِّثُ يَا أَبَا هُرَيرَةَ ﵁ فَإِنَّكَ تُكْثِرُ الحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخَذَ بِيَدِهِ، فَذَهَبَ بِهِ إِلَى عَائِشَةَ ﵁ ا فَصَدَّقَتْ أَبَا هُرَيرَةَ ﵁» (٤).

стр. 110

وقدْ قامتِ السَّيدةُ عائشةُ ﵁ بنوعٍ جديدٍ منَ السَّبرِ والمعارضَةِ بينَ المروِيَّاتِ، وهوَ المعارضةُ بينَ مرويَّاتِ الرَّاوي نفسِهَا في أزمنَةٍ مختلفةٍ، للتبيُّنِ منْ ضبطِهِ وصحَّةِ مرويَّاتِهِ، فعن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ، قالَ: قالتْ لي عائشةُ ﵁: «يَا بْنَ أُخْتِي بَلَغَنِي أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو مَارٌّ بِنَا إِلَى الْحَجِّ، فَالْقَهُ، فَسَائِلْهُ، فَإِنَّهُ قَدْ حَمَلَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عِلْماً كَثِيراً». قالَ: فلقيتُهُ، فساءَلْتُهُ عنْ أشياءَ يذكرُهَا عنْ رسولِ اللهِ ﷺ ، فكانَ فيمَا ذكرَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْتَزِعُ الْعِلْمَ مِنَ النَّاسِ انْتِزَاعَاً، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعُلَمَاءَ فَيَرْفَعُ الْعِلْمَ مَعَهُمْ، وَيُبْقِي فِي النَّاسِ رُؤُوساً جُهَّالاً يُفْتُونَهُمْ بِغَيرِ عِلْمٍ، فَيَضِلُّونَ وَيُضِلُّونَ». قالَ عروةُ: فلمَّا حدَّثتُ عائشةَ ﵁ بذلكَ أعظمتْ ذلكَ وأنكرتْهُ، وقالتْ: «أَحَدَّثَكَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ هَذَا؟». قالَ عروةُ: حتَّى إذا كانَ قابلُ، قالتْ لهُ: إنَّ ابنَ عمرٍو قدْ قدمَ، فالْقَهُ، ثمَّ فاتحْهُ، حتَّى تسأَلَهُ عنِ الحديثِ الذي ذكرَهُ لكَ في العلمِ، قالَ: فلقيتُهُ فساءَلتُهُ، فذكرَهُ لي نحوَ ما حدَّثنِي بهِ في مرَّتِهِ الأولى، فلمَّا أخبرتُهَا بذلكَ، قالتْ: «مَا أَحْسِبُهُ إِلاَّ قَدْ صَدَقَ، أَرَاهُ لَمْ يَزِدْ فِيهِ شَيئًا وَلَمْ يَنْقُصْ» (١).

стр. 111

ولقدْ سنَّ الصَّحابَةُ ﵃ الرِّحْلَةَ في طلَبِ الحَدِيثِ (١)، فكانَ لهَا الأثرُ العميقُ في معرفَةِ الطُّرقِ المتعدِّدةِ للحديثِ الواحدِ، بالإضافةِ إلى فوائدَ يُعَدُّ أغلبُهَا منْ فوائِدِ السَّبر، قالَ شيخُنَا محمَّدُ عجاجٍ: «كَذَلِكَ كَانَ لِلرَّحَلَاتِ فَائِدَةٌ عَظِيمَةٌ فِي مَعْرِفَةِ طُرُقِ كَثِيرَةٍ لِلْحَدِيثِ الوَاحِدِ، فَقَدْ يَسْمَعُ الرَّاوِي مِنْ عُلَمَاءِ المِصْرِ الذِي رَحَلَ إِلَيهِ زِيَادَاتٍ لَمْ يَسْمَعْهَا مِنْ عُلَمَاءِ مِصْرِهِ، وَكَثِيرَاً مَا يَجِدُ عِنْدَهُمْ مَا لَمْ يَجِدْهُ عِنْدَ شُيُوخِهِ وَقَدْ تَقَعُ مُنَاظَرَاتٌ بَينَ عُلَمَاءِ الأَمْصَارِ، تُعَارَضُ فِيهَا طُرُقُ الحَدِيثِ الوَاحِدِ، فَيُحَصَّلُ فِيهَا القَوِيُّ وَيُعْرَفُ الضَعِيفُ» (٢). ونَهَجَ نَهْجَ الصَّحابةِ في ذلكَ جمعٌ منْ كبارِ التَّابعينَ، قالَ ابنُ حبَّانَ «ت ٣٥٤ هـ»: «ثمَّ أَخَذَ مَسْلَكَ [أبي بَكْرٍ وَ] عُمَرَ وَعَلِيٍّ، وَاسْتَنَّ بُسُنَّتِهِمْ وَاهْتَدَى بِهَدْيِهِمْ فِيمَا اسْتَنُّوا مِنَ التَّيَقُّظِ فِي الرِّوَايَاتِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مِنْ سَادَاتِ التَّابِعِينَ، مِنْهُمْ: سَعِيدُ بنُ المُسَيِّبِ، وَالقَاسِمُ بنُ مُحَمَّدٍ بنِ أَبِي بَكْرٍ، وَسَالِمُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، وَعَلِيُّ بنُ الحُسَينِ بنِ

стр. 112

عَلِيٍّ، وَأَبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوفٍ، وَعَبْدُ اللهِ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ عُتْبَةَ، وَخَارِجَةُ بنُ زَيدٍ بنِ ثَابِتٍ، وُعُرْوَةُ بنُ الزُّبَيرِ بنِ العَوَّامِ، وَأَبُو بَكْرٍ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ الحَارِثِ، وَسُلَيمَانُ بنُ يَسَارٍ» (١). ومنْ الأمثلة في ذلكَ حينمَا قيلَ لمِسْعَرِ بنِ كدامٍ «ت ٥٣ أو ٥٥ هـ»: «مَا أَكْثَرَ تَشَكُّكِكَ؟» قالَ: «تِلْكَ مُحَامَاةٌ عَنِ اليَقِينِ» (٢). وقولُ أبي العاليةِ الرِّياحيِّ «ت ٩٠ هـ»: «كُنَّا نَسْمَعُ الرِّوَايَةَ بِالبَصْرَةِ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَمْ نَرْضَ حَتَّى رَكِبْنَا إِلَى المَدِينَةِ، فَسَمِعْنَاهَا مِنْ أَفْوَاهِهِمْ» (٣). * * * ثانياً: الاِهْتِمَامُ بِالإِسْنَادِ، وَالتَّفْتِيشُ عَنْهُ «قُبَيلَ مُنْتَصَفِ القَرْنِ الأَوَّلِ الهِجْرِيِّ»: وقُبَيلَ النِّصفِ الثَّاني منَ القرنِ الأوَّلِ للهجرَةِ النَّبويَّةِ بدأَ الاهتمامُ بالإسنادِ والتَّفتيشُ عنهُ، كمَا أشارَ إلى ذلكَ محمَّدُ بنُ سيرينَ «ت ١١٠ هـ» بقولِهِ: «لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الفِتْنَةُ، قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ، فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ البِدَعِ فَلا يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ» (٤).

стр. 113

والفتنةُ كانتْ عامَ «٣٥ هـ»، فقدْ قالَ إبراهيمُ النَّخَعِيُّ (١) «ت ٩٦ هـ»: «إِنَّمَا سُئِلَ عَنِ الإِسْنَادِ أَيَّامَ المُخْتَارِ» (٢). وأيَّامُ «المختارِ» هيَ امتدادٌ لأيامِ الفتنةِ التي وردتْ في كلامِ ابنِ سيرينَ حيثُ بلغتِ الأوجَ، والمختارُ قَدِمَ الكوفةَ سنةَ «٦٤ هـ»، وتوفي سنة «٦٧ هـ» (٣). وهذَا الزَّمَنُ كانَ فيهِ كلٌ منَ الشَّعبيِّ (٤) «ت ١٠٣ هـ» وابنِ سيرينَ «ت ١١٠ هـ»، وهمَا أوَّلُ منْ فتَّشَ عنِ الإسنادِ، قالَ يحيى القَطَّانُ «ت ١٩٨ هـ»: «الشَّعْبِيُّ أَوَّلُ مَنْ فَتَّشَ عَنِ الإِسْنَادِ» (٥). وقالَ ابنُ المَدِينِيِّ «ت ٢٣٤ هـ»: «كَانَ ابنُ سِيرِينَ مِمَّنْ يَنْظُرُ فِي الحَدِيثِ، وَيُفَتِّشُ عَنِ الإِسْنَادِ، لا نَعْلَمُ أَحَدَاً أَوَّلَ مِنْهُ، ثُمَّ كَانَ أَيُّوبُ، وَابْنُ عَونٍ، ثُمَّ كَانَ شُعْبَةُ، ثُمَّ كَانَ يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ القَطَّانُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَهْدِيٍّ» (٦). وليسَ هذا معناهُ أنَّهمَا الوَحيدانِ في هذَا المَيدانِ، فقدْ ذكرَ ابنُ حبَّانَ جماعةً منْ ساداتِ التَّابعينَ اعتمدُوا التَّثبُّتَ في الرِّواياتِ - كمَا مرَّ آنفاً - لكنَّ الشَّعبِيَّ وابنَ سيرينَ أُثِرَ عنهمَا كلامٌ في ذلكَ، فكانَ التَّأريخُ استنادَاً على كلامِهِمَا.

стр. 114

والتَّفتيشُ عنِ الإِسنادِ تفتيشٌ عنِ الرُّواةِ أيضاً منْ حيثُ العدالةِ والضَّبطِ، والقبُولِ أو الرَّدِّ، فقدْ برزَ معَ الإسنادِ علمُ الجرحِ والتَّعديلِ (١)، لأنَّ بهِ يتميَّزُ الرَّاوِي الثِّقةُ منْ غيرِهِ، ولا معنَى للإسنادِ إذا لمْ تتميَّز رُوَاتُهُ، قالَ التِّرمذِيُّ «ت ٢٧٩ هـ»: «وَقَدْ وَجَدْنَا غَيرَ وَاحِدٍ مِنَ الأَئِمَّةِ التَّابِعِينَ قَدْ تَكَلَّمُوا فِي الرِّجَالِ، منهُمُ: الحسنُ البَصرِيُّ «ت ١١٠ هـ»، وطَاوُسُ «ت ١٠٦ هـ»، وَسَعِيدُ بنُ جُبَيرٍ «ت ٩٥ هـ»، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ «ت ٩٦ هـ»، وَعَامِرٌ الشَّعْبِيُّ «ت ١٠٣ هـ»» (٢). وكذلكَ محمَّدُ بنُ سيرينَ، قالَ الذَّهبيُّ «ت ٧٤٨ هـ»: «أَوَّلُ مَنْ زَكَّى وَجَرَحَ مِنَ التَّابِعِينَ - وَإِنْ كَانَ قَدْ وَقَعَ ذَلِكَ قَبْلَهُمْ - الشَّعبِيُّ وَابنُ سِيرِينَ، حُفِظَ عَنْهُمَا تَوثِيقُ أُنَاسٍ وَتَضْعِيفُ آَخَرِينَ» (٣). وذكرَ ابنُ رجبٍ «ت ٧٩٥ هـ» أنَّ ابنَ سيرينَ أوَّلُ منِ انتقدَ الرِّجالَ، وميَّزَ الثِّقاتَ منْ غيرهِمْ. ونقلَ عنْ يعقوبَ بنِ شيبةَ (٤) «ت ٢٦٢ هـ» أنَّهُ قالَ: «قُلْتُ لِيَحْيَى بنِ معينٍ: تَعْرِفُ أَحَدَاً مِنَ التَّابِعِينَ كَانَ يَنتقِي الرِّجَالَ، كَمَا كَانَ ابنُ سِيرِينَ يَنْتَقِيهِمْ؟ فَقَالَ بِرَاسِهِ: أَي: لا» (٥). * * *

стр. 115

ثالثاً: تَطَوُّرُ السَّبْرِ بِمَفْهُومِهِ الوَاسِعِ (أَوَاخِرُ القَرْنِ الأَوَّلِ، وَأَوَائِلُ القَرْنِ الثَّانِي): بعدَ اهتمامِ الأئمَّةِ بالإسنادِ ورجالِهِ، تضاعفتْ أعدادُ الأسانيدِ لتصلَ إلى مئاتِ الآلافِ ومعَ تضاعُفِ الأسانيدِ وتضاعُفِ رُوَاتِهَا، كانَ لا بُدَّ منْ حصرِ مرويَّاتِ كلِّ راوٍ وسبرِهَا، وسبْرِ متابعاتِ كلِّ حديثٍ وشواهِدِهِ، فأخَذَ منهجُ السَّبرِ وجمعِ الطُّرقِ بالتَّطوُّرِ والارتقاءِ - أي: في أواخِرِ القرنِ الأوَّلِ الهجرِيِّ، وأوائلِ القرنِ الثَّاني الهجرِيِّ - وقدْ بيَّنَ ابنُ حبَّانَ «ت ٣٥٤ هـ» في كتابِهِ المجروحينَ بدايةَ السَّبرِ بمفهومِهِ الواسِعِ - تتبُّعُ المرويَّاتِ وجمعُهَا وموازنتُهَا ومقارنتُهَا - والرِّحلَةَ لأَجْلِهِ، وأَنَّهُ نشأَ على يدِ أوَّلِ طبقَةٍ منَ التَّابعينَ، فقالَ بعدَ أنْ ذكرَ تفتيشَ الصَّحابَةِ وتثبُّتَهُمْ في الرِّوايَاتِ، واتِّباعَ سَادَاتِ التَّابعينَ لهم في ذلكَ: «أَخَذَ عَنْهُمُ العِلْمَ، وَتَتَبُّعَ الطُّرُقِ، وَانْتِقَاءَ الرِّجَالِ، وَرَحَلَ فِي جَمْعِ السُّنَنِ جَمَاعَةٌ بَعْدَهُمْ، مِنْهُمُ: الزُّهْرِيُّ «ت ١٢٤ هـ»، وَيَحْيَى بنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ «ت ١٤٤ هـ»، وَهِشَامُ بنُ عُرْوَةَ «ت ١٤٦ هـ»، وَسَعْدُ بنُ إِبْرَاهِيمَ «ت ١٢٥ هـ» … » (١). وأوَّلُ منِ اعتمَدَ السَّبرَ وجمعَ الطُّرقِ هوَ الشَّعبِيُّ «ت ١٠٣ هـ»، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «أَمَّا جَمْعُ الحَدِيثِ إِلَى مِثْلِهِ فِي بَابٍ وَاحِدٍ، فَقَدْ سَبَقَ إِلَيهِ الشَّعْبِيُّ، فِإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: هَذَا بَابٌ مِنَ الطَّلاقِ جَسِيمٌ، وَسَاقَ فِيهِ أَحَادِيثَ» (٢).

стр. 116

وَمِنْ أوائلِ منْ أُثِرَ عنهُ كلامٌ في السَّبرِ وجمعِ الطُّرقِ محمَّدُ بنُ سيرينَ «ت ١١٠ هـ»، حيثُ قالَ: «كُنْتُ أَسْمَعُ الحَدِيثَ مِنْ عَشَرَةٍ، اللَّفظُ مُخْتَلِفٌ وَالمَعْنَى وَاحِدٌ» (١). وَابنُ أبي مُلَيكَةَ (٢) «ت ١١٧ هـ» حيثُ قالَ لأيوبَ السِّخْتِيَانِيِّ «ت ١٣١ هـ»: «أَلَا تَعْجَبْ! حَدَّثَنِي القَاسِمُ عَنْ عَائِشَةَ ﵁ أنَّهَا قَالَتْ: «أَهْلَلْتُ بِالحَجِّ». وَحَدَّثَنِي عُرْوَةُ أَنَّهَا قَالَتْ: «أَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ». أَلَا تَعْجَبْ!» (٣). يُبَيِّنُ فيهَا معارضةَ روايَتَي القاسِمِ وعُرْوَةَ. وكذلك يزيدُ بنُ أبي حبيبٍ «ت ١٢٨ هـ» يقولُ: «إِذَا سَمِعْتَ الحَدِيثَ فَانْشُدْهُ كَمَا تَنْشُدُ الضَّالَّةَ، فَإِنْ عُرِفَ فَخُذْهُ، وَإِلَّا فَدَعْهُ» (٤). ووردَ أيضاً عنْ أيوبَ السِّخْتِيَانِيّ «ت ١٣١ هـ» - وهوَ منَ الفقهاءِ العبَّادِ التَّابعينَ - قَولُهُ: «إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ خَطَأَ مُعَلِّمِكَ فَجَالِسْ غَيرَهُ» (٥). ولا يكونُ تمييزُ الخطأِ إلَّا بالمقارنَةِ والموازنَةِ، أي: بسبرِ أحاديثِ الشُّيوخِ. وَقَالَ الطَّيَالِسِيُّ (٦) «ت ٢٠٤ هـ»: «كُنَّا عندَ شُعبَةَ «ت ١٦٠ هـ»، فجاءَهُ خالدُ بنُ طَلِيقٍ، وَأبو الرَّبيعِ السَّمَّانُ، فكانَ خالدُ بنُ طليقٍ الذِي يَسألُهُ، فقالَ: يا أبَا بِسطَامَ، حدِّثني حديثَ

стр. 117

سِمَاكِ ابنِ حربٍ في اقتضاءِ الوَرِقِ منَ الذَّهَبِ، فقالَ: «رَفَعَهُ سِمَاكُ وَأَنَا أُفَرِّقُهُ، حَدَّثَنِي دَاوُدُ، عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، لَمْ يَرْفَعْهُ. وَحَدَّثَنِي قَتَادَةُ، عَنْ سَعِيدِ بنِ الُمسَيِّبِ، عَنِ ابنِ عُمَرَ لَمْ يَرْفَعْهُ. وَحَدَّثَنِي أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابنِ عُمَرَ، لَمْ يَرْفَعْهُ. وَرَفَعَهُ سِمَاكُ» (١). وهذا سبرٌ بيِّنٌ للرِّواياتِ، وكشفٌ للعلَّةِ منْ خلالِهِ، حيثُ ميَّزَ الحديثَ الموقوفَ من المرفوعِ منْ خلالِ السَّبرِ. وقالَ ابنُ المباركِ «ت ١٨١ هـ»: «إِذَا أَرَدْتَ أَنْ يَصِحَّ لَكَ الحَدِيثُ فَاضْرِبْ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ» (٢). ورُوِيَ عنِ ابنِ شِهابٍ الزُّهرِيِّ «ت ١٢٤ هـ» معارضتُهُ بينَ المرويَّاتِ، حيثُ قال: «أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيرِ، وَابْنُ المُسَيِّبِ، وَعَلْقَمَةُ بنُ وَقَّاصٍ، وَعُبَيدُ اللهِ بنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵁، وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضَاً» (٣). فهذهِ كلُّهَا نصوصٌ تُبيِّنُ أنَّ الأئمَّةَ في أواخرِ القرنِ الأوَّلِ ومطلَعِ القرنِ الثانِي كانُوا يسبرونَ المرويَّاتِ ويوازنُونَ بينهَا، ويستخرجونَ عللِهَا، ويبينونَ فوائِدَهَا. ولا بدَّ منْ أن نُشيرَ هنا إلى تزامُنِ معرفَةِ العلَّةِ مع نشأَةِ السَّبرِ، لأنَّ السَّبرَ هو الأداةُ التي استخدمَهَا المحدِّثونَ لبيانِ أوجُهِ الاتِّفاقِ والاختلافِ، لكشفِ عللِ الأحاديثِ، وإبرازِ فوائدِهِ، والأئمَّةُ الذينَ نشأَ على أيديهِم علمُ العللِ، هم شعبةُ بنُ الحجَّاجِ «ت ١٦٠ هـ»،

стр. 118

وعبدُ الرَّحمنِ بنُ مَهديٍّ «ت ١٩٨ هـ»، وَيحيى بنُ سعيدٍ القطَّانُ «ت ١٩٨ هـ». والنَّصُّ الذي أوردناهُ آنفاً عنْ شعبةَ بنِ الحجَّاجِ يُفيدُ إفادةً قاطعةً على استخراجِ «شعبةَ» لعللِ الحديثِ منْ خلالِ السَّبرِ، حيثُ ميَّزَ الموقوفَ من المرفوعِ، ممَّا يؤكِّدُ أوَّليَّتَهُ في هذا العلمِ الدقيقِ، وكذلكَ فقدْ ذكرَ ابنُ رجبٍ «ت ٧٩٥ هـ» أنَّ ليحيى بنِ سعيدٍ القطَّانِ «ت ١٩٨ هـ» كتاباً في العللِ (١). * * * رابعاً: بُلُوغُ السَّبْرِ أَوجَهُ فِي القَرْنِ الثَّالِثِ، وَتَنَوُّعُ التَّصْنِيفِ فِي الحَدِيثِ اعْتِمَادَاً عَلَيهِ: بلغَ السَّبرُ أوجَهُ في القرنِ الثَّالثِ الهجريِّ، ويدلُّ على ذلكَ صنيعُ الأئمَّةِ المحدِّثينَ والمصنفِّينَ، كابنِ معينٍ، وابنِ المدينيِّ، وابنِ حنبلٍ، والبخاريِّ، ومسلمٍ، ويعقوبَ بنِ شيبةَ وأبي حاتمٍ، وأبي زرعةَ، والتِّرمذيِّ، والعُقيليِّ، وأبي بكرٍ البزارِ … وغيرِهِم منْ أئمَّةِ الجرحِ والتَّعديلِ، حيثُ اعتمدوا السَّبرَ في الحكمِ على الرِّجالِ ومرويَّاتِهِم، واستخراجِهِم عللَ الأحاديثِ، وهوَ ما تُرجِمَ على ألسنةِ كثيرٍ من هؤلاءِ الأئمَّةِ بياناً لأهميَّةِ السَّبر، وقدْ مرَّت أقوالُ هؤلاءِ الأئمَّةِ في السَّبرِ، سأذكرُ أقوالِهم في الهامشِ تجنُّبَاً للتَّكرَارِ. وهذَا القرنُ هوَ قرنُ التَّأليفِ اعتمادَاً على السَّبرِ، واتخَذَ أَشكَالاً عدَّةً: فمصنفونَ اعتمدُوا السَّبرَ في تصنيفِ الصَّحيحِ والضَّعيفِ منَ الحديثِ، كالأئمَّةِ السِّتَّةِ … وغيرهِم. وانتشرَت الأجزاءُ الحديثيَّةُ التي تجمعُ مرويَّاتِ راوٍ بعينِهِ، أو مرويَّاتٍ في موضوعٍ مستقلٍّ، أو جمعِ طرُقِ حديثٍ واحدٍ.

стр. 119

وكذلكَ المستخرجاتُ (١): وهيَ عبارةٌ عنْ بحثٍ وتفتيشٍ لطرقٍ أخرى للأحاديثِ لتعزيزِهَا، واستكمالِ ما قدْ يُظَنُّ فيهَا منْ نقصٍ أو خللٍ. ومنْ أئمَّةِ السَّبرِ في هذَا القرنِ: ابنُ معينٍ «ت ٢٣٢ هـ»، وجُلُّ اعتمادِهِ في الحكمِ على الرِّجالِ هو السَّبرُ، وهوَ ما يظهرُ جليَّاً في تاريخِهِ. قالَ ابنُ عديٍّ «ت ٣٦٥ هـ» في معرِضِ دفاعِهِ عنِ ابنِ معينٍ: «وَيَحْيَى أَجَلُّ مِنْ أَنْ يُقَالَ فِيهِ مِثْلُ هَذَا، لأَنَّ عَامَّةَ الرُّوَاةِ سَبَرَ لَهُ أَحْوَالَهُ» (٢). وابنُ المدينيِّ «ت ٢٣٤ هـ»، وهوَ إمامٌ في العللِ، ولهُ مصنَّفاتٌ كثيرةٌ فيهِ، منهَا: عللُ المسندِ، والعللُ لإسماعيلَ القاضِي، وعللُ حديثِ ابنِ عُيَينَةَ، واختلافُ الحديثِ، والعللُ المفرَّقَةُ (٣).

стр. 120

وابنُ حنبلٍ «ت ٢٤١ هـ»، والبخاريُّ «ت ٢٥٦ هـ»، ومسلمٌ «ت ٢٦١ هـ»، وأبو داودَ «ت ٢٧٥ هـ» والتِّرمذيُّ «ت ٢٧٩ هـ»، والنَّسائيُّ «ت ٣٠٣ هـ»، وقدْ بيَّنَّا كيفَ أخرجَ هؤلاءِ الأئمَّةُ مصنَّفاتِهِم منْ خلالِ السَّبرِ (١)، فضلاً عن كونِهِمْ منْ أئمَّةِ الجرحِ والتَّعديلِ، والعللِ. وهذانِ العِلْمَانِ مُعْتَمَدُهُمَا السَّبرُ، إلَّا أنَّ الإمامَ مسلماً اختصَّ بجمعِ طُرقِ الحديثِ في مكانٍ واحدٍ بأسانيدِهِ المتعدِّدةِ، وألفاظِهِ المختلفَةِ، وسنُبيِّنُ منهجَ الإمامِ مسلمٍ في صحيحِهِ بالتَّفصيلِ في مبحثِ «المصنَّفاتُ التي اعتمدَتِ السَّبرَ» (٢). وللبخاريِّ كتابانِ عَرَضَ فيهمَا لعللِ الأحاديث، يُعرفَانِ بالتَّاريخِ الكبيرِ (٣)، والتاريخِ الأوسط (٤). وكذلكَ التِّرمِذِيُّ «ت ٢٧٩ هـ»، فإنَّهُ يُومئُ إلى طرقِ الحديثِ الأخرى بعدَ ذكرِ الرِّوايةِ الأصليَّةِ، قالَ الشَّيخُ أحمدُ شاكر (٥) «ت ١٣٧٧ هـ»: «بَعْدَ أنْ يَرْوِي التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَ البَابِ،

стр. 121

يَذْكُرُ أَسْمَاءَ الصَّحَابَةِ الذِينَ رُوِيَتْ عَنْهُمْ أَحَادِيثُ فِي هَذَا البَابِ، سَوَاءً أَكَانَتْ بِمَعْنَى الحَدِيثِ الذِي رَوَاهُ، أَمْ بِمَعْنَىً آَخَرَ، أَمْ بِمَا يُخَالِفُهُ، أَمْ بِإِشَارَةٍ إِلَيهِ وَلَو مِنْ بَعِيدٍ» (١). بالإضافَةِ إلى بيانِ الإمامِ التِّرمذيِّ للعللِ في كتابِهِ على ضوءِ سبرِهِ للأحاديثِ. والنَّسائيُّ «ت ٣٠٣ هـ»، فقدْ سارَ في سننِهِ على طريقةٍ جمعتْ بينَ الفقهِ وفنِّ الإسنادِ، فجمعَ أسانيدَ الحديثِ الواحدِ في موطنٍ واحدٍ، قالَ شيخُنَا نورُ الدِّينِ: «وَكِتَابُ «المُجْتَبَى» هَذَا يَسِيرُ عَلَى طَرِيقَةٍ دَقِيقَةٍ تَجْمَعُ بَينَ الفِقْهِ وَفَنِّ الإِسْنَادِ، فَقَدْ رَتَّبَ الأَحَادِيثَ عَلَى الأَبْوَابِ، وَوَضَعَ لَها عَنَاوِينَ تَبْلُغُ أَحْيَانَاً مَنْزِلَةً بَعِيدَةً مِنَ الدِّقَّةِ، وَجَمَعَ أَسَانِيدَ الحَدِيثِ الوَاحِدِ فِي مَوطِنٍ وَاحِدٍ، وَبِذَلِكَ سَلَكَ أَغْمَضَ مَسَالِكِ المُحَدِّثِينَ وَأَجَلِّهَا» (٢). وللنَّسائِيِّ أيضَاً جزءٌ جمعَ فيهِ حديثَ «الفُضَيلِ بن عِيَاضٍ» (٣). والإمامُ أحمدُ «ت ٢٤١ هـ» في كتابِهِ المسنَدِ - كما هوَ شأنُ المسانيدِ - جمعَ أحاديثَ الصَّحابيِّ في موضعٍ واحدٍ (٤) - وَفي كتابِهِ «فضائلُ الصحابَةِ» حيثُ جمعَ طرقَ كلِّ نصٍّ في موضعٍ واحدٍ (٥). ومحمدُ بنُ أسلَمَ الطُّوسِيُّ «ت ٢٤٢ هـ»، جمعَ طُرُقَ حديثِ «قبضِ العلمِ» (٦).

стр. 122

وأبو بكرٍ الأثرمُ «ت ٢٦١ هـ»، لهُ مصنَّفٌ في السُّنَنِ، وآخرُ في عللِ الحديثِ (١). والذُّهليُّ «ت ٢٧٥ هـ»، جمعَ حديثَ «الزُّهرِيِّ» وبيَّنَ عللَهُ، وهي المسمَّاةُ ب «الزُّهريَّاتِ» (٢). وأبُو بكرٍ الإسفراييني «ت ٢٨٦ هـ»، لهُ مُستخرَجٌ على صحيحِ مُسلِمٍ (٣). والبَزَّارُ «ت ٢٩٢ هـ»، كذلك لهُ مُستخرَجٌ على صحيحِ مُسلِمٍ، ولهُ المسندُ جمعَ فيهِ طرقَ الحديثِ (٤). وأبو بكرٍ محمَّدُ بنُ إسماعيلَ الإِسماعيليُّ «ت ٢٩٥ هـ»، جمعَ حديثَ «الزُّهرِيِّ»، وحديثَ «مالكٍ»، وحديثَ «يحيى بنِ سعيدٍ»، وحديثَ «عبدِ الله بن دينارٍ»، وحديثَ «موسى بنِ عقبةَ»، وحديثَ «مِسعرِ بنِ كِدامٍ» (٥). * * * رابعاً: السَّبْرُ مِنَ القَرْنِ الرَّابِعِ حَتَّى القَرْنِ التَّاسِعِ الهِجْرِيِّ: يُعدُّ القَرْنُ الثَّالثُ - كمَا أسلفْنَا - العصرَ الذَّهبيَّ للسَّبرِ عندَ المُحدِّثينَ، تكاملَ فيهِ بنيانُهُ واكتملتْ أغراضُهُ، واستُخدِمَ على أوسعِ نطاقٍ، من النَّاحيتينِ النَّظريَّةِ والتَّطبيقِيَّةِ، حيثُ كانَ المنهجَ العلمِيَّ الأدَقَّ للنَّقدِ عندَ أئمَّةِ الحديثِ النَّبويِّ الشَّريفِ.

стр. 123

وأمَّا القرونُ التي أتتْ بعدَ هذَا القرنِ فكانتْ امتدادَاً لهُ، لمْ يزِدْ عليهِ أئمَّتُهُ سوى الاستنانِ بِسُنَنِ أئمَّةِ القَرنِ الثَّالثِ في تطبيقِ منهجِ السَّبرِ، لكنْ يُلاحَظُ في هذَا القرنِ «الرابع»: أولاً: استخدامُ مُصطلَحِ «السَّبْرِ» على يدِ إمامينِ جليلينِ منْ أئمَّةِ العِلَلِ والرِّجالِ، وهُمَا ابنُ حبَّانَ «ت ٣٥٤ هـ»، وابنُ عديٍّ «ت ٣٦٥ هـ»، فهمَا أكثرُ منِ استخدَمَ السَّبْرَ لفظَاً وتطبيقَاً، في كُتُبهِمَا الثِّقاتِ والمجروحينَ لابنِ حبَّانَ، والكاملِ لابنِ عديٍّ. ثانياً: وثمَّةَ مَلْحَظٌ آخرُ، وهوَ كثرةُ الأجزاءِ الحديثيَّةِ التي تجمعُ طُرُقَ حديثٍ مَا. وممنْ استخدمَ السَّبرَ وجمعَ طرقِ بعضِ الأحاديثِ في القرنِ الرَّابعِ: ابنُ جريرٍ الطَّبريُّ «ت ٣١٠ هـ» في كتابِهِ «تهذيبُ الآثارِ»، وكتابُهُ هذَا مُستفيضٌ ببيانِ العللِ وجمعِ الطُّرقِ بمَا لمْ يسبِقْ إليهِ (١). وأبو عَوَانَةَ الإِسفرايينِيُّ «ت ٣١٦ هـ» لهُ مُستخرَجٌ على صحيحِ مُسلِم (٢). والطَّحاوِيُّ «ت ٣٢١ هـ» في كتابِهِ «مشكِلِ الآثارِ» (٣)، حيثُ جمعَ بينَ الرِّواياتِ التي ظاهرُهَا التَّعارضُ، وقامَ بدفعِ هذَا التَّعارُضِ.

стр. 124

وابنُ عُقدةَ «ت ٣٣٢ هـ»، جمعَ طرُقَ حديثِ «منْ كنتُ مولاهُ فعليٌ مولاهُ» (١). وقاسمُ بنُ إِصبَغَ القُرطُبِيُّ «ت ٣٤٠ هـ» لهُ مُستخرَجٌ على سُنَنِ أبي داودَ (٢). وابنُ النَّجَّادِ «ت ٣٤٨ هـ»، في مُصنَّفِهِ «مسندُ عمرَ بنِ الخطَّابِ»، حيثُ قامَ بجمعِ أحاديثِ كلِّ قضيةٍ ناقشَهَا في موضعٍ واحدٍ، وجمعَ طرقَ الحديثِ الواحدِ في موضعٍ واحدٍ، ونبَّهَ إلى الاختلافِ الواقعِ بينَ رواةِ النَّصِّ الواحدِ (٣). والحافظُ يوسُفُ بنُ خليلٍ الدِّمشقِيُّ «ت ٣٤٨ هـ»، جمعَ حديثَ «منْ كذبَ عليَّ مُتعمِّدَاً» (٤). والآجريُّ «ت ٣٦٠ هـ»، جمعَ طُرقَ حديثِ (الإِفْكِ) (٥). والطَّبرانيُّ «ت ٣٦٠ هـ»، جمعَ طُرُقَ حديثِ «منْ كذبَ عليَّ متعمِّدَاً» (٦)، وجمعَ أحاديثَ «الأعمشِ»، و لهُ أيضَاً «مسندُ شعبةَ»، و «مسندُ سُفيانَ»، وَ «مسندُ الأوزاعِيِّ» (٧).

стр. 125

وأبو عليٍّ المَاسَرْجَسِيُّ «ت ٣٦٥ هـ» لهُ مُستخرَجٌ على الصَّحيحينِ (١). وأبو بكرٍ أحمدُ بنُ إبراهيمَ الإسماعيليُّ «ت ٣٧١ هـ»، منْ تصانيفِهِ «المستخرجُ على الصَّحيحَينِ»، و «مسندُ عمرَ»، وجمعَ أحاديثَ «الأعمشِ» (٢). ومحمَّدُ بنُ أبي حامدٍ الغَطْرِيفِيُّ «ت ٣٧٧ هـ» لهُ مستخرجٌ على صحيحِ البخاريِّ، وله جزء حديثي (٣). ومحمَّدُ بنُ أبي العبَّاسِ الهَرَوِيُّ «ت ٣٧٨ هـ» له أيضاً مستخرجٌ على صحيحِ البخاريِّ (٤). والدَّارقطنِيُّ «ت ٣٨٥ هـ» في كتابِهِ «الرُّؤيةِ»، حيثُ ذكرَ أحاديثَ كلِّ صحابيٍّ على حِدَه، وجمعَ طُرُقَ الأحاديثِ التي يسوقُهَا، وبيَّنَ اختلافَ الإسنادِ أو المتنِ (٥). وابنُ شاهينَ «ت ٣٨٥ هـ»، جمعَ طُرُقَ حديثِ «إنَّمَا الماءُ منَ الماءِ» (٦). وَممَّنْ قامَ بمثْلِ ذلكَ في القرنِ الخامِسِ: أبو بكرٍ البَرْقَانيّ «ت ٤٢٥ هـ» لهُ مُستخرَجٌ على الصَّحيحَينِ (٧).

стр. 126

وأبو بكرٍ بنِ مَنْجَوَيهِ «ت ٤٢٨ هـ»، لهُ مُستخرَجٌ على الصَّحيحينِ، وعلَى سُننِ التِّرمذيِّ، وعلى سننِ أبي داودَ (١). وأبو نُعَيمٍ الأصبهانيُّ «ت ٤٣٠ هـ»، جمعَ طرقَ حديثِ «إنَّ للهِ تسعةً وتسعينَ اسماً» (٢). ولهُ مُستخرَجٌ على الصَّحيحَينِ (٣). وأبو ذرٍّ الهَرَوِيُّ «ت ٤٣٤ هـ» لهُ مُستخرَجٌ على الصَّحيحَينِ (٤). وأبو عمرٍو الدَّانيُّ «ت ٤٤٤ هـ» جمعَ طُرُقَ كلِّ حديثٍ في كتابِهِ «السُّنَنُ الواردَةُ في الفتنِ» (٥). وَمنْ أبرزِ منِ استخدمَ السَّبرَ نظريَّاً وتطبيقَاً الخطيبُ البغدادِيُّ «ت ٤٦٣ هـ» في تاريخِهِ (٦)، ولهُ جُزءٌ جمعَ فيهِ طرقَ حديثِ «قبضِ العلمِ» (٧). وكذلكَ ابنُ عبدِ البَرِّ «ت ٤٦٣ هـ» في كتابِهِ «التمهيدُ لمَا في الموطَّأِ منَ المعانِي والأسانيدِ» (٨).

стр. 127

وأبو الفتحِ نصرُ بنُ إبراهيمَ المقدسِيُّ «ت ٤٩٠ هـ»، جمعَ طُرقَ حديثِ «قبضِ العلمِ» (١). وفي القرنِ السَّادسِ: الحازِميُّ «ت ٥٤٨ هـ»، جمعَ طرقَ حديثِ «إنَّمَا الماءُ منَ الماءِ» (٢). وابنُ الجوزِيِّ «ت ٥٩٧ هـ»، جمعَ حديثَ «منْ كذبَ عليَّ» (٣). وفي القرْنِ السَّابِعِ: الضِّياءُ المقدسيُّ «ت ٦٤٣ هـ»، جمعَ طرقَ حديثِ «الحوضِ» (٤). وابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»، جمعَ طرقَ حديثِ (الرَّحمةِ) (٥). ولا بدَّ من الإشارَةِ إلى جامعِ الأصولِ (٦) لابنِ الأثيرِ الجزرِيِّ «ت ٦٠٦ هـ»، وهوَ مُختصٌّ بالمتنِ دونَ الإسنادِ، فقدْ جمعَ ابنُ الأثيرِ الرِّواياتِ المختلفَةِ منَ الحديثِ في موطنٍ واحدٍ مبيِّنَاً أوجُهَ الاختلافِ والاتِّفاقِ في متنِ الحديثِ. وفِي القَرنِ الثَّامِنِ: ابنُ دقيقٍ «ت ٧٠٢ هـ»، ذكرنَا لهُ قولاً في السَّبرِ (٧).

стр. 128

والدِّمْيَاطِيُّ «ت ٧٠٨ هـ»، جمعَ حديثَ «لا نكاحَ إلا بوليٍّ» (١). والذَّهبيُّ «ت ٧٤٨ هـ»، وهوَ إمامٌ مبرِّزٌ في هذا العلمِ، ولهُ جَمْعُ طُرُقِ حديثِ «منْ كنتُ مولاهُ فعليٌّ مولاهُ» (٢)، وحديثِ «الطَّيرِ» (٣). والعلائيُّ «ت ٧٦١ هـ»، جمعَ طرقَ حديثِ «ذِي اليدينِ» في سجودِ السَّهوِ (٤). والزَّركَشيُّ «ت ٧٩٤ هـ» لهُ قولٌ في أهميَّةِ السَّبرِ (٥). وابنُ رَجبٍ الحنبلِيُّ «ت ٧٩٥ هـ»، في كتابِهِ «فتحُ البارِي شرحُ صحيحِ البخاريِّ» (٦). وفِي القَرنِ التَّاسِعِ: الحافظُ العراقيُّ «ت ٨٠٦ هـ»، لهُ أقوالٌ في أهميَّةِ السَّبر (٧). وابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»، فقدِ اعتمدَ السَّبرَ وجَمْعَ المرويَّاتِ في جُلِّ كُتُبِهِ، ك «فَتْحِ البَاري»، و «التَّلخيصِ الحبِير»، وله جزءٌ في جَمْعِ طُرُقِ حديثِ «التَّسبيحِ» (٨). * * *

стр. 129

إنَّ منهجَ السَّبرِ عندَ المحدِّثينَ لتمييزِ الصَّحيحِ منَ الضَّعيفِ، والمنقولِ منَ المتقوَّلِ، والحكمِ على الرِّجالِ، والاعتبارِ بمرويَّاتِهِم، بدأتْ بذورُهُ في عهدِ الصَّحابَةِ الأُوَلِ أبي بكرٍ وعُمَرَ ﵃ ومَنْ بعدَهُم، ثمَّ ترعرعتْ في ظِلِّ كثرةِ الرُّواةِ وتعدُّدِ الأسانيدِ والمتونِ، حتَّى أصبحَ السَّبرُ عُمْدَةَ المنهجِ العلمِيِّ للنَّقدِ عندَ المحدِّثينَ في التَّصحيحِ والتَّضعيفِ، والجرحِ والتَّعديلِ، وبلغَ الذُّروَةَ في القرنِ الثَّالِثِ الهِجريِّ، وامتدَّت جذورُهُ حتَّى القرنِ العاشرِ الهجريِّ، إلى زماننَا هذَا، قالَ الأعظَمِيُّ: «إِنَّ المُعَارَضَةَ بَينَ الرِّوَايَاتِ المُخْتَلِفَةِ لِمَعْرِفَةِ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَتَمْيِيزِ الصَّوَابِ مِنَ الخَطَأِ، وَنَقْدِ الرِّجَالِ، بَدَأَتْ مِنْ عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَتَرَعْرَعَتْ، وَتَفَرَّعَتْ، وَاسْتُعْمِلَتْ مِنْ قِبَلِ المُحَدِّثِينَ النُّقَّادِ كَافَّةً، حَتَّى أَصْبَحَتْ مَنْهَجَهُمُ العِلْمِيَّ فِي الأَقْطَارِ وَالأَزْمَانِ كَافَّةً، غَيرَ أَنَّ هَذَا المَنْهَجَ تَوَّسَعَ كَثِيرَاً بِمُرُورِ الزَّمَنِ، وَتَنَوَّعَتْ طُرُقُهُ وَأَسْبَابُهُ … » (١). * * *

стр. 130

المَبْحَثُ الثَّانِي: صُوَرُ السَّبْرِ عِنْدَ المُحَدِّثِينَ: تتعدَّدُ صورُ السَّبرِ عندَ المحدِّثينَ بتنوُّعِ أغراضِهِ، لبيانِ حالِ الرَّاوي أوِ المروِيِّ، وهذهِ الصُّورُ استُقْرِئَتْ منْ صنيعِ المحدِّثينَ وتطبيقاتِهِم وبعضِ تعليقاتِهِمْ في الحكمِ على الأحاديثِ والرِّجالِ، وكتبُ عللِ الحديثِ والرِّجالِ تزخَرُ بأمثلَةٍ وافيَةٍ عنْ ذلكَ، وقدْ ذَكَرَ بعضُ العلماءِ المعاصرينَ (١) بعضاً منهَا كصُوَرٍ للمُعَارضَةِ - بمفهومِهَا عندَ المحدِّثينَ - لكنَّ بعضَ هذهِ الصُّورِ لا يدخلُ في مفهومِ السَّبرِ، وإنَّما في جُزئيةٍ منهُ، أو منْ بابِ عرضِ الشَّيءِ على الشَّيءِ، أي: مقابلتُهُ بغيرِهِ لغرضِ التَّصحيحِ. والسَّبرُ بحسبِ أغراضِهِ ينقسمُ إلى نوعينِ، ويندرجُ تحتَ كلِّ نوعٍ صورٌ عدَّةٌ: النَّوعُ الأوَّلُ: السَّبرُ لمعرفَةِ ضبطِ الرَّاوِي: ولهذا النَّوعِ صورتانِ: ١ - سَبْرُ مَرْوِيَّاتِ الرَّاوِي، وَمُعَارَضَتُهَا بِمَرْوِيَّاتِ الثِّقَاتِ:

стр. 131

وهذَا هوَ المنهجُ الأشهرُ والأكثرُ ممارسةً عندَ المحدِّثينَ، وهوَ الميزانُ الذي يتمُّ منْ خلالِهِ التَّعرُّفُ على ضبطِ الرَّاوِي كشرطٍ لقبولِ حديثِهِ، وصورَتُهُ: أنْ يعمدَ المحدِّثُ إلَى جمعِ جميعِ مرويَّاتِ الرَّاوي «الأسانيدِ والمتونِ»، ومنْ ثُمَّ يعارضُهَا بمرويَّاتِ الثِّقاتِ والأثباتِ ممَّنْ هُمْ في طبقتِهِ واشتركُوا معَهُ في الرِّوايةِ، للتَّعرُّفِ علَى دقَّةِ ضبطِهِ للحدِيثِ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «يُعْرَفُ كَونُ الرَّاوِي ضَابِطَاً بَأَنْ تُعْتَبَرَ رِوَايَاتُهُ بِرِوَايَاتِ الثِّقَاتِ المَعْرُوفِينَ بِالضَّبْطِ وَالإِتْقَانِ، فَإِنْ وَجَدْنَا رِوَايَاتِهِ مُوَافِقَةً وَلَو مِنْ حَيثُ المَعْنَى لِرِوَايَاتِهِمْ، أو مُوَافِقَةً لَهَا فِي الأَغْلَبِ وَالمُخَالَفَةُ نَادِرَةٌ، عَرَفْنَا حِينَئِذٍ كَونَهُ ضَابِطَاً ثَبْتَاً، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ كَثِيرَ المُخَالَفَةِ لهمْ، عَرَفْنَا اخْتِلالَ ضَبْطِهِ، وَلَمْ نَحْتَجَّ بِحَدِيثِهِ» (١). وقالَ الذَّهبيُّ «ت ٧٤٨ هـ»: «ثُمَّ اِعْلَمْ أَنَّ أَكْثَرَ المُتَكَلَّمِ فِيهِمْ، مَا ضَعَّفَهُمُ الحُفَّاظُ إِلا لِمُخَالَفَتِهِمُ الأَثْبَاتِ» (٢). وسبيلُ معرفةِ المخالفةِ أو الموافقةِ هوَ السَّبرُ، قالَ ابنُ حبَّانَ «ت ٣٥٤ هـ»: «مَنْ كَانَ مُنْكَرَ الحَدِيثِ عَلَى قِلَّتِهِ لا يَجُوزُ تَعْدِيلُهُ إِلا بَعْدَ السَّبْرِ» (٣). وهذهِ بعضُ الأمثلةِ على سبرِ أئمَّةِ الجرحِ والتَّعديلِ للرُّواةِ، والحكمِ عليهِمْ منْ خِلالِ ذلكَ: قالَ يحيَى القطَّانُ «ت ١٩٨ هـ»: «إِذَا حَدَّثَكُمُ المُعْتَمِرُ بنُ سُلَيمَانَ بِشَيءٍ فَاعْرِضُوهُ، فَإِنَّهُ سَيِّءُ الحِفْظِ» (٤).

стр. 132

وقالَ ابنُ حبَّانَ «ت ٣٥٤ هـ» في «عبدِ الحميدِ بنِ جعفرٍ»: «أَحَدُ الثِّقَاتِ المُتْقِنِينَ، قَدْ سَبَرْتُ أَخْبَارَهُ، فَلَمْ أَرَهُ انْفَرَدَ بِحَدِيثٍ مُنْكَرٍ لَمْ يُشَارَكْ فِيهِ» (١). وقالَ ابنُ عديٍّ «ت ٣٦٥ هـ» في «حبيبِ بنِ أبي الأشرسِ»: «سَبَرْتُ رِوَايَاتِهِ فَلَمْ أَرَ بِهِ بَاسَاً، وَأَمَّا رَدَاءَةُ دِينِهِ فَهُمْ أَعْلَمُ بِهِ» (٢). وكتابُ «الكاملِ» لابنِ عديٍّ، و «المجروحينَ» و «الثقاتِ» لابنِ حبَّانَ زاخرةٌ بأمثلةٍ عنْ هذهِ الصُّورةِ منْ صورِ السَّبرِ. ٢ - سَبْرُ مَرْوِيَّاتِ الرَّاوِي، وَمُعَارَضَتُهَا بِنَفْسِهَا مِنَ الرَّاوِي ذَاتِهِ فِي أَزْمَانٍ مُخْتَلِفَةٍ: وهوَ أنْ يكتبَ النَّاقدُ الحديثَ عنْ راوِيهِ سمَاعَاً، ثُمَّ يعودَ إليهِ بعدَ بُرهَةٍ لسؤالِهِ عنِ الحديثِ نفسِهِ، وأوَّلُ منْ سلَكَ هذَا المسلَكَ عائشةُ ﵁ في قصَّتهَا معَ عمرِو بنِ العاصِ ﵃ (٣). ومروانُ بنُ الحكمِ في معارضتِهِ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ (٤)، وهوَ ما كانَ يفعلُهُ شعبَةُ «ت ١٨٩ هـ»، حيثُ قالَ: «مَا رَوَيتُ عَنْ رَجُلٍ حَدِيثَاً إِلَّا أَتَيتُهُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، والذِي رَوَيتُ عَنْهُ عَشْرَةَ أَحَادِيَثَ أَتَيتُهُ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ مِرَارٍ، وَالذِي رَوَيتُ عَنْهُ خَمْسِينَ حَدِيثَاً أَتَيتُهُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ مَرَّةً، وَالذِي رَوَيتُ عَنْهُ مِئَةَ حَدِيثٍ أَتَيتُهُ أَكْثَرَ مِنْ مِئَةِ مَرَّةٍ، إِلَّا حَيَّانَ البَارِقِيَّ فَإِنِّي سَمِعْتُ مِنْهُ هَذِهِ الأَحَادِيثَ، ثُمَّ عُدْتُ إِلَيهِ فَوَجَدْتُهُ قَدْ مَاتَ» (٥).

стр. 133

وقالَ ابنُ شيبَةَ «ت ٢٦٢ هـ»: «إِنَّ شُعْبَةَ كَانَ إِذَا لَمْ يَسْمَعِ الحَدِيثَ مَرَّتَينِ لَمْ يَعْتَدَّ بِهِ» (١). ويدخلُ في هذَا أيضاً معارضةُ مرويَّاتِ الرَّاوِي بنفسِهَا، فقدْ يروِي الرَّاوِي الحديثَ فيصلُهُ تارةً ويُرسلُهُ أخرَى، أو يرفعُهُ مرَّةً ويوقفُهُ أُخرى، أو يزيدُ في إسنادِهِ مرَّةً وينقصُهُ أُخرى، ويقيمُ متنَهُ مرَّةً ومرَّة، وبالمُعَارضةِ يتبينُ اضطرابُهُ منْ عدمِهِ. ويندرجُ تحتَ هذا النَّوعِ صورٌ أخرى، كمعارضةِ مرويَّاتِ الرَّاوي في أزمنةٍ أو أمكنةٍ مختلفةٍ، أو عنْ شيوخٍ دونَ غيرهِمْ، لمعرفةِ اختلاطِ الرَّاوِي، وضعفِهِ في شيوخٍ دونَ آخرينَ، أو في بلدٍ دونَ آخرَ، أو في زمنٍ دونَ آخرَ، وتمييزِ خطئِهِ منْ خطأِ غيرهِ، وسيأتي بسطُ الكلامِ عنْ هذهِ الصَّورِ في مبحثِ «الحكمُ على الرِّجالِ منْ خلالِ السَّبرِ» (٢). * * * النَّوعُ الثَّانِي: السَّبْرُ لِمَعْرِفَةِ حَالِ المَرْوِيِّ: وَيندرجُ تحتَ هذَا النوعِ صورتانِ: ١ - سَبْرُ مَرْويَّاتِ الرَّاوِي، وَمُعَارَضَتُهَا بِمَرْوِيَّاتِ الثِّقَاتِ، لِمَعْرِفَةِ اسْتِقَامَةِ حَدِيثِهِ: وهذهِ مثلُ الصُّورةِ الأولَى منْ صورِ السَّبرِ في بيانِ حالِ الرَّاوي، إلا أنَّ الغرضَ هنَا بيانُ حالِ مرويَّاتِ الرَّاوي، فالغرضُ منْ هذهِ الصُّورةِ ثُنَائِيٌ: بيانُ حالِ الرَّاوي أولاً - وقدْ تقدَّمَ ذكرُهُ - وبيانُ حالِ مرويَّاتِ الرَّاوي من حيثُ القبولِ أوِ الرَّدِّ، وَمدى صلاحيَّتِهَا للاعتبارِ، قالَ العلائيُّ «ت ٧٦١ هـ»: «مَنْ سَبَرَ أَحْوَالَ الرَّاوِي، وَعَرَفَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُرْسِلُ إِلَّا عَنْ ثِقَةٍ عَدْلٍ، يُحْتَجُّ بِمُرْسَلِهِ» (٣).

стр. 134

وقالَ ابنُ حبَّانَ «ت ٣٥٤ هـ» في «إِسحاقَ بنِ يحيَى»: «سَبَرْتُ أَخْبَارَهُ فَإِذَا الاجْتِهَادُ أَدَّى إِلَى تَرْكِ مَا لَمْ يُتَابَعُ عَلَيهِ، وَيُحْتَجُّ بِمَا وَافَقَ الثِّقَاتِ» (١). وقالَ ابنُ معينٍ «ت ٣٢٣ هـ»: «قَالَ لِي إِسْمَاعِيلُ بنُ عُلَيَّةَ يَومَاً: كَيفَ حَدِيثِي؟ قُلْتُ: أَنْتَ مُسْتَقِيمُ الحَدِيثِ، فَقَالَ لِي: وَكَيفَ عَلِمْتُمْ ذَاكَ؟ قُلْتُ لَهُ: عَارَضْنَا بِهَا أَحَادِيثَ النَّاسِ فَرَأَينَاهَا مُسْتَقِيمَةً، فَقَالَ: الحَمْدُ للهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ: الحَمْدُ للهِ، وَيَحْمَدُ رَبَّهُ حَتَّى دَخَلَ دَارَ بِشْرَ ابنِ مَعْرُوفٍ - أَوْ قَالَ: دَارَ أَبِي البُخْتُرِيِّ - وَأَنَا مَعَهُ» (٢). والأمثلةُ على ذلكَ كثيرةٌ، وكتبُ عللِ الحديثِ بهَا مُستفيضَةٌ. ٢ - سَبْرُ المُتَابَعَاتِ وَالشَّوَاهِدِ، وَمُعَارَضَتُهَا بِمَرْوِيَّاتِ الثِّقَاتِ: والمتابعةُ: ما توبعَ عليهِ رواتُهُ ممَّنْ دونَ الصَّحابةِ لفظَاً ومعنَى. والشَّاهدُ: ما تابعَ الصَّحابِيُّ في روايتِهِ صحابيَاً آخرَ لفظَاً أو معنَىً (٣). وصورةُ هذا النَّوعِ: أنْ يعمدَ المحدِّثُ إلى حديثٍ فيسبرَ متابعاتِهِ، ويعارضَهَا، ليتبيَّنَ أوجُهَ الاختلافِ والاتِّفاقِ، وذلكَ: لكشفِ عللِ الحديثِ، قالَ الخطيبُ البغداديُّ «ت ٤٦٣ هـ»: «السَّبيلُ إلى معرفَةِ علَّةِ الحديثِ أنْ يجمعَ بينَ طُرقِهِ وينظُرَ في اختلافِ رواتِهِ، ويعتبِرَ بمكانِهِم منَ الحفظِ ومنزلتِهِم في الإتقانِ والضَّبطِ» (٤).

стр. 135

وإبرازِ فوائدِهِ، قالَ ابنُ حجرٍ «٨٥٢ هـ» في الفتحِ: «المتعيِّنُ على من يتكلَّمُ على الأحاديثِ أنْ يجمعَ طرقَهَا، ثم يجمعَ ألفاظَ المتونِ إذا صحَّت الطُّرقُ ويشرَحَهَا على أنَّهُ حديثٌ واحدٌ فإنَّ الحديثَ أولَى ما فُسِّرَ بالحديثِ» (١). وترقيةِ الحديثِ لمرتبةٍ أعلى، كالصَّحيحِ والحسنِ لغيرِهِ، وقالَ أيضاً: «فَإِنْ خَفَّ الضَّبْطُ: فَالحَسَنُ لِذَاتِهِ، وَبِكَثْرَةِ طُرُقِهِ يُصَحَّحُ» (٢). وَقَالَ النَّووِيُّ «ت ٦٧٦ هـ» عنْ بعضِ الأحاديثِ: «وَهَذِهِ وَإِنْ كَانَتْ أَسَانِيدٌ مُفْرَدَاتُهَا ضَعِيفَةٌ، فَمَجْمُوعُهَا يُقَوِّي بَعْضُهُ بَعْضَاً، وَيَصِيرُ الحَدِيثُ حَسَنَاً، وَيُحْتَجُّ بِهِ» (٣). وهذهِ هيَ المرحلةُ الأولى منْ مراحلِ سبرِ الحديثِ، بجمعِ متابعاتِهِ والمقارنةِ والموازنةِ فيمَا بينهَا، لبيانِ أوجُهِ الاتِّفاقِ والاختلافِ، ومعرفَةِ درجَةِ حديثِ الصَّحابِيِّ الواحِدِ منْ خلالِ سبرِ طُرُقِهِ. وتأتِي بعدَهَا مرحلَةُ سبرِ الشَّواهِدِ، بجمعِ الأحاديثِ المتَّفقَةِ لفظَاً أو معنَىً التي رواهَا الصَّحابَةُ، والمقارنَةِ والموازنَةِ فيمَا بينَهَا، والأئمَّةُ المحدِّثونَ لا يعتبرونَ أيَّ متابعٍ أو شاهدٍ يجدونَهُ منْ طرقِ الحديثِ، بلْ ضمنَ منهجٍ دقيقٍ، وضوابطَ محكمةٍ، سيأتِي بيانُهَا بالتَّفصيلِ - إنْ شاءَ اللهُ تعالَى - في مبحثِ «تقويةِ الأحاديثِ منْ خلالِ السَّبرِ» (٤). وسَبْرُ المتابعاتِ وسبرُ الشَّواهِدِ يحملانِ الغرضَ ذاتَهُ في كشفِ عللِ الحديثِ، وإبرازِ فوائدِهِ، وترقيتِهِ إلى الصَّحيحِ أو الحسنِ لغيرِهِ. * * *

стр. 136

المَبْحَثُ الثَّالِثُ: المُصَنَّفَاتُ فِي السَّبْرِ: المَطْلَبُ الأَوَّلُ: المُصَنَّفَاتُ فِي مَفْهُومِ السَّبرِ: عقدَتْ كثيرٌ منْ كتبِ أصولِ الحديثِ ومصطلحِهِ أبوابَاً في مفهومِ السَّبرِ، بمرادفاتِهِ التي ذكرتُهَا في مبحثِ «تعريفِ السَّبرِ ومرادفاتِهِ» (١)، وأغلبُ المحدثينَ أفردُوا مباحثَ بعنوانِ «الاعتبارِ والمتابعاتِ والشواهدِ»، حيثُ إنَّ مصطلحَ السَّبرِ قليلُ التَّداولِ عندَ المحدِّثينَ، خلَا البعضِ القليلِ منهُمْ - كمَا بيَّنَّاهُ في محلِّهِ - وهذهِ بعضُ الأبوابِ أو الفصولِ التي عقدتْهَا كتبُ أصولِ الحديثِ في مفهومِ السَّبرِ، نشيرُ إليهَا جملةً، معَ الإشارَةِ إلى جميعِ المصادِرِ في الهامِشِ: أوَّلاً: «معرفةُ الاعتبارِ والمتابعاتِ والشواهدِ» (٢)، وأغلبهُمْ جعلهَا تبعَاً لابنِ الصَّلاحِ «النَّوعَ الخامسَ عشرَ منْ علومِ الحديثِ». ثانياً: المتابعةُ والشَّاهدُ (٣).

стр. 137

ثالثاً: «الاعتبار» (١). رابعاً: «المعارضة» (٢). خامساً: «المقابلة» (٣)، وقدْ تعرَّضَ أهلُ الفنِّ لأمرِ المقابلَةِ في مبحثِ كتابَةِ الحديثِ وضبطهِ، بمعنَى «المقابلةِ» بنسخةٍ أُخرى أو كتابٍ آخرَ للتَّصحيحِ. وكذلكَ «المعارضَةُ» عندَ بعضِهِمْ، وهوَ يحملُ جزئيَّةً منْ معنَى السَّبرِ. وأمَّا إفرادُ السَّبرِ في مبحثٍ مستقلٍ، فأمرٌ نادرٌ معَ أهميَّتِهِ البالغَةِ، وهذا الذي دعانِي لإفرادِ الحديثِ عنِ السَّبرِ في رسالةٍ مستقلَّةٍ، حاولْتُ فيهَا استقصاءَ كلِّ جوانبِهِ النَّظريَّةِ والتَّطبيقيَّةِ، بيدَ أنَّ هناكَ بعضُ الأطروحَاتِ العلميَّةِ التي تحملُ مفهومَ السَّبر عندَ المحدثينَ، لكنَّهَا ليستْ مُستوعِبَةً وغيرَ متخصِّصةٍ في السَّبرِ بكلِّ جوانبِهِ، وكذلكَ بعضُ المقالاتِ العلميَّةِ التي لا ترقَى إلى البحثِ الجامِعِ المانِعِ في موضوعِهِ، ومنْ هذِهِ الأطروحَاتِ والمقالاتِ: ١ - مقالُ «السَّبرُ عندَ المحدِّثينَ وإمكانيَّةُ تطبيقِهِ عندَ المعاصرينَ» - للدكتور أحمد عزي، وهو ضمنَ مجموعةِ أبحاثٍ قدِّمتْ لندوَةٍ أُقيمَتْ عامَ «٢٠٠٣ م» في كليَّةِ الدِّراساتِ الإسلاميَّةِ

стр. 138

والعربيَّةِ بدبي، بعنوانِ «علومُ الحديثِ: واقعٌ وآفاقٌ»: وهوُ المقالُ الوحيدُ الذي حملَ عنوانَ السَّبرِ، لكنَّ كاتبَهُ اقتصَرَ في بيانِ السَّبرِ منْ خلالِ منهجِ ابنِ عديٍّ في كتابِهِ «الكامِلِ»، أي: قَصَرَ الكلامَ على غرضٍ من أغراضِ السَّبرِ وهوَ الجرحُ والتَّعديلُ، مع إشارَةٍ عابرَةٍ إلى أمثلَةٍ منْ عللِ بعضِ الأحاديثِ التي ذكرَهَا ابنُ عديٍّ منٍ خلالِ سبرِ الأحاديثِ. ٢ - مقالُ «الاعتبارُ عندَ المحدِّثينَ» ل «جمال بن العربي اسطيري»، في مجلَّةِ الأحمديَّةِ، وهي مجلةٌ علميَّةٌ دوريَّةٌ تُعنَى بالدِّراساتِ الإسلاميَّةِ وإحياءِ التُّراثِ، تصدُرُ عنْ دارِ البحوثِ للدِّراساتِ الإسلاميَّةِ وإحياءِ التُّراثِ بدبيّ. ٣ - أطروحَةُ دكتوراة بعنوانِ «نظريَّةُ الاعتبارِ عندَ المحدِّثينَ»، في جامعَةِ اليرموكِ، للباحثِ «منصور محمود الشَّرايري»، طُبعَ في الدَّارِ الأثريَّةِ - عمانَ «الأردن» - ١٤٣٠ هـ. * * *

стр. 139

المَطْلَبُ الثَّانِي: المصنَّفاتُ التي اعتمدَتِ السَّبرَ: لا يخلُو مصنَّفٌ حديثيٌّ من اعتمادِهِ السَّبرَ والمعارضَةَ والموازنَةَ بينَ المرويَّاتِ، فهوَ العمودُ الفقريُّ الذي عليهِ مدارُ عملِ المحدِّثينَ. فكتبُ الحديثِ «الصحاحُ، والسُّننُ، والمسانيدُ، والمصنَّفاتُ، والمعاجمُ، والضعيفةُ … » ميَّزتِ الصَّحيحَ من الضَّعيفِ وأفردَت كلَّاً بالتَّصنيفِ بعدَ سبرِ المرويَّاتِ ونخلِهَا وتمييزِهَا. وكذلكَ كتبُ «العللِ»، حيثُ إنَّ طريقَ كشفِ العلَّةِ هوَ السَّبرُ والمقارنَةُ بينَ المرويَّاتِ. وكتبُ «شروحِ الحديثِ» التي تكلَّمتْ في جوانبِ المتنِ والإسنادِ، وبحثَتْ في عللِ الأحاديثِ، وبيانِ فوائدِهَا وزوائدِهَا، كلُّ هذَا مُعتمدُهُ السَّبرُ وجمعُ الأسانيدِ والمتونِ. وكتبُ «التَّخريجِ» سواءٌ التي اقتصرَتْ على جمعِ طرقِ الأحاديثِ أو أطرافِهَا، أو التي تكلَّمتْ في عللِهَا وفوائِدِهَا. وكتبُ «الرِّجالِ»، حيثُ إنَّ الحكمَ على الرَّاوِي لا يتمُّ إلا بعدَ سبرِ مرويَّاتِهِ ومعارضتِهَا بمرويَّاتِ الثِّقاتِ. وكتبُ «الأجزاءِ الحديثيَّةِ» التي مُعتمدُهَا السَّبرُ والجمعُ للمرويَّاتِ.

стр. 140

وعلَى هذَا فجميعُ كتُبِ الأصولِ الحديثيَّةِ التي يُعتمَدُ عليهَا في علْمِ الحديثِ بُنيتْ على هذَا الأساسِ، وهوَ السَّبرُ للمرويَّاتِ ومعارضتُهَا، لكشفِ عللِ الحديثِ، وإبرازِ فوائدِهِ، والحكمِ على الرِّجالِ، والاعتبارِ بمرويَّاتِهِم، وسنبيِّنُ أهمَّ المصنَّفاتِ الحديثيَّةِ التي برزَ السَّبرُ فيها بشكلٍ جليٍّ، معَ الإشارَةِ إلى بعضِهَا فقطْ، وفقَ التَّصنيفِ الآتِي: * * * أولاً: كتبُ الحديثِ الشَّريفِ: وهيَ المصنَّفاتُ التي جمعتِ الأحاديثَ النبويَّةَ الشَّريفةَ بأسانيدِهَا إلى النبيِّ ﷺ ، ككتبِ الصحيحِ، والسُّننِ، والمصنَّفاتِ، والمسانيدِ، والمعاجمِ، وإليكَ بيانُ منهجِ اثنينِ منْ هذهِ الكتبِ في جمعِ طرقِ الحديثِ: ١ - صَحِيحُ مُسلِمٍ: ويطلقُ عليهِ «المسندُ الصَّحيحُ» أو «الجامعُ الصَّحيحُ»، وهوَ للإمامِ مسلمٍ بنِ الحجَّاجِ القُشيريِّ النَّيسابوريِّ «٢٠٦ هـ - ٢٦١ هـ»، وقدْ ذكرتُ صحيحَ مسلمٍ دونَ البخاريِّ - معَ أفضليَّةِ الأخيرِ عندَ المحدِّثينَ - لبروزِ السَّبرِ فيهِ بشكلٍ جليٍّ، وهوَ منهجُ الإمامِ مسلمٍ في صحيحِهِ، حيثُ جعلَ لكُلِّ حديثٍ موضِعَاً واحداً جمعَ فيهِ طرقَهُ التي ارتضاهَا واختارَ فيهَا أسانيدَهُ المتعدِّدةِ وألفاظَهُ المختلفَةِ، ليسهُلَ النَّظرُ في وجوهِ الحديثِ وما بينَ سندِهِ ومتنِهِ من فروقٍ، وهذا هوَ السَّبرُ عينُهُ، قال الإمام النووي «ت ٦٧٦ هـ»: «وَقَدِ انْفَرَدَ مُسْلِمٌ بِفَائِدَةٍ حَسَنَةٍ، وَهِيَ كَونُهُ أَسْهَلُ مُتَنَاوَلَاً مِنْ حَيثُ إِنَّهُ جَعَلَ لِكُلِّ حَدِيثٍ مَوضِعَاً وَاحِدَاً يَلِيقُ بِهِ، جَمَعَ فِيهِ طُرُقَهُ التِي ارْتَضَاهَا، وَاخْتَارَ ذِكْرَهَا، وَأَورَدَ فِيهِ أَسَانِيدَهُ المُتَعَدِّدَةَ، وَأَلْفَاظَهُ المُخْتَلِفَةَ، فَيَسْهُلُ عَلَى

стр. 141

الطَّالِبِ النَّظَرُ فِي وُجُوهِهِ وَاسْتِثْمَارِهَا، وَيَحْصُلُ لَهُ الثِّقَةُ بِجَمِيعِ مَا أَورَدَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طُرُقِهِ، بِخِلَافِ البُخَارِيِّ، فَإِنَّهُ يَذْكُرُ تِلْكَ الوُجُوهِ المُخْتَلِفَةِ فِي أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ مُتَبَاعِدَةٍ» (١). وقالَ السُّيوطِيُّ «ت ٩١١ هـ»: «وَاخْتَصَّ مُسْلِمٌ بِجَمْعِ طُرُقِ الحَدِيثِ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ بَأَسَانِيدِهِ الُمتَعَدِّدَةِ، وَأَلْفَاظِهِ المُخْتَلِفَةِ» (٢). ومَنْ فَضَّلَ صحيحَ مسلمٍ على البُخاريِّ فللمنهجِ الذي اتَّبعَهُ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «حَصَلَ لِمُسْلِمٍ فِي كِتَابِهِ حَظٌّ عَظِيمٌ مُفْرِطٌ لَمْ يَحْصَلْ لِأَحَدٍ مِثْلَهُ، بِحَيثُ إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ كَانَ يُفَضِّلُهُ عَلَى صَحِيحِ مُحَمَّدٍ ابنِ إِسْمَاعِيلَ، وَذَلِكَ لِمَا اخْتَصَّ بِهِ مِنْ جَمْعِ الطُّرُقِ، وَجَودَةِ السِّيَاقِ، وَالمُحَافَظَةِ عَلَى أَدَاءِ الأَلْفَاظِ كَمَا هِيَ، مِنْ غَيرِ تَقْطِيعٍ وَلَا رِوَايَةٍ بِمَعْنَى» (٣). ٢ - سُنَنُ النَّسَائِيِّ: وضعَ الإمامُ النَّسائيُّ «أحمدُ بنُ شعيبِ بنِ عليٍّ النَّسائيُّ «٢١٥ هـ - ٣٠٣ هـ» كتاباً كبيراً جداً حافلاً، عُرِفَ ب «السُّننِ الكبرى»، ثم انتخَبَ منهُ «المُجتبى»، قالَ جمالُ الدِّينِ القَاسميُّ: «صَنَّفَ النَّسَائِيُّ فِي أَوَّلِ الأَمْرِ كِتَابَاً يُقَالُ لَهُ السُّنَنُ الكُبْرَى، وَهُوَ كِتَابٌ جَلِيلٌ لَمْ يُكْتَبْ مِثْلُهُ فِي جَمْعِ طُرُقِ الحَدِيثِ وَبَيَانِ مَخْرَجِهِ» (٤).

стр. 142

والنَّسائيُّ في سننهِ جمعَ بينَ طريقتَي البخاريِّ ومسلمٍ منْ حيثُ الصِّناعةِ الحديثيَّةِ والفقهيَّةِ، أمَّا بالنسبةِ للنَّاحيةِ الحديثيَّةِ فنجدُهُ في كثيرٍ منَ الأحيانِ يُعنَى بعللِ الأحاديثِ، فيُورِدُ الحديثَ منْ طرقٍ متعدِّدةٍ على اختلافِ النَّاقلينَ لهذَا الحديثِ، لكنَّهُ في البدايَةِ يُورِدُ الحديثَ منْ طريقٍ، ثمَّ يُبَوِّبُ بعدَ ذلكَ بابَاً، فيقولُ: «بابُ بيانِ اختلافِ النَّاقلينَ للحديثِ عنْ فلانٍ» - مثلاً عنِ الأوزاعيِّ - ثمُّ يبدأُ يذكرُ الاختلافَ على الأوزاعيِّ. قالَ شيخُنَا نورُ الدِّينِ: «وَكِتَابُ «المُجْتَبَى» هَذَا يَسِيرُ عَلَى طَرِيقَةٍ دَقِيقَةٍ تَجْمَعُ بَينَ الفِقْهِ وَفَنِّ الإِسْنَادِ، فَقَدْ رَتَّبَ الأَحَادِيثَ عَلَى الأَبْوَابِ، وَوَضَعَ لَها عَنَاوِينَ تَبْلُغُ أَحْيَانَاً مَنْزِلَةً بَعِيدَةً مِنَ الدِّقَّةِ، وَجَمَعَ أَسَانِيدَ الحَدِيثِ الوَاحِدِ فِي مَوطِنٍ وَاحِدٍ، وَبِذَلِكَ سَلَكَ أَغْمَضَ مَسَالِكِ المُحَدِّثِينَ وَأَجَلِّهَا» (١). ومنْ كتبِ الحديثِ التي اعتمدَتِ السَّبرَ بإيرادِ الحديثِ منْ طرقٍ متعدِّدةٍ: صحيحُ البخاريِّ (٢)، وصحيحُ ابنِ حبَّانَ (٣)، وصحيحُ ابنِ خُزيمَةَ (٤).

стр. 143

وسننُ التِّرمذيِّ (١)، وسننُ ابنِ ماجَةَ (٢)، وسننُ الدَّارقطنيِّ (٣) … وسننُ ابنِ منصورٍ (٤)، ومعرفة السننِ والآثارِ للبيهقيِّ (٥) … ومسندُ أبي عوانةَ (٦)، ومسندُ يعقوبِ بنِ شيبةَ (٧)، ومسندُ البزَّارِ (٨) …

стр. 144

ومصنَّفُ ابن أبي شيبةَ (١)، ومصنَّفُ ابنِ عبدِ الرَّزاقِ (٢)، وغيرُهَا … (٣). ثانياً: كتبُ العِللِ: وهيَ الكتبُ التي تَجمعُ الأحاديثَ المعلَّةَ معَ بيانِ عللِهَا، والتَّصنيفُ في العللِ منْ أدقِّ ما قامَ بهِ المحدِّثونَ، لأنَّهُ يحتاجُ إلى جهدٍ حثيثٍ وصبرٍ طويلٍ في تتبُّعِ الأسانيدِ، وإمعانِ النَّظرِ فيهَا، لكشفِ خفيِّ عللِهَا، منْ خلالِ بيانِ أوجُهِ الاتِّفاقِ والاختلافِ. وجميعُ كتبِ العللِ التي تكلَّمتْ في عللِ الأحاديثِ أوِ الرِّجالِ، بُنِيَتْ علَى السَّبرِ للمرويَّاتِ، ومنْ أهمِّ هذهِ الكتبِ: عللُ ابنِ المدينيِّ، والعللُ ومعرفةُ الرِّجالِ للإمامِ أحمدَ، والعللُ لابنِ أبي حاتمٍ، والعللُ الكبيرُ للتِّرمذيِّ، والعللُ للدَّارقُطنِيِّ، والعللُ المتناهيةُ لابنِ الجوزيِّ، والأباطيلُ والمناكيرُ للجَوزَقانيِّ (٤)، وسنقتصرُ على بيانِ منهجِ اثنينِ منْها: ١ - العللُ لابنِ أبي حاتِمٍ: وهوَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ أَبِي حَاتِمٍ «مُحمَّدُ بنُ إدريسَ» التَّميميُّ «٢٤٠ هـ - ٣٢٧ هـ»، وكتابه «العللُ»، قال السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ» في معرِضِ ذكرِهِ للكتبِ التي

стр. 145

ينبغِي لطالبِ علمِ الحديثِ العنايةُ بهَا: «ولابنِ أَبِي حاتِمٍ، وَكِتَابُهُ مُرَتَّبٌ عَلَى الأَبْوَابِ، وَقَدْ شَرَعَ الحَافِظُ ابنُ عَبدِ الهَادِي فِي شَرْحِهِ، فَاخْتَرَمَتْهُ المَنِيَّةُ بَعْدَ أَنْ كَتَبَ مِنْهُ مُجَلَّدَاً عَلَى يَسِيرٍ مِنْهُ» (١). واستخدامُ ابنِ أبِي حاتمٍ للسَّبرِ جليٌّ، وكتابُهُ حافلٌ بجمعِ المرويَّاتِ والموازنَةِ والمقارنَةِ بينَهَا، واستخراجِ العللِ من خلالِ ذلكَ، كمَا هوَ شأنُ جميعِ كتبِ العللِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» في بيانِ صفةِ تصنيفِ الحديثِ: «أَوْ تَصْنِيفُهُ عَلَى العِلَلِ، فَيَذْكُرُ المَتْنَ وَطُرُقَهُ، وَبَيَانَ اخْتِلَافِ نَقَلَتِهِ» (٢). قالَ القَارِيُّ (٣) «ت ١٠١٤ هـ» مُعقِّباً: « … وكَمَا فَعَلَ ابنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي عِلَلِهِ المُبَوَّبَةِ» (٤). ومنهجُ ابنُ أبي حاتمٍ في كتابِهِ «العللِ» أنْ يوردَ الحديثَ بطرقِهِ ورواياتِهِ المتعدِّدةِ، على هيئةِ سؤالٍ، ثمَّ يُوردَ بعدَ ذلكَ أجوبةَ أئمَّةِ العللِ في حكمهِمْ علَى هذهِ الطُّرقِ، وبيانِ صحَّتهَا منْ ضعفِهَا، ومواطنِ العلَّةِ فيهَا، ومنشئِهَا من الرُّواةِ، ولمْ يقتصِرْ علَى رأيِهِ، بلْ ضمَّ إليهِ آراءَ أئمَّةٍ منْ جهابذَةِ هذا الفنِّ، كشعبةَ بنِ الحجَّاجِ، ويحيى بنِ سعيدٍ القطَّانِ، والطَّيالسيِّ، وابنِ معينٍ، وابنِ حنبلٍ، ومسلمِ بنِ الحجَّاجِ، وأبي حاتمٍ وأبي زرعَةَ الرَّازيينِ، ومنْ أمثلةِ ذلكَ:
следующие страницы →