← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1117

السبر عند المحدثين

عبد الكريم جراد

Полный текст (515 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الطَّالِبِ النَّظَرُ فِي وُجُوهِهِ وَاسْتِثْمَارِهَا، وَيَحْصُلُ لَهُ الثِّقَةُ بِجَمِيعِ مَا أَورَدَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طُرُقِهِ، بِخِلَافِ البُخَارِيِّ، فَإِنَّهُ يَذْكُرُ تِلْكَ الوُجُوهِ المُخْتَلِفَةِ فِي أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ مُتَبَاعِدَةٍ» (١). وقالَ السُّيوطِيُّ «ت ٩١١ هـ»: «وَاخْتَصَّ مُسْلِمٌ بِجَمْعِ طُرُقِ الحَدِيثِ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ بَأَسَانِيدِهِ الُمتَعَدِّدَةِ، وَأَلْفَاظِهِ المُخْتَلِفَةِ» (٢). ومَنْ فَضَّلَ صحيحَ مسلمٍ على البُخاريِّ فللمنهجِ الذي اتَّبعَهُ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «حَصَلَ لِمُسْلِمٍ فِي كِتَابِهِ حَظٌّ عَظِيمٌ مُفْرِطٌ لَمْ يَحْصَلْ لِأَحَدٍ مِثْلَهُ، بِحَيثُ إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ كَانَ يُفَضِّلُهُ عَلَى صَحِيحِ مُحَمَّدٍ ابنِ إِسْمَاعِيلَ، وَذَلِكَ لِمَا اخْتَصَّ بِهِ مِنْ جَمْعِ الطُّرُقِ، وَجَودَةِ السِّيَاقِ، وَالمُحَافَظَةِ عَلَى أَدَاءِ الأَلْفَاظِ كَمَا هِيَ، مِنْ غَيرِ تَقْطِيعٍ وَلَا رِوَايَةٍ بِمَعْنَى» (٣). ٢ - سُنَنُ النَّسَائِيِّ: وضعَ الإمامُ النَّسائيُّ «أحمدُ بنُ شعيبِ بنِ عليٍّ النَّسائيُّ «٢١٥ هـ - ٣٠٣ هـ» كتاباً كبيراً جداً حافلاً، عُرِفَ ب «السُّننِ الكبرى»، ثم انتخَبَ منهُ «المُجتبى»، قالَ جمالُ الدِّينِ القَاسميُّ: «صَنَّفَ النَّسَائِيُّ فِي أَوَّلِ الأَمْرِ كِتَابَاً يُقَالُ لَهُ السُّنَنُ الكُبْرَى، وَهُوَ كِتَابٌ جَلِيلٌ لَمْ يُكْتَبْ مِثْلُهُ فِي جَمْعِ طُرُقِ الحَدِيثِ وَبَيَانِ مَخْرَجِهِ» (٤).

стр. 142

والنَّسائيُّ في سننهِ جمعَ بينَ طريقتَي البخاريِّ ومسلمٍ منْ حيثُ الصِّناعةِ الحديثيَّةِ والفقهيَّةِ، أمَّا بالنسبةِ للنَّاحيةِ الحديثيَّةِ فنجدُهُ في كثيرٍ منَ الأحيانِ يُعنَى بعللِ الأحاديثِ، فيُورِدُ الحديثَ منْ طرقٍ متعدِّدةٍ على اختلافِ النَّاقلينَ لهذَا الحديثِ، لكنَّهُ في البدايَةِ يُورِدُ الحديثَ منْ طريقٍ، ثمَّ يُبَوِّبُ بعدَ ذلكَ بابَاً، فيقولُ: «بابُ بيانِ اختلافِ النَّاقلينَ للحديثِ عنْ فلانٍ» - مثلاً عنِ الأوزاعيِّ - ثمُّ يبدأُ يذكرُ الاختلافَ على الأوزاعيِّ. قالَ شيخُنَا نورُ الدِّينِ: «وَكِتَابُ «المُجْتَبَى» هَذَا يَسِيرُ عَلَى طَرِيقَةٍ دَقِيقَةٍ تَجْمَعُ بَينَ الفِقْهِ وَفَنِّ الإِسْنَادِ، فَقَدْ رَتَّبَ الأَحَادِيثَ عَلَى الأَبْوَابِ، وَوَضَعَ لَها عَنَاوِينَ تَبْلُغُ أَحْيَانَاً مَنْزِلَةً بَعِيدَةً مِنَ الدِّقَّةِ، وَجَمَعَ أَسَانِيدَ الحَدِيثِ الوَاحِدِ فِي مَوطِنٍ وَاحِدٍ، وَبِذَلِكَ سَلَكَ أَغْمَضَ مَسَالِكِ المُحَدِّثِينَ وَأَجَلِّهَا» (١). ومنْ كتبِ الحديثِ التي اعتمدَتِ السَّبرَ بإيرادِ الحديثِ منْ طرقٍ متعدِّدةٍ: صحيحُ البخاريِّ (٢)، وصحيحُ ابنِ حبَّانَ (٣)، وصحيحُ ابنِ خُزيمَةَ (٤).

стр. 143

وسننُ التِّرمذيِّ (١)، وسننُ ابنِ ماجَةَ (٢)، وسننُ الدَّارقطنيِّ (٣) … وسننُ ابنِ منصورٍ (٤)، ومعرفة السننِ والآثارِ للبيهقيِّ (٥) … ومسندُ أبي عوانةَ (٦)، ومسندُ يعقوبِ بنِ شيبةَ (٧)، ومسندُ البزَّارِ (٨) …

стр. 144

ومصنَّفُ ابن أبي شيبةَ (١)، ومصنَّفُ ابنِ عبدِ الرَّزاقِ (٢)، وغيرُهَا … (٣). ثانياً: كتبُ العِللِ: وهيَ الكتبُ التي تَجمعُ الأحاديثَ المعلَّةَ معَ بيانِ عللِهَا، والتَّصنيفُ في العللِ منْ أدقِّ ما قامَ بهِ المحدِّثونَ، لأنَّهُ يحتاجُ إلى جهدٍ حثيثٍ وصبرٍ طويلٍ في تتبُّعِ الأسانيدِ، وإمعانِ النَّظرِ فيهَا، لكشفِ خفيِّ عللِهَا، منْ خلالِ بيانِ أوجُهِ الاتِّفاقِ والاختلافِ. وجميعُ كتبِ العللِ التي تكلَّمتْ في عللِ الأحاديثِ أوِ الرِّجالِ، بُنِيَتْ علَى السَّبرِ للمرويَّاتِ، ومنْ أهمِّ هذهِ الكتبِ: عللُ ابنِ المدينيِّ، والعللُ ومعرفةُ الرِّجالِ للإمامِ أحمدَ، والعللُ لابنِ أبي حاتمٍ، والعللُ الكبيرُ للتِّرمذيِّ، والعللُ للدَّارقُطنِيِّ، والعللُ المتناهيةُ لابنِ الجوزيِّ، والأباطيلُ والمناكيرُ للجَوزَقانيِّ (٤)، وسنقتصرُ على بيانِ منهجِ اثنينِ منْها: ١ - العللُ لابنِ أبي حاتِمٍ: وهوَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ أَبِي حَاتِمٍ «مُحمَّدُ بنُ إدريسَ» التَّميميُّ «٢٤٠ هـ - ٣٢٧ هـ»، وكتابه «العللُ»، قال السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ» في معرِضِ ذكرِهِ للكتبِ التي

стр. 145

ينبغِي لطالبِ علمِ الحديثِ العنايةُ بهَا: «ولابنِ أَبِي حاتِمٍ، وَكِتَابُهُ مُرَتَّبٌ عَلَى الأَبْوَابِ، وَقَدْ شَرَعَ الحَافِظُ ابنُ عَبدِ الهَادِي فِي شَرْحِهِ، فَاخْتَرَمَتْهُ المَنِيَّةُ بَعْدَ أَنْ كَتَبَ مِنْهُ مُجَلَّدَاً عَلَى يَسِيرٍ مِنْهُ» (١). واستخدامُ ابنِ أبِي حاتمٍ للسَّبرِ جليٌّ، وكتابُهُ حافلٌ بجمعِ المرويَّاتِ والموازنَةِ والمقارنَةِ بينَهَا، واستخراجِ العللِ من خلالِ ذلكَ، كمَا هوَ شأنُ جميعِ كتبِ العللِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» في بيانِ صفةِ تصنيفِ الحديثِ: «أَوْ تَصْنِيفُهُ عَلَى العِلَلِ، فَيَذْكُرُ المَتْنَ وَطُرُقَهُ، وَبَيَانَ اخْتِلَافِ نَقَلَتِهِ» (٢). قالَ القَارِيُّ (٣) «ت ١٠١٤ هـ» مُعقِّباً: « … وكَمَا فَعَلَ ابنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي عِلَلِهِ المُبَوَّبَةِ» (٤). ومنهجُ ابنُ أبي حاتمٍ في كتابِهِ «العللِ» أنْ يوردَ الحديثَ بطرقِهِ ورواياتِهِ المتعدِّدةِ، على هيئةِ سؤالٍ، ثمَّ يُوردَ بعدَ ذلكَ أجوبةَ أئمَّةِ العللِ في حكمهِمْ علَى هذهِ الطُّرقِ، وبيانِ صحَّتهَا منْ ضعفِهَا، ومواطنِ العلَّةِ فيهَا، ومنشئِهَا من الرُّواةِ، ولمْ يقتصِرْ علَى رأيِهِ، بلْ ضمَّ إليهِ آراءَ أئمَّةٍ منْ جهابذَةِ هذا الفنِّ، كشعبةَ بنِ الحجَّاجِ، ويحيى بنِ سعيدٍ القطَّانِ، والطَّيالسيِّ، وابنِ معينٍ، وابنِ حنبلٍ، ومسلمِ بنِ الحجَّاجِ، وأبي حاتمٍ وأبي زرعَةَ الرَّازيينِ، ومنْ أمثلةِ ذلكَ:

стр. 146

قالَ ابنُ أبِي حاتمٍ (١) «ت ٣٢٧ هـ»: «سُئِلَ أَبُو زُرْعَةَ، عَنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنْ مَالِكِ بنِ عُرْفُطَةَ، عَنْ عَبْدِ خَيرٍ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، فِي الوُضُوءِ ثَلاثَاً. وَرَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ، وَزَائِدَةُ، عَنْ خَالِدِ بنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ خَيرٍ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فِي الوُضُوءِ. فَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: وَهِمَ فِيهِ شُعْبَةُ، إِنَّمَا أَرَادَ خَالِدَ بنَ عَلْقَمَةَ، وَرَوَاهُ سُفْيَانُ مَوقُوفَاً لَمْ يَرْفَعْهُ» (٢). ٢ - عِلَلُ الدَّارَقُطْنِيُّ: وهوَ كتابُ «العللِ الواردَةِ في الأحاديثِ النبويَّةِ»، للإمامِ أبِي الحسنِ، عليٍّ بنِ عمرَ بنِ أحمدَ الدَّارقُطنيِّ «٣٠٦ هـ - ٣٨٥ هـ»، قالَ ابنُ جماعَة «ت ٧٣٣ هـ»: «وَأَحْسَنُ كِتَابٍ صُنِّفَ فِي العِلَلِ كِتَابِ الدَّارَقُطْنِيّ» (٣). ومنهجُ الدَّارقطنيِّ يُشبهُ منهجَ ابنِ أبِي حاتمٍ إلى حدٍ كبيرٍ في إيرادِ ومناقشَةِ عللِ الأحاديثِ، لكنَّهُ يُعدُّ أجمعَ كتابٍ في العللِ، قَالَ البلقينيُّ (٤) «ت ٨٠٥ هـ»: «وَأَجَلُّ كِتَابٍ في العِلَلِ كِتَابُ الحَافِظِ ابنِ المَدِينِيِّ، وَكَذَلِكَ كِتَابُ ابنِ أَبِي حَاتِمٍ، وكِتَابُ العِلَلِ لِلخَلَّالِ، وأَجْمَعُهَا كِتَابُ الحَافِظِ الدَّارَقُطْنِيِّ» (٥).

стр. 147

وكتابُهُ عبارةٌ عنْ أسئلةٍ وجَّههَا إليهِ «البَرْقَانِيُّ»، وأجوبتُهُ متنوِّعةٌ، وكلُّهَا يدورُ علَى ذكرِ الرُّواةِ الذينَ يقعُ اختلافُ الإسنادِ عنهُم، وإيرادُ الطُّرقِ المتعدِّدةِ، فيذكُرُ للرِّوايَةِ طريقَينِ أو عدَّةَ طُرُقٍ، ثمَّ يُبيِّنُ أوجُهَ الاختلافِ والاتِّفاقِ فيهَا، ومواطنَ العلَّة منْ هذهِ المرويَّاتِ، والحكمَ عليهَا وعلَى الرُّواةِ (١)، منْ أمثلةِ ذلكَ: حديثُ أوسٍ بنِ أوسٍ الثَّقفيِّ، عنْ أبِي بكرٍ الصِّديقِ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قالَ: «مَنْ غَسَلَ وَاغْتَسَلَ … الحديث». قالَ الدَّارقطنيُّ «ت ٣٨٥ هـ»: «يَرْوِيهِ يَحْيَى بنُ الحَارِثِ الذُّمَارِيّ - مِنْ رِوَايَةِ الحَسَنِ بنِ ذَكْوَانَ عَنْهُ - عَنْ أَبِي الأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ، عَنْ أَوسٍ بنِ أَوسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَخَالَفَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّاميِّينَ وَغَيرِهِمْ، فَرَوَوهُ عَنْ يَحيَى بنِ الحَارِثِ … الخ» (٢). والأمثلةُ كثيرةٌ فلتُنظَرْ فِي محلِّهَا. ثالثاً: شروحُ الحديثِ: وأغلبُ الشُّروحِ الحديثيَّةِ التي شرحتِ الكتبَ المسندَةَ تكلَّمتْ في جوانبِ المتنِ والإسنادِ، وما يتعلَّقُ بهمَا منْ عللٍ وفوائدَ، منْ خلالِ السَّبرِ وجمعِ المرويَّاتِ والموازنَةِ بينَهَا، ومنْ أهمِّ الشُّروحِ: ١ - فتحُ البَارِي: واسمهُ: «فتحُ البارِي بشرحِ صحيحِ البخارِي» للحافظِ أحمدَ بنِ عليٍّ ابنِ حجرٍ، أبو الفضلِ العسقلانيُّ «٧٧٣ هـ - ٨٥٢ هـ». قال السَّخاوِيُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «وَلَو لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا شَرْحُ البُخَارِيِّ لَكَانَ كَافِيَاً فِي عُلُوِّ مِقْدَارِهِ» (٣).

стр. 148

ومنهجُ الحافظِ ابنِ حجرٍ أنْ يجمعَ طرقَ الحديثِ في أوَّلِ موضعٍ يردُ فيهِ، ويوردُ الشَّواهدَ والرِّواياتِ المتعلِّقةَ بمضمونِهِ، ثمَّ يشرحُ الحديثَ باختلافِ ألفاظِهِ، ويتكلَّمُ في جوانبِ المتنِ والإسنادِ، ببيانِ العلَّةِ، وإبرازِ الفوائدِ والزَّوائدِ، وكثيراً ما يُبيِّنُ متابعاتِ الحديثِ وشواهدِهِ، ويحكُمُ عليهِ منْ خلالِ ورودِهِ منْ طرقٍ أُخرَى، قالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» مبيناً منهجَهُ في «فتحِ الباري»: «فَأَسُوقُ - إِنْ شَاءَ اللهُ - البَابَ وَحَدِيثَهُ أَوَّلَاً، ثُمَّ أَذْكُرُ وَجْهَ المُنَاسَبَةِ بَينَهُمَا إِنْ كَانَتْ خَفِيَّةً، ثُمَّ أَسْتَخْرِجُ ثَانِيَاً مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ فِي ذَلِكَ الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ المَتْنِيَّةِ وَالإِسْنَادِيَّةِ، مِنْ تَتِمَّاتٍ وَزِيَادَاتٍ، وَكَشْفِ غَامِضٍ، وَتَصْرِيحِ مُدَلِّسٍ بِسَمَاعٍ، وَمُتَابَعَةِ سَامِعٍ مِنْ شَيخٍ اخْتَلَطَ قَبْلَ ذَلِكَ، مُنْتَزِعَاً كُلَّ ذِلَكَ مِنْ أُمَّهَاتِ المَسَانِيدِ وَالجَوَامِعِ وَالمُسْتَخْرَجَاتِ وَالأَجْزَاءِ وَالفَوَائِدِ، بِشَرْطِ الصِّحَّةِ أَوِ الحُسْنِ فِيمَا أُورِدُهُ مِنْ ذَلِكَ» (١). وقالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «وَاعْلَمْ أَنَّ العِنَايَةَ بِاخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ مَعَ الطُّرِقِ مِنَ المُهِمَّاتِ، وَهُوَ أَحَدُ الأَسْبَابِ المُقْتَضِيَةِ لِامْتِيَازِ شَرْحِ البُخَارِيِّ لِشَيخِنَا عَلَى سَائِرِ الشُّرُوحِ» (٢). وقالَ القسطلانيُّ (٣) «ت ٩٢٣ هـ»: «شُهْرَتُهُ - أَي: فَتْحُ البَارِي - وَانْفِرَادُهُ بِمَا اشْتَمَلَ عَلَيهِ مِنَ الفَوَائِدِ الحَدِيثِيَّةِ، وَالنُّكَاتِ الأَدَبِيَّةِ، وَالفَوَائِدِ الفِقْهِيَّةِ، تُغْنِي عَنْ وَصْفِهِ،

стр. 149

لَا سِيَما وَقَدِ امْتَازَ بِجَمْعِ طُرُقِ الحَدِيثِ التي رُبَّمَا يَتَبَيَّنُ مِنْ بَعْضِهَا تَرْجِيحُ أَحَدِ الاِحْتِمَالَاتِ شَرْحَاً وَإِعْرَابَاً» (١). ٢ - المنهاجُ للإمامِ النَّوويِّ: واسمُهُ «المنهاجُ في شرحِ صحيحِ مسلمِ بنِ الحجَّاجِ»، للإمامِ محيِ الدِّينِ، أبِي زكريَّا، يحيَى بنِ شرفٍ النَّووِيِّ «٦٣١ هـ - ٦٧٦ هـ». منهجُ الإمامِ النوويِّ في «المنهاجِ» بالنِّسبةِ لجمعِ الطُّرُقِ: يبيِّنُ علَّةَ بعضِ الأسانيدِ، معَ بيانِ صحَّةِ المتنِ منْ طُرقٍ أُخرَى، كمَا عَنيَ بضبطِ المتنِ وجمعِ ألفاظِهِ ورواياتِهِ سواءً عندَ مسلمٍ أو عندَ غيرهِ ممَّنْ رواهَا منْ أصحابِ الكتبِ الستَّةِ وبخاصةٍ إنْ كانَ في ذكرِهَا فائدةٌ، وعندَ مدافعتِهِ عنِ الإمامِ مسلمٍ فيمَا انتُقِدَ عليهِ منَ الأحاديثِ، يقومُ بإيرادِ طرقٍ أخرَى للحديثِ تُبيِّنُ صحَّةَ الحديثِ، وتدفعُ عنهُ المطاعنَ والانتقاداتِ. قالَ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ» في مقدِّمةِ شرحِهِ مبيِّنَاً أهميَّةَ السَّبرِ الذي اعتمدَهَا فِي شَرْحِهِ: «وَمِنْ أَهَمِّ العُلُومِ تَحقِيقُ مَعْرِفَةِ الأَحَادِيثِ النَبَوِيَّاتِ … وَمَعرِفَةُ طُرُقِ الاعتِبَارِ وَالمتَابَعَاتِ، وَمَعْرِفَةُ حُكْمِ اخْتِلَافِ الرُّوَاةِ فِي الأَسَانِيدِ وَالمُتُونِ، والوَصْلِ وَالإِرْسَالِ، وَالوَقفِ وَالرَّفعِ، وَالقَطْعِ وَالانْقَطَاعِ، وَزَيَادَاتِ الثِّقَاتِ» (٢). ومنَ الشُّروحِ أيضَاً: التَّمهيدُ لمَا في الموطَّأِ منَ المعانِي والأسانيدِ (٣)، وغايةُ المقصودِ في حلِّ سننِ أبِي داودَ (٤)،

стр. 150

وتحفةُ الأحوذيِّ بشرحِ جامعِ سننِ التِّرمذيِّ (١)، وزهرُ الرُّبَا علَى المُجتبَى (٢) … الخ. رابعَاً: كتبُ التَّخريجِ: وهيَ الكتبُ التي أُلِّفتْ في تخريجِ أحاديثِ كتابٍ بعينِهِ، ومنْ أهمِّهَا: ١. نصبُ الرَّايةِ لأحاديثِ الهِدَايَةِ: للإمامِ الحافظِ جمالِ الدِّينِ، أبي محمَّدٍ، عبدِ اللهِ بنِ يوسفَ الزَّيلعيِّ الحنفيِّ « … هـ- ٧٦٢ هـ»، خرج فيه أحاديث كتاب «الهداية في الفقه الحنفي» للمرغيناني «٥٩٣ هـ». ومنهجُ الزَّيلعيِّ أنْ يذكرَ الحديثَ، ويتوسَّعَ في إيرادِ طُرُقِهِ، ويُفصِّلَ القولَ فيهَا، والحكمَ علَى الحديثِ وبيانِ عللَهِ وفوائدِهِ، منْ خلالِ طُرُقهِ، قالَ شيخنَا نورُ الدِّينِ: «وَهُوَ كِتَابٌ حَافِلٌ بِإِيرَادِ الرِّوَايَاتِ، غَزِيرٌ فِي فَوَائِدِهِ الحَدِيثِيَّةِ، يَتَكَلَّمُ عَلَى كُلِّ حَدِيثٍ مِنْ كِتَابِ الهِدَايَةِ، ثُمَّ يُتْبِعْهُ بِمَا يُؤَيِّدُهُ مِنَ الرِّوَايَاتِ وَالأَحَادِيثِ الأُخْرَى» (٣). والكتابُ حافلٌ بالأمثلَةِ على جمعِ الطُّرقِ وإيرادِ الرِّواياتِ المتعدِّدةِ، منْ أمثلَةِ ذلكَ قولُهُ في حديثِ

стр. 151

عائشةَ ﵂ في الماءِ المُشَمَّسِ: «وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵁ فَلَهُ خَمْسُ طُرُقٍ … » (١)، ثمَّ فصَّلَ الكلامَ فيهِ وفي رُواتِهِ. ٢. التَّلخيصُ الحبيرُ في تخريجِ أحاديثِ الرَّافعيِّ الكبيرِ: للحافظِ أحمدِ بنِ عليِّ بنِ حجرٍ أبو الفضلِ العسقلانيُّ «٧٧٣ هـ - ٨٥٢ هـ». خرَّجَ فيهِ الحافظُ ابنُ حجرٍ أحاديثَ «الشَّرحِ الكبيرِ» الذي شرحَ فيهِ كتابَ «الوجيزِ في الفقهِ الشَّافعيِّ» للإمامِ الغزاليِّ، ولخَّصَ في تخريجِهِ هذَا كتباً عدَّةً صُنِّفَتْ قبلَهُ في تخريجِ أحاديثِ الشَّرحِ الكبيرِ، وأفادَ كذلكَ منْ «نصبِ الرَّايةِ» للزَّيلعيِّ، فجاءَ كتاباً جامعاً حافلاً لمَا تفرَّقَ في غيرِهِ، قالَ شيخنَا نورُ الدينِ مبيِّنَاً منهجَ ابنِ حجرٍ في «التَّلخِيصِ»: «وَطَرِيقَتُهُ فِيهِ أَنْ يُورِدَ طَرَفَاً مِنَ الحَدِيثِ الوَارِدِ فِي الشَّرْحِ الكَبِيرِ، ثُمَّ يُخَرِّجُهُ مِنَ المَصَادِرِ وَيَذْكُرُ طُرُقَهُ وَرِوَايَاتِهِ، وَيَتَكَلَّمُ عَلَيهِ تَفْصِيلَاً، جَرْحَاً وَتَعْدِيلَاً، وَصِحَّةً وَضَعْفَاً، ثُمَّ يَذْكُرُ مَا وَرَدَ مِنْ أَحَادِيثَ فِي مَعْنَى الحَدِيثِ بِاسْتِيفَاءٍ، وَهَكَذَا … حَتَّى صَارَ مَرْجِعَاً فِي أَحَادِيثِ الأَحْكَامِ لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ» (٢). ومنْ أمثلةِ إيرادِ الحافظِ لجمعِ الطُّرُقِ، قَولُهُ في حديثِ الرَّكعتينِ بعدَ العصرِ: «أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الأَسْوَدِ وَمَسْرُوقٍ عَنْهَا بِلَفْظِ … وَلِلْبُخَارِيِّ … وَلَهُ طُرُقٌ … » (٣). ثمَّ يسردُ طرقَ الحديثِ ورواياتِهِ المختلفَةَ.

стр. 152

ومنْ كتبِ التَّخريجِ أيضَاً: المغنِي عنْ حملِ الأسفارِ في الأسفارِ في تخريجِ مَا في الإحياءِ منَ الأخبارِ، للإمام الحافظِ العراقيِّ «ت ٨٠٦ هـ»، وتخريجِ أحاديثِ تفسيرِ الكشَّافِ للزَّيلعيِّ «٧٦٢ هـ»، والكافِ الشَّافِ في تخريجِ أحاديثِ الكشَّافِ، لابنِ حجرٍ «٨٥٢ هـ»، وغيرها … خامساً: كتبُ الرِّجَالِ: ١ - المجروحينَ لابنِ حبَّانَ: واسمُ الكتابِ: «المجروحينَ منَ المحدِّثينَ والضُّعفاءِ والمتروكينَ»، للإمامِ أبِي حاتمٍ، محمَّدُ بنُ حبَّانَ البُستيُّ « … هـ - ٣٥٤ هـ». تجدرُ الإشارةُ إلى أنَّ منهجَ ابنِ حبَّانَ في كتابيهِ «الثِّقاتِ» و «المجروحينَ» منْ حيثُ الحكمُ علَى الرِّجَالِ منْ خلالِ سبرِ مرويَّاتِهِم مُتقارِبٌ إلى حدٍ كبيرٍ. وابنُ حبَّانَ أكثرُ منَ وردَ لفظُ «السَّبرِ» في كتابِهِ، فضلاً عنْ تطبيقاتِهِ. وقدْ أوضحَ ابنُ حبَّانَ منهجَهُ في الحكمِ على الرجالِ في كتابِهِ «المجروحينَ»، وأنَّه بناهُ على استقراءِ وسبرِ مرويَّاتِ الرَّاوِي، فقالَ: «مَنْ كَانَ مُنْكَرَ الحَدِيثِ عَلَى قِلَّتِهِ لَا يَجُوزُ تَعْدِيلُهُ إِلَّا بَعْدَ السَّبْرِ، وَلَو كَانَ مِمَّنْ يَرْوِي المَنَاكِيرَ وَوَافَقَ الثِّقَاتِ فِي الأَخْبَارِ لَكَانَ عَدْلَاً مَقْبُولَ الرِّوَايَةِ إِذَا النَّاسُ فِي أَقْوَالِهِمْ عَلَى الصَّلَاحِ وَالعَدَالَةِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ مَا يُوجِبُ القَدْحَ، هَذَا حُكْمُ المَشَاهِيرِ مِنَ الرُّوَاةِ، فَأَمَّا المَجَاهِيلُ الذِينَ لَمْ يَرْوِ عَنْهُمْ إِلَّا الضُّعَفَاءُ، فَهُمْ مَتْرُوكِونَ عَلَى الأَحْوَالِ كُلِّهَا» (١).

стр. 153

وقالَ أيضَاً: «وَمَنْ أَحَادِيثِ الثِّقَاتِ أَجْنَاسٌ لَا يُحْتَجُّ بِهَا، قَدْ سَبَرْتُ رِوَايَاتِهِمْ، وَخَبَرْتُ أَسْبَابَهَا فَرَأَيتُهَا تَدُورُ فِي نَفْسِ الاحْتِجَاجِ بِهَا عَلَى سِتَّةِ أَجْنَاسٍ … » (١). ومنْ أمثلةِ السَّبرِ في كتابِهِ، قولُهُ: «قَدْ سَبَرْتُ أَخْبَارَ ابْنِ لَهِيعَةَ مِنْ رِوَايَةِ المُتَقَدِّمِينَ وَالمُتَأَخِّرِينَ عَنْهُ، فَرَأَيتُ التَّخْلِيطَ فِي رِوَايَةِ المُتَأَخِّرِينِ عَنْهُ مَوجُودَاً … » (٢). و «اليَسَعُ بنُ طَلْحَةَ: لَا يَجُوزُ الاِحْتِجَاجُ بِهِ بِحَالٍ، لِمَا فِي رِوَايَتِهِ مِنَ المَنَاكِيرِ التِي يُنْكِرُهَا أَهْلُ الرِّوَايَةِ وَالسَّبْرِ» (٣). ٢ - الكاملُ لابنِ عديٍّ: واسمُ الكتابِ «الكاملُ في ضُعفاءِ الرِّجالِ» ل «عبدِ اللهِ بنِ عديٍّ الجُرجَانيِّ «٢٧٧ هـ- ٣٦٥ هـ»، قالَ الدَّارقطنيُّ «ت ٣٨٥ هـ» عنهُ: «فِيهِ كِفَايَةٌ، لَا يُزَادُ عَلَيهِ» (٤). ومنهجُ ابنِ عديٍّ في كتابِهِ الكامِلِ: أنْ يُعرِّفَ بالرَّاوِي، ثمَّ يُوردَ أقوالَ علماءِ الجرحِ والتَّعديلِ، ثمَّ يسوقَ مَا أُنكرَ علَى الرَّاوِي منْ أحاديثَ، ثمَّ يحكمَ عليهِ بعدَ أنْ يسبرَ حديثَهُ، ويقارنَهَا بمرويَّاتِ الثِّقاتِ، ويبيِّنَ عللَهَا، قَالَ في مقدِّمةِ كتابِهِ: «فَكَمَا أَوجَبَ اللهُ عَلَينَا طَاعَتَهُ، أَوجَبَ عَلَينَا الاقْتِدَاءَ بِهِ، وَاتِّبَاعَ آَثَارِهِ، وَسَبْرَ رِوَايَاتِ أَخْبَارِهِ، لِعِرْفَانِ صَحِيحِهَا مِنْ سَقِيمِهَا وَقَوِيِّهَا مِنْ ضَعِيفِهَا» (٥).

стр. 154

ويُعدُّ ابنُ عديٍّ - بالإضافةِ إلى ابنِ حبَّانَ - أكثرَ منِ استخدَمَ السَّبرَ في كتابِهِ لفظاً وتطبيقاً، وقدْ وردَ تصريحُ ابنِ عديٍّ بسبرِهِ لمرويَّاتِ الرَّاوِي كثيرَاً في كتابِهِ الكاملِ، منْ ذلكَ قولُهُ: «وَلَمْ أَرَ فِي حَدِيثِهِ شَيئَاً مُنْكَرَاً» (١). و «سَائِرُ مَا ذَكَرْتُ مِنْ حَدِيثِهِ، وَمَا لَمْ أَذْكُرْهُ كُلُّهَا مُحْتَمِلَةٌ وَأَحَادِيثُهُ عَامَّتُهَا مُسْتَقِيمَةٌ» (٢). و «عَامَّةُ مَا يَرْوِيهِ غَيرُ مَحْفُوظٍ، وَالضَّعْفُ بَيِّنٌ عَلَى رِوَايَاتِهِ» (٣). و «فَأمَّا أَحَادِيثُهُ وَرِوَايَاتُهُ فَقَدْ سَبَرْتُهَا، وَلَا أَرَى بِهِ بَاسَاً» (٤). وغيرها من الأمثلة كثير (٥). ومنْ كتبِ التواريخِ وأحوالِ الرِّجالِ التي استخدمَتِ السَّبرَ في الحكمِ علَى الرُّواةِ: التَّاريخُ الكبيرُ للإمامِ البخاريِّ (٦)، ومعرفةُ الثِّقاتِ للعجليِّ (٧)، والضُّعفاءُ للعقيليِّ (٨)، والثِّقاتُ لابنِ حبَّانَ (٩)،

стр. 155

والجرحُ والتَّعديلُ لابنِ أبِي حاتمٍ (١)، وتاريخُ بغدادَ للخطيبِ (٢)، وغيرُهَا … سابعاً: كتبُ الأَجْزَاءِ الحَدِيثيَّةِ: وهيَ الكتبُ التي تجمعُ الأحاديثَ المرويَّةَ عنْ رجلٍ واحدٍ، سواءٌ كانَ منْ طبقةِ الصَّحابةِ أو منْ بعدهُم، ك «جزءِ حديثِ أبي بكرٍ ﵁»، و «جزءِ حديثِ مالكٍ». أو الكتابُ الذي يجمعُ أسانيدَ الحديثِ الواحدِ، ويتكلَّمُ عليهِ، كجزءِ: «اختيارُ الأَولَى في حديثِ اختصامِ الملأِ الأعلَى». قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «وَمِمَّا يَعْتَنُونَ بِهِ فِي التَّالِيفِ جَمْعُ الشُّيُوخِ، أَي: جَمْعُ حَدِيثِ شُيُوخٍ مَخْصُوصِينَ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى انْفِرَادِهِ» (٣). وَعَقَّبَ «الأَبنَاسيُّ» في «الشَّذَا الفيَّاحِ» على كلامِ ابنِ الصَّلاحِ، فقالَ: «مِثَالُ جَمْعِ الشُّيُوخِ … كَجَمْعِ حَدِيثِ الأَعْمَشِ لِلإِسْمَاعِيلِيِّ، وَحَدِيثِ الفُضَيلِ بنِ عِيَاضٍ لِلنَّسَائِيِّ، وَحَدِيثِ مُحَمَّدِ بنِ جَحَادَةَ لِلطَّبَرَانِيِّ، وَغَيرِ ذَلِكَ» (٤).

стр. 156

وقالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ» مُتمِّمَاً قولَهُ السَّابِقِ: «وَيُفْرِدُونَ أَحَادِيثَ، فَيَجْمَعُونَ طُرُقَهَا فِي كُتُبٍ مُفْرَدَةٍ، نَحْوَ «طُرُقِ حَدِيثِ قَبْضِ العِلْمِ» وَحَدِيثِ «الغُسْلِ يَومَ الجُمُعَةِ» وَغَيرِ ذَلِكَ» (١). وَعقَّبَ الأَبنَاسيُّ أيضاً بِقولِهِ: «وَمِثَالُ جَمْعِ الطُّرُقِ … كَطُرُقِ حَدِيثِ «قَبْضِ العِلْمِ لِلطُّوسِيِّ» وَطُرُقِ حَدِيثِ «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدَاً لِلطَّبَرَانِيِّ»، وَنَحْوُ ذَلِكَ» (٢). وقدْ عقدَ «الكتَّانيُّ» في «الرِّسالةِ» فصلاً في بيانِ هذهِ الكتبِ، فقالَ: «وَمِنْهَا كُتُبٌ فِي أَحَادِيثِ شُيُوخٍ مَخْصُوصِينَ مِنَ المُكْثِرِينَ» (٣). وعدَّدَ جمَّاً غفيرَاً منْ هذهِ الأجزاءِ، وقالَ أيضَاً: «وَمِنْهَا كُتُبٌ فِي جَمْعِ طُرُقِ بَعْضِ الأَحَادِيثِ» (٤). وعدَّد جماً غفيراً منهَا أيضاً. والأجزاءُ الحديثيَّةُ أكثرُ منْ أنْ تُحصَى، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» في تتبُّعِهِ لطُرقِ حديثِ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ»: «تَتَبَّعْتُهُ من الْكُتُبِ وَالْأَجْزَاءِ حتى مَرَرْتُ على أَكْثَرَ من ثَلَاثَةِ آلَافِ جُزْءٍ فما اسْتَطَعْتُ أَنْ أُكْمِلَ له سَبْعِينَ طَرِيقاً» (٥). * * *

стр. 157

المطلبُ الثَّالثُ: المصنَّفاتُ المسندَةُ التي يُعتمَدُ عليهَا في السَّبرِ: والمقصودُ بالمصنَّفاتِ المسندَةِ التي يُعتمدُ عليهَا في السَّبرِ، أي: المصنَّفاتُ التي ينبغِي على طالبِ الحديثِ أنْ يقومَ بجمعِ أسانيدِ ومتونِ الحديثِ منهَا، إذْ ليسَ كلُّ كتابٍ حديثيٍّ يُعتمدُ عليهِ في جمعِ طرقِ الحديثِ، لأنَّ البعضَ منهَا قائمٌ على المتنِ دونَ الإسنادِ (١)، والسَّبرُ إنَّمَا يكونُ للمتنِ والإسنادِ معَاً، وبعضُ الكتبِ شأنُهَا جمعُ الأحاديثِ المسندَةِ، لكنَّهَا بأسانيدَ منْ غيرِ طريقِ المؤلِّفِ (٢)، فلا يُرجعُ إليهَا في جمعِ الطُّرقِ، وَإنَّمَا إلى الأُصولِ التي أَخذتْ منهَا مادَّتَهَا وبعضُ المصنَّفاتِ تسوقُ متونَهَا بأسانيدَ منكرةٍ أو غريبةٍ أو باطلةٍ لا أصلَ لهَا، فهذهِ ممَّا ينبغي اجتنابُهَا في عمليَّةِ السَّبرِ. وقدْ بيَّنَ الخطيبُ «ت ٤٦٣ هـ» أنواعاً منْ هذهِ المصنَّفاتِ، فقالَ: «وَيَتْرُكُ المُنْتَخِبُ أَيضَاً الاِشْتِغَالَ بِأَخْبَارِ الأَوَائِلِ، مِثْل كِتَابِ المُبْتَدَأ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّ الشُّغْلَ بِذَلِكَ غَيرُ نَافِعٍ وَهُوَ عَنِ التَّوَفُّرِ عَلَى مَا هُوَ أَولَى قَاطِعٌ» (٣).

стр. 158

ثمَّ قالَ الخطيبُ «ت ٤٦٣ هـ»: «وَنَظِيرُ مَا ذَكَرْنَاهُ آَنِفَاً: أَحَادِيثُ المَلَاحِمِ، وَمَا يَكُونُ مِنَ الحَوَادِثِ، فَإِنَّ أَكْثَرَهَا مَوضُوعٌ، وَجُلَّهَا مَصْنُوعٌ، كَالكِتَابِ المَنْسُوبِ إِلَى دَانْيَالِ، وَالخُطَبِ المَرْوِيَّةِ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ» (١). ومنْ هذهِ الكتبِ أيضاً: كتبُ المغازي والملاحمِ والتَّفسيرِ المُسنَدَةُ، قالَ ابنُ حنبلٍ «ت ٢٤١ هـ»: «ثَلَاثَةُ كُتُبٍ لَيسَ لَهَا أُصُولٌ: المَغَازِي وَالمَلَاحِمُ وَالتَّفْسِيرُ» (٢). قالَ الخطيبُ «ت ٤٦٣ هـ» معقِّباً على قولِ ابنِ حنبلٍ «ت ٢٤١ هـ»: «وَهَذَا الكَلَامُ مَحْمُولٌ عَلَى وَجْهٍ: وَهُوَ أَنَّ المُرَادَ بِهِ كُتُبٌ مَخْصُوصَةٌ فِي هَذِهِ المَعَانِي الثَّلَاثَةِ، غَير مُعْتَمِدٍ عَلَيهَا، وَلَا مَوثُوقٍ بِصِحَّتِهَا، لِسُوءِ أَحْوَالِ مُصَنِّفِيهَا، وَعَدَمِ عَدَالَةِ نَاقِلِيهَا، وَزِيَادَاتِ القُّصَاصِ فِيهَا. فَأَمَّا كُتُبُ المَلَاحِمِ: فَجَمِيعُهَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَلَيسَ يَصِحُّ فِي ذِكْرِ المَلَاحِمِ المُرْتَقَبَةِ وَالفِتَنِ المُنْتَظَرَةِ غَيرَ أَحَادِيثٍ يَسِيرَةٍ اتَّصَلْتْ أَسَانِيدُهَا إِلَى الرَّسُولِ ﷺ مِنْ وُجُوهٍ مَرْضِيَّةٍ، وَطُرُقٍ وَاضِحَةٍ جَلِيَّةٍ. وَأَمَّا الكُتُبُ المُصَنَّفَةُ فِي تَفْسِيرِ القُرْآَنِ، فَمِنْ أَشْهَرِهَا كِتَابَا الكَلْبِيِّ، وَمُقَاتِلِ بنِ سُلَيمَانَ» (٣). ومنْ هذهِ الكتبِ أيضَاً: كتبُ الفضائلِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» معلِّقاً على قولِ ابنِ حنبلٍ آنفِ الذِّكرِ: «قُلْتُ: يَنْبَغِي أنْ يُضَافَ إِلَيهَا الفَضَائِلُ، فَهِذِهِ أَودِيَةُ الأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ وَالمَوضُوعَةِ … وَأَمَّا الفَضَائِلُ، فَلَا تُحْصَى كَمْ وَضَعَ الرَّافِضَةُ فِي فَضْلِ أَهْلِ البَيتِ، وَعَارَضَهُمْ جَهَلَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ بِفَضَائِلِ مُعَاوِيَةَ، وَبِفَضَائِلِ الشَّيخَينِ، وَقَدْ أَغْنَاهُمَا اللهُ وَأَعْلَى مَرْتَبَتِهِمَا» (٤).

стр. 159

ومنْ هذهِ الكتبِ أيضَاً: كتبُ القُصَّاصِ، قالَ أيُّوبُ السَّختيانيُّ «ت ١٣١ هـ»: «مَا أَفْسَدَ عَلَى النَّاسِ حَدِيثَهُمْ إِلَّا القُصَّاصُ» (١). قالَ الخطيبُ «ت ٤٦٣ هـ»: «فَمَا رُوِيَ مِنْ هَذِهِ الأَشْيَاءِ عَمَّنِ اشْتَهَرَ تَصْنِيفُهُ، وَعُرِفَ بِجَمْعِهِ وَتَأَلِيفِهِ، هَذَا حُكْمُهُ - أَي: كُتُبُ المَغَازِي وَالمَلَاحِمِ وَالتَّفْسِيرِ- فَكَيفَ بِمَا يُورِدُهُ القُصَّاصُ فِي مَجَالِسِهِمْ، وَيَسْتَمِيلُونَ بِهِ قُلُوبَ العَوَامِّ مِنْ زَخَارِفِهِمْ، إِنَّ النَّقْلَ لِمثْلِ تِلْكَ العَجَائِبِ مِنَ المُنْكَرَاتِ، وَذَهَابِ الوَقْتِ فِي الشُّغْلِ بِأَمْثَالِهَا مِنْ أَخْسَرِ التِّجَارَاتِ» (٢). وعلى هذَا فالكتبُ التي يُعتمدُ عليهَا في السَّبرِ هيَ الكتبُ الحديثيَّةُ المسندَةُ الأصيلَةُ، والتي تتوافرُ فيهَا ثلاثةُ شروطٍ: أولاً: أن تكونَ متخصِّصةً في الحديثِ النَّبويِّ الشَّريفِ. ثانيا: أنْ تجمعَ بينَ المتنِ والإسنادِ. ثالثاً: أنْ تكونَ أصيلةً، بأنْ تُروَى أسانيدُهَا منْ طريقِ المؤلِّفِ ذاتِهِ. رابعاً: ألا تكونَ المصنَّفاتُ ممَّا يجمعُ المنكراتِ والموضوعاتِ والأباطيلَ. وقدْ أشارتْ كتبُ أصولِ الحديثِ إشارةً فقطْ إلى أصنافِ الكتبِ التي يُعتمدُ عليهَا في السَّبرِ منْ غيرِ استيعابٍ لأصنافها، معَ بيانِهِا بالعمومِ بأنَّ السَّبرَ وجمعَ الطُّرقِ يكونُ منْ جميعِ الكتبِ الحديثيَّةِ المسندةِ، قالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَتَتَبُّعِ الطُّرُقِ مِنَ الجَوَامِعِ وَالمَسَانِيدِ وَالأَجْزَاءِ لِذَلِكَ الحَدِيثِ الذِي يُظَنُّ أَنَّهُ فَرْدٌ، هُوَ الاِعْتِبَارُ» (٣).

стр. 160

وَقَالَ المُنَاوِيُّ «ت ١٠٣١ هـ»: «تَتَبُّعُ الطُّرُقِ مِنَ المُحَدِّثِ مِنَ الجَوَامِعِ وَالمَسَانِيدِ وَالسُّنَنِ وَالأَجْزَاءِ وَالتَّوَارِيخِ، وَغَيرِهَا … » (١). فأضافَ التَّواريخَ، ولعلَّهُ قصدَ بهَا تواريخَ الرِّجالِ، وأطلقَ بقولِهِ: «وغيرِهَا … ». وقال الصنعانيُّ (٢) «ت ١١٨٢ هـ»: «وَاعْلَمْ أَنَّ التَّتَبُّعَ يَكُونُ مِنَ الجَوَامِعِ، وَالمَسَانِيدِ، وَالأَجْزَاءِ» (٣). فالكتبُ المعتمدةُ في السَّبرِ هيَ: الصِّحاحُ (٤)، والجوامعُ (٥) … والموطَّآتُ (٦)، والسُّننُ (٧)،

стр. 161

والمسانيدُ (١) … والمصنَّفاتُ (٢)، والمعاجمُ (٣)، والأمالي (٤) … والمشيخاتُ (٥)، والتواريخُ (٦)، والمستخرجاتُ (٧)، والمستدركاتُ (٨) … والأجزاءُ الحديثيَّةُ (٩)، والفوائدُ الحديثيَّةُ (١٠).

стр. 162

هذهِ هيَ مُجملُ الكتبِ الحديثيَّةِ المسندَةِ التي يُعتمدُ عليهَا في السَّبرِ، فعلَى الباحثِ أنْ يُفرغَ وُسعَهُ في البحثِ والتَّنقيرِ عنِ المتونِ والأسانيدِ، وجمعِهَا منْ بطونِ الكتبِ الحديثيَّةِ المسندَةِ، ليكونَ تصوُّرُهُ عنْ معانِي الحديثِ كاملاً، وحكمُهُ عليهِ صائبَاً. * * *

стр. 163

الفَصْلُ الثَّالِثُ: تَصْحِيحِ الحَدِيثِ، وتَطْبِيقِ السَّبْرِ، وَطَرِيقَتُهُ العِلْمِيَّةُ: المَبْحَثُ الأَوَّلُ: تَصْحِيحِ المُتَأَخِّرِينَ لِلْأَحَادِيثِ مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ (١): أثارَ ابنُ الصَّلاحِ مسألةَ تصحيحِ المتأخِّرينَ للحديثِ في مقدمتِهِ في علومِ الحديثِ، حينمَا ارتأَى انعدامَ إمكانيَّةِ تصحيحِ الأحاديثِ وتحسينِهَا منْ قبلِ المتأخِّرينَ (٢)، وقدْ حملَ بعضُ الأئمَّةِ كلامَ ابنِ الصَّلاحِ علَى الإطلاقِ في المنعِ منْ تصحيحِ الأحاديثِ، منهمُ الإمامُ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ»، وابنُ كثيرٍ «ت ٧٧٤ هـ»، والحافظُ العراقيُّ «ت ٨٠٦ هـ»، والحافظُ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ». وعارضَ هؤلاءِ الأئمَّةُ ابنَ الصَّلاحِ في منعِهِ هذَا، فقالَ الإمامُ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ»: «مَنْ رَأَى فِي هَذِهِ الأَزْمَانِ حَدِيثَاً صَحِيحَ الإِسْنَادِ فِي كِتَابٍ أَوْ جُزْءٍ لَمْ يَنُصَّ عَلَى صِحَّتِهِ حَافِظٌ مُعْتَمَدٌ قَالَ الشَّيخُ - يعنِي ابنَ الصَّلَاحِ -: «لَا يُحْكَمُ بِصِحَّتِهِ لِضَعْفِ أَهْلِ هَذِهِ

стр. 164

الأَزْمَانِ». وَالأَظْهَرُ عِنْدِي جَوَازُهُ لِمَنْ تَمَكَّنَ وَقَوِيَتْ مَعْرِفَتُهُ» (١). وقالَ الحافظُ العراقيُّ «ت ٨٠٦ هـ»: «وَمَا رَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ هُوَ الذِي عَلَيهِ عَمَلُ أَهْلِ الحَدِيثِ، فَقَدْ صَحَّحَ جَمَاعَةٌ مِنَ الُمتَأَخِّرِينَ أَحَادِيثَ لَمْ نَجِدْ لِمَنْ تَقَدَّمَهُمْ فِيهَا تَصْحِيحَاً» (٢). وقالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ مِنْ قَبُولِ التَّصْحِيحِ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ وَرَدِّهِ مِنَ المُتَأَخِّرِينَ، قَدْ يَسْتَلْزِمُ رَدَّ مَا هَوَ صَحِيحٌ وَقَبُولِ مَا لَيسَ بِصَحِيحٍ، فَكَمْ مِنْ حَدِيثٍ حَكَمَ بِصِحَّتِهِ إِمَامٌ مُتَقَدِّمٌ اطَّلَعَ المُتَأَخِّرُ فِيهِ عَلَى عِلَّةٍ قَادِحَةٍ تَمْنَعُ مِنَ الحُكْمِ بِصِحَّتِهِ» (٣). وقدْ تبعَ هؤلاءِ الأئمَّةَ كلُّ منْ جاءَ بعدهُم، وصارَ كلامُ الإمامِ النَّوويِّ العمدةَ في هذهِ المسألَةِ. إلَّا أنَّ الإمامَ السُّيوطيَّ «ت ٩١١ هـ» أفردَ لهذهِ المسألَةِ كتابَاً أسماهُ «التنقيحَ لمسألةِ التَّصحيحِ» خرَّجَ فيهِ المسألةَ تخريجاً يدفَعُ الاعتراضَ على ابنِ الصَّلاحِ، ويُوفِّقُ فيهِ بينَ ما ذهبَ إليهِ ومَا اعتُرِضَ عليهِ، فقالَ: «وَالتَّحْقِيقُ عِنْدِي: أَنَّهُ لا اعْتِرَاضَ عَلَى ابنِ الصَّلَاحِ، وَلَا مُخَالَفَةَ بَينَهُ وَبَينَ مَنْ صَحَّحَ فِي عَصْرِهِ أَوْ بَعْدَهُ، وَتَقْرِيرُ ذَلِكَ أَنَّ الصَّحِيحَ قِسْمَانِ: صَحِيحٌ لِذَاتِهِ، وَصَحِيحٌ لِغَيرِهِ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي كِتَابِ ابنِ الصَّلَاحِ، وَغَيرِهِ. وَالذِي مَنَعَهُ ابنُ الصَّلَاحِ إِنَّمَا هُوَ القِسْمُ الأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي كَمَا تُعْطِيهِ عِبَارَتُهُ» (٤).

стр. 165

فبيَّنَ السُّيوطيُّ أنَّ الذي لا يُمكنُ للمتأخِّرينَ القيامُ بهِ، هوَ تصحيحُ الحديثِ بمجرَّدِ النَّظرِ في ظاهِرِ الإسنادِ الواحِدِ، وهذَا ينطبُقُ علَى الحديثِ الذِي ليسَ لهُ إلَّا سندٌ واحدٌ، قالَ السُّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ»: «وَذَلِكَ أَنْ يُوجَدَ فِي جُزْءٍ مِنَ الأَجْزَاءِ حَدِيثٌ بِسَنَدٍ وَاحِدٍ مِنْ طَرِيقٍ وَاحِدٍ لَمْ تَتَعَدَّدْ طُرُقُهُ، وَيَكُونُ ظَاهِرُ الإِسْنَادِ الصِّحَّةَ لاتِّصَالِهِ وَثِقَةِ رِجَالِهِ فَيُرِيدُ الإِنْسَانُ أَنْ يَحْكُمَ لِهَذَا الحَدِيثِ بِالصِّحَّةِ لِذَاتِهِ بِمُجَرَّدِ هَذَا الظَّاهِرِ، وَلَمْ يُوجَدْ لَأَحَدٍ مِنَ أَئِمَّةِ الحَدِيثِ الحُكُمُ عَلَيهِ بِالصِّحَّةِ، فَهَذَا مَمْنُوعٌ قَطْعَاً لأَنَّ مُجَرَّدَ ذَلِكَ لا يُكْتَفَى بِهِ فِي الحُكْمِ بِالصِّحَّةِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ فَقْدِ الشُّذُوذِ وَنَفْيِ العِلَّةِ». ثمَّ قالَ: «فَإِذَا وَجَدَ الإِنْسَانُ فِي جُزْءٍ مِنَ الأَجْزَاءِ حَدِيثَاً بِسَنَدٍ وَاحِدٍ ظَاهِرُهُ الصِّحَّةُ لاتِّصَالِهِ وَثِقَةِ رِجَالِهِ، لَمْ يُمْكِنْهُ الحُكْمُ عَلَيهِ بِالصِّحَّةِ لِذَاتِهِ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لَهُ عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ لَمْ نَطَّلِعْ عَلَيهَا لِتَعَذُّرِ العِلْمِ بِالعِلَلِ فِي هَذِهِ الأَزْمَانِ» (١). لأنَّ الحديثَ قدْ يكونُ إسنادُهُ صِحيحَاً في الظَّاهِرِ، لكنْ لهُ علَّةٌ لا تتكشَّفُ إلَّا بالسَّبرِ وجمعِ المرويَّاتِ، وهذَا لا يتحقَّقُ إذَا كانَ للحديثِ سندٌ واحدٌ فحسبُ، أو أهمَلَ النَّاقدُ مجموعَ طُرُقِ الحديثِ، واكتفَى بالنَّظرِ لسندٍ واحدٍ يحكُمُ علَى الحديثِ منْ خلالِهِ، فمثلُ ذلكَ يجبُ أنْ يُطْلَقَ الحكمُ فيهِ علَى سندِ الحديثِ فحسب، ولا يُعتبَرُ حُكمَاً علَى الحديثِ بجُملتِهِ، قالَ السُّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ»: «وَالأَحْوَطُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْهُ ب «صَحِيحِ الإِسْنَادِ»، وَلَا يُطْلَقُ التَّصْحِيحُ لاحْتِمَالِ عِلَّةٍ لِلْحَدِيثِ خَفِيَتْ عَلَيهِ، وَقَدْ رَأَيتُ مَنْ يُعَبِّرُ خَشْيَةً مِنْ ذَلِكَ بِقَولِهِ: «صَحِيحٌ إِنْ شَاءَ اللهُ»» (٢).

стр. 166

ثمَّ بيَّنَ السُّيوطيُّ أنَّ للمتأخِّرينَ الحكمَ على الحديثِ، والكشفَ عنْ عللِهِ، وإبرازَ فوائدِهِ، لكنْ بعدَ السَّبرِ وجمعِ المرويَّاتِ - وهذَا ما عليهِ إجماعُ المحدِّثينَ - وهوَ ما عبَّرَ عنهُ ب «الصَّحِيحِ لغيرِهِ»، ونحنُ نعلمُ أنَّ الحديثَ لَا يرتقِي إلى الصحيحِ لغيرِهِ إلَّا بمجموعِ الطُّرقِ، قالَ السُّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ»: «وَأَمَّا القِسْمُ الثَّانِي: فَهَذَا لَا يَمْنَعُهُ ابْنُ الصَّلَاحِ وَلَا غَيرُهُ، وَعَلَيهِ يُحْمَلُ صَنِيعُ مَنْ كَانَ فِي عَصْرِهِ وَمَنْ جَاءَ بَعْدَهُ، فَإِنِّي اسْتَقْرَيتُ مَا صَحَّحَهُ هَؤُلَاءِ فَوَجَدُّتُهُ مِنْ قِسْمِ الصَّحِيحِ لِغَيرِهِ لَا لِذَاتِهِ … » (١). فالتَّصحيحُ سنَّةٌ ماضيةٌ، وحاجةٌ ملحَّةٌ، وإنَّ اللهَ يُقيَّضُ للسنَّةِ المطهَّرةِ رجالاً ينفونَ عنهَا تحريفَ الغالينَ وانتحالَ المبطلينَ وتأويلَ الجاهلينَ، وكثيرٌ منْ أئمَّةِ المتأخِّرينَ خاضُوا ميدانَ التَّصحيحِ والتَّضعيفِ. وما زالَ الأمرُ موصولًا إلى زمانِنَا هذَا (٢). وهؤلاءِ الأئمَّةُ اعتمدُوا في تصحيحهمْ للأحاديثِ مناهجَ الأئمَّةِ المتقدِّمينَ، فسبرُوا طرقَ الحديثِ، وقارنُوا بينَ المرويَّاتِ، وكشفُوا عنْ أوجُهِ الاتِّفاقِ والاختلافِ، وهذَا ما عليهِ مدارُ عملِ جهابذَةِ المحدِّثينَ من المتقدِّمينَ.

стр. 167

وما دامتِ المادَّةُ التي كانَ يعتمدُ عليهَا الأئمَّةُ في تصحيحهمْ وتضعيفهمْ للأحاديثِ قدْ دوَّنوهَا، وهيَ بينَ ظهرانينَا، ككتبِ الحديثِ المسندَةِ، وكتبِ الرِّجالِ والجرحِ والتَّعديلِ، وكتبِ العللِ، فلَا يبقَى إلَّا حذقُ العالمِ ومكنتُهُ وفطنتُهُ وكثرةُ إطِّلاعِهِ علَى أُصولِ الحديثِ ومصنَّفاتِهِ، وأقوالِ الأئمَّةِ في الإعلالِ والرِّجالِ. ولذَا نجدُ أنَّ الأئمَّةَ أكَّدوا علَى أهليَّةِ العالمِ ونظرتِهِ الثَّاقبَةِ كشرطٍ في تصدِّيهِ للحكمِ على الحديثِ الشَّريفِ، قالَ الحافظُ العراقيُّ «ت ٨٠٦ هـ» بعدَ أنْ ذكرَ جملةً منَ الأئمَّةِ المتأخِّرينَ الذينَ خالفُوا ابنَ الصَّلاحِ في منعِهِ، وصحَّحُوا أحاديثَ لم يُسبَق إليهَا: «وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأبُ مَنْ بَلَغَ أَهْلِيَّةَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، إِلَّا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَا يُقْبَلُ ذِلَكَ مِنْهُمْ، وَكَذَا كَانَ المُتَقَدِّمُونَ رُبَّمَا صَحَّحَ بَعْضُهُمْ شَيئَاً فَأُنْكِرَ عَلَيهِ تَصْحِيحُهُ» (١). وقَالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَلَا يَقُومُ بِهِ - أي: عِلْمُ العِلَلِ - إِلَّا مَنْ مَنَحَهُ اللهُ تَعَالَى فَهْمَاً غَائِصَاً، وَاطِّلَاعَاً حَاوِيَاً، وَإِدْرَاكَاً لِمَرَاتِبِ الرُّوَاةِ، وَمَعْرِفَةً ثَاقِبَةً» (٢). وعلى رأسِ القواعدِ التي ينبغِي على المتأخِّرينَ مراعاتُهَا والعملُ بهَا، قاعدَةُ السَّبرِ والتتبُّعِ وجمعِ طرقِ الحديثِ، والذي انتُقِدَ على عملِ المتأخِّرينَ هو إغفالُهم طرقَ الحديثِ وسبرَهَا، وإهمالُهم النَّظرَ في دقائِقِ علمِ العللِ، واعتمادُ الإسنادِ الواحدِ، والحكمُ على الأحاديثِ بظواهرِ الأسانيدِ. * * *

стр. 168

المَبْحَثُ الثَّانِي: تَطْبِيقِ السَّبْرِ: بعدَ أنْ بينَّا إمكانيَّةَ تصحيحِ المتأخِّرينَ للحديثِ بإجماعِ المحدِّثينَ، وبينَّا تخريجَ الإمامِ السُّيوطيِّ لقولِ ابنِ الصَّلاحِ، بأنَّ التَّصحيحَ ممكنٌ للحديثِ متعدِّدِ الطُّرقِ، كانَ لا بدَّ منْ اعتمادِ السَّبر وجمعِ الطُّرقِ كقاعدةٍ رئيسيَّةٍ وأساسيَّةٍ في تصحيحِ الحديثِ، وعدمِ الاقتصارِ على السَّندِ الواحدِ والحكمِ على الحديثِ من خلالِهِ. وقَدْ يقولُ قائلٌ: إنَّ السَّبرَ مُتعذِّرٌ في هذهِ الأزمانِ بسببِ كثرةِ الأسانيدِ، وتشعُّبِهَا، وبُعدِ المسافَةِ عنْ عصرِ الرِّوايَةِ، وعدمِ الأهليَّةِ لذلكَ، فإنَّهُ يصعبُ جمعُ طرقِ كلِّ حديثٍ، والنَّظرُ فيهَا، والحكمُ عليها، بِحُجَّةِ أنَّ الأوائلَ كانُوا يحفظونَ الأسانيدَ، وَلا يُحوجُهُمْ جمعُهَا إلَّا استدعاؤُهَا من ذاكرتِهِمْ، ولدفعِ ذلكَ نقولُ: أولاً: إنَّ منْ يُريدُ خوضَ غمارِ هذَا العلمِ لا بدَّ أنْ يكونَ متخصِّصَاً، وأنْ يقصُرَ همَّتهُ ووقتَهُ عليهِ، وألا يجمعَ معَهُ غيرَهُ، وأنْ يُفرغَ وسعَهُ في تَطلُّبِهِ، قالَ الخطيبُ البغداديُّ «ت ٤٦٣ هـ»: «[عَلَى طَالِبِ الحَدِيثِ أَنْ يَقُومَ] بِمُعَانَاةِ عِلْمِ الحَدِيثِ دُونَ سِوَاهُ، لِأنَّهُ عِلْمٌ لَا يَعْلَقُ إِلَّا بِمَنْ وَقَفَ نَفْسَهُ عَلِيهِ، وَلَمْ يَضُمَّ غَيرَهُ مِنَ العُلُومِ إِلَيهِ» (١). وقَالَ ابنُ رجبٍ «ت ٧٩٥ هـ»: «وَلَا بُدَّ فِي هَذَا العِلْمِ مِنْ طُولِ المُمَارَسَةِ، وَكَثْرَةِ المُذَاكَرَةِ، فَإِذَا عَدِمَ المُذَاكَرَةَ بِهِ فَليُكْثِرْ طَالِبُهُ المُطَالَعَةَ فِي كَلَامِ الأَئِمَّةِ العَارِفِينَ كَيَحْيَى

стр. 169

القَطَّانِ، وَمَنْ تَلَقَّى عَنْهُ كَأَحْمَدَ وَابْنِ المَدِينِيِّ وَغَيرِهِمَا، فَمَنْ رُزِقَ مُطَالَعَةَ ذَلِكَ، وَفَهِمَهُ، وَفَقِهَتْ نَفْسُهُ فِيهِ، وَصَارَتْ لَهُ فِيهِ قُوَّةُ نَفْسٍ وَمَلَكَةٍ، صَلُحَ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِيهِ» (١). ولذَا فإنَّ لقبَ «المحدِّثِ» لا يُطلَقُ إلَّا على منْ يشتغلُ بعلمِ الحديثِ روايةً ودرايةً، ويطَّلعُ على كثيرٍ منَ الرِّواياتِ وأحوالِهَا، وَقدْ أشارَ المعلِّميُّ «ت ١٣٨٦ هـ» في مقدِّمةِ كتابِهِ «الاستبصارُ في نقدِ الأخبارِ» إلى صعوبَةِ علمِ الحديثِ درايةً، لكنْ ليسَ إلى حدِّ استحالتِهِ أو تعذُّرِهِ، فقالَ: «وَأَرْجُو إِذَا يَسَّرَ اللهُ ﵎ إِتْمَامَ هَذِهِ الرِّسَالَةِ كَمَا أُحِبُّ، أَنْ يَتَّضِحَ لِقَارِئِهَا سَبِيلُ القَومِ فِي نَقْدِ الحَدِيثِ، وَيَتَبَيَّنَ أَنَّ سُلُوكَهَا لَيسَ مِنَ الصُّعُوبَةِ بِالدَّرَجَةِ التِي يَقْطَعُ بِامْتِنَاعِهَا، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ دَاعِيَاً لِأُولِي الِهمَمِ إِلَى الاِسْتِعْدَادِ لِسُلُوكِهَا، فَيَكُونُ مِنْهُمْ أَئِمَّةٌ مَجْتَهِدُونَ فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى» (٢). ثانياً: الأئمَّةُ المتقدِّمونَ كانُوا يقطعونَ المفاوزَ من أجلِ جمعِ طرقِ حديثٍ واحدٍ، ويُمضونَ الأيَّامَ الطِّوالَ ويُواصلونَ الليلَ بالنَّهارِ للنَّظرِ في علَّةِ حديثٍ مَا منْ خلالِ طرقِهِ، قالَ ابنُ المدينيِّ «ت ٢٣٤ هـ»: «رُبَّمَا أَدْرَكْتُ عِلَّةَ حَدِيثٍ بَعْدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً» (٣). وقالَ الخطيبُ «ت ٤٦٣ هـ»: «مِنَ الأَحَادِيثِ مَا تَخْفَى عِلَّتُهُ، فَلَا يُوقَفُ عَلَيهَا إِلَّا بَعْدَ النَّظَرِ الشَّدِيدِ، وَمُضِيِّ الزَّمَنِ البَعِيدِ» (٤). - ولنَا فيهمْ أُسوةٌ حسنةٌ - وهوَ المنهجُ الذي سارَ عليهِ الأئمَّةُ المتأخِّرونَ، وقدْ ذكرنَا عددَاً منَ المتأخِّرينَ الذينَ قامُوا بعمليَّةِ السَّبرِ اعتمادَاً على المصنَّفاتِ الحديثيَّةِ المسندَةِ معَ بُعدهِمْ عنْ عصرِ الرِّوايَةِ، والأسانيدُ التي

стр. 170

كانتْ بينَ أيديهِمْ لا تختلفُ عمَّا في أيدينَا، فهيَ مدوَّنةٌ في الكتبِ والمصنَّفاتِ، وإنَّما اختلفَتْ هِمَّةُ الطَّلبِ، وحِدَّةُ الصَّبرِ والمثابرَةِ، فهذَا الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» يقولُ في تتبُّعهِ لطُرقِ حديثِ: «إِنَّما الأعمالُ بالنيَّاتِ»: «تَتَبَّعْتُهُ من الْكُتُبِ وَالْأَجْزَاءِ، حتى مَرَرْتُ على أَكْثَرَ من ثَلَاثَةِ آلَافِ جُزْءٍ فما اسْتَطَعْتُ أَنْ أُكْمِلَ له سَبْعِينَ طَرِيقًا» (١). وقدْ سهَّلَ اللهُ علينَا الطَّريقَ في عمليَّةِ السَّبرِ بمَا أنعمَهُ علينَا منْ نعمَةِ التقنيَّةِ الحديثَةِ، بحيثُ يستطيعُ الواحدُ منَّا جمعَ طرقِ حديثٍ في عُشرِ معشارِ المدِّةِ التي كانَ يقضيهَا الأئمَّةُ في ذلكَ منْ خلالِ الحاسوبِ المُفهرِسِ (٢)، فاختصَرَ علينَا الطَّريقَ في جمعِ وتتبُّعِ وسبرِ الأسانيدِ. ثالثاً: إدراكُ علَّةِ حديثٍ خيرٌ منْ حفظِ مئةِ حديثٍ، هذَا ما أَوعَزَ إِليهِ أئمَّةُ الحديثِ، فلئنْ يُمضِيَ الباحثُ المتخصِّصُ ردحَاً منَ الزَّمنِ في جمعِ طرقِ حديثٍ لاستخراجِ مكمنِ علَّتِهِ يذُبُّ بذلكَ عن سنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ ، ويميِّزُ الدَّخيلَ فيهَا منَ الأصيلِ، خيرٌ لهُ منْ أنْ يحفظَ مئةَ حديثٍ لا يعلَمُ غثَّهَا من سَمينِهَا، قَالَ ابنُ مهديٍّ «ت ١٩٨ هـ»: «لَئِنْ أَعْرِفَ عِلَّةَ حَدِيثٍ وَاحِدٍ أَحَبُّ إِليَّ مِنْ أَنْ أَسْتَفِيدَ عَشَرَةَ أَحَادِيثٍ» (٣). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ»: «مِنْ أَهَمِّ أَنْوَاعِ العُلُومِ تَحْقِيقُ الأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّاتِ، أَعْنِي: مَعْرِفَةَ مُتُونِهَا، صَحِيحِهَا، وَحَسَنِهَا، وَضَعِيفِهَا. مُتَّصِلِهَا، وَمُرْسَلِهَا، وَمُنْقَطِعِهَا، وَمُعْضَلِهَا، وَمَقْلُوبِهَا، وَمَشْهُورِهَا، وَغَرِيبِهَا، وَعَزِيزِهَا، وَمُتَوَاتِرِهَا،

стр. 171

وَآَحَادِهَا، وَأَفْرَادِهَا. مَعْرُوفِهَا، وَشَاذِّهَا وَمُنْكَرِهَا، وَمُعَلَّلِهَا، وَمَوضُوعِهَا، وَمُدْرَجِهَا، وَنَاسِخِهَا، وَمَنْسُوخِهَا» (١). رابعاً: تخيُّرُ الأسانيدِ العاليَةِ والصَّحيحةِ، والبعدُ عنِ المنكراتِ والأباطيلِ: فتُملأُ الصَّفحاتُ بالأسانيدِ الكثيرةِ، التي لا طائلَ منهَا، ولا فائدةَ فيهَا، ممَّا يبعثُ الباحثَ على التَّقاعسِ في المضيِّ في دراسةِ الأسانيدِ وتتبُّعِهَا، أو الاختصارِ فيهَا بمَا يُخلُّ في دراسةِ الحديثِ والحكمِ عليهِ، وقدْ بوَّبَ الخطيبُ البغداديُّ «ت ٤٦٣ هـ» في «الجامعِ لأخلاقِ الرَّاوي» بعنوانِ «مَا ينبغي أنْ يُصْدَفَ عنِ الاشتغالِ بهِ في الانتقاءِ»، ثمَّ قالَ: «يَنْبَغِي لِلْمُنْتَخِبِ أَنْ يَقْصِدَ تَخَيُّرَ الأَسَانِيدِ العَالِيَةِ، وَالطُّرُقِ الوَاضِحَةِ، وَالأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَالرِّوَايَاتِ المُسْتَقِيمَةِ، وَلَا يُذْهِبَ وَقَتَهُ فِي التُّرَّهَاتِ مِنْ تَتَبُّعِ الأَبَاطِيلِ وَالمَوضُوعَاتِ وَتَطَلُّبِ الغَرَائِبِ وَالمُنْكَرَاتِ» (٢). ثمَّ قالَ مبيِّنَاً الغرائبَ التي يجبُ الابتعادُ عنْ انتقائِهَا: «وَالغَرَائِبُ التِي كَرِهَ العُلَمَاءُ الاشْتِغَالَ بِهَا، وَقَطْعَ الأَوقَاتِ فِي طَلَبِهَا، إِنَّمَا هِيَ مَا حَكَمَ أَهْلُ المَعْرِفَةِ بِبُطْلَانِهِ، لِكَونِ رُوُاتِهِ مِمَّنْ يَضَعُ الحَدِيثَ، أَوْ يَدَّعِي السَّمَاعَ، فَأَمَّا مَا اسْتُغْرِبَ لِتَفَرُّدِ رَاوِيهِ بِهِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ فَذَلِكَ يَلْزَمُ كَتْبُهُ وَيَجِبُ سَمَاعُهُ وَحِفْظُهُ» (٣). ولتجنُّبِ الوقوعِ في ذلكَ على الباحثِ الالتزامُ بجمعِ طرقِ الحديثِ منَ المصنَّفاتِ الحديثيَّةِ التي أشرتُ إليهَا في مبحثِ «المصنَّفاتُ الحديثيَّةُ المسندةُ التي يُعتمدُ عليهَا في السَّبرِ» (٤) والابتعادُ عنْ كتبِ الغرائِبِ والأفرادِ، والموضوعاتِ. * * *

стр. 172

المَبْحَثُ الثَّالِثُ: الطَّرِيقَةُ العِلْمِيَّةُ العَمَلِيَّةُ لِسَبْرِ الأَسَانِيدِ: المَطْلَبُ الأَوَّلُ: الطَّرِيقَةُ العِلْمِيَّةُ لِسَبْرِ الأَسَانِيدِ: هناكَ طرقٌ عدَّةٌ اعتمدهَا الأئمَّةُ المحدِّثونَ في مصنَّفاتهِمْ بالنِّسبَةِ لسبرِ الحديثِ وجمعِ طرقِهِ في موطنٍ واحدٍ، ولكلٍّ منهمْ مقصدٌ من طريقتِهِ، وهذهِ الطُّرقُ هيَ: الطَّريقةُ الأولَى: وهيَ طريقَةُ الإمامِ مسلمٍ في صحيحِهِ، فقد رتَّبَ الرِّواياتِ بحسبِ قوَّتِهَا، قالَ المُعلِّميُّ «ت ١٣٨٦ هـ»: «عَادَةُ مُسْلِمٍ أَنْ يُرَتِّبَ رِوَايَاتِ الحَدِيثِ بِحَسَبِ قُوَّتِهَا، يُقَدِّمُ الأَصَحَّ فَالأَصَحَّ» (١). وقدْ أشارَ الإمامُ مسلمٌ إلى ذلكَ في مقدِّمةِ صحيحِهِ، فقالَ: «فَأَمَّا القِسْمُ الأَوَّلُ فَإِنَّا نَتَوَخَّى أَنْ نُقَدِّمَ الأَخْبَارَ التِي هِيَ أَسْلَمُ مِنَ العُيُوبِ مِنْ غَيرِهَا … فَإِذَا نَحْنُ تَقَصَّينَا أَخْبَارَ هَذَا الصِّنْفِ مِنَ النَّاسِ أَتْبَعْنَاهَا أَخْبَارَاً يَقَعُ فِي أَسَانِيدِهَا بَعْضُ مَنْ لَيسَ بِالمَوصُوفِ بِالحِفْظِ وَالإِتْقَانِ كَالصِّنْفِ الُمقَدَّمِ قَبْلَهُمْ … » (٢). ومقصِدُ الإمامِ مسلمٍ في ترتيبِهِ إبرازُ الفوائدِ الإسناديَّةِ، وبيانُ عللِ الأحاديثِ (٣).

стр. 173

الطَّريقةُ الثَّانيةُ: وهيَ طريقةُ النَّسائيِّ في سننِهِ الكبرى، والتِّرمذيِّ في سننِهِ كذلكَ، وهيَ بعكسِ طريقةِ الإمامِ مسلمٍ، فيبدأانِ بإيرادِ الأحاديثِ غريبَةِ الإسنادِ لبيانِ ما فيهَا منْ عللٍ، ثمَّ يوردانِ الصَّحيحَ منَ الإسنادِ، قالَ ابنُ رجبٍ الحنبليُّ «ت ٧٩٥ هـ»: «وَقَدِ اعْتُرِضَ عَلَى التِّرْمِذِيِّ بِأَنَّهُ فِي غَالِبِ الأَبْوَابِ يَبْدَأُ بِالأَحَادِيثِ الغَرِيبَةِ الإِسْنَادِ غَالِبَاً، وَلَيسَ ذَلِكَ بِعَيبٍ فَإِنَّهُ يُبَيِّنُ مَا فِيهَا مِنَ العِلَلِ، ثُمَّ يُبَيِّنُ الصَّحِيحَ فِي الإِسْنَادِ، وَكَانَ مَقْصِدُهُ ذِكْرَ العِلَلِ، وَلِهَذَا تَجِدُ النَّسَائِيَّ إِذَا اسْتَوعَبَ طُرُقَ الحَدِيثِ، بَدَأَ بِمَا هُوَ غَلَطٌ، ثُمَّ يَذْكُرُ بَعْدَ ذَلِكَ الصَّوَابَ المُخَالِفَ لَهُ» (١). ومقصدُهُما ذكرُ العللِ. الطَّريقةُ الثَّالثةُ: وهيَ طريقةُ الإمامِ الحربيِّ «ت ٢٨٥ هـ» في كتابِهِ «غريبِ الحديثِ» (٢)، والبيهقيِّ «ت ٤٥٨ هـ» في سُننِهِ الكُبرَى، وابنِ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» في «المطالبِ العاليةِ بزوائدِ الكتبِ الثَّمانيَةِ»، وهيَ أنْ يُقدِّمَ الحديثَ المرفوعَ ثم الموقوفَ ثم المقطوعَ (٣)، لأنَّ المرفوعَ هوَ الأصلُ في البابِ، ما لمْ يكنِ الأصحَّ وَقْفُهُ. الطَّريقَةُ الرَّابعَةُ: وهيَ أحدُ الاعتباراتِ التي اعتمدَهَا الإمامُ مسلمٌ في ترتيبِهِ أحاديثَ الصَّحيحِ، وهيَ أنْ يُورِدَ الطُّرُقَ بحسبِ علوِّ الإسنادِ، فيبدأُ بالعالِي ثمَّ النَّازلِ

стр. 174

وهكذَا … ، ذكرَ ذلكَ الدُّكتورُ حمزةُ المليباريُّ (١) في كتابِهِ «عبقريَّةُ الإمامِ مسلمٍ في ترتيبِ أحاديثِ مُسندِهِ الصَّحيحِ» (٢). الطَّريقةُ الخَامسةُ: والطُّرقُ السَّابقَةُ كلُّهَا تختصُّ بالسَّندِ، إلَّا أنَّ هناكَ طريقةً مختصَّةً بالمتنِ، وهيَ إيرادُ الطُّرقِ بحسبِ المتنِ، فيُوردُ المتنَ بتمامِهِ أوَّلاً، ثمَّ المختَصَرَ، ثمَّ الزِّيادَاتِ، إلَّا أنَّ هذَا التَّرتيبَ يخضعُ لصحَّةِ السَّندِ المُوصِّلِ لهذَا المتنِ، وهيَ طريقَةُ أبي داودَ في سننِهِ، قالَ أبو داودَ «ت ٢٧٥ هـ» مبيِّناً طريقتَهُ: «وَإِذَا أَعَدْتُ الحَدِيثَ فِي البَابِ مِنْ وَجْهَينِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ زِيَادَةِ كَلَامٍ فِيهِ، وَرُبَّمَا فِيهِ كَلِمَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الأَحَادِيثِ» (٣). وقالَ ابنُ رجبٍ «ت ٧٩٥ هـ»: «وَأَمَّا أَبُو دَاوُدَ فَكَانَتْ عِنَايَتُهُ بِالمُتُونِ أَكْثَرَ، وَلِهَذَا يَذْكُرُ الطُّرُقَ وَاخْتِلَافَ أَلْفَاظِهَا، وَالزِّيَادَاتِ المَذْكُورَةَ فِي بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ» (٤). وهوَ ما قامَ بهِ الإمامُ ابنُ الأثيرِ الجزريُّ «ت ٦٠٦ هـ» في كتابِهِ «جامعِ الأصولِ»، قالَ في مقدِّمةِ كتابِهِ: «ثُمَّ إِنَّنِي عَمِدْتُ إِلَى كُلِّ فَصْلٍ وَكُلِّ فَرْعٍ وَكُلِّ بَابٍ، فَنَضَّدْتُ الأَحَادِيثَ فِيهِ، كُلُّ حَدِيثٍ يَتْلُو مَا يُشْبِهُهُ، أَوْ يُمَاثِلُهُ، أَوْ يُقَارِبُهُ» (٥). إلَّا أنَّ الكتابَ محذوفُ الأسانيدِ، ويُصارُ إليهَا بالرُّجوعِ إلى مصادرِهَا الأصليَّةِ (٦).

стр. 175

ولَمْ تستبنْ طريقَةُ سبرِ الأئمَّةِ للأحاديثِ في كتبِ العللِ، لأنَّهَا اقتصَرتْ على إيرادِ مَا نتجَ عنْ عمليَّةِ السَّبرِ، منْ تحديدٍ ل «مدارِ الإسنادِ»، وبيانٍ لأوجهِ الاتِّفاقِ والاختلافِ، ومنْ يدورُ عليهِ الاختلافُ أو الاتِّفاقُ منَ الرُّواةِ، ومواطنِ التقاءِ الرُّواةِ وافتراقِهِم في كلِّ طريقٍ، والزِّياداتِ الواردَةِ في كلِّ روايَةٍ، وعمليَّةُ السبرِ غالبَاً ما تكونُ حبيسةَ الذاكرةِ أو المسوَّداتِ. إلَّا أنَّهُ منَ الممكنِ أنْ نذكرَ اعتباراتٍ ينبغِي اعتمادُهَا في عمليَّةِ ترتيبِ الأسانيدِ، وبذلكَ نجمعُ بينَ مختلفِ الطُّرقِ التي اتَّبعهَا الأئمَّةُ في مصنَّفاتِهِم، والتي أوردناهَا آنفَاً: ١ - يُقدَّمُ السَّندُ الأصحُّ، أو الخالي منَ العلَّةِ: لأنَّهُ الميزانُ الذي يُقاسُ بهِ غيرُهُ منَ الأسانيدِ، فيقدَّمُ الحديثُ منْ صحيحِ البخاريِّ، ثمَّ صحيحِ مسلمٍ، ويُعتمدُ ترتيبَ مسلمٍ في إيرادِ مرويَّاتِهِ، لأنَّهُ يُوردُ الطَّريقَ الصَّحيحَ ثُمَّ المعلولَ، ثُمَّ سننِ أبي داودٍ، ثمَّ سننِ النَّسائيِّ، ويُعتمدُ عكسُ ترتيبِ النَّسائيِّ في إيرادِ مرويَّاتِهِ، لأنَّ النَّسائيَّ يبدأُ بمَا هو غلطٌ، ثمَّ يذكرُ الصَّوابَ المخالفَ لهُ، بعكسِ ترتيبِ مسلمٍ، ثمَّ سننِ التِّرمذيِّ، ثمَّ سننِ ابنِ ماجَه، ثمَّ تُؤخذُ اعتباراتُ الأقدمِ وفاةً في المصنَّفاتِ غير الكتبِ الستَّةِ. ١) يُقَدَّمُ الإسنادُ العالِي على النَّازِلِ، إلَّا إذا كانَ النَّازلُ أصحّ. ٢) تُقدَّمُ الأسانيدُ المرفوعَةُ، فالموقوفَةُ، فالمقطوعَةُ. ٣) ويتبعُ المتنُ السَّندَ في التَّرتيبِ، فنُورِدُ المتنَ في الطَّريقِ الأوَّلِ كاملاً كمَا هوَ، ونشيرُ إلى الزِّيادَاتِ في الطُّرقِ الأُخرَى، قالَ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ»: «مِمَّا يَلْزَمُ الحَدِيثِيَّ مِنَ الضَّبْطِ

стр. 176

وَالإِتْقَانِ إِذَا رَوَى حَدِيثَاً وَسَاقَ المَتْنَ ثُمَّ أَعْقَبَهُ بِإِسْنَادٍ آَخَرَ، أَنْ يُفَرِّقَ بَينَ أَنْ يَقُولَ: «مِثْلُهُ»، أَوْ «نَحْوُهُ»، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَقُولَ: «مِثْلُهُ» إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَقِفَ عَلَى المَتْنَينِ جَمِيعَاً، فَيُعْلَمَ أَنَّهُمَا عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ، وَإِذَا لَمْ يُمَيِّزْ ذَلِكَ، جَازَ أَنْ يَقُولَ: «نَحْوُهُ»، فَإِذَا قَالَ: «نَحْوُهُ» بَيَّنَ أَنَّهُ مِثْلُ مَعَانِيهِ» (١). * * *

стр. 177

المَطْلَبُ الثَّانِي: الطَّرِيقَةُ العَمَلِيَّةُ لِسَبْرِ الأَسَانِيدِ: أَوَّلَاً: تَشْجِيرُ الأَسَانِيدِ: ويحسنُ بالباحثِ أنْ يقومَ بعملِ مُشجَّرٍ للطُّرقِ والأسانيدِ، وبيانِ طبقاتِ كلِّ سندٍ، ليسهلَ عليهِ مطالعتُهَا، وبيانُ أوجُهِ الاتِّفاقِ والاختلافِ فيهَا. والتَّشجيرُ: لغةً: مِنَ التَّصاويرِ، ما كانَ على صيغَةِ الشَّجرِ، أي: على هيئةِ الشَّجرِ (١). واصطلاحاً: الرَّسمُ التَّوضيحيُّ لرُواةِ الحديثِ في طُرُقِهِ المتعدِّدةِ، ليتَّضحَ لنَا مواضعُ التقاءِ الرُّواةِ وافتراقِهِم في كلِّ طريقٍ، وعلى منْ تدورُ روايةُ الحديثِ. وقدْ سبقَ الشَّيخُ العطَّارُ (٢) «ت ١٣٣٥ هـ» فألَّفَ مشجَّرَاً أسماهُ «مشجَّرُ الأسانيدِ»، قالَ الكتَّانيُّ (٣) «ت ١٣٨٢ هـ» عنهُ: «ذَكَرَ فِيهِ أَسَانِيدَ الكُتُبِ السِّتَّةِ وَالمُوَطَّأِ وَمُسْنَدِ الدَّارِمِيِّ وَالشَّمَائِلِ … ، وَهُوَ مُشَجَّرٌ عَجِيبٌ، عَلَى نَسَقٍ غَرِيبٍ، جَعَلَهُ دَوَائِرَ، وَكُلُّ دَائِرَةٍ يُكْتَبُ فِيهَا اسْمُ رَاوٍ وَيَصِلُهَا بِأُخْرَى يَكْتُبُ دَاخِلَهَا اسْمَ الرَّاوِي عَنْهُ، وَهَكَذَا إِلَى اسْمِ جَامِعِهِ الشَّيخِ أَحْمَدَ أَبِي الخَيرِ» (٤).

стр. 178

ويتِمُّ ترتيبُ الرُّواةِ في المشجَّرِ بحسبِ الرَّاوِي الأعلَى «الصَّحَابيِّ»، فمنْ بعدَهُ إلى نهايةِ السَّندِ، وهكذَا نضمُّ إليهِ جميعَ الرِّواياتِ بدآً منَ الصَّحابيِّ، لتتَّضحَ لنَا مواطنُ الاتِّفاقِ والافتراقِ منَ الرُّواةِ. ثَانِيَاً: تَعْيِينُ الرُّوَاةِ وَمَعْرِفَةُ أَحْوَالِهِمْ: أي: معرفةُ شخصِ الرَّاوي وعينِهِ، لأنَّ الخطأَ في تعيينِ الرُّواةِ يُؤدِّي إلى الخطأِ بترتيبِهِم في مُشجَّرِ الأسانيدِ، ممَّا يُؤثِّرُ على تعيينِ مواطنِ الاختلافِ والاتِّفاقِ منَ الرُّواةِ، وبالتَّالي إلى الخطأِ في الحكمِ على الحديثِ، قال ابن المديني «ت ٢٣٤ هـ»: «مَعْرِفَةُ الرِّجَالِ نِصْفُ العِلْمِ» (١). فتعيينُ شخصِ الرَّاوي هوَ مقدمةٌ لتعيينِ حالِهِ، ويكونُ تحديدُ شخصِ الرَّاوي منَ الناحيتينِ الاسميَّةِ والتاريخيَّةِ. فأمَّا منَ النَّاحيةِ الاسميَّةِ، فلا بُدَّ منْ: معرفةِ الرَّاوِي باسمِهِ وكنيتِهِ ولقبِهِ ونسبِهِ: ليتميَّزَ اسمُ الرَّاوي المشهورِ بكنيتِهِ أو لقبِهِ أو نسبِهِ، ويتعيَّنَ منْ ذُكرَ بأسماءٍ مختلفةٍ أو نعوتٍ متعددةٍ، وللاحترازِ عنْ ذكرِ الرَّاوي مرةً باسمِهِ ومرةً بكنيتِهِ أو لقبِهِ أو نسبِهِ فيُظَنَّا رجلينِ أو أكثرَ، أو ربَّمَا ذُكرَ بهمَا معاً فيُتَوهَّمَا رجلينِ سقطَ بينهُمَا حرفُ «عن»، ولدفعِ توهُّمِ التعدُّدِ عنِ المنسوبِ لغيرِ أبيهِ حينَ يُنسبُ لأبيهِ. وتعيينِ المبهمِ وتقييدِ المهمَلِ: لدفعِ الانقطاعِ في السَّندِ. وَمعرفَةِ المتشابِهِ، والمتَّفقِ والمفترقِ، والمؤتلِفِ والمختلِفِ: لمنعِ وقوعِ الوهمِ في اسم الراوِي، أو خلطِهِ بغيرِهِ، وللاحترازِ عنْ جعلِ الاثنينِ واحداً، والواحدِ اثنينِ.

стр. 179

وَمعرفةِ أوطانِ الرُّواةِ وبلدانِهِمْ: ليتعيَّنَ شخصُ الرَّاوي أيضاً ويتميَّزَ عمَّنْ يُشابهُهُ في الاسمِ، ومعرفةُ بلديِّ الرَّاوي منْ شيوخِهِ وتلاميذِهِ إذا اشتُبِهَ بغيرِهِ، وقدْ يتعيَّنُ بِهِ المُهملُ، ويظهرُ الرَّاوي المدلِّسُ، ويُعلَمُ تلاقِي الرُّواةِ (١). أَمَّا النَّاحيةُ التَّاريخيَّةُ، فلا بدَّ منْ: معرفةِ مواليدِ الرُّواةِ ووفياتِهِم، وطبقاتِهِم: إذْ يُتَوصَّلُ بهَا إلى التَّمييزِ بينَ الرُّواةِ المتشابهينَ ويُؤْمَنُ التَّداخلُ بينهُمْ كالمتفقينَ في الاسمِ والكنيةِ، كمَا يُوقَفُ على المرادِ من عنعنَةِ المدلِّسِ أهيَ على سبيلِ الاتِّصالِ، أم الانقطاعِ. ومعرفةِ الإخوةِ والأخواتِ: حتى لا يُظَنَّ أنَّ روايةَ الرَّاوي عنْ أخيهِ وهمٌ. وروايةِ الأقرانِ: لدفعِ التَّوهُّمِ بأنَّ ذكرَ أحدِ المتقارنينِ وقعَ في السندِ خطأً، وألَّا يُفهَمَ أنَّ «عنْ» خطأٌ، وأنَّ صوابَهَا واوُ العطفِ التي تدلُّ على أنَّهُما اشتركَا في روايةِ الحديثِ عن الرَّاوي الذي ذُكرَ في الإسنادِ قبلهُمَا. وروايةِ الأكابرِ عنِ الأصاغرِ، والآباءِ عنِ الأبناءِ، والأبناءِ عنِ الآباءِ، والسَّابقِ واللاحقِ: لرفعِ توهُّمِ الخطأِ أو الانقلابِ في الإسنادِ (٢). ثمَّ بعدَ تعيينِ أعيانِ الرُّواةِ، لا بدَّ منْ معرفةِ أحوالِهمْ ومراتبِهِم، منْ حيثُ القبولُ أو الرَّدُّ، والجرحُ والتَّعديلُ، والعدالَةُ والضَّبطُ، وأيُّهمْ يُقدَّمُ أو يُرجَّحُ عندَ الاختلافِ،

стр. 180

ومن اشتهرَ منهُمْ بالتَّدليسِ، أو الإرسالِ، أو عُرِفَ عليهِ الاختلاطُ في أزمنَةٍ، أو أمكنَةٍ، أو شيوخٍ مخصوصينَ دونَ غيرهِمْ (١). ثَالِثَاً: تَحْدِيدُ مَدَارِ الإِسْنَادِ (٢): تقدَّمَ الكلامُ في تعريفِ المدارِ (٣). وبقيَ أنْ نُنوِّهَ إلى أنَّهُ غالباً ما تدورُ الأسانيدُ على الأئمَّةِ المكثرينَ، وتنحصرُ في التَّابعينَ وأتباعِ التَّابعينَ، وقدْ اهتمَّ الأئمَّةُ اهتمامَاً بالغَاً بمدارِ الإسنادِ، فذكرَ ابنُ المدينيِّ في عللِهِ مَنْ يدورُ عليهِمُ الإسنادُ (٤). وعنونَ ابنُ رجبٍ في «شرحِ عللِ التِّرمذِيِّ» القسمَ الأوَّلَ منْ أقسامِ علمِ العللِ ب «مَعْرِفَةُ مَرَاتِبِ أَعْيَانِ الثِّقَاتِ الذِينَ تَدُورُ غَالِبُ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَلَيهِمْ، وَبَيَانُ مَرَاتِبِهِمْ فِي الحِفْظِ، وَذِكْرُ مَنْ يُرَجَّح قَولُهُ مِنْهُمْ عِنْدَ الاِخْتِلَافِ» (٥). تبياناً لأهميَّةِ المدارِ في علمِ العللِ، لأنَّهُ يُعينُ على معرفةِ مواطنِ الاتِّفاقِ والافتراقِ منَ الرُّواةِ، وكيفيَّةِ التَّرجيحِ والتَّوفيقِ بينَ الاختلافاتِ، منْ خلالِ معرفةِ مراتبِ الرُّاوةِ عنِ المدارِ، سألَ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ «ت ٢٩٠ هـ» أباهُ، فقالَ: «أَيُّمَا أَثْبَتُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ؟ فَقَالَ: لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عِلَّةٌ إِلَّا أَنَّ يُونُسَ وَعَقِيلَاً يُؤَدِّيَانِ الأَلْفَاظَ، وَشُعَيباً بنَ أَبِي حَمْزَةَ، وَلَيسَ هُمْ مِثْل مَعْمَرٍ، مَعْمَرٌ يُقَارِبُهُمْ فِي الإِسْنَادِ. قُلْتُ: فَمَالِكٌ؟ قَالَ: مَالِكٌ أَثْبَتُ فِي كُلِّ شَيءٍ» (٦).
следующие страницы →