← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1117

السبر عند المحدثين

عبد الكريم جراد

Полный текст (515 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وَالإِتْقَانِ إِذَا رَوَى حَدِيثَاً وَسَاقَ المَتْنَ ثُمَّ أَعْقَبَهُ بِإِسْنَادٍ آَخَرَ، أَنْ يُفَرِّقَ بَينَ أَنْ يَقُولَ: «مِثْلُهُ»، أَوْ «نَحْوُهُ»، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَقُولَ: «مِثْلُهُ» إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَقِفَ عَلَى المَتْنَينِ جَمِيعَاً، فَيُعْلَمَ أَنَّهُمَا عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ، وَإِذَا لَمْ يُمَيِّزْ ذَلِكَ، جَازَ أَنْ يَقُولَ: «نَحْوُهُ»، فَإِذَا قَالَ: «نَحْوُهُ» بَيَّنَ أَنَّهُ مِثْلُ مَعَانِيهِ» (١). * * *

стр. 177

المَطْلَبُ الثَّانِي: الطَّرِيقَةُ العَمَلِيَّةُ لِسَبْرِ الأَسَانِيدِ: أَوَّلَاً: تَشْجِيرُ الأَسَانِيدِ: ويحسنُ بالباحثِ أنْ يقومَ بعملِ مُشجَّرٍ للطُّرقِ والأسانيدِ، وبيانِ طبقاتِ كلِّ سندٍ، ليسهلَ عليهِ مطالعتُهَا، وبيانُ أوجُهِ الاتِّفاقِ والاختلافِ فيهَا. والتَّشجيرُ: لغةً: مِنَ التَّصاويرِ، ما كانَ على صيغَةِ الشَّجرِ، أي: على هيئةِ الشَّجرِ (١). واصطلاحاً: الرَّسمُ التَّوضيحيُّ لرُواةِ الحديثِ في طُرُقِهِ المتعدِّدةِ، ليتَّضحَ لنَا مواضعُ التقاءِ الرُّواةِ وافتراقِهِم في كلِّ طريقٍ، وعلى منْ تدورُ روايةُ الحديثِ. وقدْ سبقَ الشَّيخُ العطَّارُ (٢) «ت ١٣٣٥ هـ» فألَّفَ مشجَّرَاً أسماهُ «مشجَّرُ الأسانيدِ»، قالَ الكتَّانيُّ (٣) «ت ١٣٨٢ هـ» عنهُ: «ذَكَرَ فِيهِ أَسَانِيدَ الكُتُبِ السِّتَّةِ وَالمُوَطَّأِ وَمُسْنَدِ الدَّارِمِيِّ وَالشَّمَائِلِ … ، وَهُوَ مُشَجَّرٌ عَجِيبٌ، عَلَى نَسَقٍ غَرِيبٍ، جَعَلَهُ دَوَائِرَ، وَكُلُّ دَائِرَةٍ يُكْتَبُ فِيهَا اسْمُ رَاوٍ وَيَصِلُهَا بِأُخْرَى يَكْتُبُ دَاخِلَهَا اسْمَ الرَّاوِي عَنْهُ، وَهَكَذَا إِلَى اسْمِ جَامِعِهِ الشَّيخِ أَحْمَدَ أَبِي الخَيرِ» (٤).

стр. 178

ويتِمُّ ترتيبُ الرُّواةِ في المشجَّرِ بحسبِ الرَّاوِي الأعلَى «الصَّحَابيِّ»، فمنْ بعدَهُ إلى نهايةِ السَّندِ، وهكذَا نضمُّ إليهِ جميعَ الرِّواياتِ بدآً منَ الصَّحابيِّ، لتتَّضحَ لنَا مواطنُ الاتِّفاقِ والافتراقِ منَ الرُّواةِ. ثَانِيَاً: تَعْيِينُ الرُّوَاةِ وَمَعْرِفَةُ أَحْوَالِهِمْ: أي: معرفةُ شخصِ الرَّاوي وعينِهِ، لأنَّ الخطأَ في تعيينِ الرُّواةِ يُؤدِّي إلى الخطأِ بترتيبِهِم في مُشجَّرِ الأسانيدِ، ممَّا يُؤثِّرُ على تعيينِ مواطنِ الاختلافِ والاتِّفاقِ منَ الرُّواةِ، وبالتَّالي إلى الخطأِ في الحكمِ على الحديثِ، قال ابن المديني «ت ٢٣٤ هـ»: «مَعْرِفَةُ الرِّجَالِ نِصْفُ العِلْمِ» (١). فتعيينُ شخصِ الرَّاوي هوَ مقدمةٌ لتعيينِ حالِهِ، ويكونُ تحديدُ شخصِ الرَّاوي منَ الناحيتينِ الاسميَّةِ والتاريخيَّةِ. فأمَّا منَ النَّاحيةِ الاسميَّةِ، فلا بُدَّ منْ: معرفةِ الرَّاوِي باسمِهِ وكنيتِهِ ولقبِهِ ونسبِهِ: ليتميَّزَ اسمُ الرَّاوي المشهورِ بكنيتِهِ أو لقبِهِ أو نسبِهِ، ويتعيَّنَ منْ ذُكرَ بأسماءٍ مختلفةٍ أو نعوتٍ متعددةٍ، وللاحترازِ عنْ ذكرِ الرَّاوي مرةً باسمِهِ ومرةً بكنيتِهِ أو لقبِهِ أو نسبِهِ فيُظَنَّا رجلينِ أو أكثرَ، أو ربَّمَا ذُكرَ بهمَا معاً فيُتَوهَّمَا رجلينِ سقطَ بينهُمَا حرفُ «عن»، ولدفعِ توهُّمِ التعدُّدِ عنِ المنسوبِ لغيرِ أبيهِ حينَ يُنسبُ لأبيهِ. وتعيينِ المبهمِ وتقييدِ المهمَلِ: لدفعِ الانقطاعِ في السَّندِ. وَمعرفَةِ المتشابِهِ، والمتَّفقِ والمفترقِ، والمؤتلِفِ والمختلِفِ: لمنعِ وقوعِ الوهمِ في اسم الراوِي، أو خلطِهِ بغيرِهِ، وللاحترازِ عنْ جعلِ الاثنينِ واحداً، والواحدِ اثنينِ.

стр. 179

وَمعرفةِ أوطانِ الرُّواةِ وبلدانِهِمْ: ليتعيَّنَ شخصُ الرَّاوي أيضاً ويتميَّزَ عمَّنْ يُشابهُهُ في الاسمِ، ومعرفةُ بلديِّ الرَّاوي منْ شيوخِهِ وتلاميذِهِ إذا اشتُبِهَ بغيرِهِ، وقدْ يتعيَّنُ بِهِ المُهملُ، ويظهرُ الرَّاوي المدلِّسُ، ويُعلَمُ تلاقِي الرُّواةِ (١). أَمَّا النَّاحيةُ التَّاريخيَّةُ، فلا بدَّ منْ: معرفةِ مواليدِ الرُّواةِ ووفياتِهِم، وطبقاتِهِم: إذْ يُتَوصَّلُ بهَا إلى التَّمييزِ بينَ الرُّواةِ المتشابهينَ ويُؤْمَنُ التَّداخلُ بينهُمْ كالمتفقينَ في الاسمِ والكنيةِ، كمَا يُوقَفُ على المرادِ من عنعنَةِ المدلِّسِ أهيَ على سبيلِ الاتِّصالِ، أم الانقطاعِ. ومعرفةِ الإخوةِ والأخواتِ: حتى لا يُظَنَّ أنَّ روايةَ الرَّاوي عنْ أخيهِ وهمٌ. وروايةِ الأقرانِ: لدفعِ التَّوهُّمِ بأنَّ ذكرَ أحدِ المتقارنينِ وقعَ في السندِ خطأً، وألَّا يُفهَمَ أنَّ «عنْ» خطأٌ، وأنَّ صوابَهَا واوُ العطفِ التي تدلُّ على أنَّهُما اشتركَا في روايةِ الحديثِ عن الرَّاوي الذي ذُكرَ في الإسنادِ قبلهُمَا. وروايةِ الأكابرِ عنِ الأصاغرِ، والآباءِ عنِ الأبناءِ، والأبناءِ عنِ الآباءِ، والسَّابقِ واللاحقِ: لرفعِ توهُّمِ الخطأِ أو الانقلابِ في الإسنادِ (٢). ثمَّ بعدَ تعيينِ أعيانِ الرُّواةِ، لا بدَّ منْ معرفةِ أحوالِهمْ ومراتبِهِم، منْ حيثُ القبولُ أو الرَّدُّ، والجرحُ والتَّعديلُ، والعدالَةُ والضَّبطُ، وأيُّهمْ يُقدَّمُ أو يُرجَّحُ عندَ الاختلافِ،

стр. 180

ومن اشتهرَ منهُمْ بالتَّدليسِ، أو الإرسالِ، أو عُرِفَ عليهِ الاختلاطُ في أزمنَةٍ، أو أمكنَةٍ، أو شيوخٍ مخصوصينَ دونَ غيرهِمْ (١). ثَالِثَاً: تَحْدِيدُ مَدَارِ الإِسْنَادِ (٢): تقدَّمَ الكلامُ في تعريفِ المدارِ (٣). وبقيَ أنْ نُنوِّهَ إلى أنَّهُ غالباً ما تدورُ الأسانيدُ على الأئمَّةِ المكثرينَ، وتنحصرُ في التَّابعينَ وأتباعِ التَّابعينَ، وقدْ اهتمَّ الأئمَّةُ اهتمامَاً بالغَاً بمدارِ الإسنادِ، فذكرَ ابنُ المدينيِّ في عللِهِ مَنْ يدورُ عليهِمُ الإسنادُ (٤). وعنونَ ابنُ رجبٍ في «شرحِ عللِ التِّرمذِيِّ» القسمَ الأوَّلَ منْ أقسامِ علمِ العللِ ب «مَعْرِفَةُ مَرَاتِبِ أَعْيَانِ الثِّقَاتِ الذِينَ تَدُورُ غَالِبُ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَلَيهِمْ، وَبَيَانُ مَرَاتِبِهِمْ فِي الحِفْظِ، وَذِكْرُ مَنْ يُرَجَّح قَولُهُ مِنْهُمْ عِنْدَ الاِخْتِلَافِ» (٥). تبياناً لأهميَّةِ المدارِ في علمِ العللِ، لأنَّهُ يُعينُ على معرفةِ مواطنِ الاتِّفاقِ والافتراقِ منَ الرُّواةِ، وكيفيَّةِ التَّرجيحِ والتَّوفيقِ بينَ الاختلافاتِ، منْ خلالِ معرفةِ مراتبِ الرُّاوةِ عنِ المدارِ، سألَ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ «ت ٢٩٠ هـ» أباهُ، فقالَ: «أَيُّمَا أَثْبَتُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ؟ فَقَالَ: لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عِلَّةٌ إِلَّا أَنَّ يُونُسَ وَعَقِيلَاً يُؤَدِّيَانِ الأَلْفَاظَ، وَشُعَيباً بنَ أَبِي حَمْزَةَ، وَلَيسَ هُمْ مِثْل مَعْمَرٍ، مَعْمَرٌ يُقَارِبُهُمْ فِي الإِسْنَادِ. قُلْتُ: فَمَالِكٌ؟ قَالَ: مَالِكٌ أَثْبَتُ فِي كُلِّ شَيءٍ» (٦).

стр. 181

ولمدارِ الإسنادِ أهميَّةٌ بالغةٌ عندَ المحدِّثينَ، فبهِ يُعرفُ مَخْرَجُ الحديثِ، أي: أصلُ السَّندِ، وَيُعطِي صورةً واضحةً للأسانيدِ الشَّاذَّةِ أوِ المنكرةِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «فَسَّرَ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ بنِ العَرَبِيِّ «مَخْرَجَ الحَدِيثِ» بِأَنْ يَكُونَ مِنْ رِوَايَةِ رَاوٍ قَدِ اشْتَهَرَ بِرِوَايَةِ حَدِيثِ أَهْلِ بَلَدِهِ كَقَتَادَةَ فِي البَصْرِيِّينَ … ، فَإِنَّ حَدِيثَ البَصْرِيِّينَ مَثَلَاً إِذَا جَاءَ عَنْ قَتَادَةَ وَنَحْوِهِ كَانَ مَخْرَجُهُ مَعْرُوفَاً، وَإِذَا جَاءَ عَنْ غَيرِ قَتَادَةَ وَنَحَوِهِ كَانَ شَاذَّاً، وَاللهُ أَعْلَمُ» (١). ونتبينُ مراتبَ الرُّواةِ عنِ المدارِ منْ خلالِ اختلافِهِمْ أو خطئِهِمْ عنِ المدارِ، فإذَا اتَّفقتْ روايَةُ الرُّواةِ عنِ المدارِ وخالفهُمْ واحدٌ، عُلِمَ أنَّ الخطأَ منهُ دونَهُمْ، قالَ مسلمٌ «ت ٢٦١ هـ»: «إِذَا رَوَى نَفَرٌ مِنْ حُفَّاظِ النَّاسِ حَدِيثَاً عَنْ مِثْلِ الزُّهْرِيِّ أَوْ غَيرِهِ مِنَ الأَئِمَّةِ بِإِسْنَادٍ وَاحِدٍ وَمَتْنٍ وَاحِدٍ مُجْتَمِعُونَ عَلَى رِوَايَتِهِ فِي الإِسْنَادِ وَالمَتْنِ، لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ فِي مَعْنَى، فَيَرْوِيهِ آَخَرُ سِوَاهُمْ عَمَّنْ حَدَّثَ عَنْهُ النَّفَرُ الذِينَ وَصَفْنَاهُمْ بِعَينِهِ، فَيُخَالِفُهُمْ فِي الإِسْنَادِ أَوْ يَقْلِبُ المَتْنَ، فَيَجْعَلُهُ بِخِلَافِ مَا حَكَى مَنْ وَصَفْنَا مِنَ الحُفَّاظِ، فَيُعْلَمُ حِينَئِذٍ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنَ الرِّوَايَتِينِ مَا حَدَّثَ الجَمَاعَةُ مِنَ الحُفَّاظِ دُونَ الوَاحِدِ المُنْفَرِدِ» (٢). رَابِعَاً: تَعْيِينُ مَوَاطِنِ الاتِّفَاقِ وَالاِخْتِلَافِ: بعدَ تشجيرِ الأسانيدِ، وتعيينِ الرُّواةِ، وتحديدِ مدارِ الإسنادِ، على الباحثِ النَّظرُ في الأسانيدِ والمتونِ، وبيانُ مواطنِ الاتِّفاقِ والافتراقِ منَ الرُّواةِ، لتوضيحِ الاختلافاتِ فيهَا، والتي منْ خلالِهَا تُكشفُ عللُ الحديثِ، وتظهرُ فوائدُهُ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «فَالسَّبِيلُ إِلَى مَعْرِفَةِ سَلَامَةِ الحَدِيثِ

стр. 182

مِنَ العِلَّةِ أَنْ يَجْمَعَ طُرُقَهُ، فَإِنِ اتَّفَقَتْ رُوَاتُهُ وَاسْتَوَوا ظَهَرَتْ سَلَامَتُهُ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا أَمْكَنَ ظُهُورُ العِلَّةِ، فَمَدَارُ التَّعْلِيلِ فِي الحَقِيقَةِ عَلَى بَيَانِ الاخْتِلَافِ» (١). ولا بدَّ في هذهِ المرحلةِ منْ حدَّةِ الذِّهنِ، وَدقَّةِ الفهمِ، وسعةِ المِرانِ، والإلمامِ بجميعِ المتونِ والأسانيدِ، والإدراكِ لجميعِ مراتبِ الرُّواةِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَلَا يَقُومُ بِهِ إِلَّا مَنْ مَنَحَهُ اللهُ تَعَالَى فَهْمَاً غَائِصَاً، وَاِطِّلَاعَاً حَاوِيَاً، وَإِدْرَاكَاً لِمَرَاتِبِ الرُّوَاةِ، وَمَعْرِفَةٍ ثَاقِبَةٍ» (٢). وهذا لا يتأتَّى إلَّا بكثرةِ المطالعةِ والمذاكرةِ، والبحثِ والتَّفتيشِ، قالَ ابنُ رجبٍ «ت ٧٩٥ هـ»: «وَلَابُدَّ فِي هَذَا العِلْمِ مِنْ طُولِ المُمَارَسَةِ، وَكَثْرَةِ المُذَاكَرَةِ، فَإِذَا عَدِمَ المُذَاكَرَةَ بِهِ فَلْيُكْثِرْ المُطَالَعَةَ فِي كَلَامِ الأَئِمَّةِ العَارِفِينَ كَيَحْيَى القَطَّانِ، وَمَنْ تَلَقَّى عَنْهُ كَأَحْمَدَ وَابْنِ المَدِينِيِّ، فَمَنْ رُزِقَ مُطَالَعَةَ ذَلِكَ وَفَهْمِهُ، وَفَقُهَتْ نَفْسُهُ فِيهِ، وَصَارَتْ لَهُ فِيهِ قُوَّةُ نَفْسٍ وَمَلَكَةٌ، صَلَحَ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِيهِ» (٣). إنَّ ما ذكرناهُ في هذا المبحثِ والمباحثِ السابقةِ لهُ، هوَ المدخلُ لبيانِ أثرِ السَّبرِ في المتنِ والإسنادِ، والجرحِ والتعديلِ، لكشفِ عللِ الحديثِ، وإبرازِ فوائدِهِ، والحكمِ على الرِّجالِ، والاعتبارِ بمرويَّاتهمْ. * * *

стр. 183

البَابُ الثَّانِي أَثَرُ السَّبْرِ فِي الحُكْمِ عَلَى الرِّجَالِ ومرويَّاتِهِمْ الفَصْلُ الأَوَّلُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي الحُكْمِ عَلَى الرِّجَالِ: المَبْحَثُ الأَوَّلُ: الحُكْمُ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ: وضعَ أئمَّةُ الحديثِ شروطَاً للرَّاوي حتَّى يُقبلَ حديثُهُ ويحتجَّ بِهِ، وبيَّنُوا صفاتِ منْ تُقبلُ روايتُهُ ومنْ تُردُّ، وقدْ جمعهَا ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ» في مقدِّمتهِ، فقالَ: «أَجْمَعَ جَمَاهِيرُ أَئِمَّةِ الحَدِيثِ وَالفِقْهِ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيمَنْ يُحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِ: أَنْ يَكُونَ عَدْلَاً ضَابِطَاً لِمَا يَرْوِيِهِ. وَتَفْصِيلُهُ: أَنْ يَكُونَ مُسْلِمَاً بَالِغَاً عَاقِلَاً سَالِمَاً مِنْ أَسْبَابِ الفِسْقِ وَخَوَارِمِ المُرُوءَةِ، مُتَيَقِّظَاً غَيرَ مُغَفَّلٍ، حَافِظَاً إِنْ حَدَّثَ مِنْ حِفْظِهِ، ضَابِطَاً لِكِتَابِهِ إِنْ حَدَّثَ مِنْ كِتَابِهِ، وَإِنْ كَانَ يُحَدِّثُ بِالمَعْنَى اشْتُرِطَ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عَالِمَاً بِمَا يُحِيلُ المَعَانِي» (١). ويرجعُ كلامُ ابنِ الصَّلاحِ إلى صفتَينِ اثنتَينِ، وهمَا: العدالةُ والضَّبطُ، فالعدالَةُ تخصُّ حالَ الرَّاوي، والضَّبطُ يخصُّ مرويَّاتِهِ، ولا بُدَّ في الرَّاوي حتَّى يُحكَمَ بتوثيقِهِ ويُعمَلَ بحديثِهِ، أنْ يجتمعَ فيهِ رُكنَا العدالَةِ والضَّبطِ معَاً، ولا يكفِي أحدهُمَا بدونِ الآخرِ.

стр. 184

ومنَ المعلومِ أنَّ أئمَّةَ الجرحِ والتَّعديلِ لمْ يحكمُوا على الرَّاوِي، إلَّا بتحقُّقهِمْ مِنْ عدالتِهِ بالمعاينَةِ والمخالطَةِ سواءً بأنفسِهِمْ أو بتنصيصِ غيرهِمْ مِنَ الأئمَّةِ ممَّنْ خالطُوا الرَّاوِي. وبتحقُّقِهمْ مِنْ ضبطِهِ بالاطِّلاعِ علَى مرويَّاتِهِ ومدَى موافقتِهَا للثِّقاتِ في الأغلبِ الأعمِّ، فمَنْ وجدنَا فيهِ حُكماً لهُمْ بالتَّوثيقِ أو الجرحِ فهوَ حكمٌ قاطعٌ مبنيٌّ على العدالةِ والضَّبطِ معَاً. وإذَا كانَ الرَّاوي عدلاً في دينِهِ، غيرَ ضابطٍ في حديثِهِ، أو العكسُ (١)، فقدْ فرَّقَ العلماءُ ذلكَ وبيَّنوهُ، وستأتِي أمثلةٌ على ذلكَ في المطالبِ الآتيةِ، إنْ شاءَ اللهُ تعالَى. وللأئمَّةِ في الحكمِ على عدالةِ الرُّواةِ وضبطِهِمْ ورفعِ الجهالَةِ عنهُمْ طرقٌ، سنبيِّنُ ما يخصُّ العدالَةَ منهَا، وما يخصُّ الضَّبطَ كذلكَ، وما يخصُّ المجهولَ بأقسامِهِ، معَ بيانِ إمكانيَّةِ الحكمِ علَى عدالَةِ الرَّاوي أو ضبطِهِ أو رفعِ الجهالةِ عنهُ في عينِهِ أو حالِهِ مِنْ خلالِ السَّبرِ. * * *

стр. 185

المَطْلَبُ الأَوَّلُ: مِنْ حَيثُ العَدَالَةُ: العدالةُ هيَ: ملكةٌ تحملُ صاحبَهَا علَى التَّقوى، واجتنابِ الأدناسِ وما يُخلُّ بالمروءَةِ. ويُشترطُ فيهَا كمَا بيَّنهُ الخطيبُ البغداديُّ «ت ٤٦٣ هـ»، بقولِهِ: «هِيَ العَدَالَةُ الرَّاجِعَةُ إِلَى اسْتِقَامَةِ دِينِهِ، وَسَلَامَةِ مَذْهَبِهِ، وَسَلَامَتِهِ مِنَ الفِسْقِ، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ مِمَّا اتُّفِقَ عَلَى أَنَّهُ مُبْطِلُ العَدَالَةِ مِنْ أَفْعَالِ الجَوَارِحِ وَالقُلُوبِ المَنْهِيِّ عَنْهَا» (١). والسبيلُ إلى معرفَةِ عدالَةِ الرَّاوِي: ١ - الاختبارُ بمعرفَةِ أحوالِهِ بالمخالطَةِ والمعاينَةِ: قالَ الخطيبُ «ت ٤٦٣ هـ»: «الطَّرِيقُ إِلَى مَعْرِفَةِ العَدْلِ المَعْلُومِ عَدَالَتُهُ مَعَ إِسْلَامِهِ وَحُصُولِ أَمَانَتِهِ وَنَزَاهَتِهِ وَاسْتِقَامَةِ طَرَائِقِهِ، لَا سَبِيلَ إِلَيهَا إِلَّا بِاخْتِبَارِ الأَحْوَالِ وَتَتَبُّعِ الأَفْعَالِ التِي يَحْصُلُ مَعَهَا العِلْمُ مِنْ نَاحِيَةِ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِالعَدَالَةِ» (٢). وردَّ على مَنْ زعمَ بأنَّ العدالَةَ هيَ إظهارُ الإسلامِ، وسلامَةُ المسلمِ منْ فسقِ الظَّاهرِ. ٢ - الشُّهرةُ والاستفاضَةُ: وقدْ بوَّبَ الخطيبُ «ت ٤٦٣ هـ» لذلكَ بقولِهِ: «بَابُ المُحَدِّثِ المَشْهُورِ بِالعَدَالَةِ وَالثِّقَةِ وَالأَمَانَةِ، لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَزْكِيَةِ المُعَدِّلِ». وذكرَ أمثلةً منْ أئمَّةِ الحديثِ المشهورِينَ بالعلمِ، ثمَّ قالَ: «وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُمْ فِي نَبَاهَةِ الذِّكْرِ وَاسْتِقَامَةِ الأَمْرِ وَالاِشْتِهَارِ

стр. 186

بِالصِّدْقِ وَالبَصِيرَةِ وَالفَهْمِ، لَا يُسْأَلُ عَنْ عَدَالَتِهِمْ، وَإِنَّمَا يُسْأَلُ عَنْ عَدَالَةِ مَنْ كَانَ فِي عِدَادِ المَجْهُولِينَ أَوْ أَشْكَلَ أَمْرُهُ عَلَى الطَّالِبِينَ» (١). ٣ - التَّنصيصُ: قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «عَدَالَةُ الرَّاوِي تَارَةً تَثْبُتُ بِتَنْصِيصِ مُعَدِّلِينَ عَلَى عَدَالَتِهِ، وَتَارة تَثْبُتُ بِالاِسْتِفَاضَةِ … » (٢). والتَّنصيصُ مبنيٌّ على البندِ الأوَّلِ، باختبارِ أحوالِ الرَّاوي بالمعاينةِ والمخالطةِ. وبذلكَ نجدُ أنَّ طُرقَ الأئمَّةِ في تحديدِ عدالةِ الرَّاوي، لا تتعدَّى ما ذكرناهُ، وسبرُ حديثِ الرَّاوي وتتبعُهُ ليسَ واحداً منهَا، إذْ إنَّ متعلَّقَ السَّبرِ بالضَّبطِ دونَ العدالةِ. لكنَّ ثمَّةَ مذهباً يقولُ: إنَّ الرُّواةَ علَى العدالَةِ ما لمْ يظهرْ فيهِمْ ما يقدحُ فيهَا، وإنَّ الأصلَ في الرَّاوِي الإسلامُ، والأصلَ في المسلمِ العدالَةُ، والفسقَ عارضٌ، فحيثُ لمْ يُنقَلْ في حقِّ الرَّاوِي ما يُوثِّقُهُ أو يُجرِّحُهُ فهوَ عدلٌ، وهوَ رأيُ ابنِ حبَّانَ «ت ٣٤٥ هـ»، حيثُ قالَ: «مَنْ كَانَ لَا يَرْوِي المَنَاكِيرَ، وَوَافَقَ الثِّقَاتَ فِي الأَخْبَارِ، كَانَ عَدْلَاً مَقْبُولَ الرِّوَايَةِ، إِذِ النَّاسُ أَحْوَالُهمْ عَلَى الصَّلَاحِ وَالعَدَالَةِ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ مِنْهُمْ مَا يُوجِبُ القَدْحَ فَيُجْرَحُ بِمَا ظَهَرَ مِنْهُ مِنَ الجَرْحِ، هَذَا حُكْمُ المَشَاهِيرِ مِنَ الرُّوَاةِ، وَأَمَّا المَجَاهِيلُ الذِينَ لَمْ يَرْوِ عَنْهُمْ إِلَّا الضُّعَفَاءُ فُهُمْ مَتْرُوكُونَ عَلَى الأَحْوَالِ كُلِّهَا» (٣). فالعدولُ عندَهُ همُ المشهورونَ الذينَ روى عنهُمْ الثِّقاتُ، والمجروحونَ همُ المجاهيلُ الذينَ لمْ يروِ عنهُمْ إلَّا الضُّعفاءُ، ولو لمْ يردْ فيهِمْ جرحٌ أو تعديلٌ، وبيَّنَ أنَّ العمدةَ في توثيقِ

стр. 187

هؤلاءِ أو تجريحِهِمْ هوَ السَّبرُ لحديثِهِمْ، والنَّظرُ في مدى موافقتِهَا للثِّقاتِ، فقالَ: «وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْكَمَ عَلَى مُسْلِمٍ بِالجَرْحِ، وَأَنَّهُ لَيسَ بِعَدْلٍ، إِلَّا بَعْدَ السَّبْرِ» (١). وقالَ في «عبدِ الوهَّابِ الصَّيرفيِّ»: «مُسْتَقِيمُ الحَدِيثِ، لَمْ أَرَ فِي حَدِيثِهِ مَا يُوجِبُ أَنْ يُعْدَلَ بِهِ عَنِ الثِّقَاتِ إِلَى غَيرِهِمْ» (٢). واشتهرَ هذا المذهبُ عنِ ابنِ عبدِ البَرِّ (٣) «ت ٤٦٣ هـ»، حيثُ قالَ: «كُلُّ حَامِلِ عِلْمٍ مَعْرُوفِ العِنَايَةِ بِهِ فَهُوَ عَدْلٌ مَحْمُولٌ فِي أَمْرِهِ أَبَدَاً عَلَى العَدَالَةِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ جَرْحُهُ فِي حَالِهِ أَوْ فِي كَثْرَةِ غَلَطِهِ، لِقَولِهِ ﷺ : يَحْمِلُ هَذَا العِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ» (٤). وقوَّى مذهبَ ابنِ عبدِ البَرِّ: ابنُ سيِّدِ النَّاسِ «ت ٧٣٤ هـ» (٥)، والحافظُ المزيُّ «ت ٧٤١ هـ» (٦)، وابنُ الجزريِّ «ت ٨٣٣ هـ» (٧)، وَالذَّهبيُّ «ت ٧٤٨ هـ» (٨)،

стр. 188

وابن الموَّاقِ (١) «ت ٨٩٧ هـ» (٢). وردَّهُ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»، فقالَ: «وَفِيمَا قَالَهُ اتِّسَاعٌ غَيرُ مَرْضِيٍّ» (٣). ووافقَ ابنَ الصَّلاحِ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ»، وابنُ كثيرٍ «ت ٧٧٤ هـ»، وابنُ الملقِّنِ «ت ٨٠٤ هـ»، والعراقيُّ «ت ٨٠٦ هـ» والسُّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ» (٤). وعليهِ جمهورُ المحدِّثينَ. وذِكْرُ هذا المذهبِ منَ الأهميَّةِ بمكانٍ، لأنَّهُ لو صحَّ لقادَنَا إلى توثيقِ منْ لمْ يردْ فيهِ جرحٌ أو تعديلٌ، كمجهولِ الحالِ والمستورِ منْ خلالِ سبرِ حديثِهِم، إذْ لو كانُوا علَى العدالَةِ، لمْ يبقَ إلَّا التَّحقُّقُ مِنْ ضبطِهِمْ، وهذَا يحصلُ بسبرِ مرويَّاتِهِمْ والنَّظرِ في مدى موافقتِهَا للثِّقاتِ، وسيأتي تفصيلُ ذلكَ في مطلبِ «الحكمُ علَى المجهولينَ منْ خلالِ السَّبرِ» الآتي (٥). * * *

стр. 189

المَطْلَبُ الثَّانِي: مِنْ حَيثُ الضَّبْطُ: الضبطُ: هوَ كمَا قرَّرهُ الخطيبُ «ت ٦٤٣ هـ»، بقوله: «أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي مُتَيَقِّظَاً غَيرَ مُغَفَّلٍ، حَافِظَاً إِنْ حَدَّثَ مِنْ حِفْظِهِ، ضَابِطَاً لِكِتَابِهِ إِنْ حَدَّثَ مِنْ كِتَابِهِ، وَإِنْ كَانَ يُحَدِّثُ بِالمَعْنَى اشْتُرِطَ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عَالِمَاً بِمَا يُحِيلُ المَعَانِي» (١). والسبيلُ إلى معرفَةِ ضبطِ الرَّاوِي: سبرُ حديثِهِ ومقارنتُهُ بأحاديثِ الثِّقاتِ، كمَا قعَّدهُ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ» بناءً على عملِ المحدِّثينَ، فقالَ: «أَنْ نَعْتَبِرَ رِوَايَاتِهِ بِرِوَايَاتِ الثِّقَاتِ المَعْرُوفِينَ بِالضَّبْطِ وَالإِتْقَانِ، فَإِنْ وَجَدْنَا رِوَايَاتِهِ مُوَافِقَةً وَلَو مِنْ حَيثُ المَعْنَى لِرِوَايَتِهِمْ أَوْ مُوَافِقَةً لَهَا فِي الأَغْلَبِ، وَالمُخَالَفَةُ نَادِرَةٌ، عَرَفْنَا حِينَئِذٍ كَونَهُ ضَابِطَاً، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ كَثِيرَ المُخَالَفَةِ لَهمْ عَرَفْنَا اخْتِلَالَ ضَبْطِهِ وَلَمْ نَحْتَجَّ بِحَدِيثِهِ» (٢). وأحكامُ أئمَّةِ الجرحِ والتعديلِ في الرُّواةِ مبنيَّةٌ علَى السَّبرِ، حتَّى فيمَنْ عاصرُوهُمْ وشهدُوا علَى دينهِمْ واستقامتِهِمْ، أو نصَّ الأئمَّةُ مِنْ قبلِهِمْ علَى عدالَتِهِمْ، قالَ الإمامُ مسلمٌ «ت ٢٦١ هـ»: «فَبِجَمْعِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ وَمُقَابَلَةِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ … تَتَبَيَّنُ رُوَاةُ ضِعَافِ الأَخْبَارِ مِنْ أَضْدَادِهِمْ مِنَ الحُفَّاظِ، وَلِذَلِكَ أَضْعَفُ أَهْلِ المَعْرِفَةِ بِالحَدِيثِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي خَثْعَم وَأَشْبَاهُهُ مِنْ نَقَلَةِ الأَخْبَارِ، لِرِوَايَتِهِمُ الأَحَادِيثَ المُسْتَنْكَرَةِ التِي تُخَالِفُ

стр. 190

رِوَايَاتِ الثِّقَاتِ المَعْرُوفِينَ مِنَ الحُفَّاظِ» (١). وقالَ الذَّهبيُّ «ت ٧٤٨ هـ»: «أَكْثَرُ المُتَكَلَّمِ فِيهِمْ مَا ضَعَّفَهُمُ الحُفَّاظُ إِلَّا لِمُخَالَفَتِهِمُ الأَثْبَاتَ» (٢). وقال المُعَلِّميُّ «ت ١٣٨٦ هـ»: «مِنَ الأَئِمَّةِ مَنْ لَا يُوَثِّقُ مَنْ تَقَدَّمَهُ حَتَّى يَطَّلِعَ عَلَى عِدَّةِ أَحَادِيثَ لَهُ تَكُونُ مُسْتَقِيمَةً، وَتَكْثُرُ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الاِسْتِقَامَةَ كَانَتْ مَلَكَةً لِذَلِكَ الرَّاوِي، وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جُلَّ اعْتِمَادِهِمْ فِي التَّوثِيقِ وَالجَرْحِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى سَبْرِ حَدِيثِ الرَّاوِي» (٣). فضبطُ الراوي واستقامَةُ حديثِهِ تُعرفُ من خلالِ عرضِ رواياتِهِ على رواياتِ الثِّقاتِ، ليتبينَ قدرُ موافقتِهِ أو مخالفتِهِ أو تفرُّدِهِ، ويُعتبرُ حالُهُ في الإتقانِ بقدرِ ما وافقَ فيهِ الثِّقاتَ، وحالُهُ في الجرحِ بحسبِ ما تفرَّدَ بهِ، أو خالفَ فيهِ الثِّقَاتَ، أو وافقَ المجروحينَ. وبذلكَ نجدُ أنَّ أئمَّةَ الحديثِ والرِّجالِ فرَّقوا بينَ العدالةِ والضَّبطِ في استخدامِهِمْ للسَّبرِ وإليكَ بعضُ الأمثلةِ على ذلك: ساقَ الخطيبُ بسندِهِ قولَ ابنِ معينٍ «ت ٢٣٣ هـ» في «حاجبِ بنِ الوليدِ»: «لَا أَعْرِفُهُ، وَأَمَّا أَحَادِيثُهُ فَصَحِيحَةٌ». قالَ عبدُ الخالقِ بنُ منصورٍ: فقلتُ لابنِ معينٍ: ترى أنْ أكتبَ عنهُ؟ فقالَ: «مَا أَعْرِفُهُ، وَهُوَ صَحِيحُ الحَدِيثِ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ» (٤).

стр. 191

وقالَ ابنُ أبي حاتمٍ «ت ٣٢٧ هـ»: سألتُ أبي عنْ سليمانَ بنِ حسَّانَ الشَّاميِّ، فقالَ: سألتُ ابنَ أبي غالبٍ عنهُ، فقالَ: «لَا أَعْرِفُهُ، وَلَا أَرَى البَغْدَادِيِّينَ يَرْوُونَ عَنْهُ، وَرَوَى عَنْهُ مِنَ الرَّازِيِّينِ أَرْبَعَةٌ أَوْ خَمْسَةٌ». قلتُ: ما تقولُ فيهِ؟ قالَ: «هُوَ صَحِيحُ الحَدِيثِ» (١). فحكمَ على حديثِهِ دونَ حالِهِ لعدمِ معرفتِهِ بهِ. وكذلكَ قالَ في «محمَّدِ بنِ مسلمَةَ»: «هُوَ شَيخٌ، لَا أَعْرِفُهُ، وَحَدِيثُهُ لَيسَ بِمُنْكَرٍ» (٢). وقال ابن عدي «ت ٣٦٥ هـ»: «وَلحَبِيبِ بنِ حَسَّانَ غَيرَ مَا ذَكَرْتُ مِنَ الحَدِيثِ، فَأَمَّا أَحَادِيثُهُ وَرِوَايَاتُهُ فَقَدْ سَبَرْتُهَا، وَلَا أَرَى بِهِ بَاسَاً، وَأَمَّا رَدَاءَةُ دِينِهِ كَمَا حُكِيَ عَنْ يَحيَى القَطَّانِ، وَكَمَا ذَكَرَ عَمْرُو بنُ عَلِيٍّ عَنِ الأَفْطَسِ فَهُمْ أَعْلَمُ وَمَا يَذْكُرُونَهُ، وَالذِي قَالُوا مُحْتَمَلٌ، وَأَمَّا فِي بَابِ الرِّوَايَةِ فَلَمْ أَرَ فِي رِوَايَاتِهِ بَاسَاً» (٣). وقال الزَّركشيُّ «ت ٧٩٤ هـ»: «يَنْبَغِي أَنْ يُسْبَرَ حَالُ الشَّخْصِ فِي الرِّوَايَةِ بَعْدَ ثُبُوتِ عَدَالَتِهِ» (٤). والنُّقولاتُ في كتبِ الجرحِ والتَّعديلِ كثيرةٌ في مثلِ هذا، تُثبِتُ تفريقَ الأئمَّةِ في حكمِهِمْ علَى عدالَةِ الرَّجلِ منْ جهةٍ وعلى ضبطِهِ منْ جهةٍ أُخرى، وهذا هوَ مذهبُ الجمهورِ مِنْ أئمَّةِ الجرحِ والتَّعديلِ. * * *

стр. 192

المَطْلَبُ الثَّالِثُ: تَرْجِيحُ الحُكْمِ عَلَى الرَّاوِي الذِي تَعَارَضَ فِيهِ الجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ: الحكمُ على الرُّواةِ جرحاً أو تعديلاً خاضعٌ لاجتهادِ أئمَّةِ الجرحِ والتَّعديلِ، وكلُّ ما كانَ مرجعُهُ الاجتهادُ حصلَ فيهِ الاختلافُ، وقدِ اختلفَ أئمَّةُ الجرحِ والتَّعديلِ في بعضِ الرُّواةِ، والاختلافُ قدْ يكونُ منْ ناقدٍ واحدٍ، أو منْ ناقدينِ فأكثرَ، وللعلماءِ في تعارضِ الجرحِ والتَّعديلِ مِنْ ناقدينِ فأكثرَ (١) مذاهبُ، نُجملُهَا فيمَا يأتي، معَ التَّفصيلِ في مسألةِ التَّرجيحِ بينَ الجرحِ والتَّعديلِ مِنْ خلالِ السَّبرِ: أولاً: يُقدَّمُ الجرحُ على التَّعديلِ: وهوَ رأيُ الجمهورِ مِنَ المحدِّثينَ والأصوليِّينَ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «لِأَنَّ المُعَدِّلَ يُخْبِرُ عَمَّا ظَهَرَ مِنْ حَالِهِ، وَالجَارِحُ يُخْبِرُ عَنْ بَاطِنٍ خَفِيَ عَلَى المُعَدِّلِ» (٢). وتقديمُ الجرحِ على التَّعديلِ ليسَ على إطلاقِهِ، وإنَّمَا يكونُ بشروطٍ (٣). ثانياً: يُقدَّمُ التَّعديلُ إذا كانَ عددُ المعدِّلينَ أكثرَ مِنَ المجرِّحينَ: وقدْ ردَّهُ الخطيبُ «ت ٤٦٣ هـ» فقالَ: «وَهَذَا خَطَأٌ مِمَّنْ تَوَهَّمَهُ، لِأَنَّ المُعَدِّلِينَ لَيسُوا يُخْبِرُونَ عَنْ عَدَمِ مَا أَخْبَرَ بِهِ الجَارِحُونَ» (٤).

стр. 193

وبعبارةٍ أخرى: المعدِّلونَ وإنْ كثرُوا لا يُبطلونَ ما أثبتَهُ الجارحونَ، والمثبِتُ مقدَّمٌ على النَّافي، إذْ المعدِّلُ كأنَّهُ يقولُ: لا نعلمُ في فلانٍ قدحَاً، بينَمَا الجارحُ يقولُ: أعلمُ فيهِ القدحَ. ثالثاً: يُقَدَّمُ الجَرحُ أوِ التَّعديلُ بمرجِّحٍ، إمَّا بدليلٍ أو قرينةٍ: قالَ اللَّكنويُّ «ت ١٣٠٤ هـ»: «حَكَاهُ ابنُ الحَاجِبِ، كَذَا فَصَّلَهُ العِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ أَلْفِيَّتِهِ، وَالسُّيُوطِيُّ فِي التَّدْرِيبِ» (١). وبيَّنَ السَّخَاويُّ «ت ٩٠٢ هـ» وجهةَ نظرِ ابنِ الحاجِبِ، فقالَ: «وَوَجْهُهُ أَنَّ مَعَ المُعَدِّلِ زِيَادَةَ قُوَّةٍ بِالكَثْرَةِ، وَمَعَ الجَارِحِ زِيَادَةَ قُوَّةٍ بِالاِطِّلَاعِ عَلَى البَاطِنِ» (٢). وكلامُ الخطيبِ يقتضِي نَفْيَ هذَا القولِ. فبيَّنَ السَّخَاويُّ أنَّ ترجيحَ التَّعديلِ لسببِ الكثرةِ، وترجيحَ الجرحِ لسببِ الإطلاعِ على الباطنِ، بالإضافةِ إلى الشُّروطِ التي ذكرهَا العلماءُ في المذهبِ الأوَّلِ، وأشرنَا إليهَا في الحاشيةِ فهيَ مِنَ المرجِّحَاتِ. وقدْ أوردْتُ كلامَ اللكنويِّ هنَا، لنبحثَ فيمَا إذا كانَ السَّبرُ عندَ مَنْ ذَكَرَ مِنَ الأَئِمَّةِ أحدَ هذهِ المرجِّحاتِ عندَ تعارُضِ الجرحِ والتَّعديلِ، وبالرُّجوعِ إلى كتبِ أصولِ الحديثِ ومصطلحِهِ، ومنهَا «ألفيَّةُ العراقيِّ» و «شرحُهَا للسُّيوطيِّ» و «تدريبُ الرَّاوي»، لمْ أجدْ منِ استفاضَ في ذكرِ المرجِّحاتِ التي بهَا يُقدَّمُ الجرحُ علَى التَّعديلِ أو العكسُ زيادةً على ما ذكرنَا، كمَا لَمْ أجِدْ مَنْ أشارَ إلى السَّبرِ كمُرجِّحٍ، خلا قولاً لبعضِ المعاصرينَ، قالَ الدكتور

стр. 194

حاتمُ العونيُّ (١): «الرَّاوِي الذِي اشْتَدَّ فِيهِ الاِخْتِلَافُ جَرْحَاً أَوْ تَعْدِيلَاً، يُمْكِنُ الاِسْتِفَادَةُ مِنْ سَبْرِ حَدِيثِهِ سَوَاءٌ أَكَانَ مُكْثِرَاً أَمْ مُقِلَّاً، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ نَتِيجَةُ سَبْرِ حَدِيثِهِ القَبُولَ أَمْ الرَّدَّ فِي التَّرجِيحِ بَينَ تِلْكَ الأَقْوَالِ المُخْتَلِفَةِ، فَيَكُونُ السَّبْرُ حِينَهَا لِلوُصُولِ إِلَى مُرَجِّحٍ فَقَطْ، لَا إِلَى حُكْمٍ اسْتِقْلَالِيٍّ» (٢). ويُمكِنُنَا القولُ - مِنْ خلالِ الاستقراءِ - إنَّ اعتمادَ السَّبرِ كمُرجِّحٍ في تعارضِ الجرحِ والتَّعديلِ هوَ مذهبُ كلٍّ منْ ابنِ حبَّانَ وابنِ عديٍّ، واختيارُ الذَّهبيِّ في بعضِ الرُّواةِ، نُوردُ أقوالَهُمْ وتطبيقاتِهِمْ بشيءٍ منَ التَّفصيلِ: أولاً: ابن حبان: قالَ ابنُ حبَّانَ «ت ٣٥٤ هـ» في مقدِّمةِ كتابِهِ «الثِّقاتِ»: «وَإِنَّمَا أَذْكُرُ فِي هَذَا الكِتَابِ الشَّيخَ بَعْدَ الشَّيخِ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا وَوَثَّقَهُ بَعْضُهُمْ، فَمَنْ صَحَّ عِنْدِي مِنْهُمْ أَنَّهُ ثِقَةٌ بِالدَّلَائِلِ النَّيِّرَةِ أَدْخَلْتُهُ فِي هَذَا الكِتَابِ، لَأَنَّهُ يَجُوزُ الاِحْتِجَاجُ بِخَبَرِهِ، وَمَنْ صَحَّ عِنْدِي مِنْهُمْ أَنَّهُ ضَعِيفٌ بِالبَرَاهِينِ الوَاضِحَةِ لَمْ أَذْكُرْهُ فِي هَذَا الكِتَابِ، لَكِنِّي أَدْخَلْتُهُ فِي كِتَابِ الضُّعَفَاءِ بِالعِلَلِ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الاِحْتِجَاجُ بَخَبَرِهِ» (٣). والدَّلائلُ النيِّرةُ والبراهينُ الواضحةُ: هيَ سبرُ مرويَّاتِ الرَّاوِي ومدَى موافقتِهَا للثِّقاتِ أو مخالفتِهَا.

стр. 195

وقالَ في مقدِّمةِ الصَّحيحِ: «وَرُبَّمَا أَرْوِي فِي هَذَا الكِتَابِ وَأحْتَجُّ بِمَشَايِخَ قَدْ قَدَحَ فِيهِمْ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا، وَاحْتَجَّ بِهِمُ البَعْضُ، فَمَنْ صَحَّ عِنْدِي مِنْهُمْ بِالبَرَاهِينِ الوَاضِحَةِ وَصِحَّةِ الاِعْتِبَارِ عَلَى سَبِيلِ الدِّينِ أَنَّهُ ثِقَةٌ احْتَجَجْتُ بِهِ، وَلَمْ أُعَرِّجْ عَلَى قَولِ مَنْ قَدَحَ فِيهِ، وَمَنْ صَحَّ عِنْدِي بِالدَّلَائِلِ النَّيِّرَةِ وَالاِعْتِبَارِ الوَاضِحِ عَلَى سَبِيلِ الدِّينِ أَنَّهُ غَيرُ عَدْلٍ لَمْ أَحْتَجَّ بِهِ، وَإِنْ وَثَّقَهُ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا» (١). ثمَّ قالَ بعدَ أنْ مثَّلَ لذلكَ ب «حمَّادِ بنِ سلمةَ»: «هَذَا حُكْمُ الاِعْتِبَارِ بَينِ النَّقَلَةِ فِي الرِّوَايَاتِ، وَقَدِ اعْتَبَرْنَا حَدِيثَ شَيخٍ شَيخٍ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنَ الاِعْتِبَارِ عَلَى سَبِيلِ الدِّينِ، فَمَنْ صَحَّ عِنْدَنَا مِنْهُمْ أَنَّهُ عَدْلٌ احْتَجَجْنَا بِهِ وَقَبِلْنَا مَا رَوَاهُ وَأَدْخَلْنَاهُ فِي كِتَابِنَا هَذَا، وَمَنْ صَحَّ عِنْدَنَا أَنَّهُ غَيرُ عَدْلٍ بِالاِعْتِبَارِ الذِي وَصَفْنَاهُ لَمْ نَحْتَجَّ بِهِ وَأَدْخَلْنَاهُ فِي كِتَابِ المَجْرُوحِينَ مِنَ المُحَدِّثِينَ» (٢). ومنْ أمثلَةِ الرُّواةِ الذينَ رجَّحَ ابنُ حبَّانَ تعديلَهُم: شُرَحْبِيلُ بنُ سعدٍ: ضعَّفهُ مالكٌ، وابنُ معينٍ، وأبو زرعةَ، وذكرَهُ ابنُ حبَّانَ في الثِّقاتِ وقالَ عنهُ الحافظُ ابنُ حجرٍ: «صدوقٌ، اختلطَ بآخرة» (٣). أَسْبَاطُ بنُ نَصْرٍ: وثَّقهُ ابنُ معينٍ مرَّةً وضعَّفهُ أخرى، وضعَّفهُ أحمدُ، وقال النَّسائيُّ: «ليسَ بالقويِّ»، وذكرهُ ابنُ حبَّانَ في الثِّقاتِ، وكذلكَ ذكرَهُ الذَّهبيُّ فيمنْ تُكُلِّمَ فيهِ وهوَ مُوثَّقٌ وقالَ ابنُ حجرٍ: «صدوقٌ، كثيرُ الخطأِ، يُغْرِبُ» (٤).

стр. 196

عُتْبَةُ بنُ حُمَيدٍ الضَّبِّيُّ: ضعَّفهُ أحمدُ، وقالَ أبو حاتمٍ: «صالحُ الحديثِ». وذكرهُ ابنُ حبَّانَ في الثِّقاتِ، وضعَّفهُ الذَّهبيُّ، وقالَ ابنُ حجرٍ في التَّهذيبِ: «صدوقٌ، لهُ أوهامٌ» (١). ومنْ أمثلةِ الرُّواةِ المختلفِ فيهِم الذينَ أدرجَهُم في كتابِهِ «المجروحينَ»: عُبَيدُ اللهِ بنُ أَبي زيادٍ القدَّاحُ: ضعَّفهُ ابنُ معينٍ مرَّةً ووثَّقهُ أُخْرى، ووثقهُ العجليُّ، وقالَ النَّسائيُّ: «ليسَ بالقويِّ». وقالَ ابنُ حبَّانَ: «كانَ ممنْ ينفردُ عنِ القاسِمِ بمَا لا يُتابَعُ عليهِ، وكانَ رديءَ الحفظِ كثيرَ الوهمِ، لمْ يكنْ في الإتقانِ بالحالِ التي يُقبلُ ما انفردَ بهِ ولا يجوزُ الاحتجاجُ بأخبارِهِ إلَّا بمَا وافقَ الثِّقاتِ» (٢). عطاءُ بنُ عبدِ اللهِ الخُراسانيُّ: وثَّقهُ ابنُ معينٍ، والعجليُّ، ويعقوبُ بنُ شيبةَ، وقالَ أبو حاتمٍ: «لا بأسَ بهِ». وذكرَهُ البخاريُّ في الضعفاءِ، وقالَ ابنُ حبَّانَ: «كانَ منْ خيارِ عبادِ اللهِ، غيرَ أنَّهُ رديءُ الحفظِ، كثيرُ الوهمِ، يُخطئُ ولا يعلمُ، فَحُمِلَ عَنْهُ، فلمَّا كثرَ ذلكَ في روايتِهِ بطلَ الاحتجاجُ بِهِ». ووثَّقه الدَّارقُطنيُّ، وقالَ ابنُ حجرٍ: «صدوقٌ، يهمُ كثيرَاً، ويُرسلُ، ويدلِّسُ» (٣). قريشُ بنُ أنسٍ الأنصاريُّ: وثَّقهُ ابنُ معينٍ، وابنُ المدينيِّ، والنَّسائيُّ، وقالَ البخاريُّ في الضُّعفاءِ: «اختلطَ ستَّ سنين في البيتِ». وقالَ ابنُ حبَّانَ: «صدوقٌ، إلَّا أنَّهُ اختلطَ في

стр. 197

آخرِ عمرِهِ، حتَّى كانَ لا يدرِي ما يُحدِّثُ بِهِ، وبقيَ ستَّ سنين في اختلاطِهِ، فظهرَ في روايتِهِ أشياءُ مناكيرُ لا تُشبِهُ حديثَهُ القديمَ، فلمَّا ظهرَ ذلكَ منْ غيرِ أنْ يتميَّزَ مستقيمُ حديثِهِ منْ غيرِهِ لمْ يجزِ الاحتجاجُ بهِ فيمَا انفردَ» (١). ثانياً: ابنُ عديٍّ: قالَ ابنُ عديٍّ «ت ٣٦٥ هـ» في مقدِّمةِ «الكاملِ»: «وَذَاكِرٌ فِي كِتَابِي هَذَا كُلَّ مَنْ ذُكِرَ بِضَرْبٍ مِنَ الضَّعْفِ، وَمَنِ اخْتُلِفَ فِيهِمْ فَجَرَّحَهُ البَعْضُ وَعَدَّلَهُ البَعْضُ الآَخَرُ، وَمُرَجِّحٌ قَولَ أَحَدِهِمَا مَبْلَغَ عِلْمِي مِنْ غَيرِ مُحَابَاةٍ، فَلَعَلَّ مَنْ قَبَّحَ أَمْرَهُ أَوْ حَسَّنَهُ تَحَامَلَ عَلَيهِ أَوْ مَالَ إِلَيهِ، وَذَاكِرٌ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مِمَّا رَوَاهُ مَا يُضَعَّفُ مِنْ أَجْلِهِ، أَوْ يُلْحِقُهُ بِرِوَايَتِهِ، وَلَهُ اِسْمُ الضَّعْفِ لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيهَا، لِأُقَرِّبَهُ عَلَى النَّاظِرِ فِيهِ» (٢). ومنَ الأمثلةِ على ترجيحِ الرُّواةِ المختلفِ فيهِمْ منْ خلالِ السَّبرِ، قولُ ابنِ عديٍّ في «بشارِ بنِ موسَى»: «رَجُلٌ مَشْهُورٌ بِالحَدِيثِ، وَيَرْوِي عَنْ قَومٍ ثِقَاتٍ، وَأَرْجُو أَنْ لَا بَاسَ بِهِ، وَأَنَّهُ قَدْ كَتَبَ الحَدِيثَ الكَثِيرَ، وَقَدْ حَدَّثَ النَّاسُ عَنْهُ، وَلَمْ أَرَ فِي حَدِيثِهِ شَيئَاً مُنْكَرَاً، وَقَولُ مَنْ وَثَّقَهُ أَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ مِمَّنْ ضَعَّفَهُ» (٣). وقولُهُ في «عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ بنِ أسلمَ»: «وَلَهُ مِنَ الحَدِيثِ غَيرُ مَا ذَكَرْتُ، قَلِيلٌ لَيسَ بِالكَثِيرِ، وَهُوَ مَعَ ضَعْفِهِ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ وَثَّقَهُ غَيرُ وَاحِدٍ» (٤).

стр. 198

ثالثاً: الذهبي: قالَ الذَّهبيُّ «ت ٧٤٨ هـ» في مقدِّمةِ كتابِهِ «الرُّواةُ الثِّقاتُ المتكلَّمُ فيهِمْ بمَا لا يُوجِبُ رَدُّهُمْ»: «فَهَذَا فَصْلٌ نَافِعٌ فِي مَعْرِفَةِ ثِقَاتِ الرُّوَاةِ الذِينَ تَكَلَّمَ فِيهِمْ بَعْضُ الأَئِمَّةِ بِمَا لَا يَرُدُّ أَخْبَارَهُمْ، وَفِيهِمْ بَعْضُ اللينِ، وَغَيرُهُمْ أَتْقَنُ مِنْهُمْ وَأَحْفَظُ، فَهَؤُلَاءِ حَدِيثُهُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي أَعْلَى مَرَاتِبِ الصَّحِيحِ فَلَا يَنْزِلُ عَنْ رُتْبَةِ الحَسْنِ، اللهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ للرَّجُلِ مِنْهُمْ أَحَادِيثُ تُسْتَنْكَرُ عَلِيهِ، وَهِيَ التِي تُكُلِّمَ فِيهِ مِنْ أَجْلِهَا، فَيَنْبَغِي التَّوَقُّفُ فِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ» (١). والإمامُ الذَّهبيُّ أشارَ إلى سبرِ حديثِ الرَّاوي، بفصلِ ما يُستَنكَرُ مِنْ حديثِهِ عمَّا يُصحَّحُ منهُ، وقدِ اعتمدَ في التَّرجيحِ قرائِنَ عِدَّةً، والسَّبرُ أحدُهَا، فقد أوردَ منْ تعارضَ فيهِ الجرحُ والتَّعديلُ، مرجِّحَاً المعدَّلَينَ بقرائِنَ وبراهينَ أوردَهَا عندْ حديثِهِ عنْ كلِّ راوٍ، وسنقتصِرُ علَى إيرادِ أمثلةٍ ممَّنْ رجَّحهُمُ الذَّهبيُّ منْ خلالِ سبرِ حديثِهِمْ: عبدُ الرَّزَّاقِ بنُ همَّامٍ: «إِمَامٌ، لَهُ مَا يُنْكَرُ، وَفِيهِ تَشَيُّعٌ مَعْرُوفٌ» (٢). زيدُ بنُ أبي أُنَيسَةَ: «ثِقَةٌ، حَدِيثُهُ فِي الأُصُولِ، قَالَ أَحْمَدُ: «فِي حَدِيثِهِ بَعْضُ النَّكَارَةِ»» (٣). عبدُ اللهِ بنُ سعيدٍ: «حَدِيثُهُ فِي الكُتُبِ، وَهُوَ ثِقَةٌ، ضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَحْدَهُ» (٤). عبدُ الرَّحمنِ بنُ محمَّدٍ المُحاربِيُّ: «ثِقَةٌ، نَبِيلٌ، رَوَى مَنَاكِيرَ عَنْ مَجَاهِيلَ» (٥).

стр. 199

والحقيقةُ أنَّ الجرحَ أوِ التَّعديلَ منْ جهةِ عدالَةِ الرَّاوي، لا يُمكنُ ترجيحُهُ بالسَّبرِ، وأمَّا مِنْ جهةِ ضبطِهِ، فهذَا ممَّا يُمكنُ اعتبارُ السَّبرِ كمرجِّحٍ فيهِ، وبالنَّظرِ إلى مراتِبِ الجرحِ والتَّعديلِ نجدُ أنَّ بعضَ المراتبِ هيَ حكمٌ على عدالَةِ الرَّاوِي دُونَ ضبطِهِ، فإذا اعتبرنَا حديثَهُ وتبيَّنَ لنا ضبطُهُ في الأغلبِ الأعمِّ، استطعنَا الحكمَ عليهِ بالتَّوثيقِ أو التَّضعيفِ، بترجيحِ أقوالِ المعدِّلينَ والمجرِّحينَ بعضِهَا على بعض. والمراتبُ التي يُمكِنُ منْ خلالِ السَّبرِ ترجيحُ الحكمِ بالجرحِ أو التَّعديلِ على الرَّاوي، همْ أصحابُ المرتبةِ الخامسةِ على تقسيمِ ابنِ حجرٍ في التَّقريبِ، وهمْ مَنْ قيلَ فيهمْ: «ليسَ بهِ بأسٌ، أو لا بأسَ بهِ، أو صدوقٌ، أو مأمونٌ، أو خِيَارُ الخلقِ، أو ما أعلمُ بهِ بأساً، أو محلُّهُ الصِّدقُ» (١). قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «لِأَنَّ هِذِهِ العِبَارَاتِ لَا تُشْعِرُ بِشَرِيطَةِ الضَّبْطِ، فَيُنْظَرُ فِي حَدِيثِهِ وَيُخْتَبَرُ حَتَّى يُعْرَفَ ضَبْطُهُ، وَإِنْ لَمْ نَسْتَوفِ النَّظَرَ المُعَرِّفَ لِكَونِ ذَلِكَ المُحَدِّثِ فِي نَفْسِهِ ضَابِطَاً مُطْلَقَاً، وَاحْتَجْنَا إِلَى حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِهِ اعْتَبَرْنَا ذَلِكَ الحَدِيثَ وَنَظَرْنَا هَلْ لَهُ أَصْلٌ مِنْ رِوَايَةِ غَيرِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ طَرِيقِ الاِعْتِبَارِ» (٢). قالَ شيخُنَا نورُ الدِّينِ: «اتَّفَقَ الأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ كَلِمَةَ «صَدُوقٍ» لَا يُحْتَجُّ بِمَنْ قِيلَتْ فِيهِ إِلَّا بَعْدَ الاِخْتِبَارِ وَالنَّظَرِ، لِيُعْلَمَ هَلْ يَضْبِطُ الحَدِيثَ أَوْ لَا، وَذَلِكَ يَرُدُّ مَا زَعَمَهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَنَّ مَنْ قِيلَتْ فِيهِ يَكُونُ حَدِيثُهُ حُجَّةً مِنَ الحَسَنِ لِذَاتِهِ دُونَ أَنْ يُقَيِّدَهُ بِأَنْ يُنْظَرَ فِيهِ» (٣).

стр. 200

ومنْ أمثلةِ ذلكَ: قولُ العُقَيليِّ «ت ٣٢٢ هـ» في «ثابتِ بنِ عجلانَ الأنصاريِّ»: «لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ» (١). فَتعقَّبهُ أبُو الحسنِ القطَّانُ «ت ٢٥٤ هـ» بأنَّ ذلكَ لا يضرُّهُ إلَّا إذَا كثُرتْ منهُ روايَةُ المناكيرِ، ومخالفَةُ الثِّقاتِ (٢)، وأقرَّ ذلكَ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»، فقالَ: «وَهُوَ كَمَا قَالَ» (٣). والتحقُّقُ منْ ذلكَ لا يكونُ إلَّا بالسَّبرِ. * * *

стр. 201

المَطْلَبُ الرَّابِعُ: الحُكْمُ عَلَى الرَّاوِي المَجْهُولِ مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ: المجهولُ عندَ المحدِّثينَ ثلاثَةُ أقسامٍ، ومنهُمْ منْ جعلَهُ قسمينِ: أَوَّلَاً: مَجْهُولُ العَينِ: قالَ الخطيبُ «ت ٤٦٣ هـ» في تعريفِهِ: «المَجْهُولُ عِنْدَ أَصْحَابِ الحَدِيثِ: هُوَ كُلُّ مَنْ لَمْ يَشْتَهِرْ بِطَلَبِ العِلْمِ فِي نَفْسِهِ، وَلَا عَرَفَهُ العُلَمَاءُ بِهِ، وَمِمَّنْ لَمْ يُعْرَفْ حَدِيثُهُ إِلَّا مِنْ جِهَةِ رَاوٍ وَاحِدٍ» (١). وترتفعُ جهالةُ العينِ عنِ الرَّاوي بأنْ يرويَ عنهُ اثنانِ فصاعداً منَ المشهورينَ بالعلمِ، عندَ غيرِ ابنِ حبَّانَ وشيخِهِ ابنِ خُزيمةَ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَكَانَ عِنْدَ ابنِ حِبَّانَ أَنَّ جَهَالَةَ العَينِ تَرْتَفِعُ بِرِوَايَةِ وَاحِدٍ مَشْهُورٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ شَيخِهِ ابنِ خُزَيمَةَ، وَلَكِنَّ جَهَالَةَ حَالِهِ بَاقِيَةٌ عِنْدَ غَيرِهِ» (٢). ويُصبِحُ في طبقَةِ مجهولِ الحالِ، ما لمْ يردْ فيهِ جرحٌ أو تعديلٌ. والطَّريقُ إلى رفعِ جهالةِ العينِ عنِ الرَّاوي، هوَ السَّبرُ وتتبُّعُ الأسانيدِ، ليُنظَرَ هلْ روَى عنْه راوٍ آخرُ أو أكثرُ ترتفعُ بهِ جهالَةُ عينِهِ، وكثيرٌ منْ مجهولي العينِ ارتفعتْ جهالَةُ عينهِمْ منْ خلالِ السَّبرِ وتتبعِ الأسانيدِ، بوجودِ راويَينِ أو أكثرَ عنهُمَا، والأمثلةُ في كتبِ الرِّجالِ والعللِ مُستفيضَةٌ، نقتصرُ على بعضِهَا: زكريَّا بنُ الصَّلتِ الأصبهانيُّ: قالَ الذَّهبيُّ «ت ٧٤٨ هـ»: «قَالَ أَبُو الشَّيخِ: لَمْ نَرَ أَحَدَاً حَدَّثَ عَنْ زَكَرِيَّا بنِ الصَّلتِ إِلَّا أَبُو جَعْفَرٍ».

стр. 202

ثمَّ قالَ: «وَقَدْ رَوَى أَبُو الشَّيخِ فِي تَرْجَمَتِهِ حِكَايَتِينِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بنِ عِصَامٍ، وَمُحَمَّدِ بنِ عَامِرٍ، فَزَالَتْ جَهَالَةُ عَينِهِ» (١). عبدُ اللهِ بنُ أبي بصيرٍ: قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «قِيلَ: لَا يُعْرَفُ، لِأَنَّهُ مَا رَوَى عَنْهُ غَيرُ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، لَكِنْ أَخْرَجَ الحَاكِمُ حَدِيثَهُ مِنْ رِوَايَةِ العَيزَارِ بنِ حُرَيثٍ عَنْهُ، فَارْتَفَعَتْ جَهَالَةُ عَينِهِ» (٢). عُبيدُ بنُ أبي عُبيدٍ: قالَ الكِنَانيُّ «ت ٩٦٣ هـ»: «ذَكَرَ الحَافِظُ فِي «لِسَانِ المِيزَانِ» أَنَّهُ رَوَى عَنْهُ عَاصِمُ بنُ عُبَيدِ اللهِ، وَالرَّاوِي عَنْهُ فِي هَذَا الخَبَرِ فُلَيحٌ، فَقَدْ زَالَتْ جَهَالَةُ عَينِهِ، وَبَقِيَتْ جَهَالَةُ حَالِهِ» (٣). ثانياً: مجهولُ الحالِ: وهوَ منْ عُرِفَتْ عينُهُ، ولمْ تُعرَفْ عدالتُهُ الظَّاهرَةُ والباطنَةُ، قالَ الخطيبُ «ت ٤٦٣ هـ» فيمنْ عُرِفَتْ عينُهُ مِنَ الرُّواةِ دونَ حالِهِ: «إِلَّا أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ العَدَالَةِ بِرِوَايَتِهِمَا عَنْهُ، وَقَدْ زَعَمَ قَومٌ أَنَّ عَدَالَتَهُ تَثْبُتُ بِذَلِكَ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ فَسَادَ قَولِهِمْ بَمَشِيئَةِ اللهِ وَتَوفِيقِهِ» (٤). ثمَّ ساقَ الرُّدودَ على القائلينَ بهذَا المذهبِ ممَّا يطولُ سردُهُ هنَا. وقالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «المَجْهُولُ العَدَالَةِ مِنْ حَيثُ الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ جَمِيعَاً، رِوَايَتُهُ غَيرُ مَقْبُولَةٍ عِنْدَ الجَمَاهِيرِ» (٥).

стр. 203

وممَّنْ قالَ بثبوتِ عدالتِهِ العجليُّ (١) وابنُ حبَّانَ وشيخُهُ ابنِ خُزيمةَ والدَّارقُطنيُّ (٢)، وأكثرُ مَنْ اشتهرَ بذلكَ ابنُ حبَّانَ حيثُ رأَى أنَّ الرَّاوي الذي لمْ تُعلَمْ سيرتُهُ إلَّا مِنْ جهَةِ رواياتِهِ، فنحكُمُ عليهِ مِنْ خلالِ سبرِ حديثِهِ، فإذَا سلمتْ منَ النَّكارَةِ حُكِمَ بثقتِهِ، وإلَّا حُكِمَ بضعفِهِ، إذْ الأصلُ عندَهُ أنَّ الرُّواةَ على العدالَةِ ما لمْ يتبيَّنْ ما يقدحُ فيهَا، وقدْ بيَّنَ هذهِ القاعدةَ في مقدِّمةِ كتبِهِ «الثِّقاتِ، والمجروحينَ، والصَّحيحِ»، وطبَّقهَا فيهِمْ أيضَاً، ومنْ جرَّاءِ ذلكَ صُنِّفَ منَ المتساهلينَ في توثيقِ المجهولينَ، وقدْ بيَّنَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» قاعدةَ ابنِ حبَّانَ في ذلكَ، فقالَ: «يَذْكُرُ فِي كِتَابِ «الثِّقَاتِ» كُلَّ مَجْهُولٍ رَوَى عَنْهُ ثِقَةٌ، وَلَمْ يُجْرَحْ، وَلَمْ يَكُنِ الحَدِيثُ الذِي يَرْوِيهِ مُنْكَرَاً، هَذِهِ قَاعِدَتُهُ» (٣).

стр. 204

ثم ردَّ مذهبَهُ هذَا، فقالَ: «هَذَا الذِي ذَهَبَ إِلَيهِ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا انْتَفَتْ جَهَالَةُ عَينِهِ كَانَ عَلَى العَدَالَةِ إِلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ جَرْحُهُ: مَذْهُبٌ عَجِيبٌ، وَالجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ» (١). ومنَ الأمثلةِ علَى توثيقِ ابنِ حبَّانَ لرواةٍ مجهولينَ منْ خلالِ السَّبرِ: الحسنُ بنُ سُهَيلٍ: قالَ الذَّهبيُّ «ت ٧٤٨ هـ»: «مَا عَلِمْتُ رَوَى عَنْهُ غَيرَ يَزِيدَ بنِ أَبِي زِيَادٍ الكُوفِيِّ، وَلَكِنْ ذَكَرَهُ ابنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ» (٢). عبدُ اللهِ بنُ القاسمِ التَّيميُّ: قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «قَالَ ابنُ القَطَّانِ: «مَجْهُولٌ». وَذَكَرَهُ ابنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ» (٣). منقذُ مولَى ابنِ سُرَاقةَ: قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «مُنْقِذُ: مَجْهُولُ الحَالِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ» (٤). بِشْرُ بنُ غالبٍ الأسديُّ: قالَ العينيُّ «ت ٨٥٥ هـ»: «قَالَ الأَزْدِيُّ: «مَجْهُولٌ». وَذَكَرَهُ ابنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ» (٥). ثَالِثَاً: المَسْتُورُ: وقدْ عرَّفهُ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٤٦٣ هـ»، فقالَ: «المَجْهُولُ الذِي جُهِلَتْ عَدَالَتُهُ البَاطِنَةُ، وَهُوَ عَدْلٌ فِي الظَّاهِرِ» (٦). وللعلماءِ مذاهبُ في قبولِ روايةِ المستورِ:

стр. 205

١ - ردُّ روايتِهِ، أو التَّوقُّفُ إلى استبانَةِ حديثِهِ: وهوَ رأيُ الجمهورِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «قَدْ قَبِلَ رِوَايَتَهُ جَمَاعَةٌ بِغَيرِ قَيدٍ، وَرَدَّهَا الجُمْهُورُ، والتَّحْقِيقُ: أَنَّ رِوَايَةَ المَسْتُورِ مَوقُوفَةٌ إِلَى اسْتِبَانَةِ حَالِهِ» (١). ٢ - يُقْبَلُ فِي الشَّوَاهِدِ فَقَطْ: وهوَ حكمٌ للرَّاوي بالقبولِ وليسَ بالعدالَةِ، وهوَ حكمٌ على مرويَّاتِهِ أكثرُ منهُ حكماً على الرَّاوي، وهذا سيأتِي تفصيلُهُ في مبحثِ «الحكمُ علَى مرويَّاتِ الرَّاوِي منْ خلالِ السَّبرِ»، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «إِنَّ جُمْهُورَ المُحَدِّثِينَ لَا يَقْبَلُونَ رِوَايَةَ المَسْتُورِ، وَهُوَ قِسْمٌ مِنَ المَجْهُولِ، فَرِوَايَتُهُ بِمُفْرَدِهَا لَيسَتْ بِحُجَّةٍ عِنْدَهُمْ، وَإِنَّمَا يُحْتَجُّ بِهَا عِنْدَ بَعْضِهِمْ بِالشُّرُوطِ التِي ذَكَرَهَا التِّرْمِذِيُّ» (٢). وهذهِ الشُّروطُ هيَ التي ذكرهَا التِّرمذيُّ في تعريفِهِ للحديثِ الحسنِ، بقولِهِ: «كُلُّ حَدِيثٍ يُرْوَى، لَا يَكُونُ فِي إِسْنَادِهِ مَنْ يُتَّهَمُ بِالكَذِبِ، وَلَا يَكُونُ حَدِيثَاً شَاذَّاً، وَيُرْوَى مِنْ غَيرِ وَجْهٍ نَحْوُ ذَاكَ» (٣). ومرتبةُ «المقبولِ» عندَ ابنِ حجرٍ منْ هذَا القبيلِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «مَنْ لَيسَ لَهُ مِنَ الحَدِيثِ إِلَّا القَلِيلُ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهُ مَا يُتْرَكُ حَدِيثُهُ مِنْ أَجْلِهِ، وَإِلَيهِ الإِشَارَةُ بِلَفْظِ: «مَقْبُول» حَيثُ يُتَابَعُ» (٤). والملاحظُ أنَّ كثيراً مِنَ الرُّواةِ المقبولينَ عندَ ابنِ حجرٍ مِنَ الموصوفينَ بالجهالةِ فإذَا تحقَّقَتِ في الراوي الشُّروطُ التي ذكرناهَا، جعلَهُ ابنُ حجرٍ في مرتبةِ المقبولينَ، لكنْ بعدَ سبرِ حديثِهِ واختبارِهِ، ليتحقَّقَ مِنْ عدمِ الشُّذوذِ ومنْ وجودِ المتابعةِ لحديثِهِ.

стр. 206

٣ - يُقبَلُ مطلقاً: وهوَ قولُ مَنْ ذكرنَاهُمْ ممَّنْ قالُوا بعدالَةِ مجهولِ الحالِ، فالأولَى قبولُ المستورِ عندهُمْ، وطريقتُهُمْ في معرفَةِ حالِهِ سبرُ حديثِهِ. وكذلكَ قولُ منْ حملَ النَّاسَ على العدالَةِ في الأصلِ، إلا أنَّ الذهبيَّ - وهوَ منْ أصحابِ هذَا الرأيِ - أخرجَ المستورَ ومجهولَ الحالِ منْ دائرةِ القبولِ، فقالَ: «وَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ المَسْتُورُ، فَإِنَّهُ غَيرُ مَشْهُورٍ بِالعِنَايَةِ بِالعِلْمِ، فَكُلُّ مَنِ اشْتَهَرَ بَينَ الحُفَّاظِ بِأَنَّهُ مِنْ أَصْحَابِ الحَدِيثِ، وَأَنَّهُ مَعْرُوفٌ بِالعِنَايَةِ بِهَذَا الشَّانِ، ثُمَّ كَشَفُوا عَنْ أَخْبَارِهِ فَمَا وَجَدُوا فَيهِ تَلْيِينَاً، وَلَا اتَّفَقَ لَهمْ عَلَى عِلْمٍ بِأَنَّ أَحَدَاً وَثَّقَهُ، فَهَذَا الذِي عَنَاهُ الحَافِظُ وَأَنَّهُ يَكُونُ مَقْبُولَ الحَدِيثِ، إِلَى أَنْ يَلُوحَ فِيهِ جَرْحٌ» (١). وقالَ شيخُنَا نورُ الدِّينِ - بعدَ أنْ أوردَ انتقادَ ابنِ الصَّلاحِ لرأيِ ابنِ عبدِ البرِّ في هذهِ المسألةِ: «وَكَأَنَّ ابْنَ الصَّلَاحِ لَحَظَ في ذَلِكَ إِلَى الشِّبَهِ بِالمَسْتُورِ، لَكِنْ صَوَّبَ هَذَا القَولَ المُحَقِّقُونَ مِنْ أَهْلِ الحَدِيثِ، كَالجَزَرِيِّ، وَالمِزِّيِّ، وَالذَّهَبِيِّ، وَالسَّخَاوِيِّ، وَصَوَّرُوهُ بِمَا لَا يُشْبِهُ مَجْهُولَ الحَالِ» (٢). بينما نجدُ أنَّ ابنَ سيِّدِ النَّاسِ عدَّ المستورَ المشتهرَ بالعلمِ ممَّنْ يُحمَلُ على العدالةِ مطلقاً، فقالَ: «وَلَو أَنَّ مَسْتُورَي الحَالِ فِي دِينِهِمَا تَعَارَضَا فِي نَقْلِ خَبَرٍ، وَأَحَدُهُمَا مَعْرُوفٌ بِطَلَبِ الحَدِيثِ وَكِتَابَتِهِ، وَالآَخَرُ لَيسَ كَذَلَكَ، لَكَانَتِ النَّاسُ إِلَى قَبُولِ خَبَرِ الطَّالِبِ أَمْيَلَ، وَلَا مَعْنَى لِهَذِهِ المَعْرِفَةِ إَلَّا مَزِيَّةُ طَلَبِ العِلْمِ» (٣).

стр. 207

فالسَّبرُ هوَ السَّبيلُ لمعرفَةِ عينِ الرَّاوي المجهولِ عندَ الجمهورِ. ومجهولُ الحالِ والمستورُ يُعرفُ حالُهُ بسبرِ مرويَّاتِهِ عندَ ابنِ حبَّانَ وابنِ خُزيمَةَ والدَّارقُطنِيِّ. والمستورُ عندَ البخاريِّ ومسلمٍ - وهوَ اختيارُ ابنِ حجرٍ - يُعتبرُ حديثُهُ بشروطٍ. * * *

стр. 208

المَطْلَبُ الخَامِسُ: مَعْرِفَةُ اخْتِلَاطِ الرَّاوِي، فِي أَزْمِنَةٍ أَوْ أَمْكِنَةٍ أَوْ عَنْ شُيُوخٍ دُونَ غَيرِهِمْ: الاختلاطُ: لغةً: فسادُ العقلِ. واصطلاحاً: هوَ فسادُ العقلِ، وعدمُ انتظامِ الأقوالِ والأفعالِ، إمَّا بخرفٍ أو ضررٍ، أو مرضٍ، أو عَرَضٍ، مِنْ موتِ ابنٍ، أو سرقَةِ مالٍ، أو ذهابِ كتبٍ، أوِ احتراقِهَا (١). وقدْ بيَّنَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ» الحكمَ في حديثِ منْ رُميَ بالاختلاطِ مِنَ الثِّقاتِ، فقالَ: «وَالحُكْمُ فِيهِمْ: أَنَّهُ يُقْبَلُ حَدِيثُ مَنْ أَخَذَ عَنْهُمْ قَبْلَ الاِخْتِلَاطِ، وَلَا يُقْبَلُ حَدِيثُ مَنْ أَخَذَ عَنْهُ بَعْدَ الاِخْتِلَاطِ، أَوْ أَشْكَلَ أَمْرُهُ فَلَمْ يَدْرِ هَلْ أُخِذَ عَنْهُ قَبْلَ الاِخْتِلَاطِ أَوْ بَعْدَهُ» (٢). ومِنَ القرائنِ التي تُميِّزُ ما رُويَ أو مَنْ روى قبلَ أو بعدَ الاختلاطِ: ١ - أنْ يكونَ الحديثُ مِنْ روايَةِ الكِبارِ مِنْ أصحابِ الرَّاوي المختلِطِ، أي: الذينَ عُلِمَ أنَّهُمْ سمعُوا منهُ في وقتٍ مُبكِرٍ، قال ابن الصلاح «ت ٦٤٣ هـ»: «فَمِنْهُمْ عَطَاءُ بنُ السَّائِبِ: اخْتَلَطَ فِي آَخِرِ عُمُرِهِ فَاحَتَجَّ أَهْلُ العِلْمِ بِرِوَايَةِ الأَكَابِرِ عَنْهُ، مِثْلِ: سُفْيَانَ الثَّورِيِّ وَشُعْبَةَ، لِأَنَّ سَمَاعَهُمْ مِنْهُ كَانَ فِي الصِّحَّةِ» (٣).

стр. 209

٢ - تنصيصُ الرَّاوِي بِأنَّهُ سمعَ مِنَ الشَّيخِ قبلَ الاختلاطِ أو بعدَهُ، أو تنصيصُ غيرِهِ علَى ذلكَ، قالَ ابنُ نُميرٍ «ت ٢٣٤ هـ»: «كَانَ المَسْعُودِيُّ ثِقَةً، فَلَمَّا كَانَ بِآَخِرَةٍ اخْتَلَطَ، سَمِعَ مِنْهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَهْدِيٍّ وَيَزِيدُ بنُ هَارُونَ أَحَادِيثَ مُخْتَلِطَةً، وَمَا رَوَى عَنْهُ الشُّيُوخُ فَهُوَ مُسْتَقِيمٌ» (١). ٣ - سبرُ حديثِ الرَّاوي: قالَ الحافظُ العراقيُّ «ت ٨٠٦ هـ»: «وَإِنَّمَا يَتَمَيَّزُ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الرُّوَاةِ عَنْهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ سَمِعَ مِنْهُمْ قَبْلَ الاِخْتِلَاطِ فَقَطْ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَمِعَ بَعْدَهُ فَقَطْ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَمِعَ فِي الحَالَينِ، وَلَمْ يَتَمَيَّزْ» (٢). ولبيانِ اختلاطِ الرَّاوي مِنْ خلالِ السَّبرِ صورٌ نبيِّنُهَا فيمَا يأتِي: ١) تمييزُ الرُّواةِ عنِ الشَّيخِ قبلَ الاختلاطِ وبعدَهُ: بأنْ يسبرَ حديثَ كلِّ راوٍ عنْ ذلكَ الشَّيخِ، ويقارنَهَا بمرويَّاتِ الثِّقاتِ، وينظرَ منْ يوافقُ الثِّقاتَ في مرويَّاتِهِ ممَّنْ يُخالفُهُمْ عَنِ الشَّيخِ، قالَ مسلمٌ «ت ٢٦١ هـ» في «جَعْفَرَ بنِ بُرْقَانَ»: «أَعْلَمُ النَّاسِ بِمَيمُونَ بنِ مُهْرَانَ ويَزِيدَ بنِ الأَصَمِّ، فَأَمَّا رِوَايَتُهُ عَنْ غَيرِهِمَا، كَالزُّهْرِيِّ وَعَمْرِو بنِ دِينَارٍ وَسَائِرِ الرِّجَالِ، فَهُوَ فِيهَا ضَعِيفُ الرُّكْنِ، رَدِيءُ الضَّبْطِ فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُمْ» (٣). وقَالَ ابنُ حِبَّانَ «ت ٣٥٤ هـ» في «الخليلِ بنِ عمرَ»: «فَإِذَا سُبِرَ مَا رَوَى عَنْ غَيرِ أَبِيهِ مِنَ الثِّقَاتِ وَجَدَ أَشْيَاءَ مُسْتَقِيمَةً تُشْبِهُ حَدِيثَ الأَثْبَاتِ» (٤). وقالَ في «أيوبَ بنِ سُويدٍ»: «إِذَا

стр. 210

سَبَرْتَ رِوَايَاتِهِ مِنْ غَيرِ رِوَايَةِ ابْنِهِ عَنْهُ وُجِدَ أَكْثَرُهَا مُسْتَقِيمَةً» (١). وقالَ في «عبدِ اللهِ بنِ أبي مريمَ الغسَّانيِّ»: «يُعْتَبَرُ بِحَدِيثِهِ مِنْ غَيرِ رِوَايَةِ ابْنِهِ عَنْهُ» (٢). ٢) تمييزُ البلدِ الذي اختلَطَ فيهِ الرَّاوِي عنْ غيرِهِ مِنَ البلدانِ: وذلكَ بسبرِ حديثِ الرَّاوي عنْ شيوخِ كلِّ بلدٍ على حدَةْ، ومقارنَتِهَا بمرويَّاتِ الثِّقاتِ، ليستبينَ في أيِّ البلدانِ اختلطَ، قالَ ابنُ رجبٍ «ت ٧٩٥ هـ» في «جعفرَ بنِ بُرْقَانَ»: «قُلْتُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُهُ عَنْ أَهْلِ الجَزِيرَةِ خَاصَّةً مَحْفُوظَاً، بِخِلَافِ حَدِيثِهِ عَنْ غَيرِهِمْ، وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ يَحْتَاجُ إِلَى سَبْرِ أَحَادِيثِهِ عَنْ غَيرِ الجَزَرِيِّينَ كَعِكْرِمَةَ وَنَافِعٍ» (٣). وقالَ ابنُ حنبلٍ «ت ٢٤١ هـ»: «فَرَجُ بنُ فُضَالَةَ، إِذَا حَدَّثَ عَنِ الشَّامِيِّينَ فَلَيسَ بِهِ بَاسٌ، وَلَكِنَّ حَدِيثَهُ عَنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ مُضْطَرِبٌ» (٤). وقالَ عنْ «إسماعيلَ بنِ عيَّاشٍ»: «رِوَايَتُهُ عَنِ الشَّامِيِّينَ أَحْسَنُ حَالَاً مِمَّا رَوَى عَنِ المَدَنِيِّينَ، وَغَيرِهِمْ» (٥). وقالَ ابنُ عديٍّ «ت ٣٦٥ هـ» في «بقيَّةَ بنِ الوليدِ» بعدَ أنْ أوردَ ما يُستنكرُ عليهِ مِنَ الأحاديثِ: «وَلِبَقِيَّةَ حَدِيثٌ صَالِحٌ غَيرَ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ يُخَالِفُ الثِّقَاتِ، وَإِذَا رَوَى عَنْ أَهْلِ الشَّامِ فَهُوَ ثَبْتٌ، وَإِذَا رَوَى عَنْ غَيرِهِمْ خَلَطَ» (٦). ٣)

стр. 211

تعيينُ الزَّمنِ الذي اختلطَ فيهِ الرَّاوي، لمعرفةِ الشُّيوخِ الذينَ روَوا عنهُ قبلَ زمنِ الاختلاطِ مِنَ الذينَ روَوا عنهُ في زمنِ الاختلاطِ: بأنْ يُسبَرَ حديثُ الرَّاوي عنْ شيوخِهِ المتقدِّمينَ، ثمَّ المتأخِّرينَ، ويقارِنَهَا بمرويَّاتِ الثِّقاتِ، حيثُ إنَّ أغلبَ الرُّواةِ المختلطينَ كانَ اختلاطُهُمْ في سِنٍّ متأخِّرةٍ بسببِ الكِبَرِ وفسادِ العقلِ، فكانَ لا بُدَّ مِنْ تمييزِ السِّنِّ التي اختلطُوا فيهَا، وبيانِ الرُّواةِ الذينَ أخذُوا عنهُم قبلَ أو بعدَ الاختلاطِ، قالَ ابنُ حبَّانَ «ت ٣٥٤ هـ» في «محمَّدِ بنِ الفضلِ السَّدوسِيِّ»: «اِخْتَلَطَ فِي آَخِرِ عُمُرِهِ وَتَغَيَّرَ، فَكَانَ لَا يَدْرِي مَا يُحَدِّثُ بِهِ، فَوَقَعَتِ المَنَاكِيرُ الكَثِيرَةُ فِي رِوَايَتِهِ، فَيَجِبُ تَنَكُّبُ رِوَايَةِ المُتَأَخِّرِينَ عَنْهُ» (١). وقالَ في «ابنِ لهيعَةَ»: «سَبَرْتُ أَخْبَارَهُ فِي رِوَايَةِ المُتَقَدِّمِينَ وَالمُتَأَخِّرِينَ عَنْهُ، فَرَأَيتُ التَّخْلِيطَ فِي رِوَايَةِ المُتَأَخِّرِينَ مَوجُودَاً» (٢). وقالَ في «قيسِ بنِ الرَّبيعِ»: «سَبَرْتُ أَخْبَارَهُ مِنْ رِوَايَاتِ القُدَمَاءِ وَالمُتَأَخِّرِينَ وَتَتَبَّعْتُهَا، فَرَأَيتُهُ صَدُوقَاً مَامُونَاً حَيثُ كَانَ شَابَّاً» (٣). ٤) معرفةُ مصدرِ الخطأِ مِنَ الشَّيخِ أوِ التِّلميذِ: بأنْ يسبرَ حديثَ الرَّاوي عنْ شيخٍ لهُ، ويعارضَهُ بمرويَّاتِ المشهورينَ بالإتقانِ مِنْ أقرانِهِ عنْ ذلكَ الشَّيخِ، فإنْ خالفَ أقرانَهُ كانَ الخطأُ منهُ، وقدْ بيَّنَ ابنُ معينٍ «ت ٣٣٢ هـ» هذا النَّوعَ، حينمَا سُئِلَ عنْ سماعِهِ لكُتُبِ «حمادِ بنِ سلمةَ» منْ سبعةَ عشرَ تلميذَاً، فقالَ: «إِنَّ حَمَّادَ بنَ سَلَمَةَ كَانَ يُخْطِئُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أُمَيِّزَ خَطَأَهُ مِنْ خَطَأِ غَيرِهِ، فَإِذَا رَأَيتُ أَصْحَابَهُ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى شَيءٍ عَلِمْتُ أَنَّ الخَطَأَ مِنْ حَمَّادٍ

стр. 212

نَفْسِهِ، وَإِذَا اجْتَمَعُوا عَلَى شَيءٍ عَنْهُ، وَقَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِخِلَافِهِمْ عَلِمْتُ أَنَّ الخَطَأَ مِنْهُ لا مِنْ حَمَّادٍ، فَأُمَيِّزُ بَينَ مَا أَخْطَأَ هُوَ بِنَفْسِهِ وَبَينَ مَا أُخْطِئَ عَلَيهِ» (١). وقالَ أيضاً عنِ «الواقديِّ»: «نَظَرْنَا فِي حَدِيثِ الوَاقِدِيِّ، فَوَجَدْنَا حَدِيثَهُ عَنِ المَدَنيِّينَ عَنْ شُيُوخٍ مَجْهُولِينَ أَحَادِيثَ مَنَاكِيرٍ، فَقُلْنَا: يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الأَحَادِيثُ المَنَاكِيرُ مِنْهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ، ثُمَّ نَظَرْنَا إِلَى حَدِيثِهِ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَمَعْمَرٍ، فَإِنَّهُ يَضْبِطُ حَدِيثَهُمْ، فَوَجَدْنَاهُ قَدْ حَدَّثَ عَنَهُمَا بِالمَنَاكِيرِ، فَعَلِمْنَا أَنَّهُ مِنْهُ، فَتَرَكْنَا حَدِيثَهُ» (٢). قالَ ابنُ حبَّانَ «ت ٣٥٤ هـ»: «إِذَا رَوَى ضَعِيفَانِ خَبَرَاً مَوضُوعَاً لا يَتَهَيَّأُ إِلْزَاقُهُ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الآَخَرِ إِلا بَعْدَ السَّبْرِ» (٣). فإنْ وُجِدَ بعدَ سبرِ مرويَّاتِ الرَّاوي ومقارنتِهَا أَنَّهُ لمْ يخالِفْ، فيُعمَدُ إلى مرويَّاتِ شيخِ الرَّاوي عنْ شيوخِهِ ويُقارِنُهَا بمرويَّاتِ الأقرانِ، ليتبيَّنَ مكانَ الخطأِ منَ الشَّيخِ أو التَّلاميذِ، قالَ ابنُ عَدِيٍّ «ت ٣٦٥ هـ» في «إبراهيمَ بنِ أبي يحيَى»: «وَقَدْ نَظَرْتُ أَنَا فِي أَحَادِيثِهِ وَسَبَرْتُهَا، وَفَتَّشْتُ الكُلَّ مِنْهَا، فَلَيسَ فِيهَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَإِنَّمَا يُرْوَى المُنْكَرُ إِذَا كَانَتِ العُهْدَةُ مِنْ قِبَلِ الرَّاوِي عَنْهُ، أَوْ مِنْ قِبَلِ مَنْ يَرْوِي إِبْرَاهِيمُ عَنْهُ، وَكَأَنَّهُ أَتَى مِنْ قِبَلِ شَيخِهِ لا مِنْ قِبَلِهِ، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ» (٤). * * *

стр. 213

المَبْحَثُ الثَّانِي: حُكْمِ المُتَقَدِّمِينَ، وَسَبْرُ المُتَأَخِّرِينَ: منْ خلالِ ما تقدَّمَ نخلصُ إلى أنَّ أئمَّةَ الجرحِ والتَّعديلِ مِنَ المتقدِّمينَ لمْ يحكمُوا على الرُّواةِ إلَّا بعدَ مخالطتِهِمْ ومعاينةِ أحوالِهم أوَّلاً، وسبرِ واختبارِ أحاديثِهِمْ ثانيَاً، فمنْ وجدنَا فيهِ مِنَ الرُّواةِ حكمَاً لإمامٍ منْ أئمَّةِ الجرحِ والتَّعديلِ الموسومينَ بالتَّشدُّدِ أو الاعتدالِ، كانَ حكمَاً قاطعَاً منهُمْ على عدالةِ الرَّجلِ وضبطِهِ، جرحَاً أو تعديلَاً. ولا يُمكنُ نقضُ حكمِ المتقدِّمينَ بسبرِ المتأخِّرينَ، ولو كانَ ما توصَّلَ إليهِ المتأخِّرونَ مُخالفَاً لما نصَّ عليهِ أئمَّةُ الجرحِ والتَّعديلِ المتقدِّمينَ، لأنَّ المتقدِّمينَ بمعاينتِهِمْ ومُكْنتِهِمْ اطَّلعُوا على ما لمْ يطَّلعْ عليهِ المتأخِّرونَ منْ حالِ الرَّاوي وروايتِهِ. والحكمُ على الرِّجالِ مِنْ خلالِ السَّبرِ عندَ المتأخرينَ يُعتمدُ في حالاتٍ معيَّنةٍ، وبضوابطَ مهمَّةٍ، نُجملُهَا فيمَا يأتي: أولاً: الرُّواةُ الذينَ حكمَ الأئمَّةُ بعدالتِهِم دونَ ضبطِهِمْ: كمَا تقدَّمَ في أصحابِ المرتبةِ الخامسةِ منْ مراتبِ «التَّعديلِ» على تقسيم ابنِ حجرٍ (١)، فهؤلاءِ يُحكمُ بتوثيقِهِمْ أو تضعيفِهِمْ منْ خلالِ معرفةِ ضبطِهِمْ بسبرِ أحاديثِهِم، قالَ الدُّكتور حاتمُ العوفيُّ: «أَمَّا طَرِيقَةُ السَّبْرِ التِي سَارَ عَلَيهَا المُتَقَدِّمُونَ فَلَا يُمْكِنُ لِلْمُتَأَخِّرِينَ الاِعْتِمَادُ عَلِيهَا لِمعْرِفَةِ ضَبْطِ الرُّوَاةِ اسْتِقْلَالَاً، أَي: دُونَ أَنْ يَكُونُوا مَسْبُوقِينَ بِنَحْوِ حُكْمِهِمْ مِنْ إِمَامٍ مُتَقَدِّمٍ» (٢). فإذَا

стр. 214

حكمَ إمامٌ متقدمٌ على عدالةِ راوٍ لمخالطتِهِ ومعاينةِ حالِهِ، ولمْ يردْ فيهِ حكمٌ على ضبطِهِ، جازَ للمتأخِّرِ سبرُ حديثِهِ ليستبينَ أحدُ جانبي الجرحِ أو التَّعديلِ. ثانيَاً: الرُّواةُ المَجْهولونَ وَالمستورونَ: الحكمُ يكونُ بقبولِ حديثِ مثلِ هؤلاءِ حيثُ يتابعُ على حديثِهِمْ، وذلكَ إذَا كانَ حديثُهُمْ قليلاً، ولمْ يثبتْ ما يُتركُ لأجلِهِ، وهوَ مذهبُ ابنُ حجرٍ ﵀ فيمنْ اختارَ قبولَهُمْ في التَّقريبِ. ثالثاً: التَّرجيحُ في الرَّاوي المختلفِ فيهِ جرحَاً أو تعديلَاً: فإذَا اشتدَّ الاختلافُ في الرَّاوي جرحَاً وتعديلاً بلا مُرجِّحٍ، فيمكنُنَا اللجوءُ إلى سبرِ حديثِ الرَّاوي كمرجِّحٍ في قبولِ حديثِهِ، ما لمْ يثبتِ الطَّعنُ في عدالتِهِ. وقدْ أشارَ المُعلِّميُّ «ت ١٣٨٦ هـ» إلى عسرِ ذلكَ على المعاصرينَ، إلَّا في بعضِ الحالاتِ القليلةِ، فقالَ: «وَهَذَا يَثْبُتُ عِنْدَ المُحَدِّثِ - أَي اسْتِقَامَةُ الرِّوَايَةِ - بِتَتَبُّعِهِ أَحَادِيثَ الرَّاوِي وَاعْتِبَارِهَا، وَتَبَيَّنَ أَنَّهَا كُلَّهَا مُسْتَقِيمَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّاوِي مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ - وَهَذَا لَا يَتَيَسَّرُ لِأَهْلِ عَصْرِنَا - لَكِنْ إِذَا كَانَ القَادِحُونَ فِي الرَّاوِي قَدْ نَصُّوا عَلَى مَا أَنْكَرُوهُ مِنْ حَدِيثِهِ، بِحَيثُ ظَهَرَ أَنَّ مَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِهِ مُسْتَقِيمٌ، فَقَدْ يَتَيَسَّرُ لَنَا أَنْ نَنْظُرَ فِي تِلْكَ الأَحَادِيثِ، فَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ لَهَا مَخَارِجَ قَوِيَّةً تَدْفَعُ التُّهْمَةَ عَنِ الرَّاوِي فَقَدْ ثَبَتَتْ اسْتِقَامَةُ رِوَايَتِهِ» (١). والخلاصةُ أنَّهُ لا بدَّ مِنْ إفرادِ مسألةِ «الحكمُ على الرِّجالِ مِنْ خلالِ السَّبرِ» في كتابٍ مستقلٍّ، والاستفاضةِ في بيانِ آراءِ أئمَّةِ الجرحِ والتَّعديلِ باستقراءِ مناهجِهِمْ. * * *

стр. 215

الفَصْلُ الثَّانِي: أَثَرُ السَّبْرِ فِي الحُكْمِ عَلَى مَرْوِيَّاتِ الرِّجَالِ «الاعتِبَارُ»: سبقَ تعريفُ الاعتبارِ في مبحثِ «المصطلحاتِ المرادفةِ للسَّبرِ» (١). وسآتي على بيانِ أثرِ السَّبرِ وجمعِ الطُّرقِ في تقويةِ الأحاديثِ بعضِهَا ببعضٍ، لأنَّهُ بالسَّبرِ وجمعِ طرقِ الحديثِ يمكنُنَا العثورُ على طرقٍ أخرى للحديثِ تجبرُ ضعفَهُ، تقوِّيهِ أو تُرقِّيهِ (٢). المَبْحَثُ الأَوَّلُ: المُتَابَعَاتُ وَالشَّوَاهِدُ، وَشُرُوطُ تَقْوِيَةِ الأَحَادِيثِ بِهَا: الضَّابطُ الذي اعتمدَهُ الأئمَّةُ في تقويةِ وترقيةِ الأحاديثِ بالمتابعاتِ والشَّواهدِ، هوَ تعريفُ الإمامِ التِّرمذيِّ للحديثِ الحسنِ، حيثُ قالَ: «كُلُّ حَدِيثٍ يُرْوَى لَا يَكُونُ فِي إِسْنَادِهِ مَنْ يُتَّهَمُ بِالكَذِبِ، وَلَا يَكُونُ الحَدِيثُ شَاذَّاً، وَيُرْوَى مِنْ غَيرِ وَجْهٍ نَحْوُ ذَاكَ فَهُوَ
следующие страницы →