Полный текст (515 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
تعيينُ الزَّمنِ الذي اختلطَ فيهِ الرَّاوي، لمعرفةِ الشُّيوخِ الذينَ روَوا عنهُ قبلَ زمنِ الاختلاطِ مِنَ الذينَ روَوا عنهُ في زمنِ الاختلاطِ: بأنْ يُسبَرَ حديثُ الرَّاوي عنْ شيوخِهِ المتقدِّمينَ، ثمَّ المتأخِّرينَ، ويقارِنَهَا بمرويَّاتِ الثِّقاتِ، حيثُ إنَّ أغلبَ الرُّواةِ المختلطينَ كانَ اختلاطُهُمْ في سِنٍّ متأخِّرةٍ بسببِ الكِبَرِ وفسادِ العقلِ، فكانَ لا بُدَّ مِنْ تمييزِ السِّنِّ التي اختلطُوا فيهَا، وبيانِ الرُّواةِ الذينَ أخذُوا عنهُم قبلَ أو بعدَ الاختلاطِ، قالَ ابنُ حبَّانَ «ت ٣٥٤ هـ» في «محمَّدِ بنِ الفضلِ السَّدوسِيِّ»: «اِخْتَلَطَ فِي آَخِرِ عُمُرِهِ وَتَغَيَّرَ، فَكَانَ لَا يَدْرِي مَا يُحَدِّثُ بِهِ، فَوَقَعَتِ المَنَاكِيرُ الكَثِيرَةُ فِي رِوَايَتِهِ، فَيَجِبُ تَنَكُّبُ رِوَايَةِ المُتَأَخِّرِينَ عَنْهُ» (١) . وقالَ في «ابنِ لهيعَةَ»: «سَبَرْتُ أَخْبَارَهُ فِي رِوَايَةِ المُتَقَدِّمِينَ وَالمُتَأَخِّرِينَ عَنْهُ، فَرَأَيتُ التَّخْلِيطَ فِي رِوَايَةِ المُتَأَخِّرِينَ مَوجُودَاً» (٢) . وقالَ في «قيسِ بنِ الرَّبيعِ»: «سَبَرْتُ أَخْبَارَهُ مِنْ رِوَايَاتِ القُدَمَاءِ وَالمُتَأَخِّرِينَ وَتَتَبَّعْتُهَا، فَرَأَيتُهُ صَدُوقَاً مَامُونَاً حَيثُ كَانَ شَابَّاً» (٣) .
٤) معرفةُ مصدرِ الخطأِ مِنَ الشَّيخِ أوِ التِّلميذِ: بأنْ يسبرَ حديثَ الرَّاوي عنْ شيخٍ لهُ، ويعارضَهُ بمرويَّاتِ المشهورينَ بالإتقانِ مِنْ أقرانِهِ عنْ ذلكَ الشَّيخِ، فإنْ خالفَ أقرانَهُ كانَ الخطأُ منهُ، وقدْ بيَّنَ ابنُ معينٍ «ت ٣٣٢ هـ» هذا النَّوعَ، حينمَا سُئِلَ عنْ سماعِهِ لكُتُبِ «حمادِ بنِ سلمةَ» منْ سبعةَ عشرَ تلميذَاً، فقالَ: «إِنَّ حَمَّادَ بنَ سَلَمَةَ كَانَ يُخْطِئُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أُمَيِّزَ خَطَأَهُ مِنْ خَطَأِ غَيرِهِ، فَإِذَا رَأَيتُ أَصْحَابَهُ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى شَيءٍ عَلِمْتُ أَنَّ الخَطَأَ مِنْ حَمَّادٍ الحواشي
(١) المجروحين ٢/ ٢٩٥.(٢) المصدر ذاته ٢/ ١٢.(٣) المصدر ذاته ٢/ ٢١٨.стр. 212
نَفْسِهِ، وَإِذَا اجْتَمَعُوا عَلَى شَيءٍ عَنْهُ، وَقَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِخِلَافِهِمْ عَلِمْتُ أَنَّ الخَطَأَ مِنْهُ لا مِنْ حَمَّادٍ، فَأُمَيِّزُ بَينَ مَا أَخْطَأَ هُوَ بِنَفْسِهِ وَبَينَ مَا أُخْطِئَ عَلَيهِ» (١) . وقالَ أيضاً عنِ «الواقديِّ»: «نَظَرْنَا فِي حَدِيثِ الوَاقِدِيِّ، فَوَجَدْنَا حَدِيثَهُ عَنِ المَدَنيِّينَ عَنْ شُيُوخٍ مَجْهُولِينَ أَحَادِيثَ مَنَاكِيرٍ، فَقُلْنَا: يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الأَحَادِيثُ المَنَاكِيرُ مِنْهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ، ثُمَّ نَظَرْنَا إِلَى حَدِيثِهِ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَمَعْمَرٍ، فَإِنَّهُ يَضْبِطُ حَدِيثَهُمْ، فَوَجَدْنَاهُ قَدْ حَدَّثَ عَنَهُمَا بِالمَنَاكِيرِ، فَعَلِمْنَا أَنَّهُ مِنْهُ، فَتَرَكْنَا حَدِيثَهُ» (٢) .
قالَ ابنُ حبَّانَ «ت ٣٥٤ هـ»: «إِذَا رَوَى ضَعِيفَانِ خَبَرَاً مَوضُوعَاً لا يَتَهَيَّأُ إِلْزَاقُهُ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الآَخَرِ إِلا بَعْدَ السَّبْرِ» (٣) .
فإنْ وُجِدَ بعدَ سبرِ مرويَّاتِ الرَّاوي ومقارنتِهَا أَنَّهُ لمْ يخالِفْ، فيُعمَدُ إلى مرويَّاتِ شيخِ الرَّاوي عنْ شيوخِهِ ويُقارِنُهَا بمرويَّاتِ الأقرانِ، ليتبيَّنَ مكانَ الخطأِ منَ الشَّيخِ أو التَّلاميذِ، قالَ ابنُ عَدِيٍّ «ت ٣٦٥ هـ» في «إبراهيمَ بنِ أبي يحيَى»: «وَقَدْ نَظَرْتُ أَنَا فِي أَحَادِيثِهِ وَسَبَرْتُهَا، وَفَتَّشْتُ الكُلَّ مِنْهَا، فَلَيسَ فِيهَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَإِنَّمَا يُرْوَى المُنْكَرُ إِذَا كَانَتِ العُهْدَةُ مِنْ قِبَلِ الرَّاوِي عَنْهُ، أَوْ مِنْ قِبَلِ مَنْ يَرْوِي إِبْرَاهِيمُ عَنْهُ، وَكَأَنَّهُ أَتَى مِنْ قِبَلِ شَيخِهِ لا مِنْ قِبَلِهِ، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ» (٤) .
* * * الحواشي
(١) المصدر ذاته ١/ ٣٢.(٢) انظر الجرح والتعديل ٤/ ١/ ٢١.(٣) المصدر السابق ٣/ ٩٥.(٤) انظر الكامل لابن عدي ١/ ٢٢٤.стр. 213
المَبْحَثُ الثَّانِي: حُكْمِ المُتَقَدِّمِينَ، وَسَبْرُ المُتَأَخِّرِينَ:
منْ خلالِ ما تقدَّمَ نخلصُ إلى أنَّ أئمَّةَ الجرحِ والتَّعديلِ مِنَ المتقدِّمينَ لمْ يحكمُوا على الرُّواةِ إلَّا بعدَ مخالطتِهِمْ ومعاينةِ أحوالِهم أوَّلاً، وسبرِ واختبارِ أحاديثِهِمْ ثانيَاً، فمنْ وجدنَا فيهِ مِنَ الرُّواةِ حكمَاً لإمامٍ منْ أئمَّةِ الجرحِ والتَّعديلِ الموسومينَ بالتَّشدُّدِ أو الاعتدالِ، كانَ حكمَاً قاطعَاً منهُمْ على عدالةِ الرَّجلِ وضبطِهِ، جرحَاً أو تعديلَاً.
ولا يُمكنُ نقضُ حكمِ المتقدِّمينَ بسبرِ المتأخِّرينَ، ولو كانَ ما توصَّلَ إليهِ المتأخِّرونَ
مُخالفَاً لما نصَّ عليهِ أئمَّةُ الجرحِ والتَّعديلِ المتقدِّمينَ، لأنَّ المتقدِّمينَ بمعاينتِهِمْ ومُكْنتِهِمْ
اطَّلعُوا على ما لمْ يطَّلعْ عليهِ المتأخِّرونَ منْ حالِ الرَّاوي وروايتِهِ.
والحكمُ على الرِّجالِ مِنْ خلالِ السَّبرِ عندَ المتأخرينَ
يُعتمدُ في حالاتٍ معيَّنةٍ، وبضوابطَ مهمَّةٍ، نُجملُهَا فيمَا يأتي:
أولاً: الرُّواةُ الذينَ حكمَ الأئمَّةُ بعدالتِهِم دونَ ضبطِهِمْ: كمَا تقدَّمَ في أصحابِ المرتبةِ الخامسةِ منْ مراتبِ «التَّعديلِ» على تقسيم ابنِ حجرٍ (١) ، فهؤلاءِ يُحكمُ بتوثيقِهِمْ أو تضعيفِهِمْ منْ خلالِ معرفةِ ضبطِهِمْ بسبرِ أحاديثِهِم، قالَ الدُّكتور حاتمُ العوفيُّ: «أَمَّا طَرِيقَةُ السَّبْرِ التِي سَارَ عَلَيهَا المُتَقَدِّمُونَ فَلَا يُمْكِنُ لِلْمُتَأَخِّرِينَ الاِعْتِمَادُ عَلِيهَا لِمعْرِفَةِ ضَبْطِ الرُّوَاةِ اسْتِقْلَالَاً، أَي: دُونَ أَنْ يَكُونُوا مَسْبُوقِينَ بِنَحْوِ حُكْمِهِمْ مِنْ إِمَامٍ مُتَقَدِّمٍ» (٢) . فإذَا الحواشي
(١) انظر ص ١٨٢.(٢) خلاصة التأصيل في علم الجرح والتعديل ص ٢٠.стр. 214
حكمَ إمامٌ متقدمٌ على عدالةِ راوٍ لمخالطتِهِ ومعاينةِ حالِهِ، ولمْ يردْ فيهِ حكمٌ على ضبطِهِ، جازَ للمتأخِّرِ سبرُ حديثِهِ ليستبينَ أحدُ جانبي الجرحِ أو التَّعديلِ.
ثانيَاً: الرُّواةُ المَجْهولونَ وَالمستورونَ: الحكمُ يكونُ بقبولِ حديثِ مثلِ هؤلاءِ حيثُ يتابعُ على حديثِهِمْ، وذلكَ إذَا كانَ حديثُهُمْ قليلاً، ولمْ يثبتْ ما يُتركُ لأجلِهِ، وهوَ مذهبُ ابنُ حجرٍ ﵀ فيمنْ اختارَ قبولَهُمْ في التَّقريبِ.
ثالثاً: التَّرجيحُ في الرَّاوي المختلفِ فيهِ جرحَاً أو تعديلَاً: فإذَا اشتدَّ الاختلافُ في الرَّاوي جرحَاً وتعديلاً بلا مُرجِّحٍ، فيمكنُنَا اللجوءُ إلى سبرِ حديثِ الرَّاوي كمرجِّحٍ في قبولِ حديثِهِ، ما لمْ يثبتِ الطَّعنُ في عدالتِهِ.
وقدْ أشارَ المُعلِّميُّ «ت ١٣٨٦ هـ» إلى عسرِ ذلكَ على المعاصرينَ، إلَّا في بعضِ الحالاتِ القليلةِ، فقالَ: «وَهَذَا يَثْبُتُ عِنْدَ المُحَدِّثِ - أَي اسْتِقَامَةُ الرِّوَايَةِ - بِتَتَبُّعِهِ أَحَادِيثَ الرَّاوِي وَاعْتِبَارِهَا، وَتَبَيَّنَ أَنَّهَا كُلَّهَا مُسْتَقِيمَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّاوِي مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ - وَهَذَا لَا يَتَيَسَّرُ لِأَهْلِ عَصْرِنَا - لَكِنْ إِذَا كَانَ القَادِحُونَ فِي الرَّاوِي قَدْ نَصُّوا عَلَى مَا أَنْكَرُوهُ مِنْ حَدِيثِهِ، بِحَيثُ ظَهَرَ أَنَّ مَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِهِ مُسْتَقِيمٌ، فَقَدْ يَتَيَسَّرُ لَنَا أَنْ نَنْظُرَ فِي تِلْكَ الأَحَادِيثِ، فَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ لَهَا مَخَارِجَ قَوِيَّةً تَدْفَعُ التُّهْمَةَ عَنِ الرَّاوِي فَقَدْ ثَبَتَتْ اسْتِقَامَةُ رِوَايَتِهِ» (١) .
والخلاصةُ أنَّهُ لا بدَّ مِنْ إفرادِ مسألةِ «الحكمُ على الرِّجالِ مِنْ خلالِ السَّبرِ» في كتابٍ مستقلٍّ، والاستفاضةِ في بيانِ آراءِ أئمَّةِ الجرحِ والتَّعديلِ باستقراءِ مناهجِهِمْ.
* * * الحواشي
(١) انظر التنكيل للمعلمي ١/ ٨٠.стр. 215
الفَصْلُ الثَّانِي: أَثَرُ السَّبْرِ فِي الحُكْمِ عَلَى مَرْوِيَّاتِ الرِّجَالِ «الاعتِبَارُ»:
سبقَ تعريفُ الاعتبارِ في مبحثِ «المصطلحاتِ المرادفةِ للسَّبرِ» (١) .
وسآتي على بيانِ أثرِ السَّبرِ وجمعِ الطُّرقِ في تقويةِ الأحاديثِ بعضِهَا ببعضٍ، لأنَّهُ بالسَّبرِ وجمعِ طرقِ الحديثِ يمكنُنَا العثورُ على طرقٍ أخرى للحديثِ تجبرُ ضعفَهُ، تقوِّيهِ أو تُرقِّيهِ (٢) .
المَبْحَثُ الأَوَّلُ: المُتَابَعَاتُ وَالشَّوَاهِدُ، وَشُرُوطُ تَقْوِيَةِ الأَحَادِيثِ بِهَا:
الضَّابطُ الذي اعتمدَهُ الأئمَّةُ في تقويةِ وترقيةِ الأحاديثِ بالمتابعاتِ والشَّواهدِ، هوَ تعريفُ الإمامِ التِّرمذيِّ للحديثِ الحسنِ، حيثُ قالَ: «كُلُّ حَدِيثٍ يُرْوَى لَا يَكُونُ فِي إِسْنَادِهِ مَنْ يُتَّهَمُ بِالكَذِبِ، وَلَا يَكُونُ الحَدِيثُ شَاذَّاً، وَيُرْوَى مِنْ غَيرِ وَجْهٍ نَحْوُ ذَاكَ فَهُوَ الحواشي
(١) انظر ص ٣٣.(٢) الكلام على تقوية الأحاديث بالمتابعات والشواهد مهم وشائك، وفيه تفاصيل بنبغي عدم إغفالها، وبحثنا هذا لا يستطيع الإحاطة بها جميعاً، إذ لا بد لها من رسالة مستقلة، وللاستزادة ينظر كتاب مناهج المحدثين في تقوية الأحاديث بالمتابعات والشواهد - د. المرتضى الزين أحمد - وهي عبارة عن رسالة دكتوراة - طبعت في مكتبة الرشد الرياض ١٩٩٤ م. وكتاب الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات - طارق بن عوض الله بن محمد - طبع في القاهرة - مكتبة ابن تيمية - ١٩٩٨ م.стр. 216
عِنْدَنَا حَدِيثٌ حَسَنٌ» (١) . وقدْ بيَّنَ العلماءُ أنَّ تعريفَ الإمامِ التِّرمذيِّ للحسنِ يخصُّ الحسنَ لغيرِهِ لا لذاتِهِ.
وبذلكَ فللحديثِ حتَّى يتقوَّى ويرتقِي ثلاثةُ شروطٍ، وهيَ:
أولاً: ألَّا يكونَ في إسنادِ الحديثِ راوٍ متَّهمٌ بالكذبِ: فلا بدَّ مِنْ معرفةِ الرُّواةِ الذينَ يصلحُ حديثُهمْ للاعتبارِ.
ثانياً: ألَّا يكونَ الحديثُ شاذَّاً: وهذَا يقودُ للكلامِ على المرويَّاتِ الصالحةِ للاعتبارِ.
ثالثاً: أنْ يُروى مِنْ غيرِ وجهٍ: وللرِّوايةِ العاضدةِ والمقويَّةِ أُسسٌ وقواعدُ وشُروطٌ اعتمدَهَا العلماءُ في التَّقويةِ والتَّرقيةِ بالمتابعاتِ والشَّواهدِ.
سنبيِّنُ ذلكَ كلَّهُ في المطالبِ الآتيةِ، إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
* * * الحواشي
(١) العلل الصغير ص ٧٥٨.стр. 217
المَطْلَبُ الأُولُ: تَعْرِيفُ المُتَابِعِ وَالشَّاهِدِ وَالفَرْقُ بَينَهُمَا:
ذكرتُ في نقطةِ «المُصْطَلَحَاتُ المُتَعَلِّقَةُ بِالسَّبْرِ» المعنَى الرَّاجِحَ للمُتابعةِ والشَّاهدِ، مِنْ غيرِ بيانِ اختلافِ العلماءِ في مفهومِهِمَا، أبسطُهُ هنَا لمناسبتِهِ لهذَا المبحثِ (١) ، فقدْ انتهى العلماءُ في التَّفريقِ بينَ المتابعةِ والشَّاهدِ إلى معنيينِ:
الأوَّلُ: المتابعةُ: ما تُوبِعَ عليهِ رواتُهُ لفظَاً ولو كانَ الرَّاوي صحابيَّاً.
والشَّاهدُ: ما تُوبِعَ عليهِ رواتُهُ معنَىً ولو كانَ الرَّاوي ممَّنْ دونَ الصَّحابةِ.
فالمتابعةُ ما اتَّفَقَ لفظَاً، والشَّاهدُ: ما اتَّفقَ معنَى.
واختارَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ» في المقدِّمةِ ذلكَ (٢) ، وابنُ الجعبريِّ «ت ٧٣٢ هـ» (٣) ، والأبناسيُّ
«ت ٨٠٢ هـ» (٤) ، وسراجُ الدِّينِ الأنصاريُّ «ت ٨٠٤ هـ» (٥) .
وقالَ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ» في التَّقريبِ: «وَالمُتَابَعَةُ: أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْ أَيُّوبَ غَيرُ حَمَّادٍ، وَهِيَ المُتَابَعَةُ التَّامَّةُ. أَوْ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ غَيرُ أَيُّوبَ، أَوْ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ غَيرُ ابْنِ سِيرِينَ، أَوْ عَنِ الحواشي
(١) وثمَّة سبب آخر، هو أنني لم أجد من المعاصرين ممن عَنِيَ بجانب تقوية الأحاديث بالمتابعات والشواهد من طرح مسألةَ التَّفريق بين المتابعة والشاهد، وإنما اكتفوا بمجرد ذكر المعنى الراجح المتداول في كتب أصول الحديث.(٢) انظر علوم الحديث لابن الصلاح ١/ ٨٢.(٣) انظر رسوم التحديث في علوم الحديث ١/ ٨٤.(٤) انظر الشذا الفياح ١/ ١٨٩.(٥) انظر المقنع في علوم الحديث ١/ ١٨٨.стр. 218
النَّبِيِّ ﷺ صَحَابِيٌّ آَخَرُ، فَكُلُّ هَذَا يُسَمَّى مُتَابَعَةً. وَتَقْصُرُ عَنِ الأُولَى بَحَسَبِ بُعْدِهَا مِنْهَا، وَتُسَمَّى المُتَابَعَةُ شَاهِدَاً.
والشَّاهِدُ: أَنْ يُرْوَى حَدِيثٌ آَخَرُ بِمَعْنَاهُ، وَلَا يُسَمَّى هَذَا مُتَابَعَةً» (١) . وعلَّقَ السُّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ» على كلامِ النَّوويِّ بقولِهِ: «فَقَدْ حَصَلَ اخْتِصَاصُ المُتَابَعَةِ بِمَا كَانَ بِاللَّفْظِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ رِوَايَةِ ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ أَمْ لَا، وَالشَّاهِدُ أَعَمُّ. وَقِيلَ: هَوَ - أَي الشَّاهِدُ - مَخْصُوصٌ بِمَا كَانَ بِالمَعْنَى فَقَطْ» (٢) .
الثَّاني: المتابعةُ: ما تُوبِعَ عليهِ رواتُهُ ممَّنْ دونَ الصَّحابةِ لفظَاً أو معنَىً.
والشَّاهدُ: ما تابعَ الصَّحابيُّ في روايتِهِ صحابيَّاً آخرَ لفظَاً أو معنَىً.
حكاهُ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ» عنِ الجمهورِ (٣) ، وقالَ: «وَقَدْ حَكَاهُ شَيخُنَا - ابنُ حَجَرٍ- مَعَ اخْتِصَاصٍ بِالمَعْنِى كَذَلِكَ عَنْ قَومٍ - يَعْنِي كَالبَيهَقِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ - وَلَكِنَّهُ رَجَّحَ أَنَّهُ لَا اقْتِصَارَ فِي التَّابِعِ عَلَى اللَّفْظِ، وَلَا فِي الشَّاهِدِ عَلَى المَعْنَى، وَإنَّ افْتَرَاقَهُمَا بِالصَّحَابِيِّ فَقَطْ، فَكُلَّمَا
جَاءَ عَنْ ذَاكَ الصَّحَابِيِّ فَتَابِعٌ أَوْ عَنْ غَيرِهِ فَشَاهِدٌ» (٤) .
وهوَ ما اختارَهُ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»، فقالَ: «وَالمُتَابَعَةُ عَلَى مَرَاتِبَ: إِنْ حَصَلَتْ للرَّاوِي نَفْسِهِ، فَهِيَ التَّامَّةُ. الحواشي
(١) التقريب ص ٥.(٢) تدريب الراوي ١/ ٢٤٣.(٣) قال السخاوي في فتح المغيث ١/ ٢١٠: « … وأما من يقصر الشاهد على الآتي من حديث صحابي آخر وهم الجمهور … ».(٤) فتح المغيث ١/ ٢٠٨ و ٢١٠.стр. 219
وَإِنْ حَصَلَتْ لِشَيخِهِ فَمَنْ فَوقَهُ، فَهِي القَاصِرَةُ … وَإِنْ وُجِدَ مَتْنٌ يُرْوَى مِنْ حَدِيثِ صَحَابِيٍّ آَخَرَ يُشْبِهُهُ فِي اللَّفْظِ وَالمَعْنَى، أَوْ فِي المَعْنَى فَقَطْ، فَهُوَ الشَّاهِدُ» (١) . وقالَ الدَّهلويُّ «ت ١٠٥٢ هـ» في مقدمتِهِ في أصولِ الحديثِ: «وَيُشْتَرَطُ فِي المُتَابَعَةِ أَنْ يَكُونَ الحَدِيثَانِ مِنْ صَحَابِيٍّ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَ مِنْ صَحَابِيَّينِ، يُقَالُ لَهُ: شَاهِدٌ» (٢) .
وهذَا هوَ مفهومُ المتابعةِ والشَّاهدِ في استخدامِ المحدِّثينَ مِنْ أصحابِ الكُتبِ السِّتَّةِ والسُّنَنِ.
ملاحظةٌ: قالَ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ»: «وَتُسَمَّى المُتَابَعَةُ شَاهِدَاً، وَلَا يُسَمَّى الشَّاهِدُ مُتَابَعَةً» (٣) . وكذَا قالَ العينيُّ «ت ٨٥٥ هـ» في «العمدةِ» (٤) . وخالفَهُم السَّخَاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»، فقالَ: «وَقَدْ تُطْلَقُ المُتَابَعَةُ عَلَى الشَّاهِدِ وَبِالعَكْسِ، وَالأَمْرُ فِيهِ سَهْلٌ» (٥) .
قلتُ: ووجهُ إطلاقِ كلٍّ منهُمَا على الآخرِ، لأنَّ الشَّاهدَ يحملُ معنَى المتابعةِ: لكونِ الصَّحابيِّ تابعَ صحابيَّاً آخرَ في روايةِ الحديثِ لفظَاً أو معنَىً. والمتابعَةُ تحملُ معنَى الشَّاهدِ: لأنَّهَا تشهدُ على صدقِ مَنْ رواهُ، والرِّوايةُ الثَّانيةُ تشهدُ للرِّوايةِ الأولى.
وأمَّا قولُ النَّوويِّ والعينيِّ بعدمِ إطلاقِ المتابعةِ على الشَّاهدِ، لأنَّهمْ قالوا بأنَّ الصَّحابيَّ إذَا روى الحديثَ فقدْ استقلَّ بروايتِهِ، وهوَ بذلكَ لا يُتابِعُ غيرَهُ على هذَا الحديثِ. وكذلكَ يُحملُ على مَنْ جعلَ الفرقَ بينَ المتابعةِ والشَّاهدِ في اللَّفظِ والمعنَى، لأنَّ شرطَ المتابعةِ أنْ تكونَ في الرِّوايةِ الواحدةِ المتَّفقةِ لفظَاً عندَهُم. الحواشي
(١) نخبة الفكر ١/ ١٥ و ١٦.(٢) مقدمة في أصول الحديث للدهلوي ١/ ٥٧.(٣) انظر شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ٣٤.(٤) انظر عمدة القاري ١/ ٨.(٥) انظر فتح المغيث ١/ ٢٠٨ و ٢١٠.стр. 220
المَطْلَبُ الثَّانِي: الرُّوَاةُ الذِينَ يَصْلُحُ حَدِيثُهُمْ لِلْاِعْتِبَارِ:
لأهميَّةِ هذَا النَّوعِ مِنَ الرُّواةِ، فقدْ أشارَ الحَاكمُ «ت ٤٠٥ هـ» إلى أنَّ ابنَ المدينيِّ ألَّفَ كتاباً في الرُّواةِ الذينَ لا يسقطُ حديثُهُمْ ولا يُحتجُّ بهِ، فقالَ عندَ ذكرِهِ للنَّوعِ الحادي والخمسينَ مِنْ علومِ الحديثِ: «هَذَا النَّوعُ مِنْ هَذِهِ العُلُومِ: مَعْرِفَةُ جَمَاعَةٍ مِنَ الرُّوَاةِ التَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ، لَمْ يُحْتَجَّ بِحَدِيثِهِمْ فِي الصَّحِيحِ وَلَمْ يَسْقُطُوا، قَدْ ذَكَرْتُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ مُصَنَّفَاتِ عَلِيِّ بنِ المَدِينِيِّ ﵀ كِتَابَاً مُتَرْجَمَاً بِهَذِهِ الصِّفَةِ، غَيرَ أَنِّي لَمْ أَرَ الكِتَابَ قَطْ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَيهِ، وَهَذَا عِلْمٌ حَسَنٌ فَإِنَّ فِي رُوَاةِ الأَخْبَارِ جَمَاعَةً بِهَذِهِ الصِّفَةِ» (١) . وكانَ قدْ ذكرَهُ في معرضِ سردِهِ لمصنَّفاتِ ابنِ المدينيِّ، فقالَ: «كتابُ مَنْ لا يُحتجُّ بحديثِهِ ولا يسقطُ، جُزْآنِ» (٢) .
وقالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «ثُمَّ اِعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ يَدْخُلُ فِي بَابِ المُتَابَعَةِ وَالاِسْتِشْهَادِ رِوَايَةُ مَنْ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ وَحْدَهُ، بَلْ يَكُونُ مَعْدُودَاً فِي الضُّعَفَاءِ. وَفِي كِتَابِ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ جَمَاعَةٌ مِنَ الضُّعَفَاءِ ذِكْرَاهُمْ فِي الُمتَابَعَاتِ وَالشَّوَاهِدِ، وَلَيسَ كُلُّ ضَعِيفٍ يَصْلُحُ لِذَلِكَ، وَلِهَذَا يَقُولُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيرُهُ فِي الضُّعَفَاءِ: «فُلَانٌ يُعْتَبَرُ بِهِ» وَ «فُلَانٌ لَا يُعْتَبَرُ بِهِ» (٣) .
وقدْ ذكرَ أئمَّةُ الجرحِ والتَّعديلِ الرُّواةَ الذينَ يُعتبرُ بحديثِهِمْ في المتابعاتِ والشَّواهدِ، في مباحثِ ألفاظِ الجرحِ والتَّعديلِ، قالَ ابنُ أبي حاتمٍ «ت ٣٢٧ هـ»: «وَإِذَا قِيلَ: «صَالِحُ الحواشي
(١) معرفة علوم الحديث ص ٢٥٤.(٢) المصدر ذاته ص ٧١.(٣) مقدمة ابن الصلاح ص ٨٤.стр. 221
الحَدِيثِ» فَإِنَّهُ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ لِلْاِعْتِبَارِ، وَإِذَا أَجَابُوا عَنِ الرَّجُلِ ب «لَيِّنِ الحَدِيثِ» فَهُوَ مِمَّنْ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَيُنْظَرُ فِيهِ اعْتِبَارَاً، وَإِذَا قَالُوا: «لَيسَ بِقَوِيٍّ» فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الأُولَى فِي كَتْبِهِ حَدِيثَهُ إِلَّا أَنَّهُ دُونَهُ. وَإِذَا قَالُوا: «ضَعِيفُ الحَدِيثِ» فَهُوَ دُونَ الثَّانِي لَا يُطْرَحُ حَدِيثُهُ بَلْ يُعْتَبَرُ بِهِ» (١) .
والرُّواةُ الذينَ يُعتبرُ بحديثِهِمْ: بعضُ أصحابِ المرتبةِ السَّادسةِ مِنْ مراتبِ التَّعديلِ - على تقسيمِ ابنِ حجرٍ - كمَا أشارَ لذلكَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ» بقولِهِ: «وَأَمَّا السَّادِسَةُ فَالحُكْمُ فِي أَهْلِهَا دُونَ أَهْلِ التِي قَبْلَهَا، وَفِي بَعْضِهِمْ مَنْ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ لِلْاِعْتِبَارِ دُونَ اخْتِبَارِ ضَبْطِهِمْ لِوُضُوحِ أَمْرِهِمْ فِيهِ» (٢) . وهمْ مَنْ قيلَ فيهِمْ: «ليسَ ببعيدٍ مِنَ الصَّوابِ»، أو «شيخٌ»، أو «يُروى حديثُهُ»، أو «يُعتبرُ بِهِ»، أو «شيخٌ وسطٌ»، أو «رُويَ عنهُ»، أو «صالحُ الحديثُ»، أو «يُكتبُ حديثُهُ»، أو «مُقاربُ الحديثِ»، أو «ما أقربَ حديثَهُ»، أو «صُويلحٌ»، أو «صدوقٌ إنْ شاءَ اللهُ»، أو «أرجو أنْ لا بأسَ بهِ»، أو «جيِّدُ الحديثِ»، أو «حسنُ الحديثِ»، أو «وسطٌ»، أو «مقبولٌ»، أو «صدوقٌ تغيَّرَ بآخرَة»، أو «صدوقٌ سيِّءُ الحفظِ»، أو «صدوقٌ لهُ أوهامٌ»، أو «صدوقٌ مُبتدعٌ»، أو «صدوقٌ يهمْ».
وكذلكَ أصحابُ المرتبتينِ الخامسةِ والسَّادسةِ مِنْ مراتبِ الجرحِ، كمَا بيَّنهُ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ» كذلكَ، فقالَ: «وَمَا عَدَا الأَرْبَعِ - أَي: المَرَاتِبِ الأَرْبَعِ الأُوَلِ مِنْ مَرَاتِبِ الجَرْحِ - يُخَرَّجُ حَدِيثُهُ لِلْاِعْتِبَارِ لِإِشْعَارِ هَذِهِ الصِّيَغِ بِصَلَاحِيَةِ المُتَّصِفِ بِهَا لِذَلِكَ وَعَدَمِ مُنَافَاتِهَا لَهَا» (٣) . الحواشي
(١) الجرح والتعديل ٢/ ٣٧.(٢) فتح المغيث ١/ ٣٦٧.(٣) المصدر السابق ١/ ٣٧٣.стр. 222
وهؤلاءِ مَنْ قيلَ فيهِمْ: «فيهِ مقالٌ»، أو «أدنى مقالٍ»، أو «ضُعِّفَ»، أو «يُنكَرُ مرَّةً ويُعرفُ أُخرَى»، أو «ليسَ بذاكَ»، أو «ليسَ بالقويِّ»، أو «ليسَ بالمتينِ»، أو «ليسَ بحجَّةٍ»، أو «ليسَ بعمدةٍ»، أو «ليسَ بمأمونٍ»، أو «ليسَ بالمرضيِّ»، أو «ليسَ يحمدونَهُ»، أو «ليسَ بالحافظِ»، أو «غيرُهُ أوثقُ منهُ»، أو «فيهِ شيءٌ»، أو «فيهِ جهالةٌ»، أو «لا أدري ما هوَ»، أو «فيهِ ضعفٌ»، أو «ليِّنُ الحديثِ»، أو «سيِّئُ الحفظِ»، أو «للضَّعفِ ما هوَ»، أو «فيهِ لينٌ» - عند غير الدارقطني- و «تكلَّمُوا فيهِ»، أو «سكتُوا عنهُ»، أو «مطعونٌ فيهِ». أو «فيهِ نظرٌ» - عندَ غيرِ البخاريِّ. وكذلكَ مَنْ قيلَ فيهِ: «فلانٌ لا يُحتجُّ بهِ»، أو «ضعَّفوهُ»، أو «مُضطربُ الحديثِ»، أو «لهُ ما يُنكَرُ»، أو «حديثُهُ مُنكرٌ»، أو «لهُ مناكيرُ»، أو «ضعيفٌ»، أو «مُنكرٌ» عندَ غيرِ البخاريِّ.
مثال ذلك: قول ابنِ حنبلٍ «ت ٢٤١ هـ» في عبدِ الله بنِ لَهيعةَ: «مَا كَانَ حَدِيثُهُ بِذَاكَ، وَمَا أَكْتُبُ حَدِيثَهُ إِلَّا لِلْاِعْتِبَارِ وَالاِسْتِدْلَالِ، وَإِنَّمَا قَدْ اَكْتُبُ حَدِيثَ الرَّجُلِ كَأنِّي أَسْتَدِلُّ بِهِ مَعَ غَيرِهِ يَشُدُّهُ، لَا أنَّهُ حُجَّةٌ إِذَا انْفَرَدَ» (١) .
وأمَّا الرُّواةُ الذينَ لا يُعتبرُ بهمْ، فقدَ ذكرَ ضابطَهُمْ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»، فقالَ: «وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ لِقُوَّةِ الضَّعْفِ، وَتَقَاعُدِ هَذَا الجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ، وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الذِي يَنْشَأُ مِنْ كَونِ الرَّاوِي مُتَّهَمَاً بِالكَذِبِ … » (٢) . وقالَ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ»: «وَأَمَّا إِذَا كَانَ الضَّعْفُ لِكَونِ الرَّاوِي مُتَّهَمَاً بِالكَذِبِ أَوْ فَاسِقَاً، فَلَا يَنْجَبِرُ ذَلِكَ بِمَجِيئِهِ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ» (٣) . الحواشي
(١) انظر شرح علل الترمذي ص ١١٢.(٢) مقدمة ابن الصلاح ١/ ٣٤.(٣) إرشاد طلاب الحقائق ص ١٤٨.стр. 223
وهؤلاءِ الرُّواةُ همْ أصحابُ المراتبِ الأربعِ الأولى مِنْ مراتبِ الجرحِ، قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ» فيهِمْ: «لَا يُحْتَجُّ بِوَاحِدٍ مِنْ أَهْلِهَا وَلَا يُسْتَشْهَدُ بِهِ وَلَا يُعْتَبَرُ بِهِ» (١) . وهمْ مَنْ قيلَ فيهِمْ: «فلانٌ رُدَّ حديثُهُ»، أو «مردودُ الحديثِ»، أو «ضعيفٌ جدَّاً»، أو «ليسَ بثقةٍ»، أو «واهٍ بمرَّةٍ»، أو «طرحوهُ»، أو «مطروحُ الحديثِ»، أو «مطروحٌ»، أو «ارمِ بِهِ»، أو «لا يُكتبُ حديثُهُ»، أو «لا تحلُّ كتابةُ حديثِهِ»، أو «لا تحلُّ الرِّوايةُ عنهُ»، أو «ليسَ بشيءٍ»، أو «لا يُساوي شيئَاً»، أو «لا يُستشهدُ بحديثِهِ»، أو «لا شيءْ» خلافاً لابنِ معينٍ.
و «فلانٌ يسرقُ الحديثَ» (٢) ، و «فلانٌ مُتَّهمٌ بالكذبِ أو الوضعِ»، أو «ساقطٌ»، أو «متروكٌ» أو «ذاهبُ الحديثِ»، أو «تركوهُ»، أو «لا يُعتبرُ بهِ أو بحديثِهِ»، أو «ليسَ بالثِّقةِ»، أو «غيرُ ثقةٍ»، و «مُجمَعٌ على تركِهِ»، و «مُودٍ، أي: هَالكٌ»، و «هوَ على يدي عَدْلٍ». الحواشي
(١) فتح المغيث ١/ ٣٧٢.(٢) قال السخاوي «٩٠٢ هـ»: «سرقة الحديث: أن يكون محدث ينفرد بحديث، فيجيء السارق ويدعي أنه سمعه أيضاً من شيخ ذلك المحدث». فتح المغيث ١/ ٣٧٠.
ولا بد من التنبيه إلى أن قولهم «لص يسرق الحديث» لا تحمل على القدح مطلقاً، بل قد تقال في معرض المدح، كما ورد في إسرائيل بن يونس، قال ابن مهدي: «كان إسرائيل في الحديث لصاً». قال ابن أبي شيبة معلقاً: «لم يرد أن يذمه». وقال ابن أبي حاتم: «يعني أنه يتلقف العلم تلقفاً». أي: يتلقف ما يسمع من العلم استعجالاً به.
والسبب في حمل قولهم في إسرائيل على الذم، هو تصرف عثمان بن أبي شيبة في العبارة، فقد نَقَلَ عن ابن مهدي أنه قال: «إسرائيل لص، يسرق الحديث». والحقيقة أنها كما رواها أبو بكر بن أبي شيبة من غير= = لفظة «يسرق الحديث»، فتصرف الناقل أحال معنى قول ابن مهدي، فصار معارضاً لما نقل عنه من توثيق إسرائيل، وبهذا يتبين أنه لا تعارض بين توثيق ابن مهدي لإسرائيل وبين قوله آنف الذكر. انظر العلل ومعرفة الرجال ٣/ ٣٦٦، والجرح والتعديل ٢/ ٣٣٠، وتهذيب التهذيب ١/ ٢٣٠.стр. 224
و «دجَّالٌ»، و «الكذَّابُ»، و «الوضَّاعُ»، وكذا: «يضعُ»، و «يكذبُ»، و «وضعَ حديثَاً».
و «أكذبُ النَّاسِ»، أو «إليهِ المنتهى في الكذبِ»، أو «هوَ رُكنُ الكذبِ»، أو «منبعُهُ»، أو «معدِنُهُ»، ونحوُ ذلكَ.
هؤلاءِ هُمْ جملةُ الرُّواةِ الذينَ يُعتبرُ بحديثِهِمْ، والذينَ لا يُعتبرُ بحديثِهِمْ، وسنأتي إلى بيانِ المرويَّاتِ الصَّالحةِ للاعتبارِ.
* * *
стр. 225
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: المَرْوِيَّاتُ الصَّالِحَةُ لِلْاِعْتِبَارِ:
قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «لَمْ يَذْكُرْ - ابنُ الصَّلَاحِ - لِلْجَابِرِ ضَابِطَاً يُعْلَمُ مِنْهُ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ جَابِرَاً أَوْ لَا، وَالتَّحْرِيرُ فِيهِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى الاِحْتِمَالِ فِي طَرَفَي القَبُولِ وَالرَّدِّ، فَحَيثُ يَسْتَوِي الاِحْتِمَالُ فِيهِمَا فَهُوَ الذِي يَصْلُحُ لِأَنْ يَنْجَبِرَ» (١) .
فالصَّالحُ للاعتبارِ مِنَ المرويَّاتِ: ما كانَ مُحتمِلَ الخطأِ والصَّوابِ، ورُجِّحَ جانبُ الصَّوابِ وأمكنَ جبرُ ضعفِهِ وتقويتُهُ مِنَ الضَّعيفِ إلى الحسنِ، أو ترقيتُهُ مِنَ الحسنِ إلى الصَّحيحِ، قالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَمَتَى تُوبِعَ السَّيِّئُ الحِفْظِ بِمُعْتَبَرٍ، كَأَنْ يَكُونَ فَوقَهُ أَوْ مِثْلَهُ لا دُونَهُ … صَارَ حَدِيثُهُ حَسَنَاً لَا لِذَاتِهِ، بَلْ وَصْفُهُ بِذَلِكَ بِاعْتِبَارِ المَجْمُوعِ مِنَ المُتَابِعِ وَالمُتَابَعِ، لِأَنَّ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ احْتِمَالَ كَونِ رِوَايَتِهِ صَوَابَاً أَوْ غَيرَ صَوَابٍ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، فَإِذَا جَاءَتْ مِنَ المُعْتَبِرِينَ رِوَايَةٌ مُوَافِقَةٌ لِأَحَدِهِمْ رُجِّحَ أَحَدُ الجَانِبَينِ مِنَ الاِحْتِمَالَينِ المَذْكُورَينِ، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الحَدِيثَ مَحْفُوظٌ، فَارْتَقَى مِنْ دَرَجَةِ التَّوَقُّفِ إِلَى دَرَجَةِ القَبُولِ» (٢) .
وقدْ بيَّنَ ابنُ الصَّلاحِ مرويَّاتِ الرُّواةِ التي تصلحُ للاعتبارِ والانجبارِ (٣) ، فقالَ: «لَيسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ فَمِنْهُ مَا يُزِيلُهُ الحواشي
(١) النكت على ابن الصلاح ص ٤٠٩.(٢) نزهة النظر شرح نخبة الفكر ص ٢٣٤.(٣) وبيان ابن الصلاح هذا لا يتعارض مع ما ذكره ابن حجر من أن ابن الصلاح لم يذكر ضابطاً للجابر من الأحاديث، لأن الضابط بمثابة القاعدة، وهو ما لم يبينه ابن الصلاح، وما ذكره يندرج تحت قاعدة الاعتبار.стр. 226
ذَلِكَ، بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئَاً مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيثُ الإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي المُرْسَلِ الذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ» (١) .
وقالَ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ»: «مَا كَانَ ضَعْفُهُ لِضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ الصَّدُوقِ الأَمِينِ زَالَ بِمَجِيئِهِ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ وَصَارَ حَسَنَاً، وَكَذَا إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ بِالإِرْسَالِ زَالَ بِمَجِيئِهِ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ» (٢) . وقالَ ابنُ سيِّدِ النَّاسِ «ت ٧٣٤ هـ»: «الذِي يَحْتَاجُ إِلَى مَجِيئِهِ مِنْ غَيرِ وَجْهٍ مَا كَانَ رَاوِيهِ فِي دَرَجَةِ المَسْتُورِ، وَلَمْ تَثْبُتْ عَدَالَتُهُ» (٣) .
وأمَّا إذا كانَ الخطأُ في المتنِ أو الإسنادِ مِنَ الرِّوايةِ راجحَاً، فحينئذٍ لا تصلحُ الرِّوايةُ للاعتبارِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَحَيثُ يَقْوَى جَانِبُ الرَّدِّ فَهُوَ الذِي لَا يَنْجَبِرُ» (٤) .
وقدْ بيَّنَ الأئمَّةُ جوانبَ رُجحانِ الخطأِ لعدمِ صلاحيةِ الرِّوايةِ للاعتبارِ بأحدِ أمرينِ:
الأوَّلُ: مُتعلِّقٌ بالرَّاوي: إذا كانَ مِنْ أحدِ أصحابِ المراتبِ الأربعِ الأولى مِنْ مراتبِ التجريحِ. الحواشي
(١) مقدمة ابن الصلاح ص ٣٤.(٢) التقريب ص ٢.(٣) شرح ألفية العراقي ١/ ٨٦.(٤) النكت على ابن الصلاح ص ٤٠٩.стр. 227
قالَ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ»: «وَأَمَّا الضَّعْفُ لِفِسْقِ الرَّاوِي فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ مُوَافَقَةُ غَيرِهِ» (١) . وقالَ الطَّيِّبيُّ «ت ٧٤٣ هـ»: «وَأَمَّا الضَّعِيفُ فَلِكَذِبِ رَاوِيهِ، أَوْ فِسْقِهِ، لَا يَنْجَبِرُ بِتَعَدُّدِ طُرُقِهِ» (٢) . وهذا ما أوضحناهُ جلياً في نقطةِ «الرُّواةُ الذينَ يصلحُ حديثُهُمْ للاعتبارِ».
الثَّاني: مُتعلِّقٌ بالرِّوايةِ: كأنْ تكونَ الرِّوايةُ مُنكرةً، أو شاذَّةَ المتنِ أو الإسنادِ. قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ … لِقُوَّةِ الضَّعْفِ، وَتَقَاعُدِ هَذَا الجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ، وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الذِي يَنْشَأُ مِنْ كَونِ الحَدِيثِ شَاذَّاً» (٣) . أي مُعارَضَاً برواياتِ الثِّقاتِ، لأنَّ الرِّوايةَ المخالفَةَ لمرويَّاتِ الثِّقاتِ مردودةٌ.
وقدْ اشترطَ ابنُ جماعةَ «ت ٧٣٣ هـ» خلوَّ الرِّوايةِ مِنَ العِلَّةِ، فقالَ: «الأَحْسَنُ فِي حَدِّ الحَسَنِ أَنْ يُقَالَ: هُوَ مَا فِي إِسْنَادِهِ المُتَّصِلِ مَسْتُورٌ لَهُ بِهِ شَاهِدٌ، أَوْ مَشْهُورٌ قَاصِرٌ عَنْ دَرَجَةِ الإِتْقَانِ، وَخَلَا مِنَ العِلَّةِ وَالشُّذُوذِ» (٤) . وردَّ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» على ابنِ جماعةَ، فقالَ: «اِشْتِرَاطُ نَفْيِ العِلَّةِ لَا يَصْلُحُ هُنَا، لِأَنَّ الضَّعْفَ فِي الرَّاوِي عِلَّةٌ فِي الخَبَرِ، وَالاِنْقِطَاعَ فِي الإِسْنَادِ عِلَّةُ في الخَبَرِ، وَعَنْعَنَةَ المُدَلِّسِ عِلَّةٌ فِي الخَبَرِ، وَجَهَالَةَ حَالِ الرَّاوِي عِلَّةٌ فِي الخَبَرِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالتِّرْمِذِيُّ يَحْكُمُ عَلَى الحواشي
(١) التقريب ص ٢.(٢) رسالة في أصول الحديث ص ٤٤.(٣) مقدمة ابن الصلاح ص ٣٤.(٤) المنهل الروي ص ٣٦.стр. 228
ذَلِكَ كُلِّهِ بِالحُسْنِ إِذَا جَمَعَ الشُّرُوطَ الثَّلَاثَةَ التِي ذَكَرَهَا، فَالتَّقْيِيدُ بِعَدَمِ العِلَّةِ يُنَاقِضُ ذَلِكَ، وَاللهُ أَعْلَمُ» (١) .
والحقيقةُ أنَّ ما ذكرَهُ ابنُ حجرٍ في ردِّهِ على ابنِ جماعةَ ليسَ منَ العللِ الخفيَّةِ، فلا يُشترطُ خلوُّ الرِّوايةِ منهَا، وهيَ تزولُ بالمتابعاتِ والشَّواهدِ، وأمَّا العللُ الخفيَّةُ فلا تزولُ، فيشترطُ خلوُّ الرِّوايةِ منهَا، وهيَ تستبينُ مِنْ خلالِ السَّبرِ وجمعِ الطُّرقِ، فيُطرحُ الحديثُ ويُردُّ لأجلِهَا (٢) .
وبقيَ الكلامُ على الشُّروطِ التي يجبُ توافرُهَا في العاضدِ «المتابعِ أو الشَّاهدِ» حتَّى يصلحَ للاعتبارِ المقصودِ منْ كلامِ التِّرمذيِّ «وَيُرْوَى مِنْ غَيرِ وَجْهٍ نَحْوُ ذَاكَ».
* * * الحواشي
(١) النكت على ابن الصلاح ص ٤٠٧.(٢) انظر أثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء - د. ماهر الفحل- ص ٢٤، ومناهج المحدثين - د. المرتضى الزين - ص ٨٢.стр. 229
المَطْلَبُ الرَّابِعُ: الشُّرُوطُ التِي يَجِبْ تَوَافُرُهَا فِي العَاضِدِ «المُتَابِعِ أو الشَّاهِدِ»:
بعدَ أنْ بيَّنَّا الرُّواةَ الذينَ يُعتبرُ بأحاديثِهِمْ، والمرويَّاتِ الصَّالحةَ للاعتبارِ، نعرِّجُ على بيانِ الشُّروطِ التي يجبُ أنْ تتوفَّرَ في العَاضدِ «المتابعةِ أو الشَّاهدِ» حتى يصلحَ لأنْ يكونَ جابرَاً ومقويَّاً ومرقيَّاً للحديثِ.
أَوَّلَاً: أَنْ تَكُونَ المُتَابَعَاتُ وَالشَّوَاهِدُ فِي دَرَجَةِ المُتَابَعِ وَالمَشْهُودِ لَهُ، لَا دُونَهُ:
اشترطَ المحدِّثونَ لتقويةِ الأحاديثِ أنْ يكونَ المتابِعُ في درجةِ المتابَعِ أو أعلى منهُ، لا دونَهُ، وكذلكَ الشَّاهدُ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» «وَمَتَى تُوبِعَ السَّيِّئُ الحِفْظِ بِمُعْتَبَرٍ، كَأَنْ يَكُونَ فَوقَهُ أَوْ مِثْلَهُ لا دُونَهُ … صَارَ حَدِيثُهُ حَسَنَاً لَا لِذَاتِهِ … » (١) .
وأوضحَ ابنُ قطلوبغَا (٢) «ت ٨٧٩ هـ» أنَّ ترقيةَ الحديثِ الحسنِ لذاتِهِ بالحسنِ لغيرِهِ يندرجُ في كلامِ ابنِ حجرٍ، حيثُ عقَّبَ على كلامِهِ، فقالَ: «حَتَّى لَو كَانَ الحَسَنُ لِذَاتِهِ يُرْوَى مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ حَسَنٍ لِغَيرِهِ لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِصِحَّةٍ» (٣) .
وهذَا الشَّرطُ يندرجُ تحتَهُ شرطَا الإمامِ التِّرمذيِّ الأوَّلانِ مِنْ أنَّ التَّابعَ يجبُ ألَّا يكونَ في سندِهِ مُتَّهماً بالكذبِ، وألَّا يكونَ شاذَّاً، حتى يكونَ مثلَ أو فوقَ المتابَعِ لا دُونَهُ. الحواشي
(١) نزهة النظر شرح نخبة الفكر ص ٢٣٤.(٢) قاسم بن قطلوبغا، زين الدين، أبو العدل السوداني، الجمالي «٨٠٢ هـ - ٧٨٩ هـ» - فقيه حنفي، مؤرخ، من كتبه: «تاج التراجم» في علماء الأحناف. انظر الضوء اللامع ٦/ ١٨٤، والأعلام للزركلي ٥/ ١٨٠.(٣) انظر شرح النخبة للقاري ص ٢٩٧.стр. 230
ثَانِيَاً: لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ بِلَفْظِ المُتَابَعِ، وَإِنَّمَا يُكْتَفَى بِمَعْنَاهُ:
والأصلُ في ذلكَ قولُ التِّرمذيِّ «ت ٢٧٩ هـ»: «وَيُرْوَى مِنْ غَيرِ وَجْهٍ نَحْوُ ذَاكَ». فقولُهُ: «نَحْوُ ذَاكَ». أي: بمعناهُ لا بلفظِهِ، قالَ ابنُ رجبٍ «ت ٧٩٥ هـ»: «أَنْ يُرْوَى مَعْنَى ذَلِكَ الْحَدِيثِ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِغَيرِ ذَلِكَ الإِسْنَادِ» (١) . وقالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «فَإِذَا وَرَدَ مِثْلُ مَا رَوَاهُ أَوْ مَعْنَاهُ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ ضَبْطَ» (٢) .
* * * الحواشي
(١) شرح علل الترمذي ١/ ٣٨٤.(٢) فتح المغيث ١/ ٦٦.стр. 231
المَبْحَثُ الثَّانِي: تَقْوِيَةُ الحَدِيثِ الحَسَنِ مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ «الصَّحِيحُ لِغَيرِهِ»:
الحديثُ الحسنُ هوَ: الحديثُ الذي اتَّصلَ سندُهُ بنقلِ العدلِ الضَّابطِ الذي خفَّ ضبطُهُ ولا يكونُ شاذَّاً ولا مُعلَّاً (١) .
فإذا سُبِرَ الحديثُ الحسنُ ووُقِفَ على طُرقٍ أُخرى لهُ مثلَهُ أو أقوى منهُ بلفظِهِ أو بمعناهُ، فإنَّهُ يتقوَّى ويرتقي مِنْ درجةِ الحسنِ إلى الصَّحيحِ، ويُسمَّى الصَّحيحَ لغيرِهِ.
قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «إِذَا كَانَ رَاوِي الحَدِيثِ مُتَأَخِّرَاً عَنْ دَرَجَةِ أَهْلِ الحِفْظِ وَالإِتْقَانِ، غَيرَ أَنَّهُ مِنَ المَشْهُورِينَ بِالصِّدْقِ وَالسَّتْرِ، وَرُوِيَ مَعَ ذَلِكَ حَدِيثُهُ مِنْ غَيرِ وَجْهٍ، فَقَدِ اجْتَمَعَتْ لَهُ القُوَّةُ مِنَ الجِهَتَينِ، وَذَلِكَ يُرَقِّي حَدِيثَهُ مِنْ دَرَجَةِ الحَسَنِ إِلَى الصَّحِيحِ» (٢) .
وقالَ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ»: «إِذَا كَانَ رَاوِي الحَدِيثِ مُتَأَخِّرَاً عَنْ دَرَجَةِ الحَافِظِ الضَّابِطِ، مَشْهُورَاً بِالصِّدْقِ وَالسَّتْرِ، فَرُوِيَ حَدِيثُهُ مِنْ غَيرِ وَجْهٍ، قَوِيَ وَارْتَفَعَ مِنَ الحَسَنِ إِلَى الصَّحِيحِ» (٣) .
وقالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «فَإِنْ خَفَّ الضَّبْطُ فَالْحَسَنُ لِذَاتِهِ، وَبِكَثْرَةِ طُرُقِهِ يُصَحَّحُ» (٤) . الحواشي
(١) هذا هو المعنى المعتمد في تعريف الحديث الحسن، وللتفصيل في بقية التعاريف انظر التقييد والإيضاح ص ٣٣ و ٤٤، ومعالم السنن ١/ ١١، ونزهة النظر ص ٢٩.(٢) مقدمة ابن الصلاح ص ٤٣.(٣) التقريب ص ٢.(٤) نزهة النظر ص ٢٧٥.стр. 232
وقالَ أيضَاً: «وَإِنَّمَا يُحْكَمُ لَهُ بِالصِّحَّةِ عِنْدَ تَعَدُّدِ الطُّرِقِ، لِأَنَّ لِلصُّورَةِ المَجْمُوعَةِ قُوَّةً تَجْبِرُ القَدْرَ الذِي قَصُرَ بِهِ ضَبْطُ رَاوِي الحَسَنِ عَنْ رَاوِي الصَّحِيحِ، وَمِنْ ثَمَّةَ تُطْلَقُ الصِّحَّةُ عَلَى الإِسْنَادِ الذِي يَكُونُ حَسَنَاً لِذَاتِهِ لَو تَفَرَّدَ إِذَا تَعَدَّدَ» (١) .
ومنْ أمثلتِهِ: قوله ﷺ : «اِسْتَنْزِهُوا مِنَ البَولِ، فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ القَبْرِ مِنْهُ». رواهُ الدَّارقطنيُّ مِنْ طريقِ ابنِ عونٍ، عَنْ محمَّدِ بنِ سيرينَ، عنْ أبي هريرةَ ﵁، وصحَّحَ إرسالَهُ (٢) .
وقدْ تبيَّنَ منْ خلالِ السَّبرِ أنَّ للحديثِ طُرقاً أُخرى تشهدُ لهُ، وردتْ بلفظِ: «أَكْثَرُ عَذَابِ القَبْرِ مِنَ البَولِ». أخرجَهُ ابنُ أبي شيبةَ «ر ١٣٠٦»، وابنُ حنبلٍ «ر ٨٣١٣»، وابنُ ماجةَ «ر ٣٤٨»، والدَّارقُطنيُّ «١/ ١٢٨» وصحَّحهُ.
والحاكمُ «ر ٦٥٣»، وقالَ: «صحيحٌ على شرطِ الشَّيخينِ، ولا أعرفُ لهُ علَّةً، ولمْ يخرِّجاهُ ولهُ شاهدٌ مِنْ حديثِ أبي يحيى القتَّاتِ».
والبيهقيُّ «ر ٣٩٤٤»، وقالَ: «رواهُ أبو يحيى، عنْ مجاهدٍ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵁، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، فزادَ فيهِ: "فتنزَّهُوا مِنَ البولِ"». فالحديثُ ينتهضُ بمجموعِ هذهِ الطُّرقِ إلى الصِّحَّةِ، ويصيرُ صحيحَاً لغيرِهِ (٣) .
* * * الحواشي
(١) المصدر ذاته ص ٧٨.(٢) سنن الدارقطني ١/ ١٢٨.(٣) انظر إعلام الأنام - د. نور الدين عتر- ١/ ٢٤٨.стр. 233
المَبْحَثُ الثَّالثُ: تَقْوِيَةُ الحَدِيثِ الضَّعِيفِ مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ «الحَسَنُ لِغَيرِهِ»:
الحديثُ الضَّعيفُ هوَ: كلُّ حديثٍ فقدَ شرطاً مِنْ شُروطِ الحديثِ المقبولِ (١) .
فإذا سُبِرَ الحديثُ الضَّعيفُ ووُقِفَ على طُرقٍ أُخرى لهُ مثلَهُ أو أقوى منهُ بلفظِهِ أو بمعناهُ، فإنَّهُ يتقوَّى ويرتقي إلى الحسنِ لغيرِهِ.
قال الرَّهاويُّ (٢) «ت ٦١٢ هـ»: «إِنَّ الأَحَادِيثَ الضِّعَافَ إِذَا انْضَمَّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ مَعَ كَثْرَةِ تَعَاضُدٍ وَتَتَابُعٍ أَحْدَثَتْ قُوَّةً، وَصَارَتْ كَالاِشْتِهَارِ وَالاِسْتِفَاضَةِ اللَّذَينِ يَحْصُلُ بِهِمَا العِلْمُ فِي
بَعْضِ الأُمُورِ» (٣) .
وقالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «لَيسَ كُلُّ ضَعْفٍ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ، فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئَاً مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ مَعَ كَونِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ، الحواشي
(١) هذا هو تعريف الحافظ ابن حجر. انظر النكت على ابن الصلاح ١/ ٤٩٢. ولمناقشة بقية تعاريف الحديث الضعيف انظر مقدمة ابن الصلاح ص ٤١، وفتح المغيث ١/ ٩٦ وما بعدها.(٢) عبد القادر بن عبد الله الفهمي، الرهاوي، الحراني، أبو محمد، «٥٣٦ هـ - ٦١٢ هـ» - من حفاظ الحديث، عالم بالتراجم، رحالة، من مصنفاته: «الأربعين المتباينة الإسناد والبلاد». انظر أعلام النبلاء ٢٢/ ٧١، وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٣٨٧.(٣) نقل هذا الكلام الحافظ ابن حجر في النكت ١/ ٣٢٩، وعزاه للأربعين البلدانيَّة للرَّهاوي، وهذا الكتاب مخطوط - الظاهرية - ر ١٠٥٤.стр. 234
فَإِذَا رَأَينَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ ضَبْطُهُ لَهُ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيثُ الإِرْسَالِ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي المُرْسَلِ الذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ إِذَا فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ» (١) .
وقالَ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ»: «إِذَا رُوِيَ الحَدِيثُ مِنْ وُجُوهٍ ضَعِيفَةٍ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَحْصَلَ مِنْ مَجْمُوعِهَا حُسْنٌ، بَلْ مَا كَانَ ضَعْفُهُ لِضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ الصَّدُوقِ الأَمِينِ زَالَ بِمَجِيئِهِ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ وَصَارَ حَسَنَاً، وَكَذَا إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ بِالإِرْسَالِ زَالَ بِمَجِيئِهِ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ» (٢) .
مثالهُ: حديثُ عبدِ اللهِ بنِ عمرو ﵁، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ إِصْلَاحُ ذَاتِ البَينِ».
الحديثُ رواهُ الطَّبرانيُّ «ر ١٣٤٦٢»، والبزَّارُ «ر ٢٠٥٩» (٣) ، وفيهِ عبدُ الرَّحمنِ بنُ زيادٍ بنِ أَنْعُم، وهوَ ضعيفٌ (٤) . الحواشي
(١) مقدمة ابن الصلاح ص ٣٤.(٢) التقريب ص ٢.(٣) بحثت عنه في مسند البزار ولم أجده، ووجدته في كشف الأستار عن زوائد البزار على الكتب الستة ٢/ ٤٤٠. وقد أورد البزار حديث أبي الدَّرْدَاءِ ﵁، وقال: «وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن رسول الله= = ﷺ بإسناد متصل أحسن من هذا الإسناد». وأشار محقق مسند البزار الدكتور محفوظ الرحمن زين الله إلى أن أربع صفحات من مسند عبد الله بن عمرو بن العاص سقطت من مسند البزار، من غير أن يعثر على نسخة أخرى تكمل هذا النقص. انظر مسند البزار ٦/ ٤٣٢.(٤) انظر مجمع الزوائد ٨/ ٨٠، وتقريب التهذيب ر ٣٨٦٢.стр. 235
قالَ المنذريُّ «ت ٦٥٦ هـ»: «وَحَدِيثُهُ هَذَا حَسَنٌ لِحَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ المتَقَدِّمِ» (١) . وحديثُ أبي الدَّرداءِ ﵁، أخرجَهُ ابنُ حنبلٍ «ر ٢٧٥٤٨»، وأبو داودَ «ر ٤٩١٩»، والتِّرمذيُّ «ر ٢٥٠٩» وصحَّحهُ وابنُ حبَّانَ «ر ٥٠٩٢»، بلفظِ: «ألا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ من دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ؟ قالوا: بَلَى. قال: إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَينِ. وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَينِ الْحَالِقَةُ».
* * *
فالسَّبرُ وجمعُ الطُّرقِ هوَ المسلكُ المعتمدُ في الحكمِ النِّهائيِّ على الحديثِ صحَّةً أو ضعفَاً، لأنَّ الحكمَ على حديثٍ ما عَرِيَّاً عنْ مجموعِ طُرقِهِ هوَ حكمٌ على ذلكَ الحديثِ فحسبْ، ولا يكونُ الحكمُ على الحديثِ قاطعاً إلَّا بمجموعِ طرقِهِ، وهنَا تبرزُ ضرورةُ الاهتمامِ بالسَّبرِ وجمع الطُّرقِ في تقويةِ الأحاديثِ وترقيتِهَا.
قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «عَلَى الرَّاوِي أَنْ يَعْتَنِيَ بِطُرُقِ الحَدِيثِ وَشَوَاهِدِهِ وَمُتَابِعِهِ وَعَاضِدِهِ، لِأَنَّهُ بِهَا يَتَقَوَّى، ويَثْبُتُ لِأَجْلِهَا حُكْمُهُ بِالصِّحَّةِ أَوْ غَيرِهَا» (٢) .
ولأجلِ هذَا حَرِصَ أئمَّةُ الحديثِ على تكثيرِ طُرقِ الحديثِ، ليندفعَ بذلكَ ضعفُهُ، ويرتقِي إلى مرتبةِ القبولِ والعملِ بِهِ. الحواشي
(١) الترغيب والترهيب ٣/ ٣٢١.(٢) انظر فتح المغيث ٢/ ٣٣٤ «بتصرف».стр. 236
قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَبِهَذَا يَظْهَرُ عُذْرُ أَهْلِ الحَدِيثِ فِي تَكْثِيرِهِمْ طُرُقَ الحَدِيثِ الوَاحِدِ لِيُعْتَمَدَ عَلَيهِ، إِذِ الإِعْرَاضُ عَنْ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ الفَقِيهِ العَمَلَ بِكَثِيرٍ مِنَ الأَحَادِيثِ اعْتِمَادَاً عَلَى ضَعْفِ الطَّرِيقِ التِي اتَّصَلَتْ إِلَيهِ» (١) .
* * * الحواشي
(١) قوة الحِجَاج في عموم المغفرة للحاج - ابن حجر - ص ١٩.стр. 237
البَابُ الثَّالِثُ
أَثَرُ السَّبْرِ فِي الحَدِيثِ سَنَدَاً وَمَتْنَاً
الفَصْلُ الأَوَّلُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي السَّنَدِ:
المَبْحَثُ الأَوَّلُ: مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ الفَرْدِ وَالغَرِيبِ:
السَّبرُ هوَ الطَّريقُ لبيانِ أحوالِ الإسنادِ، عللِهِ وفوائدِهِ، والفيصلُ بينَ الانفرادِ وعدمِهِ، قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ» في مطلعِ كلامِهِ عنِ الاعتبارِ بالشَّواهدِ والمتابعاتِ: «لمَّا انْتَهَى الشَّاذُّ وَالمُنْكَرُ المُجْتَمِعَانِ فِي الاِنْفِرَادِ، أَرَدْنَا بَيَانَ الطَّرِيقِ المُبَيِّنِ لِلْاِنْفِرَادِ وَعَدَمِهِ، وَلَكِنَّهُ لَو أُخِّرَ عَنِ الإِفْرَادِ وَالغَرِيبِ لَتَبَيَّنَ، وَكَانَ أَنْسَبَ» (١) . ثمَّ قالَ: «الاِعْتِبَارُ سَبْرُكَ الحَدِيثَ، لِتَنْظُرَ هَلْ شَارَكَ رَاوِيَهُ الذِي يُظَنُّ تَفَرُّدُهُ بِهِ رَاوٍ غَيرَهُ … فَالاِعْتِبَارُ: هُوَ الهَيئَةُ الحَاصِلَةُ فِي الكَشْفِ عَنِ المُتَابَعَاتِ وَالشَّوَاهِدِ» (٢) . التي بهَا يتميَّزُ الحديثُ الفردُ أو الغريبُ منْ غيرِهِ. لذَا قالَ: «وَمَا خَلَا عَنِ التَّابِعِ وَالشَّاهِدِ فَهُوَ مُفَارِدٌ، أَي: إِفْرَادٌ» (٣) .
وقالَ السِّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ»: «الاِعْتِبَارُ وَالمُتَابَعَاتُ وَالشَّوَاهِدُ هَذِهِ أُمُورٌ يَتَدَاوَلُهَا أَهْلُ الحَدِيثِ يَتَعَرَّفُونَ بِهَا حَالَ الحَدِيثِ، يَنْظُرُونَ هَلْ تَفَرَّدَ رَاوِيهِ أَوْ لَا، وَهَلْ هُوَ مَعْرُوفٌ أَوْ لَا» (٤) . الحواشي
(١) فتح المغيث ١/ ٢٠٧.(٢) المصدر ذاته.(٣) المصدر ذاته ١/ ٢٠٨.(٤) تدريب الراوي ١/ ٢٤١.стр. 238
وقالَ طاهرُ الجزائريُّ (١) «ت ١٣٣٨ هـ»: «وَلَا يَسُوغُ الحُكْمُ بِالتَّفَرُّدِ إِلَّا بَعْدَ الاِعْتِبَارِ، وَالاِعْتِبَارُ هُوَ تَتَبُّعُ الطُّرُقِ مِنَ الجَوَامِعِ وَالمَسَانِيدِ وَالأَجْزَاءِ لِذَلِكَ الحَدِيثِ الذِي يُظَنُّ أَنَّهُ فَرْدٌ، لِيُعْلَمَ هَلْ لِرَاوِيهِ مُتَابِعٌ أَوْ هَلْ لَهُ شَاهِدٌ أَمْ لَا، وَمَظَنَّةُ مَعْرِفَةِ الطُّرُقِ التِي يَحْصَلُ بِهَا المُتَابَعَاتُ وَالشَّوَاهِدُ وَيَنْتَفِي بِهَا التَّفَرُّدُ كُتُبُ الأَطْرَافِ» (٢) .
وقدْ عنيَ العلماءُ بالتَّصنيفِ والتأليفِ في الحديثِ الفردِ، منْ هذهِ المصنَّفاتِ: «السُّننُ التي تفرَّدَ بكلِّ سنَّةٍ منهَا أهلُ بلدةٍ» (٣) لأبي داودَ السجستانيِّ، و «الأفرادُ» (٤) للدَّارقُطنيِّ، و «المفاريدُ» (٥) لأبي يعلى، واهتمَّ الإمامُ الطَّبرانيُّ في معجميهِ الأوسطِ والصَّغيرِ بذكرِ الأفرادِ، والبزَّارُ في مسندِهِ، والعقيليُّ في الضُّعفاءِ.
وفي الغريبِ: «غرائبُ مالكٍ» (٦) للدَّارقُطنيِّ، و «غرائبُ شعبةَ» (٧) لابنِ مندَهْ. الحواشي
(١) طاهر بن صالح بن أحمد بن موهب، السمعوني، الجزائري، الدمشقي، «١٢٦٨ هـ - ١٣٣٨ هـ» - بحاثة من أكابر العلماء باللغة والأدب في عصره، عمل مديراً لدار الكتب الظاهرية، له نحو عشرين مصنفاً، منها: «توجيه النظر إلى علم الأثر»، و «الإلمام» في السيرة. انظر الأعلام للزركلي ٣/ ٢٢٢.(٢) توجيه النظر إلى أصول النظر ١/ ٤٩١.(٣) وهو كتاب مفقود، انظر الرسالة المستطرفة ص ١١٤.(٤) رتبه المقدسي باسم «أطراف الغرائب والأفراد» - تحقيق: جابر السريع - دار التدمرية - ١٤٢٨ هـ.(٥) طبع بتحقيق الدكتور عبد الله بن يوسف جديع - دار الأقصى - الكويت - ط ١ - ١٩٨٥ م.(٦) قال ابن حجر في تعجيل المنفعة ص ٨: «فيه من الأحاديث ما ليس في "الموطأ" شيءٌ كثيرٌ، ومن الرُّواة كذلك». وممن ألف في «غرائب مالك» الإمام محمد بن المظفَّر «٣٩٧ هـ» - تحقيق: طه بو سريح - دار المغرب الإسلامي - بيروت - ١٩٩٨ م، وبتحقيق: رضا بن خالد الجزائري - دار السلف - الرياض - ١٤١٨ هـ.(٧) ذكره ابن حجر في معجمه ر ١٤٠٥، وصلة الخلف ص ٣٠٩، وأشار السخاوي في الجواهر والدرر ص ٣٦ إلى أن الحافظ ابن حجر رتبه. وهناك «غرائب حديث شعبة بن الحجاج» للحافظ محمد بن المظفر البزاز - حقق في رسالة ماجستير بجامعة الملك محمد بن سعود - الباحث: عبد الله بن عبد العزيز الغصن - سنة ١٤٠٣ هـ. انظر تعليقات أبي يعلى البيضاوي على الرسالة المستطرفة ٧/ ٤.стр. 239
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ الحَدِيثِ الفَرْدِ والغَرِيبِ، وَالفَرْقُ بَينَهُمَا:
الحديثُ الفردُ:
الفردُ: لغةً: جمعُهُ أفرادٌ، وهوَ نصفُ الزَّوجِ، ومنْ لا نظيرَ لهُ (١) .
اصطلاحاً: هوَ ما تفرَّدَ بهِ راويهِ بأيِّ وجهٍ منْ وجوهِ التَّفرُّدِ (٢) .
والفردُ نوعانِ: فردٌ مطلقٌ، وفردٌ نسبيٌّ.
الفردُ المطلقُ: هوَ ما تفرَّدَ بهِ راوٍ واحدٌ عنْ جميعِ الرُّواةِ، لمْ يروِهِ أحدٌ غيرُهُ لا باللفظِ ولا بالمعنى. وهوَ يطابقُ الغريبَ متنًا وإسنادَاً، ويدخلُ فيهِ الشَّاذُّ والمنكرُ.
الفردُ النِّسبيُّ: وهوَ ما يقعُ فيهِ التَّفرُّدُ بالنِّسبةِ إلى جهةٍ خاصَّةٍ أيَّاً كانتْ تلكَ الجهةُ. وأكثرُ ما يُطلقُ على هذَا النَّوعِ «الغريبُ»، ويدخلُ فيهِ ما سنذكرُهُ منَ الغريبِ إسنادَاً لا متنَاً، ويتناولُ جهاتٍ أخرى، منهَا:
١ - ما قُيِّدَ ببلدٍ معيَّنٍ: كقولِهِمْ: تفرَّدَ بهذَا الحديثِ أهلُ مكَّةَ، أو أهلُ المدينةِ …
٢ - مَا قُيِّدَ بثقةٍ: كقولِهمْ: لمْ يروِ حديثَ كذَا ثقة إلا فلان.
٣ - ما قُيِّدَ بإمامٍ أو حافظٍ ونحوِهِ: كقولِهمْ: تفرَّدَ بهذَا الحديثِ فلانٌ عنْ فلانٍ، أو لمْ يروِ حديثَ كذَا عنْ فلانٍ إلَّا فلانٌ. الحواشي
(١) انظر لسان العرب - مادة «فرد» - ٣/ ٣٣١، ومختار الصحاح - مادة «ف ر د».(٢) انظر معرفة علوم الحديث ص ٩٦، ومقدمة ابن الصلاح ص ٨٨، والباعث الحثيث ١/ ١٨٩، والمنهل الروي ص ٥١، والنكت للزركشي ٢/ ١٩٨، ونخبة الفكر ص ١، وفتح المغيث ص ١/ ٢١٩، والتوضيح الأبهر ص ٤٧.стр. 240
الحديثُ الغريبُ (١) :
الغريبُ لغةً: هوَ المنفردُ، أو البعيدُ عنْ أقاربِهِ، سُمِّيَ بذلكَ لأنَّهُ كالغريبِ الوحيدِ الذي لا أهلَ عندَهُ، أو لبُعدهِ عنْ مرتبةِ الشُّهرةِ فضلاً عنِ التَّواترِ (٢) .
اصطلاحاً: قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «مَا يَتَفَرَّدْ بِرِوَايَتِهِ شَخْصٌ وَاحِدٌ فِي أَي مَوضِعٍ وَقَعَ التَّفَرُّدُ بِهِ مِنَ السَّنَدِ» (٣) .
وللغريبِ أقسامٌ بحسبِ موضعِ الغرابةِ فيهِ:
١ - الغريبُ متناً وإسناداً: وهوَ الحديثُ الذي لا يُروى إلَّا منْ وجهٍ واحدٍ. وهوَ الذي يُعبِّرُ عنهُ التِّرمذيُّ بقولِهِ: «غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ». وهوَ يُطابقُ الفردَ المطلقَ.
ويدخلُ في هذَا: الغريبُ متناً لا إسنادَاً: وهوَ الحديثُ الفردُ في أوَّلِ أمرِهِ ثمَّ اشتهرَ آخرَاً، لأنَّ سندَهُ تعدَّدَ فيمَا بعدَ التَّفرُّدِ.
وكذلكَ الغريبُ بعضَ المتنِ: وهوَ ما انفردَ فيهِ راويهِ بزيادةٍ في متنِهِ، فإنَّهُ غريبٌ متنَاً وإسنادَاً منْ حيثُ هذِهِ الزِّيادةِ. الحواشي
(١) انظر معرفة علوم الحديث ص ٩٤، ومقدمة ابن الصلاح ص ٢٧٠، والتقريب ص ١٩، والمنهل الروي ص ٥٥، والشذا الفياح ٢/ ٤٤٦، والتقييد والإيضاح ص ٢٧٣، ونخبة الفكر ص ١، وفتح المغيث ٢/ ٢٨ وتدريب الراوي ٢/ ١٨٠ … وغيرها.(٢) انظر لسان العرب - مادة «غرب» - ١/ ٦٤٠، ومختار الصحاح - مادة «غ ر ب».(٣) شرح نخبة الفكر ص ٢٠٨.стр. 241
٢ - الغريبُ إسناداً لا متناً: وهوَ الحديثُ الذي اشتهرَ بورودِهِ منْ عدَّةِ طرقٍ عنْ راوٍ أو عنْ صحابيٍّ، أو عدَّةِ رواةٍ، ثمَّ تفرَّدَ بهِ راوٍ منْ وجهٍ آخرَ غيرِ ما اشتهرَ بهِ الحديثُ. وهوَ الذي يُعبِّرُ عنهُ التِّرمذيُّ بقولِهِ: «غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ». ويدخلُ فيهِ غريبُ بعضَ السَّندِ.
الفَرْقُ بَينَ الفَرْدِ وَالغَرِيبِ:
اختلفَ المحدِّثونَ في التَّفريقِ بينَ الفردِ والغريبِ لتقاربِهِمَا، هلْ همَا نوعٌ واحدٌ أو نوعانِ مفترقانِ، والقولُ المعتمدُ الذي عوَّلَ عليهِ كلُّ منْ ألَّفَ في علومِ الحديثِ ومصطلحِهِ في التَّفريقِ بينَ الفردِ والغريبِ، ما قالَهُ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «الغَرِيبُ وَالفَرْدُ مُتَرَادِفَانِ لُغَةً واصْطِلَاحَاً، إِلَّا أَنَّ أَهْلَ الاِصْطِلَاحِ غَايَرُوا بَينَهُمَا مِنْ حَيثُ كَثْرَةِ الاِسْتِعْمَالِ وَقِلَّتِهِ، فَالفَرْدُ أَكْثَرُ مَا يُطْلِقُونَهُ عَلَى الفَرْدِ المُطْلَقِ، وَالغَرِيبُ أَكْثَرُ مَا يُطْلِقُونَهُ عَلَى الفَرْدِ النِّسْبِيِّ» (١) . فالفردُ ما تفرَّدَ بهِ الصَّحابيُّ عنِ النَّبيِّ ﷺ ، والغريبُ مَا تفرَّدَ بهِ التَّابعيُّ فمنْ بعدَهُ، قالَ شيخنُا محمَّد عجاج: «وَلَا يُطْلِقُ المُحَدِّثُونَ الغَرِيبَ عَلَى الفَرْدِ المُطْلَقِ الذِي لَيسَ لَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا رَاوٍ وَاحِدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَو تَعَدَّدَتِ الطُّرُقُ إِلَيهِ، بَلْ يَقُولُونَ حَدِيثٌ فَرْدٌ، فَلَو تَفَرَّدَ عَنِ الصَّحَابِيِّ تَابِعِيٌّ فَهُوَ فَرْدٌ غَرِيبٌ» (٢) . الحواشي
(١) شرح نخبة الفكر للقاري ١/ ٢٣٩.(٢) أصول الحديث ص ٢٣٧.стр. 242
والأولى جعلهُمَا نوعينِ، لعدمِ دخولِ بعضِ الأفرادِ في الحديثِ الغريبِ، كأفرادِ البلدانِ وأفرادِ القبائلِ (١) ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «لَيسَ كُلُّ مَا يُعَدُّ مِنْ أَنْوَاعِ الإِفْرَادِ مَعْدُودَاً مِنْ أَنْوَاعِ الغَرِيبِ، كَمَا فِي الأَفْرَادِ المُضَافَةِ إِلَى البِلَادِ» (٢) . وعلى هذَا فالفردُ أعمُّ مِنَ الغريبِ.
* * * الحواشي
(١) منهج النقد - د. نور الدين عتر - ص ٤٠١.(٢) مقدمة ابن الصلاح ص ٢٧٠.стр. 243
المَطْلَبُ الثَّانِي: حُكْمُ الحَدِيثِ الفَرْدِ وَالغَرِيبِ:
الحكمُ على الحديثِ الفردِ والغريبِ يخضعُ إلى استيفاءِ كلٍّ منهُمَا شروطَ الصِّحَّةِ أو الحُسْنِ أو عدمِ استيفائِهِمَا لذلكَ، قالَ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ»: «وَإِذَا انْتَفَتِ المُتَابَعَاتُ وَتَمَحَّضَ فَرْدَاً فَلَهُ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ:
حَالٌ يَكُونُ مُخَالِفَاً لِرِوَايَةِ مَنْ هُوَ أَحْفَظُ مِنْهُ فَهَذَا ضَعِيفٌ، وَيُسَمَّى: شَاذَّاً وَمُنْكَرَاً.
وَحَالٌ لا يَكُونُ مُخَالِفَاً، وَيَكُونُ هَذَا الرَّاوِي حَافِظَاً ضَابِطَاً مُتْقِنَاً، فَيَكُونُ صَحِيحَاً.
وَحَالٌ يَكُونُ قَاصِرَاً عَنْ هَذَا، وَلَكِنَّهُ قَرِيبٌ مِنْ دَرَجَتِهِ، فَيَكُونُ حَدِيثُهُ حَسَنَاً.
وَحَالٌ يَكُونُ بَعِيدَاً عَنْ حَالِهِ، فَيَكُونُ شَاذَّاً وَمُنْكَرَاً مَرْدُودَاً» (١) .
وذكرَ شيخُنَا محمَّدُ عجاجٍ حالةً - يُمكنُ أنْ نجعلَهَا خامسةً - فقالَ: «إِذَا كَانَ المُتَفَرِّدُ بِالحَدِيثِ وَالمُخَالِفُ لَهُ مُتَسَاوِيَينِ فِي الحِفْظِ وَالضَّبْطِ، وَلَا يُمْكِنُ تَرْجِيحُ مَرْوِيِّ أَحَدِهِمَا عَلَى الآَخَرِ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي كُلِّ الشُّرُوطِ، حِينَئِذٍ يَكُونُ المَرْوِيُّ مُضْطَرِبَاً» (٢) .
قالَ شيخُنَا نورُ الدِّينِ: «وَهَذَا ظَاهِرٌ - أَي الأَحْكَامُ السَّابِقَةُ عَلَى الحَدِيثِ الفَرْدِ وَالغَرِيبِ - بِالنِّسْبَةِ لِلْغَرِيبِ سَنَدَاً وَمَتْنَاً، وَلِلْفَرْدِ المُطْلَقِ. الحواشي
(١) شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ٣٤.
والفرقُ بين الحالتين الأولى والرابعة، أن الأولى مخالفة الراوي من هو أحفظ منه، والرابعة لروايته المناكير، ولو لم يخالف غيره.(٢) أصول الحديث ص ٢٣٦. علماً أن المضطرب قد يكون من راوٍ أو أكثر على ما سيأتي بيانه في «المضطرب».стр. 244
أَمَّا الغَرِيبُ إِسْنَادَاً لَا مَتْنَاً وَالفَرْدُ النِّسْبِيُّ، فَيُنْظَرُ فِي أَسَانِيدِ الحَدِيثِ، إِنْ صَحَّ مِنْ بَعْضِ الوُجُوهِ التِي وَرَدَ بِهَا لِاسْتِيفَائِهِ شَرْطَ الصِّحَّةِ فَهُوَ صَحِيحٌ، وَكَذَا إِذَا اسْتَوفَى شُرُوطَ الحَسَنِ، وَإِلَّا يُنْظَرُ فَإِنْ صَلُحَتْ أَسَانِيدُهُ لِلتَّقْوِيَةِ بِبَعْضِهَا قُبِلَتْ، وَإِلَّا فَهُوَ ضَعِيفٌ» (١) .
وذكرُ هذَا منَ الأهميَّةِ بمكانٍ لتعلُّقِهِ بمسألَةِ السَّبرِ، إذْ إنَّ السَّبرَ لا يكونُ فقطْ لتحديدِ الحديثِ الفردِ أو الغريبِ منْ عدمِهِ، بلْ يكونُ أيضَاً للحكمِ عليهِ بالعثورِ على أسانيدَ صالحةٍ لهذَا الحديثِ، أو تقويتِهِ بطرقِهِ المتعدِّدةِ إلى المتفرِّدِ بِهِ (٢) .
* * * الحواشي
(١) منهج النقد ص ٤٠٢.(٢) وقد مرَّ الكلام على ذلك في مبحث أثر السبر في تقوية الحديث بالمتابعات والشواهد. انظر ص ١٩٦.стр. 245
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ الحَدِيثِ الفَرْدِ وَالغَرِيبِ مِنْ عَدَمِهِ:
مثَّلَتْ كتبُ علومِ الحديثِ ومصطلحِهِ للحديثِ الفردِ والغريبِ في معرضِ ذكرِهَا لأنواعِهِ، بإيرادِ الأحاديثِ ومواضعِ التَّفرُّدِ أو الغرابةِ فيهَا، وآثرتُ إفرادَ الأمثلةِ في مطلبٍ خاصٍّ لبيانِ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ الحديثِ الفردِ أو الغريبِ منْ عدمِهِ، منْ خلالِ ما يأتي:
أَوَّلَاً: دَرْءُ التَّفَرُّدِ عَنْ حَدِيثٍ نَصَّ بَعْضُ الأَئِمَّةِ عَلَى تَفَرُّدِهِ لِوُرُودِ مُتَابِعٍ لَهُ:
الحكمُ على حديثٍ ما بالتفرُّدِ أو الغرابةِ لا بُدَّ أنْ يكونَ بعدَ سَعَةِ اطِّلاعٍ ووسعِ تتبُّعٍ وسبرٍ لطُرقِ الحديثِ، ليُعلمَ يقينَاً أنَّ الحديثَ عريٌّ عنِ المتابعِ والشَّاهدِ، قالَ الزركشيُّ «ت ٧٩٤ هـ»: «وَيَحْتَاجُ - مَعْرِفَةُ الفَرْدِ وَتَحْدِيدُهُ - اتِّسَاعُ البَاعِ فِي الحِفْظِ، وَكَثِيرَاً مَا يَدَّعِي الحَافِظُ التَّفَرُّدَ بِحَسَبِ عِلْمِهِ، وَيَطَّلِعُ غَيرُهُ عَلَى المُتَابِعِ» (١) . ولذَا فإذَا كانَ التَّفرُّدُ عندَ منْ تدورُ عليهمُ الأحاديثُ والرِّواياتُ فغالبَاً ما يكونُ الحكمُ قاطعَاً ولا يُطمَعُ في وجودِ متابعٍ أو شاهدٍ، قالَ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ»: «وَإِذَا قَالُوا: تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو هُرَيرَةَ، أَوْ ابْنُ سِيرِينَ، أَوْ أَيُّوبُ، أَوْ حَمَّادُ، كَانَ مُشْعِرَاً بِانْتِفَاءِ وُجُوهِ المتَابَعَاتِ كُلِّهَا» (٢) . الحواشي
(١) نكت الزركشي على مقدمة ابن الصلاح ٢/ ١٩٨.(٢) شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ٣٤.стр. 246
وكذلكَ إذا جاءَ الحكمُ على حديثٍ بالتَّفرُّدِ أو الغرابةِ منْ إمامٍ حافظٍ مِنْ أهلِ الاستقراءِ التامِّ، قالَ الدكتورُ عبدُاللهِ الجديعُ (١) : «وَاعْلَمْ أَنَّ الوَصْفَ بِالتَّفَرُّدِ إِنْ وَقَعَ مِنْ حَافِظٍ عَارِفٍ، فَلَا تَطْمَعَنَّ أَنْ تَجِدَ لَهُ طَرِيقَاً أُخْرَى صَالِحَةً عَمَّنْ وَقَعَ التَّفَرُّدُ بِالنِّسْبَةِ لَهُ» (٢) .
وبالنَّظرِ في كتبِ الحديثِ والتَّخريجِ وجدتُ غيرَ مثالٍ على ردِّ الأئمَّةِ للتَّفرُّدِ بإيرادِ مُتابِعٍ للحديثِ، أَقتصرُ على حديثِ: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ».
الحديثُ أخرجَهُ ابنُ شيبةَ في مصنَّفهِ «ر ١٤١٣٧»، وأحمدُ في مسندِهِ «ر ١٤٨٩٢»، والأزرقيُّ في أخبارِ مكَّةَ «٢/ ٥٢»، وابنُ ماجةَ في سننهِ «ر ٣٠٦٢»، والطَّبرانيُّ في المعجمِ الأوسطِ «ر ٨٤٩»، وقالَ: «لَمْ يَرْوِ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ إِلَّا عَبْدُ اللهِ بنُ المُؤَمِّلِ» (٣) . والبيهقيُّ في الكبرى «ر ٩٤٤٢»، وقالَ: «تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ اللهِ بنُ المُؤَمِّلِ» (٤) . وأوردهُ العقيليُّ في ترجمةِ عبدِ اللهِ بنِ المؤمِّلِ «٨٧٩» وقالَ: «لَا يُتَابَعُ عَلَيهِ» (٥) . وكذَا قالَ ابنُ حبَّانَ: «لَا يُتَابَعُ عَلَيهِ» (٦) . الحواشي
(١) الدكتور عبد الله بن يوسف الجديع، بصري المولد والنشأة، «١٩٥٩ م - … »، أحد أعضاء المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، من كتبه: «تحرير علوم الحديث»، و «أضواء على حديث افتراق الأمة»، و «أحاديث ذم الغناء والمعازف في الميزان»، وغيرها من التحقيقات.(٢) تحرير علوم الحديث ١/ ٤٩.(٣) المعجم الأوسط ١/ ٢٥٩.(٤) سنن البيهقي ٥/ ١٤٨.(٥) ضعفاء العقيلي ٢/ ٣٠٢.(٦) المجروحين ٢/ ٢٨.стр. 247
وقدْ ردَّ العلماءُ قولَ منْ قالَ بتفرُّدِ عبدِ اللهِ بنِ المؤملِ (١) عنْ أبي الزُّبيرِ، بأنَّ لهُ متابعتينِ
منْ طريقِ حمزةَ الزيَّاتِ (٢) عنْ أبي الزُّبيرِ، أوردَهَا الطَّبرانيُّ في الأوسطِ «ر ٣٨١٥»، ومنْ طريقِ ابنِ طهمانَ (٣) ، عنْ أبي الزُّبيرِ، أوردَهَا البيهقيُّ في سننِهِ «ر ٩٧٦٧»، وإليكَ أقوالُ العلماءِ في ذلكَ:
قالَ ابنُ عديٍّ «ت ٣٨٥ هـ»: «وَهَذَا الحَدِيثُ يُعْرَفُ بِابْنِ المُؤَمِّلِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ» (٤) .
وكذَا قالَ ابنُ القيسرانيِّ (٥) «ت ٥٠٧ هـ» (٦) . الحواشي
(١) عبد الله بن المؤمل بن وهب الله «ت ١٦٠ هـ»، ضعفه ابن معين والنسائي والعقيلي وابن حبان، وقال أحمد: «أحاديثه مناكير»، من السابعة، أخرج له «بخ ت جه». انظر الضعفاء للنسائي «ر ٣٣١»، والضعفاء للعقيلي «ر ٨٧٩»، والمجروحين «ر ٥٥٩»، والكامل لابن عدي «ر ٩٧٤»، والضعفاء لابن الجوزي «ر ٢٠٩٧» والتقريب «ر ٣٦٤٨».(٢) حمزة بن حبيب الزيات القارئ، أبو عمارة الكوفي، «ت ١٥٦ هـ»، وثقه ابن معين والعجلي وابن حبان، وقال ابن حجر: «صدوق، ربما يهم»، أخرج له «م، د، ت، س، جه». انظر معرفة الثقات «ر ٣٥٦»، والثقات لابن حبان «ر ٧٤٨٤»، والكاشف «ر ١٢٣٣»، و التهذيب «ر ٣٧»، والتقريب «ر ١٥١٨».(٣) إبراهيم بن طهمان الخراساني، أبو سعيد، «ت ١٦٨ هـ»، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: «له مدخل في الثقات ومدخل في الضعفاء»، ووثقه ابن معين مرة وقال مرة: «صالح»، ووثقه ابن حنبل، وقال أبو حاتم: «صدوق، يحسن الحديث»، وقال الذهبي: «ثقة متقن، من رجال الصحيحين، أفبمجرد الإرجاء يضعف حديث الثقة»، وقال ابن حجر: «ثقة يغرب». أخرج له «خ م د ت س جه». انظر الثقات لابن حبان «ر ٦٥٧٩»، والتعديل والتجريح «ر ٤١»، والرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم «ص ٣٥» والتهذيب «ر ٢٣١»، والتقريب «ر ١٨٩».(٤) الكامل لابن عدي ٤/ ١٣٦.(٥) محمد بن طاهر بن علي بن أحمد المقدسي، الشيباني، أبو الفضل، «٤٤٨ هـ - ٥٠٧ هـ» - رحالة مؤرخ، من حفاظ الحديث، من كتبه: «ذخيرة الحفاظ»، و «تذكرة الموضوعات»، و «أطراف الكتب الستة». انظر ميزان الاعتدال ٣/ ٧٥، والوافي بالوفيات ٣/ ١٦٦، والأعلام للزركلي ٦/ ١٧١.(٦) ذخيرة الحفاظ ٤/ ٢٠٧٢.стр. 248
وقالَ ابنُ التُّركمانيِّ (١) «ت ٧٥٠ هـ»: «لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ، بَلْ تَابَعَهُ إِبْرَاهِيمُ بنُ طَهْمَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ، كَذَا أَورَدَهُ البَيهَقِيُّ نَفْسُهُ فِيمَا بَعْدُ فِي بَابِ الرُّخْصَةِ فِي الخُرُوجِ بِمَاءِ زَمْزَمَ» (٢) .
وقالَ ابنُ الملقِّنِ (٣) «ت ٨٠٤ هـ» في ردِّهِ قولَ البيهقيِّ بتفرُّدِ ابنِ المؤمِّلِ: «لَا، بَلْ تَابَعَهُ إِبْرَاهِيمُ بنُ طَهْمَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ، عَنْ جَابِرِ مَرْفُوعَاً، كَذَا أَورَدَهُ البَيهَقِيُّ نَفْسُهُ فِي سُنَنِهِ» (٤) .
وقالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» في ردِّهِ قولَ العقيليِّ بتفرُّدِ ابنِ المؤمِّلِ لهذَا الحديثِ: «لَكِنْ وَرَدَ مِنْ رِوَايَةِ غَيرِهِ عِنْدَ البَيهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بنِ طَهْمَانَ، وَمِنْ طَرِيقِ حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ» (٥) .
ثَانِيَاً: أَثَرُ السَّبْرِ فِي بَيَانِ الحَدِيثِ الفَرْدِ، وَتَحْدِيدِ نَوعِهِ بِحَسَبِ جِهَاتِهِ:
بيَّنَّا أنَّ السَّبرَ هوَ السَّبيلُ لتمييزِ الحديثِ الفردِ منْ غيرِهِ، لأنَّ الحديثَ الفردَ والغريبَ هو ما خلا منَ المتابِعِ أو الشَّاهدِ. الحواشي
(١) علي بن عثمان بن إبراهيم بن مصطفى، المارديني، أبو الحسن، «٦٨٣ هـ - ٧٥٠ هـ»، من علماء الحديث واللغة، قاض حنفي، من مصنفاته: «المنتخب» في علوم الحديث، و «المؤتلف والمختلف»، و «الضعفاء والمتروكين»، وغيرها. انظر النجوم الزاهرة ١٠/ ٢٤٦، والأعلام للزركلي ٤/ ٣١١.(٢) الجوهر النقي ٥/ ١٤٨.(٣) عمر بن علي بن أحمد الأنصاري، سراج الدين، أبو حفص، المعروف ب «ابن الملقن»، «٧٢٣ هـ - ٨٠٤ هـ» ومن علماء الحديث والفقه وتاريخ الرجال، له نحو ثلاثمئة مصنف، منها: «التذكرة في علوم الحديث»، و «الأعلام بفوائد عمدة الأحكام»، و «المقنع» في الحديث، و «خلاصة البدر المنير». انظر طبقات الشافعية ٤/ ٤٣، وإنباء الغمر ٥/ ٤١، والزهر النضر في أخبار الخضر ص ١٣.(٤) البدر المنير ٦/ ٢٩٩.(٥) فتح الباري ٣/ ٤٩٣، ويُشارُ هنَا إلى قولِ ابنِ حجرٍ في التَّلخيصِ الحبيرِ «٢/ ٢٦٨»: «ولا يصح عن إبراهيم. قلت: إنما سمعه إبراهيم من ابن المؤمل».стр. 249
قالَ القاريُّ «ت ١٠١٤ هـ»: «إِذَا عَرِيَ الحَدِيثُ مِنَ المُتَابَعَاتِ وَالشَّوَاهِدِ، فَالحَدِيثُ إِذَاً فَرْدٌ» (١) . ولا يعني التَّفرُّدُ أو الغرابةُ عدمَ تعدُّدِ الطُّرقِ، لأنَّهُ قدْ تتعدَّدُ الطُّرقُ إلى الرَّاوي المنفردِ بهذَا الحديثِ، إذْ إنَّ التَّفرُّدَ والغرابةَ ما كانَ في أصلِ السَّندِ أو بعضِهِ، قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «الفَرْدُ المُطْلَقُ، وَهُوَ الحَدِيثُ الذِي لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ، وَلَو تَعَدَّدَتِ الطُّرُقُ إِلَيهِ» (٢) . وإليكَ أمثلةٌ على أنواعِ الحديثِ الفردِ والغريبِ:
١ - الفردُ المطلقُ «الغريبُ سندَاً ومتنَاً»: مثالُهُ حديثُ أبي هريرةَ ﵁: «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إلى الرحمن خَفِيفَتَانِ على اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ في الْمِيزَانِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ».
أخرجَهُ البخاريُّ «ر ٦٠٤٣» و «ر ٦٣٠٤» و «ر ٧١٢٤»، ومسلمٌ «ر ٢٦٩٤»، والتِّرمذيُّ «ر ٣٤٦٧»، والنَّسائيُّ «ر ١٠٦٦٦»، وابنُ ماجةَ «ر ٣٨٠٦»، وابنُ أبي شيبةَ «ر ٢٩٤١٣» و «ر ٣٥٠٢٦»، وابنُ حنبلٍ «ر ٧١٦٧»، وأبو يعلى «ر ٦٠٩٦»، وابنُ حبَّانَ «ر ٨٣١»، كلُّهُمْ منْ طريقِ محمَّدِ بنِ فُضيلٍ (٣) ، عنْ
عمارةَ بنِ القعقاعِ (٤) ، عنْ أبي زرعةَ (٥) ، عنْ أبي هُريرةَ ﵁، عنِ النَّبيِّ ﷺ . الحواشي
(١) شرح نخبة الفكر ص ٣٥٥.(٢) فتح المغيث ٣/ ٣٠.(٣) محمد بن فضيل بن غزوان، أبو عبد الرحمن الضبي، «ت ١٩٥ هـ»، وثقه ابن معين والعجلي، وقال أبو زرعة: «صدوق من أهل العلم»، وقال ابن حنبل: «شيخ، كان يتشيع، وكان حسن الحديث»، وقال = = الذهبي: «صدوق، شيعي»، وقال ابن حجر: «صدوق، عارف، رمي بالتشيع»، أخرج له الستة. انظر معرفة الثقات «ر ١٦٣٥»، والجرح والتعديل «ر ٢٦٣»، وميزان الاعتدال «ر ١٠٨٣٣»، والتهذيب «ر ٦٦٠»، والتقريب «ر ٦٢٢٧».(٤) عمارة بن القعقاع بن شُبرمة، الضبي، ثقة، من السادسة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٤٨٥٩».(٥) عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ، أبو زرعة الرازي، «ر ٤٣١٦»، إمام حافظ، ثقة، مشهور، من الحادية عشرة، أخرج له «خ م ت س جه». انظر التقريب «ر ٤٣١٦».стр. 250
قالَ التِّرمذيُّ «ت ٢٧٩ هـ»: «حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ» (١) . وذكرَهُ المقدسيُّ «ت ٥٠٧ هـ» في أطرافِ الغرائِبِ والأفرادِ (٢) ، وقال ابن حجر «ت ٨٥٢ هـ»: «وَجْهُ الغَرَابَةِ فِيهِ مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ تَفَرُّدِ مُحَمِّدِ بنِ فُضَيلٍ وَشَيخِهِ وَشَيخِ شَيخِهِ وَصَحَابِيِّهِ» (٣) . وقالَ الصَّنعانيُّ «ت ١١٨٢ هـ»: «لَمْ يَرْوِهِ إِلَّا أَبُو هُرَيرَةَ ﵁، وَتَفَرَّدَ بِهِ عَنْهُ أَبُو زُرْعَةَ، وَتَفَرَّدَ بِهِ عَنْهُ عَمَارَةُ بنُ القَعْقَاعِ، وَتَفَرَّدَ بِهِ محمَّدُ بنُ فُضيلٍ، وَعَنْهُ انْتَشَرَ» (٤) . فرواهُ عنْ محمَّدِ بنِ فضيلٍ ابنُ أبي شيبةَ، وابنُ حنبلٍ، وزهيرُ بنُ حربٍ، وقتيبةُ بنُ سعيدٍ، وأحمدُ بنُ إشكابٍ، وعليُّ بنُ محمَّدٍ، ويوسفُ بنُ عيسى، ومحمَّدُ بنُ آدمَ، وحسينُ بنُ الأسودِ، ومحمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ نميرٍ، والعبَّاسُ بنُ يزيدٍ البحرانيُّ، وغيرُهُمْ.
٢ - الفَرْدُ النِّسْبِيُّ «الغَرِيبُ إِسْنَادَاً لَا مَتْنَاً»: مثالُهُ: حديثُ أبي موسى الأشعريِّ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قالَ: «الكَافِرُ يَاكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ، وَالمُؤْمِنُ يَاكُلُ فِي مَعْيٍ وَاحِدٍ».
الحديثُ أخرجَهُ البخاريُّ «ر ٥٠٨٠»، ومسلمٌ «ر ٢٠٦٠»، والتِّرمذيُّ «ر ١٨١٨»، والنَّسائيُّ «ر ٦٧٧٢»، وابنُ ماجةَ «ر ٣٢٥٧»، والطَّيالسيُّ «ر ٢٥٢١»، وعبدُ الرَّزَّاقِ «ر ١٩٥٥٩»، وابنُ أبي شيبةَ «ر ٢٤٥٥٠»، وابنُ راهويهِ «ر ٢٠٩»، وابنُ حنبلٍ «ر ٥٠٢٠»، وأبو عوانةَ «ر ٨٤١٢»، والطَّبرانيُّ في الأوسطِ «ر ١٧٣٩»، وغيرُهُمْ منْ حديثِ أبي هريرةَ، وأبي سعيدٍ الخدريِّ، الحواشي
(١) سنن الترمذي ٥/ ٥١٢.(٢) / ٢٨٩.(٣) انظر فتح الباري ١٣/ ٥٤٠، وشرح نخبة الفكر ١/ ٢٠٥.(٤) توضيح الأفكار ١/ ٢٤.следующие страницы →