← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1117

السبر عند المحدثين

عبد الكريم جراد

Полный текст (515 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وكذلكَ إذا جاءَ الحكمُ على حديثٍ بالتَّفرُّدِ أو الغرابةِ منْ إمامٍ حافظٍ مِنْ أهلِ الاستقراءِ التامِّ، قالَ الدكتورُ عبدُاللهِ الجديعُ (١): «وَاعْلَمْ أَنَّ الوَصْفَ بِالتَّفَرُّدِ إِنْ وَقَعَ مِنْ حَافِظٍ عَارِفٍ، فَلَا تَطْمَعَنَّ أَنْ تَجِدَ لَهُ طَرِيقَاً أُخْرَى صَالِحَةً عَمَّنْ وَقَعَ التَّفَرُّدُ بِالنِّسْبَةِ لَهُ» (٢). وبالنَّظرِ في كتبِ الحديثِ والتَّخريجِ وجدتُ غيرَ مثالٍ على ردِّ الأئمَّةِ للتَّفرُّدِ بإيرادِ مُتابِعٍ للحديثِ، أَقتصرُ على حديثِ: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ». الحديثُ أخرجَهُ ابنُ شيبةَ في مصنَّفهِ «ر ١٤١٣٧»، وأحمدُ في مسندِهِ «ر ١٤٨٩٢»، والأزرقيُّ في أخبارِ مكَّةَ «٢/ ٥٢»، وابنُ ماجةَ في سننهِ «ر ٣٠٦٢»، والطَّبرانيُّ في المعجمِ الأوسطِ «ر ٨٤٩»، وقالَ: «لَمْ يَرْوِ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ إِلَّا عَبْدُ اللهِ بنُ المُؤَمِّلِ» (٣). والبيهقيُّ في الكبرى «ر ٩٤٤٢»، وقالَ: «تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ اللهِ بنُ المُؤَمِّلِ» (٤). وأوردهُ العقيليُّ في ترجمةِ عبدِ اللهِ بنِ المؤمِّلِ «٨٧٩» وقالَ: «لَا يُتَابَعُ عَلَيهِ» (٥). وكذَا قالَ ابنُ حبَّانَ: «لَا يُتَابَعُ عَلَيهِ» (٦).

стр. 247

وقدْ ردَّ العلماءُ قولَ منْ قالَ بتفرُّدِ عبدِ اللهِ بنِ المؤملِ (١) عنْ أبي الزُّبيرِ، بأنَّ لهُ متابعتينِ منْ طريقِ حمزةَ الزيَّاتِ (٢) عنْ أبي الزُّبيرِ، أوردَهَا الطَّبرانيُّ في الأوسطِ «ر ٣٨١٥»، ومنْ طريقِ ابنِ طهمانَ (٣)، عنْ أبي الزُّبيرِ، أوردَهَا البيهقيُّ في سننِهِ «ر ٩٧٦٧»، وإليكَ أقوالُ العلماءِ في ذلكَ: قالَ ابنُ عديٍّ «ت ٣٨٥ هـ»: «وَهَذَا الحَدِيثُ يُعْرَفُ بِابْنِ المُؤَمِّلِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ» (٤). وكذَا قالَ ابنُ القيسرانيِّ (٥) «ت ٥٠٧ هـ» (٦).

стр. 248

وقالَ ابنُ التُّركمانيِّ (١) «ت ٧٥٠ هـ»: «لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ، بَلْ تَابَعَهُ إِبْرَاهِيمُ بنُ طَهْمَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ، كَذَا أَورَدَهُ البَيهَقِيُّ نَفْسُهُ فِيمَا بَعْدُ فِي بَابِ الرُّخْصَةِ فِي الخُرُوجِ بِمَاءِ زَمْزَمَ» (٢). وقالَ ابنُ الملقِّنِ (٣) «ت ٨٠٤ هـ» في ردِّهِ قولَ البيهقيِّ بتفرُّدِ ابنِ المؤمِّلِ: «لَا، بَلْ تَابَعَهُ إِبْرَاهِيمُ بنُ طَهْمَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ، عَنْ جَابِرِ مَرْفُوعَاً، كَذَا أَورَدَهُ البَيهَقِيُّ نَفْسُهُ فِي سُنَنِهِ» (٤). وقالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» في ردِّهِ قولَ العقيليِّ بتفرُّدِ ابنِ المؤمِّلِ لهذَا الحديثِ: «لَكِنْ وَرَدَ مِنْ رِوَايَةِ غَيرِهِ عِنْدَ البَيهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بنِ طَهْمَانَ، وَمِنْ طَرِيقِ حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ» (٥). ثَانِيَاً: أَثَرُ السَّبْرِ فِي بَيَانِ الحَدِيثِ الفَرْدِ، وَتَحْدِيدِ نَوعِهِ بِحَسَبِ جِهَاتِهِ: بيَّنَّا أنَّ السَّبرَ هوَ السَّبيلُ لتمييزِ الحديثِ الفردِ منْ غيرِهِ، لأنَّ الحديثَ الفردَ والغريبَ هو ما خلا منَ المتابِعِ أو الشَّاهدِ.

стр. 249

قالَ القاريُّ «ت ١٠١٤ هـ»: «إِذَا عَرِيَ الحَدِيثُ مِنَ المُتَابَعَاتِ وَالشَّوَاهِدِ، فَالحَدِيثُ إِذَاً فَرْدٌ» (١). ولا يعني التَّفرُّدُ أو الغرابةُ عدمَ تعدُّدِ الطُّرقِ، لأنَّهُ قدْ تتعدَّدُ الطُّرقُ إلى الرَّاوي المنفردِ بهذَا الحديثِ، إذْ إنَّ التَّفرُّدَ والغرابةَ ما كانَ في أصلِ السَّندِ أو بعضِهِ، قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «الفَرْدُ المُطْلَقُ، وَهُوَ الحَدِيثُ الذِي لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ، وَلَو تَعَدَّدَتِ الطُّرُقُ إِلَيهِ» (٢). وإليكَ أمثلةٌ على أنواعِ الحديثِ الفردِ والغريبِ: ١ - الفردُ المطلقُ «الغريبُ سندَاً ومتنَاً»: مثالُهُ حديثُ أبي هريرةَ ﵁: «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إلى الرحمن خَفِيفَتَانِ على اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ في الْمِيزَانِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ». أخرجَهُ البخاريُّ «ر ٦٠٤٣» و «ر ٦٣٠٤» و «ر ٧١٢٤»، ومسلمٌ «ر ٢٦٩٤»، والتِّرمذيُّ «ر ٣٤٦٧»، والنَّسائيُّ «ر ١٠٦٦٦»، وابنُ ماجةَ «ر ٣٨٠٦»، وابنُ أبي شيبةَ «ر ٢٩٤١٣» و «ر ٣٥٠٢٦»، وابنُ حنبلٍ «ر ٧١٦٧»، وأبو يعلى «ر ٦٠٩٦»، وابنُ حبَّانَ «ر ٨٣١»، كلُّهُمْ منْ طريقِ محمَّدِ بنِ فُضيلٍ (٣)، عنْ عمارةَ بنِ القعقاعِ (٤)، عنْ أبي زرعةَ (٥)، عنْ أبي هُريرةَ ﵁، عنِ النَّبيِّ ﷺ .

стр. 250

قالَ التِّرمذيُّ «ت ٢٧٩ هـ»: «حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ» (١). وذكرَهُ المقدسيُّ «ت ٥٠٧ هـ» في أطرافِ الغرائِبِ والأفرادِ (٢)، وقال ابن حجر «ت ٨٥٢ هـ»: «وَجْهُ الغَرَابَةِ فِيهِ مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ تَفَرُّدِ مُحَمِّدِ بنِ فُضَيلٍ وَشَيخِهِ وَشَيخِ شَيخِهِ وَصَحَابِيِّهِ» (٣). وقالَ الصَّنعانيُّ «ت ١١٨٢ هـ»: «لَمْ يَرْوِهِ إِلَّا أَبُو هُرَيرَةَ ﵁، وَتَفَرَّدَ بِهِ عَنْهُ أَبُو زُرْعَةَ، وَتَفَرَّدَ بِهِ عَنْهُ عَمَارَةُ بنُ القَعْقَاعِ، وَتَفَرَّدَ بِهِ محمَّدُ بنُ فُضيلٍ، وَعَنْهُ انْتَشَرَ» (٤). فرواهُ عنْ محمَّدِ بنِ فضيلٍ ابنُ أبي شيبةَ، وابنُ حنبلٍ، وزهيرُ بنُ حربٍ، وقتيبةُ بنُ سعيدٍ، وأحمدُ بنُ إشكابٍ، وعليُّ بنُ محمَّدٍ، ويوسفُ بنُ عيسى، ومحمَّدُ بنُ آدمَ، وحسينُ بنُ الأسودِ، ومحمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ نميرٍ، والعبَّاسُ بنُ يزيدٍ البحرانيُّ، وغيرُهُمْ. ٢ - الفَرْدُ النِّسْبِيُّ «الغَرِيبُ إِسْنَادَاً لَا مَتْنَاً»: مثالُهُ: حديثُ أبي موسى الأشعريِّ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قالَ: «الكَافِرُ يَاكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ، وَالمُؤْمِنُ يَاكُلُ فِي مَعْيٍ وَاحِدٍ». الحديثُ أخرجَهُ البخاريُّ «ر ٥٠٨٠»، ومسلمٌ «ر ٢٠٦٠»، والتِّرمذيُّ «ر ١٨١٨»، والنَّسائيُّ «ر ٦٧٧٢»، وابنُ ماجةَ «ر ٣٢٥٧»، والطَّيالسيُّ «ر ٢٥٢١»، وعبدُ الرَّزَّاقِ «ر ١٩٥٥٩»، وابنُ أبي شيبةَ «ر ٢٤٥٥٠»، وابنُ راهويهِ «ر ٢٠٩»، وابنُ حنبلٍ «ر ٥٠٢٠»، وأبو عوانةَ «ر ٨٤١٢»، والطَّبرانيُّ في الأوسطِ «ر ١٧٣٩»، وغيرُهُمْ منْ حديثِ أبي هريرةَ، وأبي سعيدٍ الخدريِّ،

стр. 251

وأبي بصرةَ الغفاريِّ، وجهجاهٍ الغفاريِّ، وميمونةَ، وعبدِ اللهِ بنِ عمرٍو ﵃. وأوردَهُ التِّرمذيُّ «ت ٢٧٩ هـ» في العللِ منْ حديثِ أبي موسىَ ﵁، وقالَ: «هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبُ مِنْ هَذَا الوَجْهِ مِنْ قِبَلِ إِسْنَادِهِ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيرِ وَجْهٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَإِنَّمَا يُسْتَغْرَبُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى ﵁ … وسَأَلْتُ مُحمَّدَ بنَ إِسْمَاعِيلَ عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، فَقَالَ: لَمْ نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي كُرَيبٍ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ. فَقُلْتُ لَهُ: حَدَّثَنَا غَيرُ وَاحِدٍ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ بِهَذَا، فَجَعَلَ يَتَعَجَّبُ، وَقَالَ: مَا عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدَاً حَدَّثَ هَذَا غَيرَ أَبِي كُرَيبٍ، وَقَالَ مُحَمَّدُ: كُنَّا نَرَى أَنَّ أَبَا كُرَيبٍ أَخَذَ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ فِي المُذَاكَرَةِ» (١). وقالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «فَإِنَّهُ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى ﵁ مَعَ كَونِهِ مَعْرُوفَاً مِنْ حَدِيثِ غَيرِهِ» (٢). ٣ - أَفْرَادُ البُلْدَانِ: مثالُهُ: حديثُ عائشةَ ﵁: «مَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى سُهَيلِ بنِ بَيضَاءَ إِلَّا فِي المَسْجِدِ». الحديث أخرجه مسلم «ر ٩٧٣»، والترمذي «ر ١٠٣٣»، والنسائي «ر ١٩٦٨»، وابن ماجة «ر ١٥١٨»، والطبراني في الكبير «ر ٦٠٣٠»، وعبد الرزاق «ر ٦٥٧٨»، وابن أبي شيبة «ر ١١٩٧٠»، وابن حنبل «ر ٢٤٥٤٢».

стр. 252

قالَ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ»: «تَفَرَّدَ بِهِ أَهْلُ المَدِينَةِ، وَرُوَاتُهُ كُلُّهُمْ مَدَنِيُّونَ، وَقَدْ رُوِيَ بِإِسْنَادٍ آَخَرَ عَنْ مُوسَى بنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الوَاحِدِ بنِ حَمْزَةَ، عَنْ عَبَدَ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ، عَنْ عَائِشَةَ، وَكُلُّهُمْ مَدَنِيُّونَ لَمْ يَشْرَكْهُمْ فِيهِ أَحَدٌ» (١). واكتفيتُ بإيرادِ هذهِ الأمثلةِ على بعضِ أنواعِ الفردِ والغريبِ لأنَّ بعضَ أنواعِهِ يدخلُ في بعضٍ - كالغريبِ متناً لا إسناداً - ومنهَا ما يدخلُ في علمِ زياداتِ الثِّقاتِ - كغريبِ بعضِ المتنِ، وغريبِ بعضِ السَّندِ - ومنهَا ما يدخلُ في الشَّاذِّ والمنكرِ إذَا كانَ التَّفرُّدُ معَ المخالفةِ، وهوَ ما سيأتي تفصيلُهُ في مباحثَ مستقلَّةٍ إنْ شاءَ اللهُ تعالى. * * *

стр. 253

المَبْحَثُ الثَّانِي: مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ الشَّاذِّ وَالمُنْكَرِ: المنكرُ والشَّاذُّ يجتمعانِ معَ بعضِهِمَا ومعَ المفردِ والغريبِ بالانفرادِ، ويفترقانِ معَ المفردِ والغريبِ بالمخالفةِ - وكمَا بيَّنَّا في مبحثِ المفردِ والغريبِ - فإنَّ الفيصلَ بينَ الشَّاذِّ والمحفوظِ، وبينَ المنكرِ والمعروفِ هوَ السَّبرُ وتتبُّعُ الطُّرقِ، وقدْ سبقَ كلامُ السَّخاويِّ «ت ٩٠٢ هـ» في ذلكَ، حيثُ قالَ في مطلعِ كلامِهِ عنْ الاعتبارِ بالشَّواهدِ والمتابعاتِ: «لمَّا انْتَهَى الشَّاذُّ وَالمُنْكَرُ المُجْتَمِعَانِ فِي الاِنْفِرَادِ، أَرَدْنَا بَيَانَ الطَّرِيقِ المُبَيِّنِ لِلْاِنْفِرَادِ وَعَدَمِهِ» (١). * * * المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ الشَّاذِّ وَالمُنْكَرِ، وَالفَرْقُ بَينَهُمَا: النُّقْطَةُ الأُولَى: تَعْرِيفُ الشَّاذِّ: الشَّاذُّ: لغةً: المنفردُ عنِ الجماعةِ، شذَّ يشذُّ شذوذَاً، إذا انفردَ (٢). اصطلاحاً: ما رواهُ المقبولُ مخالفَاً لمنْ هوَ أولى منهُ لكثرةِ عددٍ أو زيادةِ حفظٍ. وهذا هوَ تعريفُ الحافظِ ابنِ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»، والمقبولُ هنَا: هوَ الذي يُحتجُّ بهِ مُطلقَاً مُنفردَاً أو مُتابَعَاً، يعني: ما كانَ صحيحَ الحديثِ وحسنَهُ فقطْ (٣).

стр. 254

قالَ الشَّافعيُّ «ت ٢٠٤ هـ»: «إِنَّمَا الشَّاذُّ أَنْ يَرْوِيَ الثِّقَةُ حَدِيثَاً يُخَالِفُ فِيهِ النَّاسَ» (١). والمحفوظُ: مقابلُ الشَّاذِّ، وهوَ ما رواهُ الثِّقةُ مخالفَاً لمنْ هوَ دونَهُ في القبولِ (٢). النُّقْطَةُ الثَّانِيَةُ: تَعْرِيفُ المُنْكَرُ: المُنْكَرُ: لغةً: نكرَ الأمرَ نكيراً، وأنكرَهُ إنكارَاً ونُكرَاً: جَهِلَهُ (٣). اصطلاحاً: ما رواهُ الضَّعيفُ مخالفَاً للثِّقةِ (٤). قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَأَمَّا إِذَا انْفَرَدَ المَسْتُورُ أَوْ المَوصُوفُ بِسُوءِ الحِفْظِ أَوْ المُضَعَّفُ فِي بَعْضِ مَشَايِخِهِ دُونَ بَعْضٍ بِشَيءٍ لَا مُتَابِعَ لَهُ وَلَا شَاهِدَ، فَهَذَا أَحَدُ قِسْمَي المُنْكَرِ، وَهُوَ الذِي يُوجَدُ فِي إِطْلَاقِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الحَدِيثِ» (٥).

стр. 255

والمعروفُ: مُقابلُ المنكرِ: وهوَ ما رواهُ الثِّقةُ مخالفاً روايةَ الضَّعيفِ (١). النُّقْطَةُ الثَّالِثَةِ: الْفَرْقُ بَينَ الشَّاذِّ وَالمُنْكَرِ، وَأَقْسَامُهُمَا: المنكرُ والشَّاذُّ يشتركانِ في الإفرادِ والمخالفةِ، ويفترقانِ في مرتبةِ الرَّاوي المخالِفِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «بَينَ الشَّاذِّ وَالمُنْكَرِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ بَينَهُمَا اجْتِمَاعَاً فِي اشْتِرَاطِ المُخَالَفَةِ، وَافْتِرَاقَاً فِي أَنَّ الشَّاذَّ رِوَايَةُ ثِقَةٍ أَوْ صَدُوقٍ، وَالمُنْكَرُ رِوَايَةُ ضَعِيفٍ. وَقَدْ غَفَلَ مَنْ سَوَّى بَينَهُمَا» (٢). إشارةً إلى ابنِ الصَّلاحِ (٣). وأصبحَ ما قرَّرهُ ابنُ حجرٍ بالفصلِ بينَ الشَّاذِّ والمنكرِ قاعدةً سارَ عليهَا كلُّ مَنْ جاءَ بعدَهُ. وينقسمُ الشَّاذُّ بحسبِ موضعِهِ في الحديثِ إلى قسمينِ: شاذٍّ في المتنِ، وشاذٍّ في السَّندِ. وكذلكَ المنكرُ: إلى منكرٍ متنَاً، ومنكرٍ سندَاً. وسنقتصرُ في إيرادِ الأمثلةِ على الشَّاذِّ والمنكرِ في السَّندِ، والكلامُ على الشَّاذِّ والمنكرِ في المتنِ سيأتي في مباحثِ «أثرِ السَّبرِ في المتنِ» (٤). * * *

стр. 256

المَطْلَبُ الثَّانِي: حُكْمُ الحَدِيثِ الشَّاذِّ وَالمُنْكَرِ: الحديثُ الشَّاذُّ مردودٌ لا يُقبلُ، لأنَّ راويهِ وإنْ كانَ ثقةً، لكنَّهُ بمخالفتِهِ لمنْ هوَ أولى منهُ تبيَّنَ خطؤُهُ في هذا الحديثِ. قال النووي «ت ٦٧٦ هـ»: «فَإِنْ كَانَ مُفْرَدُهُ مُخَالِفَاً أَحْفَظَ مِنْهُ وَأَضْبَطَ كَانَ شَاذًّا مَرْدُودَاً» (١). والشَّاذُّ يحتاجُ إلى دقَّةِ نظرٍ لاشتباهِهِ بزياداتِ الثِّقاتِ في المتنِ أو الإسنادِ، قالَ السُّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ»: «الحَدِيثُ الشَّاذُّ عَسِيرٌ، وَلِعُسْرِهِ لَمْ يُفْرِدْهُ أَحَدٌ بِالتَّصْنِيفِ» (٢). والحديثُ المنكرُ ضعيفٌ جدَّاً، لأنَّ راويَهُ ضعيفٌ، وازدادَ بالمخالفةِ ضعفَاً (٣). قالَ ابنُ كثيرٍ «ت ٧٧٤ هـ»: «وَهُوَ كَالشَّاذِّ: إِنْ خَالَفَ رَاوِيهِ الثِّقَاتِ فَمُنْكَرٌ مَرْدُودٌ» (٤). * * *

стр. 257

المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ الحَدِيثِ الشَّاذِّ وَالمُنْكَرِ مِنْ عَدَمِهِ: السَّبرُ لتمييزِ الشَّاذِ منَ المحفوظِ، والمنكرِ منَ المعروفِ، يكونُ مِنْ جهاتٍ عدَّةٍ: أولاً: بمَا أنَّ الشَّاذَّ والمنكرَ يشتركانِ بالإفرادِ، وذلكَ لعدمِ وجودِ متابعةٍ أو شاهدٍ لأحدِهِمَا، فإنَّ نفيَ المتابعِ والشَّاهدِ لا يكونُ إلَّا بالسَّبرِ وتتبُّعِ الطُّرقِ، ولا بُدَّ فيهِ كمَا بيَّنَّا في الفردِ والغريبِ مِنْ استفراغِ الوسعِ في التَّتبُّعِ حتَّى يُتيقَّنَ منْ عدمِ وجودِ متابعٍ أو شاهدٍ. ثانياً: يُشترطُ في المحفوظِ والمعروفِ المقابلَينِ للشَّاذِّ والمنكرِ إمَّا زيادةُ الضَّبطِ أو كثرَةُ العددِ، وكثرةُ العددِ التي يُرجَّحُ بهَا المحفوظُ والمعروفُ على الشَّاذِّ والمنكرِ تستبينُ بالسَّبرِ وتتبُّعِ الطُّرقِ، قالَ الشَّافعيُّ «ت ٢٠٤ هـ»: «لِأَنَّ العَدَدَ الكَثِيرَ أَولَى بِالحِفْظِ مِنَ الوَاحِدِ» (١). ثالثاً: إنَّ استيضاحَ المخالفةِ المرجوحةِ للشَّاذِّ والمنكرِ، والرَّاجحةِ للمحفوظِ والمعروفِ تتمُّ مِنْ خلالِ معارضةِ روايةِ الرَّاوي بروايةِ غيرِهِ، قالَ الإمامُ مسلمٌ «ت ٢٦١ هـ»: «وَعَلَامَةُ المُنْكَرِ فِي حَدِيثِ المُحَدِّثِ إِذَا مَا عُرِضَتْ رِوَايَتُهُ لِلْحَدِيثِ عَلَى رِوَايَةِ غَيرِهِ مِنْ أَهْلِ الحِفْظِ وَالرِّضَى خَالَفَتْ رِوَايَتُهُ رِوَايَتُهُمْ وَلَمْ تَكَدْ تُوَافِقُهَا» (٢). ويتطلَّبُ الوقوفُ على التَّفرُّدِ والمخالفةِ بالإضافةِ للسَّبرِ والمعارضةِ قدراً كبيراً مِنَ الفهمِ العميقِ والاطِّلاعِ الواسعِ، قالَ الدكتورُ حمزةُ المليباريُّ: «وَإِنْ كَانَ الوُقُوفُ عَلَى

стр. 258

تَفَرُّدِ الرَّاوِي وَمُخَالَفَتِهِ لِغَيرِهِ مُمْكِنَاً بِالنِّسْبَةِ إِلَينَا نَحْنُ المُعَاصِرِينَ عَنْ طَرِيقِ جَمْعِ الرِّوَايَاتِ وَالمُقَارَنَةِ بَينَهُمَا، إِلَّا أَنَّ مُعَالَجَتَهُمَا تَتَوَقَّفُ عَلَى قَدْرٍ كَبِيرٍ مِنَ الفَهْمِ وَالخَلْفِيَّةِ العِلْمِيَّةِ الوَاسِعَةِ» (١). وإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ الحديثِ المنكرِ منَ المعروفِ، والشَّاذِّ منَ المحفوظِ في السَّندِ، مِنْ خلالِ ما يأتي: أَوَّلَاً: مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ الشَّاذِّ «سَنَدَاً» مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ: مثالُهُ: حديثُ ابنِ عباسٍ ﵁: «أَنَّ رَجُلَاً مَاتَ وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا إِلَّا غُلَامَاً لَهُ كَانَ أَعْتَقَهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : هَلْ لَهُ أَحَدٌ؟ قَالُوا: لَا، إِلَّا غُلَامَاً لَهُ كَانَ أَعْتَقَهُ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِيرَاثَهُ لَهُ». * الحديثُ أخرجَهُ التِّرمذيُّ «ر ٢١٠٦» والنَّسائيُّ «ر ٦٤٠٩» وابنُ ماجةَ «ر ٢٧٤١» والطَّبرانيُّ في الكبيرِ «ر ١٢٢١٠» وغيرُهُمْ، مِنْ طريقِ سفيانَ بنِ عيينةَ (٢)، عَنْ عمرٍو بنِ دينارٍ، عَنْ عوسجةَ، عَنْ ابنِ عباسٍ ﵁ مَوصُولاً. * ورواهُ البيهقيُّ «ر ١٢١٧٦» منْ طريقِ حمَّادِ بنِ زيدٍ (٣)، عنْ عمرٍو ابنِ دينارٍ، عنْ عَوسَجَةَ مُرسلاً.

стр. 259

وتابعَ ابنَ عيينةَ على وصلِهِ أربعُ ثقاتٍ: حمادُ بنُ سلمةَ (١) في سننِ أبي داودَ «ر ٢٩٠٥» والمستدركِ «ر ٨٠١٤» والبيهقيِّ «ر ١٢١٧٤». ومحمَّدُ بنُ مسلمٍ (٢) في المعجمِ الكبيرِ «ر ١٢٢١١». وأبو يعلى الموصليُّ (٣) في مسندِهِ «ر ٢٣٩٩». وابنُ جُريجٍ (٤) في المستدركِ «ر ٨٠١٣» إِلَّا أنَّهُ ذكرَ عكرمةَ مولى ابنِ عباسٍ بدلَ عوسجةَ. وبسبرِ هذهِ الطُّرقِ تبيَّنَتْ لنَا روايتَا الوصلِ والإرسالِ، وترجَّحَتْ لدينَا روايةُ الوصلِ على الإرسالِ، لأنَّ روايةَ الوصلِ هيَ المحفوظةُ لوجودِ متابعاتٍ لسفيانَ بنِ عيينةَ، وابنُ عيينةَ مِنْ أوثقِ النَّاسِ في ابنِ دينارٍ، وروايةُ الإرسالِ هيَ الشَّاذَّةُ لتفرُّدِ حمادِ بنِ زيدٍ بهَا مِنْ غيرِ مُتابعٍ ومخالفةِ الثِّقةِ للثِّقاتِ الأكثرِ عددَاً. قالَ البيهقيُّ «ت ٤٥٨ هـ»: «قَالَ القَاضِي - إِسْمَاعِيلُ بنُ إِسْحَاقَ -: هَكَذَا رَوَاهُ حَمَّادُ بنُ زَيدٍ مُرْسَلَاً، لَمْ يَبْلُغْ بِهِ ابنَ عَبَّاسٍ» (٥).

стр. 260

وقالَ ابنُ أبي حاتمٍ «ت ٣٢٧ هـ»: «سَأَلْتُ أَبِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، فَقُلْتُ لَهُ: فَإِنَّ ابنَ عُيَينَةَ وَمُحَمَّدَ بنَ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ يَقُولَانِ: عَنْ عَوسَجَةَ، عَنْ ابنِ عَبَّاسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . فَقُلْتُ لَهُ: اللَّذَانِ يَقُولَانِ ابنَ عَبَّاسٍ مَحْفُوظٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قَصَّرَ حَمَّادُ بنُ زَيدٍ» (١). ثَانِيَاً: مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ المُنْكَرِ «سَنَدَاً» مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ: مثالُهُ: حديثُ ابنِ عباسٍ ﵁: «مَنْ أَقَامَ الصَّلَاةَ، وَآتَى الزَّكَاةَ، وَحَجَّ البَيتَ، وَصَامَ رَمَضَانَ، وَقَرَى الضَّيفَ، دَخَلَ الجَنَّةَ». * الحديثُ أخرجَهُ عبدُ الرَّزاقِ في مصنَّفِهِ «ر ٢٠٥٢٩»، والبيهقيُّ في شعبِ الإيمانِ «ر ٩٥٩٣»، والحربيُّ في إكرامِ الضَّيفِ «ر ٥١»: منْ طريقِ معمرِ بنِ راشدٍ (٢)، عنْ أبي إسحاقَ، عنِ العيزارَ، عنِ ابنِ عباسٍ ﵁ موقوفَاً. وتابعَ مَعْمَراً عمَّارُ بنُ رزيقٍ (٣)، كمَا في إكرامِ الضَّيفِ للحربيِّ «ر ٥٢».

стр. 261

* ورواهُ الطَّبرانيُّ في الكبيرِ «ر ١٢٦٩٢»، والنَّقاشُ في فوائدِ العراقيينَ «ر ٢٣»، والحربيُّ في إكرامِ الضَّيفِ «ر ٥٠»: منْ طريقِ حبيبِ بنِ حبيبٍ (١) أخو حمزةَ الزَّيَّاتِ، عنْ أبي إسحاقَ، عنْ العيزارَ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵁، عنِ النَّبيِّ ﷺ مرفوعَاً. فبسبرِ طُرقِ هذَا الحديثِ تبيَّنَ لنَا روايتَانِ: إحداهُمَا: موقوفةٌ منْ طريقِ ثقتينِ، وهمَا: معمرُ بنُ راشدٍ، وعمَّارُ بنُ رزيقٍ. والثَّانيةُ: مرفوعةٌ منْ طريقٍ ضعيفٍ، وهوَ: حبيبُ بنُ حبيبٍ، فترجَّحتْ روايةُ الوقفِ، وعُلمَ أنَّ روايةَ الرَّفعِ منكرةٌ لمخالفةِ الضَّعيفِ للثِّقاتِ. قالَ أبو زرعةَ «ت ٢٦٤ هـ»: «هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، إِنَّمَا هُوَ ابنُ عَبَّاسٍ، مَوقُوفٌ» (٢). وقالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «لِأَنَّ غَيرَ حبيبٍ، مِنَ الثِّقَاتِ رَوَاهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ مَوقُوفَاً، وَهُوَ المَعْرُوفُ» (٣). * * *

стр. 262

المَبْحَثُ الثَّالِثُ: مَعْرِفَةُ المَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ: (١) المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ المَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ: لغةً: زيادةُ العددِ في السَّندِ (٢). اِصطلاحَاً: أنْ يزيدَ راوٍ في الإسنادِ المتَّصلِ رجلَاً لمْ يذكرهُ غيرُهُ، وهمَاً. * * * المَطْلَبُ الثَّانِي: حُكْمُ المَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ، وآَلِيَّةُ تَحْدِيدِ الزِّيَادَةِ: الزِّيادةُ في «المزيدِ في متَّصلِ الأسانيدِ» كعدمِهَا، قالَهُ الجعبريُّ (٣) «ت ٧٣٢ هـ» (٤). والحكمُ للحديثِ الخالي مِنَ الزِّيادةِ (٥).

стр. 263

ويُشترطُ لردِّ الزِّيادةِ أنْ يقعَ التَّصريحُ بالسَّماعِ، معَ قرينةٍ تدلُّ على الوهمِ في الزِّيادةِ (١). فإنْ لمْ يقعِ التَّصريحُ بالسَّماعِ، وكانَ بـ «عَنْ»، اعتبرَ الإسنادُ الخالي مِنَ الزِّيَادةِ مُنقطعَاً، وعُدَّ منَ المرسلِ الخفيِّ. قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «لِأَنَّ الإِسْنَادَ الخَالِي عَنِ الرَّاوِي الزَّائِدِ، إِنْ كَانَ بِلَفْظِهِ «عَنْ» فِي ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْكَمَ بِإِرْسَالِهِ وَيُجْعَلَ مُعَلَّلَاً بِالإِسْنَادِ الذِي ذُكِرَ فِيهِ الزَّائِدُ» (٢). وقدْ يكونُ أيضَاً في حالِ التَّصريحِ بالسَّماعِ، مِنَ العالي والنَّازلِ، بأنْ سمعَهُ أوَّلَاً عنْ شيخِهِ، ثمَّ تطلَّبَهُ بعلوٍ، فسمعَهُ منْ شيخِ شيخِهِ. قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالسَّمَاعِ أَوْ بِالإِخْبَارِ … فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قَدْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَجُلٍ عَنْهُ ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْهُ نَفْسَهُ» (٣). فإنْ كانَ ثمَّةَ قرينةٌ تدلُّ على كونِ الزِّيادةِ وهمَاً، فهوَ المزيدُ في متَّصلِ الأسانيدِ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ» بعدَ كلامِهِ السَّابقِ: «اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ تُوجَدَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى كَونِهِ وَهْمَاً» (٤).

стр. 264

وقالَ الأبناسيُّ «ت ٨٠٢ هـ»: «رُبَّمَا كَانَ الحُكْمُ لِلنَّاقِصِ، وَالزَّائِدُ وَهْمٌ، فَيَكُونُ مِنْ نَوعِ المَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ» (١). ومنَ القرائنِ لمعرفةِ المزيدِ في متَّصلِ الأسانيدِ: أوَّلاً: كثرةُ العددِ: قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ» في معرضِ كلامِهِ عنِ الرِّوايةِ التي مثَّلَ بهَا للمزيدِ: «وَأَمَّا ذِكْرُ أَبِي إِدْرِيسَ فِيهِ فَابْنُ المُبَارَكِ مَنْسُوبٌ فِيهِ إِلَى الوَهْمِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الثِّقَاتِ رَوَوهُ عَنْ ابْنِ جَابِرٍ فَلَمْ يَذْكُرُوا أَبَا إِدْرِيسَ بَينَ بِسْرٍ وَوَاثِلَةَ، وَفِيهِمْ مَنْ صَرَّحَ فِيهِ بِسَمَاعِ بِسْرٍ مِنْ وَاثِلَةَ» (٢). ثانيَاً: سلوكُ الجَادَّةِ (٣): قالَ أبو حاتمٍ «ت ٢٢٧ هـ» عنِ الرِّوايةِ السَّابقةِ: «يَرَونَ أَنَّ ابْنَ المُبَارَكِ وَهِمَ فِي هَذَا، وَكَثِيرَاً مَا يُحَدِّثُ بِسْرٌ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، فَغَلِطَ ابْنُ المُبَارَكِ وَظَنَّ أَنَّ هَذَا مِمَّا رُوِيَ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ عَنْ وَاثِلَةَ، وَقَدْ سِمِعَ هَذَا بِسْرٌ مِنْ وَاثِلَةَ نَفْسِهِ» (٤). ثالثَاً: أنْ يكونَ مَنْ لمْ يأتِ بالزِّيادةِ أوثَقَ ممَّنْ أتَى بهَا: قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَإِنْ كَانَتِ المُخَالَفَةُ بِزِيَادَةِ رَاوٍ فِي أَثْنَاءِ الإِسْنَادِ، وَمَنْ لَمْ يُزِدْهَا أَتْقَنُ مِمَّنْ زَادَهَا، فَهَذَا هُوَ المَزِيدُ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ» (٥).

стр. 265

أو كانَ منْ أثبتِ النَّاسِ في شيخِهِ الذي رُويَ عنهُ الحديثُ، قالَ أبو بكرٍ بنُ أبي عاصمٍ (١) «ت ٢٨٧ هـ» في روايةِ ابنِ المباركِ السَّابقةِ: «رَوَاهُ صَدَقَةُ بنُ خَالِدٍ مِنْ غَيرِ الزِّيَادَةِ، وَأَيُّوبُ بنُ سُوَيدٍ، وَالوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ. وَصَدَقَةُ مِنْ أَثْبَتِهِمْ فِي ابْنِ جَابِرٍ» (٢). رابعَاً: إيرادُ الرَّاوي للرِّوايةِ المزيدةِ دونَ الأخرى، فإذَا ذكرَ الرِّوايتينِ المزيدةَ وغيرَ المزيدةِ منْ طريقِهِ ولمْ يكنْ ثمَّةَ قرينةٌ للوهمِ حُمِلَ على كونِهِ مِنَ العالي والنَّازلِ، قالَ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ»: «وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الظَّاهِرُ مِمَّنْ لَهُ هَذَا أَنْ يَذْكُرَ السَّمَاعَينِ، فَإِذَا لَمْ يَذْكُرْهُمَا حُمِلَ عَلَى الزِّيَادَةِ» (٣). خامساً: أنْ يكونَ الرَّاوي ممَّنْ يزيدُ في الإسنادِ، قالَ ابنُ حنبلٍ «ت ٢٤١ هـ»: «كَانَ يَحْيَى يُنْكِرُ عَلَى هَمَّامٍ أَنَّهُ يَزِيدُ فِي الإِسْنَادِ» (٤). وقالَ ابنُ حنبلٍ عنْ مجالدٍ: «كَذَا وَكَذَا، وَحَرَّكَ يَدَهُ، وَلَكِنَّهُ يَزِيدُ فِي الإِسْنَادِ» (٥). فإنْ لمْ تترجَّحْ لدينَا الزِّيادةُ أو عدمُهَا، قالَ العلائيُّ «ت ٧٦١ هـ»: «يُتَوَقَّفُ فِيهِ لِكَونِهِ مُحْتَمَلَاً لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الأَمْرَينِ» (٦).

стр. 266

المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ المَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ: يتجلَّى أثرُ السَّبرِ وتتبُّعِ الطُّرقِ في معرفةِ المزيدِ في مُتَّصلِ الأسانيدِ بمَا يأتي: أولاً: إدراكُ ومعرفةُ الزِّيادةِ في السَّندِ تتمُّ مِنْ خلالِ السَّبرِ والمعارضَةِ بينَ الأسانيدِ. ثانياً: إنَّ بعضَ القرائنِ المذكورةِ آنفاً معتمدُهَا السَّبرُ وجمعُ الطُّرقِ لترجيحِ الزِّيادةِ منْ عدمِهَا، أو تحديدِ نوعِهَا مِنْ حيثُ كونُهَا معتبرةً أو مردودةً، كمَا في القرينتينِ الأولى والرَّابعةِ، وهمَا تعدُّدُ الطُّرقِ الخاليةِ مِنَ الزِّيادةِ مقابلَ الرِّوايةِ المزيدةِ، وكذلكَ عدمُ ذكرِ الرَّاوي صاحبِ الزِّيادةِ للسَّماعِ الثَّاني الخالي منَ الزِّيادةِ منْ طريقِهِ. معَ العلمِ أنَّهُ لا بدَّ بالإضافةِ إلى السَّبرِ مِنْ دقَّةِ نظرٍ وقرائنَ مرجِّحةٍ، للحكمِ على نوعِ الزِّيادةِ، والتَّأكُّدِ أنَّهَا مِنَ المزيدِ في مُتَّصلِ الأسانيدِ. وإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ المزيدِ في مُتَّصلِ الأسانيدِ، مِنْ خلالِ المثالين الآتيين: أَوَّلَاً: الحَدِيثُ الذِي مَثَّلَ بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ وَمَنْ تَبِعَهُ عَلَى المَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ: وهوَ حديثُ أبي مرثدٍ الغنويِّ ﵁، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «لَا تَجْلِسُوا عَلَى القُبُورِ، وَلَا تُصَلُّوا إِلَيهَا». * بسبرِ طرقِ هذَا الحديثِ نجدُ أنَّهُ أخرجَهُ مسلمٌ «ر ٩٧٢»، وابنُ خزيمةَ «ر ٧٩٤»، وابنُ حبَّانَ «ر ٢٣٢٠»، والحاكمُ «ر ٤٩٦٩»، والتِّرمذيُّ «ر ١٠٥٠»، والبيهقيُّ في الكبرى «ر ٤٠٧٤»،

стр. 267

وابنُ حنبلٍ «ر ١٧٢٥٥»، وأبو يعلى «ر ١٥١٤»، منْ طريقِ ابنِ المباركِ (١)، عنْ ابنِ جابرٍ، عنْ بسرَ ابنِ عُبيدِ اللهِ، عنْ أبي إدريسَ الخولانيِّ، عنْ واثلةَ بنِ الأسقعِ، عنْ أبي مرثدٍ الغنويِّ ﵁. * وأخرجَهُ ابنُ خزيمةَ «ر ٧٩٣»، وأبو عوانةَ «ر ١١٧٩»، والتِّرمذيُّ «ر ١٠٥١»، والنَّسائيُّ «ر ٧٦٠»، وابنُ حنبلٍ «ر ١٧٢٥٤»، والبيهقيُّ «ر ٧٠٠٧»، منْ طريقِ الوليدِ بنِ مسلمٍ (٢)، عنْ ابنِ جابرٍ، عنْ بسرَ، عنْ واثلةَ، عنْ أبي مرثدٍ. منْ غيرِ ذكرِ أبي إدريسَ الخولانيِّ بينَ بسرَ وواثلةَ. وتابع الوليدَ صدقةُ بنُ خالدٍ (٣)، كمَا في المستدركِ «ر ٤٩٧٥»، والآحادِ والمثاني «ر ٣١٦»، والمعجمِ الكبيرِ «ر ٤٣٣»، ومسندِ الشَّاميينَ «ر ٥٨٠». وعيسى بنُ يونسَ (٤)، كمَا في سننِ أبي داودَ «ر ٣٢٢٩». وبشرُ بنُ بكرٍ (٥)، كمَا في المستدركِ «ر ٤٩٧٥». وبذلكَ يتبيَّنُ لنَا تفرُّدُ ابنِ المباركِ بذكرِ أبي إدريسَ الخولانيِّ بينَ بسرَ وواثلةَ، خالفَهُ بذلكَ الوليدُ بنُ مسلمٍ، وصدقةُ بنُ خالدٍ، وعيسى بنُ يونسَ، وبشرُ بنُ بكرٍ، فترجَّحَ لنَا الطَّريقُ

стр. 268

منْ غيرِ هذهِ الزِّيادةِ لقرينةِ كثرةِ العددِ، ووَهْمِ ابنِ المباركِ بسلوكِهِ الجادَّةَ في روايةِ أبي إدريسَ عنْ واثلةَ، وثمَّةَ قرينةٌ أخرى وهيَ أنَّ صدقةَ بنَ خالدٍ منْ أثبتِهِمْ في ابنِ جابرٍ (١). قالَ أبو حاتمٍ «ت ٢٢٧ هـ»: «يَرَونَ أَنَّ ابْنَ المُبَارَكِ وَهِمَ فِي هَذَا، وَكَثِيرَاً مَا يُحَدِّثُ بِسْرُ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، فَغَلِطَ ابْنُ المُبَارَكِ وَظَنَّ أَنَّ هَذَا مِمَّا رَوَيَ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ عَنْ وَاثِلَةَ، وَقَدْ سَمِعَ هَذَا بِسْرُ مِنْ وَاثِلَةَ نَفْسِهِ» (٢). وقالَ البخاريُّ «ت ٢٥٦ هـ»: «حَدِيثُ ابْنِ المُبَارَكِ خَطَأٌ، أَخْطَأَ فِيهِ ابْنُ المُبَارَكِ وَزَادَ فِيهِ: «عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ». وَإِنَّمَا هُوَ بِسْرُ بنُ عُبَيدِ اللهِ عَنْ وَاثِلَةَ. هَكَذَا رَوَى غَيرُ وَاحِدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ يَزِيدَ بنِ جَابِرٍ، وَلَيسَ فِيهِ: «عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ». وَبِسْرُ بنُ عُبَيدِ اللهِ قَدْ سَمِعَ مِنْ وَاثِلَةَ» (٣). وقالَ الدَّراقطنيُّ «ت ٣٨٥ هـ»: «وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ وَاثِلَةَ عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ» (٤). ثَانِيَاً: مثالٌ آخرُ: حديثُ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ ﵁، قالَ: «أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ مُسْتَلْقِيَاً فِي المَسْجِدِ وَاضِعَاً إِحْدَى رِجْلَيهِ عَلَى الأُخْرَى». الحديثُ أخرجَهُ البُخاريُّ «ر ٤٦٣»، ومسلمٌ «ر ٢١٠٠»، وابنُ حبَّانَ «ر ٥٥٥٢»، مِنْ طريقِ مالكٍ (٥)، عنْ ابنِ شهابٍ الزُّهريِّ، عنْ عبَّادِ بنِ تميمٍ، عنْ عمِّهِ عبدِ اللهِ بنِ زيادٍ ﵁.

стр. 269

وتابعَ مالكَ بنَ أنسٍ معمرُ بنُ راشدٍ (١)، في سننِ البيهقيِّ «ر ٣٠٢٦»، ومصنَّفِ عبدِ الرَّزَّاقِ «ر ٢٠٢٢١»، ومسندِ عبدِ بنِ حُميدٍ «ر ٢١٧». وسفيانُ بنُ عيينةَ (٢)، في سننِ التِّرمذيِّ «ر ٢٧٦٥»، وسننِ الدَّارميِّ «ر ٢٦٥٦». ويونسُ بنُ يزيدَ (٣)، في مسندِ أبي عوانةَ «ر ٨٦٩٢». وابنُ أبي ذئبٍ (٤)، في مسندِ الطَّيالسيِّ «ر ١١٠١». ويحيى بنُ جرجةَ (٥)، في مسندِ ابنِ حنبلٍ «ر ١٦٤٩١». وغيرُهُمْ. وخالفَهُمْ عبدُ العزيزِ الماجشون (٦)، كمَا في معرفةِ الصَّحابةِ «ر ٤١٥٩»، فرواهُ عنْ الزُّهريِّ عنْ محمودِ بنِ لبيدٍ، عنْ عبَّادِ بنِ تميمٍ، عنْ عمِّهِ عبدِ اللهِ بنِ زيادٍ. فزادَ «محمودَ بنَ لبيدٍ» بينَ الزُّهريِّ وعبَّادٍ. فمنْ خلالِ السَّبرِ تبيَّنَ تفرُّدُ عبدِ العزيزِ الماجشونَ - وهوَ ثقةٌ - بزيادةِ «محمودِ بنِ لبيدٍ»، ومخالفتُهُ للأكثرِ منَ الرُّواةِ الثِّقاتِ، فكانتْ زيادتُهُ مِنَ المزيدِ في متَّصلِ الأسانيدِ.

стр. 270

قالَ أبو حاتمٍ «ت ٢٢٧ هـ» وأبو زرعةَ «ت ٢٨١ هـ»: «خَالَفَ عَبْدُ العَزِيزِ المَاجِشُون أَصْحَابَ الزُّهْرِيِّ فِي ذَلِكَ، أَدْخَلَ فِيمَا بَينَ الزُّهْرِيِّ وَعَبَّادٍ «مَحْمُودَ بنَ لَبِيدٍ»، وَلَمْ يُدْخِلْهُ أَحَدٌ مِنَ الحُفَّاظِ» (١). وذكرَهُ المقدسيُّ «٥٠٧ هـ» في أطرافِ الغرائبِ والأفرادِ، وقالَ: «غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مَحْمُودٍ بنِ لَبِيدٍ عَنْ عَبَّادٍ، تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ العَزِيزِ المَاجِشُونَ بِهَذَا الإِسْنَادِ» (٢). * * *

стр. 271

المَبْحَثُ الرَّابِعُ: مَعْرِفَةُ الاِضْطِرَابِ فِي الإِسْنَادِ: (١) المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ المُضْطَرِبِ: المضطربُ: لغةً: اسمُ فاعلٍ منْ «اضْطَربَ». يُقالُ: اضطربَ الموجُ، أي: ضربَ بعضُهُ بعضَاً. واضطربَ الأمرُ: اختلَّ (٢). اصطِلاحَاً: هوَ الحديثُ المرويُّ منْ راوٍ أو أكثرَ على أوجهٍ مُختلفةٍ مؤثِّرةٍ (٣)، معَ عدمِ إمكانيَّةِ الجمعِ أو التَّرجيحِ. قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «المُضْطَرِبُ مِنَ الحَدِيثِ: هُوَ الذِي تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ فِيهِ، فَيَرْوِيهِ بَعْضُهُمْ عَلَى وَجْهٍ، وَبَعْضُهُمْ عَلَى وَجْهٍ آَخَرَ مُخَالِفٍ لَهُ، وَإِنَّمَا نُسَمِّيهِ مُضْطَرِبَاً إِذَا تَسَاوَتِ الرِّوَايَتَانِ» (٤).

стр. 272

المَطْلَبُ الثَّانِي: حُكْمُ الحَدِيثِ المُضْطَرِبِ، وَشُرُوطُهُ: قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «وَالاِضْطِرَابُ مُوجِبٌ ضَعْفَ الحَدِيثِ، لِإِشْعَارِهِ بِأَنَّهُ لَمْ يُضْبَطْ» (١). ويُشترطُ في الحديثِ حتَّى يُحكمَ عليهِ بالاضطرابِ: أوَّلاً: الاختلافُ، معَ التَّساوي في القوَّةِ بحيثُ لا يترجَّحُ منهُ شيءٌ. قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «وَإِنَّمَا نُسَمِّيهِ مُضْطَرِبَاً إِذَا تَسَاوَتِ الرِّوَايَتَانِ، أَمَّا إِذَا تَرَجَّحَتْ إِحْدَاهُمَا بِحَيثُ لَا تُقَاوِمُهَا الأُخْرَى بِأَنْ يَكُونَ رَاوِيهَا أَحْفَظَ أَوْ أَكْثَرَ صُحْبَةً لِلْمَرْوِيِّ عَنْهُ، أَوْ غَيرُ ذَلِكَ مِنَ وُجُوهِ التَّرْجِيحَاتِ المُعْتَمَدَةِ فَالحُكْمُ لِلرَّاجِحَةِ، وَلَا يُطْلَقُ عَلَيهِ حِينَئِذٍ وَصْفُ المُضْطَرِبِ وَلَا لَهُ حُكْمُهُ» (٢). ثانيَاً: عدمُ إمكانيةِ الجمعِ بينَ الوجوهِ المختلفةِ. قالَ ابنُ دقيقٍ «ت ٧٠٢ هـ»: «فَإِنْ أَمْكَنَ الجَمْعُ بَينَ تِلْكَ الوُجُوهِ بِحَيثُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ المُتَكَلِّمُ مُعَبِّرَاً بِاللَّفْظَينِ الوَارِدَينِ عَنْ مَعْنَى وَاحِدٍ فَلَا إِشْكَالَ أَيضَاً، مِثْلَ: أَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِ الوَجْهَينِ قَدْ قَالَ الرَّاوِي: عَنْ رَجُلٍ. وَفِي الوَجْهِ الآَخَرِ سَمَّى رَجُلَاً، فَهَذَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ المُسَمَّى هَوَ ذَلِكَ المُبْهَمَ، فَلَا تَعَارُضَ» (٣).

стр. 273

المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ المُضْطَرِبِ «سَنَدَاً»: المضْطَربُ قدْ يكونُ في السَّندِ، وقدْ يكونُ في المتنِ، وقدْ يكونُ في السَّندِ والمتنِ معَاً، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَهُوَ يَقَعُ فَي الإِسْنَادِ غَالِبَاً» (١). ونحنُ هنَا بصددِ الحديثِ عمَّا يختصُّ بالسَّندِ أو ما يكونُ في السَّندِ والمتنِ معاً، لأنَّ اضطرابَ المتنِ غالبَاً ما يكونُ تابعَاً لاضطرابِ السَّندِ، قالَ اللَّكنويُّ (٢) «ت ١٣٠٤ هـ»: «الاِضْطِرَابُ فِي المَتْنِ قَلَّمَا يُوجَدُ إِلَّا وَمَعَهُ اضْطِرَابٌ فِي السَّنَدِ» (٣). والكلامُ على المضْطربِ متنَاً سيأتي في مباحثِ «أثرِ السَّبرِ في المتنِ». الاِضْطِرابُ في الحديثِ علَّةٌ خفيَّةٌ (٤)، لا يطَّلعُ عليهَا إلَّا مَنْ كانَ منْ أهلِ السَّبرِ والتَّتبُّعِ والاستقراءِ التامِّ، والاضْطِرابُ يكونُ بينَ المتعدِّدِ، فلمعرفتِهِ لا بدَّ منْ جمعِ الطُّرقِ ومعارضتِهَا ببعضِهَا والنَّظرِ في الاختلافاتِ الواردةِ بينَهَا، فالسَّبرُ هوَ الآليَّةُ التي منْ خلالِهَا يُحدَّدُ الاضْطِرابُ في الإسنادِ منْ عدمِهِ، لأنَّهُ بهِ يُعرفُ الاختلافُ بينَ طرقِ

стр. 274

الحديثِ سواءٌ منَ الرَّاوي نفسِهِ أو مِنْ جمعِ الرُّواةِ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «وَقَدْ يَقَعُ ذَلِكَ مِنْ رَاوٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ يَقَعُ بَينَ رُوَاةٍ لَهُ جَمَاعَةٌ» (١). فإذَا كانَ مِنْ راوٍ واحدٍ، فالسَّبرُ يكونُ لطرقِ الحديثِ مِنْ ذلكَ الرَّاوي، وإذَا كانَ مِنْ رواةٍ عدَّةٍ فيكونُ السَّبرُ لجميعِ هذهِ الطُّرقِ. وبِهِ يتبيَّنُ لنَا التَّساوي المتقاوِمُ الذي يؤكِّدُ اضْطِرابَ الحديثِ، لأنَّهُ بالسَّبرِ تنتفي أحدُ المرجِّحاتِ لعدمِ الاضْطِرابِ، ككثرةِ العددِ مقابلَ قلَّتهِ للمخالِفِ أو تفرُّدِهِ، قالَ ابنُ دقيقٍ «ت ٧٠٢ هـ»: «إِنَّ اخْتِلَافَ الرِّوَايَةِ فِي الحَدِيثِ مِمَّا يَمْنَعُ الاِحْتِجَاجَ بِهِ، بِشَرْطِ تَكَافُؤِ الرِّوَايَاتِ أَوْ تَقَارُبِهَا، أَمَّا إِذَا كَانَ التَّرْجِيحُ وَاقِعَاً لِبَعْضِهَا، إِمَّا لِأَنَّ رُوَاتَهُ أَكْثَرُ أَوْ أَحْفَظُ فَيَنْبَغِي العَمَلُ بِهَا» (٢). والتَّسَاوي في عددِ الرُّواةِ لا بدَّ فيهِ منْ قرينةِ التَّساوي في القُوَّةِ، فقدْ يكونُ الاختلافُ مُتباينَاً في عددِ الرُّواةِ مُتقاوِمَاً في قوَّتِهمْ، فيكونُ الحديثُ مُضْطَربَاً، وللوقوفِ على ذلكَ لا بُدَّ منْ معرفةِ مراتبِ الرُّواةِ جرحَاً وتعديلَاً، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «المُخْتَلِفِينَ إِمَّا أَنْ يَكُونُوا مُتَمَاثِلِينَ فِي الحِفْظِ وَالإِتْقَانِ أَمْ لَا، فَالمُتَمَاثِلُونَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَدَدُهُمْ مِنَ الجَانِبَينِ سَوَاءٌ أَمْ لَا، فَإِنْ اسْتَوَى عَدَدُهُمْ مَعَ اسْتِوَاءِ أَوصَافِهِمْ وَجَبَ التَّوَقُّفُ» (٣).

стр. 275

ومنْ خلالِ السَّبرِ يُمكنُنَا معرفةُ الرَّاوي الذي نشأَ منهُ الاضْطِرابُ، قالَ الدكتورُ أحمدُ بازمولُ (١): «الرَّاوِي الذِي أَخْطَأَ، أَوْ اضْطَرَبَ فِي الحَدِيثِ، لَا نَسْتَطِيعُ إِدْرَاكَهُ إِلَّا بَعْدَ جَمْعِ طُرُقِ الحَدِيثِ، وَالحُفَّاظُ يَحْكُمُونَ بِتَخْطِئَةِ رَاوٍ بَعْدَ وُقُوفِهِمْ عَلَى الرِّوَايَاتِ المُخْتَلِفَةِ» (٢). وذلكَ باختلافِ الحفَّاظِ عنهُ، قالَ ابنُ حنبلٍ «ت ٢٤١ هـ» في «عبدِ اللهِ بنِ عُميرٍ الكوفيِّ»: «مُضْطَرِبٌ جِدَّاً فِي حَدِيثِهِ، اخْتَلَفَ عَنْهُ الحُفَّاظُ» (٣). وذكرَ الدَّارقُطنيُّ «ت ٣٨٥ هـ» حديثَاً فيهِ اضْطِرابٌ، ثمَّ قالَ: «وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الاِضْطِرَابُ فِي هَذَا الإِسْنَادِ مِنْ عَبْدِ المَلِكِ بنِ عُمَيرٍ، لِكَثْرَةِ اخْتِلَافِ الثِّقَاتِ عَنْهُ فِي الإِسْنِادِ» (٤). أو باجتماعِ الثِّقاتِ عنهُ على الخطأِ، فيُعلمُ أنَّهُ منهُ، ذكرَ الدَّارقُطنيُّ «ت ٣٨٥ هـ» أيضَاً حديثَاً مُضْطَرِباً، وقالَ عنهُ: «لَيسَ فِيهِ شَيءٌ أَقْطَعُ عَلَى صِحَّتِهِ، لِأَنَّ الأَعْمَشَ اضْطَرَبَ فِيهِ، وَكُلُّ مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ ثِقَةٌ» (٥). وإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ الاضْطِرابِ في الإسنادِ منْ عدمِهِ منْ خلالِ ما يأتي:

стр. 276

أَوَّلَاً: الاِضْطِرَابُ فِي الإِسْنَادِ: الاضْطِرابُ في الإسنادِ يتنوَّعُ بحسبِ صورِهِ، كتعارضِ الوصلِ والإرسالِ، وتعارضِ الوقفِ والرَّفعِ، وتعارضِ الاتِّصالِ والانقطاعِ، وكزيادةِ رجلٍ في أحدِ الإسنادينِ، والاضْطِرابِ في اسمِ الرَّاوي ونسبِهِ إذَا كانَ مُتردِّدَاً بينَ ثقةٍ وضعيفٍ، والاضْطِرابِ في تعيينِ الرَّاوي، هذَا كلُّهُ إذَا تعذَّرَ الجمعُ أو التَّرجيحُ، أمَّا إذَا أمكنَ الجمعُ أو التَّرجيحُ فسيأتِي الكلامُ عليهِ في مباحثَ مستقلَّةٍ حسبَ كلِّ نوعٍ: مثالُ المضْطَربِ سندَاً: حديثُ أبي بكرٍ ﵁ أنَّهُ قالَ: يا رسولَ اللهِ أراكَ شبتَ؟ قالَ: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا». * فبسبرِ طرقِ هذَا الحديثِ نجدُ أنَّهُ لمْ يُروَ إلَّا منْ طريقِ أبي إسحاقَ السَّبيعيِّ، واختُلِفَ عليهِ، فأخرجَهُ التِّرمذيُّ في سننهِ «ر ٣٢٩٧»، وفي العللِ «ر ٦٦٤»، والمروزيُّ في مسندِ أبي بكرٍ «ر ٣٠»، والحاكمُ في المستدركِ «ر ٣٣١٤»، منْ طريقِ شيبانَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ (١)، عنْ أبي إسحاقَ، عنْ عكرمةَ، عنْ ابنِ عبَّاسٍ ﵁، عنْ أبي بكرٍ ﵁، مرفوعاً. * وأخرجَهُ سعيدُ بنُ منصورٍ في سننهِ «٥/ ٣٧١»، والمروزيُّ في مسندِ أبي بكرٍ «ر ٣١»، وأبو يعلى في مسندِهِ «ر ١٠٧» و «ر ١٠٨»، وابنُ أبي شيبةَ في مصنَّفِهِ «ر ٣٠٢٦٨» منْ طريقِ أبي الأحوصِ (٢)، عنْ أبي إسحاقَ، عنْ عكرمةَ، عنْ أبي بكرٍ ﵁، مرفوعاً.

стр. 277

* وأخرجَهُ عبدُ الرَّزَّاقِ في مصنَّفِهِ «ر ٥٩٩٧» منْ طريقِ معمرٍ (١)، عنْ أبي إسحاقَ مرسلاً. * وأخرجَهُ أبو يعلى في مسندِهِ «ر ٨٨٠»، والطَّبرانيُّ في الكبيرِ «ر ٣١٨»، والتِّرمذيُّ في العللِ «ر ٦٦٥»، منْ طريقِ عليِّ بنِ صالحٍ (٢)، عنْ أبي إسحاقَ، عنْ أبي جُحيفةَ ﵁. * وأخرجَهُ المروزيُّ في مسندِ أبي بكرٍ «ر ٣٢»، وأبو بكرٍ في «الغَيلانيَّاتِ» «ر ١٠٨»، منْ طريقِ زكريَّا بنِ أبي زائدةَ (٣)، عنْ أبي إسحاقَ، عنْ عمرِو بنِ شُرحْبيلَ، عنْ أبي بكرٍ ﵁. * وأخرجَهُ الطَّبرانيُّ في الأوسطِ «ر ٨٢٦٩»، وابن أبي حاتم في العلل «ر ١٨٩٤»، منْ طريقِ زكريَّا بنِ أبي زائدةَ، عنْ أبي إسحاقَ، عنْ مسروقٍ، عنْ أبي بكرٍ ﵁. * وأخرجَهُ النُّميريُّ في أخبارِ المدينةِ «ر ١٠١٥»، منْ طريقِ إسرائيلَ (٤)، عنْ أبي إسحاقَ، عنْ عكرمةَ، عنْ أبي بكرٍ ﵁. قالَ الدَّارقُطنيُّ «ت ٣٨٥ هـ»: «هَذَا حَدِيثٌ مُضْطَرِبٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يُرْوَ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيهِ فِيهِ عَلَى نَحْوِ عَشَرَةِ أَوجُهٍ … ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ لَا يُمْكِنُ تَرْجِيحُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَالجَمْعُ مُتَعَذِّرٌ» (٥).

стр. 278

ثَانِيَاً: الاِضْطِرَابُ فِي الإِسْنَادِ وَالمَتْنِ مَعَاً: مثالُهُ: حديثُ عبدِ اللهِ بنِ عُكَيمٍ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كتبَ إلى جُهينةَ قبلَ موتِهِ بشهرٍ: «أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ». * بسبرِ سندِ هذَا الحديثِ نجدُ أنَّ مدارَهَ على الحكمِ بنِ عتيبةَ، واختُلِفَ عليهِ فأخرجَهُ ابنُ أبي شيبةَ «ر ٢٥٢٧٦» منْ طريقِ منصورِ بنِ المعتمرِ (١)، عنِ الحكمِ بنِ عتيبةَ، عنْ ابنِ أبي ليلى عنْ عبدِ اللهِ بنِ عُكَيمٍ، قالَ: «أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ». وتابعَهُ الشَّيبانيُّ (٢) عندَ ابنِ أبي شيبةَ «ر ٢٥٢٧٧» والتِّرمذيِّ في سننهِ «ر ١٧٢٩». وشعبةُ (٣) عندَ ابنِ أبي شيبةَ أيضَاً «ر ٢٥٢٧٨»، وابنُ ماجةَ «ر ٣٦١٣». والأعمشُ (٤) عندَ التِّرمذيِّ «ر ١٧٢٩». وحمزةُ الزَّياتِ (٥) عندَ الطَّبرانيِّ في الصَّغيرِ «ر ١٠٥٠». وأبَّانُ بنُ تغلبٍ (٦) عندَهُ في الصَّغيرِ أيضَاً «ر ٧٦٤٢». * وأخرجَهُ ابنُ أبي شيبةَ «ر ٣٣٨٨٦»، وابنُ حنبلٍ «ر ١٨٨٠٧»، والنَّسائيُّ في المجتبى «ر ٤٢٤٩»، وفي الكبرى «ر ٤٥٧٥»، والطَّبريُّ في تهذيبِ الآثارِ «ر ١٢٢٥»، وابنُ حبَّانَ

стр. 279

«ر ١٢٧٨»، والبيهقيُّ «ر ٤٢» و «ر ٤٣» منْ طريقِ شعبةَ، عنِ الحكمِ، عنْ ابنِ أبي ليلى، عنْ عبدِ اللهِ بنِ عُكَيمٍ قالَ: «قُرِئَ عَلَينَا كِتَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ». * وأخرجَهُ عبدُ بنُ حميدٍ «ر ٤٨٨»، منْ طريقِ أجلحٍ (١)، عنْ الحكمِ، عنْ ابنِ أبي ليلى، عنْ عبدِ اللهِ بنِ عُكَيمٍ، قالَ: «كَتَبَ إِلَينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ». وتابعَهُ منصورُ بنُ المعتمرِ في سننِ النَّسائيِّ «ر ٤٢٥٠» «ر ٤٥٧٦». * وأخرجَهُ ابنُ حبَّانَ «ر ١٢٧٩»، منْ طريقِ القاسمِ بنِ مخيمرةَ (٢)، عنِ الحكمِ، عنْ ابنِ أبي ليلى، عنْ عبدِ اللهِ بنِ عُكَيمٍ، قالَ: «حَدَّثَنَا مَشْيَخَةٌ لَنَا مِنْ جُهَينَةَ». والاضْطِرابُ في السَّندِ هُنا بيِّنٌ، قالَ التِّرمذيُّ «ت ٢٧٩ هـ»: «كَانَ أَحْمَدُ يَذْهَبُ إِلَيهِ، وَيَقُولُ: هَذَا آَخِرُ الأَمْرِ، ثُمَّ تَرَكَهُ لَمَّا اضْطَرَبُوا فِي إِسْنَادِهِ» (٣). وقالَ الخَلَّالُ (٤) «ت ٣١١ هـ»: «لَمَّا رَأَى أَبُو عَبْدِ اللهِ تَزَلْزُلَ الرُّوَاةِ فِيهِ تَوَقَّفَ فِيهِ» (٥).

стр. 280

وقالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «الِاضْطِرَابُ فِي سَنَدِهِ، فَإِنَّهُ تَارَةً قَالَ: عَنْ كِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَتَارَةً: عَنْ مَشْيَخَةٍ مِنْ جُهَينَةَ، وَتَارَةً: عَمَّنْ قَرَأَ الْكِتَابَ» (١). وأمَّا الاضْطِرابُ في متنِهِ: * فقدْ أخرجَهُ ابنُ أبي شيبةَ «ر ١٨٨٠٤»، والطَّبريُّ «ر ١٢٢٣» «ر ١٢٢٤»، والبيهقيُّ «ر ٤٤» منْ طريقِ خالدٍ الحذَّاءِ (٢)، عنِ الحكمِ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ عُكَيمٍ، قالَ: «كَتَبَ إِلَينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِشَهْرٍ». وتابعَهُ أبَّانُ بنُ تغلبٍ (٣) عندَ ابنِ حبَّانَ «ر ١٢٧٧». * وأخرجَهُ الطَّبرانيُّ في الصَّغيرِ «ر ٢٤٠٧» منْ طريقِ إبراهيمَ بنِ عثمانَ (٤)، عنِ الحكمِ، عنْ ابنِ أبي ليلى، عنْ عبدِ اللهِ بنِ عُكَيمٍ، قال: «أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِشَهْرَينِ». * وأخرجَهُ ابنُ حنبلٍ «ر ١٨٨٠٥» مِنْ طريقِ خالدٍ الحذَّاءِ (٥)، عنِ الحكمِ، عنْ ابنِ أبي ليلى عنْ عبدِ اللهِ بنِ عُكَيمٍ، قال: «أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِشَهْرٍ أَوْ شَهْرَينِ». قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَالِاضْطِرَابُ فِي المَتْنِ: فَرَوَاهُ الْأَكْثَرُ مِنْ غَيرِ تَقْيِيدٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ بِقَيدِ شَهْرٍ أَوْ شَهْرَينِ، أَوْ أَرْبَعِينَ يَومَاً، أَوْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» (٦).

стр. 281

المَبْحَثُ الخَامِسُ: مَعْرِفَةُ المَقْلُوبِ فِي الإِسْنَادِ: (١) المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ المَقْلُوبِ لُغَةً وَاصْطِلَاحَاً: المقلوبُ: لغةً: اسمُ مفعولٍ مِنْ «قَلَبَ»، ومعناهُ: تحويلُ الشَّيءِ عنْ وجهِهِ، أو ردُّهِ مِنْ جهةٍ إلى جهةٍ، وكلامٌ مقلوبٌ: أي ليسَ على وجهِهِ (٢). وحديثٌ مقلوبٌ: لأنَّ راويَهُ أخرجَهُ عنْ وجهِهِ الصَّحيحِ إلى وجهٍ آخرَ، عمدَاً كانَ فعلُهُ أو سهوَاً. اصطلاحَاً: الحديثُ الذي أبدلَ فيهِ راويَهُ شيئاً بآخرَ في السَّندِ أو في المتنِ عمدَاً أو سهوَاً (٣). وممَّنْ ألَّفَ في المقلوبِ: الخطيبُ البغداديُّ «ت ٤٦٣ هـ» كتابَاً أسماهُ «رافعُ الارتيابِ في المقلوبِ منَ الأسماءِ والأنسابِ» (٤). ولابنِ البُلقينيِّ «ت ٨٢٤ هـ» جُزءٌ مُفردٌ جمعَ فيهِ مقلوبَ المتنِ، ونظمَهَا في أبياتٍ (٥). و «جلاءُ القلوبِ في معرفةِ المقلوبِ» (٦) لابنِ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ».

стр. 282

المَطْلَبُ الثَّانِي: أَنْوَاعُ الحَدِيثِ المَقْلُوبِ: قال ابن حجر «ت ٨٥٢ هـ»: «يَقَعُ [القَلْبُ] عَمْدَاً، إِمَّا بِقَصْدِ الإغْرَابِ، أَوْ لِقَصْدِ الاِمْتِحَانِ، وَقَدْ يَقَعُ وَهْمَاً، فَأَقْسَامُهُ ثَلَاثَةٌ: وَهِيَ كُلُّهَا فِي الإِسْنَادِ، وَقَدْ يَقَعُ نَظِيرُهَا فِي المَتْنِ، وَقَدْ يَقَعُ فِيهِمَا جَمِيعَاً» (١). لكنَّهُ في السَّندِ أكثرُ، قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «وَقَسَّمُوا المَقْلُوبَ السَّنَدِيَّ خَاصَّةً، لِكَونِهِ الأَكْثَرَ كَاقْتِصَارِهِمْ فِي المَوضُوعِ عَلَى المَتْنِيِّ لِكَونِهِ الأَهَمَّ» (٢). وقالَ اللَّكنويُّ «ت ١٣٠٤ هـ»: «وَلِذَا سَكَتَ عَنْ ذِكْرِ مَقْلُوبِ المَتْنِ كَثِيرٌ مِنَ المُصَنِّفِينَ فِي هَذَا الفَنِّ، كَمَا أَنَّهُمْ اقْتَصَرُوا فِي بَحْثِ المَوضُوعِ المُخْتَلَقِ مَتْنَاً لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الحَدِيثُ صَحِيحَاً وَالسَّنَدُ مَوضُوعَاً» (٣). وعلى هذَا فأنواعُ الحديثِ المقلوبِ تتعدَّد بالنِّسبةِ إلى المتنِ والسَّندِ، والعمدِ والخطأِ. ونحنُ بصددِ الكلامِ على القلبِ في السَّندِ، فهوَ يتنوَّعُ إلى أنواعٍ: أَوَّلَاً: التَّقديمُ والتَّأخيرُ في اسمِ الرَّاوي ونسبِهِ: قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «وَمِنْ هَذَا القِسْمِ مَا يَقَعُ الغَلَطُ فِيهِ بِالتَّقْدِيمِ فِي الأَسْمَاءِ وَالتَّاخِيرِ، كَمُرَّةَ بنِ كَعْبٍ، فَيَجْعَلُهُ كَعْبَ بنَ مُرَّةَ

стр. 283

وَمُسْلِمُ بنُ الوَلِيدِ فَيَجْعَلُهُ الوَلِيدَ بنَ مُسْلِمٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا أَوهَمَهُ كَونُ اسْمِ أَحَدِهِمَا اسْمُ أَبِي الآَخَرِ» (١). ثَانِيَاً: التَّقديمُ والتَّأخيرُ بينَ راوٍ وآخرَ: وقدِ اهتمَّ العلماءُ بروايةِ الأكابرِ عنِ الأصاغرِ، وروايةِ الآباءِ عنِ الأبناءِ لدفعِ توهُّمِ انقلابِ السَّندِ، قالَ ابنُ أبي حاتمٍ «ت ٣٢٧ هـ»: سُئِلَ أبو زُرعةَ عنْ حديثٍ رواهُ ابنُ المباركِ، عنْ عنبسةَ بنِ سعيدٍ، عنِ الشَّعبيِّ، عنْ جابرٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «لَا يُسْتَقَادُ مِنَ الجُرْحِ حَتَّى يَبْرَأَ». قالَ أبو زُرعةَ: «هُوَ مُرْسَلٌ مَقْلُوبٌ» (٢). يعني أبو زُرعةَ أنَّ صوابَهُ: «ابنُ المباركِ، عنْ عنبسةَ بنِ سعيدٍ، عنْ جابرٍ، عنِ الشَّعبيِّ، عنْ النَّبيِّ ﷺ ». فهذَا قلبٌ مفسدٌ جدَّاً، ليسَ في تصييرِ المرسلِ موصولاً فقطْ، إذ الشعبي تابعي. بلْ جابرٌ هذَا في حالِ الوصلِ هوَ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ الأنصاريُّ الصَّحابيُّ، وفي حالِ كونِهِ الرَّاوي عنِ الشَّعبيِّ فهوَ جابرُ بنُ يزيدَ الجُعفيُّ أحدُ المتَّهمينَ بالكذبِ في الحديثِ (٣). ثالثاً: إبدالُ راوٍ بآخرَ منْ طبقتِهِ: قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ» في حدِّ المقلوبِ: «هُوَ نَحْو حَدِيثٍ مَشْهُورٍ عَنْ سَالِمٍ، جُعِلَ عَنْ نَافِعٍ، لِيَصِيرَ بِذَلِكَ غَرِيبَاً مَرْغُوبَاً فِيهِ» (٤). رابعاً: إِبدالُ سندٍ بآخرَ وجعلِهِ لمتنٍ آخرَ: قالَ الجَعبَريُّ «ت ٧٣٢ هـ»: «المَقْلُوبُ: رِوَايَةُ حَدِيثٍ بِإِسْنَادٍ آَخَرَ وَعَكْسِهِ، لِلتَّرْغِيبِ أَوْ الاِمْتِحَانِ أَوْ التَّبْكِيتِ» (٥). قالَ الزَّركشيُّ

стр. 284

«ت ٧٩٤ هـ»: «الثَّانِي: أَنْ يُوجَدَ إِسْنَادُ مَتْنٍ فَيُجْعَلَ عَلَى مَتْنٍ آَخَرَ، أَوْ مَتْنٍ فَيُجْعَلَ بِإِسْنَادٍ آَخَرَ» (١). ومنْ قبيلِ هذَا ما فعلَهُ أهلُ بغدادَ معَ البخاريِّ اختباراً لهُ، حيثُ قلبُوا متونَ وأسانيدَ مئةِ حديثٍ، فجعلُوا متنَ هذَا الإسنادِ لإسنادٍ آخرَ وإسنادَ هذَا المتنِ لمتنٍ آخرَ، ثمَّ ألقُوهَا عليهِ، فلمَّا فرغُوا ردَّ كلَّ متنٍ إلى إسنادِهِ وكلَّ إسنادٍ إلى متنِهِ، فأذعنُوا لهُ بالفضلِ (٢). * * *

стр. 285

المَطْلَبُ الثَّالِثُ: حُكْمُ الحَدِيثِ المَقْلُوبِ: تكلَّمَ العلماءُ على المقلوب في أنواعِ الحديثِ الضَّعيفِ، فإذا كانَ القلبُ في الحديثِ خطأً أو سهواً فهوَ ضعيفٌ، فإذَا غلبَ على حديثِ الرَّاوي فحديثُهُ منكرٌ، فإنْ لمْ يكثرْ يكونُ صاحبُهُ تارةً منْ شرطِ الحسنِ وتارةً مِنْ شرطِ الصَّحيحِ. وهوَ بمرتبةِ الموضوعِ إنْ كانَ عمداً بقصدِ الإغرابِ، وفاعلُهُ منَ الوضَّاعينَ، وحديثُهُ مردودٌ. قالَ الزَّركشيُّ «ت ٧٩٤ هـ»: «قَدْ يَقْصِدُ بِهِ الإِغْرَابَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ كَالْوَضْعِ» (١). وإنْ وقعَ القلبُ عمدَاً بقصدِ الامتحانِ فالجمهورُ على جوازِهِ، ليُعلَمَ بهِ ضبطُ الرَّاوي منْ عدمِهِ، قالَ الحافظُ العراقيُّ «ت ٨٠٤ هـ»: «وَقَدْ يُفْعَلُ اخْتِبَارَاً لِحِفْظِ المُحَدِّثِ، وَهَذَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الحَدِيثُ كَثِيرَاً، وَفِي جَوَازِهِ نَظَرٌ، إِلَّا أَنَّهُ إِذَا فَعَلَهُ أَهْلُ الحَدِيثِ لَا يَسْتَقِرُّ حَدِيثَاً، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ اخْتِبَارُ حِفْظِ المُحَدِّثِ بِذَلِكَ، أَوْ اخْتِبَارُهُ هَلْ يَقْبَلُ التَّلْقِينَ أَوْ لَا» (٢). قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَشَرْطُهُ أَنْ لَا يَسْتَمِرَّ عَلِيهِ بَلْ يَنْتَهِي بِانْتِهَاءِ الحَاجَةِ» (٣).
следующие страницы →