Полный текст (515 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
المَبْحَثُ الخَامِسُ: مَعْرِفَةُ المَقْلُوبِ فِي الإِسْنَادِ: (١)
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ المَقْلُوبِ لُغَةً وَاصْطِلَاحَاً:
المقلوبُ: لغةً: اسمُ مفعولٍ مِنْ «قَلَبَ»، ومعناهُ: تحويلُ الشَّيءِ عنْ وجهِهِ، أو ردُّهِ مِنْ جهةٍ إلى جهةٍ، وكلامٌ مقلوبٌ: أي ليسَ على وجهِهِ (٢). وحديثٌ مقلوبٌ: لأنَّ راويَهُ أخرجَهُ عنْ وجهِهِ الصَّحيحِ إلى وجهٍ آخرَ، عمدَاً كانَ فعلُهُ أو سهوَاً.
اصطلاحَاً: الحديثُ الذي أبدلَ فيهِ راويَهُ شيئاً بآخرَ في السَّندِ أو في المتنِ عمدَاً أو سهوَاً (٣).
وممَّنْ ألَّفَ في المقلوبِ: الخطيبُ البغداديُّ «ت ٤٦٣ هـ» كتابَاً أسماهُ «رافعُ الارتيابِ في المقلوبِ منَ الأسماءِ والأنسابِ» (٤). ولابنِ البُلقينيِّ «ت ٨٢٤ هـ» جُزءٌ مُفردٌ جمعَ فيهِ مقلوبَ المتنِ، ونظمَهَا في أبياتٍ (٥). و «جلاءُ القلوبِ في معرفةِ المقلوبِ» (٦) لابنِ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ». стр. 282
المَطْلَبُ الثَّانِي: أَنْوَاعُ الحَدِيثِ المَقْلُوبِ:
قال ابن حجر «ت ٨٥٢ هـ»: «يَقَعُ [القَلْبُ] عَمْدَاً، إِمَّا بِقَصْدِ الإغْرَابِ، أَوْ لِقَصْدِ الاِمْتِحَانِ، وَقَدْ يَقَعُ وَهْمَاً، فَأَقْسَامُهُ ثَلَاثَةٌ: وَهِيَ كُلُّهَا فِي الإِسْنَادِ، وَقَدْ يَقَعُ نَظِيرُهَا فِي المَتْنِ، وَقَدْ يَقَعُ فِيهِمَا جَمِيعَاً» (١). لكنَّهُ في السَّندِ أكثرُ، قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «وَقَسَّمُوا المَقْلُوبَ السَّنَدِيَّ خَاصَّةً، لِكَونِهِ الأَكْثَرَ كَاقْتِصَارِهِمْ فِي المَوضُوعِ عَلَى المَتْنِيِّ لِكَونِهِ الأَهَمَّ» (٢). وقالَ اللَّكنويُّ «ت ١٣٠٤ هـ»: «وَلِذَا سَكَتَ عَنْ ذِكْرِ مَقْلُوبِ المَتْنِ كَثِيرٌ مِنَ المُصَنِّفِينَ فِي هَذَا الفَنِّ، كَمَا أَنَّهُمْ اقْتَصَرُوا فِي بَحْثِ المَوضُوعِ المُخْتَلَقِ مَتْنَاً لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الحَدِيثُ صَحِيحَاً وَالسَّنَدُ مَوضُوعَاً» (٣).
وعلى هذَا فأنواعُ الحديثِ المقلوبِ تتعدَّد بالنِّسبةِ إلى المتنِ والسَّندِ، والعمدِ والخطأِ.
ونحنُ بصددِ الكلامِ على القلبِ في السَّندِ، فهوَ يتنوَّعُ إلى أنواعٍ:
أَوَّلَاً: التَّقديمُ والتَّأخيرُ في اسمِ الرَّاوي ونسبِهِ: قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «وَمِنْ هَذَا القِسْمِ مَا يَقَعُ الغَلَطُ فِيهِ بِالتَّقْدِيمِ فِي الأَسْمَاءِ وَالتَّاخِيرِ، كَمُرَّةَ بنِ كَعْبٍ، فَيَجْعَلُهُ كَعْبَ بنَ مُرَّةَ стр. 283
وَمُسْلِمُ بنُ الوَلِيدِ فَيَجْعَلُهُ الوَلِيدَ بنَ مُسْلِمٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا أَوهَمَهُ كَونُ اسْمِ أَحَدِهِمَا اسْمُ أَبِي الآَخَرِ» (١).
ثَانِيَاً: التَّقديمُ والتَّأخيرُ بينَ راوٍ وآخرَ: وقدِ اهتمَّ العلماءُ بروايةِ الأكابرِ عنِ الأصاغرِ، وروايةِ الآباءِ عنِ الأبناءِ لدفعِ توهُّمِ انقلابِ السَّندِ، قالَ ابنُ أبي حاتمٍ «ت ٣٢٧ هـ»: سُئِلَ أبو زُرعةَ عنْ حديثٍ رواهُ ابنُ المباركِ، عنْ عنبسةَ بنِ سعيدٍ، عنِ الشَّعبيِّ، عنْ جابرٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «لَا يُسْتَقَادُ مِنَ الجُرْحِ حَتَّى يَبْرَأَ». قالَ أبو زُرعةَ: «هُوَ مُرْسَلٌ مَقْلُوبٌ» (٢). يعني أبو زُرعةَ أنَّ صوابَهُ: «ابنُ المباركِ، عنْ عنبسةَ بنِ سعيدٍ، عنْ جابرٍ، عنِ الشَّعبيِّ، عنْ النَّبيِّ ﷺ ». فهذَا قلبٌ مفسدٌ جدَّاً، ليسَ في تصييرِ المرسلِ موصولاً فقطْ، إذ الشعبي تابعي. بلْ جابرٌ هذَا في حالِ الوصلِ هوَ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ الأنصاريُّ الصَّحابيُّ، وفي حالِ كونِهِ الرَّاوي عنِ الشَّعبيِّ فهوَ جابرُ بنُ يزيدَ الجُعفيُّ أحدُ المتَّهمينَ بالكذبِ في الحديثِ (٣).
ثالثاً: إبدالُ راوٍ بآخرَ منْ طبقتِهِ: قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ» في حدِّ المقلوبِ: «هُوَ نَحْو حَدِيثٍ مَشْهُورٍ عَنْ سَالِمٍ، جُعِلَ عَنْ نَافِعٍ، لِيَصِيرَ بِذَلِكَ غَرِيبَاً مَرْغُوبَاً فِيهِ» (٤).
رابعاً: إِبدالُ سندٍ بآخرَ وجعلِهِ لمتنٍ آخرَ: قالَ الجَعبَريُّ «ت ٧٣٢ هـ»: «المَقْلُوبُ: رِوَايَةُ حَدِيثٍ بِإِسْنَادٍ آَخَرَ وَعَكْسِهِ، لِلتَّرْغِيبِ أَوْ الاِمْتِحَانِ أَوْ التَّبْكِيتِ» (٥). قالَ الزَّركشيُّ стр. 284
«ت ٧٩٤ هـ»: «الثَّانِي: أَنْ يُوجَدَ إِسْنَادُ مَتْنٍ فَيُجْعَلَ عَلَى مَتْنٍ آَخَرَ، أَوْ مَتْنٍ فَيُجْعَلَ بِإِسْنَادٍ آَخَرَ» (١). ومنْ قبيلِ هذَا ما فعلَهُ أهلُ بغدادَ معَ البخاريِّ اختباراً لهُ، حيثُ قلبُوا متونَ وأسانيدَ مئةِ حديثٍ، فجعلُوا متنَ هذَا الإسنادِ لإسنادٍ آخرَ وإسنادَ هذَا المتنِ لمتنٍ آخرَ، ثمَّ ألقُوهَا عليهِ، فلمَّا فرغُوا ردَّ كلَّ متنٍ إلى إسنادِهِ وكلَّ إسنادٍ إلى متنِهِ، فأذعنُوا لهُ بالفضلِ (٢).
* * * стр. 285
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: حُكْمُ الحَدِيثِ المَقْلُوبِ:
تكلَّمَ العلماءُ على المقلوب في أنواعِ الحديثِ الضَّعيفِ، فإذا كانَ القلبُ في الحديثِ خطأً أو سهواً فهوَ ضعيفٌ، فإذَا غلبَ على حديثِ الرَّاوي فحديثُهُ منكرٌ، فإنْ لمْ يكثرْ يكونُ صاحبُهُ تارةً منْ شرطِ الحسنِ وتارةً مِنْ شرطِ الصَّحيحِ.
وهوَ بمرتبةِ الموضوعِ إنْ كانَ عمداً بقصدِ الإغرابِ، وفاعلُهُ منَ الوضَّاعينَ، وحديثُهُ مردودٌ. قالَ الزَّركشيُّ «ت ٧٩٤ هـ»: «قَدْ يَقْصِدُ بِهِ الإِغْرَابَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ كَالْوَضْعِ» (١).
وإنْ وقعَ القلبُ عمدَاً بقصدِ الامتحانِ فالجمهورُ على جوازِهِ، ليُعلَمَ بهِ ضبطُ الرَّاوي منْ عدمِهِ، قالَ الحافظُ العراقيُّ «ت ٨٠٤ هـ»: «وَقَدْ يُفْعَلُ اخْتِبَارَاً لِحِفْظِ المُحَدِّثِ، وَهَذَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الحَدِيثُ كَثِيرَاً، وَفِي جَوَازِهِ نَظَرٌ، إِلَّا أَنَّهُ إِذَا فَعَلَهُ أَهْلُ الحَدِيثِ لَا يَسْتَقِرُّ حَدِيثَاً، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ اخْتِبَارُ حِفْظِ المُحَدِّثِ بِذَلِكَ، أَوْ اخْتِبَارُهُ هَلْ يَقْبَلُ التَّلْقِينَ أَوْ لَا» (٢). قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَشَرْطُهُ أَنْ لَا يَسْتَمِرَّ عَلِيهِ بَلْ يَنْتَهِي بِانْتِهَاءِ الحَاجَةِ» (٣). стр. 286
المَطْلَبُ الرَّابِعُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ المَقْلُوبِ «سَنَدَاً»:
بيَّنَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» الطَّريقَ لمعرفةِ الحديثِ المقلوبِ، فقالَ: «كُلُّ مَقْلُوبٍ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَونِهِ مُعَلَّلَاً أَوْ شَاذَّاً لِأنَّهُ إِنَّمَا يَظْهَرُ أَمْرُهُ بِجَمْعِ الطُّرُقِ وَاعْتِبَارِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، وَمَعْرِفَةِ مَنْ يُوَافِقُ مِمَّنْ يُخَالِفُ» (١). فالحديثُ قدْ يأتي مقلوبَاً عمدَاً أو سهوَاً منْ طريقٍ، ويأتي صحيحَاً منْ طريقٍ أو طُرقٍ أخرى، فإذَا تواطَأ الرُّواةُ الثِّقاتُ على روايةٍ، وخالفَهُم راوٍ بصورةٍ مِنْ صُورِ القلبِ، عُلمَ حينئذٍ صوابُهُمْ مِنْ خطئِهِ، ورُجِّحتْ رِوايتُهُمْ للكثرةِ أو القرينةِ.
وثمَّةَ طريقةٌ أخرى اعتمدَهَا الأئمَّةُ الحفَّاظُ مِنَ المحدِّثينَ في معرفةِ المقلوبِ، بحفظِ النُّسخِ الموضوعةِ وأحاديثِ المتَّهمينَ، حتَّى إذَا جاءَ من يقلبُهَا عُرفتْ عندهُمْ، قالَ مالكُ بنُ إسماعيلَ النَّهديُّ (٢) «ت ٢١٩ هـ»: «جَاءَنِي عَلِيُّ بنُ المَدِينِيِّ، فَكَتَبَ عَنِّي عَنْ عَبْدِ السَّلَامِ بنِ حَرْبٍ أَحَادِيثَ إِسْحَاقَ بنِ أَبِي فَرْوَةَ، فَقُلْتُ: أَيُّ شَيءٍ تَصْنَعُ بِهَا، قَالَ: أَعْرِفُهَا، لَا تُقْلَبُ» (٣).
ومنْ جهةٍ أخرى فإنَّ معرفةَ المقلوبِ تنفي تعدُّدَ الطُّرقِ والأحاديثِ، كمَا إذَا وقعَ القلبُ في اسمِ الصَّحابيِّ فيُظنُّ حديثانِ، وهوَ على الحقيقةِ حديثٌ واحدٌ، أو وقعَ القلبُ في стр. 287
اسمِ راوٍ فيُظنُّ للحديثِ طريقانِ، وهوَ ليسَ إلَّا طريقٌ واحدٌ، وبمعنى آخرَ: معرفةُ المقلوبِ تَفيدُ في نفيِ المتابعِ والشَّاهدِ عنْ بعضِ الأفرادِ، نقلَ السَّخاويُّ عنِ ابنِ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» قولَهُ: «إِنَّهُ لَمْ يَجِدْ مَنْ أَفْرَدَهُ - أَي: الحَدِيثَ المَقْلُوبَ - مَعَ مَسِيسِ الحَاجَةِ إِلَيهِ بِحَيثُ أَدَّى الإِخْلَالُ بِهِ إِلَى عَدِّ الحَدِيثِ الوَاحِدِ أَحَادِيثَ، إِذَا وَقَعَ القَلْبُ فِي الصَّحَابِيِّ، وَيُوجَدُ ذَلِكَ فِي كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ فَضْلَاً عَمَّنْ دُونَهُ، حَيثُ يُقَالُ: وَفِي البَابِ عَنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، وَيَكُونُ الوَاقِعُ أَنَّهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ اخْتُلِفَ عَلَى رَاوِيهِ» (١). ومثالُ ذلكَ ما ذكرَهُ ابنُ حبَّانَ «ت ٣٥٤ هـ» في ترجمةِ «سعيدِ ابنِ أوسٍ»: «رَوَى عَنِ ابْنِ عَونٍ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «يَا بِلَالُ أَسْفِرْ بِالصُّبْحِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ». ثَنَاهُ الحُسَينُ بْنُ إِسْحَاقَ الأَصْبَهَانِيُّ بِالْكَرْخِ، ثَنَا القَاسِمُ ابنُ عِيسَى الحَضْرَمِيُّ، ثَنَا سَعِيدُ بنُ أَوسٍ. وَلَيسَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ ابنِ عَونٍ، وَلَا ابنِ سِيرِينَ، وَلَا أَبِي هُرَيرَةَ، وَإِنَّمَا هَذَا المَتْنُ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ فَقَطْ فِيمَا يُشْبِهُ هَذَا، مِمَّا لَا يَشُكُّ عَوَامُّ أَصْحَابِنَا أَنَّهَا مَقْلُوبَةٌ أَوْ مَعْمُولَةٌ» (٢). فيُظنُّ أنَّ هذَا الحديثَ لهُ روايةٌ عنْ أبي هريرةَ ﵁ بسببِ القلبِ، وهوَ ليسَ كذلكَ (٣).
وإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفَةِ القلبِ في الإسنادِ بأنواعِهِ، مِنْ خلالِ الأمثلةِ الآتيةِ: стр. 288
أوَّلاً: التَّقديمُ والتَّأخيرُ في اسمِ الرَّاوي ونسبِهِ:
مثالُهُ حديثُ عمرِو بنِ خارجةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «إِنَّ اللهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ».
الحديثُ أخرجَهُ النَّسائيُّ «ر ٣٦٤١» و «ر ٦٤٦٨»، والتِّرمذيُّ «ر ٢١٢١»، وأحمدُ «ر ١٧٧٠١»، وأبو يعلى «ر ١٥٠٨»، والطَّبرانيُّ في الكبيرِ «ر ٦١»، مِنْ طريق أَبي عَوانةَ (١)، عنْ قتادةَ، عنْ شهرِ ابنِ حوشبٍ، عنْ عبدِ الرَّحمنِ بنِ غَنْمٍ، عنْ عمرِو بنِ خارجةَ ﵁.
وتابعَهُ هشامُ الدَّستُوَائيُّ (٢)، عندَ الدَّارِمِيِّ «ر ٣٢٦٠»، والطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر ٦٠».
وابنُ أبي عَرُوبَةَ (٣)، عندَ ابنِ ماجةَ «ر ٢٧١٢»، والدَّارقُطنيِّ «ر ١٣»، والبيهقيِّ «ر ١٢٣١٩».
وحمَّادُ بنُ سلمةَ (٤)، عندَ أحمدَ «ر ١٧٧٠٢»، والطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر ١٤».
وشعبةُ بنُ الحجَّاجِ (٥)، عندَ النَّسائيِّ «ر ٣٦٤٢».
ورواهُ الطَّبرانيُّ في المعجمِ الكبيرِ «ر ٤١٤٠» منْ طريقِ عبدِ اللهِ بنِ حمزةَ الزُّبَيريِّ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ نافعٍ، عنْ عبدِ الملكِ بنِ قُدَامةَ، عنْ أبيهِ، عنْ خارجةَ بنِ عمرٍو. стр. 289
قالَ الطَّبرانيُّ (١) «ت ٣٦٠ هـ»: «عَمْرُو بنُ خَارِجَةَ الأَسْعَدِيُّ، وَيُقَالُ: خَارِجَةُ بنُ عَمْرٍو. وَالصَّوَابُ: عَمْرُو بنُ خَارِجَةَ، حَلِيفُ أَبِي سُفْيَانَ بنِ حَرْبٍ بنِ أُمَيَّةَ بنِ عَبْدِ شَمْسٍ بنِ عَبْدِ مَنَافٍ» (٢). وقالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» في الدِّرايةِ: «وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ، فَقَالَ: عَنْ خَارِجَةَ بنِ عَمْرٍو، وَهُوَ مَقْلُوبٌ» (٣). وقالَ في التَّلخيصِ: «وَمِنْ حَدِيثِ خَارِجَةَ بنِ عَمْرٍو عِنْدَ الطَّبَرانيِّ فِي الكَبِيرِ، وَلَعَلَّهُ عَمْرُو بنُ خَارِجَةَ، انْقَلَبَ» (٤).
فبالسَّبرِ تبيَّنَ القلبُ في اسمِ عمرِو بنِ خارجةَ عندَ الطَّبرانيِّ إلى خارجةَ بنِ عمرٍو، كمَا ترجَّحَ لنَا أنَّ الصوابَ «عمرُو بنُ خارجةَ» والعكسُ مقلوبٌ، لتواطُؤِ الرُّواةِ الثِّقاتِ على ذلكَ ولانفرادِ روايةِ الطَّبرانيِّ بالقلبِ.
* * *
ثَانِيَاً: التَّقديمُ والتَّأخيرُ بينَ راوٍ وآخرَ:
ومثالُهُ حديثُ ابنِ بُريدَةَ، عنْ أبيهِ، عنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «كُنَّا نَهَينَاكُمْ عَنْ الشُّرْبِ فِي الأَوعِيَةِ، فَاشْرَبُوا فِي أَيِّ سِقَاءٍ شِئْتُمْ، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرَاً».
الحديثُ أخرجَهُ أحمدُ «ر ٢٣٠٦٧»، منْ طريقِ أيُّوبَ بنِ جابرٍ (٥)، عنْ سِمَاكِ بنِ حربٍ، عنْ القاسمِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عنْ ابنِ بُريدةَ، عنْ أبيهِ، عنِ النَّبيِّ ﷺ . стр. 290
وتابعَهُ محمَّدُ بنُ جابرٍ (١)، عندَ الدَّارقُطنيِّ «ر ٦٧»، والطَّبرانيِّ في الأوسطِ «ر ٢٩٦٦».
وشريكُ بنُ عبدِ اللهِ (٢)، عندَ النَّسائيِّ «ر ٥١٨٨»، وابنِ ماجةَ «ر ٣٤٠٥».
وقدْ تابعَ سِمَاكَ بنَ حربٍ، والقاسمَ بنَ عبدِ الرَّحمنِ رواةٌ كثُرٌ عنْ ابنِ بريدةَ، عنْ أبيهِ، اقتصرتُ على ذكرِ ما سلفَ لبيانِ موطنِ الخطأِ مِنَ الرُّواةِ، وهوَ أبو الأحوصِ (٣)، فقدْ خالفَ الرُّواةَ عنْ سِمَاكٍ، فروى الحديثَ عنْ سِمَاكِ بنِ حربٍ، عنِ القَاسمِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عنْ أبيهِ، عنْ أبي بُردَةَ، عندَ النَّسائيِّ «ر ٥٦٧٧»، وابنِ أبي شيبةَ «ر ٢٣٩٤٠»، والطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر ٥٢٢»، والطَّيالسيِّ «ر ١٣٦٩»، والدَّارقُطنيِّ «ر ٦٦»، والبيهقيِّ «ر ١٧١٨٥».
وبالسَّبرِ تبيَّنَتْ مخالفَةُ أبي الأحوصِ لجميعِ الرُّواةِ عن سِمَاكٍ، حيثُ صحَّفَ «ابنَ بُريدةَ» إلى «أبي بُردةَ»، وقلبَ السَّندَ فقالَ «عنْ أبيهِ، عنْ أبي بُردَةَ»، والصَّوابُ «عنْ ابنِ стр. 291
بُريدَةَ، عنْ أبيهِ» فعادَ الضَّميرُ في «أبيهِ» على عبدِ الرَّحمنِ والدِ القاسمِ، وهوَ خلافُ الصَّوابِ.
قال ابن حنبل «ت ٢٤١ هـ» «حَدِيثُ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، خَطَأَ الإِسْنَادِ وَالكَلَامِ؛ فَأَمَّا الإِسْنَادُ فَإِنَّ شَرِيكَاً وَأَيُّوبَ وَمُحَمَّداً - ابْنَي جَابِرٍ - رَوَوهُ عَنْ سِمَاكٍ، عَنِ القَاسِمِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ ابْنِ بُرَيدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ النَّبِي ﷺ ، كَمَا رَوَى النَّاسُ» (١). وقالَ أبو زُرعةَ «ت ٢٨١ هـ»: «هَذَا حَدِيثٌ مَقْلُوبٌ، مُصَحَّفٌ، فَاحِشٌ فِي القَلْبِ لِأَنَّهُ قَالَ: عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ» (٢). وقالَ النَّسائيُّ «ت ٣٠٣ هـ»: «غَلِطَ فيه أبو الْأَحْوَصِ - سَلَّامُ بن سُلَيمٍ - لَا نَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا تَابَعَهُ عليه من أَصْحَابِ سِمَاكِ بن حَرْبٍ» (٣).
* * *
ثالثاً: إبدالُ راوٍ بآخرَ منْ طبقتِهِ:
مثالُهُ: حديثُ أبي هُريرةَ ﵁، عنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «إِذَا لَقِيتُمُ المُشْرِكِينَ فِي طَرِيقٍ، فَلَا تَبْدَؤُوهُمْ بِالسَّلَامِ، وَاضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِهَا».
الحديثُ أخرجَهُ مسلمٌ «ر ٢١٦٧»، والتِّرمذيُّ «ر ١٦٠٢» منْ طريقِ عبدِ العزيزِ الدَّرَاوَرْدِيِّ (٤)، عنْ سُهَيلِ بنِ أبي صالحٍ، عنْ أبيهِ، عنْ أبي هُريرةَ ﵁. стр. 292
وتابعَهُ شعبةُ (١)، عندَ أبي داودَ «ر ٥٢٠٥»، وابنِ حبَّانَ «ر ٥٠١»، والطَّيالسيِّ «ر ٢٤٢٤».
وسفيانُ الثَّوريُّ (٢)، عندَ أحمدَ «ر ٩٧٢٤»، وعبدِ الرَّزَّاقِ «ر ٩٨٣٧».
ومَعْمَرُ بنُ راشدٍ (٣)، عندَ عبدِ الرَّزَّاقِ «ر ٩٨٣٧».
ورَوحُ بنُ القاسمِ (٤)، عندَ الطَّبرانيِّ في الأوسطِ «ر ٧٠٥».
وزُهيرُ بنُ معاويةَ (٥)، عندَ أحمدَ «ر ٧٥٥٧»، وابنِ الجعدِ «ر ٢٦٧٢».
وجريرُ بنُ عبدِ الحميدِ (٦)، عندَ البيهقيِّ «ر ١٨٥٠٦».
وخالفَهُمْ حمَّادُ بنُ عمرٍو (٧)، عندَ الطَّبرانيِّ في الأوسطِ «ر ٦٣٥٨»، والعُقيليِّ في الضُّعفاءِ «ر ٣٧٦»، فرواهُ عنِ الأعمشِ، عنْ أبي صالحٍ، عنْ أبي هريرةَ ﵁. стр. 293
فبالسَّبرِ اتَّضحَ إبدالُ حمَّادِ بنِ عمرٍو للأعمشِ بسُهيلِ بنِ أبي صالحٍ، حيثُ قلبَهُ لقصدِ الإغرابِ (١)، كمَا تبيَّنَ رُجحانُ روايةِ ابنِ أبي صالحٍ، لتواطؤِ الرُّواةِ الثِّقاتِ على ذلكَ،
وإغرابِ حمَّادِ بنِ عمرٍو وتفرُّدِهِ بروايةِ الأعمشِ دونَ غيرِهِ مِنَ الرُّواةِ، وحمَّادُ هذَا منكرُ الحديثِ (٢).
قالَ العُقيليُّ (٣) «ت ٣٢٢ هـ»: «وَلَا يُحْفَظُ هَذَا مِنْ حَدِيثِ الأَعْمَشِ، إِنَّمَا هَذَا حَدِيثُ سُهَيلِ ابنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ» (٤). وقالَ الزَّركشيُّ «ت ٧٩٤ هـ»: «فَهَذَا مَقْلُوبٌ، قَلَبَهُ حَمَّادُ بنُ عَمْرٍو - أَحَدُ الهَالِكِينَ - فَجَعَلَهُ عَنِ الأَعْمَشِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَعْرُوفٌ بِسُهَيلِ بنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. هَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ» (٥).
* * *
رابعاً: إِبدالُ سندٍ بآخرَ وجعلُهُ لمتنٍ آخرَ:
مثالُهُ: حديثُ أبي قتادةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَونِي». стр. 294
الحديثُ أخرجَهُ البخاريُّ «ر ٦١١»، وأحمدُ «ر ٢٢٥٨٧»، والدَّارميُّ «ر ١٢٦١»، مِنْ طريقِ هشامٍ الدَّستوائيُّ (١)، عنْ يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ أبي قتادةَ، عنْ أبي قتادةَ ﵁.
وتابعَ هشاماً مَعْمَرُ بنُ راشدٍ (٢)، عندَ التِّرمذيِّ «ر ٥٩٢»، والنَّسائيِّ في الكبرى «ر ١٦٥١»، وعبدِ الرَّزَّاقِ «ر ١٩٣٢»، والحميديِّ «ر ٤٢٧»، وابنِ أبي شيبةَ «ر ٤٠٩٣»، وابنِ حبَّانَ «ر ٢٢٢٣».
وحجَّاجُ بنُ أبي عثمانَ (٣)، عندَ مسلمٍ «ر ٦٠٤»، والنَّسائيِّ في الكبرى «ر ٨٦٥»، وابنِ حنبلٍ «ر ٢٢٥٨٦»، وابنِ خُزيمةَ «ر ١٥٢٦»، وأبي عَوانةَ «ر ١٣٣٥»، وابنِ حبَّانَ «ر ٢٢٢٢».
وأبَّانُ بنُ يزيدَ العطَّارُ (٤)، عندَ أبي داودَ «ر ٥٣٩»، وابنِ حنبلٍ «ر ٢٢٦٤٩».
وعليُّ بنُ المباركِ (٥)، عندَ البُخاريِّ «ر ٨٦٧»، وأبي عَوانةَ «ر ١٣٤١»، وابنِ حبَّانَ «ر ١٧٥٥».
وهمَّامُ بنُ يحيى (٦)، عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ٢٢٦٧٥»، والدَّارميِّ «ر ١٢٦٢». стр. 295
وخالفَهُمْ جريرُ بنُ حازمٍ (١)، فروى الحديثَ عنْ ثابتٍ، عنْ أنسٍ ﵁، عندَ الطَّيالسيِّ «ر ٢٠٢٨»، وعبدِ بنِ حُميدٍ «ر ١٢٥٩»، والطَّبرانيِّ في الأوسطِ «ر ٩٣٨٧».
مثَّلَ ابنُ الصَّلاحِ ومنْ تبعَهُ بهذَا الحديثِ للمقلوبِ (٢).
وقدْ بيَّنَ حمَّادُ بنُ زيدٍ «ت ١٧٩ هـ» سببَ القلبِ هذَا، فقالَ لسائلِهِ «إسحاقَ بنِ عيسى الطَّباعِ»: «وَهِمَ جَرِيرٌ، إنَّمَا كُنَّا جَمِيعَاً فِي مَجْلِسِ ثَابِتٍ البُنَانيِّ، وَحَجَّاجُ بنُ أَبِي عُثْمَانَ مَعَنَا، فَحَدَّثَنَا حَجَّاجُ الصَّوَّافُ، عَنْ يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ … فَظَنَّ أَبُو النَّضْرِ أنَّهُ فِيمَا حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ» (٣).
لقدْ ظهرَ الخلافُ جليَّاً بسبرِ طرقِ هذَا الحديثِ بينَ مَنْ أوردَهُ منْ حديثِ أبي قتادةَ ﵁، وبينَ جريرِ بنِ حازمٍ الذي رواهُ مِنْ حديثِ أنسٍ ﵁، وترجَّحَ لنَا طريقُ أبي قتادةَ ﵁ لتوافقِ الأثباتِ عليهِ، ومخالفةِ مَنْ هوَ أقلُّ مرتبةً منهُمْ، قالَ يحيى القطَّانُ «ت ١٩٨ هـ»: «جَرِيرُ بنُ حَازِمٍ رُبَّمَا يَهِمُ فِي الشَّيءِ وَهُوَ صَدُوقٌ» (٤). كمَا اعتمدَ الأئمَّةُ قرينةَ سماعِ جريرٍ للحديثِ في مجلسِ ثابتٍ، كسببٍ للوهمِ أدَّى إلى قلبِهِ (٥).
* * * стр. 296
المَبْحَثُ السَّادِسُ: مَعْرِفَةُ الإِدْرَاجِ فِي الإِسْنَادِ: (١)
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ المُدْرَجِ لُغَةً وَاصْطِلَاحَاً:
المُدرَجُ: لغةً: بضمِّ الميمِ وفتحِ الرَّاءِ، اسمُ مفعولٍ مِنْ «أَدْرَجَ»، وأدرجتُ الشَّيءَ في الشَّيءِ، إذَا أدخلتُهُ فيهِ وضمَّنتُهُ إيَّاهُ (٢).
اصطلاحَاً: ما ضُمِّنَ في الحديثِ «متنِهِ أو سندِهِ» مُتَّصلاً بهِ منْ غيرِ فصلٍ وليسَ منهُ.
ومنْ أشهرِ المصنَّفاتِ في الحديثِ المُدرَجِ «الفصلُ للوصلِ المُدرجِ في النَّقلِ» (٣) للخطيبِ البغداديِّ، نقَّحهُ الحافظُ ابنُ حجرٍ وزادَ عليهِ قدرَهُ مرَّتينِ أو أكثرَ في كتابٍ أسماهُ «تقريبُ المنهجِ بترتيبِ المُدرجِ» (٤)، واستخلصَ السُّيوطيُّ منْ كتابِ ابنِ حجرٍ جُزءاً لطيفاً أسماهُ «المَدْرَجُ إلى المُدْرَجِ» (٥) اقتصرَ فيهِ على مُدرجِ المتنِ دونَ الإسنادِ، ولهُ فيهِ زياداتٌ (٦). стр. 297
المَطْلَبُ الثَّانِي: أَنْوَاعُ الحَدِيثِ المُدْرَجِ «سَنَدَاً»:
المُدرَجُ ينقسمُ بحسبِ موضعِهِ إلى قسمينِ: مُدرَجُ المتنِ، ومُدرَجُ الإسنادِ. قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «المُدْرَجُ يَقَعُ فِي السَّنَدِ وَالمَتْنِ، وَلِكُلٍّ مُنْهُمَا أَقْسَامٌ» (١).
فمُدرجُ الإسنادِ ينقسمُ إلى أربعةِ أقسامٍ رئيسةٍ كمَا عدَّهَا الحافظُ ابنُ حجرٍ (٢):
أولاً: أنْ يرويَ جماعةٌ الحديثَ بأسانيدَ مختلفةٍ، فيرويهِ عنهُمْ راوٍ فيجمعُ الكلَّ على إسنادٍ واحدٍ منْ تلكَ الأسانيدِ، ولا يُبيِّنُ الاختلافَ.
ثانياً: أنْ يكونَ المتنُ عندَ راوٍ إلَّا طرفَاً منهُ، فإنَّهُ عندَهُ بإسنادٍ آخرَ، فيرويهِ راوٍ عنهُ تامَّاً بالإسنادِ الأوَّلِ.
ومنهُ - أي: منْ قبيلِ القسمِ الثَّاني - أنْ يسمعَ الحديثَ منْ شيخِهِ إلَّا طرفَاً منهُ، فيسمعُهُ عنْ شيخِهِ بواسطةٍ فيرويهِ راوٍ عنهُ تامَّاً بحذفِ الواسطةِ.
ثالثاً: أنْ يكونَ عندَ الرَّاوي متنانِ مختلفانِ بإسنادينِ مختلفينِ، فيرويهِمَا راوٍ عنهُ مُقتصرَاً على أحدِ الإسنادينِ. стр. 298
أو يرويَ أحدَ الحديثينِ بإسنادِهِ الخاصِّ بهِ، لكنْ يزيدُ فيهِ مِنَ المتنِ الآخرِ ما ليسَ في الأوَّلِ.
رابعَاً: أنْ يسوقَ الإسنادَ، فيعرضُ لهُ عارضٌ، فيقولُ كلامَاً مِنْ قِبَلِ نفسِهِ، فيظُنُّ بعضُ مَنْ سمعَهُ أنَّ الكلامَ هوَ متنُ ذلكَ الإسنادِ، فيرويهِ عنهُ كذلكَ.
قالَ القَارِيُّ «ت ١٠١٤ هـ»: «هَذِهُ الوُجُوهُ الأَرْبَعَةُ أَقْسَامُ مُدْرَجِ الإِسْنَادِ» (١). стр. 299
المَطْلَبُ الثَّالثُ: حُكْمُ الحَدِيثِ المُدْرَجِ والإِدْرَاجِ:
الحديثُ المُدرجُ مِنْ أنواعِ الضَّعيفِ، ويُحكمُ عليهِ منْ حيثُ دخولُهُ في الحديثِ، فهوَ مِنْ حيثُ كونُهُ مُدرجَاً ضعيفٌ، وإنْ صحَّ أو حَسُنَ بورودِهِ منفصلاً منْ طريقٍ أخرى.
والإدراجُ إذَا وقعَ سهوَاً أو خطأً فلا يُؤاخذُ عليهِ صاحبُهُ، إلَّا إذَا كثُرَ منهُ وقوعُ ذلكَ، فإنَّهُ يكونُ حينئذٍ جرحَاً في ضبطِهِ (١).
فإذَا كانَ عنْ تعمُّدٍ فهوَ حرامٌ بإجماعِ المحدثينَ والفقهاءِ، قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «تَعَمُّدُ الإِدْرَاجِ لِكُلِّ الأَقْسَامِ المُتَعَلِّقَةِ بِالمَتْنِ وَالسَّنَدِ مَحْظُورٌ، أَي: حَرَامٌ، لِمَا يَتَضَمَّنُ مِنْ عَزْوِ الشَّيءِ لِغَيرِ قَائِلِهِ، وَأَسْوَأُهُ مَا كَانَ فِي المَرْفُوعِ مِمَّا لَا دَخَلَ لَهُ فِي الغَرِيبِ المُتَسَامَحِ فِي خَلْطِهِ أَوْ الاِسْتِنْبَاطِ» (٢). وقالَ الزركشيُّ «ت ٧٩٤ هـ»: «وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ المَاوَرْدِيَّ وَالرَّوَيَانِيَّ وَابْنَ السَّمْعَانِيِّ قَالُوا: مَنْ تَعَمَّدَ الإِدْرَاجَ فَهُوَ سَاقِطُ العَدَالَةِ، وَمِمَّنْ يُحَرِّفُ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَهُوَ مُلْحَقٌ بِالكَذَّابِينَ» (٣). واستثنى السُّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ» مِنَ العمدِ ما كانَ تفسيرَاً لغريبٍ، فقالَ: «وَعِنْدِي أَنَّ مَا أُدرِجَ لِتَفسِيرِ غَرِيبٍ لَا يُمنَعُ، وَلِذَلِكَ فَعَلَهُ الزُّهْرِيُّ وَغَيرُ وَاحِدٍ مِنَ الأَئِمَّةِ» (٤). لكنَّ الأولى أنْ ينصَّ الرَّاوي على بيانِهِ. стр. 300
المَطْلَبُ الرَّابِعُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ المُدْرَجِ «سَنَدَاً»:
اهتمَّ العلماءُ بمعرفةِ الإدراجِ اهتمامَاً كبيراً، حتَّى لا يلتبسَ كلامُ النَّبيِّ ﷺ بغيرِهِ، ويُجعلَ فيهِ ما ليسَ منهُ، والكشفُ عنِ الإدراجِ في الحديثِ أمرٌ غايةٌ في العُسْرِ، تحكمُهُ القرائنُ وتقوِّيهِ المرجِّحاتُ وتعضدُهُ أقوالُ أئمَّةِ هذَا الشَّأنِ، فهوَ يفتقرُ إلى سَعَةِ اِطِّلاعٍ على أقوالِ النُّقَّادِ وصنيعِهِمْ، ووُسعِ درايةٍ بالطُّرقِ والأسانيدِ، وتجدرُ الإشارةُ إلى أنَّهُ لا يُمكنُ إغفالُ المتنِ عندَ الكلامِ على أثرِ السَّبرِ في معرفةِ الحديثِ المُدرجِ سندَاً، فثمَّةَ ترابطٌ واضحٌ بينَهُمَا (١)، وقدْ بيَّنَتْ كتبُ أصولِ الحديثِ ومصطلحِهِ الطُّرقَ والوسائلَ التي وضعهَا العلماءُ لكشفِ الإدراجِ سواءٌ في السَّندِ أو المتنِ، نُبيُّنُهَا فيمَا يأتي ونخصُّ السَّبرَ بمزيدِ تفصيلٍ، لأنَّ مدارَ بحثِنَا عليهِ:
أوَّلَاً: أنْ يُعرفَ الإدراجُ مِنْ ظاهرِ سياقِ الحديثِ: بأنْ يكونَ لفظُهُ ممَّا يستحيلُ إضافتُهُ إلى النَّبيِّ ﷺ ، وهذَا مختصٌ بمُدرَجِ المتنِ (٢). قالَ القَاريُّ «ت ١٠١٤ هـ»: «وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنَ الوُجُوهِ لِمَعْرِفَةِ الإِدْرَاجِ غَيرُ مُخْتَصٍّ بِإِدْرَاجِ المَتْنِ إِلَّا [مَا ذُكِرَ مِنْ اسْتِحَالَةِ كَونِهِ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ ، كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى المُتَأَمِّلِ» (٣). стр. 301
ويقوِّي الحكمَ عليهِ بالإدراجِ ورودُهُ مِنْ طريقٍ أخرى بدونِ الزِّيادةِ المُدرجةِ مِنْ كلامِ الرَّاوي.
ثانياً: أنْ يردَ التَّنصيصُ على ذلكَ مِنَ الرَّاوي نفسِهِ: كحديثِ ابنِ مسعودٍ ﵁، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «مَنْ جَعَلَ للهِ نِدَّاً دَخَلَ النَّارَ». ثمَّ قالَ: «وَأُخْرَى أَقُولُهَا وَلَمْ أَسْمَعْهَا مِنْهُ: مَنْ مَاتَ لَا يَجْعَلُ للهِ نِدَّاً دَخَلَ الجَنَّةَ» (١). وقدْ يكونُ تنصيصُ الرَّاوي وارداً مِنْ طريقٍ أُخرى، فلَا بُدَّ مِنْ تتبُّعِ المتونِ والأسانيدِ لمعرفةِ ذلكَ.
ثالثاً: أنْ يردَ التَّنصيصُ مِنْ أحدِ الأئمَّةِ المطَّلعينَ: وتنصيصُ المطَّلعينَ مِنَ الأئمَّةِ مُعتَمَدُهُ الطَّريقُ الرَّابعُ: بالسَّبرِ وبيانِ أوجُهِ الاختلافِ والاتِّفاقِ، ومظنَّةُ ذلكَ كتبُ «المُدرجِ» المشارِ إليهَا في مطلعِ هذَا المبحثِ، بالإضافةِ إلى كتبِ التَّخريجِ والعللِ.
رابعاً: السَّبرُ وجمعُ الطُّرقِ: بأنْ يردَ مِنْ طريقٍ أو طُرقٍ أُخرَى تَفصِلُ أو تفصِّلُ (٢) القَدْرَ المُدرجَ عنْ أصلِ الحديثِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَيُدْرَكُ الإِدْرَاجُ بِوُرُودِ رِوَايَةٍ مُفَصِّلَةٍ لِلقَدْرِ المُدْرَجِ مِمَّا أُدْرِجَ فِيهِ» (٣). وذلكَ بأنْ يردَ التَّفصيلُ في الرِّوايةِ بذكرِ الأصلِ وبيانِ الإدراجِ والمُدرِجِ منَ الرُّواةِ في الموضعِ ذاتِهِ، أو أنْ تردَ روايةٌ منْ طريقٍ آخرَ خاليةٍ منَ الإدراجِ. стр. 302
وهذِهِ الطَّريقَةُ تُضافُ إلى الطّرق السَّابقةِ كعاضدةٍ ومقوِّيةٍ لحكمِ الإدراجِ مِنْ عدمِهِ في الحديثِ، وتُعتمَدُ أيضَاً استقلالَاً، فهيَ مِنَ الأهميَّةِ بحيثُ لا يُمكنُ إغفالُهَا أو إهمالُهَا، لكنَّ ابنَ دقيقٍ العيدُ «ت ٧٠٢ هـ» بيَّنَ أنَّ هذَا الطَّريقَ في معرفةِ الحديثِ المُدرَجِ ظنِّيٌ وليسَ بقطعيٍّ ما لمْ تنضمَّ إليهِ قرائنُ تقوِّيهِ، فقالَ: «وَكَثِيرَاً مَا يَسْتَدِلُّونَ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ يَرِدَ الفَصْلُ بَينَ كَلَامِ الرَّسُولِ ﷺ وَكَلَامِ الرَّاوِي مُبَيَّنَاً فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، وَهَذَا طَرِيقٌ ظَنِّيٌّ قَدْ يَقْوَى قُوَّةً صَالِحَةً فِي بَعْضِ المَوَاضِعِ، وَقَدْ يَضْعُفُ» (١). ثمَّ بيَّنَ ما يقوى بهِ ومَا يضعفُ، فقالَ: «فَمِمَّا يَقْوَى فِيهِ: أَنْ يَكُونَ كَلَامُ الرَّاوِي أَتَى بَعْدَ انْقِضَاءِ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ مُتَّصِلَاً بِآخِرِهِ، وَمِمَّا قَدْ يَضْعُفُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مُدْرَجَاً فِي أَثْنَاءِ لَفْظِ الرَّسُولِ ﷺ لَا سِيَمَا إِنْ كَانَ مُقَدَّمَاً عَلَى اللَّفْظِ المَرْوِيِّ أَوْ مَعْطُوفَاً عَلَيهِ بِوَاوِ العَطْفِ» (٢). إلَّا أنَّ ما بيَّنهُ مختصٌّ بمُدرجِ المتنِ، لأنَّهُ قدْ يعسُرُ فصلُهُ أو يشتبهُ بزياداتِ الثِّقاتِ، وهذَا لا ينطبقُ على مُدرجِ الإسنادِ، فدلالةُ السَّبرِ فيهِ دلالةٌ قطعيَّةٌ خصوصَاً لمنْ لهُ معرفةٌ بالطُّرقِ والأسانيدِ والرِّجالِ ومراتبِهِمْ في الحفظِ والإتقانِ، فإذَا توافقَ جمعٌ منَ الرُّواةِ الثِّقاتِ على أصلِ روايةٍ، وخالفَهُمْ فيهَا مَنْ هوَ أقلُّ منهُمْ عددَاً أو رتبةً، فالحكمُ للأكثرِ وللأوثقِ، وبذلكَ يُدرَكُ الإدراجُ بالمخالفةِ، قالَ الدكتورُ حمزةُ المليباريُّ: «المُدَرَجُ نَوعٌ مِنْ أَنْوَاعِ المَعْلُولِ لِأَنَّ الإِدْرَاجَ خَطَأٌ، وَلَا يُعْرَفُ خَطَأُ الإِدْرَاجِ فِي الحَدِيثِ إِلَّا بِالجَمْعِ وَالمُقَارَنَةِ وَالحِفْظِ وَالمَعْرِفَةِ، إِضَافَةً إِلَى رَصِيدٍ مُعْتَبَرٍ مِنَ الخَلْفِيَّاتِ الحَدِيثِيَّةِ، فَإِذَا وُجِدَتِ الرِّوَايَاتُ الأُخْرَى الصَّحِيحَةُ مُتَّفِقَةً عَلَى فَصْلِ القَدْرِ المُدْرَجِ عَنْ بَقِيَّةِ الحَدِيثِ، أَوْ عَلَى تَرْكِهِ وَإِسْقَاطِهِ مِنْهُ، … فَيُحْكَمُ بِالإِدْرَاجِ وَخَطَأِ الرَّاوِي وَوَهْمِهِ فِي جَعْلِهِ طَرَفَاً مِنْهُ» (٣). стр. 303
وقدْ بنى الخطيبُ منهجَهَ في كتابهِ «الفصلُ للوصلِ المدرجِ في النَّقلِ» على قاعدةِ السَّبرِ، بجمعِ الرِّواياتِ الخاليةِ مِنَ الإدراجِ، ومعارضتِهَا بالرِّواياتِ المدرجةِ، إضافةً إلى القواعدِ الأخرى المذكورة آنفاً، ومنْ ثُمَّ التَّرجيحُ على وفقِ هذهِ القواعدِ، قالَ الدكتورُ عبدُ السَّميعِ الأنيسُ (١): «وَقَدْ بَلَغَ عَدَدُ الأَحَادِيثِ التِي أَورَدَهَا فِي كِتَابِهِ «١١٣» حَدِيثَاً، بَينَمَا بَلَغَ عَدَدُ الرِّوَايَاتِ التِي سَاقَهَا لِبَيَانِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ وَفِيهَا رِوَايَاتُ مَنْ فَصَلَ وَمَنْ وَصَلَ «١٢٥٧» رِوَايَةً» (٢). ثمَّ بيَّنَ منهجَ الخطيبِ في كتابِهِ القائمِ على السِّبرِ وتتبُّعِ الطُّرقِ، فقالَ: «وَكَانَ مَنْهَجُهُ فِي كُلِّ الأَحَادِيثِ التِي أَورَدَهَا فِي كِتَابِهِ يَقُومُ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاحِلَ:
المَرْحَلَةُ الأُولَى: يَاتِي بِالرِّوَايَةِ أَوْ الرِّوَايَاتِ التِي فِيهَا إِدْرَاجٌ …
المَرْحَلَةُ الثَّانِيَةُ: يُبَيِّنُ مَا فِي هَذِهْ الرِّوَايَاتِ مِنْ إِدْرَاجٍ … مَعَ ذِكْرِ مَنْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَئِمَّةِ الحَدِيثِ وَنُقَّادِهِ، إِنْ وُجِدَ.
المَرْحَلَةُ الثَّالِثَةُ: ثُمَّ يَاتِي بِالرِّوَايَةِ أَوْ الرِّوَايَاتِ الَّتِي فَصَلَتْ، وَبَيَّنَتِ المُدْرَجَ مِنْ غَيرِهِ.
وَقَدْ سَارَ عَلَى هَذَا المَنْهَجِ فِي جَمِيعِ أَحَادِيثِ الكِتَابِ» (٣). стр. 304
وبمَا أنَّ كتابَ ابنِ حجرٍ «تقريبُ المنهجِ بترتيبِ المُدرَجِ» مفقودٌ، فيُمكنُنَا استيضاحُ منهجِهِ في الكشفِ عنِ الحديثِ المُدرجِ مِنْ كتابهِ «التَّلخيصُ الحبيرُ» فهوَ يتساوقُ معَ منهجِ الخطيبِ المذكورِ، القائمِ على السَّبرِ وجمعِ طرقِ الحديثِ ومعارضةِ مرويَّاتِ الفصلِ بمرويَّاتِ الوصلِ، والتَّرجيحُ أو البيانُ وفقاً لذلكَ (١).
وقدْ أوردتُ مناهجَ هؤلاءِ العلماءِ في كتبهِمْ لأبيِّنَ أنَّ الكشفَ عَنِ الإدراجِ بالسَّبرِ هوَ المنهجُ الذي اعتمدَهُ الأئمَّةُ سواءٌ في السَّندِ أو المتنِ وسواءٌ كانَ اعتمادُهُ استقلالَاً، أو بالإضافةِ إلى الطُّرقِ والقرائنِ الأخرى.
وإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ الحديثِ المُدرَجِ سندَاً مِنْ خلالِ الأمثلةِ الآتيةِ:
أولاً: أنْ يرويَ جماعةٌ الحديثَ بأسانيدَ مختلفةٍ، فيرويهِ عنهُمْ راوٍ فيجمعُ الكلَّ على إسنادٍ واحدٍ منْ تلكَ الأسانيدِ، ولا يُبيِّنُ الاختلافَ: стр. 305
مثالُهُ: حديثُ ابنِ مسعودٍ ﵁، قلتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ: أيُّ الذَّنبِ أعظمُ؟ … ».
* الحديثُ أخرجَهُ البخاريُّ «ر ٥٦٥٥» و «ر ٦٤٢٦»، وأبو داودَ «ر ٢٣١٠»، والتِّرمذيُّ «ر ٣١٨٢»، والنَّسائيُّ «ر ١١٣٦٩»، وابنُ حبَّانَ «ر ٤٤١٦». منْ طريقِ الثَّوريِّ (١)، عنْ منصورِ بنِ المعتمرِ، عنْ أبي وائلٍ شقيقِ بنِ سلمةَ، عنْ عمرِو بنِ شُرحْبيلَ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ﵁.
وتابعَهُ جريرُ بنُ عبدِ الحميدِ (٢) عندَ البخاريِّ «ر ٤٢٠٧» و «ر ٧٠٨٢»، ومسلمٍ «ر ٨٦»، والنَّسائيِّ «ر ٧١٢٤» و «ر ١٠٩٨٧»، وأبي يعلى «ر ٥١٣٠»، والشَّاشيِّ «ر ٧٧٦».
وشعبةُ بنُ الحجَّاجِ (٣)، عندَ أبي عوانةَ «ر ١٥٢».
* وأخرجَهُ البخاريُّ «ر ٦٤٢٦»، والتِّرمذيُّ «ر ٣١٨٢»، والنَّسائيُّ «ر ١١٣٦٩»، منْ طريقِ سفيانَ الثَّوريِّ، عنْ الأعمشِ، عنْ أبي وائلٍ، عنْ عمرِو بنِ شُرحْبِيلَ، عنِ ابنِ مسعودٍ ﵁.
* وأخرجَهُ النَّسائيُّ «ر ٣٤٧٧» منْ طريقِ سفيانَ الثَّوريِّ، عنْ واصلِ بنِ حيَّانَ، عنْ أبي وائلٍ، عنِ ابنِ مسعودٍ ﵁.
وتابعَهُ شعبةُ بنُ الحجَّاجِ عندَ التِّرمذيِّ «ر ٣١٨٣»، وابنِ حنبلٍ «ر ٤١٣٣» و «ر ٤١٣٢»، والطَّيالسيِّ «ر ٢٦٤». стр. 306
واختُلفَ على الثَّوريِّ، فرواهُ ابنُ مهديٍّ (١) عنهُ، عَنْ واصلٍ ومنصورٍ والأعمشِ، عنْ أبي وائلٍ، عنْ ابنِ شُرحبيلَ، عنِ ابنِ مسعودٍ. عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ٤١٣١»، والبيهقيِّ «ر ١٥٦١٨» (٢).
وتابعَهُ مُحمَّدُ بنُ كثيرٍ (٣) عندَ الخطيبِ في المُدرجِ «ر ٩٣».
ورواهُ يحيى بنُ سعيدٍ (٤)، عنْ سفيانَ، عنْ واصلٍ، عنْ أبي وائلٍ، عنْ ابنِ مسعودٍ ﵁، عندَ البخاريِّ «ر ٦٤٢٦»، والنَّسائيِّ «ر ٣٤٧٧». منْ غيرِ ذكرِ ابنِ شُرحْبيلَ.
فمِنْ خلالِ سبرِ طُرقِ هذَا الحديثِ نجدُ في الطريقينِ الأوَّلِ والثَّاني أنَّ سفيانَ روى الحديثَ عنْ منصورٍ والأعمشِ، عنْ أبي وائلٍ، عنْ عمرِو بنِ شُرحبيلَ، عَنِ ابنِ مسعودٍ ﵁.
وفي الطَّريقِ الثَّالثِ روى سفيانُ الحديثَ، عن واصلِ بنِ حيَّانَ، عَنْ أبي وائلٍ، عَنِ ابنِ مسعودٍ ﵁، بدونِ ذكرِ عمرٍو بنِ شُرحبيلَ بينَ أبي وائلٍ وابنِ مسعودٍ ﵁.
وفي الطَّريقِ الرَّابعِ يتبيَّنُ لنَا أنَّ ابنَ مهديٍّ وابنَ كثيرٍ أدرجَا، حيثُ رويَا الحديثَ عنْ سفيانَ، عَنِ الثَّلاثةِ بذكرِ عمرِو بنِ شُرحبيلَ، معَ أنَّ حقَّهُ ألَّا يُذكرَ مِنْ طريقِ واصلٍ. стр. 307
وقدْ فصَلَ يحيى بنُ سعيدٍ القطَّانِ، فرواهُ عنْ سفيانَ، عنْ منصورٍ والأعمشِ، عنْ أبي وائلٍ، عنْ عمرِو بنِ شُرحْبيلَ، عنْ عبدِ اللهِ ﵁. ثمَّ قالَ - يحيى -: وحدَّثنَا سفيانُ، حدَّثني واصلُ، عنْ أبي وائلٍ، عنْ عبدِ اللهِ ﵁ مثلَهُ (١).
قالَ الدَّارقُطنيُّ «ت ٣٨٥ هـ»: «قَالَ لَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّيسَابُورِيُّ: هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِ وَاصِلٍ "عَمْرَو بنَ شُرَحْبِيلَ" وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَهْدِيٍّ وَمُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ، فَجَمَعَا بَينَ وَاصِلٍ وَمَنْصَورٍ وَالأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁، فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الثَّورِيُّ جَمَعَ بَينَ الثَّلَاثَةِ لِعْبَدِ الرَّحْمَنِ بنِ مَهْدِيٍّ وَلِابنِ كَثِيرٍ فَجَعَلَ إِسْنَادَهُمْ وَاحِدَاً، وَلَمْ يَذْكُرْ بَينَهُمْ خِلَافَاً، وَحَمَلَ حَدِيثَ وَاصِلٍ عَلَى حَدِيثِ الأَعْمَشِ وَمَنْصُورٍ، وفَصَلَهُ يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ فَجَعَلَ حَدِيثَ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ وَهُوَ الصَّوَابُ-؛ لِأَنَّ شُعْبَةَ وَمَهْدِيَّ بنَ مَيمُونٍ رَوَيَاهُ عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْد اللهِ ﵁، كَمَا رَوَاهُ يَحْيَى عَنِ الثَّورِيِّ، عَنْهُ، واللهُ أعلمُ» (٢).
* * *
ثانياً: أنْ يكونَ المتنُ عندَ راوٍ إلَّا طرفَاً منهُ، فإنَّهُ عندَهُ بإسنادٍ آخرَ، فيرويهِ راوٍ عنهُ تامَّاً بالإسنادِ الأوَّلِ.
مثالُهُ: حديثُ وائلِ بنِ حُجْرٍ في صفةِ صلاةِ النَّبيِّ ﷺ ، وفي آخرِهِ: «ثُمَّ جِئْتُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي زَمَانٍ فِيهِ بَرْدٌ شَدِيدٌ، فَرَأَيتُهُمْ يُحَرِّكُونَ أَيدِيَهُمْ مِنْ تَحْتِ الثِّيَابِ». стр. 308
الحديثُ رواهُ زائدةُ بنُ قدامةَ (١)، عنْ عاصمِ بنِ كُلَيبٍ، عنْ أبيهِ، عنْ وائلِ بنِ حُجْرٍ - وذكرَ صفةَ صلاةِ النَّبيِّ ﷺ ، بإدراجِ الزِّيادةِ في آخرِهِ، عندَ الدَّارميِّ «ر ١٣٥٧»، وابنِ حنبلٍ «ر ١٨٨٩٠»، وابنِ الجارودِ «ر ٢٠٨»، والطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر ٨٢»، والبيهقيِّ «ر ٢١٥٤»، وأبي داودَ «ر ٧٢٧»، وابنِ حبَّانَ «ر ١٨٦٠».
وتابعَهُ سفيانُ بنُ عيينةَ بإدراجِهَا، عندَ ابنِ خُزيمةَ «ر ٤٥٧»، والبيهقيِّ «ر ٢١٥٤».
وحقيقةُ هذهِ الزِّيادةِ أنَّها مِنْ طريقِ عاصمِ بنِ كُلَيبٍ، عنْ عبدِ الجبَّارِ بنِ وائلٍ، عنْ بعضِ أهلهِ، عنْ وائلِ بنِ حُجْرٍ، عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١٨٨٩٦»، والطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر ٧٦»، والخطيبِ في المُدرجِ «ر ٤٤».
وقدْ فَصَلَ بينَ الرِّوايتينِ:
زُهيرُ بنُ معاويةَ (٢) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١٨٨٩٦»، والطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر ٨٤»، والخطيبِ في المُدرجِ «ر ٤٤».
وشُجاعُ بنُ الوليدِ (٣) عندَ الخطيبِ «ر ٤٤».
فتبيَّنَ لنَا الحكمُ بالإدراجِ في سندِ هذَا الحديثِ، وممَّا يُقوِّيهِ أنَّ جمعاً مِنَ الرُّواةِ رَووا هذَا الحديثَ عنْ عاصمٍ مِنْ غيرِ هذهِ الزِّيادةِ، وهمْ: стр. 309
سفيانُ الثَّوريُّ (١): عندَ عبدِ الرَّزاقِ «ر ٢٥٢٢»، والحميديِّ «ر ٨٨٥»، وابنِ أبي شيبةَ «ر ٢٦٦٧»، وابنِ حنبلٍ «ر ١٨٨٩١»، وأبي داودَ «ر ٤١٩٠»، والنَّسائيِّ «ر ١٢٦٣».
وشعبةُ بنُ الحجَّاجِ (٢) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١٨٨٧٥»، وابنِ خزيمةَ «ر ٦٩٨»، والطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر ٨٣».
وأبو عَوَانةَ (٣) عندَ الطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر ٩٠»، والبيهقيِّ في معرفةِ السُّننِ «ر ٨٧٩».
وجريرُ بنُ عبدِ الحميدِ (٤) عندَ الدَّارقطنيِّ «ر ١٤»، والخطيبِ في المدرجِ «ر ٤٤».
وصالحُ بنُ عمرَ (٥) عندَ الدَّارقطنيِّ «ر ٢٦».
وأبو الأحوصِ (٦) عندَ الطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر ٨٠»، والدَّارقطنيِّ «ر ٢٧».
وعبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ (٧) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١٨٨٧٠»، والبيهقيِّ «ر ٢٣٤٦».
وبِشْرُ بنُ المفضَّلِ (٨) عندَ أبي داودَ «ر ٧٢٦»، وابنِ ماجةَ «ر ٨١٠»، والبزَّارِ «ر ٤٤٨٥»، والنَّسائيِّ «ر ١٢٦٥». стр. 310
وعبدُ العزيزِ بنُ مسلمٍ (١) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١٨٨٨٦» (٢). وغيرُهُمْ.
قالَ الحافظُ موسَى بنُ هارونَ الحمَّالُ (٣) «ت ٢٩٤ هـ»: «وَذَلِكَ - يَعْنِي رِوَايَةُ سُفْيَانَ وَزَائِدَةَ - عِنْدَنَا وَهْمٌ، وَإِنَّمَا أُدْرِجَ عَلَيهِ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَة عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ الجَبَّارِ بنِ وَائِلٍ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ، عَنْ وَائِلٍ، هَكَذَا رَوَاهُ مُبَيِّنَاً زُهَيرُ بنُ مُعَاوِيَةَ وَأَبُو بَدْرٍ شُجَاعُ بنُ الوَلِيدِ، فَمَيَّزَا قِصَّةَ تَحْرِيكِ الأَيدِي مِنْ تَحْتِ الثِّيَابِ وَفَصَلَاهَا مِنَ الْحَدِيثِ، وَذَكَرَا إِسْنَادَهُمَا كَمَا ذَكَرْنَا». ثُمَّ قَالَ: «وَهَذِهِ رِوَايَةٌ مَضْبُوطَةٌ، اتَّفَقَ عَلَيهَا زُهَيرٌ وَشُجَاعُ بنُ الوَلِيدِ، وَهُمَا أَثْبَتُ لَهُ رِوَايَةً مِمَّنْ رَوَى "رَفْعَ الأَيدِي مِنْ تَحْتِ الثِّيَابِ" عَنْ عَاصِمِ بنِ كُلَيبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَائِلٍ» (٤).
ومنهُ - أي: منْ قبيلِ القسمِ الثَّاني - أنْ يسمعَ الحديثَ منْ شيخِهِ إلَّا طرفَاً منهُ، فيسمعُهُ عنْ شيخِهِ بواسطةٍ فيرويهِ راوٍ عنهُ تامَّاً بحذفِ الواسطةِ.
مثالُهُ: حديثُ أنسٍ ﵁ في قصَّةِ العُرَنيِّينَ، قالَ رسولُ اللهِ ﷺ لهمْ: «لَو خَرَجْتُمْ إِلَى إِبِلِنَا فَشَرِبْتُمْ مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا».
الحديثُ رواهُ بالجمعِ بينَ لفظِ «أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا» إسماعيلُ بنُ جعفرٍ (٥)، عنْ حُمَيدٍ، عنْ أنسٍ ﵁. عندَ النَّسائيِّ «ر ٣٤٩٢»، وابنِ حبَّانَ «ر ٤٤٧١». стр. 311
وتابعَهُ عبيدُ اللهِ بنُ عمرَ (١) عندَ النَّسائيِّ «ر ٣٤٩١»، وأبي عَوَانةَ «ر ٦١٠٥».
وعبدُ الوهابِ بنُ عبدِ المجيدِ (٢) عندَ ابنِ ماجةَ «ر ٢٥٧٨».
فبالسَّبرِ نجدُ أنَّ لفظَ «وَأَبْوَالِهَا» لمْ يسمعْهُ حُمَيدٌ مِنْ أنسٍ ﵁ مباشرةً، وإنَّمَا سمعَهُ منْ قتادَةَ، عنْ أنسٍ ﵁، فأدرجَهَا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ ومَنْ تابعَهُ في المتنِ الأوَّلِ بإسنادِ الحديثِ الأوَّلِ مِنْ غيرِ تفصيلٍ.
وممَّنْ فصَلَ روايةَ قتادةَ مِنْ أصحابِ حُمَيدٍ:
ابنُ أبي عديٍّ (٣) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١٢٠٦١»، والنَّسائيِّ «ر ٣٤٩٤».
وخالدُ بنُ الحارثِ (٤) عندَ النَّسائيِّ «ر ٣٤٩٣».
ويزيدُ بنُ هارونَ (٥) عندَ أبي عَوَانةَ «ر ٦١١٣».
وعبدُ اللهِ بنُ بكرٍ السَّهميُّ (٦) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١٢٠٦٨». стр. 312
وبِشرُ بنُ المفضَّلِ (١)، ومعتمِرُ بنُ سليمانَ (٢)، ومروانُ بنُ معاويةَ (٣) عندَ الخطيبِ في المدرجِ «ر ٦٧».
قالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «كُلُّهُمْ يَقُولُ فِيهِ: "فَشَرِبْتُمْ مِنْ أَلْبَانِهَا". قَالَ حُمَيدٌ: قَالَ قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ ﵁: "وَأَبْوَالُهَا" فَرِوَايَةُ إِسْمَاعِيلَ عَلَى هَذَا فِيهَا إِدْرَاجٌ وَتَسْوِيَةٌ» (٤).
ثالثاً: أنْ يكونَ عندَ الرَّاوي متنانِ مختلفانِ بإسنادينِ مختلفينِ، فيرويهِمَا راوٍ عنهُ مُقتصرَاً على أحدِ الإسنادينِ.
مثالُهُ: حديثُ أنسٍ ﵁، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، [وَلَا تَنَافَسُوا]، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانَاً».
الحديثُ أخرجَهُ ابنُ عبدِ البَرِّ في التَّمهيدِ «٦/ ١١٦»، والخطيبُ في المدرجِ «ر ٨١» مِنْ طريقِ سعيدِ بنِ أبي مريمَ (٥)، عنْ مالكٍ، عنِ الزُّهريِّ، عنْ أنسٍ ﵁، بزيادةِ «وَلَا تَنَافَسُوا».
قالَ الحافظُ الكنانيُّ «ت ٣٥٧ هـ»: «لَا أَعْلَمُ أَحَدَاً قَالَ فِي هَذَا الحَدِيثِ: عَنْ مَالِكٍ: «وَلَا تَنَافَسُوا» غَيرَ سَعِيدِ بنِ أَبِي مَرْيَمَ» (٦). стр. 313
وقدْ رواهُ عنْ مالكٍ مِنْ هذَه الطَّريقِ بدونِ هذهِ الزِّيادةِ:
عبدُ اللهِ بنُ يوسفَ (١) عندَ البخاريِّ «ر ٥٧٢٦».
ويحيى بنُ يحيى (٢) عندَ مسلمٍ «ر ٢٥٥٩».
وعبدُ اللهِ بنُ مسلمةَ (٣) عندَ أبي داودَ «ر ٤٩١٠».
وأحمدُ بنُ أبي بكرٍ (٤) عندَ ابنِ حبَّانَ «ر ٥٦٦٠».
وإسماعيلُ بنُ أبي أُويسٍ (٥) عندَ البخاريِّ في الأدبِ «ر ٣٩٨». وغيرُهمْ كثيرٌ.
والزيادةُ صحيحةٌ مِنْ طريقِ مالكٍ، عنْ أبي الزِّنادِ، عَنِ الأعرجِ، عنْ أبي هريرةَ ﵁ مرفوعَاً، رواهَا عنهُ:
إسحاقُ بنُ عيسى (٦) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١٠٠٠٢».
وإسماعيلُ بنُ أبي أُويسٍ عندَ البخاريِّ في الأدبِ «ر ١٢٨٧». стр. 314
ويحيى بنُ يحيى عندَ مسلمٍ «ر ٢٥٦٣» والبيهقيِّ «ر ١١٢٣٩».
ورَوحُ بنُ عبادةَ (١) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١٠٧١٢»، والبيهقيِّ «ر ٢٠٨٤٨».
فبسبرِ هذَا الحديثِ نجدُ أنَّ الرُّواةَ عنْ مالكٍ مِنْ حديثِ أنسٍ ﵁ اتَّفقُوا على روايةِ الحديثِ مِنْ غيرِ زيادةِ «وَلَا تَنَافَسُوا»، وإنَّمَا أوردوهَا عَنْ مالكٍ مِنْ حديثِ أبي هريرةَ ﵁، إلَّا سعيدَ بنَ أبي مريمَ فقدْ أدرجَ هذِهِ الزِّيادةَ، ورواهَا عنْ مالكٍ معَ بقيَّةِ الحديثِ مِنْ الطَّريقِ الأوَّلِ. قالَ الخطيبُ «ت ٤٦٣ هـ»: «وَالأَمْرُ عَلَى مَا قَالَ حَمْزَةُ، كُلُّ أَصْحَابِ مَالِكٍ رَوَوهُ عَنْهُ، وَلَمْ يَخْتَلِفوا عَلَيهِ فِيهِ» (٢).
رابعَاً: أنْ يسوقَ الإسنادَ، فيعرضُ لهُ عارضٌ، فيقولُ كلامَاً مِنْ قِبَلِ نفسِهِ، فيظُنُّ بعضُ مَنْ سمعَهُ أنَّ الكلامَ هوَ متنُ ذلكَ الإسنادِ، فيرويهِ عنهُ كذلكَ.
ومثالُهُ: الحديثُ الذي رواهُ ثابتُ بنُ موسى، عنْ شريكٍ القاضي، عنْ الأعمشِ، عنْ أبي سفيانَ، عنْ جابرٍ ﵁ مرفوعَاً: «مَنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ بِالليلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ».
قالَ ابنُ حبَّانَ «ت ٣٤٥ هـ»: «وَهَذَا قَولُ شَرِيكٍ، قَالَهُ فِي عَقِبِ حَدِيثِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ: «يَعْقِدُ الشَّيطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَاسِ أَحَدِكُمْ ثَلَاثَ عُقَدٍ» فَأدْرَجَ ثَابِتُ بنُ مُوسَى فِي الخَبَرِ، وَجَعْلَ قَولَ شَرِيكٍ كَلَامَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ سَرَقَ هَذَا مِنْ ثَابِتٍ جَمَاعَةٌ ضُعَفَاءُ، وَحَدَّثُوا بِهِ عَنْ شَرِيكٍ» (٣). стр. 315
قالَ العراقيُّ «ت ٨٠٦ هـ»: «فَعَلَى هَذَا هُوَ مِنْ أَقْسَامِ المُدْرَجِ» (١).
أقول: ومِنَ الموضوعيَّةِ القولُ بأنَّ مثلَ هذَا لا يُدركُ بالسَّبرِ، بلْ لا بدَّ منْ تنصيصِ مُطَّلعٍ على ما جرى، حتَّى يَحْكُمَ بالإدراجِ، لثبوتِ طريقِ ثابتِ بنِ موسى أوَّلَاً، ولعدمِ وجودِ مخالفةٍ لهُ ثانيَاً، وذلكَ يعني انتفاءَ الدَّواعي التي مِنْ خلالها تتبيَّنُ العلَّةُ في الحديثِ بالسَّبرِ.
فالسَّبرُ يُعتمدُ استقلالاً في الكشفِ عنِ الإدراجِ في بعضِ حالاتِ الحديثِ المُدرجِ، ويُعتمدُ كقرينةٍ مقوِّيةٍ للحكمِ بالإدراجِ، وقدْ يُغفلُ ويُهملُ إذَا انتفتِ الدَّواعي لاعتمادِهِ.
* * * стр. 316
المَبْحَثُ السَّابِعُ: مَعْرِفَةُ التَّدْلِيسِ فِي الإِسْنَادِ: (١)
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ التَّدْلِيسِ لُغَةً وَاصْطِلَاحَاً، وَذِكْرُ أَنْوَاعِهِ:
التَّدليسُ: لغةً: مشتقٌّ مِنَ الدَّلَسِ - بالتَّحريكِ - وهوَ اختلاطُ الظَّلامِ بالنُّورِ، وإخفاءُ العيبِ وكتمانُهُ، سُمِّيَ المدلَّسُ بذلكَ لمَا فيهِ منَ الخفاءِ والتَّغطيةِ (٢).
اصطلاحَاً: ينقسمُ التَّدليسُ إلى أقسامٍ عدَّةٍ، ترجعُ إلى قسمينِ رئيسينِ، وهمَا:
أوَّلاً: تدليسُ الإسنادِ: وهوَ أنْ يرويَ الرَّاوي عمَّنْ لقيَهُ (٣) ما لمْ يسمعْ منهُ موهماً أنَّهُ سمعَهُ منهُ، بصيغةٍ محتمِلَةٍ، كأنْ يقولَ: عنْ فلانٍ، أو أنَّ فلاناً قالَ كذَا … ، وقدْ مثَّلَ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ» لذلكَ بما رواهُ أبو عوانةَ، عنِ الأعمشِ، عنْ إبراهيمَ التَّيميِّ، عنْ أبيهِ، عنْ أبي ذرٍّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ ، قالَ: «فُلَانٌ فِي النَّارِ يُنَادِي: يَا حَنَّانُ يَا مَنَّانُ». قالَ أبو عوانةَ (٤) «ت ٣١٦ هـ»: «قُلْتُ لِلأَعْمَشِ: سَمِعْتَ هَذَا مِنْ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: لَا، حَدَّثَنِي بِهِ حَكِيمُ بنُ جُبَيرٍ عَنْهُ» (٥). стр. 317
ويندرجُ تحتَ تدليسِ الإسنادِ خمسةُ أنواعٍ، وهيَ:
١ - تدليسُ التَّسويةِ: وهوَ أنْ يرويَ المدلِّسُ حديثَاً عنْ ضعيفٍ بينَ ثقتينِ لقيَ أحدُهمَا الآخرَ، فيُسقطُ الضَّعيفَ ويجعلُ بينَ الثِّقتينِ عبارةً موهمةً، فيستوي الإسنادُ كلُّهُ ثقات بحسبِ الظَّاهرِ. قالَ الزَّركشيُّ «ت ٧٩٤ هـ»: «وَهَذَا شَرُّ أَقْسَامِ التَّدْلِيسِ، لِأَنَّ الثِّقَةَ الأَوَّلَ قَدْ لَا يَكُونُ مَعْرُوفَاً بِالتَّدْلِيسِ، وَيَجِدُهُ الوَاقِفُ عَلَى المُسْنَدِ كَذَلِكَ بَعْدَ التَّسْوِيَةِ قَدْ رَوَاهُ عَنْ ثِقَةٍ آَخَرَ، فَيَحْكُمَ لَهُ بِالصِّحَّةِ» (١).
٢ - تدليسُ العطفِ: وهوَ أنْ يُصرِّحَ الرَّاوي بالتَّحديثِ عنْ شيخٍ لهُ، ويعطفَ عليهِ شيخاً آخرَ لمْ يسمعْ منهُ ذلكَ الحديثَ، قالَ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ»: «وَفِيمَا حَدَّثُونَا أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِ هُشَيمٍ اجْتَمَعُوا يَومَاً عَلَى أَنْ لَا يَاخُذُوا مِنْهُ التَّدْلِيسَ، فَفَطِنَ لِذَلِكَ، فَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ حَدِيثٍ يَذْكُرُهُ: حَدَّثَنَا حُصَينٌ وَمُغِيرَةُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ لَهُمْ: هَلْ دَلَّسْتُ لَكُمْ اليَومَ؟ فَقَالُوا: لَا. فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مُغِيرَةَ حَرْفَاً مِمَّا ذَكَرْتُهُ، إِنَّمَا قُلْتُ: حَدَّثَنِي حُصَينٌ، وَمُغِيرَةُ غَيرُ مَسْمُوعٍ لِي» (٢).
٣ - تدليسُ السُّكوتِ: وهوَ أنْ يقولَ: حدَّثنَا أو سمعتُ، ثمَّ يسكتُ برهةً، ثمَّ يذكرُ اسمَ راوٍ موهمَاً أنَّهُ سمعَ منهُ، وهوَ ليسَ كذلكَ. قالَ أبو الأحوصِ (٣) «ت ٢٧٩ هـ» ذاكراً تدليسَ هُشيمٍ: «جَلَسْتُ إِلَى جَانِبِهِ وَهُوَ يُحَدِّثُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: «أَخْبَرَنَا» يَرْفَعُ стр. 318
صَوتَهُ، ثُمَّ يَسْكُتُ، فَيَقُولُ فِيمَا بَينَهُ وَبَينَ نَفْسِهِ: «فُلَانٌ»، ثُمَّ يَرْفَعُ صَوتَهُ: دَاوُدُ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ فُلَانٍ عَنْ فُلَانٍ» (١).
٤ - تدليسُ القطعِ: قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَهُوَ أَنْ يَحْذِفَ الصِّيغَةَ، وَيَقْتَصِرَ عَلَى قَولِهِ مَثَلَاً: الزُّهْرِيُّ عَنْ أَنَسٍ» (٢). مثالُهُ: ما قالَهُ ابنُ حنبلٍ «ت ٢٤١ هـ»: «حَدَّثَنَا هُشَيمٌ، قَالَ: إِمَّا المُغِيرَةُ، وَإِمَّا الحَسَنُ بنُ عُبَيدِ اللهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ. لَمْ يَرَ بَاسَاً بِمُصَافَحَةِ المَرْأَةِ التِي قَدْ خَلَتْ مِنْ وَرَاءِ الثَّوبِ». قالَ عبدُ اللهِ: «سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: لَمْ يَسْمَعْهُ هُشَيمٌ مِنْ مُغِيرَةَ وَلَا مِنَ الحَسَنِ» (٣).
٥ - تدليسُ الصِّيغةِ: ويُطلقُ عليهِ أيضَاً تدليسُ الإجازةِ، أو المكاتبةِ، أو المناولةِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَيَلْتَحِقُ بِالتَّدْلِيسِ: مَا يَقَعُ مِنْ بَعْضِ المُحَدِّثِينَ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالتَّحْدِيثِ أَوْ الإِخْبَارِ عَنِ الإِجَازَةِ مُوهِمَاً لِلسَّمَاعِ، وَلَا يَكُونُ سَمِعَ مِنْ ذَلِكَ الشَّيخِ شَيئاً» (٤). وممَّنْ وُصفَ بذلكَ أبو نُعيمٍ الأَصبهانيُّ (٥). ولمْ يرضَ العلائيُّ «ت ٧٦١ هـ» بتسميةِ هذَا الصَّنيعِ تدليسَاً (٦). стр. 319
ثانياً: تدليسُ الشُّيوخِ: وهوَ أنْ يأتيَ باسمِ شيخِهِ أو كنيتِهِ على خلافِ المشهورِ بهِ تعميةً لأمرِهِ وتوعيرَاً للوقوفِ على حالِهِ. قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «مِثَالُهُ: مَا رُوِيَ لَنَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ ابنِ مُجَاهِدٍ الإِمَامِ المُقْرِئِ أَنَّهُ رَوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ "عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي دَاوُدَ السِّجستَانِيِّ". فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ أَبِي عَبْدِ اللهِ. وَرَوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ "مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ النَّقَّاشِ" المُفَسِّرِ، المُقْرِئِ فَقَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ سَنَدٍ، نَسَبَهُ إِلَى جَدٍّ لَهُ» (١).
ثالثاً: تدليسُ البلدانِ والأماكنِ: قالَ ابنُ دقيقٍ العيدِ «ت ٧٠٢ هـ»: «أَوْ ذَكَرَ لَفْظَاً مُشْتَرَكَاً يَنْطَلِقُ فِي المَشْهُورِ عَلَى غَيرِ المَوضِع الذِي أَرَادَهُ، كَمَا إِذَا قَالَ: حَدَّثَنِي فُلَانٌ بِحَلَبٍ وَيُرِيدُ مَوضِعَاً مُتَّصِلَاً بِالقَاهِرَةِ، أَوْ بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ وَيُرِيدُ أَنَّهُ انْتَقَلَ مِنْ أَحَدِ جَانِبَي بَغْدَادَ إِلَى الآَخَرِ، وَالنَّهْرُ دِجْلَةُ» (٢). وكراهةُ هذا النَّوعِ لما فيهِ منْ إيهامِ الرِّحلةِ في طلبِ الحديثِ.
رابعاً: تدليسُ المتونِ: ذكرَهُ أبو المظفَّرِ السَّمعانيُّ «ت ٤٨٩ هـ»، فقالَ: «وَأَمَّا مَنْ يُدَلِّسُ فِي المُتُونِ فَهَذَا مُطَّرِحُ الحَدِيثِ مَجْرُوحُ العَدَالَةِ، وَهُوَ مِمَّنْ يُحَرِّفُ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، فَكَانَ مُلْحَقَاً بِالكَذَّابِينَ، وَلَمْ يُقْبَلْ حَدِيثُهُ» (٣). стр. 320
المَطْلَبُ الثَّاني: حُكْمُ الحَدِيثِ المُدَلَّسِ، وَمَذَاهِبُ العُلَمَاءِ فِي حُكْمِ التَّدْلِيسِ:
تبيَّنَ في تعريفِ التَّدليسِ وأقسامِهِ أنَّهُ ضربٌ منَ الإيهامِ، وإخفاءٌ للعيبِ، وليسَ بكذبٍ، وقدَ اختلفَ العلماءُ في حكمِ التَّدليسِ على أربعةِ مذاهبَ (١)، نقتصرُ على إيرادِ مذهبِ جمهورِ أهلِ الحديثِ:
قالَ الخطيبُ «ت ٤٦٣ هـ»: «خَبَرُ المُدَلِّسِ لَا يُقْبَلُ إِلَّا أَنْ يُورِدَهُ عَلَى وَجْهٍ مُبَيَّنٍ غَيرِ مُحْتَمِلٍ لِلإِيهَامِ، فَإِنْ أَورَدَهُ عَلَى ذَلِكَ قُبِلَ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا» (٢). وصحَّحهُ ابنُ الصَّلاحِ (٣)، وأخذَ بهِ جمهورُ الفقهاءِ، لا سيمَا الشَّافعيُّ، فإنَّهُ أجراهُ فيمنْ عرفناهُ دلَّسَ مرَّةً (٤). ويدلُّ على صحَّةِ ذلكَ أنَّ في الصَّحيحينِ وغيرِهمَا مِنَ الكتبِ المعتمدةِ كثيرَاً مِنْ أصحابِ هذَا الضَّربِ ممَّا صرَّحَ فيهِ بالسَّماعِ، كقتادةَ، والأعمشِ، وغيرِهِمْ.
وبهذَا يتبينُ حكمُ الحديثِ المدلَّسِ، فمَا وردَ بصيغةٍ مُحتملَةٍ للسَّماعِ كالعنعنةِ، فهوَ ضعيفٌ مردودٌ، لما فيهِ منْ شبهةِ انقطاعٍ بينَ المدلِّسِ ومَنْ عنعنَ عنهُ، فقدْ يكونُ السَّاقطُ شخصَاً أو أكثرَ، وقدْ يكونُ ثقةً أو ضعيفَاً (٥). следующие страницы →