Полный текст (515 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
المَبْحَثُ السَّابِعُ: مَعْرِفَةُ التَّدْلِيسِ فِي الإِسْنَادِ: (١)
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ التَّدْلِيسِ لُغَةً وَاصْطِلَاحَاً، وَذِكْرُ أَنْوَاعِهِ:
التَّدليسُ: لغةً: مشتقٌّ مِنَ الدَّلَسِ - بالتَّحريكِ - وهوَ اختلاطُ الظَّلامِ بالنُّورِ، وإخفاءُ العيبِ وكتمانُهُ، سُمِّيَ المدلَّسُ بذلكَ لمَا فيهِ منَ الخفاءِ والتَّغطيةِ (٢).
اصطلاحَاً: ينقسمُ التَّدليسُ إلى أقسامٍ عدَّةٍ، ترجعُ إلى قسمينِ رئيسينِ، وهمَا:
أوَّلاً: تدليسُ الإسنادِ: وهوَ أنْ يرويَ الرَّاوي عمَّنْ لقيَهُ (٣) ما لمْ يسمعْ منهُ موهماً أنَّهُ سمعَهُ منهُ، بصيغةٍ محتمِلَةٍ، كأنْ يقولَ: عنْ فلانٍ، أو أنَّ فلاناً قالَ كذَا … ، وقدْ مثَّلَ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ» لذلكَ بما رواهُ أبو عوانةَ، عنِ الأعمشِ، عنْ إبراهيمَ التَّيميِّ، عنْ أبيهِ، عنْ أبي ذرٍّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ ، قالَ: «فُلَانٌ فِي النَّارِ يُنَادِي: يَا حَنَّانُ يَا مَنَّانُ». قالَ أبو عوانةَ (٤) «ت ٣١٦ هـ»: «قُلْتُ لِلأَعْمَشِ: سَمِعْتَ هَذَا مِنْ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: لَا، حَدَّثَنِي بِهِ حَكِيمُ بنُ جُبَيرٍ عَنْهُ» (٥). стр. 317
ويندرجُ تحتَ تدليسِ الإسنادِ خمسةُ أنواعٍ، وهيَ:
١ - تدليسُ التَّسويةِ: وهوَ أنْ يرويَ المدلِّسُ حديثَاً عنْ ضعيفٍ بينَ ثقتينِ لقيَ أحدُهمَا الآخرَ، فيُسقطُ الضَّعيفَ ويجعلُ بينَ الثِّقتينِ عبارةً موهمةً، فيستوي الإسنادُ كلُّهُ ثقات بحسبِ الظَّاهرِ. قالَ الزَّركشيُّ «ت ٧٩٤ هـ»: «وَهَذَا شَرُّ أَقْسَامِ التَّدْلِيسِ، لِأَنَّ الثِّقَةَ الأَوَّلَ قَدْ لَا يَكُونُ مَعْرُوفَاً بِالتَّدْلِيسِ، وَيَجِدُهُ الوَاقِفُ عَلَى المُسْنَدِ كَذَلِكَ بَعْدَ التَّسْوِيَةِ قَدْ رَوَاهُ عَنْ ثِقَةٍ آَخَرَ، فَيَحْكُمَ لَهُ بِالصِّحَّةِ» (١).
٢ - تدليسُ العطفِ: وهوَ أنْ يُصرِّحَ الرَّاوي بالتَّحديثِ عنْ شيخٍ لهُ، ويعطفَ عليهِ شيخاً آخرَ لمْ يسمعْ منهُ ذلكَ الحديثَ، قالَ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ»: «وَفِيمَا حَدَّثُونَا أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِ هُشَيمٍ اجْتَمَعُوا يَومَاً عَلَى أَنْ لَا يَاخُذُوا مِنْهُ التَّدْلِيسَ، فَفَطِنَ لِذَلِكَ، فَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ حَدِيثٍ يَذْكُرُهُ: حَدَّثَنَا حُصَينٌ وَمُغِيرَةُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ لَهُمْ: هَلْ دَلَّسْتُ لَكُمْ اليَومَ؟ فَقَالُوا: لَا. فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مُغِيرَةَ حَرْفَاً مِمَّا ذَكَرْتُهُ، إِنَّمَا قُلْتُ: حَدَّثَنِي حُصَينٌ، وَمُغِيرَةُ غَيرُ مَسْمُوعٍ لِي» (٢).
٣ - تدليسُ السُّكوتِ: وهوَ أنْ يقولَ: حدَّثنَا أو سمعتُ، ثمَّ يسكتُ برهةً، ثمَّ يذكرُ اسمَ راوٍ موهمَاً أنَّهُ سمعَ منهُ، وهوَ ليسَ كذلكَ. قالَ أبو الأحوصِ (٣) «ت ٢٧٩ هـ» ذاكراً تدليسَ هُشيمٍ: «جَلَسْتُ إِلَى جَانِبِهِ وَهُوَ يُحَدِّثُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: «أَخْبَرَنَا» يَرْفَعُ стр. 318
صَوتَهُ، ثُمَّ يَسْكُتُ، فَيَقُولُ فِيمَا بَينَهُ وَبَينَ نَفْسِهِ: «فُلَانٌ»، ثُمَّ يَرْفَعُ صَوتَهُ: دَاوُدُ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ فُلَانٍ عَنْ فُلَانٍ» (١).
٤ - تدليسُ القطعِ: قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَهُوَ أَنْ يَحْذِفَ الصِّيغَةَ، وَيَقْتَصِرَ عَلَى قَولِهِ مَثَلَاً: الزُّهْرِيُّ عَنْ أَنَسٍ» (٢). مثالُهُ: ما قالَهُ ابنُ حنبلٍ «ت ٢٤١ هـ»: «حَدَّثَنَا هُشَيمٌ، قَالَ: إِمَّا المُغِيرَةُ، وَإِمَّا الحَسَنُ بنُ عُبَيدِ اللهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ. لَمْ يَرَ بَاسَاً بِمُصَافَحَةِ المَرْأَةِ التِي قَدْ خَلَتْ مِنْ وَرَاءِ الثَّوبِ». قالَ عبدُ اللهِ: «سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: لَمْ يَسْمَعْهُ هُشَيمٌ مِنْ مُغِيرَةَ وَلَا مِنَ الحَسَنِ» (٣).
٥ - تدليسُ الصِّيغةِ: ويُطلقُ عليهِ أيضَاً تدليسُ الإجازةِ، أو المكاتبةِ، أو المناولةِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَيَلْتَحِقُ بِالتَّدْلِيسِ: مَا يَقَعُ مِنْ بَعْضِ المُحَدِّثِينَ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالتَّحْدِيثِ أَوْ الإِخْبَارِ عَنِ الإِجَازَةِ مُوهِمَاً لِلسَّمَاعِ، وَلَا يَكُونُ سَمِعَ مِنْ ذَلِكَ الشَّيخِ شَيئاً» (٤). وممَّنْ وُصفَ بذلكَ أبو نُعيمٍ الأَصبهانيُّ (٥). ولمْ يرضَ العلائيُّ «ت ٧٦١ هـ» بتسميةِ هذَا الصَّنيعِ تدليسَاً (٦). стр. 319
ثانياً: تدليسُ الشُّيوخِ: وهوَ أنْ يأتيَ باسمِ شيخِهِ أو كنيتِهِ على خلافِ المشهورِ بهِ تعميةً لأمرِهِ وتوعيرَاً للوقوفِ على حالِهِ. قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «مِثَالُهُ: مَا رُوِيَ لَنَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ ابنِ مُجَاهِدٍ الإِمَامِ المُقْرِئِ أَنَّهُ رَوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ "عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي دَاوُدَ السِّجستَانِيِّ". فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ أَبِي عَبْدِ اللهِ. وَرَوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ "مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ النَّقَّاشِ" المُفَسِّرِ، المُقْرِئِ فَقَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ سَنَدٍ، نَسَبَهُ إِلَى جَدٍّ لَهُ» (١).
ثالثاً: تدليسُ البلدانِ والأماكنِ: قالَ ابنُ دقيقٍ العيدِ «ت ٧٠٢ هـ»: «أَوْ ذَكَرَ لَفْظَاً مُشْتَرَكَاً يَنْطَلِقُ فِي المَشْهُورِ عَلَى غَيرِ المَوضِع الذِي أَرَادَهُ، كَمَا إِذَا قَالَ: حَدَّثَنِي فُلَانٌ بِحَلَبٍ وَيُرِيدُ مَوضِعَاً مُتَّصِلَاً بِالقَاهِرَةِ، أَوْ بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ وَيُرِيدُ أَنَّهُ انْتَقَلَ مِنْ أَحَدِ جَانِبَي بَغْدَادَ إِلَى الآَخَرِ، وَالنَّهْرُ دِجْلَةُ» (٢). وكراهةُ هذا النَّوعِ لما فيهِ منْ إيهامِ الرِّحلةِ في طلبِ الحديثِ.
رابعاً: تدليسُ المتونِ: ذكرَهُ أبو المظفَّرِ السَّمعانيُّ «ت ٤٨٩ هـ»، فقالَ: «وَأَمَّا مَنْ يُدَلِّسُ فِي المُتُونِ فَهَذَا مُطَّرِحُ الحَدِيثِ مَجْرُوحُ العَدَالَةِ، وَهُوَ مِمَّنْ يُحَرِّفُ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، فَكَانَ مُلْحَقَاً بِالكَذَّابِينَ، وَلَمْ يُقْبَلْ حَدِيثُهُ» (٣). стр. 320
المَطْلَبُ الثَّاني: حُكْمُ الحَدِيثِ المُدَلَّسِ، وَمَذَاهِبُ العُلَمَاءِ فِي حُكْمِ التَّدْلِيسِ:
تبيَّنَ في تعريفِ التَّدليسِ وأقسامِهِ أنَّهُ ضربٌ منَ الإيهامِ، وإخفاءٌ للعيبِ، وليسَ بكذبٍ، وقدَ اختلفَ العلماءُ في حكمِ التَّدليسِ على أربعةِ مذاهبَ (١)، نقتصرُ على إيرادِ مذهبِ جمهورِ أهلِ الحديثِ:
قالَ الخطيبُ «ت ٤٦٣ هـ»: «خَبَرُ المُدَلِّسِ لَا يُقْبَلُ إِلَّا أَنْ يُورِدَهُ عَلَى وَجْهٍ مُبَيَّنٍ غَيرِ مُحْتَمِلٍ لِلإِيهَامِ، فَإِنْ أَورَدَهُ عَلَى ذَلِكَ قُبِلَ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا» (٢). وصحَّحهُ ابنُ الصَّلاحِ (٣)، وأخذَ بهِ جمهورُ الفقهاءِ، لا سيمَا الشَّافعيُّ، فإنَّهُ أجراهُ فيمنْ عرفناهُ دلَّسَ مرَّةً (٤). ويدلُّ على صحَّةِ ذلكَ أنَّ في الصَّحيحينِ وغيرِهمَا مِنَ الكتبِ المعتمدةِ كثيرَاً مِنْ أصحابِ هذَا الضَّربِ ممَّا صرَّحَ فيهِ بالسَّماعِ، كقتادةَ، والأعمشِ، وغيرِهِمْ.
وبهذَا يتبينُ حكمُ الحديثِ المدلَّسِ، فمَا وردَ بصيغةٍ مُحتملَةٍ للسَّماعِ كالعنعنةِ، فهوَ ضعيفٌ مردودٌ، لما فيهِ منْ شبهةِ انقطاعٍ بينَ المدلِّسِ ومَنْ عنعنَ عنهُ، فقدْ يكونُ السَّاقطُ شخصَاً أو أكثرَ، وقدْ يكونُ ثقةً أو ضعيفَاً (٥). стр. 321
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ التَّدْلِيسِ فِي الإِسْنَادِ:
الحديثُ المُدلَّسُ مِنَ الأهميَّةِ والخطورةِ بمكانٍ، لما فيهِ مِنَ الغموضِ والخفاءِ، ولأجلِ ذلكَ فقدْ سلكَ المحدِّثونَ شتَّى السُّبلِ في بيانِهِ وبيانِ الرُّواةِ الموصومينَ بهِ، حيثُ قامُوا بتعيينِ الرُّواةِ المدلِّسينَ، أعيانِهِمْ، وأماكنِهِمْ، وطبقاتِهِمْ:
فقامُوا أوَّلاً بحصرِ أماكنِهِمْ منَ البلدانِ، قالَ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ»: «أَهْلُ الحِجَازِ، وَالحَرَمَينِ، ومِصْرَ، وَالعَوَالِي، وخُرَاسَانَ، وَالجِبَالِ، وَأَصْبَهَانَ، وَبِلَادِ فَارِسٍ، وَخَوزَسْتَانَ، وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، لَا نَعْلَمُ أَحَدَاً مِنْ أَئِمَّتِهِمْ دَلَّسُوا. وَأَكْثَرُ المُحَدِّثِينَ تَدْلِيسَاً: أَهْلُ الكُوفَةِ، وَنَفَرٌ يَسِيرٌ مِنْ أَهْلِ البَصْرَةِ. وَأَمَّا أَهْلُ بَغْدَادَ فَلَمْ يُذْكَرْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِهَا التَّدْلِيسُ، إِلَّا أَبَا بَكْرٍ البَاغَنْدِيُّ، فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ التَّدْلِيسَ بِهَا، وَمَنْ دَلَّسَ مِنْ أَهْلِهَا إِنَّمَا تَبِعَهُ فِي ذَلِكَ» (١). وقالَ الشَّافعيُّ «ت ٢٠٤ هـ» نافيَاً وجودَ التَّدليسِ في أهلِ بلدِهِ «مكَّةَ المكرَّمَةَ»: «لَمْ يُعْرَفِ التَّدْلِيسُ بِبَلَدِنَا فِيمَنْ مَضَى، وَلَا مَنْ أَدْرَكْنَا مِنْ أَصْحَابِنَا إِلَّا حَدِيثَاً» (٢).
وهذهِ مرحلةٌ مُجْمِلَةٌ لأماكنِ هؤلاءِ الرُّواةِ، وتأتي بعدهَا المرحلةُ المُفصِّلةُ ببيانِ أسمائِهِمْ وَطبقاتِهِمْ، ولهذَا الغرضِ ألَّفَ المحدِّثونَ مصنَّفاتٍ كثيرةً في ذلكَ، مِنْ أشهرِهَا: стр. 322
١ - التَّبيينُ لأسماءِ المدلِّسينَ - لبرهانِ الدين الحلبي (١).
٢ - تعريفُ أهلِ التَّقديسِ بمراتبِ الموصوفينَ بالتَّدليسِ - للحافظِ ابنِ حجرٍ (٢): وهوَ أجمعُهَا وأوسعُهَا إحصاءً، وقدْ بلغَ مجموعُ ما احتواهُ «١٥٢» مدلِّسَاً فقطْ (٣).
هذَا بالنِّسبةِ للرُّواةِ المدلِّسينَ، أمَّا الحديثُ المدلَّسُ فثمَّةَ طريقتانِ لمعرفتِهِ:
الطَّريقةُ الأولى: إخبارُ المدلِّسِ نفسِهِ عنْ التَّدليسِ وعدمِ السَّماعِ:
فمنَ السُّبلِ التي اعتمدَهَا الأئمَّةُ لمعرفةِ الأحاديثِ المدلَّسةِ هيَ تفقُّدُ السَّماعِ مِنْ فمِ الرَّاوي نفسِهِ، وتوقيفِهِ على ما لمْ يسمعْ، ليُعلَمَ بهِ وقوعُ التَّدليسِ أو عدمُ السَّماعِ.
وهذَا ما كانَ يفعلُهُ شعبةُ «ت ١٦٠ هـ» فيمنْ ذُكرَ بالتَّدليسِ مِنْ شيوخِهِ، كقتادةَ والسَّبيعيِّ فكانَ يقولُ: «كُنْتُ أَتَفَقَّدُ فَمَ قَتَادَةَ، فَإِذَا قَالَ: سَمِعْتُ أَوْ حَدَّثَنَا، حَفِظْتُ. وَإِذَا قَالَ: حَدَّثَ فُلَانٌ، تَرَكْتُهُ» (٤). وقالَ ابنُ مهديٍّ «ت ١٩٨ هـ»: «كُنْتُ مَعَ سُفْيَانَ عِنْدَ عِكْرِمَةَ بنِ عَمَّارٍ، فَجَعَلَ يُوقِفُهُ عَلَى كُلِّ حَدِيثٍ عَلَى السَّمَاعِ» (٥). وقالَ القطَّانُ «ت ١٩٨ هـ»: стр. 323
«شَهِدْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ لِأَبِي الأَشْهَبِ: قُلْ: سَمِعْتُ، قُلْ: سَمِعْتُ» (١). وبذلكَ يتعرَّفونَ الأحاديثَ متَّصلةَ السَّماعِ منْ المُدلَّسَةِ، وكذلكَ يتعرَّفونَ المُسقَطَ مِنَ الرُّواةِ بالتَّدليسِ، قالَ الإمامُ مالكٌ «ت ١٧٩ هـ»: «كُنَّا نَجْلِسُ إِلَى الزُّهْرِيِّ وَإِلَى مُحَمَّدِ بنِ المُنْكَدِرِ، فَيَقُولُ الزُّهْرِيُّ: قَالَ ابنُ عُمَرَ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ جَلَسْنَا إِلَيهِ، فَقُلْنَا لَهُ: الذِي ذَكَرْتَ عَنِ ابنِ عُمَرَ، مَنْ أَخْبَرَكَ بِهِ؟ قَالَ: ابنُهُ سَالِمٌ» (٢).
الطَّريقةُ الثَّانيةُ: السَّبْرُ وَمُقارنةُ الأسانيدِ:
يُشترطُ في الحديثِ حتَّى يُحمَلَ السَّقطُ فيهِ بالسَّبرِ على التَّدليسِ ثلاثةُ شروطٍ: أنْ يكونَ مِنْ راوٍ مُدلِّسٍ، وبصيغةٍ مُحتملةٍ للسَّماعِ، وإمكانُ اللقاءِ بينَ الرَّاوي ومَنْ روى عنهُ تدليسَاً، لأننَّا إذَا سبرنَا حديثَاً ما، ووجدنَا سقطَاً في الرُّواةِ، فيمكنُ حملُهُ على مُجرَّدِ الانقطاعِ، أو على العالي والنَّازلِ إذَا كانَ مُتَّصلاً على الجهتينِ، أو على المزيدِ في مُتَّصلِ الأسانيدِ إنْ كانَ وهمَاً، وكذلكَ الصِّيغةُ مُحتمِلةُ السَّماعِ إذَا كانتْ مِنْ غيرِ مُدلِّسٍ يُحملُ الحديثُ على مُطلقِ الاتِّصالِ، فالسَّقطُ في غيرِ حديثِ المدلِّسِ يُحملُ على غيرِ التَّدليسِ، والصِّيغَةُ مُحتملةُ السَّماعِ في غيرِ حديثِ المدلِّسِ تُحملُ على التَّحديثِ.
وهذَا مدخلٌ مهمٌّ لبيانِ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ التَّدليسِ، لأنَّنَا بذلكَ نكونُ قدِ استبعدْنَا منْ دائرَةِ السَّبرِ والتَّتبُّعِ الرُّواةَ غيرَ المدلِّسينَ، وكذلكِ أحاديثَهُمْ ومرويَّاتِهِمْ، وأحاديثَ ومرويَّاتِ المدلِّسينَ مُتَّصلةَ السَّماعِ، ونحصرُ عملَنَا بمرويَّاتِ منْ عرفَنْاهُ موصوماً стр. 324
بالتَّدليسِ، قالَ الإمامُ مسلمٌ «ت ٢٥٦ هـ»: «وَإِنَّمَا كَانَ تَفَقُّدُ مَنْ تَفَقَّدَ مِنْهُمْ سَمَاعَ رُوَاةِ الحَدِيثِ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُمْ، إِذَا كَانَ الرَّاوِي مِمَّنْ عُرِفَ بِالتَّدْلِيسِ فِي الحَدِيثِ وَشُهِرَ بِهِ، فَحِينَئِذٍ يَبْحَثُونَ عَنْ سَمَاعِهِ فِي رِوَايَتِهِ وَيَتَفَقَّدُونَ ذَلِكَ مِنْهُ كَي تَنْزَاحَ عَنْهُمْ عِلَّةُ التَّدْلِيسِ» (١).
والغرضُ مِنَ السَّبرِ يتحقَّقُ فيمَا يأتي:
١ - الحُكْمُ عَلَى الحَدِيثِ بِالتَّدْلِيسِ بِشَكْلٍ قَطْعِيٍّ: بالتأكُّدِ منْ خلالِ السَّبرِ منْ عدمِ وجودِ طريقٍ مُصرِّحةٍ بالسَّماعِ، أو باتِّفاقِ المتابعاتِ على الصِّيغةِ المحتمِلَةِ (٢)، أو باجتماعِ الرُّواةِ عنِ المدَّلسِ بصيغةِ التَّدليسِ. قالَ أبو العبَّاسِ الطَّبريُّ (٣) «ت ٣٣٥ هـ» في بيانِهِ لفوائدِ تحفُّظِ طُرقِ الأخبارِ: «وَفِيهِ أَنَّهُمْ إِذَا اسْتَقْصَوا فِي مَعْرِفَةِ طُرُقِ الخَبَرِ عَرَفُوا بِهِ غَلَطَ الغَالِطِ إِذَا غَلَطَ، وَمَيَّزُوا كَذِبَ المُدَلِّسِ وَتَدْلِيسَ المُدَلَّسِ، وَإِذَا لَمْ يَسْتَقْصِ المَرْءُ فِي طُرُقِهِ وَاقْتَصَرَ عَلَى طَرِيقٍ وَاحِدٍ كَانَ أَقَلَّ مَا يَلْزَمُهُ إِذَا دُلِّسَ عَلَيهِ فِي الرِّوَايَةِ أَنْ يَقُولَ: لَعَلَّهُ قَدْ رُوِيَ وَلَمْ أَسْتَقْصِ فِيهِ، فَرَجَعَ بِالَّلائِمَةِ وَالتَّقْصِيرِ عَلَى نَفْسِهِ» (٤). стр. 325
وقدْ أشارَ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» في الفتحِ إلى كلامِ الطَّبريِّ هذَا، ثمَّ لخَّصَ بعضَ كلامِهِ، فقالَ: «ثُمَّ ذَكَرَ فَصْلَاً فِي فَائِدَةِ تَتَبُّعِ طُرُقِ الحَدِيثِ … وَفِيهَا الاِطِّلَاعُ عَلَى عِلَّةِ الخَبَرِ بِانْكِشَافِ غَلَطِ الغَالِطِ، وَبَيَانِ تَدْلِيسِ المُدَلِّسِ، وَتَوصِيلِ المُعَنْعَنِ» (١).
٢ - وُرُودُ الحَدِيثِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى غَيرِ مُدَلَّسَةٍ بِصِيغَةِ التَّحْدِيثِ: وكلامُ ابنِ حجرٍ السَّابقُ في فوائدِ تتبُّعِ طرقِ الحديثِ بتوصيلِ المعنعنِ جليٌّ، وقالَ السُّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ» في معرضِ سردِهِ لفوائدِ المُستخرجاتِ: «وَمِنْهَا: أَنْ يُرْوَى فِي الصَّحِيحِ عَنْ مُدَلِّسٍ بِالعَنْعَنَةِ، فَيَرْوِيهِ المُسْتَخْرِجُ بِالتَّصْرِيحِ بِالسَّمَاعِ» (٢).
٣ - فقدْ يروي المدلِّسُ الحديثَ متَّصلَ السَّماعِ بالعنعنةِ مرَّةً وبالتَّحديثِ أُخرى، ويُدركُ ذلكَ بمجيئِهِ منْ طريقٍ أُخرى، سواءٌ كانَ التَّصريحُ بالسَّماعِ مِنَ الرَّاوي نفسِهِ (٣) أو مِنْ غَيرِهِ ممَّنْ تابعَهُ على روايتِهِ، وعلى هذَا حملَ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ» أحاديثَ المدلِّسينَ في الصَّحيحينِ، فقالَ: «المُدَلِّسُ إِذَا قَالَ: «عَنْ»، لَا يُحْتَجُّ بِهِ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ سَمَاعُهُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَإِنَّ مَا كَانَ فِي الصَّحِيحَينِ مِنْ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى ثُبُوتِ سَمَاعِهِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى» (٤). стр. 326
وقدْ أوردَ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ» أمثلةً تدعمُ قولَهُ في شرحِهِ لصحيحِ مسلمٍ، فقالَ في حديثِ «وفدِ ثقيفٍ» (١): «قَولُهُ: «وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ يَحْيَى، وَإِسْمَاعِيلُ بنُ سَالِمٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا هُشَيمٌ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ» ثُمَّ قَالَ مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذَا: «قَالَ ابْنُ سَالِمٍ فِي رِوَايَتِهِ: حَدَّثَنَا هُشَيمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ هَذَا». فِيهِ فَائِدَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ دَقَائِقِ هَذَا العِلْمِ وَلَطَائِفِهِ … وَهِيَ أَنَّ هُشَيمَاً مُدَلِّسٌ، وَقَدْ قَالَ فِي الرِّوَايَةِ المُتَقَدِّمَةِ: عَنْ أَبِي بِشْرٍ، … فَبَيَّنَ مُسْلِمٌ أَنَّهُ ثَبَتَ سَمَاعُهُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ سَالِمٍ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا: أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ» (٢). وهذَا مثالُ التَّصريحِ بالسَّماعِ مِنَ الرَّاوي نفسِهِ.
وأمَّا التَّصريحِ بالسَّماعِ منْ راوٍ آخرَ، فمثالهُ حديثُ جريرٍ ﵁ في مُبايعتِهِ للنَّبيِّ ﷺ (٣)، قالَ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ»: «وَأَمَّا قَولُهُ - أي: مُسْلِمٌ - حَدَّثَنَا سُرَيجٌ وَيَعْقُوبُ، قَالَا: حَدَّثَنَا هُشَيمٌ، عَنْ سَيَّارٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَرِيرٍ. ثُمَّ قَالَ مُسْلِمٌ فِي آَخِرِهِ: قَالَ يَعْقُوبُ فِي رِوَايَتِهِ: حَدَّثَنَا سَيَّارٌ، فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى لَطِيفَةٍ، وَهِيَ أَنَّ هُشَيمَاً مُدَلِّسٌ، وَقَدْ قَالَ: عَنْ سَيَّارٍ … ، فَرَوَى مِسْلِمٌ ﵀ حَدِيثَهُ هَذَا عَنْ شَيخَينِ، وَهُمَا سُرَيجٌ وَيَعْقُوبُ، فَأمَّا سُرَيجٌ فَقَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيمٌ عَنْ سَيَّارٍ، وَأَمَّا يَعْقُوبُ فَقَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَيَّارٌ، فَبَيَّنَ مُسْلِمٌ ﵀ اخْتِلَافَ عِبَارَةِ الرِّوَايَتِينِ فِي نَقْلِهِمَا عِبَارَتَهُ، وَحَصَلَ مِنْهَا اِتِّصَالُ حَدِيثِهِ» (٤). стр. 327
وقدْ بيَّنَ ابنُ حبَّانَ أنَّ ابنَ عُيينةَ لا يكادُ يوجدُ لهُ خبرٌ دلَّسَ فيهِ إلَّا وُجِدَ ذلكَ الخبرُ بعينِهِ قدْ تبيَّنَ سماعُهُ عنْ ثقةٍ (١).
٤ - بيانُ الرَّاوي السَّاقطِ بالعنعنةِ منْ طريقٍ أُخرى: ثقةً كانَ أو ضعيفَاً، واحداً كانَ أو أكثرَ، قالَ الدكتورُ عبدُ اللهِ الجديعُ في ذكرِهِ للطَّريقةِ الثَّانيةِ مِنْ طُرقِ الكشفِ عنِ التَّدليسِ: «مُقَارَنَةُ الأَسَانِيدِ: فَيَكْشِفُ بِذَلِكَ مَنْ أُسْقِطَ فِي مَوضِعِ العَنْعَنَةِ لِلشَّيخِ المعَيَّنِ، مَعْ إِدْرَاك ذَلِكَ الشَّيخِ وَسَمَاعِهِ فِي الأَصْلِ مِمَّنْ عَنْعَنَ عَنْهُ» (٢).
وقدْ مثَّلَ الإمامُ الزَّركشيُّ «ت ٧٩٤ هـ» لذلكَ بحديثِ عائشةَ ﵁ مرفوعَاً: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ». فقالَ: «أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ مِنْ حَدِيثِ ابنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعَاً: "لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ". ثُمَّ قَالَ - التِّرْمِذِيُّ -: هَذَا حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ. سَمِعْتُ مُحَمَّدَاً يَقُولُ: رُوِيَ عَنْ غَيرِ وَاحِدٍ، مِنْهُمْ: مُوسَى بنُ عُقْبَةَ، وَابنُ أَبِي عَتِيقٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سُلَيمَانَ بنِ أَرْقَمَ، عَنْ يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵁ مَرْفُوعَاً، قَالَ مُحَمَّدٌ: وَالحَدِيثُ هُوَ هَذَا» (٣). فبيَّنَ البُخاريُّ في هذَا الحديثِ مِنْ طريقٍ أُخرى راويينِ سقطَا مِنَ السَّندِ، وهمَا سُليمانُ بنُ أرقمَ ويحيى بنُ أبي كثيرٍ. стр. 328
وهذَا بالنَّسبةِ لتدليسِ الإسنادِ، أمَّا تدليسُ الشُّيوخِ فبالسَّبرِ وجمعِ الطُّرقِ تُعرفُ وتنحصرُ نعوتُ الرَّاوي المتعدِّدةُ، والمرجعُ في معرفةِ ذلكَ وإزالةُ اللَّبسِ الحاصلِ بهِ: كُتبُ الرِّجالِ وكُتبُ مَنْ ذُكرَ بأسماءٍ مُختلفةٍ أو نعوتٍ مُتعدِّدةٍ، قالَ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ»: «وَهُوَ - أَي: عِلْمُ مَنْ ذُكِرَ بِأَسْمَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ أَوْ نُعُوتٍ مُتَعَدِّدَةٍ - فَنٌّ عَوِيصٌ تَمَسُّ الحَاجَةُ إِلَيهِ لِمَعْرِفَةِ التَّدْلِيسِ» (١). وزادَ الأنصاريُّ «ت ٨٠٤ هـ»: «فَإِنَّ أَكْثَرَ ذَلِكَ إِنَّمَا نَشَأَ مِنْ تَدْلِيسِهِمْ» (٢).
وممَّنْ ألَّفَ في ذلكَ:
١ - الحافظُ الأزديُّ «ت ٤٠٩ هـ» كتاباً أسماهُ «إيضاحُ الإشكالِ في الرِّواياتِ» (٣).
٢ - الخطيبُ البغداديُّ «ت ٤٦٣ هـ» كتاباً أسماهُ «موضعُ أوهامِ الجمعِ والتَّفريقِ» (٤).
قالَ أبو حاتمٍ «ت ٢٧٧ هـ» ممثِّلاً لتدليسِ الشُّيوخِ: «وَمِثْلُ مَا يَرْوِيهِ الوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَمْرٍو عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَيُوهِمُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الأَوزَاعِيَّ، وَإِنِّمَا أَرَادَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ يَزِيدَ بنِ تَمِيمٍ، وَهُمَا جَمِيعَاً قَدْ سَمِعَا مِنَ الزُّهْرِيِّ، وَالوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ قَدْ سَمِعَ مِنْهُمَا، وَالأَوزَاعِيُّ ثِقَةٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ابنُ يَزِيدٍ ضَعِيفٌ، وَقَدْ يَكُونُ الحَدِيثُ يَرْوِيهِ الثِّقَةُ عَنِ الثِّقَةِ، وَلَا يَكُونُ صَحِيحَاً لَعِلَّةٍ دَخَلَتْهُ مِنْ جِهَةِ غَلَطِ الثِّقَةِ فِيهِ» (٥). стр. 329
ثمَّ قالَ مُعقِّباً ومبيِّناً الطَّريقَ للكشفِ عنْ ذلكَ: «وَهَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّهَا لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ بِهَذَا الشَّانِ وَتَتَبُّعِ طُرُقِ الحَدِيثِ وَاخْتِلَافِ الرُّوَاةِ فِيهِ، وَعَرَفَ الأَسْمَاءَ وَالكُنَى، وَمَنْ فَاتَتْهُ الرِّوَايَةُ عَمَّنْ عَاصَرَهُ وَمَنْ لَمْ تَفُتْهُ الرِّوَايَةُ عَنْهُ، وَمَنْ كَانَ مِنْ شَانِهِ التَّدْلِيسُ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَاكَ مِنْ شَانِهِ» (١).
وإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ الحديثِ المدلَّسِ منْ خلالِ التَّطبيقاتِ الآتيةِ:
سأقتصرُ على بيانِ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ تدليسِ الشُّيوخِ، وتدليسِ الإسنادِ بعمومِهِ دونَ فروعهِ، خلا تدليسَ التَّسويةِ لشيوعِهِ وخطورتِهِ.
تدليسُ الإسنادِ: مثالُهُ: حديثُ رافعِ بنِ خَدِيجٍ ﵁، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «أَسْفِرُوا بِالفَجْرِ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلأَجْرِ».
* الحديثُ أخرجَهُ أبو داودَ «ر ٤٢٤»، وابنُ ماجةَ «ر ٦٧٢»، وابنُ حنبلٍ «ر ١٧٢٩٦»، وابنُ حبَّانَ «ر ١٤٩١»، والطَّبرانيُّ في الكبيرِ «ر ٤٢٨٣»، منْ طريقِ ابنِ عيينةَ (٢)، عنْ محمَّدِ بنِ عجلانَ، عنْ عاصمِ بنِ عمرَ بنِ قتادةَ، عنْ محمودِ بنِ لبيدٍ، عنْ رافعِ بنِ خديجٍ ﵁، عنِ النَّبيِّ ﷺ .
وتابعَهُ سفيانُ الثَّوريُّ (٣)، عندَ الطَّبرانيِّ في المعجمِ الكبيرِ «ر ٤٢٨٣»، والأصبهانيِّ في معرفةِ الصَّحابةِ «ر ٢٦٥٣»، وعبدِ الرَّزاقِ في مُصنَّفِهِ «ر ٢١٥٩». стр. 330
ويحيى بنُ سعيدٍ القطَّانُ (١)، عندَ النَّسائيِّ في الكبرى «ر ١٥٣»، وابنِ حبَّانَ «ر ١٤٨٩».
وسليمانُ بنُ حيَّانَ (٢)، عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١٧٣١٨»، وابنِ أبي شيبةَ «ر ٣٢٤٢».
* وأخرجَهُ التِّرمذيُّ «ر ١٥٤»، والطَّبرانيُّ في الكبيرِ «ر ٤٢٨٦»، والطَّيالسيُّ «ر ٩٥٩»، والأصبهانيُّ في معرفةِ الصَّحابةِ «ر ٢٦٥٤»، والبيهقيُّ «ر ١٩٨٩»، والدَّارميُّ «ر ١٢١٧»، وابنُ أبي شيبةَ «ر ٦٥»، منْ طريقِ محمَّدِ بنِ إسحاقَ (٣)، عنْ عاصمِ بنِ عمرَ، عنْ محمودِ بنِ لبيدٍ، عنْ رافعٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ .
فخالفَ ابنُ إسحاقَ جميعَ الرُّواةِ الثِّقاتِ بإسقاطِ ابنِ عجلانَ، وقدْ رواهُ بالعنعنةِ وهوَ مُدلِّسٌ (٤)، فاتَّضحَ تدليسُهُ في ذلكَ، إلَّا أنَّهُ وبالسبرِ فقدْ تبيَّنَ أنَّ الحديثَ أخرجَهُ ابنُ حنبلٍ «ر ١٥٨٥٧» منْ طريقِ ابنِ إسحاقَ، قالَ: أنبأنَا ابنُ عجلانَ، عنْ عاصمِ بنِ عمرَ … الخ. فذكرَ ابنَ عجلانَ وبصيغةِ الإنباءِ، فتبيَّنَ السَّاقطُ مِنَ الرُّواةِ بالتَّدليسِ مِنَ الحديثِ مِنْ طريقِ الرَّاوي نفسِهِ ومِنْ طريقِ غيرِهِ كذلكَ.
تدليسُ التَّسويةِ: مثالُهُ: حديثُ ابنِ عمرَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إذَا ضَنَّ النَّاسُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، وَتَبَايَعُوا بِالْعِينَةِ، وَتَبِعُوا أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَتَرَكُوا الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ ذُلًّا فَلَمْ يَرْفَعْهُ عَنْهُمْ حَتَّى يُرَاجِعُوا دِينَهُمْ». стр. 331
* الحديثُ أخرجَهُ ابنُ حنبلٍ «ر ٤٨٢٥»، والطبرانيُّ في الكبيرِ «ر ١٣٥٨٣»، مِنْ طَريقِ الأعمشِ (١)، عنْ عطاءِ بنِ أبي رباحٍ، عنِ ابنِ عمرَ ﵁، عنِ النَّبيِّ ﷺ .
* وأخرجَهُ البيهقيُّ «ر ١٠٤٨٤»، والطبرانيُّ في مسندِ الشَّاميينَ «ر ٢٤١٧»، والأصبهانيُّ في حليةِ الأولياءِ «١/ ٣١٤»، مِنْ طريقِ إسحاقَ بنِ أُسيدٍ الخراسانيِّ (٢)، أنَّ عطاءً الخراسانيَّ حدَّثهُ، أنَّ نافعاً حدَّثهُ، عنِ ابنِ عمرَ ﵁ … الحديث.
فبسبرِ طرقِ هذَا الحديثِ يتبيَّنُ لنَا في الطَّريقِ الأوَّلِ أنَّ نافعَاً سقطَ منْ بينِ عطاءٍ وابنِ عمرَ ﵁، وقدْ بيَّنَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» تدليسَ التَّسويةِ في طريقِ الأعمشِ بردِّهِ لتصحيحِ ابنِ القطَّانِ لهذَا الطَّريقِ، فقالَ: «قُلْت: وَعِنْدِي أَنَّ إسْنَادَ الْحَدِيثِ الَّذِي صَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ مَعْلُولٌ، لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَونِ رِجَالِهِ ثِقَاتٍ أَنْ يَكُونَ صَحِيحاً، لِأَنَّ الْأَعْمَشَ مُدَلِّسٌ، وَلَمْ يُنْكِرْ سَمَاعَهُ مِنْ عَطَاءٍ، وَعَطَاءٌ يُحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، فَيَكُونُ فِيهِ تَدْلِيسُ التَّسْوِيَةِ بِإِسْقَاطِ نَافِعٍ بَينَ عَطَاءٍ وَابْنِ عُمَرَ، فَرَجَعَ الْحَدِيثُ إلَى الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ» (٣).
تَدْلِيسُ الشُّيُوخِ: مثالُهُ: حديثُ عائشةَ ﵁: «اكْتَحَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ صَائِمٌ». стр. 332
* الحديثُ أخرجَهُ ابنُ ماجةَ «ر ١٦٧٨»، منْ طريقِ بقيَّةَ بنِ الوليدِ (١)، عنِ الزُّبيديِّ، عنْ هشامِ بنِ عروةَ، عنْ أبيهِ، عنْ عائشةَ ﵁.
* وأخرجَهُ الطَّبرانيُّ في المعجمِ الصَّغيرِ «ر ٤٠١»، مِنَ الطَّريقِ ذاتِهِ إلَّا أنَّهُ سمَّى الزُّبيديَّ ب «محمَّدِ بنِ الوليدِ».
* وأخرجَهُ الطَّبرانيُّ في مسندِ الشَّاميِّينَ «ر ١٨٣٠»، وأبو يعلى في مسندِهِ «ر ٤٧٩٢»، والبيهقيُّ في السُّننِ «ر ٨٤٧»، وابنُ عديٍّ في الكاملِ «٣/ ٤٠٥»، مِنَ الطَّريقِ ذاتِهِ أيضاً إلَّا أَّنَّهمْ سمَّوا الزُّبيديَّ ب «سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ».
فبالسَّبرِ تبيَّنَ لنَا تدليسُ «بقيَّةَ» عندَ ابنِ ماجةَ، حيثُ ذكرَ «الزُّبيديَّ» مُجرَّداً، وتبيَّنَ لنَا توهُّمُ البعضِ كمَا عندَ الطَّبرانيِّ بجعلِهِ «محمَّدَ بنِ الوليدِ»، حيثُ نَصَّ الأكثرونَ على كونِهِ «سعيدُ ابنُ جابرٍ الزُّبيديُّ»، كمَا بيَّنهُ ابنُ عبدِ الهادي الحنبليُّ (٢) «ت ٧٤٤ هـ»، فقالَ: «وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ العُلَمَاءِ أَنَّ الزُّبَيدِيَّ فِي هَذَا الحَدِيثِ هُوَ مُحَمَّدُ بنُ الوَلِيدِ الثَّقَةُ الثَّبتُ، وَذَلِكَ وَهْمٌ، وَإِنَّمَا هُوَ سَعِيدُ بنُ أَبِي سَعِيدٍ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ البَيهَقِيُّ، وَغَيرُهُ. وَلَيسَ هُوَ بِمَجْهُولٍ كَمَا قَالَهُ أَيضَاً ابنُ عَدِيٍّ، بَلْ هُوَ سَعِيدُ بنُ عَبْدِ الجَبَّارِ الزُّبَيدِيُّ الحِمْصِيُّ، وَهُوَ مَشْهُورٌ، стр. 333
لَكِنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَى ضَعْفِهِ، وَأَبُو أَحْمَدَ بنُ عَدِيٍّ فَرَّقَ فِي كِتَابِهِ بَينَ سَعِيدِ بنِ أَبِي سَعِيدٍ، وَبَينَ سَعِيدِ بنِ عَبْدِ الجَبَّارِ، وَهُمَا وَاحِدٌ» (١).
فالسَّبرُ هوَ أحدُ الطُّرقِ الرئيسةِ التي اعتمدَهَا الأئمَّةُ المحدِّثونَ لمعرفةِ حديثِ المدلِّسينَ، ببيانِ التَّدليسِ في الإسنادِ منْ عدمِهِ، ومعرفةِ السَّاقطِ منَ الرُّواةِ بالتَّدليسِ، اعتمادَاً على المصنَّفاتِ في أسماءِ وطبقاتِ المدلِّسينَ، وكذلكَ تدليسِ المدلِّسينَ في شيوخهِمِ، فبِهِ تنحصرُ نعوتُهُمْ، ويُزالُ اللَّبسُ عنهمْ، اعتمادَاً على المصنَّفاتِ في الرِّجالِ والمشتبِهِ مِنَ النُّعوتِ والأسماءِ قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «فَحُكْمُ مَنْ ذُكِرَ مِنْ رِجَالِهِ بِتَدْلِيسٍ أَوْ إِرْسَالٍ أَنْ تُسْبَرَ أَحَادِيثُهُمْ المَوجُودَةُ عِنْدَهُ بِالعَنْعَنَةِ، فَإِنْ وُجِدَ التَّصْرِيحُ بِالسَّمَاعِ فِيهَا انْدَفَعَ الاِعْتِرَاضُ، وَإِلَّا فَلَا» (٢).
* * * стр. 334
المَبْحَثُ الثَّامِنُ: مَعْرِفَةُ المُرْسَلِ الخَفِيِّ:
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ المُرْسَلِ الخَفِيِّ لُغَةً وَاصْطِلَاحَاً:
المُرسلُ الخفيُّ: لغةً: جمعُ مراسيلَ، وهوَ الإطلاقُ، والتَّركُ، والتَّخليةُ (١).
الخفيُّ: الخفاءُ ضدُّ الظُّهورِ. سُمِّي بذلكَ، لأنَّ فيهِ انقطاعاً غيرَ ظاهرٍ في الإسنادِ (٢).
اِصطلاحَاً: اختلفتْ آراءُ العلماءِ في تعريفِهِ اختلافَاً قويَّاً مُتشابكَاً، والمعتمدُ أنَّهُ:
الحديثُ الذي رواهُ الرَّاوي عمَّنْ عاصرَهُ ولمْ يسمعْ منهُ، ولمْ يلقَهُ (٣). стр. 335
المَطْلَبُ الثَّاني: الفَرْقُ بَينَ المُدَلَّسِ والمُرْسَلِ الخَفِيِّ وَالإِرْسَالِ:
الفرقُ بينَ المدلَّسِ والمرسلِ الخفيِّ دقيقٌ، فقدْ مزجَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ» (١) في تعريفِهِ للتَّدليسِ بينَهُ وبينَ المرسلِ الخفيِّ، واعترضَ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» على ذلكَ، فقالَ: «وَالتَّحْقِيقُ فِيهِ التَّفْصِيلُ: وَهُوَ أَنَّ مَنْ ذُكِرَ بِالتَّدْلِيسِ أَوْ الإِرْسَالِ إِذَا ذُكِرَ بِالصِّيغَةِ المُوهِمَةِ عَمَّنْ لَقِيَهُ فَهُوَ تَدْلِيسٌ، أَوْ عَمَّنْ أَدْرَكَهُ وَلَمْ يَلْقَهُ فَهُوَ المُرْسَلُ الخَفِيُّ، أَوْ عَمَّنْ لَمْ يُدْرِكْهُ فَهُوَ مُطْلَقُ الإِرْسَالِ» (٢).
قالَ شيخُنَا نورُ الدِّينِ: «وَحَاصِلُ التَّفْرِيقِ بَينَهُمَا مِنْ وَجْهَينِ:
الأَوَّلُ: المُدَلِّسُ يَرْوِي عَمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ أَوْ لَقِيَهُ مَا لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ بِصِيغَةٍ مُوهِمَةٍ لِلسَّمَاعِ، وَأَمَّا المُرْسَلُ فَإِنَّهُ يَرْوِي عَمَّنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ وَلَمْ يَلْقَهُ إِنَّمَا عَاصَرَهُ فَقَطْ.
الثَّانِي: التَّدْلِيسُ إِيهَامُ سَمَاعِ مَا لَمْ يَسْمَعْ، وَلَيسَ فِي الإِرْسَالِ إِيهَامٌ، فَلَو بَيَّنَ المُدَلِّسُ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعِ الحَدِيثَ مِنَ الذِي دَلَّسَهُ عَنْهُ لَصَارَ الحَدِيثُ مُرْسَلَاً لَا مُدَلَّسَاً، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ النُّقَّادُ المُحَقِّقُونَ كَالخِطِيبِ البَغْدَادِيِّ وَابْنِ عَبْدِ البَّرِّ» (٣).
كمَا تجدرُ الإشارةُ إلى أنَّ المُرسَلَ الخفيَّ والمرْسَلَ يشتركانِ في الانقطاعِ، ويفترقانِ منْ وجهينِ: стр. 336
الأوَّلُ: الانقطاعُ في المُرسَلِ الخفيِّ في أيِّ موضعٍ مِنَ الإسنادِ، أمَّا في المرسلِ فهوَ - كمَا سيأتي - في طبقةِ الصَّحابةِ.
الثَّاني: الانقطاعُ في الأوَّلِ خفيٌّ لوجودِ المعاصرةِ بينَ الرَّاويينِ، أمَّا الثَّاني فإنَّ انقطاعَهُ بيِّنٌ وظاهرٌ، لكونِ التَّابعيِّ لمْ يعاصرِ النَّبيَّ ﷺ .
ولذَا فقدْ أفردتُ المُرسَلَ الخفيَّ بمبحثٍ خاصٍّ، وجعلتُهُ بينَ التَّدليسِ والإرسالِ.
* * *
стр. 337
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: حُكْمُ المُرْسَلِ الخَفِيِّ:
حكمُ المرسلِ الخفيِّ كحكمِ الإرسالِ، للانقطاعِ الحاصلِ بهِ، إلَّا أنَّ خطرَ هذَا أشدُّ لخفائِهِ، قالَ الحافظُ العلائيُّ «ت ٧٦١ هـ»: «الإِرْسَالُ فِي الحَدِيثِ عِلَّةٌ يُتْرَكُ بِهَا، وَيُتَوَقَّفُ عَنِ الاِحْتِجَاجِ بِهِ بَسَبَبِهِ، لِمَا فِي إِبْهَامِ المَرْوِيِّ عَنْهُ مِنَ الغَرَرِ، وَالاحْتِجَاجِ المَبْنِيِّ عَلَى الخَطَرِ» (١). إلَّا أنْ يصحَّ مخرجُهُ بمجيئِهِ منْ وجهٍ آخرَ (٢).
* * * стр. 338
المَطْلَبُ الرَّابِعُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ المُرْسَلِ الخَفِيِّ:
عنيَ العلماءُ بمعرفةِ المرسلِ الخفيِّ، لأهميَّتِهِ ودقَّتِهِ وخفائِهِ، وقدْ سُمِّيَ بذلكَ احترازاً عنِ الظَّاهرِ لكونِهِ لا يُدركُ إلَّا بكشفٍ وبحثٍ واتِّساعِ علمٍ مِنَ الحافظِ الجهبذِ (١).
قالَ الحافظُ العلائيُّ «ت ٧٦١ هـ»: «وَهُوَ نَوعٌ بَدِيعٌ مِنَ أَهَمِّ أَنْوَاعِ عُلُومِ الحَدِيثِ، وَأَكْثَرِهَا فَائِدَةً، وَأَعْمَقِهَا مَسْلَكَاً، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ بِالبَيَانِ إِلَّا حُذَّاقُ الأَئِمَّةِ الكِبَارِ، وُيُدْرَكُ بِالاِتِّسَاعِ فِي الرِّوَايَةِ، وَالجَمْعِ لِطُرُقِ الحَدِيثِ، مَعَ المَعْرِفَةِ التَّامَّةِ، وَالإِدْرَاكِ الدَّقِيقِ» (٢). ثمَّ بيَّنَ أنَّ لمعرفتِهِ طرقاً فصَّلهَا في جامعِ التَّحصيلِ، نجملُهَا فيمَا يأتي، معَ مزيدِ تفصيلٍ في مسألةِ السَّبرِ:
أوَّلاً: عدمُ اللقاءِ أو السَّماعِ بينَ الرَّاوي والمرويِّ عنهُ: إمَّا بتنصيصِ بعضِ الأئمَّةِ على
ذلكَ، كقولِ المزِّيِّ (٣) «ت ٧٤٢ هـ»: «إِنَّ عُمَرَ بنَ عَبْدِ العَزِيزِ لَمْ يَلْقَ عُقْبَةَ بنَ عَامِرٍ» (٤). في стр. 339
معرضِ كلامِهِ على حديثٍ رواهُ عمرُ، عنْ عقبةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ : «رَحِمَ اللهُ حَارِسَ الحَرَسِ» (١).
أو بمعرفةِ تواريخِ الرُّواةِ بأنَّ هذَا الرَّاوي لمْ يُدركِ المرويَّ عنهُ بالسِّنِّ، أو بتصريحِ الرَّاوي نفسِهِ بذلكَ، كروايةِ أبي عُبيدةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، عنْ أبيهِ ﵁، فإنَّهُ لمْ يسمعْهُ (٢).
ثانياً: السَّبْرُ وَجَمْعُ الطُّرُقِ: وقدْ تقدَّمَ كلامُ ابنِ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» في مبحثِ التَّدليسِ السَّابقِ، حيثُ قالَ: «فَحُكْمُ مَنْ ذُكِرَ مِنْ رِجَالِهِ بِتَدْلِيسٍ أَوْ إِرْسَالٍ أَنْ تُسْبَرَ أَحَادِيثُهُمْ المَوجُودَةُ عِنْدَهُ بِالعَنْعَنَةِ، فَإِنْ وُجِدَ التَّصْرِيحُ بِالسَّمَاعِ فِيهَا انْدَفَعَ الاِعْتِرَاضُ، وَإِلَّا فَلَا» (٣).
والتَّصريحُ بالسَّماعِ أو نفيِهِ، بأنْ يُخبِرَ الرَّاوي عنْ نفسِهِ بذلكَ في بعضِ الطُّرقِ، كأنْ يقولَ: نُبِّئتُ أو أُخبرتُ عنهُ، أو يُصرِّحَ بذكرِ الواسطةِ بينَهُ وبينَ مَنْ أرسلَ عنهُ، مثالُ ذلكَ ما رواهُ عبدُ الرَّزَّاقِ، عنِ الثَّوريِّ، عنْ أبي إسحاقَ، عنْ زيدِ بنِ يُثَيعٍ، عنْ حُذيفةَ مرفوعَاً: «إِنْ وَلَّيتُمُوهَا أَبَا بَكْرٍ فَقَوِيٌّ أَمِينٌ». قالَ العُقيليُّ «ت ٣٢٢ هـ»: «فَقِيلَ لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ: سَمِعْتَ هَذَا مِنَ الثَّورِيِّ؟ قَالَ: لَا، حَدَّثَنَا النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَيَحْيَى بنُ العَلَاءِ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّورِيِّ» (٤). стр. 340
أو أنْ يردَ منْ طريقٍ أخرى بزيادةِ راوٍ بينهُمَا، قالَ العلائيُّ «ت ٧٦١ هـ»: «فَيُحْكَمُ عَلَى الأَوَّلِ بِالإِرْسَالِ، إِذْ لَو كَانَ سَمِعَهُ مِنْهُ لَما قَالَ: «أُخْبِرْتُ عَنْهُ»، وَلَا رَوَاهُ بِوَاسِطَةٍ بَينَهُمَا، وَفَائِدَةُ جَعْلِهِ مُرْسَلَاً فِي هَذَا الطَّرِيقِ الثَّالِثِ أَنَّهُ مَتَى كَانَ الوَاسِطَةُ الذِي زِيدَ فِي الرِّوَايَةِ الأُخْرَى ضَعِيفَاً لَمْ يُحْتَجَّ بِالحَدِيثِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ ثِقَةً» (١).
إلَّا أنَّ معرفةَ المرسلِ منْ هذهِ الطَّريقِ تُشكِلُ بالتَّعارضِ معَ المزيدِ في متَّصلِ الأسانيدِ ومعَ العالي والنَّازلِ، لأنَّنَا لمْ نكتشفْ عدمَ السَّماعِ بقرينةٍ أو دليلٍ خارجيٍّ، وإنَّما بورودِ الواسطةِ بينَ الرَّجلينِ، وحلُّ هذَا الإشكالِ إنَّمَا يكونُ منْ وجهينِ:
أوَّلاً: معرفةُ السَّماعِ تاريخيَّاً بينَ الرَّاويينِ المتوالِيَينِ منْ عدمِهِ: قالَ شيخُنَا نورُ الدِّينِ: «أَنْ نُلَاحِظَ فِي المَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ ثُبُوتَ السَّمَاعِ تَارِيخِيَّاً بَينَ الرَّاوِيَينِ المُتَوَالِيَينِ فِي الإِسْنَادِ المَحْذُوفِ، أَمَّا المُرْسَلُ الخَفِيُّ فَلَيسَ لَدَينَا مَا يَثْبُتُ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ السَّمَاعُ بَينَ الرَّاوِيَينِ اللَّذَينِ حَكَمْنَا عَلَى رِوَايَةِ أَحَدِهِمَا عَنِ الآَخَرِ بِالإِرْسَالِ» (٢).
ثانياً: دلالةُ صيغةِ السَّماعِ أو الصِّيغةِ المحتمِلَةِ: قالَ الحافظُ العلائيُّ «ت ٧٦١ هـ»: «لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَوضِعُ الإِرْسَالِ قَدْ جَاءَ فِيهِ الرَّاوِي بِلَفْظِ «عَنْ» وَنَحْوِهَا، فَأَمَّا مَتَى كَانَ بِلَفْظِ «حَدَّثَنَا» وَنَحْوِهِ، ثُمَّ جَاءَ الحَدِيثُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ بِزِيَادَةِ رَجُلٍ بَينَهُمَا، فَهَذَا هُوَ المَزِيدُ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ، وَيَكُونُ الحُكْمُ لِلْأَوَّلِ» (٣). стр. 341
هذَا إذَا دلَّتْ قرينةٌ على كونِ الزَّائدِ وهمَاً، أمَّا إنْ لمْ تقمِ القرينةُ على ذلكَ فيُعتبرُ مِنَ العالي والنَّازلِ، ويُحكمُ بصحَّةِ السَّماعِ مِنَ الطَّريقينِ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «الإِسْنَادُ الخَالِي عَنِ الرَّاوِي الزَّائِدِ إِنْ كَانَ بِلَفْظِهِ «عَنْ» فِي ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْكَمَ بِإِرْسَالِهِ، وَيُجْعَلَ مُعَلَّلَاً بِالإِسْنَادِ الذِي ذُكِرَ فِيهِ الزَّائِدُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالسَّمَاعِ أَوْ بِالإِخْبَارِ، فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قَدْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَجُلٍ عَنْهُ ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْهُ نَفْسَهُ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ تُوجَدَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى كَونِهِ وَهْمَاً» (١).
وإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ المرسلِ الخفيِّ منْ خلالِ التَّطبيقِ الآتي:
مثالُهُ: حديثُ أنسٍ ﵁، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ تَوَضَّأَ يَومَ الجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالغُسْلُ أَفْضَلُ».
* الحديثُ أخرجَهُ ابنُ الجعدِ «ر ١٧٥٠»، وأبو يعلى «ر ٤٠٨٦»، منْ طريقِ سفيانَ الثَّوريِّ (٢) عنْ يزيدَ بنِ أبَّانَ الرَّقَاشيِّ (٣)، عنْ أنسِ بنِ مالكٍ ﵁.
* وأخرجَهُ ابنُ الجعدِ أيضَاً «ر ١٧٥٠» منْ طريقِ سفيانَ الثَّوريِّ، عنِ الرَّبيعِ بنِ صُبيحٍ (٤) عنْ يزيدَ بنِ أبَّانَ الرَّقَاشيِّ، عنْ أنسٍ ﵁. стр. 342
وتابعَ سفيانَ الطَّيالسيُّ في مسندِهِ «ر ٢١١٠».
* وأخرجَهُ أيضَاً عبدُ الرَّزَّاقِ في مصنَّفِهِ «ر ٥٣١٢»، منْ طريقِ سفيانَ الثَّوريِّ، لكنْ عنْ عكرمةَ بنِ عمَّارٍ (١)، عنْ يزيدَ بنِ أبَّانَ الرَّقَاشيِّ، عنْ أنسٍ ﵁.
فبسبرِ هذَا الحديثِ تبيَّنَ لنَا زيادةُ راوٍ بينَ الثَّوريِّ وَالرَّقَاشيِّ، وروايةُ السَّقطِ بصيغةٍ محتملةِ السَّماعِ، وسفيانُ ممَّنْ عاصرَ الرَّقَاشِيَّ، إلَّا أنَّهُ لمْ يسمعْ منهُ شيئَاً، فهوَ مِنَ المرسلِ الخفيِّ. قالَ ابنُ الجعدِ «ت ٢٣٠ هـ»: «وَهُوَ مُرْسَلٌ، لَمْ يَسْمَعِ الثَّورِيُّ مِنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ شَيئَاً، وَبَينَهُمَا الرَّبِيعُ بنُ صُبَيحٍ» (٢).
* * * стр. 343
المَبْحَثُ التَّاسِعُ: مَعْرِفَةُ الإِرْسَالِ فِي الإِسْنَادِ:
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ الإِرْسَالِ لُغَةً وَاصْطِلَاحَاً:
الإرسالُ لغةً: تقدَّمَ في المبحثِ السَّابقِ معنى الإرسالِ لغةً، فليُنظرْ (١).
اِصطلاحَاً: اختلفَ المحدِّثونَ في تعريفِ الحديثِ المرسلِ، لاختلافِ موقعِهِ عندَهُمْ.
والذي عليهِ جمهورُهُمْ أنَّ الحديثَ المرسلَ عندَ الإطلاقِ يُرادُ بهِ: ما رفعَهُ التَّابعيُّ، بأنْ يقولَ: «قالَ رسولُ اللهِ ﷺ »، سواءٌ كانَ التَّابعيُّ كبيراً أو صغيراً (٢).
ومنْ أشهرِ المصنَّفاتِ في الحديثِ المرسلِ والمُرْسِلِينَ منَ الرُّواةِ: стр. 344
١ - المراسيلُ لأبي داودَ (١).
٢ - المراسيلُ لأبي حاتمٍ الرازيِّ (٢).
٣ - جامعُ التَّحصيلِ لأحكامِ المراسيلِ، للحافظِ العلائيِّ (٣).
٤ - تحفةُ التَّحصيلِ في ذكرِ رواةِ المراسيلِ - للحافظِ أبي زرعةَ العراقيِّ (٤).
* * * стр. 345
المَطْلَبُ الثَّاني: حُكْمُ الحَدِيثِ المُرْسَلِ:
اختلفَ العلماءُ في حكمِ الحديثِ المرسلِ والاحتجاجِ بهِ اختلافاً كثيراً، أوصلَهَا ابنُ حجرٍ إلى ثلاثةَ عشرَ قولاً (١)، يرجعُ حاصلُهَا إلى ثلاثةِ أقوالٍ رئيسةٍ (٢):
الأوَّلُ: الحديثُ المرسلُ ضعيفٌ لا تقومُ الحجَّةُ بهِ، وهوَ مذهبُ جمهورِ المحدِّثينَ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَإِنَّمَا ذُكِرَ فِي قِسْمِ المَرْدُودِ لِلْجَهْلِ بِحَالِ المَحْذُوفِ، لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صَحَابِيَّاً، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَابِعِيَّاً، وَعَلَى الثَّانِي: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ضَعِيفَاً، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ثِقَةً، وَعَلَى الثَّانِي: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَمَلَ عَنْ صَحَابِيٍّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَمَلَ عَنْ تَابِعِيٍّ» (٣).
الثَّاني: قبولُ المرسلِ منْ كبارِ التَّابعينَ بشرطِ الاعتبارِ في الحديثِ المُرسَلِ والرَّاوي المُرسِلِ، وهوَ مذهبُ الإمامِ الشَّافعيِّ رحمهُ اللهُ تعالى (٤).
الثَّالثُ: المرسلُ مِنَ الثِّقةِ صحيحٌ يُحتجُّ بهِ، وهوَ مذهبُ أبي حنيفةَ ومالكٍ وأصحابِهِمَا (٥).
قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «حُكْمُ المُرْسَلِ حُكْمُ الحَدِيثِ الضَّعِيفِ، إِلَّا أَنْ يَصِحَّ مَخْرَجُهُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ، كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي نَوعِ الحَسَنِ، وَلِهَذَا احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ ﵁ بِمُرْسَلَاتِ سَعِيدِ بنِ الُمَسَيَّبِ» (٦). стр. 346
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ الإِرْسَالِ فِي الإِسْنَادِ:
الحديثُ المرسَلُ يُعرفُ بمجرَّدِ أنْ يُعلمَ أنَّ الذي حدَّثَ بهِ عنِ النَّبيِّ ﷺ تابعيٌّ، لكنْ لا بدَّ منْ تمييزِ التَّابعينَ منَ الصَّحابةِ منْ غيرِهِمْ، ومظنَّةُ ذلكَ الكتبُ المصنَّفةُ في الصَّحابةِ خصوصَاً، وفي الطَّبقاتِ والرِّجالِ عُمومَاً (١).
والسَّبرُ إنَّمَا يكونُ للبحثِ عنْ طرقٍ أخرى للمرسلِ حتَّى يصلحَ أنْ يُحتجَّ بهِ، أو للتَّرجيحِ بينَ روايتي الوصلِ أو الإرسالِ في حالِ التَّعارضِ، نُبيِّنُ ذلكَ فيمَا يأتي:
أوَّلَاً: تقويةُ الحديثِ المرسَلِ بغيرِهِ:
خلصنَا في حكمِ المرسلِ إلى أنَّه ضعيفٌ ما لمْ يصحَّ مخرجُهُ بمجيئِهِ منْ وجهٍ آخرَ، وهوَ
ما ذهبَ إليهِ الإمامُ الشَّافعيُّ حيثُ اشترطَ الاعتبارَ للاحتجاجِ بالمرسَلِ، والاعتبارُ: هوَ أنْ يعتضدَ المرسَلُ بواحدٍ منْ أربعةِ أمورٍ، سبيلُ الكشفِ عنهَا هوَ السَّبرُ وتتبُّعُ الطُّرقِ، وهيَ:
١ - أنْ يُروى مُسندَاً مِنْ وجهٍ آخرَ: مثالُ ذلكَ ما ذكرَهُ ابنُ عبدِ البَّرِّ «ت ٤٦٣ هـ»، في حديثٍ رواهُ داودُ بنُ الحُصينِ مرسلاً منْ وجهٍ، مُتَّصلاً منْ وجهٍ صحيحٍ، فقالَ: «مَالِكُ، عَنْ стр. 347
دَاوُدَ بنِ الحُصَينِ، عَنِ الأَعْرَجِ، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَينَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ فِي سَفَرِهِ إِلَى تَبُوكٍ». هَذَا الحَدِيثُ هَكَذَا رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ مُرْسَلَاً، إِلَّا أَبَا المُصْعَبِ فِي غَيرِ المُوَطَّأِ، وَمُحَمَّدَ بنَ المُبَارَكِ الصُّورِيِّ، وَمُحَمَّدَ بنَ خَالِدٍ بنِ عَثَمَةَ، وُمُطَرِّفاً، وَالحُنَينِيَّ، وَإِسْمَاعِيلَ بنَ دَاوُدَ المِخْرَاقِيَّ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: عَنْ مَالِكٍ، عَنْ دَاوُدَ بنِ الحُصَينِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁، مُسْنَدَاً» (١).
ونَفِيدُ بالسَّبرِ وصلَ الحديثِ، ومعرفةَ السَّاقطِ منَ الرُّواةِ بينَ المُرسِلِ والنَّبيِّ ﷺ ، هلْ هوَ تابعيٌّ أو صحابيٌّ، فإذَا كانَ تابعيَّاً هلْ هوَ واحدٌ أو أكثرُ، وهلْ هوَ ثقةٌ أو ضعيفٌ، وقدْ تقدَّمَ كلامُ ابنِ حجرٍ في ذلكَ (٢).
٢ - أنْ يُروى مُرسَلاً بمعناهُ عنْ راوٍ آخرَ لمْ يأخذْ عنْ شيوخِ الأوَّلِ، فيدلُّ على تعدُّدِ مخرجِ الحديثِ: مثالُ ذلكَ حديثُ إياسِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبي ذُبابٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَضْرِبُوا إِمَاءَ اللهِ» … الحديثُ.
قالَ البيهقيُّ (٣) «ت ٤٥٨ هـ»: «بَلَغَنَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُعْرَفُ لإِيَاسٍ صُحْبَةٌ». ثمَّ قالَ: «وَقَدْ رُوِىَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُرْسَلاً» (٤). стр. 348
ثمَّ ساقَهُ بسندِهِ منْ طريقِ أمِّ كُلثومٍ بنتِ أبي بكرٍ بمعناهُ. وأمُّ كلثومٍ هذهِ وُلدتِ بعدَ وفاةِ النَّبيِّ ﷺ ، فليستْ لهَا صحبةٌ (١)، وحديثُهَا مرسلٌ عضدَ مرسلَاً آخرَ فقوَّاهُ.
٣ - أو يوافقُهُ قولُ بعضِ الصَّحابةِ: مثالُ ذلكَ حديثُ الحسنِ ﵁، قالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تُنْكَحَ الأَمَةُ عَلَى الحُرَّةِ». قالَ البيهقيُّ «ت ٤٥٨ هـ»: «هَذَا مُرْسَلٌ، إِلَّا أَنَّهُ فِي مَعْنَى الكِتَابِ، وَمَعَهُ قَولُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ». ثمَّ ساقَ بإسنادِهِ ما يعضدُهُ منْ قولِ عليٍّ ﵁، وجابرِ ابنِ عبدِ اللهِ ﵁، وابنِ عبَّاسٍ ﵁ وابنِ عمرَ ﵁ (٢).
٤ - أو يكونُ قدْ قالَ بهِ أكثرُ أهلِ العلمِ.
فهذِهِ المذكوراتُ إنَّمَا هيَ دلائلُ على صحَّةِ مخرجِ الحديثِ، بلْ وقوَّتهِ في البندِ الأوَّلِ، قالَ شيخُنَا محمَّدُ عجاجٌ: «وَإِذَا صَحَّ مَجِيءُ المُرْسَلِ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ مُسْنَدَاً عَنْ غَيرِ رِجَالِ الأَوَّلِ فَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ جَمَاهِيرِ العُلَمَاءِ وَالمُحَدِّثِينَ، لِأَنَّ المُسْنَدَ كَشَفَ عَنْ صِحَّةِ المُرْسَلِ، حَتَّى لَو عَارَضَهُمَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ قُدِّمَا عَلَيهِ إِذَا تَعَذَّرَ الجَمْعُ، وَذَلِكَ لِتَعَدُّدِ الطُّرُقِ» (٣).
ثانياً: التَّرْجِيحُ عِنْدَ تَعَارُضِ الوَصْلِ وَالإِرْسَالِ:
الحديثُ إذا رُويَ مُرسلَاً مرَّةً، وموصولَاً أخرى، فللعلماءِ أقوالٌ نفصِّلُهَا فيمَا يأتي: стр. 349
القولُ الأوَّلُ: ترجيحُ الرِّوايةِ الموصولةِ (١).
القولُ الثَّاني: ترجيحُ الرِّوَايَةِ المُرسلةِ (٢).
القولُ الثَّالثُ: التَّرجيحُ للأحفظِ (٣).
القولُ الرَّابعُ: الاعتبارُ لأكثرِ الرُّواةِ عددَاً (٤).
القولُ الخامسُ: التَّساوي بينَ الرِّوايتينِ والتَّوقُّفُ (٥).
وبالنَّظرِ في صنيعِ المحدِّثينَ، نجدُ أنَّهُ لمْ يكنْ ثمَّةَ قاعدةٌ مُطَّردةٌ يحكمونَ منْ خلالِهَا على المرويَّاتِ حالَ التَّعارضِ، والعمدةُ في ذلكَ القرائنُ والمرجِّحاتُ، التي تنجلي وتستبينُ بالسَّبرِ وتتبُّعِ الطُّرقِ، قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَحَلَّ الأَقْوَالِ فِيمَا لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ تَرْجِيحٌ … وَالحَقُّ حَسَبَ الاِسْتِقْرَاءِ مِنْ صَنِيعِ مُتَقَدِّمِي الفَنِّ، كَابْنِ مَهْدِيٍّ وَالقَطَّانِ وَأَحْمَدَ وَالبُخَارِيِّ عَدَمُ المُرَادِ حُكْمٌ كُلِّيٌّ، بَلْ ذَلِكَ دَائِرٌ مَعَ التَّرْجِيحِ، فَتَارَةً يَتَرَجَّحُ الوَصْلُ، وَتَارَةً الإِرْسَالُ، وَتَارَةً يَتَرَجَّحُ عَدَدُ الذَّوَاتِ عَلَى الصِّفَاتِ، وَتَارَةً العَكْسُ» (٦). стр. 350
وتارةً يصحُّ الوجهانِ، بأنْ يكونَ الرَّاوي رواهُ مرَّةً مرسلَاً ومرَّةً موصولَاً (١)، بحسبِ نشاطِهِ وفتورِهِ.
وقدْ أفاضَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» في بيانِ وجوهِ التَّرجيحِ وكيفيَّتِهِا في هذهِ المسألةِ، فقالَ: «المُخْتَلِفُونَ إِمَّا أَنْ يَكُونُوا مُتَمَاثِلِينَ فِي الحِفْظِ وَالإِتْقَانِ أَمْ لَا، فَالمُتَمَاثِلُونَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَدَدُهُمْ مِنَ الجَانِبَينِ سَوَاءً أَمْ لَا، فَإِنْ اسْتَوَى عَدَدُهُمْ مَعَ اسْتِوَاءِ أَوصَافِهِمْ وَجَبَ التَّوَقُّفُ، حَتَّى يَتَرَجَّحَ أَحَدُ الطَّرِيقَينِ بِقَرِينَةٍ مِنَ القَرَائِنِ، فَمَتَى اعْتَضَدَتْ إِحْدَى الطَّرِيقَينِ بِشَيءٍ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ حُكِمَ لَهَا، وَوُجُوهُ التَّرْجِيحِ كَثِيرَةٌ لَا تَنْحَصِرُ وَلَا ضَابِطَ لَهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَمِيعِ الأَحَادِيثِ، بَلْ كُلُّ حَدِيثٍ يَقُومُ بِهِ تَرْجِيحٌ خَاصٌّ لَا يَخْفَى عَلَى المُمَارِسِ الفَطِنِ الذِي أَكْثَرَ مِنْ جَمْعِ الطُّرُقِ.
وَإِنْ كَانَ أَحَدُ المُتَمَاثِلَينِ أَكْثَرَ عَدَدَاً، فَالحُكْمُ لَهُمْ عَلَى قَولِ الأَكْثَرِ …
وَأَمَّا غَيرُ المُتَمَاثِلَينِ، فَإِمَّا أَنْ يَتَسَاوَوا فِي الثِّقَةِ أَوْ لَا، فَإِنْ تَسَاوَوا فِي الثِّقَةِ، فَإِنْ كَانَ مَنْ وَصَلَ أَوْ رَفَعَ أَحْفَظُ فَالحُكْمُ لَهُ … أَيضَاً إِنْ كَانَ العَكْسُ فَالحُكْمُ لِلمُرسِلِ وَالوَاقِفِ، وَإِنْ لَمْ يَتَسَاوَوا فِي الثِّقَةِ فَالحُكْمُ لِلثِّقَةِ …
وَبَقِيَ إِذَا كَانَ رِجَالُ أَحَدِ الإِسْنَادَينِ أَحْفَظَ وَرِجَالُ الآَخَرِ أَكْثَرُ … لَا شَكَّ أَنَّ الاِحْتِمَالَ مِنَ الجِهَتَينِ مُنْقَدِحٌ قَوِيٌّ، لَكِنَّ ذَاكَ إِذَا لَمْ يَنْتَهِ عَدَدُ الأَكْثَرِ إِلَى دَرَجَةٍ قَوِيَّةٍ جِدَّاً، بِحَيثُ يَبْعُدُ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى الغَلَطِ أَوْ يَنْدُرُ أَوْ يَمْتَنِعُ عَادَةً، فَإِنَّ نِسْبَةَ الغَلَطِ إِلَى الوَاحِدِ - وَإِنْ كَانَ أَرْجَحَ مِنْ أُولَئِكَ فِي الحِفْظِ وَالإِتْقَانِ - أَقْرَبُ مِنْ نِسْبَتِهِ إِلَى الجَمْعِ الكَثِيرِ» (٢). стр. 351
وإليكَ بيانُ ذلكَ منْ خلالِ التَّطبيقَينِ الآتيينِ:
أولاً: ترجيحُ روايةِ الوصلِ على الإرسالِ:
حديثُ عطاءٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى أَثَلَاثَاً أَمْ أَرْبَعَاً؟ فَلْيُصَلِّ رَكْعَةً، وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَينِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، فَإِنْ كَانَتِ الرَّكْعَةُ الَّتِي صَلَّى خَامِسَةً شَفَعَهَا بِهَاتَينِ السَّجْدَتَينِ، وَإِنْ كَانَتْ رَابِعَةً فَالسَّجْدَتَانِ تَرْغِيمٌ لِلشَّيطَانِ».
الحديثُ أخرجَهُ أبو داودَ «ر ١٠٢٧»، والبيهقيُّ في معرفةِ السُّننِ والآثارِ «ر ١١٢٨»، منْ طريقِ عبدِ اللهِ بنِ وَهْبٍ (١)، عنْ مالكٍ، عنْ زيدِ بنِ أسلمَ، عنْ عطاءِ بنِ يسارٍ مرسلَاً.
وتابعَهُ القعنبيُّ (٢) عندَ أبي داودَ «ر ١٠٢٦»، والبيهقيِّ «ر ٣٦٤١».
وعبدُ الرَّزَّاقِ في مصنَّفِهِ «ر ٣٤٦٦».
ويحيى بنُ يحيى (٣) في الموطأِ «ر ٢١٤».
وتابعَ مالكَاً على إرسالِهِ:
يعقوبُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ (٤)، عندَ أبي داودَ «ر ١٠٢٧». стр. 352
وقدْ رواهُ الوليدُ بنُ مسلمٍ (١) عنْ مالكٍ موصولاً، عندَ ابنِ حبَّانَ «ر ٢٦٦٣». وتابعَ مالكَاً على روايةِ الوصلِ جمعٌ مِنَ الرُّواةِ، منهُمْ:
داودُ بنُ قيسٍ (٢)، عندَ مسلمٍ «ر ٥٧١».
وسليمانُ بنُ بلالٍ (٣)، عندَ مسلمٍ «ر ٥٧١»، وابنِ حنبلٍ «ر ١١٧٩٩»، وابنِ حبَّانَ «ر ٢٦٦٩»، والبيهقيِّ «ر ٣٦١٩»، وأبي عَوَانةَ «ر ١٩٠٤».
وعبدُ العزيزِ الماجشونَ (٤)، عندَ النَّسائيِّ «ر ١٢٣٩»، والدَّارِمِيِّ «ر ١٤٩٥».
وفُليحُ بنُ سليمانَ (٥)، عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١١٧٠٧».
ومحمَّدُ بنُ مُطرِّفٍ (٦) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١١٨٤٨». وغيرُهُمْ.
فمنْ خلالِ السَّبرِ رُجِّحتَ روايةُ الوصلِ على روايةِ الإرسالِ، بقرينةِ كثرةِ العددِ وشدَّةِ الحفظِ، قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ «ت ٤٦٣ هـ»: «وَالحَدِيثُ مُتَّصِلٌ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ، لَا يَضُرُّهُ تَقْصِيرُ مَنْ قَصَّرَ بِهِ فِي اتِّصَالِهِ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ وَصَلُوهُ حُفَّاظٌ مَقْبُولَةٌ زِيَادَتُهُمْ» (٧). стр. 353
ثانياً: ترجيحُ روايةِ الإرسالِ على الوصلِ:
مثالُهُ: حديثُ الحسنِ ﵁، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، في قولهِ تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، قالَ: قيلَ: يا رسولَ اللهِ: ما السَّبيلُ؟ قالَ: «الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ».
* الحديثُ أخرجَهُ الدَّارقطنيُّ «٢/ ٢١٦»، والحاكمُ في المستدركِ «ر ١٦١٣» منْ طريقِ سعيدِ بنِ أبي عروبةَ (١)، عنْ قتادةَ، عنْ أنسٍ ﵁. موصولَاً.
وتابعَهُ حمَّادُ بنُ أبي سلمةَ، عندَ الدَّارقطنيِّ «٢/ ٢١٦»، والحاكمِ «ر ١٦١٤»، وصحَّحهُ على شرطِ مسلمٍ (٢).
* وأخرجَهُ البيهقيُّ «ر ٨٤٢٢»، منْ طريقِ ابنِ أبي عروبةَ، عنْ قتادةَ، عنِ الحسنِ مرسلَاً.
قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ إِلَى الحَسَنِ، وَقَدْ رَوَاهُ الحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بنِ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَيضَاً، إِلَّا أَنَّ الرَّاوِي عَنْ حَمَّادٍ، وَهُوَ أَبُو قَتَادَةَ: عَبْدُ اللهِ ابنُ وَاقِدٍ الحَرَّانِيُّ: مَتْرُوكٌ، وَقَدْ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: مُنْكَرُ الحَدِيثِ» (٣).
ثمَّ بيَّنَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» للحديثِ طرقَاً أخرى موصولةً، منْ حديثِ ابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، وجابرٍ، وعليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وعائشةَ ﵃، وقالَ: «طُرُقُهَا стр. 354
كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بنُ الْمُنْذِرِ: لَا يَثْبُتُ الْحَدِيثُ فِي ذَلِكَ مُسْنَدًا، وَالصَّحِيحُ مِنَ الرِّوَايَاتِ رِوَايَةُ الْحَسَنِ الْمُرْسَلَةُ» (١).
فبالسَّبرِ رُجِّحتْ روايةُ الأحفظِ المرسَلَةُ، على روايةِ الضَّعيفِ الموصولةِ، وإنْ كانُوا أكثرَ عددَاً، قالَ ابنُ رجبٍ «ت ٧٩٥ هـ»: «مَعْرِفَةُ مَرَاتِبِ الثِّقَاتِ، وَتَرْجِيحُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ عِنْدَ الاِخْتِلَافِ إِمَّا فِي الإِسْنَادِ، وَإِمَّا فِي الوَصْلِ وَالإِرْسَالِ، وَإِمَّا فِي الوَقْفِ وَالرَّفْعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الذِي يَحْصُلُ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَإِتْقَانِهِ وَكَثْرَةِ مُمَارَسَتِهِ الوُقُوفَ عَلَى دَقَائِقِ عِلَلِ الحَدِيثِ» (٢).
* * * стр. 355
المَبْحَثُ العَاشِرُ: مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ المُتَّصِلِ من المُنْقَطِعِ وَالمُعْضَلِ وَالمُعَلَّقِ:
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ المُتَّصِلِ وَالمُنْقَطِعِ وَالمُعْضَلِ وَالمُعَلَّقِ (١):
* المتَّصلُ: لغةً: ضدُّ المنقطعِ، وهوَ الملتئمُ والمتجمِّعُ بعضُهُ إلى بعضٍ (٢).
اصطلاحَاً: الذي سمعَهُ كلُّ واحدٍ منْ رواتِهِ ممَّنْ فوقَهُ حتَّى ينتهي إلى منتهاهُ، سواءٌ كانَ مرفوعَاً أو موقوفَاً.
قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «فَخَرَجَ بِقَيدِ الاِتِّصَالِ: المُرْسَلُ وَالمُنْقَطِعُ وَالمُعْضَلُ وَالمُعَلَّقُ، وَكَذَا مُعَنْعَنُ المُدَلِّسِ قَبْلَ تَبَيُّنِ سَمَاعِهِ» (٣). وقدَ تقدَّمَ الكلامُ على المرسَلِ والمدلَّسِ.
* المنقطِعُ: هوَ الحديثُ الذي سقطَ منْ رواتِهِ راوٍ واحدٌ قبلَ الصَّحابيِّ في موضعٍ واحدٍ أو مواضعَ متعدِّدةٍ غيرِ متواليةٍ، بحيثُ لا يزيدُ السَّاقطُ في كلٍّ منهَا على واحدٍ، وألَّا يكونَ السَّاقطُ في أوَّلِ السَّندِ (٤). следующие страницы →