← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1117

السبر عند المحدثين

عبد الكريم جراد

Полный текст (515 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

لَنَا- أَنَّ هَؤُلَاءِ الأَئِمَّةَ قَدْ انْتَهَى إِلَيهِمْ عِلْمُ الحَدِيثِ وَحِفْظُهُ، فَأَصْبَحَ خَوفُ الخَلَلِ فِي رِوَايَاتِهِمْ مَامُونَاً، فَرَغِبُوا فِي العُلُوِّ إِلَيهِمْ، لِمَا فِيهِ مِنْ قُوَّةِ السَّنَدِ» (١). ٣ - العلوُّ بالنِّسبةِ إلى الكتبِ الحديثيَّةِ المشهورةِ: وهوَ أنْ يعلوَ إسنادُ المحدِّثِ بالنِّسبةِ إلى روايتِهِ عَنْ طريقِ الصَّحيحينِ وبقيَّةِ السِّتَّةِ، وقدْ اعتنى المتأخِّرونَ بهذَا القسمِ اعتناءً كثيراً، ففرَّعُوهُ إلى عدَّةِ فروعٍ، هيَ: الموافقةُ، والبدلُ، والمساواةُ، والمصافحةُ (٢). ثانيَاً: علوُّ الصفة: وينقسمُ إلى قسمينِ، همَا: ١ - العلوُّ بتقدُّمِ وفاةِ الرَّاوي: بأنْ يتقدَّمَ موتُ الرَّاوي في هذَا السَّندِ على موتِ الرَّاوي الذي في السَّندِ الآخرِ، وإنْ كانَا مُتساويينِ في العددِ. ٢ - العلُوُّ بتقدُّمِ السَّماعِ مِنَ الشَّيخِ: بأنْ يسمعَ أحدُ الرُّواةِ مِنْ شيخِهِ قبلَ غيرِهِ. وهذانِ القسمانِ لمْ يذكرهُمَا ابنُ حجرٍ، لأنَّ فائدةَ العلوِّ لا تظهرُ فيهِمَا إلَّا في بعضِ أنواع علومِ الحديثِ، ك «معرفةِ مَنْ اختلطَ في آخرِ عمرِهِ».

стр. 387

المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَهَمِّيَّةُ العَالِي مِنَ الأَسَانِيدِ: تقدَّمَ الكلامُ على أهميَّةِ الإسنادِ عندَ المحدِّثينَ (١)، ولعلوِّ الإسنادِ أهميَّةٌ بالغةٌ عندَهُم تبرزُ مِنْ جوانبَ عدَّةٍ، وهيَ: أوَّلاً: القربُ مِنْ اللهِ ورسوله ﷺ : قالَ ابنُ معينٍ «ت ٢٣٢ هـ»: «الإِسْنَادُ النَّازِلُ قُرْحَةٌ فِي الوَجْهِ، وَالإِسْنَادُ العَالِي قُرْبَةٌ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ» (٢). وقالَ ابنُ حنبلٍ «ت ٢٤١ هـ»: «طَلَبُ إِسْنَادِ الْعُلُوِّ مِنَ السُّنَّةِ» (٣). ثانياً: قلَّةُ الخطأِ في الإسنادِ، وقوَّةُ الحديثِ: قالَ ابنُ دقيقٍ العيدُ «ت ٧٠٢ هـ»: «وَلَا أَعْلَمُ وَجْهَاً جَيِّدَاً لِتَرْجِيحِ العُلُوِّ إِلَّا أَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الصِحَّةِ وَقِلَّةِ الخَطَأِ» (٤). وما جاءَ مِنْ ذمِّ الأئمَّةِ للنَّازلِ (٥) فليسَ على إطلاقِهِ، فقدْ يفضُلُ النَّازلُ على العالي، إذَا كانَ معَهُ ما يجبرُهُ ويجعلُ لهُ مزيَّةً على الإسنادِ العالي، كأنْ يوجدَ في النَّازلِ زيادةٌ يرويهَا ثقةٌ، أو يكونَ رجالُ الإسنادِ النَّازلِ أحفظَ أو أفقهَ، قالَ عبدُ اللهِ بنُ المباركِ «ت ١٨١ هـ»: «بُعْدُ الإِسْنَادِ أَحَبُّ إِلَيَّ إِذَا كَانُوا ثِقَاتٍ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ تَرَبَّصُوا بِهِ، وَحَدِيثٌ بَعِيدُ الإِسْنَادِ صَحِيحٌ، خَيرٌ مِنْ قَرِيبِ الإِسْنَادِ سَقِيمٌ» (٦).

стр. 388

المَطْلَبُ الرَّابِعُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ العَالِي وَالنَّازِلِ: انطلاقَاً مِنْ أهميَّةِ الإسنادِ العالي، فقدَ رحلَ الأئمَّة في تطلُّبِهِ، وقدْ بيَّنَّا سابقَاً أنَّ الرِّحلةَ كانتْ غرضَاً مِنْ أغراضِ جمعِ الحديثِ وسبرِهِ (١)، ومِنْ أغراضِ السَّبرِ تطلُّبُ العالي مِنَ الأسانيدِ وتمييزُهُ مِنَ النَّازلِ، قالَ الحافظُ المقدسيُّ «ت ٥٠٧ هـ»: «أَجْمَعَ أَهْلُ النَّقْلِ عَلَى طَلَبِهِمْ العُلُوَّ وَمَدْحِهِ، إِذْ لَو اقْتَصَرُوا عَلَى سَمَاعِهِ بِنُزُولٍ لَمْ يَرْحَلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ» (٢). وقدْ بيَّنتُ في مطلبِ «أقسامُ العالي والنَّازلِ» أنَّ علوَّ ونزولَ المسافةِ يُدركُ بالسَّبرِ، بتباينِ عددِ الرُّواةِ بينَ كِلَا الإسنادينِ، إلى جانبِ صحَّتِهِمَا وثقةِ رُواةِ كلٍّ منهُمَا، فذلكَ شرطٌ مهمٌّ في اعتمادِ العالي والنَّازلِ، إذ العددُ وحدُهُ غيرُ كافٍ، وهوَ المقصودُ مِنْ كلامِ الحاكمِ، حيثُ قالَ: «فَأَمَّا مَعْرِفَةُ الْعَالِيَةِ مِنَ الْأَسَانِيدِ فَلَيسَ عَلَى مَا يَتَوَهَّمُهُ عَوَامُ النَّاسِ يَعُدُّونَ الْأَسَانِيدَ، فَمَا وَجَدُوا مِنْهَا أَقْرَبَ عَدَدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَوَهَّمُونَهُ أَعْلَى» (٣). وقدْ كانَ جُلُّ غرضِ المستخرجينَ تطلُّبَ علوِّ الأسانيدِ، قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «فَالمُسْتَخْرِجُونَ لَيسَ جُلُّ قَصْدِهِمْ إِلَّا العُلُوَّ، يَجْتَهِدُونَ أَنْ يَكُونُوا هُمْ وَالمُخَرَّجُ عَلَيهِ سَوَاءٌ» (٤).

стр. 389

وبيَّنَ المقدسيُّ «ت ٥٠٧ هـ» غرضَ البخاريِّ منْ إيرادِ طرقٍ متعدِّدةٍ للحديثِ في أكثرِ منِ موضعٍ، فقالَ: «وَمِنْهَا أَحَادِيثُ زَادَ فِيهَا بَعْضُ الرُّوَاةِ رَجُلَاً فِي الإِسْنَادِ وَنَقَصَهُ بَعْضُهُمْ، فَيُورِدُهَا عَلَى الوَجْهَينِ، حَيثُ يَصِحُّ عِنْدَهُ أَنَّ الرَّاوِي سَمِعَهُ مِنْ شَيخٍ حَدَّثَهُ بِهِ عَنْ آَخَرَ، ثُمَّ لَقِيَ الآَخَرَ فَحَدَّثَهُ بِهِ، فَكَانَ يَرْوِيهِ عَلَى الوَجْهَينِ» (١). وينبغي التَّنبُّهُ عندَ السَّبرِ إلى أنَّ العاليَ والنَّازلَ قدْ يشتبهانِ بغيرِهِمَا، فقدْ يُعدُّ العالي مُنقطعاً والنَّازلُ متَّصلاً، وقدْ تكونُ الزِّيادةُ في النَّازلِ وهماً، أي: مِنْ قبيلِ المزيدِ في مُتَّصِلِ الأسانيدِ، وقدْ يكونُ في العالي سَقْطٌ بفعلِ المدلِّسينَ، فلا بُدَّ منْ قرائنَ تُؤكِّدُ صحَّةَ الإسنادِ على الوجهينِ، منهَا: أوَّلَاً: خُلُوُّ السَّنَدِ مِنْ عَنْعَنَةِ المُدَلِّسِ: فإذَا كانَ في الإسنادِ الذي يُظنُّ عالياً مُدَلِّسٌ وروى الحديثَ بالعنعنةِ، فمنَ الممكنِ أنْ يكونَ المدلِّسُ قدْ أسقطَ الرَّاوي المزيدَ في النَّازلِ، فيُشكلُ بِعَدِّ النَّاقصِ عاليَاً. فإذَا خلَا الحديثُ مِنْ عنعنةِ المدلِّسِ، أو جاءَ مِنْ طريقٍ أُخرى بالتَّحديثِ انتفَى التَّدليسُ (٢) وعُلِمَ أنَّهُ مرويٌّ على الوجهينِ، ما لمْ تقُم قرينةٌ على غيرِ ذلكَ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «الإِسْنَادُ الخَالِي عَنِ الرَّاوِي الزَّائِدِ إِنْ كَانَ بِلَفْظَةِ «عَنْ» فِي ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْكَمَ بِإِرْسَالِهِ، وَيُجْعَلَ مُعَلَّلَاً بِالإِسْنَادِ الذِي ذُكِرَ فِيهِ الزَّائِدُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالسَّمَاعِ أَوْ بِالإِخْبَارِ، فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قَدْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَجُلٍ عَنْهُ ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْهُ نَفْسَهُ» (٣).

стр. 390

ثَانِيَاً: إِمْكَانِيَّةُ اللِّقَاءِ وَالمُعَاصَرَةِ بَينَ الرَّاوِيَينِ فِي العَالِي: حيثُ إنَّ اللقاءَ والمعاصرةَ بينَ الرُّواةِ همَا الفيصلُ بينَ الاتِّصالِ والانقطاعِ، فإنْ لمْ يكنْ ثمَّةَ لقاءٌ أو معاصرةٌ بينَهُمَا، كانَ النَّاقصُ مُنقطِعَاً والزَّائدُ متَّصِلاً، وأُعلَّ النَّاقصُ بالزَّائدِ، فإذَا أمكنَ اللقاءُ والمعاصرةُ تبيَّنَ صحَّةُ الحديثِ على الوجهينِ، وعُدَّ مِنَ العالي والنازل، ولأجلِ هذَا فإنَّ أئمَّةَ الحديثِ قيَّدُوا تعريفَ العالي بالاتِّصالِ. ثَالِثَاً: رِوَايَةُ الرَّاوِي نَفْسِهِ لِلحَدِيثِ عَلَى الوَجْهَينِ بِالتَّحْدِيثِ: مِمَّا يُؤكِّدُ سماعَهُ للحديثِ على الوجهينِ عاليَاً ونازِلاً، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ» في معرضِ كلامِهِ عنِ اشتباهِ العَالي والنَّازلِ بغيرِهِ: «فَالظَّاهِرُ مِمَّنْ وَقَعَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ أَنْ يَذْكُرَ السَّمَاعَينِ، فَإِذَا لَمْ يَجِيءَ عَنْهُ ذِكْرُ ذَلِكَ حَمَلْنَاهُ عَلَى الزِّيَادَةِ المَذْكُورَةِ» (١). وقالَ الفِهريُّ (٢) «ت ٧٢١ هـ»: «وَإِذَا كَانَ الزَّائِدُ بِلَفْظِ "عَنْ" أَيضَاً، فَلَعَلَّهُ نَقَصَ رَجُلٌ آَخَرُ غَيرَ ذَلِكَ المَزِيدِ، وَإِنَّمَا يَرْتَفِعُ هَذَا الاِحْتِمَالُ إِذَا قَالَ الرَّاوِي الزَّائِدُ "حَدَّثَنَا" وَيَبْقَى احْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ الحَدِيثُ عِنْدَهُ عَنْهُمَا مَعَاً» (٣). رَابِعَاً: عَدَمُ وُجُودِ قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى وَهْمِ الزِّيَادَةِ في النَّازِلِ: مِمَّا ينفي كونَهُ مِنَ المزيدِ في مُتَّصلِ الأسانيدِ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالسَّمَاعِ أَوْ بِالإِخْبَارِ،

стр. 391

فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قَدْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَجُلٍ عَنْهُ ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْهُ نَفْسَهُ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ تُوجَدَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى كَونِهِ وَهْمَاً» (١). وقالَ الأبناسيُّ «ت ٨٠٢ هـ»: «رُبَّمَا كَانَ الحُكْمُ لِلنَّاقِصِ، وَالزَّائِدُ وَهْمٌ، فَيَكُونُ مِنْ نَوعِ المَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ» (٢). خَامِسَاً: كَثْرَةُ الرُّوَاةِ للعَالِي أو ثِقَتُهُمْ: مقابلَ ثقةِ أو كثرةِ الرُّواةِ للنَّازلِ، فإذَا كانَ كِلَا الإسنادينِ مُتَّصِلاً، وانتفتِ القرائنُ التي تخرجُهُمَا عَنِ العالي والنَّازلِ المذكورةِ آنفَاً، فتقاوُمُ كِلَا الإسنادينِ مِنَ المُرجِّحاتِ لصحَّتِهِمَا على الوجهينِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» تعليقَاً على حديثِ: «إِذَا زَنَتِ الأَمَةُ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيِجْلِدْهَا الحَدَّ … ». - بعدَ أنْ أوردَ الاختلافَ عليهِ -: «اقْتَصَرَ البُخَارِيُّ عَلَى حَدِيثِ اللَّيثِ. قُلْتُ: اللَّيثُ إِمَامٌ، وَقَدْ زَادَ فِيهِ: "عَنْ أَبِيهِ" فَلَا يَضُرُّهُ مَنْ نَقَصَهُ، عَلَى أَنَّهُ فِي مِثْلِ هَذَا لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الحَدِيثُ عِنْدَ سَعِيدٍ عَلَى الوَجْهَينِ، لِكَثْرَةِ مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ دُونَ ذِكْرِ "أَبِيهِ"» (٣). وإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ العالي والنَّازلِ مِنْ خلالِ التَّطبيقِ الآتي: حديثُ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ﵁، قالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوعِظَةِ فِي الْأَيَّامِ كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَينَا».

стр. 392

* الحديثُ أخرجَهُ البخاريُّ «ر ٦٨»، والتِّرمذيُّ «ر ٢٨٥٥»، والشَّاشيُّ «ر ٦٠٠»، مِنْ طريقِ سفيانَ الثَّوريِّ (١)، عنِ الأعمشِ، عنْ شقيقِ بنِ سلمةَ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ﵁. وتابعَهُ أبو معاويةَ (٢) عندَ مسلمٍ «ر ٢٨٢١»، وابنِ حنبلٍ «ر ٤٠٤١»، وابنِ أبي شيبةَ «ر ٢٦٥١٥»، والبزَّارِ «ر ١٦٩٥». وشعبةُ (٣) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ٤١٨٨». وابنُ نُميرٍ (٤) عندَ مسلمٍ «ر ٢٨٢١»، وابنِ حنبلٍ «ر ٤٠٤١»، والشَّاشيِّ «ر ٥٩٩». ووكيعٌ (٥) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ٤٢٢٨». وعبدُ اللهِ بنُ إدريسَ (٦) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ٣٥٨٧». وابنُ مُسْهِرٍ (٧) عندَ الطَّبرانيِّ في الأوسطِ «ر ٥٨٨١».

стр. 393

* وأخرجَهُ التِّرمذيُّ «ر ٢٨٥٥»، وابنُ حنبلٍ «ر ٣٥٨١»، مِنْ طريقِ سفيانَ الثَّوريِّ، عنِ الأعمشِ، قالَ: حدَّثني «سمعتُ» أبو وائلٍ، عَنْ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ﵁. وتابعَهُ شعبةُ عندَ الطَّيالسيِّ «ر ٢٥٥». * وأخرجَهُ مسلمٌ «ر ٢٨٢١»، والطَّبرانيُّ في الأوسطِ «ر ٥٨٨١»، منْ طريقِ عليِّ بنِ مُسْهِرٍ، عنِ الأعمشِ، عنْ عمرِو بنِ مُرَّةَ، عنْ شقيقِ بنِ سلمةَ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ﵁. * وأخرجَهُ أبو يعلى «ر ٥٠٣٢» منْ طريقِ أبي عَوَانةَ، عنِ الأعمشِ، عنْ مالكِ بنِ الحارثِ، عنْ شقيقِ بنِ سلمةَ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ﵁. مِنْ خلالِ سبرِ طرقِ الحديث نجدُ أنَّ مدارَهُ على الأعمشِ، وبيَّنتِ الطَّريقُ الأولى روايةَ الأعمشِ - وهوَ مُدلِّسٌ - للحديثِ بالعنعنةِ، ثمَّ بيَّنتِ الطَّريقُ الثَّانيةُ روايتَهُ بصيغةِ التَّحديثِ والسَّماعِ ممَّا ينفي تدليسَهُ، ويُبيِّنُ صحَّةَ روايةِ الأعمشِ للحديثِ عنْ أبي وائلٍ. وقدْ جاءَ في الطَّريقينِ الثَّالثِ والرَّابعِ زيادةُ راوٍ بينَ الأعمشِ وأبي وائلٍ، وراويَا الزِّيادةِ أبُو عَوَانةَ وعليُّ بنُ مُسْهِرٍ مِنَ الثِّقاتِ، فتُقبلُ زيادتُهُمَا، حيثُ لا يوجدُ ما تُردُّ بهِ، فتكونُ الرِّوايةُ المزيدةُ نازلةً، والنَّاقصةُ عاليةً. وقدْ فصَّلَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» طُرقَ الحديثِ، وبيَّنَ العلوَّ والنُّزولَ فيهِ، فقالَ: «قَولُهُ: "عَنْ أَبِي وَائِلٍ". وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ المَذْكُورَةِ: "سَمِعْت شَقِيقَاً" وَهُوَ أَبُو وَائِلٍ. أَفَادَ هَذَا

стр. 394

التَّصْرِيحُ رَفْعَ مَا يُتَوَهَّمُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ التِي أَخْرَجَهَا مِنْ طَرِيقِ عَلَيِّ بنِ مُسْهِرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁، فَذَكَرَ الحَدِيثَ. قَالَ عَلِيُّ بنُ مُسْهِرٍ: قَالَ الأَعْمَشُ: وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بنُ مُرَّةَ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ مِثْلَهُ. فَقَدْ يُوهِمُ هَذَا أَنَّ الأَعْمَشَ دَلَّسَهُ أَوَّلَاً عَنْ شَقِيقٍ، ثُمَّ سَمَّى الوَاسِطَةَ بَينَهُمَا، وَلَيسَ كَذَلِكَ، بَلْ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي وَائِلٍ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَسَمِعَهُ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ، وَأَرَادَ بِذِكْرِ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ - وَإِنْ كَانَتْ نَازِلَةً - تَاكِيدَهُ، أَوْ لِيُنَبِّهَ عَلَى عِنَايَتِهِ بِالرِّوَايَةِ مِنْ حَيثُ أَنَّهُ سَمِعَهُ نَازِلَاً، فَلَمْ يَقْنَعْ بِذَلِكَ حَتَّى سَمِعَهُ عَالِيَاً» (١). * * *

стр. 395

المَبْحَثُ الثَّالِثَ عَشَرَ: مَعْرِفَةُ المُتَوَاتِرِ وَالآَحَادِ وَالمَشْهُورِ وَالعَزِيزِ: المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ المُتَوَاتِرِ وَالآَحَادِ وَالمَشْهُورِ وَالعَزِيزِ: * المُتَوَاتِرُ (١): لغةً: التَّواترُ: التَّتابعُ، تواتَرَ المطرُ، أي: تتابعَ نزولُهُ (٢). اصطلاحَاً: هوَ الذي رواهُ جمعٌ كثيرٌ يُؤمَنُ تواطُؤُهُمْ على الكذبِ عَنْ مثلِهِمْ، إلى انتهاءِ السَّندِ، وكانَ مُستندُهُمْ الحسَّ. * الآحادُ (٣): لغةً: جمعُ أَحدٍ (٤). اصطلاحَاً: ما قَصُرَ عنْ صفةِ التَّواترِ، ولمْ يقطعْ بهِ العلمُ، وإنْ روتْهُ الجماعةُ. ويدخلُ فيهِ كلٌّ مِنَ العزيزِ والمشهورِ والغريبِ، وقدْ تقدَّمَ الكلامُ على الغريبِ.

стр. 396

* المشهور (١): لغةً: الشُّهرةُ هيَ: الانتشارُ والشُّيوعُ (٢). اصطلاحَاً: مالَهُ طرقٌ محصورةٌ بأكثرَ من اثنينِ، ولمْ يبلغْ حدَّ التَّواترِ. العزيزُ (٣): لغةً: مِنْ «عزَّ يعُزُّ»، إذَا قويَ. أو منْ «عزَّ، يعِزُّ» إذَا قلَّ وندَرَ (٤). اصطلاحَاً: ما لمْ يروِهِ أقلُّ من اثنينِ في جميعِ طبقاتِ السَّندِ.

стр. 397

المَطْلَبُ الثَّاني: حُكْمُ المُتَوَاتِرِ وَالمَشْهُورِ وَالعَزِيزِ وَالآَحَادِ: الحديثُ المتواترُ لا يُشترطُ في رواتِهِ ما يُشترطُ في رجالِ الصَّحيحِ أو الحسنِ مِنَ العدالةِ والضَّبطِ، بلْ العبرةُ بكثرتِهِمْ كثرةً تجعلُ العقلَ يحكمُ باستحالةِ تواطئِهِمْ على الكذبِ. وأمَّا حديثُ الآحادِ - بمَا فيهِ العزيزُ والمشهورُ - فإنَّهُ يتبعُ حالَ المتنِ والإسنادِ مِنْ حيثُ القوَّةُ والضَّعفُ، فهوَ ينقسمُ مِنْ حيثُ القبولُ والرَّدُّ، إلى صحيحٍ وحسنٍ وضعيفٍ. حيثُ إنَّ تعدُّدَ الطُّرُقِ ليسَ دليلَ قوَّةٍ وصحَّةٍ، بلْ لا بُدَّ مِنْ وجودِ صفاتٍ تجعلُ هذهِ الأسانيدَ صحيحةً، أو صالحةً للتَّقوِّي ببعضِهَا، والاحتجاجِ بهَا. أمَّا منْ حيثُ الحجيَّةُ فالذي عليهِ جماهيرُ المسلمينَ مِنَ الصَّحابةِ والتَّابعينَ فمنْ بعدَهُمْ مِنَ المحدِّثينَ والفقهاءِ وأصحابِ الأصولِ، أنَّ خبرَ الواحدِ الثقةِ حجَّةٌ، يجبُ العملُ بهِ (١).

стр. 398

المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ المُتَوَاتِرِ وَالآَحَادِ وَالمَشْهُورِ وَالعَزِيزِ: ذكرَ بعضُ أئمَّةِ الحديثِ بأنَّ المتواترَ لا يدخلُ في مصطلحِ الحديثِ، وليسَ منْ صناعةِ هذَا العلمِ، وعلَّلوا ذلكَ بأنَّ علمَ أصولِ الحديثِ يُبْحَثُ فيهِ عمَّا يُوصِلُ إلى صحَّةِ الحديثِ أو حُسنِهِ أو ضَعفِهِ، والمتواترُ لا يُحتَاجُ فيهِ إلى البحثِ، فالقوَّةُ فيهِ حاصلةٌ ضرورةً بالكثرةِ، وعلى ذلكَ فالعلمُ بهِ يشتركُ فيهِ العالمُ وغيرُهُ، والآحادُ لا يحصلُ إلَّا للعالمِ المتبحِّرِ فيهِ. إلَّا أنَّهُ ينبغي التَّنبُّهُ إلى أنَّ آليَّةَ التَّوصُّلِ لمعرفةِ المتواترِ مِنْ مهامِّ علماءِ الحديثِ، وسبيلُ ذلكَ السَّبرُ وجمعُ الطُّرقِ، فالمتواترُ مِنْ حيثُ إفادةُ القوَّةِ لا يدخلُ في هذَا العلمِ، وإنَّمَا يدخلُ فيهِ مِنْ جهةِ طُرقِ معرفتِهِ وهيئةِ التَّوصُّلِ إليهِ، لذَا فإنَّ ابنَ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» بيَّنَ عدمَ دخولِ المتواترِ في علمِ الإسنادِ في معرضِ كلامِهِ عنْ الفرقِ بينَ العلمِ الضَّروريِّ والعلمِ النَّظريِّ - وهذَا مبحثٌ منْ مباحثِ أصولِ الفقهِ - فقالَ: «وَإِنَّمَا أُبْهِمَتْ شُرُوطُ المُتَوَاتِرِ فِي الأَصْلِ، لِأَنَّهُ عَلَى هَذِهِ الكَيفِيَّةِ لَيسَ مِنْ مَبَاحِثِ عِلْمِ الإِسْنَادِ، إِذْ عِلْمُ الإِسْنَادِ يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ صِحَّةِ الحَدِيثِ أَوْ ضَعْفِهِ؛ لِيُعْمَلَ بِهِ أَوْ يُتْرَكَ، مِنْ حَيثُ صِفَاتِ الرِّجَالِ وَصِيَغِ الأَدَاءِ. وَالمُتَوَاتِرُ لَا يُبْحَثُ عَنْ رِجَالِهِ، بَلْ يَجِبُ العَمَلُ بِهِ مِنْ غَيرِ بَحْثٍ» (١). وأمَّا دخولُهُ في علمِ أصولِ الحديثِ مِنْ جهةِ الإسنادِ فقدْ بيَّنَ القاريُّ «ت ١٠١٤ هـ» في شرحِهِ لعبارةِ ابنِ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «الإِسْنَادُ: حِكَايَةُ طَرِيقِ المَتْنِ». رادَّاً شبهةَ لزومِ

стр. 399

الدَّورِ (١) مِنْ هذَا التَّعريفِ: «وَقِيلَ مَعْنَاهُ: أَنَّ الإِسْنَادَ تَبْيِينُ طَرِيقِ المَتْنِ أَنَّهُ مُتَوَاتِرٌ أَوْ آَحَادٌ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَالإِسْنَادُ حِكَايَةٌ عَنْ طَرِيقِ المَتْنِ» (٢). والآحادُ يدخلُ في هذَا العلمِ مِنَ الجهتينِ، فمعرفتُهُ تتمُّ بالسَّبرِ وجمعِ الطُّرقِ، وقوَّتُهُ لا بدَّ فيهَا معَ السَّبرِ مِنْ تطبيقِ قواعدِ المحدِّثينَ لبيانِ صحَّتِهِ مِنْ ضعفِهِ. فالمتواترُ والآحادُ بأقسامِهِ: أنواعٌ للحديثِ مِنْ جهةِ تعدُّدِ الرُّواةِ معَ اتِّفاقِهِمْ، وكلُّ مَا كانَ مُستندُهُ العددَ، فالسَّبرُ هوَ الطَّريقُ الرَّئيسُ والأساسُ لكشفِهِ، قالَ أبو العبَّاسِ الطَّبريُّ «ت ٣٣٥ هـ»: «فَكَانَ فِي تَحَفُّظِ طُرُقِ الأَخْبَارِ مَا يَخْرُجُ بِهِ الخَبَرُ عَنْ حَدِّ الوَاحِدِ إِلَى حَدِّ الاِثْنَينِ، وَخَبَرِ الثَّلَاثَةِ وَالأَرْبَعَةِ، وَلَعَلَّهُ يَدْخُلُ فِي خَبَرِ الشَّائِعِ المُسْتَفِيضِ» (٣). وقالَ الصَّنعانيُّ «ت ١١٨٢ هـ»: «وَتُعْرَفُ صِحَّةُ دَعْوَى التَّوَاتُرِ بِالبَحْثِ عَنْ طُرُقِ الأَحَادِيثِ، وَقَدْ يَحْصُلُ التَّوَاتُرُ لِبَاحِثٍ دُونَ بَاحِثٍ، لِأَنَّ المَدَارَ عَلَى كَثْرَةِ الاِطِّلَاعِ، وَلَيسَ النَّاسُ فِيهِ سَوَاءً» (٤). فإذَا خلَا الحديثُ بعدَ السَّبِر مِنَ التَّعدُّدِ كانَ فردَاً أو غريبَاً، فإذَا عثرْنَا على طريقٍ أُخرى لهُ فهوَ العزيزُ، فإذَا تجاوزتِ الطُّرُقُ الاثنينِ فأكثرَ فهوَ المشهورُ، وإذَا بلغتِ الطرقُ كثرةً يستحيلُ معهَا التَّواطؤُ على الكذبِ عُدَّ الحديثُ متواترَاً، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «الحَدِيثُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ طُرُقُ أَسَانِيدَ بِلَا عَدَدٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ مَعَ حَصْرٍ بِمَا فَوقَ الاِثْنَينِ أَوْ بِهِمَا، أَوْ بِوَاحِدٍ، فَالأَوَّلُ: المُتَوَاتِرُ … وَهوَ: عَدَدٌ كَثِيرٌ أَحَالَتِ العَادَةُ

стр. 400

تَوَاطُؤَهُمْ عَلَى الكَذِبِ، وَالثَّانِي: المَشْهُورُ، وَالثَّالِثُ: العَزِيزُ، وَالرَّابِعُ: الغَرِيبُ. وَسِوَى الأَوَّلِ: آَحَادٌ … » (١). وقدْ دلَّلَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» على كثرةِ التَّواترِ بتعدُّدِ طرقِ الأحاديثِ في المصنَّفاتِ الحديثيَّةِ، وهيَ إشارةٌ منهُ للبحثِ عنِ المتواترِ في بطونِ هذهِ الكتبِ، فقالَ: «وَمِنْ أَحْسَنِ مَا يُقَرَّرُ بِهِ كَونُ المُتَوَاتِرِ مَوجُودَاً وُجُودَ كَثْرَةٍ فِي الأَحَادِيثِ: أَنَّ الكُتُبَ الَمشْهُورَةَ المُتَدَاوَلَةَ بَينَ أَهْلِ العِلْمِ، المَقْطُوعَ بِصِحَّةِ نِسْبَتِهَا إِلَى مُصَنِّفِيهَا، إِذَا اجْتَمَعَتْ عَلَى إِخْرَاجِ حَدِيثٍ وَتَعَدَّدَتْ طُرُقُهُ تَعَدُّدَاً تُحِيلُ العَادَةُ تَوَاطُؤَهُمْ عَلَى الكَذِبِ، أَفَادَ العُلْمُ اليَقِينِيُّ بِصِحَّةِ نِسْبَتِهِ إِلَى قَائِلِهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي الكُتُبِ المَشْهُورَةِ كَثِيرٌ» (٢). وهوَ المنهجُ الذي اعتمدَهُ السُّيوطيُّ بتصنيفِهِ في الحديثِ المتواترِ، بيَّنَ ذلكَ في مقدِّمةِ كتابِهِ، فقالَ: «فَإِنِّي جَمَعْتُ كِتَابَاً، وَسَمَّيتُهُ: «الفَوَائِدُ المُتَكَاثِرَةُ فِي الأَخْبَارِ المُتَوَاتِرَةِ» أَورَدْتُ فِيهِ مَا رَوَاهُ مِنَ الصَّحَابَةِ عَشَرَةٌ فَصَاعِدَاً، مُسْتَوعِبَاً طُرُقَ كُلِّ حَدِيثٍ وَأَلْفَاظَهُ فِي كِتَابٍ حَافِلٍ» (٣). وممَّا يُؤخذُ بعينِ الاعتبارِ عندَ السَّبرِ شرطُ العلماءِ بوجودِ عدَّةِ التَّواترِ في جميعِ طبقاتِ الحديثِ، فإذَا فُقِدَ هذَا الشَّرطُ في بعضِ طبقاتِهِ لا يُعدُّ متواترَاً، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «حَدِيثُ: «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» لَيسَ مِنْ ذَلِكَ السَّبِيلِ، وَإِنْ نَقَلَهُ عَدَدُ المُتَوَاتِرِ وَزِيَادَةٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ طَرَأَ عَلَيهِ فِي وَسَطِ إِسْنَادِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي أَوَائِلِهِ» (٤).

стр. 401

وقالَ العراقيُّ «ت ٨٠٦ هـ»: «أَطْلَقَ بَعْضُهُمْ عَلَى الحَدِيثِ اسْمَ الشُّهْرَةِ، وَبَعْضُهُمْ اسْمَ التَّوَاتُرِ، وَلَا كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ فَرْدٌ، وَمَنْ أَطْلَقَ ذَلِكَ أَرَادَ الاِشْتِهَارَ وَالتَّوَاتُرَ فِي آَخِرِ السَّنَدِ، فَقَدْ قَالَ ابنُ المَدِينِيِّ: رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ سَبْعُمِائَةِ رَجُلٍ» (١). ومنْ أمثلةِ المتواترِ حديثُ: «نَضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا، فَأَدَّاهَا إِلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا، فَرُبَّ حَامِلُ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ». الحديثُ رواهُ عددٌ مِنَ الصَّحابةِ، منهمْ: عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ ﵁ عندَ التِّرمذيِّ «ر ٢٦٥٨» و «٢٦٥٧»، وابنِ ماجةَ «ر ٢٣٢»، وابنِ حبَّانَ «ر ٦٦»، والحميديِّ «ر ٨٨»، وأبي يعلى «ر ٢١٩»، والشَّاشيِّ «ر ٢٧٧» و «ر ٢٧٨». وابنُ عمرَ ﵁ في مسندِ الشَّاميِّينَ «ر ٥٠٨». وأبو سعيدٍ الخدريُّ ﵁ في مسندِ الشَّاميينَ أيضَاً «ر ١٣٠٢». والنُّعمانُ بنُ بشيرٍ ﵁ في المستدركِ «ر ٢٩٧». وأنسُ بنُ مالكٍ ﵁ عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١٣٣٧٤»، وابنِ ماجةَ «ر ٢٣٦». وجابرُ بنُ عبدِ اللهِ ﵁ عندَ الطَّبرانيِّ في الأوسطِ «ر ٥٢٩٢». وجبيرُ بنُ مُطْعِمٍ ﵁ عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١٦٧٨٤»، وابنِ ماجةَ «ر ٢٣١»، والدَّارِمِيِّ «ر ٢٧٧».

стр. 402

وجَنْدَرَةُ بنُ خَيشَنَةَ ﵁ عندَ الطَّبرانيِّ في الأوسطِ «ر ٣٠٧٢»، والصَّغيرِ «ر ٣٠٠». وربيعةُ بنُ عثمانَ التَّيميُّ ﵁ في معرفةِ الصَّحابةِ «ر ٢٧٧٧». وزيدُ بنُ ثابتٍ ﵁ عندَ ابنِ ماجةَ «ر ٢٣٠»، والدَّارِمِيِّ «ر ٢٢٩»، وابنِ حبَّانَ «ر ٦٨٠». وسعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ ﵁ عندَ الطَّبرانيِّ في الأوسطِ «ر ٧٠٢٠». وعُميرُ بنُ قتادةَ اللَّيثيُّ ﵁ عندَ الطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر ١٠٦». ومعاذُ بنُ جبلٍ ﵁ عندَ أبي نُعيمٍ في المستخرجِ «ر ١٣»، والطَّبرانيِّ في الأوسطِ «ر ٦٧٨١». وعبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ ﵁ في المحدِّثِ الفاصلِ «ر ٩»، والحاكمِ في علومِ الحديثِ «ص ٢٦». وبشيرُ بنُ سعدٍ ﵁ عندَ الطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر ١٢٢٤»، وتاريخِ أصبهانَ «ر ١٦٧١». وأبُو الدَّرداءِ ﵁ عندَ الدَّارِمِيِّ «ر ٢٣٠». وزيدُ بنُ خالدٍ الجُهنيُّ ﵁ في تاريخِ دمشقَ «ر ٢٥٢٢». هؤلاءِ هُمْ جملةُ الصَّحابةِ الذينَ تمخَّضَ عنهُمْ بحثِي، وهُمْ سبعةَ عشرَ صحابيَّاً ﵃، وزادَ الكتَّانيُّ (١) «ت ١٣٤٥ هـ» بقولِهِ: «وَرَدَ أَيضَاً مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَأَبِي هُرَيرَةَ، وَشَيبَةَ بْنِ عُثْمَانَ ﵃.

стр. 403

وَذَكَرَ ابْنُ مَنْدَةَ فِي تَذْكِرَتِهِ أَنَّهُ رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ صَحَابِيَّاً، ثُمَّ سَرَدَ أَسْمَاءَهُمْ. نَقَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي أَمَالِيهِ المُخَرَّجَةِ عَلَى مُخْتَصَرِ ابْنِ الحَاجِبِ الأَصْلِيِّ، وَفِي شَرْحِ المَوَاهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ، قَالَ الحَافِظُ: أَنَّهُ مَشْهُورٌ، وَعَدَّهُ بَعْضُهُمْ مِنَ المُتَوَاتِرِ، لِأَنَّهُ وَرَدَ عَنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ صَحَابِيَّاً، وَسَرَدَهُمْ. وَفِي شَرْحِ التَّقْرِيبِ لِلسِّيُوطِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ أَنَّهُ وَارِدٌ عَنْ نَحْوِ ثَلَاثِينَ مِنْهُمْ» (١). وبيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ المشهورِ، يكونُ منْ جهتينِ، بحسبِ ما ينقسمُ إليهِ: فالأوَّلُ: ما تقدَّمَ تعريفُهُ بناءً على تعدُّدِ طرقِهِ بأكثرَ منَ اثنينِ ولمْ يبلغْ حدَّ التَّواترِ، فمنهُ ما يستوي في معرفتِهِ الخاصُّ والعامُّ، ومنهُ ما معرفتُهُ خاصَّةٌ بأهلِ الصَّنعةِ مِنَ المحدِّثينَ، بالسَّبرِ والتَّتبعِ، قالَ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ» في معرضِ كلامِهِ عنْ حديثِ أنسٍ ﵁، في قنوتِ النَّبيِّ ﷺ ودعائِهِ على رِعْلٍ وَذَكْوَانَ: «وَأَمْثَالُ هذَا الحَدِيثِ أُلُوفٌ مِنَ الأَحَادِيثِ التِي لَا يَقِفُ عَلَى شُهْرَتِهَا غَيرُ أَهْلِ الحَدِيثِ وَالمُجْتَهِدِينَ فِي جَمْعِهِ وَمَعْرِفَتِهِ» (٢). ومنْ أمثلةِ المشهورِ حديثُ رِعْلٍ وَذَكْوَانَ آنفِ الذِّكرِ، نُبيِّنُ شُهرتَهُ مِنْ خلالِ السَّبرِ: * الحديثُ رواهُ عدَّةٌ مِنَ الصَّحابةِ منهُمْ: أنسٌ ﵁ عندَ البخاريِّ «ر ٩٥٨»، ومسلمٍ «ر ٦٧٧»، والنَّسائيِّ «ر ٦٥٧». وابنُ عبَّاسٍ ﵁ عندَ أبي داودَ «ر ١٤٤٣»، وابنِ حنبلٍ «ر ٢٧٤٦»، وابنِ خُزيمةَ «ر ٦١٨».

стр. 404

وابنُ عمرَ ﵁ عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ٦٠٩٢». وخُفَافُ بنُ إِيمَاءَ الغِفَاريُّ عندَ البيهقيِّ «ر ٢٩٢٠». * فإذَا عمدْنَا إلى حديثِ أنسٍ ﵁، نجدُ أنَّهُ قدْ رواهُ عنه جمعٌ، منهُمْ: أبو مِجْلَزٍ (١) عندَ البخاريِّ «ر ٩٥٨»، والنَّسائيِّ «ر ٦٥٧»، وابنِ حنبلٍ «ر ١٢١٧٢» وغيرِهِمْ. وَإسحاقُ بنُ عبدِ اللهِ بنُ أبي طلحةَ (٢) عندَ البخاريِّ «ر ٢٦٥٩»، ومسلمٍ «ر ٦٧٧». وقتادةُ بنُ دعامةَ (٣) عندَ البخاريِّ «ر ٢٨٩٩»، وابنِ حنبلٍ «ر ١٢٠٨٣»، والبيهقيِّ «ر ٢٩١٥». وعاصمُ بنُ سليمانَ (٤) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١٣٠٥٠»، والبيهقيِّ «ر ٢٩١٦». * وإذَا نظرْنَا إلى طريقِ قتادَةَ بنِ دِعامةَ السَّدوسيِّ، نجدُ أنَّهُ قدْ رواهُ عنهُ: شعبةُ بنُ الحجَّاجِ (٥) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١٣٩٨٤»، وأبي عوانةَ «ر ٢١٧٠». وسعيدُ بنُ أبي عروبة (٦) عندَ البخاريِّ «ر ٢٨٩٩»، وابنِ حنبلٍ «ر ١٢٠٨٣». وهشامُ الدَّستوائيُّ (٧) عندَ البخاريِّ «ر ٣٨٦١»، وابنِ أبي شيبةَ «ر ٦٩٧٩».

стр. 405

* وقدْ رواهُ عنْ سعيدِ بنِ أبي عروبةَ: يزيدُ بنُ زُرَيعٍ (١) عندَ البخاريِّ «ر ٣٨٦٣»، والبيهقيِّ «ر ٢٩١٥». وسهلُ بنُ يوسفَ (٢) عندَ البخاريِّ «ر ٢٨٩٩». ومحمَّدُ بنُ إبراهيمَ بنِ أبي عَديٍّ (٣) عندَ البخاريِّ «ر ٢٨٩٩»، وابنِ حنبلٍ «ر ١٢٠٨٣». قالَ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ»: «هَذَا حَدِيثٌ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحِ، وَلَهُ رُوَاةٌ عَنْ أَنَسٍ غَيرُ أَبِي مِجْلَزٍ وَرَوَاهُ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ غَيرُ التَّيمِيِّ، وَرَوَاهُ عَنِ التَّيمِيِّ غَيرُ الأَنْصَارِيِّ، وَلَا يَعْلَمُ ذَلِكَ غَيرُ أَهْلِ الصَّنْعَةِ، فَإِنَّ الغَيرَ إِذَا تَأَمَّلَهُ يَقُولُ: سُلَيمَانُ التَّيمِيُّ هُوَ صَاحِبُ أَنَسٍ، وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَنَسٍ، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّ الحَدِيثَ عِنْدَ الزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ، وَلَهُ عَنْ قَتَادَةَ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ، وَلَا يَعْلَمُ أَيضَاً أَنَّ الحَدِيثَ بِطُولِهِ فِي ذِكْرِ العُرَنِيِّينَ يُجْمَعُ وَيُذَاكَرُ بِطُرُقِهِ» (٤). والثَّاني: ما اشتهرَ بالنَّظرِ إلى الأوساطِ التي يذيعُ فيهَا وينتشرُ، فقدْ يُطلقُ المشهورُ على ما ذاعَ بينَ أهلِ الحديثِ وغيرِهِمْ مِنَ العُلمَاءِ، وقدْ يُطلقُ على ما اشتهرَ على ألسنةِ النَّاسِ، وأهميَّةُ السَّبرِ في ذلكَ هوَ تمييزُ مالَهُ أصلٌ ممَّا لا أصلَ لهُ، وبيانُ درجتِهِ إنْ كانَ لهُ أصلٌ مِنْ صحَّةٍ أو حسنٍ أو ضعفٍ، قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ» مبيِّنَاً منهجَهُ في مقدِّمةِ المقاصدِ:

стр. 406

«فَهَذَا كِتَابٌ … أُبَيِّنُ فِيهِ بِالعَزْوِ وَالحُكْمِ المُعْتَبَرِ، مَا عَلَى الأَلْسِنَةِ اشْتَهَرَ، مِمَّا يُظَنُّ إِجْمَالَاً أَنَّهُ مِنَ الخَبَرِ وَلَا يَهْتَدِي لِمَعْرِفَتِهِ إِلَّا جَهَابِذَةُ الأَثَرِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ فِيهِ شَيءٌ مَرْفُوعٌ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي المَوقُوفِ أَوِ المَقْطُوعِ، وَرُبَّمَا لَمْ أَقِفْ لَهُ عَلَى أَصْلٍ أَصْلَاً» (١). وقالَ العجلونيُّ (٢) في مقدِّمةِ كشفِ الخفاءِ «ت ١١٦٢ هـ»: «وَأَنُصُّ فِي هَذَا المَجْمُوعِ عَلَى بَيَانِ الحَدِيثِ مِنْ غَيرِهِ، وَتَمْيِيزِ المَقْبُولِ مِنْهُ السَّالِمِ مِنْ غَيرِهِ» (٣). وكتبُ الأحاديثِ المشتهرةِ على ألسنةِ النَّاسِ حافلةٌ بأمثلةٍ مستفيضةٍ عَنِ المشهورِ على ألسنةِ النَّاسِ، إلَّا أنَّ كتابَ السَّخاويِّ أوسعُ، لإيرادِهِ طرقَ الأحاديثِ، واكتفى العجلونيُّ بإيرادِ المخرِّجينَ للحديثِ معَ الحكمِ عليهِ. والعزيزُ - كمَا بيَّنَا سابقَاً - في تعريفِهِ أَنَّهُ سُمِّيَ عزيزَاً لكونِهِ عزَّ، أي: قويَ بمجيئِهِ مِنْ طريقٍ أُخرى، فالسَّبرُ يُمكِّنُنَا مِنْ معرفةِ العزيزِ، وإخراجِهِ عَنْ حدِّ التَّفرُّدِ أو الغرابةِ، وتقويتِهِ مِنْ طريقٍ أُخرى إِنْ كانتْ صالحةً لذلكَ، ومثالُ ذلكَ حديثُ أنسٍ ﵁ وأبي هريرةَ ﵁، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ». * الحديثُ رواهُ أبو هريرةَ ﵁ عندَ البخاريِّ «ر ١٤»، وابنِ حنبلٍ «ر ١١٧٤٦».

стр. 407

وأنسُ بنُ مالكٍ ﵁ عندَ البخاريِّ «ر ١٥»، ومسلمٍ «ر ٤٤»، والنَّسائيِّ «ر ١١٧٤٤». * وروى الحديثَ عنْ أنسٍ ﵁: قتادةُ بنُ دِعامةَ السَّدوسيُّ عندَ البخاريِّ «ر ١٥»، ومسلمٍ «ر ٤٤»، والنَّسائيِّ «ر ١١٧٤٤». وعبدُ العزيزِ بنِ صُهيبٍ (١) عندَ البخاريِّ «ر ١٥»، ومسلمٍ «ر ٤٤»، والنَّسائيِّ «ر ١١٧٤٥». * وروى الحديثَ عنْ عبدِ العزيزِ بنِ صهيبٍ كُلٌّ مِنْ: إسماعيلُ بنِ عُلَيَّةَ (٢) عندَ البخاريِّ «ر ١٥»، ومسلمٍ «ر ٤٤». وعبدُ الوارثِ بنِ سعيدٍ (٣) عندَ مسلمٍ «ر ٤٤»، والنَّسائيِّ «ر ١١٧٤٥». * ورواهُ عَنْ عبدِ الوارثِ بنِ سعيدٍ كُلٌّ مِنْ: شيبانُ بنِ أبي شيبةَ (٤) عندَ مسلمٍ «ر ٤٤». وعمرانُ بنِ موسى (٥) عندَ النَّسائيِّ «ر ١١٧٤٥». وكلُّ مَا بيَّنتُهُ مِنْ سبرٍ في الأمثلةِ السَّابقةِ إِنَّمَا هوَ على سبيلِ البيانِ لا على سبيلِ الاستيعابِ، فاستيعابُ طرقِ كلِّ حديثٍ يحتاجُ لأجزاءٍ مستقلَّةٍ. * * *

стр. 408

المَبْحَثُ الرَّابِعَ عَشَرَ: تَعْيِينُ المُبْهَمِ وَتَمْيِيزُ المُهْمَلِ فِي الإِسْنَادِ: المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ المُبْهَمِ والمُهْمَلِ، وَالفَرْقُ بَينَهُمَا: المُبْهَمُ (١): لغةً: اسمُ مفعولٍ مِنَ الإبهامِ: هوَ الإخفاءُ وعدمُ البيانِ (٢). اصطلاحَاً: معرفةُ اسمِ مَنْ أُغفِلَ ذكرُ اسمِهِ في الحديثِ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ. المُهْمَلُ (٣): لغةً: المتروك (٤). اصطلاحَاً: أنْ يرويَ الرَّاوي عَنْ شخصينِ مُتَّفقينِ في الاسمِ فقطْ، أو معَ اسمِ الأبِ، أو نحوِ ذلكَ، ولمْ يتميَّزَا بمَا يَخُصُّ كلَّ واحدٍ منهُمَا (٥). والفرقُ بينَ المبهمِ والمُهملِ ذكرَهُ القاريُّ «ت ١٠١٤ هـ»، فقالَ: «الرَّاوِي إِذَا لَمْ يُسَمَّ ك «رَجُلٍ» يُسَمَّىْ مُبْهَمَاً، وَإِنْ ذُكِر مَعَ عَدَمِ تَمْيِيزٍ فَهُوَ المُهْمَلُ» (٦).

стр. 409

المَطْلَبُ الثَّاني: أَقْسَامُ المُبْهَمَاتِ: قسَّمَهُ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ» أقسامَاً بحسبِ نوعِ الإبهامِ، وهيَ كمَا يأتي: ١ - ما قيلَ فيهِ: «رجلٌ» أو «امرأةٌ»، وهوَ مِنْ أبهمِهَا. ٢ - ما أُبهمَ بأنْ قيلَ: «ابنٌ أو ابنةُ فلانٍ» أو «ابنُ الفلانيُّ». ٣ - عمُّ فلانٍ أو عمَّتُهُ. ٤ - زوجُ فلانةٍ، أو زوجةُ فلانٍ (١). ويمكنُنَا تقسيمُ الإبهامِ بحسبِ موضعِهِ إلىْ قسمينِ: ١ - الإبهامُ في السَّندِ. ٢ - الإبهامُ في المتنِ (٢).

стр. 410

المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي تَعْيِينِ المُبْهَمِ وَتَمْيِيزِ المُهْمَلِ فِي الإِسْنَادِ: قبلَ أنْ نبدأَ الكلامَ علىْ أثرِ السَّبرِ في تعيينِ المبهمِ وتمييزِ المهملِ، لا بُدَّ مِنْ بيانِ أهميَّةِ ذلكَ في الإسنادِ، أمَّا تعيينُ المبهمِ فقدْ قالَ أبو زُرعةَ العراقيُّ «ت ٨٢٦ هـ»: «وَأَمَّا مُبْهَمَاتُ الإِسْنَادِ فَلَا يَخْفَىْ شِدَّةُ الاِحْتِيَاجِ إِلَىْ مَعْرِفَتِهَا، لِتَوَقُّفِ الاِحْتِجَاجِ بِالحَدِيثِ عَلَىْ مَعْرِفَةِ أَعْيَانِ رُوَاتِهِ [وَأَحْوَالِهِمْ]» (١). هذَا إذَا كانَ المبهمُ مِنْ غيرِ الصَّحابةِ، لأنَّ الصَّحابةَ عدولٌ كلُّهُمْ، ولا تقدحُ بهِمُ الجهالةُ، إلَّا أنَّ معرفةَ المبهمِ إذَا كانَ صحابيَّاً مِنَ الأهميَّةِ بمكانٍ، بيَّنَ ذلكَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ» فقالَ: «مِنْ فَوَائِدِهِ: أَنْ يَكُونَ المُبْهَمُ سَائِلَاً عَنْ حُكْمٍ عَارَضَهُ حَدِيثٌ آَخَرُ، فَيُسْتَفَادُ بِمَعْرِفَتِهِ النَّسْخُ وَعَدَمُهُ، إِنْ عُرِفَ زَمَانُ إِسْلَامِ ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ، وَكَانَ قَدْ أَخْبَرَ عَنْ قِصَّةٍ شَاهَدَهَا وَهُوَ مُسْلِمٌ» (٢). وأمَّا تمييزُ المهملِ: فتظهرُ فائدتُهُ فيمَا إذَا كانَ أحدُهُمَا ثقةً والآخرُ ضعيفَاً، فتعيينُ الرَّاوي وتمييزُهُ عَنْ غيرِهِ أساسٌ لبيانِ حالِهِ، وفي حالِ كونِهِمَا ثقتينِ فلا يضرُّ الإهمالُ بصحَّةِ الحديثِ، لأنَّهُ صحيحٌ عنهُمَا، وكذلكَ للأمنِ مِنَ اللَّبسِ بجعلِ الواحدِ اثنينِ. وتعيينُ المبهمِ وتمييزُ المهملِ يحصلُ بمَا يأتي:

стр. 411

أوَّلَاً: السَّبرُ وجمعُ الطُّرقِ: قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِوُرُودِهِ مُسَمَّىً فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ» (١). وهوَ العمدةُ في معرفتِهِ (٢)، وقالَ ابنُ كثيرٍ (٣) «ت ٧٧٤ هـ»: «وَأَهَمُّ مَا فِيهِ مَا رَفَعَ إِبهَامَاً فِي إِسْنَادٍ، كَمَا إِذَا وَرَدَ فِي سَنَدٍ: عَنْ فُلَانِ بنِ فُلَانٍ، أَوْ عَنْ أَبِيهِ، أَوْ عَمِّهِ، أَوْ أُمِّهِ، فَوَرَدَتْ تَسْمِيَةُ هَذَا المُبْهَمِ مِنْ طَرِيقٍ أُخرَىْ، فَإِذَا هُوَ ثِقَةٌ أَوْ ضَعِيفٌ أَوْ مِمَّنْ يُنْظَرُ فِي أَمْرِهِ، فَهَذَا أَنْفَعُ مَا فِي هَذَا النَّوعِ» (٤). لذَا قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «لَا يَنْبَغِي الحُكْمُ بِالاِنْقِطَاعِ وَلَا بِجَهَالَةِ الرَّاوِي المُبْهَمِ بِمُجَرَّدِ الوُقُوفِ عَلَىْ طَرِيقٍ كَذَلِكَ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الإِمْعَانِ فِي التَّفْتِيشِ لِئَلَّا يَكُونَ مُتَّصِلَاً وَمُعَيَّنَاً فِي طَرِيقٍ آَخَرَ» (٥). مثالُ ذلكَ حديثُ: «إِنَّمَا جُعِلَ الاِسْتِئْذَانُ لِأَجْلِ النَّظَرِ». * الحديثُ أخرجَهُ أبو داودَ «ر ٥١٧٥» مِنْ طريقِ الأعمشِ (٦)، عنْ طلحةَ بنِ مُصَرِّفٍ، عنْ رجلٍ، عنْ سعدِ بنِ عبادةَ ﵁.

стр. 412

* وأخرجَهُ أبو داودَ أيضَاً «ر ٥١٧٤»، وابنُ أبي شيبةَ «ر ٢٦٢٣٤» مِنْ طريقِ الأعمشِ، عنْ طلحةَ بنِ مُصرِّفٍ، عنْ هُزيلِ بنِ شُرحبيلَ، أنَّ رجلَاً. * وأخرجَهُ البيهقيُّ «ر ١٧٤٣٩» مِنْ طريقِ الأعمشِ نفسِهِ، لكنَّهُ ذكرَ أنَّ الرَّجلَ الذي روىْ عنهُ هُزَيلٌ، هوَ سعدُ بنُ عبادةَ. وتابعَهُ علىْ ذلكَ منصورُ بنُ المعتمرِ (١)، عندَ البخاريِّ في الأدبِ «ر ٢٣»، والطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر ٥٣٨٦»، وابنِ أبي شيبةَ «ر ٢٦٢٣٢». فبمجموعِ هذِهِ الطُّرقِ تعيَّنَ الرَّجلُ المبهمُ الذي روىْ عنهُ طلحةُ بنُ مُصرِّفٍ، وهوَ هُزيلُ بنُ شُرحبيلَ، وتعيَّنَ الرَّجلُ المبهمُ الذي روىْ عنهُ هزيلٌ، وهوَ سعدُ بنُ عبادةَ ﵁. قالَ ابنُ دقيقِ العيدُ «ت ٧٠٢ هـ»: «فَيَظْهَرُ مِنَ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: أَنَّ الرَّجُلَ المُبْهَمَ فِيهَا هُوَ هُزَيلُ المُبَيَّنُ فِي الأُولَىْ، وَأَنَّهُ يَرْوِيهِ عَنْ سَعْدٍ» (٢). وقالَ أبو زرعةَ العراقيُّ «ت ٨٢٦ هـ»: «هُوَ هُزَيلُ ابْنُ شُرَحْبِيلَ، كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مُبْهَمَاً وَمُبَيَّنَاً» (٣). * وأمَّا المهملُ، فقدْ قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «وَيَتَبَيَّنُ المُهْمَلُ وَيَزُولُ الإِشْكَالُ عِنْدَ أَهْلِ المَعْرِفَةِ بِالنَّظَرِ فِي الرِّوَايَاتِ، فَكَثِيرَاً مَا يَاتِي مُمَيَّزَاً فِي بَعْضِهَا» (٤).

стр. 413

إلا أنَّ تمييزَ المهملِ مِنْ هذَا الطَّريقِ ليسَ هوَ العمدةُ، بلْ لا بدَّ منْ قرائنَ أخرىْ تُقوِّي الظَّنَّ بتمييزِهِ وتقييدِهِ. ومثالُ ذلكَ الرِّوايةُ الآنفةُ: «إِنَّمَا جُعِلَ الاِسْتِئْذَانُ لِأَجْلِ النَّظَرِ»، فقدْ وردَ سعدٌ مهملاً في روايةِ أبي داودَ، ممَّا أشكلَ بينَ سعدِ بنِ عبادةَ ﵁ وسعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ ﵁، لكنَّ الرِّواياتِ تواطأتْ علىْ أنَّهُ سعدُ بنُ عبادةَ ﵁، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَسَعْدُ هَذَا لَمْ يُنْسَبْ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَنُسِبَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، فَوَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ: جَاءَ سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ ﵁، وَأَورَدَ ابنُ عَسَاكِرٍ هَذَا الحَدِيثَ فِي الأَطْرَافِ فِي تَرْجَمَةِ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁، واللهُ أعلمُ» (١). ومنْ ذلكَ أيضَاً، ما رواهُ البخاريُّ، قالَ: حدَّثنَا إبراهيمُ، أخبرنَا الوليدُ، حدَّثنَا الأوزاعيُّ، سمعَ عطاءً يُحدِّثُ عنْ جابرٍ ﵁: «أَنَّ إِهْلَالَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ ذِي الحُلَيفَةِ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ». قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَإِبْرَاهِيمُ شَيخُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، وَقَعَ مُهْمَلَاً لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَىْ الرَّازِيُّ، وَهُوَ الحَافِظُ المَعْرُوفُ بِالفَرَّاءِ الصَّغِيرِ» (٢).

стр. 414

ثانيَاً: تنصيصُ أهلِ العلمِ علىْ تعيينهِ: قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «وَيُعْرَفُ تَعْيِينُ المُبْهَمِ بِالتَّنْصِيصِ مِنْ أَهْلِ السِّيَرِ وَنَحْوِهِمْ إِنْ اتَّفَقَتِ الطُّرُقُ عَلَىْ الإِبْهَامِ» (١). ومظانُّ ذلكَ فصولُ المبهماتِ مِنْ كتبِ الرِّجالِ، والشُّروحُ الحديثيَّةُ، والمُصنَّفاتُ المفردةُ في المبهماتِ، مِنْ أهمِّهَا وأجمعِهَا: «المستفادُ منْ مبهماتِ المتنِ والإسنادِ» (٢) للحافظِ وليِّ الدِّينِ أحمدِ العراقيِّ «ت ٨٢٦ هـ»، جمعَ فيهِ بينَ تصانيفِ مَنْ قبلهُ في ذلكَ مع زيادات جمة (٣). * وكذلكَ تمييزُ المهملِ يُعلمُ بتنصيصِ الأئمَّةِ علىْ تمييزِهِ، فقدْ يذكرُ المصنِّفُ الرَّاويَ باسمِهِ، ثمَّ يُميِّزُهُ عنْ غيرِهِ بكنيةٍ أو لقبٍ أو غيرِ ذلكَ، ومثالُهُ في صحيحِ البخاريِّ كثيرٌ، فنجدُهُ يذكرُ إبراهيمَ في عدَّةِ مواطنَ، ثمَّ يقولُ: «إبراهيمُ: هوَ ابنُ طَهمَانَ» وفي موضعٍ آخرَ «إبراهيمُ: هوَ ابنُ سعدٍ» وفي موضعٍ ثالثٍ «إبراهيمُ: هوَ التَّيميُّ» (٤). ومنَ المصنَّفاتِ في المهملِ: «تقييدُ المهملِ وتمييزُ المشكِلِ»، لأبي عليٍّ الجيانيِّ «ت ٤٩٨ هـ» (٥).

стр. 415

وثمَّةَ طرقٌ أُخرىْ لتمييزِ المهملِ، بيَّنَهَا السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»، بعدَ أنْ ذكرَ طريقَ السَّبرِ وجمعِ الطُّرُقِ، فقالَ: «أَوْ بِاخْتِصَاصِ الرَّاوِي بِأَحَدِهِمَا، إِمَّا بِأَنْ لَمْ يَرْوِ إِلَّا عَنْهُ فَقَطْ، أَوْ بِأَنْ يَكُونَ مِنَ المُكْثِرِينَ عَنْهُ المُلَازِمِينَ لَهُ دُونَ الآَخَرِ، أَوْ بِكَونِهِ كَمَا أُشِيرِ إِلَيهِ فِي مَعْرِفَةِ أَوطَانِ الرُّوَاةِ: بَلَدِيُّ شَيخِهِ أَوْ الرَّاوِي عَنْهُ إِنْ لَمْ يُعْرَفْ بِالرِّحْلَةِ، فَإِنَّ بِذَلِكَ وَبِالذِي قَبْلَهُ يَغْلِبُ عَلَىْ الظَّنِّ تَبَيُّنُ المُهْمَلِ، وَمَتَىْ لَمْ يَتَبَيَّنْ ذَلِكَ بِوَاحِدٍ مِنْهَا، أَوْ كَانَ مُخْتَصَّاً بِهِمَا مَعَاً فَإِشْكَالُهُ شَدِيدٌ، فَيُرْجَعُ فِيهِ إِلَىْ القَرَائِنِ وَالظَّنِّ الغَالِبِ، قَالَ ابنُ الصَّلَاحِ: "وَقَدْ يُدْرَكُ بِالنَّظَرِ فِي حَالِ الرَّاوِي وَالمَرْوِيِّ عَنْهُ، وَرُبَّمَا قَالُوا فِي ذَلِكَ بِظَنٍّ لَا يَقْوَىْ"» (١). وبذلكَ نخلصُ إلىْ أنَّ العمدةَ في تعيينِ المبهمِ هوَ السَّبرُ وجمعُ الطُّرقِ، ويُميَّزُ المهملُ بالسَّبرِ وجمعِ الطُّرقِ، لكنْ لا بدَّ فيهِ مِنْ قرائنَ تُقوِّي الظَّنَّ بتمييزِهِ وتقييدِهِ. * * *

стр. 416

المَبْحَثُ الخَامِسَ عَشَرَ: مَعْرِفَةُ التَّصْحِيفِ وَالتَّحْرِيفِ فِي الإِسْنَادِ: المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ التَّصْحِيفِ وَالتَّحْرِيفِ فِي الإِسْنَادِ: * المصحَّفُ (١): لغةً: تغييرُ اللَّفظِ، صحَّفَهُ فتصحَّفَ، أي: غيَّرهُ فتغيَّرَ. ومأخوذٌ مِنَ الخطأِ في الصَّحيفةِ (٢). اصطلاحَاً: التَّصحيفُ: هوَ تغييرٌ في نَقْطِ الحروفِ أو حركاتِهَا معَ بقاءِ صورةِ الخطِّ. * وأمَّا المحرَّفُ: فلمْ يفرِّقِ المتقدِّمونَ بينَهُ وبينَ المصحَّفِ، إلَّا أنَّ الحافظَ ابنَ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» فرَّقَ بينَهُمَا، حيثُ قالَ: «إِنْ كَانَتِ المُخَالَفَةُ بِتَغْيِيرِ حَرفٍ أَوْ حُرُوفٍ مَعَ بَقَاءِ صُورَةِ الخَطِّ فِي السِّيَاقِ، فَالمُصَحَّفُ فِي النَّقْطِ، وَالمُحَرَّفُ فِي الشَّكْلِ» (٣). ويحصلُ التَّصحيفُ والتَّحريفُ بسببِ الوهمِ والخطأِ، والخلطِ بينَ المتشابِهِ، وبينَ ما هوَ مؤتلفٌ ومختلفٌ، و ما كانَ مِنَ المتَّفقِ والمفترقِ، قالَ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ» في ذكرِهِ للمتشابهِ: «وَمَنْ لَمْ يَاخُذْ هَذَا العِلْمَ مِنْ أَفْوَاهِ الحُفَّاظِ المُبَرِّزِينَ لَمْ يُؤْمَنْ عَلَيهِ التَّصْحِيفُ فِيهَا» (٤).

стр. 417

لذَا وعندَ الكلامِ على التَّصحيفِ والتَّحريفِ لا بُدَّ منْ الإشارةِ إلى هذهِ الأنواعِ بالتَّعريفِ والبيانِ. أولاً: المتشابهُ: لغةً: مِنَ التَّشابُهِ، بمعنى: التَّماثُلِ، ويُرادُ بهِ هنَا: الملتبِسُ. اصطلاحاً: أنْ يتَّفقَ اسمُ شخصينِ أو كنيتُهُمَا التي عُرفَا بهَا، ويوجدُ في نسبِهِمَا أو نسبتِهِمَا الاختلافُ والائتلافُ الآتي بيانُهُ، أو على العكسِ، بأنْ تختلفَ وتأتلفَ أسماؤُهُمَا، وتتَّفقَ نسبتُهُمَا أو نسبُهُمَا اسماً أو كنيةً. فهوَ يتركَّبُ منَ المؤتلفِ والمختلفِ، والمتَّفقِ والمفترقِ. ثانياً: المؤتلفُ والمختلفُ: لغةً: الائتلافُ: بمعنى الاجتماعِ والتَّلاقي. الاختلافُ: ضدُّ الاتِّفاقِ (١). اصطلاحَاً: ما تتَّفقُ في الخطِّ صورتُهُ، وتختلفُ في النُّطقِ والتَّلفُّظِ صيغتُهُ. ثالثاً: المتَّفقُ والمفترقُ: أمَّا معناهُ اللغويُّ فبيِّنٌ. وفي اصطلاحِ المحدِّثينَ: وهوَ مَا يتَّفقُ لفظَاً وخطَّاً، ويفترقُ عينَاً. وقدْ يكونُ الاتِّفاقُ بينَهُم بالاسمِ واسمِ الأبِ والجدِّ، وغيرِ ذلكَ (٢).

стр. 418

المَطْلَبُ الثَّانِي: أَقْسَامُ التَّصحِيفِ: قسَّمَ العلماءُ التَّصحيفَ عدَّةَ أقسامٍ بحسبِ كيفيَّةِ حصولِهِ، بالسَّمعِ أو بالبصرِ، أو اللَّفظِ، أو بالمعنى، والحقيقةُ أنَّ مرجعَ هذَا كلِّهِ إلى قسمينِ رئيسينِ بحسبِ موضعِهِ، وهمَا: التَّصحيفُ في الإسنادِ: وهوَ ما حصلَ فيهِ تغييرٌ في ضبطِ رجلٍ أو أكثرَ منْ رجالِ السَّندِ مثلَ: «جوابٌ التَّيميُّ»، قرأَهُ بعضُهُم: «جِرابٌ». و «أبو حرَّةَ»، قرأَهُ بعضُهُم: «أبو جرَّةَ». التَّصحيفُ في المتنِ: وسيأتي الكلامُ عليهِ في مباحثِهِ (١).

стр. 419

المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ التَّصحيفِ والتَّحريفِ فِي الإِسْنَادِ: معرفةُ المصحَّفِ والمحرَّفِ في الأسانيدِ ذو أهميَّةٍ بالغةٍ عندَ المحدِّثينَ، لأنَّ التَّصحيفَ والتَّحريفَ يُعمِّيَانِ عينَ الرَّاوي، وبالتَّالي حالَهُ الذي يتوقَّفُ عليهِ معرفةُ صحَّةِ الحديثِ مِنْ ضعفِهِ، ولأجلِ هذَا قالَ ابنُ المدينيِّ «ت ٢٣٤ هـ»: «أَشَدُّ التَّصْحِيفِ: التَّصْحِيفُ فِي الأَسْمَاءِ» (١). وهوَ فنٌّ يحتاجُ إلى الدِّقَّةِ والفهمِ واليقظةِ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «هَذَا فَنٌّ جَلِيلٌ، إِنَّمَا يَنْهَضُ بِأَعْبَائِهِ الحُذَّاقُ مِنَ الحُفَّاظِ» (٢). والتَّصحيفُ في الإسنادِ يُعرفُ بمَا يأتي: أوَّلاً: السَّبرُ وجمعُ الطُّرقِ: فمَا يردُ مُصحَّفاً أو مُحرَّفاً في طريقٍ، قدْ يردُ صحيحَاً ومضبوطاً في طريقٍ أُخرى، قالَ الدُّكتورُ حمزةُ المليباريُّ: «فَالمُصَحَّفُ نَوعٌ مِنَ المَعلُولِ، لِأَنَّ الذِي صَحَّفَهُ الرَّاوِي لَا يَكُونُ إِلَّا خَطَأً، وَبِذَلِكَ أَصْبَحَ مُخَالِفَاً لِلوَاقِعِ، أَوْ مُتَفَرِّدَاً بِمَا لَا أَصْلَ لَهُ، وَلَا يَظْهَرُ ذَلِكَ إِلَّا مِنْ خِلَالِ الجَمْعِ وَالمُقَارَنَةِ» (٣). قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ» ممثِّلاً: «وَمِنْهُ مَا رَوَينَاهُ عَنْ أَحْمَدَ بنِ حَنبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَالِكِ بنِ عَرْفَطَةَ، عَنْ عَبْدِ خَيرٍ، عَنْ عَائِشَةَ

стр. 420

رضي الله عنها: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ : «نَهَى عَنِ الدُّبَّاءِ وَالمُزَفَّتِ». قَالَ أَحمَدُ: "صَحَّفَ شُعْبَةُ فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ خَالِدُ بنُ عَلقَمَةَ"» (١). فبيَّنَ تصويبَ ابنِ حنبلٍ للتَّصحيفِ، وأيَّدهُ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ» مِنْ طُرقٍ أُخرى، فقالَ: «وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ قَولِ أَحْمَدَ: أَنَّ زَائِدَةَ بنَ قُدَامَةَ وَأَبَا عَوَانَةَ وَشَرِيكَ بنَ عَبْدِ اللهِ، رَوَوا عَنْ خَالِدِ بنِ عَلقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ خَيرٍ بِنَحْوِهِ» (٢). أمَّا حديثُ أبي عَوانةَ فقدْ أخرجَهُ البغداديُّ في تاريخِهِ «ر ٣٩٤١»، ووردَ في حديثِ أبي الفضلِ الزُّهريِّ «ت ٣٨١ هـ» (٣). وقدْ بحثتُ مليَّاً عَنْ طريقي زائدةَ وشريكٍ في المصنَّفاتِ الحديثيَّةِ والأجزاءِ فلمْ أجدْهُمَا. ومِنَ قرائنِ التَّرجيحِ في معرفةِ المصحَّفِ، ما يأتي: ١ - كثرةُ العددِ: كمَا في المثالِ آنفِ الذِّكرِ، فإنَّ الطُّرقَ اتَّفقتْ على أنَّ الرَّاويَ هوَ خالدُ ابنُ علقمةَ، وليسَ مالكَ بنَ عرفطةَ، فاتَّضحَ الشُّذوذُ بمخالفةِ الجمعِ. ٢ - موافقةُ المنصوصِ عليهِ لدى الأئمَّةِ المحققينَ: وسيأتي بيانُهُ قريباً. ٣ - كونُ الرَّاوي ممَّنْ عُلمَ بضَبطِ الأسماءِ، ومخالفُهُ ممَّنْ عُرِفَ بالتَّصحيفِ: والأمثلةُ كثيرةٌ في كتبِ الرِّجالِ، قالَ ابنُ حنبلٍ «ت ٢٤١ هـ»: «ابْنُ مَهْدِيٍّ أَكْثَرُ تَصْحِيفَاً مِنْ وَكِيعٍ، وَوَكِيعٌ أَكْثَرُ خَطَأً مِنْ ابنِ مَهْدِيٍّ، وَكِيعٌ قَلِيلُ التَّصحِيفِ» (٤).

стр. 421

وقالَ أبو حاتمٍ «ت ٢٧٧ هـ» في ترجمةِ «إبراهيمَ بنِ الفضلِ بنِ أبي سُويدٍ»: «سَمِعْتُ يَحيَى بنَ مَعِينٍ- وَذَكَرَ ابنَ أَبِي سُوَيدٍ - فَقَالَ: يُقَالُ: إِنَّهُ كَثِيرُ التَّصحِيفِ، لَا يُقِيمُهَا» (١). ومنهُمْ مَنْ كانَ يُخطئُ في أسماءِ الرِّجالِ خاصَّةً، كشعبةَ - وإنْ كانَ لا يضرُّهُ - لكنَّ معرفةَ ذلكَ تُفيدُ عندَ التَّرجيحِ (٢). ٤ - ضبطُ الكتابِ: إنْ كانَ صاحبُهُ مِنْ أهلِ الضَّبطِ، لا مِنَ النُّسَّاخِ، فإذَا اختلفَ راويانِ عنْ شيخٍ في ضبطِ اسمٍ، فالعمدةُ للكتابِ، بأنْ يكونَ ما في كتابِ الرَّاوي مُخالفَاً لمَا سمعَهُ منْ تصحيفٍ، فتلكَ قرينةٌ قويَّةٌ، قالَ الخطيبُ البغداديُّ «ت ٤٦٣ هـ»: «بَلَغَنِي عَنْ أَبِي دَاوُدَ السِّجِستَانِيِّ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَوَانَةَ يَومَاً: حَدَّثَنَا مَالِكُ بنُ عَرفَطَةَ، عَنْ عَبْدِ خَيرٍ. فَقَالَ لَهُ عَمْرُو الأَعْصَفُ: رَحِمَكَ اللهُ يَا أَبَا عَوَانَةَ، هَذَا خَالِدُ بنُ عَلقَمَةَ، وَإِنَّ شُعْبَةَ يُخْطِئُ فِيهِ، فَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ: هُوَ فِي كِتَابِي: خَالِدُ بنُ عَلقَمَةَ، وَلَكِنْ قَالَ لِي شُعْبَةُ: هَوَ مَالِكُ بنُ عَرفَطَةَ» (٣). وتقوى هذِهِ القرينةُ إذَا كانَ صاحبُ الكتابِ منْ أضبطِ النَّاسِ لحديثِ شيخِهِ، قالَ ابنُ المباركِ «ت ١٨١ هـ»: «إِذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ، فَكِتَابُ غُنْدَرٍ حَكَمٌ بَينَهُمْ» (٤). * والتَّحريفُ بمعنى المخالفةِ في الشَّكْلِ، فهذَا ممَّا لا يُمكنُ معرفتُهُ بالسَّبرِ، لأنَّ أغلبَ الكتبِ خاليةٌ مِنَ التَّشكيلِ.

стр. 422

وكذلكَ المُتشابِهُ فقدْ يردُ مُهملَاً في طريقٍ، ومُقيَّداً ومبيَّنَاً في طريقٍ أُخرى، قالَ السِّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ» في مطلعِ بحثِ المتشابهِ: «ثُمَّ مَا وُجِدَ مِنْ هَذَا البَابِ فِي الأَقْسَامِ كُلِّهَا غَيرَ مُبَيَّنٍ، فَيُعْرَفُ بِالرَّاوِي عَنْهُ أَوْ المَرْوِيِّ عَنْهُ، أَوْ بَيَانُهُ فِي طَرِيقٍ آَخَرَ، فَإِنْ لَمْ يُبَيَّنْ وَاشْتَرَكَتِ الرُّوَاةُ فَمُشْكِلٌ جِدَّاً، يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى غَالِبِ الظُّنُونِ وَالقَرَائِنِ أَوْ يُتَوَقَّفْ» (١). والمتَّفقُ والمفترقُ يُعرفُ كذلكَ بورودِهِ مِنْ طريقٍ أُخرى مُميَّزَاً، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «ثُمَّ إِنَّ مَا يُوجَدُ مِنَ المُتَّفِقِ وَالمُفْتَرِقِ غَيرَ مَقْرُونٍ بِبَيَانٍ، فَالمُرَادُ بِهِ قَدْ يُدْرَكُ بِالنَّظَرِ فِي رِوَايَاتِهِ، فَكَثِيرَاً مَا يَاتِي مُمَيَّزَاً فِي بَعْضِهِمَا» (٢). مثالُ ذلكَ ما رواهُ ابنُ حنبلٍ، قالَ: حدَّثَنَا يزيدُ بنُ هارونَ، قالَ: أنبأنَا محمَّدُ بنُ إسحاقَ، عنْ يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ راشدٍ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ أبي مُرَّةَ، عنْ خارجةَ ابنِ حُذافةَ ﵁، قالَ: خرجَ علينَا رسولُ اللهِ ﷺ ذاتَ غداةٍ، فقالَ: «لَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ». قالَ ابنُ الجوزيِّ «ت ٥٩٧ هـ»: «وَأَمَّا حَدِيثُ خَارِجَةَ فَفِيهِ ابنُ إِسحَاقَ، وَقَدْ كَذَّبَهُ مَالِكٌ، وَفِيهِ عَبدُ اللهِ بنُ رَاشِدٍ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ» (٣). وتعقَّبَهُ ابنُ عبدِ الهادي «ت ٧٤٤ هـ»، فقالَ: «وَتَضْعِيفُ المُؤَلِّفِ لِابنِ إِسْحَاقَ لَيسَ بِشَيءٍ، وَقَدْ تَابَعَهُ اللَّيثُ ابنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بنِ أَبِي حَبِيبٍ. وَقَولُهُ في عَبْدِ اللهِ بنِ رَاشِدٍ: "ضعَّفَهَ الدَّارَقُطْنِيُّ" وَهْمٌ بَيِّن، فَإِنَّهُ إِنَّمَا ضَعَّفَ عَبدَ اللهِ بنَ رَاشِدٍ البَصرِيُّ مَولَى عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ الرَّاوِي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ.

стр. 423

وَأَمَّا رَاوِي حَدِيثِ خَارِجَةَ فَهُوَ الزَّوفِيُّ، أَبُو الضَّحَّاكِ المَصْرِيُّ، قَالَ ابنُ إِسْحَاقَ: "الزَّوفِيُّ مِنْ حِمْيَرَ، وَلَيسَ لَهُ إِلَّا حَدِيثُهُ فِي الوِتْرِ، وَلَا يُعرَفُ سَمَاعُهُ مِنْ ابنِ أَبِي مُرَّةَ". وَكَذَلِكَ قَالَ البُخَارِيُّ: "لَا يُعْرَفُ سَمَاعُهُ مِنهُ". وَذَكَرَهُ أَبُو حَاتِمِ بنِ حِبَّانَ فِي كِتَابِ الثِّقَاتِ» (١). ويُؤيِّدُ ذلكَ أنَّ الحديثَ أخرجَهُ الدَّارِميُّ «ر ١٥٧٦»، وأبو داودَ «ر ١٤١٨»، وابنُ ماجةَ «ر ١١٦٨»، والتِّرمذيُّ «ر ٤٥٢»، والطَّبرانيُّ في الكبيرِ «ر ٤١٣٦»، والدَّارقطنيُّ «٢/ ٣٠»، والبيهقيُّ «ر ٤٢٥٠»، وغيرُهُمْ، كلُّهُمْ أوردَ عبدَ اللهِ بنَ راشدٍ مُقيَّداً بالزَّوفيِّ. ثانيَاً: تنصيصُ أهلِ العلمِ على بيانِهِ: وهذَا هوَ العمدةُ في معرفةِ التَّصحيفِ، لأنَّ التَّصحيفَ إنَّمَا يحصلُ بسببِ تلقِّي العلمِ مِنَ الصُّحفِ لَا مِنْ أفواهِ الأئمَّةِ الأعلامِ، قالَ التَّنوخيُّ (٢) «ت ١٦٧ هـ»: «لَا تَحْمِلُوا العِلمَ عَنْ صَحَفِيٍّ، وَلَا تَأخُذُوا القُرآَنَ مِنْ مُصْحَفِيٍّ» (٣). وكثرةُ التَّصحيفِ مِنَ المحدِّثِ طعنٌ فيهِ، إلَّا أنْ يكونَ نادرَاً، لأجلِ هذَا صنَّفَ الأئمَّةُ المحقِّقونَ مِنَ أهلِ الحديثِ كتبَ «التَّصحيفِ والتَّحريفِ» و «المؤتلِفِ والمختلفِ». منْ أشهرِهَا في التَّصحيفِ: «إصلاحُ خطأِ المحدِّثينَ»، لأبي سليمانَ الخطَّابيِّ «ت ٣٨٨ هـ» (٤).

стр. 424

ومنْ أشهرِهَا في المؤتلفِ: «تبصيرُ المنتبهِ بتحريرِ المشتبهِ»، لابنِ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» (١). ومنْ أهمِّهَا في المتَّفقِ والمفترقِ: «المتَّفقُ والمفترقُ»، للخطيبِ البغداديِّ «ت ٤٦٣ هـ» (٢). ومنْ أحسنِهَا في المتشابِهِ «تلخيصُ المتشابِهِ في الرَّسمِ، وحمايةُ ما أشكلَ منهُ عنْ بوادرِ التَّصحيفِ والوهمِ» للخطيبِ البغداديِّ «ت ٤٦٣ هـ»، «ثُمَّ ذَيَّلَ عَلَيهِ بِمَا يَتَّفِقُ مِنْ أَسْمَاءِ الرُّوَاةِ وَأَنْسَابِهِمْ، غَيرَ أَنَّ فِي بَعْضِهِ زِيَادَةَ حَرْفٍ، وَسَمَّاهُ "تَالِي التَّلخِيصِ"» (٣). وبذلكَ نُدركُ أنَّ المعوَّلَ عليهِ في تلقِّي هذَا العلمِ هوَ الأخذُ مِنْ أفواهِ الأئمَّةِ المحقِّقينَ. وتنصيصُهُمْ وضبطُهُمْ لأسماءِ الرِّجالِ هوَ العمدةُ في تمييزِ المشتبِهِ مِنَ الأسماءِ، كمَا أنَّ السَّبرَ وجمعَ الطُّرقِ بالإضافةِ إلى القرائنِ المرجِّحةِ مِنَ الطُّرقِ الرئيسةِ في بيانِ ذلكَ وتقييدِهِ. * * *

стр. 425

الفَصْلُ الثَّانِي: أَثَرُ السَّبْرِ فِي المتنِ (١): المَبْحَثُ الأَوَّلُ: مَعْرِفَةُ زِيَادَةِ الثِّقَةِ فِي المَتْنِ (٢): تحدَّثتُ عنْ الزِّيادةِ في السَّندِ في عدَّةِ مواضعَ مِنْ مباحثِ أثرِ السَّبرِ في السَّندِ، وهيَ تشملُ اختلافَ الرُّواةِ في وصلِ الحديثِ وإرسالِهِ، وكذَا في رفعِهِ ووقفِهِ، أو بزيادةِ راوٍ (٣). وما أتكلَّمُ عنهُ هنَا هوَ زيادةُ الثِّقةِ في المتنِ، وهيَ المتبادَرُ إلى الذِّهنِ عندَ الإطلاقِ، وأكثرُ العلماءِ إنَّمَا بحثُوا زيادةَ المتنِ في مبحثِ زيادةِ الثِّقاتِ، وعرَّجُوا على زيادةِ السَّندِ إلحاقاً، وهذَا ظاهرٌ في مصنَّفاتِ أصولِ الحديثِ.
следующие страницы →