← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1117

السبر عند المحدثين

عبد الكريم جراد

Полный текст (515 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وقالَ أبو حاتمٍ «ت ٢٧٧ هـ» في ترجمةِ «إبراهيمَ بنِ الفضلِ بنِ أبي سُويدٍ»: «سَمِعْتُ يَحيَى بنَ مَعِينٍ- وَذَكَرَ ابنَ أَبِي سُوَيدٍ - فَقَالَ: يُقَالُ: إِنَّهُ كَثِيرُ التَّصحِيفِ، لَا يُقِيمُهَا» (١). ومنهُمْ مَنْ كانَ يُخطئُ في أسماءِ الرِّجالِ خاصَّةً، كشعبةَ - وإنْ كانَ لا يضرُّهُ - لكنَّ معرفةَ ذلكَ تُفيدُ عندَ التَّرجيحِ (٢). ٤ - ضبطُ الكتابِ: إنْ كانَ صاحبُهُ مِنْ أهلِ الضَّبطِ، لا مِنَ النُّسَّاخِ، فإذَا اختلفَ راويانِ عنْ شيخٍ في ضبطِ اسمٍ، فالعمدةُ للكتابِ، بأنْ يكونَ ما في كتابِ الرَّاوي مُخالفَاً لمَا سمعَهُ منْ تصحيفٍ، فتلكَ قرينةٌ قويَّةٌ، قالَ الخطيبُ البغداديُّ «ت ٤٦٣ هـ»: «بَلَغَنِي عَنْ أَبِي دَاوُدَ السِّجِستَانِيِّ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَوَانَةَ يَومَاً: حَدَّثَنَا مَالِكُ بنُ عَرفَطَةَ، عَنْ عَبْدِ خَيرٍ. فَقَالَ لَهُ عَمْرُو الأَعْصَفُ: رَحِمَكَ اللهُ يَا أَبَا عَوَانَةَ، هَذَا خَالِدُ بنُ عَلقَمَةَ، وَإِنَّ شُعْبَةَ يُخْطِئُ فِيهِ، فَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ: هُوَ فِي كِتَابِي: خَالِدُ بنُ عَلقَمَةَ، وَلَكِنْ قَالَ لِي شُعْبَةُ: هَوَ مَالِكُ بنُ عَرفَطَةَ» (٣). وتقوى هذِهِ القرينةُ إذَا كانَ صاحبُ الكتابِ منْ أضبطِ النَّاسِ لحديثِ شيخِهِ، قالَ ابنُ المباركِ «ت ١٨١ هـ»: «إِذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ، فَكِتَابُ غُنْدَرٍ حَكَمٌ بَينَهُمْ» (٤). * والتَّحريفُ بمعنى المخالفةِ في الشَّكْلِ، فهذَا ممَّا لا يُمكنُ معرفتُهُ بالسَّبرِ، لأنَّ أغلبَ الكتبِ خاليةٌ مِنَ التَّشكيلِ.

стр. 422

وكذلكَ المُتشابِهُ فقدْ يردُ مُهملَاً في طريقٍ، ومُقيَّداً ومبيَّنَاً في طريقٍ أُخرى، قالَ السِّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ» في مطلعِ بحثِ المتشابهِ: «ثُمَّ مَا وُجِدَ مِنْ هَذَا البَابِ فِي الأَقْسَامِ كُلِّهَا غَيرَ مُبَيَّنٍ، فَيُعْرَفُ بِالرَّاوِي عَنْهُ أَوْ المَرْوِيِّ عَنْهُ، أَوْ بَيَانُهُ فِي طَرِيقٍ آَخَرَ، فَإِنْ لَمْ يُبَيَّنْ وَاشْتَرَكَتِ الرُّوَاةُ فَمُشْكِلٌ جِدَّاً، يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى غَالِبِ الظُّنُونِ وَالقَرَائِنِ أَوْ يُتَوَقَّفْ» (١). والمتَّفقُ والمفترقُ يُعرفُ كذلكَ بورودِهِ مِنْ طريقٍ أُخرى مُميَّزَاً، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «ثُمَّ إِنَّ مَا يُوجَدُ مِنَ المُتَّفِقِ وَالمُفْتَرِقِ غَيرَ مَقْرُونٍ بِبَيَانٍ، فَالمُرَادُ بِهِ قَدْ يُدْرَكُ بِالنَّظَرِ فِي رِوَايَاتِهِ، فَكَثِيرَاً مَا يَاتِي مُمَيَّزَاً فِي بَعْضِهِمَا» (٢). مثالُ ذلكَ ما رواهُ ابنُ حنبلٍ، قالَ: حدَّثَنَا يزيدُ بنُ هارونَ، قالَ: أنبأنَا محمَّدُ بنُ إسحاقَ، عنْ يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ راشدٍ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ أبي مُرَّةَ، عنْ خارجةَ ابنِ حُذافةَ ﵁، قالَ: خرجَ علينَا رسولُ اللهِ ﷺ ذاتَ غداةٍ، فقالَ: «لَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ». قالَ ابنُ الجوزيِّ «ت ٥٩٧ هـ»: «وَأَمَّا حَدِيثُ خَارِجَةَ فَفِيهِ ابنُ إِسحَاقَ، وَقَدْ كَذَّبَهُ مَالِكٌ، وَفِيهِ عَبدُ اللهِ بنُ رَاشِدٍ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ» (٣). وتعقَّبَهُ ابنُ عبدِ الهادي «ت ٧٤٤ هـ»، فقالَ: «وَتَضْعِيفُ المُؤَلِّفِ لِابنِ إِسْحَاقَ لَيسَ بِشَيءٍ، وَقَدْ تَابَعَهُ اللَّيثُ ابنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بنِ أَبِي حَبِيبٍ. وَقَولُهُ في عَبْدِ اللهِ بنِ رَاشِدٍ: "ضعَّفَهَ الدَّارَقُطْنِيُّ" وَهْمٌ بَيِّن، فَإِنَّهُ إِنَّمَا ضَعَّفَ عَبدَ اللهِ بنَ رَاشِدٍ البَصرِيُّ مَولَى عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ الرَّاوِي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ.

стр. 423

وَأَمَّا رَاوِي حَدِيثِ خَارِجَةَ فَهُوَ الزَّوفِيُّ، أَبُو الضَّحَّاكِ المَصْرِيُّ، قَالَ ابنُ إِسْحَاقَ: "الزَّوفِيُّ مِنْ حِمْيَرَ، وَلَيسَ لَهُ إِلَّا حَدِيثُهُ فِي الوِتْرِ، وَلَا يُعرَفُ سَمَاعُهُ مِنْ ابنِ أَبِي مُرَّةَ". وَكَذَلِكَ قَالَ البُخَارِيُّ: "لَا يُعْرَفُ سَمَاعُهُ مِنهُ". وَذَكَرَهُ أَبُو حَاتِمِ بنِ حِبَّانَ فِي كِتَابِ الثِّقَاتِ» (١). ويُؤيِّدُ ذلكَ أنَّ الحديثَ أخرجَهُ الدَّارِميُّ «ر ١٥٧٦»، وأبو داودَ «ر ١٤١٨»، وابنُ ماجةَ «ر ١١٦٨»، والتِّرمذيُّ «ر ٤٥٢»، والطَّبرانيُّ في الكبيرِ «ر ٤١٣٦»، والدَّارقطنيُّ «٢/ ٣٠»، والبيهقيُّ «ر ٤٢٥٠»، وغيرُهُمْ، كلُّهُمْ أوردَ عبدَ اللهِ بنَ راشدٍ مُقيَّداً بالزَّوفيِّ. ثانيَاً: تنصيصُ أهلِ العلمِ على بيانِهِ: وهذَا هوَ العمدةُ في معرفةِ التَّصحيفِ، لأنَّ التَّصحيفَ إنَّمَا يحصلُ بسببِ تلقِّي العلمِ مِنَ الصُّحفِ لَا مِنْ أفواهِ الأئمَّةِ الأعلامِ، قالَ التَّنوخيُّ (٢) «ت ١٦٧ هـ»: «لَا تَحْمِلُوا العِلمَ عَنْ صَحَفِيٍّ، وَلَا تَأخُذُوا القُرآَنَ مِنْ مُصْحَفِيٍّ» (٣). وكثرةُ التَّصحيفِ مِنَ المحدِّثِ طعنٌ فيهِ، إلَّا أنْ يكونَ نادرَاً، لأجلِ هذَا صنَّفَ الأئمَّةُ المحقِّقونَ مِنَ أهلِ الحديثِ كتبَ «التَّصحيفِ والتَّحريفِ» و «المؤتلِفِ والمختلفِ». منْ أشهرِهَا في التَّصحيفِ: «إصلاحُ خطأِ المحدِّثينَ»، لأبي سليمانَ الخطَّابيِّ «ت ٣٨٨ هـ» (٤).

стр. 424

ومنْ أشهرِهَا في المؤتلفِ: «تبصيرُ المنتبهِ بتحريرِ المشتبهِ»، لابنِ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» (١). ومنْ أهمِّهَا في المتَّفقِ والمفترقِ: «المتَّفقُ والمفترقُ»، للخطيبِ البغداديِّ «ت ٤٦٣ هـ» (٢). ومنْ أحسنِهَا في المتشابِهِ «تلخيصُ المتشابِهِ في الرَّسمِ، وحمايةُ ما أشكلَ منهُ عنْ بوادرِ التَّصحيفِ والوهمِ» للخطيبِ البغداديِّ «ت ٤٦٣ هـ»، «ثُمَّ ذَيَّلَ عَلَيهِ بِمَا يَتَّفِقُ مِنْ أَسْمَاءِ الرُّوَاةِ وَأَنْسَابِهِمْ، غَيرَ أَنَّ فِي بَعْضِهِ زِيَادَةَ حَرْفٍ، وَسَمَّاهُ "تَالِي التَّلخِيصِ"» (٣). وبذلكَ نُدركُ أنَّ المعوَّلَ عليهِ في تلقِّي هذَا العلمِ هوَ الأخذُ مِنْ أفواهِ الأئمَّةِ المحقِّقينَ. وتنصيصُهُمْ وضبطُهُمْ لأسماءِ الرِّجالِ هوَ العمدةُ في تمييزِ المشتبِهِ مِنَ الأسماءِ، كمَا أنَّ السَّبرَ وجمعَ الطُّرقِ بالإضافةِ إلى القرائنِ المرجِّحةِ مِنَ الطُّرقِ الرئيسةِ في بيانِ ذلكَ وتقييدِهِ. * * *

стр. 425

الفَصْلُ الثَّانِي: أَثَرُ السَّبْرِ فِي المتنِ (١): المَبْحَثُ الأَوَّلُ: مَعْرِفَةُ زِيَادَةِ الثِّقَةِ فِي المَتْنِ (٢): تحدَّثتُ عنْ الزِّيادةِ في السَّندِ في عدَّةِ مواضعَ مِنْ مباحثِ أثرِ السَّبرِ في السَّندِ، وهيَ تشملُ اختلافَ الرُّواةِ في وصلِ الحديثِ وإرسالِهِ، وكذَا في رفعِهِ ووقفِهِ، أو بزيادةِ راوٍ (٣). وما أتكلَّمُ عنهُ هنَا هوَ زيادةُ الثِّقةِ في المتنِ، وهيَ المتبادَرُ إلى الذِّهنِ عندَ الإطلاقِ، وأكثرُ العلماءِ إنَّمَا بحثُوا زيادةَ المتنِ في مبحثِ زيادةِ الثِّقاتِ، وعرَّجُوا على زيادةِ السَّندِ إلحاقاً، وهذَا ظاهرٌ في مصنَّفاتِ أصولِ الحديثِ.

стр. 426

المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ زِيَادَةِ الثِّقَةِ في المتنِ: زيادةُ الثِّقةِ: لغةً: الزِّيادةُ هيَ النُّموُّ، وهوَ خلافُ النُّقصانِ (١). اصطلاحاً: وهيَ أنْ يرويَ أحدُ الرُّواةِ زيادةَ لفظةٍ أو جملةٍ في متنِ الحديثِ لا يرويهَا غيرُهُ. قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «كَزِيَادَةِ لَفْظَةٍ مَعْنَوِيَّةٍ لَمْ يَذْكُرْهَا سَائِرُ رُوَاتِهِ، فَيُخَالِفُ الزَّائِدُ إِطْلَاقَ الحَدِيثِ، أَوْ شَيئَاً مِنْ وَصْفِهِ» (٢). وهذَا هوَ المعنى الذي نحنُ بصددِ بحثِهِ هُنَا.

стр. 427

المَطْلَبُ الثَّانِي: حُكْمُ زِيَادَةِ الثِّقَةِ فِي المَتْنِ: اختلفَ العلماءُ اختلافَاً متباينَاً وواسعَاً في حكمِ زيادةِ الثِّقةِ، وذلكَ حسبَ موافقةِ الزِّيادةِ أو مخالفتِهَا للأصلِ المزيدِ عليهِ، وحسنِ مكانةِ الرَّاوي الذي جاءَ بهذِهِ الزِّيادةِ، والرَّأيُ المختارُ هوَ المستفادُ مِنْ صنيعِ المتقدِّمينَ منَ الأئمَّةِ المحدِّثينَ، وهوَ الرَّأيُ الوسطُ ما بينَ القبولِ والرَّدِّ، باعتمادِ القرائنِ والمرجِّحاتِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَالمَنْقُولُ عَنْ أَئِمَّةِ الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِينَ - كَعَبْدِ الرَّحمَنِ بنِ مَهْدِيٍّ، وَ يَحْيَى القَطَّانِ، وَأَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، وَيَحْيَى بنِ مَعِينٍ، وَعَلِيِّ ابنِ المَدِينِيِّ، وَالبُخَارِيِّ، وَأَبِي زُرْعَةَ، وَأَبِي حَاتِمٍ، وَالنَّسَائِيِّ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ، وَغَيرِهُمْ- اِعْتِبَارُ التَّرْجِيحِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالزِّيَادَةِ وَغَيرِهَا، وَلَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ قَبُولُ إِطْلَاقِ الزِّيَادَةِ» (١).

стр. 428

الَمطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ زِيَادَةِ الثِّقَةِ فِي المَتْنِ: معرفةُ الزِّياداتِ في المتونِ لهُ أهميَّةٌ عظيمةٌ عندَ المحدِّثينَ والفقهاءِ على حدٍّ سواءٍ، لما يترتَّبُ على ذلكَ منْ فوائدَ مهمَّةٍ في علمِ الحديثِ والفقهِ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «وَذَلِكَ فَنٌّ لَطِيفٌ، تُسْتَحْسَنُ العِنَايَةُ بِهِ» (١). وقدْ عُرفَ مُحدِّثُو الفقهاءِ بالعنايةِ بزياداتِ المتونِ، ومنْ أكثرِهِمْ عنايةً بهِ أبو داودَ في كتابِهِ السُّننِ، قالَ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ»: «هَذَا مِمَّا يَعِزُّ وُجُودُهُ، وَيَقِلُّ فِي أَهْلِ الصَّنْعَةِ مَنْ يَحْفَظُهُ، وَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرِ بنُ زِيَادٍ النَّيسَابُورِيُّ الفَقِيهُ بِبَغْدَادَ يُذْكَرُ بِذَلِكَ، وَأَبُو نُعَيمٍ عَبْدُ المَلِكِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَدِيٍّ الجُرْجَانِيُّ بِخُرَاسَانَ، وَبَعْدَهُمَا شَيخُنَا أَبُو الوَلِيدِ - يَعْنِي حَسَّانَ بنَ مُحَمَّدٍ القُرَشِيَّ -» (٢). والجمعُ والمقارنةُ بينَ المرويَّاتِ هوَ السَّبيلُ لمعرفةِ الزَّائدِ في المرويَّاتِ، قالَ ابنُ دقيقٍ العيدُ «ت ٧٠٢ هـ»: «عَلَى طَالِبِ التَّحْقِيقِ أَنْ يَجْمَعَ طُرُقَ الحَدِيثِ، وَيُحْصِيَ الأُمُورَ المَذْكُورَةَ فِيهِ، وَيَاخُذَ بِالزَّائِدِ فَالزَّائِدَ، فَإِنَّ الأَخْذَ بِالزَّائِدِ وَاجِبٌ» (٣). وقالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «المُتَعَيِّنُ عَلَى مَنْ يَتَكَلَّمُ عَلَى الأَحَادِيثِ أَنْ يَجْمَعَ طُرُقَهَا، ثُمَّ يَجْمَعَ أَلْفَاظَ المُتُونِ إِذَا صَحَّتِ الطُّرُقُ، وَيَشْرَحَهَا عَلَى أَنَّهَا حَدِيثٌ وَاحِدٌ، فَإِنَّ الحَدِيثَ أَولَى مَا فُسِّرَ بِالحَدِيثِ» (٤).

стр. 429

وبمَا أنَّ العمدةَ في قبولِ الزِّيادةِ منْ عدمِهِ للقرائنِ والمرجِّحاتِ، فالسَّبرَ هوَ الطَّريقُ لمعرفةِ كثيرٍ منَ القرائنِ والمرجِّحاتِ التي تُقوِّي ثبوتَ أو ردَّ الزِّيادةِ في الحديثِ، قالَ العلائيُّ «ت ٧٦١ هـ»: «وَوُجُوهُ التَّرجِيحِ كَثِيرَةٌ لَا تَنحَصِرُ وَلَا ضَابِطَ لَهَا بِالنِّسبَةِ إِلَى جَمِيعِ الأَحَادِيثِ، بَلْ كُلُّ حَدِيثٍ يَقُومُ بِهِ تَرجِيحٌ خَاصٌّ، وَإِنَّمَا يَنهَضُ بِذَلِكَ المُمَارِسُ الفَطِنُ الذِي أَكثَرَ مِنَ الطُّرُقِ وَالرِّوَايَاتِ» (١). ومنَ القرائنِ المرجِّحةِ لقبولِ زيادةِ الثِّقةِ: أولاً: المتابعةُ: بحيثُ يُتابَعُ صاحبُ الزِّيادةِ على زيادتِهِ، ممَّا يؤكِّدُ ثبوتَهَا، ويدفعُ عنهَا شبهةَ الانفرادِ، ومنْ بابِ أولى إذَا كانَ الرُّواةُ لهَا أكثرَ، وكذلكَ إذَا كانُوا متساويينَ، قالَ الصَّنعانيُّ «ت ١١٨٢ هـ»: «المُلَاحَظُ القَرَائِنُ، وَالكَثْرَةُ أَحَدُ القَرَائِنِ» (٢). مثالُ ذلكَ زيادةُ محمَّدِ بنِ عجلانَ «وإذَا قَرأَ فأنصتُوا» في حديثِ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤتَمَّ بِهِ»، قالَ أبو حاتمٍ «ت ٢٧٧ هـ»: «لَيسَتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ بِمَحْفُوظَةٍ، إِنَّمَا هِيَ مِنْ تَخَالِيطِ ابْنِ عَجْلَانَ» (٣). فردَّ عليهِ العينيُّ (٤) «ت ٨٥٥ هـ» بكلامٍ طويلٍ، وأدلَّةٍ كثيرةٍ نقتصرُ منهَا على ما يأتي: «أَمَّا ابْنُ عَجْلَانَ فَإِنَّهُ وَثَّقَهُ العِجْلِيُّ، وَفِي «الكَمَالِ»: ثِقَةٌ كَثِيرُ الحَدِيثِ، وَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ الجَمَاعَةُ

стр. 430

وَالبُخَارِيُّ مُسْتَشْهِدَاً، فَهَذَا زِيَادَةُ ثِقَةٍ فَتُقْبَلُ، وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَيهِمَا خَارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ وَيَحْيَى بنُ العَلَاءِ. وَأَمَّا أَبُو خَالِدٍ فَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ الجَمَاعَةُ، وَمَعَ هَذَا لَمْ يَنْفَرِدْ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ هَذَا الحَدِيثَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ ابنِ سَعْدٍ الأَنْصَارِيِّ، وَهُوَ ثِقَةٌ، وَقَدْ تَابَعَ ابْنَ سَعْدٍ هَذَا أَبُو خَالِدٍ، وَتَابَعَهُ أَيضَاً إِسْمَاعِيلُ بنُ أَبَّانَ … ، وَقَدْ صَحَّحَ مُسْلِمٌ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁» (١). وكذلكَ إذَا كانَ الرُّواةُ الذينَ لمْ يأتُوا بالزِّيادةِ منَ الكثرةِ بحيثُ يبعدُ على مثلِهِمْ احتمالُ نسيانِهِمْ أو عدمُ تنبُّهِهِمْ جميعاً لهذهِ الزِّيادةِ، فإنَّ ذلكَ يُشكِّلُ قرينةً يترجَّحُ معهَا ردُّ الزِّيادةِ أو التَّوقفُ عنْ قبولِهَا. قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «الزِّيَادَةُ مَتَى تَضَمَّنَتْ مُخَالَفَةَ الأَحْفَظِ أَوْ الأَكْثَرِ عَدَدَاً، كَانَتْ مَرْدُودَةً» (٢). ثانيَاً: الحفظُ: فإذَا كانتِ الزِّيادةُ من ثقةٍ تفرَّدَ بهَا تُقبلُ منهُ إذَا كانَ مِنَ الحفَّاظِ المبرِّزينَ (٣) قالَ مسلمٌ «ت ٢٦١ هـ»: «وَالزِّيَادَةُ فِي الأَخْبَارِ لَا تُلْزَمُ إِلَّا عَنِ الحُفَّاظِ الذِينَ لَمْ يُعْثُرْ عَلَيهِمُ الوَهْمُ فِي حِفْظِهِمْ» (٤). منْ ذلكَ: حديثُ سهلِ بنِ سعدٍ ﵁، أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ لبلالٍ ﵁: «إِذَا حَضَرَتْ صَلَاةُ العَصْرِ وَلَمْ آَتِكَ، فَمُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ».

стр. 431

قالَ البيهقيُّ «ت ٤٥٨ هـ»: «قَولُهُ «لِبَلَالٍ» فِي هَذَا الحَدِيثِ زِيَادَةٌ حَفِظَهَا حَمَّادُ بنُ زَيدٍ، وَالزِّيَادَةُ فِي مِثْلِهِ مَقْبُولَةٌ» (١). وقالَ ابنُ رجبٍ «ت ٧٩٥ هـ»: «وَإِنَّمَا تَصِحُّ إِذَا كَانَتِ الزِّيَادَةُ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَى حِفْظِهِ، مِثْلُ مَا رَوَى مَالِكُ بنُ أَنَسٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁، قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللهِ زَكَاةَ الفِطْرِ فِي رَمَضَانَ عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنَ المُسْلِمِينَ، صَاعَاً مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعَاً مِنْ شَعِيرٍ». فَزَادَ مَالِكٌ فِي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ المُسْلِمِينَ» (٢). ثالثاً: الاختصاصُ: أنْ يكونَ الرَّاوي منْ أوثقِ النَّاسِ في المرويِّ عنهُ، ولا بُدَّ في هذَا مِنْ معرفةِ مراتبِ الرُّواةِ في الحفظِ والإتقانِ، وأيُّهُمَا يُقبلُ ويُرجَّحُ على غيرِهِ عندَ الاختلافِ، قالَ الدَّارقطنيُّ «ت ٣٨٥ هـ»: «مَا جَاءَ بِلَفْظَةٍ زَائِدَةٍ، فَتُقْبَلُ تِلْكَ الزِّيَادَةُ مِنْ مُتْقِنٍ، وَيُحْكَمُ لِأَكْثَرِهِمْ حِفْظَاً وَثَبْتَاً عَلَى مَنْ دُونَهُ» (٣). قالَ الدُّكتورُ هُمامُ سعيد (٤): «فَحَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ أَوثَقُ النَّاسِ فِي ثَابِتٍ البُنَانِيِّ، فَالزِّيَادَةُ التِي يَنْفَرِدُ بِهَا فِي حَدِيثِ ثَابِتٍ مَقْبُولَةٌ، وَأَمَّا حَمَّادٌ فِي غَيرِ ثَابِتٍ فَفِي حِفْظِهِ نَظَرٌ، فَزِيَادَتُهُ فِي

стр. 432

غَيرِ ثَابِتٍ فِيهَا نَظَرٌ كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ كُلُّ رَاوٍ مِنَ الرُّوَاةِ فَإِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِرَجُلٍ يَرْوِي عَنْهُ فَيَضْبِطُ أَحَادِيثَهُ أَكْثَرَ مِنْ غَيرِهِ، فَزِيَادَةُ هَذَا الرَّاوِي مَقْبُولَةٌ» (١). وثمَّةُ قرائنُ أُخرى لقبولِ أو ردِّ الزِّيادةِ تخصُّ كلَّ حديثٍ بعينِهِ، ومدارُ معرفتِهَا على السَّبرِ وتتبُّعِ الطُّرقِ، كمَا تقدَّمَ كلامُ العلائيِّ في ذلكَ (٢). وإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ زيادةِ الثِّقةِ في المتنِ منْ خلالِ التَّطبيقِ الآتي: حديثُ أبي هريرةَ ﵁، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ». * الحديثُ أخرجَهُ مسلمٌ «ر ٢٧٩»، والنَّسائيُّ «ر ٦٦»، والبيهقيُّ «ر ٦١»، منْ طريقِ عليِّ ابنِ مُسهِرٍ، عنِ الأعمشِ، عنْ أبي رَزِينٍ وأبي صالحٍ، عنْ أبي هريرةَ ﵁، وفيهِ زيادةُ: «فَلْيُرِقْهُ». * وكذَا أخرجَهُ ابنُ خزيمةَ «ر ٩٨»، وأبو عوانةَ «ر ٥٣٧»، وابنُ حبَّانَ «ر ١٢٩٦»، والدَّارقطنيُّ «١/ ٦٤»، والبيهقيُّ «ر ٦١»، بالزِّيادةِ، لكنْ بلفظِ «فَلْيُهْرِقْهُ». * وأخرجَهُ منْ غيرِ هذهِ الزِّيادةِ: مسلمٌ «ر ٢٧٩» منْ طريقِ إسماعيلَ بنِ زكريَّا (٣)، عنِ الأعمشِ، عنْ أبي صالحٍ وأبي رزينٍ، عنْ أبي هريرةَ ﵁.

стр. 433

وتابعَهُ محمَّدُ بنُ خازمٍ (١) عندَ النَّسائيِّ «ر ٩٧٩٧»، وابنِ ماجةَ «ر ٣٦٣»، وابنِ حنبلٍ «ر ٩٤٧٩»، «ر ٧٤٤٠»، وابنِ أبي شيبةَ «ر ١٨٢٩»، وابنِ راهويهِ «ر ٢٥٧». وشعبةُ (٢) عندَ الطَّيالسيِّ «ر ٢٤١٧». وجريرُ بنُ عبدِ الحميدِ الضَّبيُّ (٣) عندَ ابنِ راهويهِ «ر ٢٥٦». وعبدُ الرَّحمنِ بنُ حميدٍ الرُّؤاسيُّ (٤) عندَ الطَّبرانيِّ في الصَّغيرِ «ر ٢٥٦». وعبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ (٥) عندَ الدَّارقطنيِّ «١/ ٦٣». قالَ النَّسائيُّ «ت ٣٠٣ هـ»: «لَا أَعْلَمُ أَحَدَاً تَابَعَ عَلِيَّ بنَ مُسْهِرٍ عَلَى قَولِهِ: «فَلْيُرْقِهِ»» (٦). وقالَ ابنُ مندةَ (٧) «ت ٣٩٥ هـ»: «وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ تَفَرَّدَ بِهَا عَلِيُّ بنُ مُسْهِرٍ، وَلَا تُعْرَفُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ» (٨).

стр. 434

وقالَ ابنُ عبدِ البرِّ «ت ٤٦٣ هـ»: «لَمْ يَذْكُرْهُ أَصْحَابُ الأَعْمَشِ الثِّقَاتُ الحُفَّاظُ، مِثْلُ شُعْبَةَ وَغَيرِهِ» (١). قالَ ابنُ الملقِّنِ «ت ٨٠٤ هـ» مُعقِّبَاً على كلامِ ابنِ مندةَ: «وَلَا يَضُرُّ تَفَرُّدُهُ لَهَا، فَإِنَّ عَلِيَّ بنَ مُسْهِرٍ إِمَامٌ حَافِظٌ، مُتَّفَقٌ عَلَى عَدَالَتِهِ وَالاِحْتِجَاجِ بِهِ» (٢). * * *

стр. 435

المَبْحَثُ الثَّانِي: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ الشَّاذِّ وَالمُنْكَرِ فِي المَتْنِ: تقدَّمَ الكلامُ في تعريفِ الحديثِ الشَّاذِّ والمنكرِ، وأثرِ السَّبرِ في معرفتِهِمَا سنداً (١)، وسآتي على معرفةِ الشَّاذِّ والمنكرِ في المتنِ، وتمييزِهِمَا عنِ المحفوظِ والمعروفِ متناً منْ خلالِ السَّبرِ، فقدْ يصحُّ السَّندُ، لكنْ يشذُّ المتنُ أو يُوصفُ بالنَّكارةِ، أو العكسُ، وقدْ يشذَّانِ أو يُوصفانِ بالنَّكارةِ معَاً. وإنَّمَا يُوصفُ المتنُ بالشُّذوذِ حينمَا يُخالفُ الثقةُ أو المقبولُ مَنْ هوَ أولى منهُ، قالَ الإمامُ الشَّافعيُّ «ت ٢٠٤ هـ»: «لَيسَ الشَّاذُّ مِنَ الحَدِيثِ أَنْ يَرْوِيَ الثَّقَةُ مَا لَا يَرْوِي غَيرُهُ، إِنَّمَا الشَّاذُّ: أَنْ يَرْوِيَ الثِّقَةُ حَدِيثَاً يُخَالِفُ مَا رَوَى النَّاسُ» (٢). ويكونُ ما رواهُ النَّاسُ محفوظَاً. وَبالنَّكارةِ حينمَا يُخالفُ الضَّعيفُ مَنْ هوَ أولى منهُ حفظَاً أو كثرةً، قالَ الإمامُ مسلمٌ «ت ٢٦١ هـ»: «وَعَلَامَةُ المُنْكَرِ فِي حَدِيثِ المُحَدِّثِ إِذَا مَا عُرِضَتْ رِوَايَتُهُ لِلحَدِيثِ عَلَى رِوَايَةِ غَيرِهِ مِنْ أَهْلِ الحِفْظِ وَالرِّضَا خَالَفَتْ رِوَايَتُهُ رِوَايَتَهُمْ أَوْ لَمْ تَكَدْ تُوَافِقُهَا» (٣). ويكونُ ما رواهُ أهلُ الحفظِ والرِّضَا معروفَاً. وأمَّا أثرُ السَّبرِ في معرفةِ الشَّاذِّ والمنكرِ متنَاً، فمَا ذكرناهُ في مبحثِ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ الشَّاذِّ والمنكرِ سندَاً ينطبقُ على المتنِ، وهوَ أنَّ نفيَ المتابعِ والشَّاهدِ في الشَّاذِّ والمنكرِ،

стр. 436

وزيادةَ الضَّبطِ أو كثرةَ العددِ في المحفوظِ والمعروفِ، وكذلكَ بيانَ المخالفةِ المرجوحةِ للشَّاذِّ والمنكرِ، والرَّاجحةِ للمحفوظِ والمعروفِ، تتمُّ منْ خلالِ السَّبرِ ومعارضةِ المرويَّاتِ بعضِهَا ببعضٍ. وتجدرُ الإشارةُ إلى أنَّ الشَّاذَّ كثيراً ما يشتبهُ بزياداتِ الثِّقاتِ، لأنَّهمَا يجتمعانِ في ثقةِ راويهِمَا، قالَ شيخُنَا نورُ الدِّينِ: «وَهَذَا النَّوعُ - أَي: الشَّاذُّ - دَقِيقٌ جِدَّاً، لِأَنَّهُ يَشْتَبِهُ كَثِيرَاً بِزَيَادَةِ الثِّقَةِ فِي السَّنَدِ أَوْ المَتْنِ، وَيَحْتَاجُ إِلَى نَظَرٍ دَقِيقٍ لِلْفَصْلِ بَينَهُمَا» (١). فالزِّيادةُ مِنَ الثِّقةِ إنْ كانتْ راجحةً بأنْ لمْ تكنْ مخالفةً ولا منافيةً لمَا رواهُ الثِّقاتُ، ولمْ يكنْ مَنْ لمْ يروِهَا أوثقَ أو أكثرَ عددَاً ممَّنْ رواهَا، كانتْ زيادةَ ثقةٍ، وإلَّا فزيادةً شاذةً مرجوحةً، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ» في تقسيمِهِ لزياداتِ الثِّقاتِ: «أَحَدُهَا: أَنَّهُ مُخَالِفٌ مُنَافٍ لِمَا رَوَاهُ سَائِرُ الثِّقَاتِ، فَهَذَا حُكْمُهُ الرَّدُّ كَمَا سَبَقَ فِي نَوعِ الشَّاذِّ» (٢). والفيصلُ بينَهُمَا للقرائنِ بعدَ السَّبرِ وجمعِ الطُّرقِ، ولا بدَّ مِنَ النَّظرِ في صنيعِ وأقوالِ المتقدِّمينَ مِنْ أئمَّةِ الحديثِ، فهمْ أهلُ هذِهِ الصَّنعةِ وصيارفتُهَا. وإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ الشَّاذِّ والمنكرِ متنَاً مِنْ خلالِ التَّطبيقينِ الآتيينِ: أَوَّلَاً: مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ الشَّاذِّ مَتْنَاً مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ: مثالُ ذلكَ: حديثُ أبي قتادةَ الأنصاريِّ ﵁، قالَ: «خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ زَمَنَ الْحُدَيبِيَةِ، فَأَحْرَمَ أَصْحَابِي وَلَمْ أُحْرِمْ، فَرَأَيتُ حِمَاراً فَحَمَلْتُ عَلَيهِ، فَاصْطَدْتُهُ،

стр. 437

فَذَكَرْتُ شَانَهُ لِرَسُولِ الله ﷺ ، وَذَكَرْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَحْرَمْتُ، وَإِنِّي إِنَّمَا اصْطَدْتُهُ لَكَ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ فَأَكَلُوا، وَلَمْ يَاكُلْ مِنْه حِينَ أَخْبَرْتُهُ أَنِّي اصْطَدْتُهُ لَهُ». مِنْ خلالِ السَّبرِ نجدُ أنَّ الحديثَ بهذَا اللفظِ أخرجَهُ ابنُ حنبلٍ «ر ٢٢٦٤٣»، وابنُ ماجةَ «ر ٣٠٩٣»، وابنُ خزيمةَ «ر ٢٦٤٢»، والدَّارقطنيُّ «ر ٢٤٨»، وعبدُ الرَّزَّاقِ «ر ٨٣٣٧»، والبيهقيُّ «ر ٩٧٠٠»، كلُّهُمْ مِنْ طريقِ مَعْمَرِ بنِ راشدٍ (١)، عنْ يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ أبي قتادةَ عنْ أبيهِ ﵁، وقدْ تفرَّدَ مَعمرٌ عنْ يحيى بزيادتَي «إِنَّمَا اصْطَدْتُهُ لَكَ» و «وَلَمْ يَاكُلْ مِنْه حِينَ أَخْبَرْتُهُ أَنِّي اصْطَدْتُهُ لَهُ». * وروى الحديثَ مِنْ غيرِ هاتينِ الزِّيادتينِ عَنْ يحيى بنِ أبي كثيرٍ ثقاتٌ، منهمْ: هشامٌ الدَّستوائيُّ (٢) كمَا في البخاريِّ «ر ١٧٢٥» ومسلمٍ «ر ١١٩٦» والنَّسائيِّ «ر ٢٨٢٤». وعليُّ بنُ المباركِ (٣) كمَا في البُخاريِّ «ر ٣٩١٨». ومعاويةُ بنُ سلامٍ (٤) كمَا في مسلمٍ «ر ١١٩٦» والنَّسائيِّ «ر ٢٨٢٥». وشيبانُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ (٥) كمَا في مسندِ أبي عَوانةَ «ر ٣٦٠٢». * كمَا تابعَ يحيى بنَ أبي كثيرٍ في روايتِهِ عنْ عبدِ اللهِ بنِ أبي قتادةَ جمعٌ مِنَ الرُّواةِ الثِّقاتِ منْ غيرِ ذكرِ هاتينِ الزِّيادتينِ، منهمْ:

стр. 438

عثمانُ بنُ مَوهَبٍ (١) كمَا في البخاريِّ «ر ١٧٢٨» ومسلمٍ «ر ١١٩٦». وسلمةُ بنُ دينارٍ (٢) كمَا في البخاريِّ «ر ٢٤٣١» والنَّسائيِّ «ر ٤٣٤٥». وعبدُ العزيزِ بنُ رُفيعٍ (٣) كمَا في صحيحِ ابنِ حبَّانَ «ر ٣٩٧٤» وسننِ البيهقيِّ «ر ٩٦٩٩». * ورُويَ الحديثُ مِنْ طرقٍ أُخرى عَنْ أبي قتادةَ، مِنْ غيرِ ذكرِ هاتينِ اللفظتينِ: فرواهُ نافعٌ مولى أبي قتادةَ (٤) كمَا في البخاريِّ «ر ١٧٢٧» ومسلمٍ «ر ١١٩٦». وأبو صالحٍ مولى التَّوأمةِ (٥) كمَا في البخاريِّ «ر ٥١٧٣». وعطاءُ بنُ يسارٍ (٦) كمَا في موطأِ مالكٍ «ر ٧٨٠» ومسندِ ابنِ حنبلٍ «ر ٢٢٦٢١». وغيرُهُمْ، مِنْ غيرِ ذكرِ هاتينِ الزِّيادتينِ، ممَّا يُؤكِّدُ شُذوذَ رِوايةِ مَعْمَرِ بنِ راشدٍ في هذَا الحديثِ. قالَ ابنُ خُزيمةَ (٧) «ت ٣١١ هـ»: «هَذِهِ الزِّيَادَةُ: «إِنَّمَا اصْطَدْتُهُ لَكَ»، وقولُهُ: «وَلمْ يَاكُلْ مِنْهُ حِينَ أَخْبَرْتُهُ أَنِّي اصْطَدْتُهُ لَكَ»، لَا أَعْلَمُ أَحَدَاً ذَكَرَهُ فِي خَبَرِ أَبِي قَتَادَةَ غَيرَ مَعْمَرٍ فِي هَذَا الإِسْنَادِ» (٨).

стр. 439

وقالَ البيهقيُّ «ت ٤٥٨ هـ»: «هَذِهِ لَفْظَةٌ غَرِيبَةُ لَمْ نَكْتُبْهَا إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَقَدْ رَوَينَا عَنْ أَبِي حَازِمٍ بنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ فِي هَذَا الحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَكَلَ مِنْهَا، وَتِلْكَ الرِّوَايَةُ أَودَعَهَا صَاحِبَا الصَّحِيحِ كِتَابَيهِمَا دُونَ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، وَإِنْ كَانَ الإِسْنَادَانِ صَحِيحَينِ» (١). ثَانِيَاً: مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ المُنْكَرِ مَتْنَاً مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ: مثالُ ذلكَ: حديثُ ابنِ عبَّاسٍ ﵁: «نَامَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ صَلَّى، وَرُبَّمَا قَالَ: اضْطَجَعَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى». فمنْ خلالِ السَّبرِ نجدُ أنَّ الحديثَ أخرجَهُ البُخاريُّ «ر ١٣٨»، ومُسلمٌ «ر ٧٦٣»، والنَّسائيُّ «ر ١١٢١»، وابنُ حنبلٍ «ر ٢٠٨٤»، وابنُ ماجةَ «ر ٤٧٥»، بهذَا اللفظِ أو قريبٍ منهُ. ورُويَ مِنْ طريقِ أبي خالدٍ الدَّالانيِّ (٢) عَنْ قتادةَ، بزيادَةِ: «إِنَّمَا الوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعَاً» (٣). كمَا في سننِ أبي داودَ «ر ٢٠٢»، والطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر ١٢٧٤٨»، والبيهقيِّ «ر ٥٩٢».

стр. 440

قالَ أبو داودَ «ت ٢٧٥ هـ»: «قَولُهُ: «الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا» هُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، لَمْ يَرْوِهِ إِلَّا يَزِيدُ أَبُو خَالِدٍ الدَّالَانِيُّ عَنْ قَتَادَةَ، وَرَوَى أَوَّلَهُ جَمَاعَةٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يَذْكُرُوا شَيئَاً مِنْ هَذَا» (١). وقالَ التِّرمذيُّ «ت ٢٧٩ هـ»: «سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بنَ إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيَّ عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، فَقَالَ: هَذَا لَا شَيء» (٢). وقالَ البيهقيُّ «ت ٤٥٨ هـ»: «تَفَرَّدَ بِهَذَا الحَدِيثِ عَلَى هَذَا الوَجْهِ يَزِيدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو خَالِدٍ الدَّالَانِيُّ، أَنْكَرَهُ عَلَيهِ جَمِيعُ الحُفَّاظِ، وَهُوَ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَينِ مِنْ حَدِيثِ الثَّورِيِّ دُونَ الزِّيَادَةِ التِي تَفَرَّدَ بِهَا أَبُو خَالِدٍ الدَّالَانِيُّ» (٣). وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ «ت ٤٦٣ هـ»: «وَهُوَ عِنْدَهُمْ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ قَتَادَةَ الثِّقَاتِ، وَإِنَّمَا انْفَرَدَ بِهِ أَبُو خَالِدٍ الدَّالَانِيُّ، وَأَنْكَرَهُ عَلَيهِ، وَلَيسَ بِحُجَّةٍ فِيمَا نَقَلَ» (٤). وهذهِ الزِّيادةُ بالإضافةِ إلى تفرُّدِ يزيدَ، فإنَّهَا تُعارضُ قولَ ابنِ عباسٍ ﵁: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مَحْفُوظَاً» (٥). وحديثَ عائشةَ ﵁: «تَنَامُ عَينَايَ، وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» (٦). * * *

стр. 441

المَبْحَثُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ الإِدْرَاجِ فِي المَتْنِ: المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ المُدْرَجِ مَتْنَاً: مرَّ معنَا تعريفُ المدرجِ لغةً، والمدرجِ في السَّندِ اصطلاحَاً، وقدْ عرَّفَ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» المدرجَ في المتنِ، فقالَ: «وَأَمَّا مُدْرَجُ المَتْنِ: فَهُوَ أَنْ يَقَعَ فِي المَتْنِ كَلَامٌ لَيسَ مِنْهُ، مِنْ غَيرِ فَصْلٍ» (١).

стр. 442

المَطْلَبُ الثَّاني: أَسْبَابُ وُقُوعِ الإِدْرَاجِ فِي المَتْنِ: تتعدَّدُ أسبابُ وقوعِ الإدراجِ وتختلفُ مِنْ شخصٍ لآخرَ، ومِنْ حديثٍ إلى حديثٍ، يمكنُ أنْ نُجملَهَا فيمَا يأتي (١): أولاً: تفسيرُ بعضِ الألفاظِ الغريبةِ الواردةِ في متنِ الحديثِ: مثالُهُ: ما وردَ مِنْ قولِ الزُّهريِّ مُفسِّراً لقولِ عائشةَ ﵁ في حديثِ بدءِ الوحيِ: «وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءَ، فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ». حيثُ قالَ الزُّهريُّ: «وَهُوَ التَّعَبُّدُ» (٢). مُدرِجَاً هذهِ اللفظةَ منْ غيرِ فصلٍ أو تمييزٍ. ثانياً: الاستدلالُ بحديثٍ مرفوعٍ لإثباتِ حكمٍ ما: مثالُهُ: حديثُ أبي هريرةَ ﵁: «أَسْبِغُوا الوُضُوءَ، وَيلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» (٣). فقولُهُ: «أَسْبِغُوا الوُضُوءَ» مُدرَجٌ مِنْ قولِ أبي هريرةَ ﵁، وقولُهُ: «وَيلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» منْ كلامِ النبيِّ ﷺ ، استدلَّ بهَا أبو هريرةَ على قولِهِ. ثالثاً: استنباطُ حكمٍ مِنْ كلامِ النَّبيِّ ﷺ : مثالُهُ: حديثُ بُسرَةَ بنتِ صفوانَ ﵁: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ أَوْ رِفْغَهُ أَوْ أُنْثَيَيهِ فَلْيَتَوَضَّا» (٤).

стр. 443

قالَ السُّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ»: «فَعُرْوَةُ لَمَّا فَهِمَ مِنْ لَفْظِ الخَبَرِ أَنَّ سَبَبَ نَقْضِ الوُضُوءِ مِظَنَّةُ الشَّهْوَةِ جَعَلَ حُكْمَ مَا قَرُبَ مِنَ الذَّكَرِ كَذَلِكَ، فَقَالَ ذَلِكَ فَظَنَّ بَعْضُ الرُّوَاةِ أَنَّهُ مِنْ صُلْبِ الخَبَرِ فَنَقَلَهُ مُدْرَجَاً فِيهِ، وَفَهِمَ الآَخَرُونَ الحَالَ فَفَصَّلُوا» (١). رابعاً: الخطأُ وقلَّةُ الضَّبطِ: وأمثلةُ هذَا النَّوعِ كثيرةٌ، فقلَّةُ الضَّبطِ مدعاةٌ لخلطِ الأحاديثِ ببعضِهَا، وإدراجِ ما ليسَ منهَا فيهَا، مِنْ غيرِ فصلٍ أو تمييزٍ.

стр. 444

المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَقْسَامُ الإِدْرَاجِ فِي المَتْنِ: ينقسمُ الإدراجُ في المتنِ إلى ثلاثةِ أقسامٍ، بحسبِ موضعِهِ: ١ - في أوَّلِ المتنِ: وهوَ نادرٌ جدَّاً، مثالُهُ: حديثُ أبي هُريرةَ ﵁ المتقدِّمُ: «أَسْبِغُوا الوُضُوءَ، وَيلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» (١). ٢ - في وسطِ المتنِ: وهوَ قليلٌ. مثالُهُ: حديثُ بُسرَةَ بنتِ صفوانَ ﵁، آنفِ الذِّكرِ. ٣ - في آخرِ المتنِ: وهوَ الأكثرُ. مثالُهُ: حديثُ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ﵁، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ علَّمَهُ التَّشهُّدَ في الصَّلاةِ … وفي آخرِهِ: «فَإِذَا قُلْتَ هَذَا فَقَدْ قَضَيتَ صَلَاتَكَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تَقُومَ قُمْ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَقْعُدَ فَاقْعُدْ» (٢). فهذَا القولُ مُدرجٌ منْ كلامِ ابنِ مسعودٍ ﵁ (٣).

стр. 445

المَطْلَبُ الرَّابِعُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ الإِدْرَاجِ فِي المَتْنِ: تقدَّمَ في مبحثِ «أثرُ السَّبرِ في معرفةِ المدرجِ سندَاً» أنَّهُ ثمَّةَ ترابطٌ قويٌّ بينَ المدرجِ متنَاً وسندَاً، بلْ قدْ رجَّحَ بعضُ العلماءِ أنَّ مُدرجَ السَّندِ مرجعُهُ في الحقيقةِ إلى مُدرجِ المتنِ، كمَا بيَّنَّا الطُّرقَ التي اعتمدَهَا العلماءُ لكشفِ الإدراجِ سواءٌ في السَّندِ أو المتنِ، ومنْ أخصِّهَا السَّبرُ وجمعُ الطُّرقِ فهوَ السَّبيلُ الذي يُفَصِّلُ أو يفصِلُ الزّيادةَ المدرجةَ، وما ذكرناهُ في ما يخصُّ السَّندَ ينطبقُ على المتنِ أيضَاً، ونفيدُ بشيءٍ ممَّا ذكرناهُ سابقَاً، معَ زيادةِ تفصيلٍ في معرفةِ المدرجِ متنَاً. وقدْ صنَّفَ السُّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ» كتابَهُ «المَدرجُ إلى المُدرجِ» مبيِّنَاً فيهِ الزِّياداتِ المدرجةَ في المتونِ، فقالَ في مقدِّمتِهِ: «اِقْتَصَرْتُ فِيهِ عَلَى مُدْرَجِ المَتْنِ دُونَ مُدْرَجِ الإِسْنَادِ، لِأَنَّ العِنَايَةَ بِتَمْيِيزِ كَلَامِ الرُّوَاةِ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ أَهَمُّ» (١). وقدْ اتَّبعَ السِّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ» في كتابِهِ هذا المنهجَ الذي اعتمدَهُ الخطيبُ وابنُ حجرٍ في الكشفِ عَنِ الإدراجِ، بإيرادِ رواياتِ الفصلِ ومعارضتِهَا برواياتِ الوصلِ، والتَّرجيحِ وفقَاً للقرائنِ والمقوِّياتِ، إلَّا أنَّهُ اعتمدَ الاختصارَ بالإشارةِ إلى مَنْ وصلَ ومنْ فصلَ فحسبُ مِنْ غيرِ تفصيلٍ. ويبقى أنْ نُبيِّنَ أنَّهُ منْ لوازمِ السَّبرِ للكشفِ عنِ الإدراجِ في المتنِ: التَّنبُّهُ إلى أنَّ الإدراجَ قدْ يشتبهُ بزاياداتِ الثِّقاتِ، لأنَّهُمَا يجتمعانِ في كونِهِمَا زيادةً في المتنِ إذا كان المُدْرِجُ ثقةً (٢)،

стр. 446

والعمدةُ في التَّفريقِ بينَهُمَا للدَّلائلِ والقرائنِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَفِي الجُمْلَةِ إِذَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى إِدْرَاجِ جُمْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ، بِحَيثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ ذَلِكَ فَسَوَاءٌ كَانَ فِي الأَوَّلِ أَوْ الوَسَطِ أَوْ الآَخِرِ، فَإِنَّ سَبَبَ ذَلِكَ الاِخْتِصَارُ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ بِحَذْفِ أَدَاةِ التَّفْسِيرِ، أَوْ التَّفْصِيلُ، فَيَجِيءُ مَنْ بَعْدَهُ فَيَرْوِيهِ مُدْمَجَاً مِنْ غَيرِ تَفْصِيلٍ، فَيَقَعُ ذَلِكَ» (١). ومِنَ الدَّلائلِ التي تَفْرِقُ زيادةَ الثِّقةِ عنْ الزِّيادةِ المدرجةِ ما يأتي (٢): أولاً: تصريحُ الرَّاوي بالإدراجِ: بأنْ تتواردَ طُرقُ الحديثِ على بيانِ أنَّ الزِّيادةَ المدرجَةَ مِنْ كلامِ الرَّاوي، وليستْ مِنْ كلامِ النَّبيِّ ﷺ ، مخالفينَ بذلكَ مَنْ رواهُ مُتَّصلاً مِنْ غيرِ فصلٍ للزِّيادةِ المُدرجةِ، كمَا في حديثِ أبي هُريرةَ ﵁ المتقدِّمِ: «أَسْبِغُوا الوُضُوءَ، وَيلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ». قالَ السُّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ»: «أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَةَ، وَهِمَ فِيهِ شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ وَأَبُو قَطَنٍ، وَالمَرْفُوعُ مِنْهُ «وَيلٌ … إِلَى آَخِرِهِ» وَصَدْرُهُ مُدْرَجٌ، كَذَا مَيَّزَهُ سَائِرُ الرُّوَاةِ، مِنْهُمْ: مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِهِ بِلَفْظِ: "كَانَ أَبُو هُرَيرَةَ ﵁ يَاتِي عَلَى النَّاسِ وَهُمْ يَتَوَضَّؤُونَ، فَيَقُولُ لَهُمْ: أَسْبِغُوا الوُضُوءَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا القَاسِمِ ﷺ يَقُولُ: «وَيلٌ لِلْاعَقَابِ مِنَ النَّارِ»» (٣). أو أنْ يُصرِّحَ الرَّاوي بأنَّ الزِّيادةَ مِنْ كلامِهِ لا مِنْ حديثِ رسولِ اللهِ ﷺ ، كحديثِ ابنِ مسعودٍ ﵁، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «مَنْ جَعَلَ للهِ نِدَّاً

стр. 447

جَعَلَهُ اللهُ فِي النَّارِ». ثمَّ قالَ ابنُ مسعودٍ ﵁: «وَأُخْرَى أَقُولُهَا لَمْ أَسْمَعْهَا مِنْهُ: مَنْ مَاتَ لَا يَجْعَلُ للهِ نِدَّاً أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ». وقدْ روى أحمدُ بنُ عبدِ الجبَّارِ العُطارديُّ الحديثَ كلِّهِ مِنْ غيرِ فصلٍ بينَ كلامِ النَّبيِّ ﷺ وقولِ ابنِ مسعودٍ ﵁ (١). وقدْ رُويَ مُفصَّلاً منْ طرقٍ أخرى. ثانياً: تنصيصُ الأئمَّةِ على ذلكَ: مثالُهُ: حديثُ البراءِ ﵁: «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ حِينَ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيهِ حَتَّى حَاذَى بِهِمَا إِلَى أُذُنَيهِ، ثُمَّ لَمْ يَعُدْ إِلَى شَيءٍ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ». قالَ السُّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ»: «قَولُهُ: "ثُمَّ لَمْ يَعُدْ" مُدْرَجٌ مِنْ زِيَادَةِ يَزِيدِ بنِ أَبِي زِيَادٍ، نَبَّهَ عَلَيهِ ابنُ عُيَينَةَ» (٢). ثَالِثَاً: أنْ يمتنعَ صُدورُ ذلكَ الكلامِ منَ النَّبيِّ ﷺ : فيدلُّ السِّياقُ على أنَّ اللَّفظةَ لا يُمكنُ أنْ تكونَ مِنْ قولِهِ ﷺ ، فغالبَاً ما تكونُ الزِّيادةُ المدرجةُ تفسيرَاً لغريبٍ، أو بيانَاً لحكمٍ شرعيٍّ، أو تعليلَاً لحكمٍ ضمنَ الحديثِ، والفيصلُ الرَّئيسُ ما بينَ زيادةِ الثِّقةِ والزِّيادةِ المدرجةِ هوَ أنَّ زيادةَ الثِّقةِ تكونُ يقينَاً مِنْ كلامِ النَّبيِّ ﷺ ، والزِّيادةُ المدرجةُ يترجَّحُ يقينَاً أنَّها مِنْ كلامِ الرُّواةِ. قالَ ابنُ القيِّمِ (٣) «ت ٧٥١ هـ»: «وَأَمَّا قَولُهُ: "فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ" فَهَذِهِ الزِّيَادَةُ مُدْرَجَةٌ فِي الحَدِيثِ مِنْ كَلَامِ أَبِي هُرَيرَةَ لَا مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ … قَالَ شَيخُنَا

стр. 448

- ابْنُ تَيمِيَّةَ -: "هَذِهِ اللَّفْظَةُ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَإِنَّ الغُرَّةَ لَا تَكُونُ فِي اليَدِ، وَلَا تَكُونُ إِلَّا فِي الوَجْهِ، وَإِطَالَتُهَا غَيرُ مُمْكِنَةٍ، إِذْ تَدْخُلُ فِي الرَّاسِ فَلَا تُسَمَّى تِلْكَ غُرَّةٌ"» (١). وكحديثِ أبي هُريرةَ ﵁، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «لِلْعَبْدِ المَمْلُوكِ أَجْرَانِ، وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَولَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالحَجُّ، وَبِرُّ أُمِّي، لَأَحْبَبْتُ أَنْ أَمُوتَ وَأَنَا مَمْلُوكٌ». فقولُهُ: «وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ … ». ممَّا تستحيلُ نسبتُهُ إلى النَّبيِّ ﷺ ، إِذْ لا يجوزُ في حقِّهِ أنْ يتمنَّى الرِّقَّ، ولَمْ تكنْ لَهُ أمٌّ يبرُّهَا، ومنْ خلالِ السَّبرِ وجمعِ الطُّرقِ تبينَ أنَّهُ منْ كلامِ أبي هُريرةَ ﵁ (٢). رابعاً: أنْ يُصرِّحَ بعضُ الرُّواةِ بتفصيلِ الزِّيادةِ المدرجةِ: مثالُهُ: حديثُ شعبةَ، عنْ أنسِ بنِ سيرينَ، أنَّهُ سمعَ ابنَ عمرَ ﵁ يقولُ: طلَّقتُ امرأتي وهيَ حائضٌ، فذكرَ عمرُ ﵁ ذلكَ للنَّبيِّ ﷺ ، فقالَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، فَإِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْهَا». قالَ: فتُحتسبُ بالتَّطليقةِ؟ قالَ: فَمَهْ. قالَ الخطيبُ «ت ٦٤٣ هـ»: «وَالصَّوَابُ: أَنَّ الاِسْتِفْهَامَ مِنْ قَولِ أَنَسِ بنِ سِيرِينَ، وَأَنَّ جَوَابَهُ مِنْ قَولِ ابنِ عُمَرَ ﵁» (٣). ومنْ خلالِ السَّبرِ فقدْ رواهُ جماعةٌ عنْ شعبةَ بنسبةِ السُّؤالِ إلى ابنِ سيرينَ، والجوابِ إلى ابنِ عمرَ ﵁ (٤). وسيأتي تفصيلُهُ في آخرِ هذَا المبحثِ.

стр. 449

فالسَّبرُ طريقٌ قويٌّ لبيانِ الإدراجِ في المتنِ، لكنْ لا بُدَّ معهُ مِنْ قرائنَ ودلائلَ تُقوِّي الظَّنَّ بكونِ الزِّيادةِ مُدرجَةً مِنْ كلامِ الرَّاوي، إذْ لا يعني خُلوُّ متنٍ مِنْ زيادةٍ ووجودُهَا في متنٍ آخرَ، كونَهَا مُدرجةً منْ كلامِ الرُّواةِ، بلْ قدْ تكونُ زيادةَ ثقةٍ، أو زيادةً شاذَّةً، أو منكرةً إذَا كانَ راويهَا ضعيفَاً. وكمَا أنَّ بيانَ الإدراجِ في الحديثِ يتمُّ منْ خلالِ الجمعِ والمقارنةِ بينَ المرويَّاتِ، كذلكَ نفيَ الإدراجِ عَنْ حديثٍ يكونُ أيضَاً مِنْ خلالِ السَّبرِ، بورودِهِ مِنْ طريقٍ أقوى تُبيِّنُ أنَّ الزِّيادةَ زيادةُ ثقةٍ، وليستْ مُدرجةً مِنْ كلامِ الرُّواةِ، مثالُهُ: حديثُ أمِّ قيسٍ بنتِ مِحْصَنٍ أنَّهَا أتتْ بابنٍ لهَا لمْ يبلغْ أنْ يأكلَ الطَّعامَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فبالَ في حجرِهِ فدعَا بماءٍ فنضحَهُ على بولِهِ ولمْ يغسلْهُ غَسْلاً. قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «فَائِدَةٌ: ادَّعَى الأَصِيلِيُّ أَنَّ قَولَهُ «وَلَمْ يَغْسِلْهُ» مُدْرَجٌ مِنْ قَولِ ابْنِ شِهَابٍ، وَفِي البَابِ: عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵁ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ، فَيَدْعُو لَهُمْ، فَأُتِيَ بِصَبِيٍّ فَبَالَ عَلَى ثَوبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ إِيَاهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، زَادَ مُسْلِمٌ: «وَلَمْ يَغْسِلْهُ»» (١). أو بورودِهِ منْ طريقٍ أُخرى تُبيِّنُ أنَّ اللَّفظةَ المدرجةَ لهَا أصلٌ ثابتٌ عنْ رسولِ اللهِ ﷺ ، فهيَ مُدرجَةٌ بالنِّسبةِ للطِّريقِ الأولى، ومُثبتَةٌ بالنِّسبةِ للطِّريقِ الثَّانيةِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى ﵁: «إِنَّ بَينَ يَدَي السَّاعَةِ أَيَّامَاً يُرْفَعُ فِيهَا العِلْمُ، وَيَظْهَرُ فِيهَا الهَرْجُ، وَالهَرْجُ: القَتْلُ». فَصَّلَهُ بَعْضُ الحُفَّاظِ مِنَ الرُّوَاةِ، وَبَيَّنَ أَنَّ

стр. 450

قَولَهُ: «وَالهَرْجُ: القَتْلُ»: مِنْ كَلَامِ أَبِي مُوسَى ﵁. وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ ثَبَتَ تَفْسِيرُهُ بِذَلِكَ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ مَرْفُوعَاً فِي حَدِيث سَالِمِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ ﵃، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁» (١). وفائدةُ هذَا حتَّى لا تُردَّ الزِّيادةُ بالجملةِ. وإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ المدرجِ في المتنِ مِنْ خلالِ التَّطبيقِ الآتي: حديثُ ابنِ عمرَ ﵁، أنَّهُ قالَ: طلَّقتُ امرأتي وهيَ حائضٌ، فذكرَ عمرُ ﵁ ذلكَ للنَّبيِّ ﷺ ، فقالَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، فَإِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْهَا». قالَ: فتُحتسبُ بالتَّطليقةِ؟ قالَ: فَمَهْ. أخرجَهُ هكذَا الخطيبُ في الفصلِ «ر ٧»، منْ طريقِ أحمدِ بنِ عبدِ الجبَّارِ العُطارديِّ (٢)، عنْ أبي بكرِ بنِ عيَّاشٍ، عنْ عاصمِ بنِ أبي النُّجودِ، عنْ زرِّ بنِ حُبيشٍ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ﵁، عنِ النَّبيِّ ﷺ . قالَ الخطيبُ «ت ٤٦٣ هـ»: «وَالصَّوَابُ: أَنَّ الاِسْتِفْهَامَ مِنْ قَولِ أَنَسِ بنِ سِيرِينَ، وَأَنَّ جَوَابَهُ مِنْ قَولِ ابنِ عُمَرَ». وقدْ بيَّنَ ذلكَ جماعةٌ مِنَ الرُّواةِ عنْ شعبةَ، منهُمْ:

стр. 451

سليمانُ بنُ حربٍ (١) عندَ البخاريِّ «ر ٤٩٤٥». ومُحمَّدُ بنُ جعفرٍ (٢) عندَ مسلمٍ «ر ١٤٧١»، والنَّسائيِّ «ر ٣٥٥٥»، وأبي عَوانةَ «ر ٤٥١٦». وخالدُ بنُ الحارثِ (٣) عندَ مسلمٍ «ر ١٤٧١». وبَهْزُ بنُ أسدٍ (٤) عندَ مسلمٍ «ر ١٤٧١»، وابنِ حنبلٍ «ر ٢٥٦٨». وعبدُ الرَّحمنِ بنُ مهديٍّ (٥) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ٥٢٦٨». ويزيدُ بنُ هارونَ (٦) في المنتقى لابنِ الجارودِ «ر ٧٣٥». وبشرُ بنُ عمرَ (٧) عندَ الدَّارقطنيِّ «٤/ ٥»، والتَّمهيدُ لابنِ عبدِ البرِّ «١٥/ ٦١». وحجَّاجُ بنُ منهالٍ (٨) عندَ البيهقيِّ «ر ١٤٦٩٨». وغيرُهُمْ.

стр. 452

كلُّ هؤلاءِ بيَّنُوا أنَّ الاستفهامَ منْ ابنِ سيرينَ، والجوابَ منْ ابنِ عمرَ ﵁، لا مِنْ كلامِ النَّبيِّ ﷺ (١). وفي خاتمةِ هذَا المبحثِ أُشيرُ إلى أنَّهُ قدْ يُلحظُ بعضُ التَّداخلِ والتَّكرارِ بينَ هذَا المبحثِ ومبحثِ «أثرُ السَّبرِ في معرفةِ المُدرجِ سندَاً» وهذَا عائدٌ إلى طبيعةِ ما ذكرناهُ منْ أنَّهُ لا يُمكنُ الكلامُ على مُدرجِ المتنِ بمعزلٍ عنْ مُدرجِ السَّندِ لتداخلُهِمَا وترابطُهِمَا. * * *

стр. 453

المَبْحَثُ الرَّابِعُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ الاِضْطِرَابِ فِي المَتْنِ: تقدَّمَ تعريفُ المضْطَربِ لغةً واصطلاحَاً، وحكمُهُ، وشروطُهُ، وأنَّهُ ينقسمُ إلى مضْطَربٍ سندَاً وهوَ الأغلبُ، ومُضْطَربٍ سندَاً ومتنَاً (١)، وبقيَ النَّوعُ الثَّالثُ: وهوَ المضْطَربُ متنَاً فقطْ - وهوَ نادرٌ - وهوَ ما جاءَ عنْ راوٍ واحدٍ أو عنْ عددٍ مِنَ الرُّواةِ بألفاظٍ يُعارضُ بعضُهَا بعضَاً، وتعذَّرَ الجمعُ أو التَّرجيحُ بينَهَا، أمَّا إذَا أمكنَ الجمعُ أو التَّرجيحُ فَلَا اضْطِرابَ حينئذٍ، وتكونُ الرِّوايةُ الرَّاجحةُ محفوظةً أو معروفةً، والمرجوحةُ شاذَّةً أو مُنكرةً، ويدخلُ في بابِ مُختلفِ الحديثِ أو مشكلِهِ. وقدْ تبيَّنَ أثرُ السَّبرِ في معرفةِ المضْطربِ سندَاً، وسندَاً ومتنَاً، وهوَ ينطبقُ على المضْطَربِ متنَاً، وقلَّ أنْ يُوجدَ مثالٌ مستقلٌّ للمضْطَربِ متنَاً إلَّا ويكونَ مُحتمِلَاً يزولُ بالجمعِ أو التَّرجيحِ أو يكونَ معَهُ اضْطرابٌ في السَّندِ، أو مُضعَّفٌ سندُهُ بغيرِ الاضطرابِ، ومثالُهُ: حديثُ عبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ ﵁، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قالَ: «مَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَينِ وَهُوَ جَالِسٌ». * الحديثُ أخرجَهُ بهذَا اللَّفظِ: ابنُ حنبلٍ «ر ١٧٤٧»، والنَّسائيُّ «ر ١٢٥١»، والطَّبريُّ في تهذيبِ الآثارِ «ر ٧٨»، وغيرُهُمْ منْ طريقِ رَوحِ بنِ عُبادةَ (٢)، عنِ ابنِ جُريجٍ، عنْ عبدِ اللهِ

стр. 454

ابنِ مُسافعٍ، عنْ مُصعبِ بنِ شيبةَ، عنْ عُقبةَ بنِ محمَّدِ بنِ الحرثِ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ ﵁، عنِ النَّبيِّ ﷺ (١). * وأخرجَهُ أبو داودَ «ر ١٠٣٣»، وابنُ حنبلٍ «ر ١٧٥٢»، والنَّسائيُّ «ر ١٢٥٠»، والبيهقيُّ «ر ٣٦٣٧»، منْ طريقِ حجَّاجِ بنِ محمَّدٍ الأعورِ (٢)، عنْ ابنِ جُريجٍ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ مُسافعٍ، عنْ مُصعبِ بنِ شيبةَ، عنْ عقبةَ بنِ محمَّدٍ بنِ الحرثِ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ ﵁، عنِ النَّبيِّ ﷺ . * والنَّسائيُّ «ر ١٢٤٩» إنَّمَا أخرجَهُ منْ طريقِ حجَّاجٍ ورَوحٍ مقرونينَ، عنِ ابنِ جُريجٍ … ثمَّ قالَ النَّسائيُّ «ت ٢٧٩ هـ»: «قالَ حجَّاجٌ: «بَعْدَمَا يُسَلِّمْ»، وقالَ رَوحٌ: «وَهُوَ جَالِسٌ»». وقولُهُ: «وَهُوَ جَالِسٌ». يُفيدُ أنَّهُ قَبْلَ التَّسليمِ، والأُخرى «بَعْدَمَا يُسَلِّمُ». تُبيِّنُ أنَّهُ بعدَ التَّسليمِ، وهوَ تعارضٌ بيِّنٌ، لا يُمكنُ الجمعُ بينَهُمَا لتضَادِّهمَا، ولا التَّرجيحُ لثقةِ راويهِمَا. وبمَا أنَّ شرطَ الاضْطِرابِ التَّساوي، فإنَّ أحدَ القرائنِ المرجِّحةِ لنفيِ الاضْطرابِ كثرةُ العددِ وتواردُ الرُّواةِ على روايةٍ، وكذلكَ إمكانيةُ الجمعِ بينَهُمَا، فقدْ ردَّ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» دعوى بعضِ الحنفيَّةِ اضْطرابَ حديثِ «تحريمِ المدينةِ»، بقرينةِ إمكانِ الجمعِ وتواردِ الرُّواةِ على روايةِ «ما بينَ لابتَيهَا».

стр. 455

فقالَ: «اِدَّعَى بَعْضُ الحَنَفِيَّةِ أَنَّ الحَدِيثَ مُضْطَرِبٌ، لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ: «مَا بَينَ جَبَلَيهَا» وَفِي رِوَايَةٍ: «مَا بَينَ لَابَتَيهَا» وَفِي رِوَايَةٍ: «مَازِمَيهَا» وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الجَمَعَ بَينَهُمَا وَاضِحٌ، وَبِمِثْلِ هَذَا لَا تُرَدُّ الأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ، فَإِنَّ الجَمْعَ لَو تَعَذَّرَ أَمْكَنَ التَّرْجِيحُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ رِوَايَةَ «مَا بَينَ لَابَتَيهَا» أَرْجَحُ لِتَوَارُدِ الرُّوَاةِ عَلَيهَا، وَرِوَايَةُ «جَبَلَيهَا» لَا تُنَافِيهَا» (١). * * *

стр. 456

المَبْحَثُ الخَامِسُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ القَلْبِ فِي المَتْنِ: تقدَّمَ الكلامُ على تعريفِ القلبِ وأقسامِهِ سندَاً (١)، ونتكلَّمُ هنَا على النَّوعِ الثَّاني منْ أنواعِ القلبِ بحسبِ موضعِهِ: القلبُ في المتنَ: وهوَ أنْ تُوضعَ لفظةٌ أو جملةٌ موضعَ لفظةٍ أو جملةٍ منْ متنِ الحديثِ. وقدْ ذكرَ اللَّكنويُّ «ت ١٣٠٤ هـ» طُرقَ الكشفِ عنِ القلبِ في المتنِ، فقالَ: «القَلْبُ قَدْ يَشْهَدُ لَهُ نَفْسُ عِبَارَةِ الرِّوَايَةِ، وَقَدْ لَا يَشْهَدُ لَهُ نَفْسُ المَتْنِ، بَلْ يُعْرَفُ ذَلِكَ لِمُخَالَفِتِهِ لِلْمُعْتَادِ وَالمَعْقُولِ وَالأَمْرِ الوَاقِعِيِّ المَنْقُولِ، وَمُخَالَفَتِهِ لِأَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ مِنَ الثِّقَاتِ الأَثْبَاتِ» (٢). وفي بيانِهِ ثلاثةُ طُرقٍ لمعرفتِهِ: الأوَّلُ: دلالةُ السِّياقِ على أنَّ الحديثَ مقلوبٌ: كحديثِ أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكُ كَمَا يَبْرُكُ البَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيهِ قَبْلَ رُكْبَتَيهِ» (٣). قالَ ابنُ القيِّمِ «ت ٧٥١ هـ»: «وَهُوَ مِمَّا انْقَلَبَ عَلَى بَعْضِ الرُّوَاةِ مَتْنُهُ وَأَصْلُهُ، وَلَعَلَّهُ: «وَلْيَضَعْ رُكْبَتَيهِ قَبْلَ يَدَيهِ»» (٤).

стр. 457

وقالَ أيضَاً: «فَإِنَّ أَوَّلَهُ يُخَالِفُ آَخِرَهُ، فَإِنَّهُ إِذَا وَضَعَ يَدَيهِ قَبْلَ رُكْبَتَيهِ فَقَدْ بَرَكَ كَمَا يَبْرُكُ البَعِيرُ، فَإِنَّ البَعِيرَ إِنَّمَا يَضَعُ يَدَيهِ أَوَّلَاً» (١). وقدْ وردَ مِنْ طرقٍ كثيرةٍ تُؤيِّدُ ذلكَ (٢). الثَّاني: مُخالفةُ النَّصِّ للمعتادِ والأمرِ الواقعيِّ والمنقولِ: كحديثِ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَومَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ». فقدْ جاءَ في روايةِ مسلمٍ: «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ» (٣). والسُّنَّةُ والمعلومُ والواقعُ أنَّ الإنفاقَ يُضافُ لليمينِ لا للشِّمالِ، وقدْ جاءَتِ الرِّواياتُ تعضدُ ذلكَ، فالحديثُ مرويٌّ في البخاريِّ وغيرِهِ منْ طُرقٍ بلفظِ: «حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» (٤). الثَّالثُ: السَّبرُ وجمعُ الطُّرقِ: وهوَ القاعدةُ الرَّئيسةُ التي ترتكزُ عليهَا معرفةُ المقلوبِ في المتنِ، وذلكَ بمخالفةِ الرِّوايةِ لأكثرِ الرِّواياتِ منَ الثِّقاتِ، والطريقانِ الأوَّلانِ - بالإضافةِ إلى كونِهِمَا مِنَ الطُّرقِ المعتمدةِ في معرفةِ القلبِ في المتنِ - همَا مِنَ القرائنِ التي تُقوِّي نتيجةَ السَّبرِ، قالَ الزَّركشيُّ «ت ٧٩٤ هـ»: «تَقُومُ عِنْدَ المُحَدِّثِينَ قَرَائِنُ وَظُنُونٌ يَحْكُمُونَ بِهَا عَلَى الحَدِيثِ بِأَنَّهُ مَقْلُوبٌ» (٥). وصنيعُ المحدِّثينَ في كُتبِ العللِ والشُّروحِ وغيرِهَا مِنْ كتبِ الحديثِ قائمٌ على ذلكَ إذْ يسوقونَ الرِّوايةَ المقلوبةَ، ثمَّ يُبيِّنونَ وجهَ القلبِ بإيرادِ الرِّواياتِ الصَّحيحةِ، ويدعمونَ قولهمْ بمثلِ هذهِ القرائنِ والدَّلالاتِ، ومثالُ ذلكَ:

стр. 458

حديثُ ابنِ عمرَ ﵁، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ». * الحديثُ أخرجَهُ بهذَا اللفظِ: الطَّيالسيُّ «ر ١٦٦١»، والبيهقيُّ «ر ١٦٦٦»، منْ طريقِ شعبةَ (١)، عنْ خُبيبِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عنْ أُنَيسةَ، مرفوعاً. * وأخرجَهُ ابنُ حنبلٍ «ر ٢٧٤٨٠»، والنَّسائيُّ «ر ٦٤٠»، وابنُ حبَّانَ «ر ٣٤٧٤»، منْ طريقِ منصورِ بنِ زادانَ (٢)، عنْ خُبيبِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عنْ أُنيسةَ، بلفظِ: «إِذَا أَذَّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا، وَإِذَا أَذَّنَ بِلَالٌ فَلَا تَاكُلُوا وَلَا تَشْرَبُوا». وتابعَهُ شعبةُ عندَ البيهقيِّ «ر ١٦٦٧». * وأخرجَهُ ابنُ خُزيمةَ «ر ٤٠٥»، والطَّبرانيُّ في الكبيرِ «ر ٤٨١»، على الشَّكِّ، بلفظِ: «حَتَّى يُؤَذِّنَ بِلَالٌ أَوْ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ». منْ طريقِ شعبةَ، عنْ خُبيبِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عنْ أُنيسةَ. والصَّحيحُ هوَ اللفظُ الأوَّلُ، واللفظُ الثَّاني انقلبَ على بعضِ رُواتِهِ. يُؤيِّدُ ذلكَ روايةُ شعبةَ للحديثِ على الوجهينِ، ومرَّةً على الشَّكِّ، كمَا رُويَ باللَّفظِ الأوَّلِ منْ حديثِ ابنِ عمرَ ﵁ عندَ البخاريِّ «ر ٥٩٢»، ومسلمٍ «ر ١٠٩٢»، وغيرِهِمْ … ، ومنْ حديثِ عائشةَ ﵁ ا عندَ البُخاريِّ «ر ٥٩٧»، ومسلمٍ «ر ١٠٩٢».

стр. 459

قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «فَهُوَ مَقْلُوبٌ، إِذِ الصَّحِيحُ فِي لَفْظِهِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ بِلَالاً يُؤَذِّنُ بِلَيلٍ … الحَدِيثُ. وَكَذَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁، وَلَمْ يَرْتَضِ البَلْقِينِيُّ جَمْعَ ابْنِ خُزَيمَةَ بَينَهُمَا بِتَجْوِيزِ أَنْ يَكُونَ جَعَلَ آَذَانَ اللَّيلِ نَوبَاً بَينَهُمَا، فَجَاءَ الخَبَرَانِ عَلَى حَسَبِ الحَالَينِ، وَإِنْ تَابَعَهُ ابْنُ حِبَّانَ عَلَيهِ، بَلْ بَالَغَ فَجَزَمَ بِهِ. وَقَالَ البَلْقِينِيُّ: إِنَّهُ بَعِيدٌ، وَلَو فَتَحْنَا بَابَ التَّاوِيلِ لَانْدَفَعَ كَثِيرٌ مِنْ عِلَلِ المُحَدِّثِينَ، وَأَمَّا شَيخُنَا فَمَالَ إِلَى ضَعْفِ رِوَايَةِ القَلْبِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: المَحْفُوظُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ وَهُوَ الصَّوَابُ» (١). * * *

стр. 460

المَبْحَثُ السَّادِسُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ المبهمِ فِي المَتْنِ: تقدَّمَ الكلامُ على تعريفِ المبهمِ، وأنَّهُ ينقسمُ إلى قسمينِ (١): مبهمٌ في الإسنادِ، ومبهمٌ في المتنِ، والأصلُ في معرفتِهِ: قولُ ابنِ عبَّاسٍ ﵁: «طَلَبْتُ اسْمَ رَجُلٍ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، حَتَّى وَقَفْتُ عَلَيهِ، وَهُوَ اسْمُ الذِي خَرَجَ مِنْ بَيتِهِ مُهَاجِرَاً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، يُقَالُ: إِنَّهُ ضَمْرَةُ بنُ العِيصِ» (٢).
следующие страницы →