← Акыда

Акыда · id 11183

دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية

سعود بن عبد العزيز الخلف

Полный текст (361 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

المبحث الثاني: التلمود أولاً: تعريفه: التلمود هو: تعليم ديانة وأداب اليهود وهو يتكون من جزئين: متن: ويسمى المشناه: بمعنى المعرفة أو الشريعة المكررة. شرح: ويسمى جمارا: ومعناه الإكمال. ثانياً: تدوين التلمود: التلمود هو القانون أو الشريعة الشفهية التي كان يتناقلها الحاخامات الفريسيون من اليهود سراً جيلاً بعد جيل. ثم إنهم لخوفهم عليها من الضياع دونوها، وكان تدوينها في القرنين الأول والثاني بعد الميلاد، وأطلق عليها اسم "المشناه". ثم شرحت فيما بعد هذه المشناه وسمي الشرح " جمارا "وأُلِّفَتْ هذه الشروح في فترة طويلة امتدت من القرن الثاني بعد الميلاد إلى أواخر السادس بعد الميلاد. وتعاقب على الشرح حاخامات بابل، وحاخامات فلسطين، ثم سمي المتن وهو المشناه مع الشرح وهي جمار " التلمود" وما كان عليه تعليقات وشرح حاخامات بابل سمي تلمود بابل،

стр. 107

وما كان عليه شروح حاخامات فلسطين سمي تلمود فلسطين ١. ثالثاً: تقديس اليهود له: التلمود يقدسه ويعظمه الفريسيون من اليهود، وباقي الفرق تنكره وكما تقدم في تدوينه فإن الحاخامات الفريسين هم الذين دونوه وتناقلوه، والفريسيون هم أكثر فرق اليهود في الماضي والحاضر، وهم يرون أن التلمود له قدسية وأنه من عند الله بل يرون أنه أقدس من التوراة. فيقولون فيه: "إن من درس التوراة فعل فضيلة لا يستحق المكافأة عليها ومن درس المشناه فعل فضيلة يستحق المكافأة عليها ومن درس الجمارة فعل أعظم فضيلة " ٢. فالتلمود على هذا هو كتاب مقدس عندهم، وله أثر كبير في نفسية اليهود المفسدة الفاسدة. رابعاً: مبادؤه وخطرها على غير اليهود: التلمود له مبادئ فاسدة وخطره، نذكر بعضاً منها لتتضح نظرة اليهود إلى أنفسهم وإلى غيرهم، فمن مبادئه: ١ - كلامهم عن الله : وصف اليهود الله بصفات النقص تعالى الله عن قولهم. فمن ذلك زعمهم أن الله شغله هو تعلم التلمود مع الملائكة

стр. 108

واللعب مع الحوت وأنه جل وعلا يبكي لأجل ما حل باليهود من التعاسة١ ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ الأنعام (١٣٩) . ٢ - كلامهم عن أنفسهم: يزعم اليهود أن أرواحهم جزء من الله٢،وأنهم عند الله أرفع من الملائكة، وأن من يضرب يهودياً فكأنما ضرب العزة الإلهية٣، وأنهم مسلطون على أموال باقي الأمم ونفوسهم، لأنها في الواقع أموال اليهود، فإذا استرد الإنسان ماله فلا لوم عليه٤وأن الناس إنما خلقوا لأجلهم ولخدمتهم٥، ولليهودي إذا عجز عن مقاومة الشهوات أن يسلم نفسه إليها ٦، وأن الجنة لا يدخلها إلاَّ اليهود٧. ٣ - موقفهم من غيرهم: أن أرواح غير اليهود أرواح شيطانية، وشبيهة بأرواح الحيوانات٨، وأنهم مثل

стр. 109

الكلاب والحمير، وإنما خلقوا على هيئة الإنسان حتى يكونوا لائقين بخدمة اليهود ١. لا يجوز لليهودي أن يشفق على غير اليهودي ولا أن يرحمه ولا يعينه بل إذا وجده واقعاً في حفرة سدها عليه ٢، ويحرم على اليهودي أن يرد لغير اليهود ما فقد منهم ٣،ويحرم على اليهودي أن يقرض غير اليهودي إلاَّ بالربا، وزعموا أن الله أمرهم بذلك ٤، والزنا بغير اليهودي ذكوراً أو إناثاً جائز ولا عقاب عليه، وعلى اليهودي أن يسعى إلى قتل الصالحين من غير اليهود ٥. إن الجحيم مأوى جميع الناس غير اليهود، وأنه أوسع من الجنة بستين مرة٦.افتراؤهم على المسيح ﵇ وأمه مريم وقولهم عليها بهتاناً عظيماً ٧. هذه بعض مبادئ التلمود، وهي تصور لناظره والمطلع عليه خطورة هذه التعاليم وأن لها أثراً واضحاً في اليهود السابقين واللاحقين، حيث جعلتهم بحق أعداء الإنسانية وأعداء الفضيلة والخير والتسامح، وأعداء الأديان، والمتقربين إلى الله بالفساد والفجور والإفساد في الأرض والقتل،

стр. 110

سواءٌ في ذلك بإزهاق الروح، أو بإزهاق الخلق والدين في نفوس أصحابه، فهم المتربصون بالبشرية والناظرون إليها بعين الحقد، والحسد، والتكبر والتجبر، يستغلون كل مناسبة لصالحهم، ويحاولون أن يزيدوا من وقع المصيبة على المنكوبين والموتورين. وإذا لم ينتبه المسلمون ويعوا هذه الحقائق ويتعرفوا على هذه النفسيات المنحرفة، فيعتصموا بالله ويعاملوا أعداءه بما يستحقون فسيفيقون على سيطرة اليهود عليهم وتحكمهم بهم وحرفهم عن ما تبقى لهم من دينهم، ويفعلون بهم ما فعلوا بالعالم الأوربي والأمريكي وغيرهم من الدول التي سيطروا على حكوماتها، ثم سيطروا بالتالي على شعوبها، فنشروا كل رذيلة وخلق منحط، وأزالوا كل هيمنة للدين على النفوس بنشر الإلحاد ومحاربة الفضيلة، فحققوا بذلك مآربهم المادية التي في الواقع مطلبهم الأول والأخير، واليهود لا زالوا لم يستطيعوا أن يظهروا سيطرتهم الفعلية باسمهم وبالشخصية الحقيقة لهم إذ يحكمون من وراء ستار، فهل يكشفوا عن أنفسهم أم يكتفوا بما حققوا من مكاسب مادية وإشباع لرغبتهم في الفساد والإفساد؟ ولا بد أن يعلم أن راية الباطل لا ترتفع ولا تظهر إلا في رقدة الحق وغفلة أهله، ومتى أفاق أهل الحق فلن يكون للباطل صولة ولا جولة. والله نسأل أن يلهم المسلمين الرجوع إلى دينه، وأن يعتز أهل الإسلام بإسلامهم فيعرفوا حقيقته وقيمته، فينشطوا في الدعوة إليه ليخرجوا بذلك الناس من الظلمات إلى النور. والله غالب على أمره ولو كره المشركون.

стр. 111

المبحث الثالث: بروتوكولات حكماء صهيون البروتوكولات لا تعتبر من المصادر الدينية لدى اليهود، وإنما هي نتاج التحريف الموجود في التوراة، والأكاذيب والضلالات الموجودة في التلمود، وهي تعتبر مخطط تطبيقي لأهداف صهاينة اليهود. أولاً: تعريفها: البروتوكولات: جمع واحده بروتوكول، وهو كلمة إنجليزية معناه: محضر مؤتمر، مسودة أصلية - ملحق معاهدة - الخ. والمراد بـ " بروتوكولات حكماء صهيون": وثائق محاضرة ألقاها زعيم صهيوني على مجموعة من الصهاينة ليستأنسوا بها، ويسيروا عليها في إخضاعهم للعالم والسيطرة عليه. ثانياً: ظروف تدوينها: الذي يظهر أن هذه الوثائق (البروتوكولات) عرضت على زعماء الصهاينة في المؤتمر الذي عقد في مدينة بال في سويسرا سنة (١٨٩٧م) وكان قد حضر هذا المؤتمر نحو ثلاثمائة من أعتى الصهاينة يمثلون خمسين جمعية يهودية، ولا يعرف لها كاتب معين. ثالثاً: الغرض منها: هو اطلاع الصهاينة على الخطة التي يستعبدون بها العالم، ثم كيف يحكمونه إذا وقع تحت سيطرتهم.

стр. 112

رابعاً: إكتشاف هذه الوثائق وانتشارها: اكتشفت هذه الوثائق (البروتوكولات) في سنة (١٩٠١م) وذلك أن امرأة فرنسية اطلعت على هذه الوثائق أثناء اجتماعها بزعيم من أكابر رؤساء الصهاينة في وكر من أوكار الماسونية السرية في باريس، فاستطاعت هذه المرأة أن تختلس بعض هذه الوثائق ثم تفر بها- وهي الموجودة الآن بين أيدينا. ووصلت هذه الوثائق إلى " أليكس نيقولا فيتش " - كبير أعيان روسيا الشرقية في عهد القيصرية - وكانت روسيا في ذلك الوقت تشهد حملات شديدة على اليهود بسبب فسادهم ومؤامراتهم. فلما رآها هذا الرجل أدرك خطورتها على بلاده وعلى العالم أجمع، فدفعها إلى صديق له أديب روسي اسمه " سرجي نيلوس " فدرسها وتبين خطورتها فترجمها إلى اللغة الروسية، وقدم لها بمقدمة تنبأ فيها بسقوط روسيا القيصرية بيد الشيوعية الفوضوية، وحكمها حكماً إستبدادياً، واتخاذها مقراً لنشر القلاقل والمؤامرات في العالم. وكذلك سقوط الخلافة الإسلامية، وتأسيس دولة إسرائيل في فلسطين وسقوط الملكيات في أوربا، وإثارة حروب عالمية يهلك فيها الطرفان ولا يستفيد منها سوى اليهود. وكذلك نشر الأزمات الاقتصادية، وبنيان الاقتصاد على أساس الذهب الذي يحتكره اليهود. وغير ذلك. فطبع الكتاب لأول مرة في سنة (١٩٠٢م) باللغة الروسية نسخاً قليلة، فلما رآها اليهود جن جنونهم، وحملوا ضد الكتاب حملات مسعورة

стр. 113

يتنصلون من الكتاب، لكن الواقع كان يؤكد أن نسبة الكتاب إليهم صحيحة، وحملت عليهم روسيا القيصرية بسببه حملة شديدة حتى قتل منهم في إحدى المذابح عشرة آلاف. وطبع الكتاب مرة أخرى في سنة (١٩٠٥م) ونفدت هذه الطبعة بسرعة غريبة ووسائل خفية، لأن اليهود جمعوا النسخ من الأسواق وأحرقوها. وطبع أيضاً سنة (١٩١١م) فنفدت نسخه على النحو السابق. وطبع سنة (١٩١٧م) فصادره الشيوعيون لأنهم كانوا قد استلموا زمام الحكم في روسيا وأسقطوا الدولة القيصرية. وكانت نسخة من الطبعة الروسية سنة (١٩٠٥م) وصلت إلى المتحف البريطاني في لندن وختم عليها بخاتمه سنة (١٩٠٦م) . وبقيت النسخة مهملة حتى قيام الانقلاب الشيوعي في روسيا سنة (١٩١٧م) فطلبت جريدة" المورننغ بوست" من مراسلها "فكتور مادسون" أن يوافيها بأخبار الانقلاب، فقام بالإطلاع على عدة كتب روسية، وكان من بينها كتاب "البروتوكولات" الذي بالمتحف. فحين رآه قدر خطره ورأى نبوءة ناشره بوقوع القيصرية بيد الشيوعيين، فعكف على ترجمته إلى الإنجليزية ثم نشره باللغة الإنجليزية، وطبع خمس مرات كان آخرها سنة (١٩٢١م) ثم لم يجرؤ ناشر في بريطانيا وأمريكا على نشره. ومع محاولات اليهود احتواء الكتاب إلا أنه طبع بلغات كثيرة منها الألمانية، والفرنسية، والإيطالية، والبولونية. ومن طبعة (١٩٢١م) الإنجليزية ترجم الكتاب لأول مرة إلى العربية

стр. 114

وطبع سنة (١٩٥١م) على يد مترجمه الأستاذ "محمد خليفة التونسي" وقد قدم له بمقدمة شرح بها تاريخ الكتاب وذكر شيئاً من حال اليهود وحالهم المعاصر وتغلغلهم في كثير من الدول ١. خامساً: بعض عناصر المؤامرة الصهيونية: (١) أن اليهود منذ قرون وهم يحوكون خطة للإستيلاء على العالم وكان ينقح هذه الخطة كبراؤهم طوراً طوراً حسب الأحوال. (٢) يسعى اليهود لهدم الحكومات في كل الأقطار والاستعاضة عنها بحكومة ملكية استبدادية يهودية، ويهيئون كل الوسائل لهدم الحكومات لا سيما الملكية، ومن هذه الوسائل: -إغراء الملوك باضطهاد الشعوب وإغراء الشعوب بالتمرد على الملوك مستعينين على ذلك بنشر دعوى الحرية والمساواة ونحوها، مع تفسيرها تفسيراً خاصاً يؤذي الجانبين، مع محاولة إبقاء كل من قوة الحكومة وقوة الشعب متعاديتين، وإفساد الحكام وزعماء الشعوب، ومحاربة كل ذكاء يظهر بين الأمميين (غير اليهود) مع الاستعانة على تحقيق ذلك كله بالنساء والمال والمناصب والمكايد، وما إلى ذلك من وسائل الفتنة. ٣-إلقاء بذور الخلاف والشغب في كل الدول عن طريق الجمعيات السريَّة، السياسية، والدينية، والفنيَّة، والرياضية، والمحافل الماسونية، والأندية على اختلاف نشاطها.

стр. 115

٤-إن حكومات العالم الحالية فاسدة فيجب زيادة فسادها إلى أن يحين الوقت لقيام المملكة اليهودية على العالم التي سيكون مقرها في أورشليم، ثم تنتقل إلى روما وتستقر فيها إلى الأبد. ٥-يجب أن توضع تحت أيدي اليهود كل وسائل الطبع، والنشر والصحافة، والمدارس، والجامعات، والمسارح، وشركات السينما، ودورها والعلوم، والقوانين، والمضاربات، وغيرها حتى يتمكنوا من نشر أفكارهم ومبادئهم. ٦-إن الذهب الذي يحتكره اليهود هو أقوى الأسلحة لإثارة الرأي العام، وإفساد الشباب، والقضاء على الضمائر والأديان، والقوميات، ونظام الأسرة، وإغراء الناس بالشهوات البهيمية الضارة، وإشاعة الرذيلة والانحلال، حتى تستنزف قوى الأمميين استنزافاً فلا تجد مفراً من القذف بأنفسها تحت أقدام اليهود. ٧-وضع أسس الاقتصاد العالمي على أساس الذهب الذي يحتكره اليهود، لا على أساس قوة العمل والإنتاج والثروات الأخرى، مع إحداث الأزمات الاقتصادية العالمية على الدوام، كي لا يستريح العالم أبداً فيضطر إلى الاستعانة باليهود لكشف كروبه، ويرضى صاغراً مغتبطاً بالسلطة اليهودية العالمية. ٨-الاستعانة بأمريكا والصين واليابان على تأديب أوربا وإخضاعها١.

стр. 116

الفصل الثالث: بعض عبادات وشعائر اليهود من أهم عبادات اليهود: ١- الصلاة: جاء في سفر دانيال أن دانيال كان يصلي ويركع ويشكر الله تعالى ثلاث مرات كل يوم (دانيال ٦:١٠) ، وأحياناً مرتين كل يوم (مزمور ٥٥:١٧) .وهي واجبة عندهم. وكانت الصلاة مركبة غالباً من النثر ثم من النظم، وتتلى بالغناء في الابتداء، وبالتدريج صار البعض يستعمل الآلات الموسيقية، كما يتضح من سفر المزامير، وكان يخصص مغنون لهذا القصد (عزرا٢١:٦٥) . وتبدأ الصلاة بغسل اليدين فقط، ثم يوضع شال صغير على الكتفين وفي الصلوات الجماعية يوضع شال كبير حول العنق، ثم يقرأ القاريء مرتديا ثوباً أسود وقبعة على رأسه، لأنه يجب تغطية الرأس عندهم في الصلاة، ويعبرون بذلك عن الاحترام لنصوص التوراة. ويتجهون في صلاتهم إلى بيت المقدس. وكانوا في السابق يركعون ويسجدون في صلاتهم، وبعضهم لازال يصلي كذلك، إلا أن غالبهم اليوم يصلون جلوساً على الكراسي كما يفعل النصارى. وهم يحرصون على وضع اليدين على الصدر مع حني الرأس قليلاً كوقوف الخادم أمام سيده لزيادة الاحترام ١.

стр. 117

وثمة اختلافات في طقوس الصلوات بين فرق اليهود كالسفارديم والإشكنازيم، ولكنها قليلة جداً، وتنحصر في الأغاني والملحقات، أما أساس الصلاة والبركات فلا اختلاف فيها ١. والصلوات الواجبة على اليهودي ثلاث مرات في كل يوم: - صلاة الفجر ويسمونها صلاة السحر (شحاريت) . - صلاة نصف النهار أو القيلولة (منحة) . - صلاة المساء ويسمونها صلاة الغروب (عربيت) . والصلاة عندهم على نوعين فردية وجماعية: أما الفردية فهي صلوات ارتجالية من الأفراد تتلى حسب الاحتياجات، ولا علاقة لها بالطقوس والمواعيد والمواسم. أما الجماعية فهي تؤدى باجتماع جملة أشخاص علناً في أمكنة مخصوصة ومواعيد معلومة حسب طقوس مقررة من رؤساء الدين والكهنة. وقد تقرأ في تلك الصلاة نصوص من التوراة في لفائف محفوظة في أماكن مخصصة لذلك، بعدها تطوى تلك اللفائف. وقد تنتهي الصلاة بهذا، وقد يتلوها خطبة قصيرة ونشيد تقليدي ودعوات، ويختم كل ذلك بالتبريك، وبهذا تنتهي الصلاة ويخلو المعبد. وقد يسبق انفضاض المعبد قداس أو تبريك بتوزيع كأس من الخمر ورغيفين مبركين لكل مصل٢. ٢-الصيام: الصيام عند اليهود يبتدىء من قبل غروب الشمس إلى بعد غروب الشمس

стр. 118

من اليوم اللاحق، ويمتنعون فيه عن الطعام والشراب والجماع، وبعض الأيام يكون صيامهم فيه من شروق الشمس إلى غروبها، ويمتنعون فيه عن الطعام والشراب فقط. ولليهود أيام عديدة متفرقة يصومونها لمناسبات عدة، منها: -صوم يوم الغفران: وهو أهم صوم عندهم، وهو الصوم الوحيد الذي يعزونه إلى الأسفار الخمسة المنسوبة إلى موسى ﵇. -صوم تموز: وهو صيام يوم واحد وهو في الثامن عشر من شهر تموز اليهودي، ويعتبرونه حداداً على حوادث مختلفة، أهمها: تحطيم ألواح التوراة، إبطال القربان اليومي صباحاً ومساء، إحراق التوراة في أورشليم على يد القائد "إتسويندوموس"، وكذلك يجعلون هذا الصوم ذكرى بداية مهاجمة تيطس الروماني لأورشليم بقصد إبادة اليهود سنة ٧٠م. -صيام التاسع من آب: وهو ذكرى سقوط أورشليم على يد تيطس وتخريب الهيكل الثاني زمن ادريانوس ١. أهم مواسم اليهود وأعيادهم: ١-يوم السبت: وهو "شباث" في العبرانية، بمعنى راحة لأنه يوم يزعمون أن الله استراح فيه – تعالى الله عن قولهم – وأمر عباده بالاستراحة فيه وباركه. ومدته من غروب شمس يوم الجمعة إلى غروب شمس يوم السبت، وجعلوا أهم شعائره الكف عن أي عمل، بذلك جاء الأمر صريحاً في الوصايا العشر المنسوبة إلى موسى " واليوم السابع سبت للرب إلهك لا تصنع فيه

стр. 119

عملاً لك ..." ١. وتعدي السبت والعمل فيه يعتبر من أعظم الخطايا عندهم٢. ٢- عيد الفصح: ويسمى عيد الربيع وعيد الفطير، ومدته سبعة أيام تبدأ من الخامس عشر من شهر نيسان، ويقيمه اليهود إحياءً لذكرى نجاة بني إسرائيل من فرعون وخلاصهم من العبودية في مصر. وطقوسه توجب على اليهود أن يأكلوا فيه الخبز من عجين الفطير، ويتلون الأدعية ويقيمون الصلوات ويحرقون القرابين، ويجتمعون على مائدة تقص فيها حكاية الفصح، وهي قصة ما حدث لبني إسرائيل مع موسى إبان خروجهم من مصر ٣. ٣- يوم التكفير والغفران: وهو اليوم العاشر من شهر تشرين، وهو من أهم أعيادهم، وأقدس أيام السنة عندهم، وهو عندهم ذكرى نزول موسى ﵇ من جبل سيناء ومعه الشريعة، وأعلن لهم فيه أن الله قد غفر لهم خطيئتهم في عبادتهم للعجل، ويبدأ قبل غروب الشمس من اليوم التاسع من تشرين، ويستمر إلى ما بعد غروب اليوم التالي. ويشرع لهم فيه الصيام ويطلبون فيه المغفرة عن الذنوب التي فعلها اليهود، في صلاة جماعية يؤديها الكهنة ٤. وعندهم أعياد أخرى مرتبطة بمناسبات ببعض الأحداث التي حدثت لهم

стр. 120

كعيد المظال، وعيد الفوريم ونحوها ١. ومن تشريعاتهم: ١- الزواج: يعتبر بقاء اليهودي في العزوبة أمراً منافياً للدين، ويحرم الزواج بين اليهود وغيرهم، والزواج بغير اليهودي أو اليهودية يعتبر فجوراً وزناً مستمرين. ويجوز لليهودي الزواج ببنت أخيه أو ابنة أخته، ولكن العكس محرم، فلا يتزوج الرجل من عمته أو خالته. وحرم كثير من فقهائهم زواج بنت الأخت. وتعدد الزوجات جائز عند اليهود، وليس في الدين حد أقصى لتعدد الزوجات، وإن صدرت فتوى متأخرة ابتداء من القرن الحادي عشر في الغرب بتحريم التعدد، وبعض اليهود لازالوا يمارسون هذا الحق٢. ومن شرائعهم في الزواج أن أرملة اليهودي الذي مات ولم ينجب منها يجب تزويجها لأخيه الأعزب على وجه الإجبار، فإذا أنجب منها فإن المولود يحمل اسم أخيه الميت وينسب إليه، وإذا امتنع الأخ من تزوج أرملة أخيه فإنه يشهر به ويخلع من المجتمع اليهودي، وتسمى المرأة التي تؤول إلى أخي زوجها الميت (يبامه) ٣. ٢- الطلاق: الطلاق في التوراة كان حقاً موضوعاً بيد الرجل، مستخدمين عبارة (طرد

стр. 121

الزوجة من البيت) ، لكن فيما بعد أفتى الحاخام جرشوم بن يهودا المتوفى سنة ١٠٤٠م بتحريم طرد المرأة من بيت الزوجية إلا إذا أفتى القاضي بطلاقها، أو اتفقت مع زوجها بالتراضي على الطلاق. ولا يعتبر الطلاق نافذاً حتى تصدر فيه وثيقة من الحاخام، وبهذه الوثيقة تستطيع المطلقة الزواج، أما إذا لم تحصل عليها فلا يحق لها الزواج، ويعتبر زواجها بغير الوثيقة غير صحيح، وأولادها من ذلك الزواج غير شرعيين١. ٣- المأكل والمشرب: من شرائعهم في المطعومات أنه لا يجوز لهم من الحيوانات ذوات الأربع إلا كل ماله ظلف مشقوق وليس له أنياب ويأكل العشب ويجتر، فالخيل والبغال والحمير والجمال كلها محرمة وكذلك الخنزير والسباع والأرانب. ويحرم من الطيور كل ماله منقار معقوف أو مخلب، أو كان من أوابد الطير التي تأكل الجيف والرمم. ويحل أكل الدجاج والأوز والبط والطيور البرية آكلة العشب والحب، أما الأحياء المائية فيحل منها السمك الذي له زعانف وعليه قشور، وما عدا ذلك فكل صيد البحر حرام. ولا يجوز لهم الجمع بين اللحم واللبن والحليب في طعام واحد ٢. هذه أهم العبادات والشعائر اليهودية.

стр. 122

الفصل الرابع: فرق اليهود اليهود تفرقوا إلى فرق عديدة كما قال النبي ﷺ :" تفرقت اليهود على إحدى وسبعين أوثنتين وسبعين فرقة"١ وهذا التفرق قديم وحديث. ومن أهم فرقهم القديمة: ١- السامريون: السامريون في الأصل هم شعب دولة إسرائيل التي تكونت في الشمال من دولة يهوذا، وذلك بعد سليمان ﵇ وقد استمر وجود السامريين إلى عصرنا الحاضر، إلا أنهم يشكلون مجموعة صغيرة تسكن في فلسطين بجوار مدينة نابلس. ويتميزون عن بقية اليهود بأنهم: - لا يؤمنون بنبوة أحد من أنبياء بني إسرائيل سوى هارون وموسى ويوشع بن نون ﵈. - لا يقدسون من كتب اليهود سوى الأسفار الخمسة التي تسمى التوراة، ويضيفون إليها سفر يوشع بن نون فقط، وما عدا ذلك فلا يؤمنون به، ونسخة التوراة التي لديهم تختلف عن النسخة العبرية في ستة آلاف موضع، كما أنهم لا يؤمنون بسائر الكتب الأخرى في العهد القديم ولا بالتلمود ولا غيره من كتب اليهود.

стр. 123

- المكان المقدس لديهم هو جبل " جرزيم " الذي يقع في منطقة نابلس، ويستقبلونه وينكرون صهيون وبيت المقدس، وبقية اليهود يكفرونهم لذلك ١. ٢- الفريسيون: الفريسيون واحدها فريسي، وهي كلمة آرامية تعني ذا الرأي والعلم بالأمور، والبعض يرى أنها عبرية أصلها " فروشيم "، ومعناها " المنعزلون أو المفروزون " ٢. ويبدو أن الفريسيين امتداد لفرقة " الربانيين "، وهي الفرقة المهتمة بأمور الشريعة. يقول السموأل بن يحي عن الربانيين:" هم أكثر عدداً وهم شيعة الحخاميم الفقهاء المفترين على الله (، الذين يزعمون أن الله كان يخاطبهم في كل مسألة بالصوت، وهذه الطائفة، أي الربانيون أشد اليهود عداوة لغيرهم "٣. ومما يميز الفريسيين أمور عدة: -الإيمان بسائر كتب العهد القديم مع التلمود، ويعتبرون التلمود هو الوحي الشفوي المنزل على موسى ٤. والذي يظهر من كلام المؤرخين عن هذه الفرقة أنها لا زالت موجودة ويمثلون أغلبية اليهود ٥، وهم الذين يطلق عليهم لدى المسلمين الربانيين أو التلموديين ٦.

стр. 124

٢-الصدوقيون: هذه الفرقة الثانية التي تعتبر من أهم فرق اليهود القديمة، وهم ينتسبون إلى كاهن لهم كان في حدود سنة ٣٠٠ق. م، يسمى " صادوق ". ويتميز الصدوقيون بعدة أمور، منها: - أنهم لا يؤمنون بالتلمود وسائر الروايات الشفوية، وإنما يقرون بالتوراة فقط، وهي الأسفار الخمسة، والبعض يعزو إليهم الإقرار بالعهد القديم كله.١وعزي إليهم القول: بأن عزير ابن الله. تعالى الله عن قولهم.٢ - ينكرون البعث والجزاء الأخروي، ويزعمون أن النفس تموت بموت الجسد. - ينكرون القضاء والقدر، ويزعمون أن الإنسان له إرادة حرة، ولا يتدخل الله في شيء من أفعال الإنسان في الخير أو الشر. - ينكرون الملائكة ٣. هذه الثلاث فرق هي أهم الفرق القديمة، ولا يعني ذلك انقراضها، وإنما قد يكون تغير مسماها أو قل أتباعها وتضاءلوا. ٣-القراءون: القراءون نسبة إلى المصدر العبري " قرائيم " ومعناه الذين يقرأون المقرأ، أي التوراة.

стр. 125

وينتسبون إلى رجل يسمى " عنان بن داود " من أهل بغداد زمن أبي جعفر المنصور، وتوفي في نهاية القرن الثامن الميلادي، وأطلق عليهم اسم العنانيون نسبة إلى عنان هذا. ومن أهم ما يتميزون به: - لا يعترفون إلا بالعهد القديم، وينكرون التلمود والروايات الأخرى الشفوية، وهم في هذا موافقون للصدوقيين. - يقولون بالبعث يوم الدين. - يعزى إلى شيخهم عنان الإقرار ببعثة عيسى ﵇، وكذلك نبينا محمد ﷺ ، ولكنه يزعم أنه نبي للعرب وليس لليهود. وقد انتشرت أفكار عنان بن داود بين اليهود انتشاراً قوياً، وخاصة في البلدان العربية والشرق. وكان بينهم وبين التلموديين عداء شديد، وتكفر كل واحدة منهما الأخرى، ولا زال منهم أناس يعدون ببضعة آلاف يسكنون قرب تل أبيب في فلسطين، ويتميزون عن بقية اليهود في أعيادهم ومحاكمهم وأماكن ذبحهم للحيوانات وقانون الحكومة اليهودية التلمودية الآن يمنع الزواج بين القرائين وغيرهم من اليهود١. وهم يعتبرون من أعداء الصهيونية التلمودية، لأن كلاً منهم يكفر الآخر، ويرى ارتداده عن الدين. ويذكر د/ حسن ظاظا: أنه بعد أن تمكنت الصهيونية التلمودية من الإستيلاء على فلسطين اصطادت بضعة آلاف من القرائين وأدخلتهم إلى فلسطين، وهم

стр. 126

يعيشون هناك كرهائن، وكوسيلة للمساومات مع من بقي من القرائين خارج فلسطين إذ أرغمتهم الصهيونية على التزام الصمت والكف عن مهاجمتها حرصاً على حياة أبناء الطائفة في فلسطين وأمنهم ١. ٤-الحسيديم: فرقة من فرق اليهود متأخرة النشأة، فتعزى إلى رجل يسمى " إسرائيل بن اليعازر " الملقب بـ " بعل شم طوب " في أوكرانيا، المتوفى سنة ١٧٦٠م. و" حسيديم " مشتقة من الكلمة العبرية " حسيد " والتي تعني المنقى والناذر نفسه للدين. والذي يظهر أن الحسيديم فرقة صوفية منشقة عن الفريسيين التلموديين، فهم يعظمون التلمود ويقبلون أقواله، إلا أن لهم تفسيراتهم الباطنية الخاصة بذلك، وهم يعتمدون في مخالفاتهم لبقية اليهود على التأويل الباطني والتوجه الصوفي، ولهذه الفرقة أتباع كثيرون. ومن أهم ما يميزهم أمور، منها: - اعتقادهم بوحدة الوجود، وأن لا وجود حقيقي إلا وجود الله تعالى، وأن المخلوقات ما هي إلا مظاهر لذلك الوجود وتعبير عنه. - يقولون بالجبر، وأن الخير والشر من الله، وأن الإنسان إذا ارتكب منكراً فعليه أن يكون مرتاح البال، لأن ذلك من الله، وكل ما هو من الله فهو خير. - يقولون بالتناسخ، وأن الغرض منه تطهير النفس، وإعطاءها الفرصة

стр. 127

للصلاح، فإذا لم تصلح تتناسخ في جسد آخر لأكثر من مرة حتى تصل إلى الصلاح. - يقولون بالثواب والعقاب، وأن الإنسان لا بد أن يتطهر قبل دخوله الجنة، وذلك بأن تهزه الملائكة بعد الموت حتى تذهب سيآته الحسية والجسدية، وتتقاذفه الملائكة بين أيديها حتى يتطهر من سيآته النفسية المتعلقة بالأفكار والكلام. وعندهم أن اليهودي لا يقضي في جهنم أكثر من اثنى عشر شهرا. - يستعملون الغناء والموسيقى في صلواتهم. - من أكثر طوائف اليهود حماساً لمجيء المسيح المخلص الذي يعتقدون أنه سيكون من نسل داود، وبمجيئه تنتهي كل مشاكل اليهود، ولهم في ذلك حكايات كثيرة يطول ذكرها من ناحية تصورهم لقرب مجيئه، حتى أن منهم من كان يقول لأهله إذا أراد النوم:" إذا جاء المسيح المخلص وأنا نائم فأيقظوني دون تردد ". ومنهم من جعل غرفة خاصة في بيته وضع فيها كل غال ونفيس عنده، ولم يكن يسمح لأحد بالدخول إليها يسميها "غرفة المسيح"، وبعضهم يتفوه بكلمات كفرية قبيحة في حق الله تعالى معاتباً له على تأخر المسيح، مثل قول أحد رؤسائهم المسمى موسى بن زفي المتوفى ١٨٤١م: " لو كنت أعلم أن شعر رأسي سيكون أبيضاً ولا ترى عيناي المسيح المخلص لما بقيت حياً، يا رب أنت الذي أبقيتني وحفظتني بهذا الأمل وهذا الاعتقاد، إنك ضحكت علي، فهل هذا شيء جيد؟ وهل هو شيء جيد أن تضحك على رجل كبير مثلي؟ أجبني ".

стр. 128

-يتركون ضفائر على جانبي الرأس، كما لا يحلقون ولا يقصون شيئاً من لحاهم ولا من سائر شعر الوجه سوى الشوارب. - أكثر الحسيديم يذمون الصهيونية ويطعنون فيها وإن كانوا مؤيدين لها في إنشاء دولة اليهود في فلسطين، وقد هاجر كثير منهم إلى فلسطين واستقروا بها، وكونوا لهم تجمعات كبيرة، بل يقول الكتاب إن أكثر من نصف المدارس في دولة اليهود تعود للحسيديم ما عدا فرقة " الستمار " منهم، فإنها تحرم السفر إلى دولة اليهود في فلسطين، ويطعنون في الصهاينة ويعتبرونهم كفاراً مارقين، وهم يرون أن خلاصهم لا يكون إلا بأمر معجز عن طريق المسيح المخلص، وأن وجود دولة اليهود يعوق خلاصهم ويؤخر مجيء المسيح المخلص، وأكثر هذه المجموعة يعيشون في الولايات المتحدة الأمريكية ١. ٥-الإصلاحيون: الإصلاحيون هم فرقة من الفرق المعاصرة التي تحاول التملص من تشديدات اليهود وتسلط الحاخامات وإذلالهم لبني جنسهم، وكان من أوائل من دعا إلى التحرر من قيود التلمود وتشديدات الحاخامين موسى مندلسون المتوفى سنة ١٧٧٦م في برلين، فقد دعا إلى اندماج اليهود مع الشعوب التي تشاركهم في الأوطان، والمحافظة على جميع القوانين لتلك البلدان، مع المحافظة على دين الآباء والأجداد، ثم انتقلت تلك الدعوة إلى أمريكا وفيها قويت وانتشرت بين اليهود، وصار لها أتباع يجاوزون المليونين.

стр. 129

ومن أهم ما يميزهم عن بقية اليهود: - إنكارهم للوحي في العهد القديم، وقولهم إن الكتاب المقدس من صنع الإنسان، ويعتبرونه أعظم وثيقة أوجدها الإنسان، وهم لا يقبلون منه إلا التشريعات الأخلاقية، أما العبادات والشعائر فيقبلون منها ما يوافق العصر. - إنكار التلمود، واعتبار تعاليمه وقوانينه خاصة بعصره ولا تصلح للعصور الحديثة. - إنكار دعوى المسيح المنتظر. - إنكار البعث الجسدي والعذاب بعد الموت. - إقامة الصلوات باللغات القومية ولا يلزم عندهم أداؤها باللغة العربية، وإباحة اختلاط الجنسين في المعابد اليهودية، وتعديل القوانين الخاصة بالزواج والطلاق لتتوائم مع العصر١. - حذفوا من أدعيتهم وصلواتهم ما يتعلق بالعودة إلى صهيون، واعتبروا أن اليهودية دين وليس قومية. وقد كان الإصلاحيون في أول الأمر معارضين للصهيونية، ولكن وجد فيهم من يناصرها بعد الحرب العالمية الثانية، وبعد تقتيل النازيين لليهود، حيث بدأ الكثير منهم يميل للصهيونية، وبقي منهم عدد كبير أيضاً خارج الصهيونية وضدها ويكافحها مكافحة مستميتة ٢. ٦-الأرثوذكسية: الأرثوذكسية، هو المسمى الذي يطلق على اليهود الذين يدينون بالكتاب

стр. 130

المقدس مع التلمود مع جميع التعصبات اليهودية، وهم فيما يبدو امتداد للربانيين والتلموديين والفريسيين، وهم يشكلون الغالبية العظمى من اليهود، وتجمعهم الأكبر في دولة اليهود في فلسطين. ولا تعترف الدولة اليهودية إلا بالأرثوذكسية، كما أن غالبية أعضاء المجلس الصهيوني من الأرثوذكس ١. ٧-المحافظون: هم طائفة كبيرة أيضاً من اليهود، حاولوا التوسط بين انفلات الإصلاحيين وتشدد الأرثوذكس، وقد نشأ هذا المذهب في منتصف القرن التاسع عشر، حيث أسس ذلك " زكريا فرانكل " رئيس حاخامين دريسون بألمانيا، المتوفى سنة ١٨٧٥م، ثم تطوروا وزاد انتشارهم فيما بعد في أمريكا حيث يشكلون فيها قرابة المليون شخص. ومما يتميزون به من أمور: -اعتبار التوراة هي الموحى بها من الله، أما التلمود فيعتبرونه نتاج ثقافي لليهود يجب أن يستفاد من قيمه العامة في المواقف للشعب اليهودي، ويعتبرون دعوى أن موسى استلمه شفهياً من الله خرافة من خرافات الربابنة. - حذف القراءات المطولة والأناشيد الخليعة والمدروشة من الكنيس. - تربية النساء تربية دينية وإشراكهن في العمل الديني. - إقامة الصلوات باللغات التي يفهمها المصلون إذا لم يفهموا العبرية. والمحافظون موافقون للصهاينة في برنامجهم السياسي، وهم من أكبر

стр. 131

الداعمين للتوطن في فلسطين، وتبني سياسات الصهاينة ١. ٨-الصهيونية: الصهيونية مذهب علماني، أهم أهدافه هو تجميع اليهود في فلسطين، وقد كانت العودة إلى فلسطين حلماً يراود اليهود منذ أخرجوا منها، ولكن كثيراً منهم كان يرى أن العودة إليها يجب أن تكون بطريقة معجزة على يد المسيح المخلص، فلما جاء الصهاينة نادوا بالعودة إلى فلسطين، وقيام دولة علمانية لا علاقة لها بالدين، أو بفكرة العودة بطريقة معجزة، وكان أكبر الدوافع لتأسيس هذا الكيان وبروزه هو: الاضطهاد الأوروبي لليهود الذي كان أكبر سبب لبروز الصهاينة، كما كان سبباً لتجميع أكثر اليهود تحت لواء الصهيونية لتحقيق ذلك الهدف وهو العودة إلى فلسطين. ومن أوائل الصهاينة الذين بدأوا بالفعل العمل الصهيوني الجاد لتحقيق الأهداف الموضوعة له هو " ثيودور هرتزل " الصحفي النمساوي العلماني اللاديني، الذي ألف كتابه " الدولة اليهودية " ونادى فيه إلى قيام دولة علمانية في فلسطين، وذلك عام ١٨٩٤م ٢، وابتدأ بعدها في التخطيط الفعلي للتجميع في فلسطين ٣.

стр. 132

الفصل الخامس: أخلاق اليهود من خلال القرآن الكريم إن الاحتكاك بين النبي ﷺ والمسلمين وبين اليهود في المدينة بحكم وجود اليهود بها كشف كثيراً من أخلاقهم وسماتهم. وقد فصَّل لنا الله جل وعلا في كتابه الكريم أخلاقهم الظاهرة والخفية، ومقاصدهم في الأعمال والأقوال، فيستطيع الناظر في القرآن أن يدرك حقيقة اليهود حق الإدراك، ويفهم نفسياتهم وما جبلوا عليه من فساد وانحراف عن الخلق القويم والصراط المستقيم. ومما وصف الله به اليهود: أولاً: الكذب: الكذب من أقبح الصفات التي يتصف بها بعض الناس وعنوان الخسة والدناءة، وفساد الطوية وهو المطية لكل انحراف. وقد تعمّقت هذه الخصلة في اليهود وباءوا بأدنى مراتبها، وأبعدها فساداً وهو الكذب على الله الذي لا يخفى عليه خافية. قال جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُبِيناً﴾ النساء آية (٥٠) . كما سجّل القرآن عليهم موقفاً آخر وهو لا يقل عن هذا الموقف قباحة وهو تكذيبهم الصادقين وهم الرسل ووصمهم لهم بالكذب. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ? فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا

стр. 133

بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ آل عمران آية (١٨٤) . ومن كذب على الله وكذب على الرسل فالكذب على الناس من أهون الأعمال لديه ومما سجل من كذبهم قوله تعالى عنهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ النساء آية (٥١) . ثانياً: الحسد: الحسد هو تمني زوال النعمة عن الغير. وهو من صفات اليهود فهم يحسدون الناس لا لشيء إلا كراهة أن يؤتى الله من فضله أحداً غيرهم. وفي وصفهم بهذا يقول جل وعلا: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ النساء آية (٥٤) . وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ البقرة آية (١٠٩) . ثالثاً: حب الدنيا: إن حب الدنيا كما ورد في بعض الآثار " رأس كل خطيئة " واليهود حازوا من هذه الخصلة النصيب الأوفى، فكذبوا على الله لحبهم الدنيا، وجبنوا عن القتال لحبهم الدنيا، وأضلوا الناس عن دين الله حباً في الدنيا، وخانوا العهد والميثاق حباً في الدنيا وتمسكاً بنعيمها الزائل، أخذوا بالسحر وتركوا الوحي حباً في الدنيا.

стр. 134

وفي هذا يقول الله تعالى عنهم: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ البقرة آية (٧٩) . وحبهم للدنيا جعلهم يأكلون الربا ويأكلون أموال الناس بالباطل إلى غير ذلك من جرائمهم وتحايلهم على الأوامر والنواهي، حرصاً منهم على متاع الدنيا الزائل. رابعاً: البخل: مع أن اليهود أهل المال إلاّ أنهم بخلاء به، وهذا دليل على أنهم يعبدون المال ولم يجمعوه لينفقوا منه، وإنما حباً فيه فقط، وإضافة إلى البخل به فهم يأمرون الناس بالبخل. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾ النساء آية (٣٧) . خامساً: الخيانة: الخيانة من طبائع اليهود الملازمة لهم، والخيانة تكون في كل ما يؤتمن عليه الإنسان من مال وعرض ودين وعهد وغير ذلك، وقد خان اليهود أمانتهم في الأموال. قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً﴾ آل عمران آية (٧٥) . أما الدين فقد بدَّلوه وغيَّروه، وأما العهود والمواثيق فقد نقضوها سواء مع الله أو مع غيره. لهذا وصفهم الله بالخيانة فقال: ﴿وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ

стр. 135

مِنْهُمْ﴾ المائدة آية (١٣) . وهو وصف متحقق فيهم إلى هذا الزمن وما بعده. سادساً: الإفساد في الأرض: قال الله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً﴾ الإسراء آية (٤) . والواقع أن الفساد والإفساد لا يصدر إلاَّ عن نفوس أغرقت في الشر وحقدت على الغير حتى ساءها صلاح الغير واستقامة أمره فيدفعها ذلك إلى الإفساد. وهذا وصف من أبرز صفات اليهود في الحاضر والماضي، ولا تجد في الغالب في هذا الوقت وما قبله نحلة فاسدة أو مذهباً منحرفاً إلا ولليهود فيه اليد الطولى١. هذه بعض الأخلاق التي ذكرها القرآن الكريم عن اليهود تبييناً وتحذيراً لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

стр. 136

الباب الثاني: النصرانية النصرانية هي دين من ينتمون في الأصل إلى عيسى ﵇ وكانت رسالته من ضمن الرسالات السماوية الخاصة ببني إسرائيل إلا أن النصارى غيَّروا ديانته وبدلوها حتى صار من العسير جداً إمكانية عزو شيء منها إلى المسيح ﵇ بل إنها تحولت من ديانة توحيدية إلى ديانة شركية تدعى التوحيد وتتستر به. وسنبين في الفصول القادمة ما يتعلق بهذه الديانة من ناحية مصادرها وعقائدها وشعائرها ... إلخ.

стр. 137

الفصل الأول: التعريف بالنصرانية المبحث الأول: تعريف كلمة النصرانية ... المبحث الأول: تعريف كلمة النصرانية النصرانية لغة: قيل نسبة إلى نصرانه وهي قرية المسيح ﵇ من أرض الجليل، وتسمى هذه القرية ناصره ونصوريه، والنسبة إلى الديانة نصراني، وجمعه نصارى١. النصرانية اصطلاحاً: هي دين النصارى الذين يزعمون أنهم يتبعون المسيح ﵇، وكتابهم الإنجيل. وقد أطلق على أتباع الديانة النصرانية في القرآن الكريم نصارى٢، وأهل الكتاب٣، وأهل الإنجيل٤، وهم يسمون أنفسهم بالمسيحيين نسبة إلى المسيح ﵇ ويسمون ديانتهم "المسيحية". وأول ما دُعيَ النصارى "بالمسيحيين" في أنطاكية حوالي سنة ٤٢م، ويرى البعض أن ذلك أول الأمر كان من باب الشتم٥. ولم ترد التسمية بالمسيحية في القرآن الكريم ولا في السنة كما أن المسيح

стр. 138

حسب الإنجيل لم يسم أصحابه وأتباعه بالمسيحيين وهي تسمية لا توافق واقع النصارى لتحريفهم دين المسيح ﵇ ١. فالحق والصواب أن يطلق عليهم نصارى، أو أهل الكتاب، لأن في نسبتهم للمسيح ﵇ خطأ فاحش، إذ يلزم من ذلك عزو ذلك الكفر والانحراف إلى المسيح ﵇، وهو منه بريء.

стр. 139

المبحث الثاني: التعريف بالمسيح ﵇ إجمالاً من خلال القرآن الكريم وما يتفق معه مما ورد في أناجيل النصارى . المسيح ﵇ ١ نبي من أنبياء بني إسرائيل، دعا إلى الله ، وبلغ رسالة ربه ، وقد ذكر الله هذا النبي الكريم في القرآن الكريم، وذكر دعوته في مواضع عديدة، من أشملها قوله تعالى ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ اللَّهَ

стр. 140

رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ آل عمران الآيات (٤٥-٦٠) . هذا هو المسيح ﵇ في كلام الله بشر خلقه الله بكلمته كما خلق من قبله آدم ﵇ بكلمته وهي قوله "كن" وجعله الله سبحانه آية حيث خلقه في بطن أمه مريم بدون أن يكون لها زوج أو يمسها بشر بل كانت رضوان الله عليها عبدة صالحة طاهرة مبرأة من الخبث والفساد. وبين الله لنا حقيقة دعوة المسيح ﵇ وأنه رسول دعا إلى عبادة الله وحده لا شريك له وقد وجه دعوته لبني جنسه وهم بنو إسرائيل الذين كانوا في ذلك الوقت قد انحرفوا كثيراً عن دين موسى ﵇ إلا أن قومه كذبوه وسعوا إلى قتله فانجاه الله منهم ورفعه إلى السماء. وإذا نظرنا إلى الأناجيل الموجودة بين يدي النصارى نجد أنها صرحت بما ذكره القرآن تصريحاً واضحاً لا لبس فيه. ومن ذلك:

стр. 141

١- بشرية المسيح: ذكر الله بشرية المسيح في الآيات السابقة وقد قص لنا الرب جل وعلا خبره من لدن جدته إمرأة عمران ثم أمه ثم خبر ولادته. وقد ذكرت جميع الأناجيل أنه ولد من مريم وأنه طرأ عليه ما يطرأ على البشر من الوجود بعد العدم والأكل والشرب والتعب والنوم والموت١. وسائر الخصال البشرية. ٢- أنه رسول الله: وذلك في قوله ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ المائدة آية (٧٥) وقد صرح النصارى أن المسيح ﵇ قال لهم في مواطن كثيرة في الأناجيل بأنه رسول من عند الله، فقد ورد في إنجيل متى (١٠/٤٠) "من يقبلكم يقبلني ومن يقبلني يقبل الذي أرسلني". وفي إنجيل لوقا (٤/٤٣) : "فقال لهم إنه ينبغي لي أن أبشر المدن الأخر أيضاً بملكوت الله لأني لهذا أرسلت. فكان يكرز في مجامع الجليل". ويقول لتلاميذه الذين أرسلهم إلى المدن لدعوة الناس للإيمان به وبرسالته حسب قول لوقا، (١٠/١٦) : "الذي يسمع منكم يسمع مني والذي يرذلكم يرذلني. والذي يرذلني يرذل الذي أرسلني"

стр. 142

وفي إنجيل يوحنا ذكر أنه رسول من الله في مواطن كثيرة منها (٤/٣٤) "قال لهم يسوع طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني، وأتمم عمله". وفي (١٧/٣) يذكر عن المسيح أنه قال: "وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته"١. ٣- أنه رسول إلى بني إسرائيل خاصة: قال الله في الآيات السابقة ﴿وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ﴾ آل عمران آية (٤٩) . وقد ورد في إنجيل متى (١٥/٢٤) أن المسيح ﵇ لحقته امرأة كنعانية تطلب منه شفاء ابنتها المجنونة، فقال المسيح "لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة ". وكذلك في إنجيل متى (١٠/٥) أن المسيح أرسل تلاميذه إلى القرى اليهودية وقال لهم "إلى طريق أمم لا تمضوا وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا بل اذهبوا بالحرى إلى خراف بيت إسرائيل الضالة". ٤- أنه دعا إلى عبادة الله وحده لا شريك له: قال جل وعلا عن المسيح أنه قال ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ آل عمران آية (٥١) . وذكر متى في إنجيله (٤/١٠) عن المسيح أنه قال: "للرب

стр. 143

إلهك تسجد وإياه وحده تعبد". وفي إنجيل مرقص (١٢/٢٩) أن المسيح أجاب من سأله عن أول الوصايا والواجبات بقوله: "إن أول كل الوصايا هي: إسمع يا إسرائيل. الرب إلهنا رب واحد. وتحب الرب إلهك من كل قلبك". وفي إنجيل لوقا (٤/٨) أن المسيح قال للشيطان لما طلب منه أن يسجد له: "إذهب يا شيطان إنه مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد". وفي إنجيل يوحنا (١٧/٣) أن المسيح قال: "وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته". وكذلك قال للمرأة التي رأته بعد القيامة في كلامهم في إنجيل يوحنا (٢٠/١٧) : "قال لها يسوع لا تلمسيني لأني لم أصعد بعد إلى أبي ولكن إذهبي إلى إخوتي وقولي لهم، إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم". ٥- إنه متبع لشريعة موسى ﵇ ومكمل لها: قال ﴿وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ آل عمران آية (٥١) . قال متى في إنجيله (٥/١٧) عن المسيح انه قال: "لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل". ٦- أنه دعا إلى التوبة: وهو معنى قوله ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ

стр. 144

وَأَطِيعُونِ﴾ آل عمران آية (٥٠) وقد ذكر بعض الكُتَّاب أن لب دعوة المسيح ﵇ حسب الأناجيل هو: الدعوة إلى التوبة، والأخذ بشريعة موسى ﵇ ١. وفي هذا ورد في إنجيل متى (٩/١٣) : "لأني لم آت لأدعو أبراراً بل خطاة إلى التوبة". وفي إنجيل مرقص (١/١٤) : "وبعدما أُسِلم يوحنا٢ جاء يسوع إلى الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله، ويقول: قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالإنجيل". فهذه النصوص يظهر منها واضحاً بشرية المسيح ﵇، وأنه رسول دعا بني إسرائيل إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وهذا يتفق تمام الإتفاق مع ما ذكره الله في القرآن الكريم عنه، ويتفق مع دعوة الأنبياء السابقين الذين ورد ذكرهم في القرآن، أو ذكرهم اليهود في كتبهم. كما يتفق ذلك مع العقل وترتاح له النفس. وهذا بخلاف ما تدعيه الكنيسة وتزعمه من الأمور المناقضة للعقل والشرع، وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك عند الحديث عن عقائد النصارى.

стр. 145

المبحث الثالث: تاريخ النصرانية إجمالاً إن الحديث عن تاريخ النصارى الأوائل والنصرانية من المصادر النصرانية يعتبر من أصعب الموضوعات وأكثرها تعقيداً، لأن التاريخ إنما يعتمد على النصوص والروايات المحفوظة التي تبين تاريخ حقبة ما. والناظر في المصادر النصرانية يواجه مشكلة الإنقطاع التاريخي في فترة من أهم الفترات المتعلقة بالنصرانيه، وهي الفترة التي تعقب رفع المسيح ﵇ إلى منتصف القرن الثاني من الميلاد، فإن هذه الفترة تعتبر فترة حرجة جداً والمصادر التي يمكن أن يعتمد عليها في بيان تاريخ تلك الفترة تعتبر نادرة جداً، بل لا يوجد بين يدي النصارى سوى كتاب "أعمال الرسل" الذي تحدث كاتبه في أوله عمن يزعم أنهم تلاميذ المسيح حديثاً محدوداً، ثم خصص بقية كتابه للحديث عن بولس وأعماله، ورغم ذلك فإن المعلومات عن بولس تنقطع قبل موته بعد وصوله روما، وهذه النهاية التي انتهى إليها صاحب الكتاب هي نهاية المعلومات المتوفرة لدى النصارى عن تلك الفترة يضاف إلى ذلك ما يمكن إستفادته واستخلاصه من رسائل بولس الأربع عشرة التي فيها إشارات قليلة تخص بولس من ناحية تاريخية إلا أنها شبه خالية من المعلومات عن الحواريين الذين هم تلاميذ المسيح ﵇ الحقيقيون ومع ذلك فسنحاول ذكر تاريخ إجمالي للنصارى والنصرانية إلى عهد ما بعد الإمبراطور قسطنطين حسب المعلومات المتاحة، وذلك لإعطاء القارئ تصوراً عن النصرانية من ناحية تاريخية، ربما يكون قريباً من الواقع.
следующие страницы →