١- بشرية المسيح:
ذكر الله بشرية المسيح في الآيات السابقة وقد قص لنا الرب جل وعلا خبره من لدن جدته إمرأة عمران ثم أمه ثم خبر ولادته.
وقد ذكرت جميع الأناجيل أنه ولد من مريم وأنه طرأ عليه ما يطرأ على البشر من الوجود بعد العدم والأكل والشرب والتعب والنوم والموت١. وسائر الخصال البشرية.
٢- أنه رسول الله:
وذلك في قوله ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ المائدة آية (٧٥)
وقد صرح النصارى أن المسيح ﵇ قال لهم في مواطن كثيرة في الأناجيل بأنه رسول من عند الله، فقد ورد في إنجيل متى (١٠/٤٠) "من يقبلكم يقبلني ومن يقبلني يقبل الذي أرسلني".
وفي إنجيل لوقا (٤/٤٣) : "فقال لهم إنه ينبغي لي أن أبشر المدن الأخر أيضاً بملكوت الله لأني لهذا أرسلت. فكان يكرز في مجامع الجليل".
ويقول لتلاميذه الذين أرسلهم إلى المدن لدعوة الناس للإيمان به وبرسالته حسب قول لوقا، (١٠/١٦) : "الذي يسمع منكم يسمع مني والذي يرذلكم يرذلني. والذي يرذلني يرذل الذي أرسلني"
стр. 142
وفي إنجيل يوحنا ذكر أنه رسول من الله في مواطن كثيرة منها (٤/٣٤) "قال لهم يسوع طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني، وأتمم عمله".
وفي (١٧/٣) يذكر عن المسيح أنه قال: "وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته"١.
٣- أنه رسول إلى بني إسرائيل خاصة:
قال الله في الآيات السابقة ﴿وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ﴾ آل عمران آية (٤٩) .
وقد ورد في إنجيل متى (١٥/٢٤) أن المسيح ﵇ لحقته امرأة كنعانية تطلب منه شفاء ابنتها المجنونة، فقال المسيح "لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة ".
وكذلك في إنجيل متى (١٠/٥) أن المسيح أرسل تلاميذه إلى القرى اليهودية وقال لهم "إلى طريق أمم لا تمضوا وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا بل اذهبوا بالحرى إلى خراف بيت إسرائيل الضالة".
٤- أنه دعا إلى عبادة الله وحده لا شريك له:
قال جل وعلا عن المسيح أنه قال ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ آل عمران آية (٥١) .
وذكر متى في إنجيله (٤/١٠) عن المسيح أنه قال: "للرب
стр. 143
إلهك تسجد وإياه وحده تعبد".
وفي إنجيل مرقص (١٢/٢٩) أن المسيح أجاب من سأله عن أول الوصايا والواجبات بقوله: "إن أول كل الوصايا هي: إسمع يا إسرائيل. الرب إلهنا رب واحد. وتحب الرب إلهك من كل قلبك".
وفي إنجيل لوقا (٤/٨) أن المسيح قال للشيطان لما طلب منه أن يسجد له: "إذهب يا شيطان إنه مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد".
وفي إنجيل يوحنا (١٧/٣) أن المسيح قال: "وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته".
وكذلك قال للمرأة التي رأته بعد القيامة في كلامهم في إنجيل يوحنا (٢٠/١٧) : "قال لها يسوع لا تلمسيني لأني لم أصعد بعد إلى أبي ولكن إذهبي إلى إخوتي وقولي لهم، إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم".
٥- إنه متبع لشريعة موسى ﵇ ومكمل لها:
قال ﴿وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ آل عمران آية (٥١) .
قال متى في إنجيله (٥/١٧) عن المسيح انه قال: "لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل".
٦- أنه دعا إلى التوبة:
وهو معنى قوله ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ
стр. 144
وَأَطِيعُونِ﴾ آل عمران آية (٥٠)
وقد ذكر بعض الكُتَّاب أن لب دعوة المسيح ﵇ حسب الأناجيل هو: الدعوة إلى التوبة، والأخذ بشريعة موسى ﵇ ١.
وفي هذا ورد في إنجيل متى (٩/١٣) : "لأني لم آت لأدعو أبراراً بل خطاة إلى التوبة".
وفي إنجيل مرقص (١/١٤) : "وبعدما أُسِلم يوحنا٢ جاء يسوع إلى الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله، ويقول: قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالإنجيل".
فهذه النصوص يظهر منها واضحاً بشرية المسيح ﵇، وأنه رسول دعا بني إسرائيل إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وهذا يتفق تمام الإتفاق مع ما ذكره الله في القرآن الكريم عنه، ويتفق مع دعوة الأنبياء السابقين الذين ورد ذكرهم في القرآن، أو ذكرهم اليهود في كتبهم. كما يتفق ذلك مع العقل وترتاح له النفس.
وهذا بخلاف ما تدعيه الكنيسة وتزعمه من الأمور المناقضة للعقل والشرع، وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك عند الحديث عن عقائد النصارى.
стр. 145
المبحث الثالث: تاريخ النصرانية إجمالاً
إن الحديث عن تاريخ النصارى الأوائل والنصرانية من المصادر النصرانية يعتبر من أصعب الموضوعات وأكثرها تعقيداً، لأن التاريخ إنما يعتمد على النصوص والروايات المحفوظة التي تبين تاريخ حقبة ما.
والناظر في المصادر النصرانية يواجه مشكلة الإنقطاع التاريخي في فترة من أهم الفترات المتعلقة بالنصرانيه، وهي الفترة التي تعقب رفع المسيح ﵇ إلى منتصف القرن الثاني من الميلاد، فإن هذه الفترة تعتبر فترة حرجة جداً والمصادر التي يمكن أن يعتمد عليها في بيان تاريخ تلك الفترة تعتبر نادرة جداً، بل لا يوجد بين يدي النصارى سوى كتاب "أعمال الرسل" الذي تحدث كاتبه في أوله عمن يزعم أنهم تلاميذ المسيح حديثاً محدوداً، ثم خصص بقية كتابه للحديث عن بولس وأعماله، ورغم ذلك فإن المعلومات عن بولس تنقطع قبل موته بعد وصوله روما، وهذه النهاية التي انتهى إليها صاحب الكتاب هي نهاية المعلومات المتوفرة لدى النصارى عن تلك الفترة يضاف إلى ذلك ما يمكن إستفادته واستخلاصه من رسائل بولس الأربع عشرة التي فيها إشارات قليلة تخص بولس من ناحية تاريخية إلا أنها شبه خالية من المعلومات عن الحواريين الذين هم تلاميذ المسيح ﵇ الحقيقيون
ومع ذلك فسنحاول ذكر تاريخ إجمالي للنصارى والنصرانية إلى عهد ما بعد الإمبراطور قسطنطين حسب المعلومات المتاحة، وذلك لإعطاء القارئ تصوراً عن النصرانية من ناحية تاريخية، ربما يكون قريباً من الواقع.
стр. 146
أولاً: المسيح ﵇ من خلال مصادر النصارى
المسيح١ هو عيسى بن مريم ﵇ وينسبه النصارى إلى داود ﵇ ٢ ويعتقدون أنه لا أب له من البشر، لأن الله أرسل إلى مريم الملك جبريل ﵇ فكان الحمل به ﵇ ٣ ثم إنها وضعته بعد ذلك في بيت لحم في فلسطين، وزعم صاحب إنجيل متى أن أمه ذهبت به من فلسطين إلى مصر خوفاً من هيرودس حاكم اليهودية، الذي عزم على قتل جميع الأطفال الذين ولدوا في ذلك العام، لأن منجمين مجوس أخبروه بولادة ملك اليهود٤
стр. 147
وبعد بلوغ المسيح ﵇ الثلاثين من عمره ابتدأ دعوته بعد أن اعتمد١من يحيى ﵇ ٢ فكان يعظ الناس في أماكن تجمعهم، وإذا رأى مرضى يشفيهم ويتجول في سائر المدن اليهودية، وظهرت على يديه آيات كثيرة مثل تكثير الطعام، وشفاء المرضى، والمشي على الماء وغير ذلك، وفي هذه الفترة المبكرة من دعوته التحق به من يزعم النصارى أنهم حواريو المسيح، وتابعوه في رحلاته، ثم أرسل تلاميذه إثنين إثنين إلى القرى للدعوة، وشعر رؤساء اليهود بالخطر الذي سيحيق بهم، من جراء دعوة المسيح ﵇ ولذا فقد اتفقت كلمتهم على ضرورة القضاء عليه.
فلما كان في اليوم الأول من أيام عيد الفصح٣، علم اليهود بمكانه في بيت المقدس، وذلك بوشاية من أحد أتباعه وهو يهوذا الإسخريوطي، فجاؤا وألقوا القبض عليه، ففر تلاميذه وتركوه فأخذه اليهود إلى رئيس كهنتهم وواجهوه
стр. 148
بما يتهمونه به إلا أنهم رأوا أن الشهود لا تتفق كلمتهم فيما شهدوا به عليه، وأخيراً سأله رئيس الكهنة وقال له: أأنت المسيح ابن المبارك؟ فقال عيسى: أنا هو وسوف تبصرون إبن الإنسان جالساً عن يمين القوة وآتياً في سحاب السماء. فمزق رئيس الكهنة ثيابه. وقال ما حاجتنا بعد إلى شهود قد سمعتم التجاديف١. ما رأيكم؟ فحكم الجميع عليه أنه مستوجب للموت٢.
ثم حملوه إلى الوالي الروماني بيلاطس البنطي الذي قرره بما كان متهماً به وهو أنه "ملك اليهود" وهي التهمة التي أوعز اليهود إلى الوالي الروماني أن المسيح يدعيها لنفسه، إلا أن المسيح لم يجبه بشيء٣، فرأى بيلاطس أنه لا يستحق الموت، وهو الجزاء الذي كان يطالب اليهود بإيقاعه به، إلا أن بيلاطس بعد ذلك ونزولاً عند رغبة اليهود حكم عليه بالموت على الصليب، فحمل يوم الجمعة صباحاً إلى موضع الصلب، حيث علق على الصليب في زعمهم في الساعة الثالثة صباحاً٤ وبقي على الصليب إلى الساعة التاسعة عصراً، حيث مات بعد أن صاح "إلهي إلهي لماذا تركتني" ثم أُنزِل عن الصليب وأدخل قبراً بقي فيه تلك الليلة ونهار السبت وليلة الأحد، فلما جاؤا صباح الإثنين وجدوا القبر خالياً، وقيل لهم إنه قام من قبره، ثم إنه ظهر
стр. 149
لتلاميذه بعد ذلك، وبين لهم أنه حي وبقى معهم حسب كلام صاحب أعمال الرسل "أربعين يوماً"١ ثم ارتفع إلى السماء وهم ينظرون إليه٢، وكانت مدة دعوة المسيح حسب الأناجيل الثلاثة الأولى لا تزيد عن سنة واحدة إذ لم يذكروا خلال دعوة المسيح إلا عيداً واحداً، أما إنجيل يوحنا فذكر ثلاثة أعياد٣ لليهود لهذا يرى كثير من النصارى أن مدة دعوته كانت ثلاث سنوات٤، وكان أتباعه خلال هذه المدة والذين خَلفَّهم بعده ينحصرون في الاثنى عشر حوارياً وآخرين يبلغ مجموعهم مائة وعشرين فقط٥.
وكل من نظر في الأناجيل التي بين يدي النصارى والتي تحوي دعوة المسيح ونشاطه، وتحركاته، ومواعظه، يتيقن أن المسيح لم يؤسس ديانة جديدة البتة، بل كان يلتزم بشريعة موسى ﵇ ويدعو إلى الإلتزام بها، ويحرم الخروج عليها٦، وبهذا أيضاً وصى تلاميذه الذين أرسلهم إلى الدعوة في القرى٧.
стр. 150
أما محور دعوة المسيح ﵇ حسب الأناجيل، فهو الدعوة إلى التوبة والإنابة إلى الله والتبشير بالملكوت القريب١، وكان يضرب لهم الأمثال في ذلك، ولا يختلف في هذا عن الأنبياء من بني إسرائيل الذين سبقوه وجاؤا بعد موسى ﵇، إلا أنه زاد في النهي عن الفواحش والفساد بتأكيد تحريم الوسائل إليها فمن ذلك قوله في إنجيل متى (٥/٢٧) "قد سمعتم أنه قيل للقدماء لاتزن، وأما أنا فأقول لكم إن من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه" وفي (٥/٣٣) "سمعتم أنه قيل للقدماء لا تحنث بل أوف للرب أقسامك، وأما أنا فأقول لكم لا تحلفوا البتة...... بل ليكن كلامكم نعم. نعم، لا. لا"
وكذلك أكد على التسامح والعفو والمحبة وفي هذا يقول متى (٥/٤٣) "سمعتم أنه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك، وأما أنا فأقول لكم باركوا لا عينكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم"
أما التشريع فلم يذكر عنه منه شيء سوى ما يتعلق بالحض على عدم الطلاق وعدم زواج المطلقة. يقول متى عنه في (٥/٣١) "وقيل من طلق إمرأته فليعطها كتاب طلاق، وأما أنا فأقول لكم إن من طلق إمرأته إلا لعلة الزنى يجعلها تزني
стр. 151
ومن يتزوج مطلقة فإنه يزني".
وفي إنجيل لوقا (١٦/١٨) يقول "كل من يطلق امرأته ويتزوج بأخرى يزني وكل من يتزوج بمطلقة من رجل يزني"
فهذا يدل على أن المسيح ﵇ لم يؤسس ديانة جديدة البتة بل كان شأنه ودعوته شأن ودعوة الأنبياء السابقين من بني إسرائيل من بعد موسى عليه السلامإلا أن الله جعله وأمه آية لبني إسرائيل.
ثانياً: تلاميذ المسيح ﵇ بعد رفعه.
المصادر التاريخية لهذه الفترة بعد رفع المسيح ﵇ نادرة جداًوقليلة فلا يوجد بين يدي النصارى سوى سفر أعمال الرسل الذي ورد فيه جانباً من أعمال حواري المسيح وتلاميذهثم خُصِصَ بقية الكتاب للحديث عن بولس ويضاف إلى هذا السفر بعض الجمل الواردة في الرسائل الملحقة بالعهد الجديد التي تتحدث عن شيء من تأريخ تلاميذ المسيح. هذا كل ما لدى النصارى من كتب عن هذه الفترة.
ولهذا سنشير إشارة مختصرة إلى هذه الفترة حسب المعلومات المتاحة فنقول:
إن تلاميذ المسيح فيما يذكر النصارى بعد رفعه قاموا بالدعوة في جميع مدن اليهودية. وحسب سفر أعمال الرسل فقد أظهروا آيات وعجائب كثيرة قاموا بها وخاصة شفاء المرضىوبناءاً على تلك الآيات أقبل الناس على سماع كلامهم والإستجابة لهمإلا أن هذا لم يمنع كهنة اليهود ورؤساءهم من أن يتوعدوا التلاميذ ويتهددونهم ليتوقفوا عن الدعوةإلا أن ذلك التهديد لم يوقف حماس التلاميذ ونشاطهم في الدعوةوتتركز دعوة التلاميذ
стр. 152
وتعاليمهم: على وجوب التوبة والتعميد والإيمان بالمسيح عيسى ﵇ لتغفر لهم خطاياهم١ وهي الدعوة التي كان المسيح ﵇ يدعو إليها كما سبق بيانه.
ولم يكن في دعوتهم تصريح بألوهية المسيح ولا بنوته لله، بل أعلن "بطرس" كبيرهم فيما يذكر النصارى أمام اليهود في أول خطبة له عامه:"أن يسوع الناصرى رجل٢ قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم كما أنتم أيضاً تعلمون"٣
بعد هذا ازداد حنق اليهود على التلاميذ فقبضوا على أحدهم ويسمى إستفانوس ورجموه بالحجارة حتى قتلوه٤ وقتلوا بعده آخر يسمى يعقوب أخو يوحنا٥ ثم اضطهدوا بقية الأتباع، حتى تشتت كثير منهم في سائر أنحاء اليهودية والسامرة، وكان التلاميذ إلى ذلك الوقت مقتصرين في دعوتهم على أبناء جلدتهم من اليهود، إلا أنهم رأوا أن غير اليهود يقبلون أيضاً دعوتهم، وقد انضم إليهم عدد من اليونانيين، فشجعهم هذا على تكثيف الدعوة بين الأجانب، فأرسلوا برنابا٦ إلى أنطاكية ليدعو الأجانب، فآمن بدعوته أيضاً العديد من الناس، وكان قد انضم إلى التلاميذ بولس "شاؤول
стр. 153
اليهودي"١ فكُلِفَ هو وبرنابا بدعوة الوثنيين، فنجحا في دعوتهما نجاحاً كبيراً، وحدث من جراء قبول الوثنيين اليونانيين وغيرهم للديانة النصرانية إشكال خطير، وهو أن بعض دعاتهم صاروا لا يلزمون من تنصر من الوثنيين بالتمسك بتعاليم الشرائع الموسوية، وعلى رأس هؤلاء بولس، وأما الدعاة الآخرون فكانوا يرون وجوب العمل بتعاليم الشريعة الموسوية ومن ضمنها الختان.
فحدث خلاف بينهم، اجتمعوا على إثره في مجمع في بيت المقدس، فقرروا عدم مطالبة الوثنيين بالالتزام بالشريعة، ويكتفى من ذلك بالإمتناع عما ذبح للأصنام وعن الدم والمخنوق والزنا"٢. هكذا ذكروا.
وينتهي بعد هذا خبر التلاميذ، ولا يعلم على التحديد ما حدث منهم ولا ما حدث عليهم، وإنما يمكن تتبع بولس في دعوته، وأنه نشط نشاطاً قوياً في دعوته فزار مدناً عديدة في آسيا، ثم كان خاتمة مطافه في روما، وهذا آخر ما ذكره صاحب سفر الأعمال، ولا يعطينا عن خاتمة حياة بولس شيئا ولا يعرف النصارى على التحقيق عنها شيئاً.
ثالثاً: العصور اللاحقة لعصر تلاميذ المسيح إلى مجيء الإمبراطور قسطنطين
إن الحديث عن العصور المتقدمة من هذه الفترة يلفه الغموض الشديد ويكاد يكون الجهل بتلك الفترة جهلاً مطبقاً، وهي فترة من أكثر فترات التاريخ
стр. 154
النصراني غموضاً وأشدها صعوبة وخطورة، إذ أفرزت هذه الفترة وخاصة اللاحقة مباشرة لعصر التلاميذ بروز الأناجيل الكثيرة، التي ظهرت في وقت متقارب من تلك الفترة، وهي متضاربة تضارباً شديداً.١
كذلك برزت للوجود الأقوال المنحرفة الكثيرة عن المسيح وديانته، وهي أيضاً أقوال متضاربة متباينة،
يقول الكاتب النصراني حبيب سعيد متحدثاً عن تلك الفترة "ومع أنه من اليسير جمع نتف من هنا وهناك عن هذه الفترة- نهاية عصر الحواريين - إلا أن الأربعين سنة من ٧٠ إلى ١١٠م - تبقى أكثر فترات التاريخ المسيحي غموضاً وإبهاماً، وهو أمر يؤسف له، لأن هذه الفترة حفلت بكثير من معالم التغيير في الكنيسة نفسها، ولأن فيها برز كثيرون من دعاة المسيحية المجهولين بعد "بولس"، وظهر كثير من الأفكار التي حملها بلا شك المتنصرون الوثنيون من مصادر غير مسيحية وخاصة حول العقائد والممارسات المسيحية، مثل الأسرار، والأصوام وأشكال العبادة، ودستور الكنيسة نفسه خضع لبعض التعديلات"٢
ويميز هذه الفترة المتقدمة من تاريخ النصارى حادثة مهمة جداً لعلها من أهم الحوادث التي وقعت على النصارى بعد رفع المسيح ﵇ ألا وهي حادثة تدمير بيت المقدس من قبل القائد الروماني تيطس سنة ٧٠م في عهد الإمبراطور "لوسباسيانوس" حيث قضى هذا القائد على اليهود في فلسطين
стр. 155
وخاصة في القدس قضاءاً شبه تام بسبب ثورتهم ضد الرومان١.
ولاشك أن عملية القتل والإبادة هذه قد طالت أكبر عدد من النصارى في ذلك التاريخ، لأنه لم يكن هناك فرق بين اليهودي والمتنصر إبان تلك الفترة، كما أن البلاء والقتل والإبادة كان شبه عام لجميع المناطق التي يتواجد فيها اليهود في فلسطين خاصة والمناطق المجاورة لها.
ومن هنا فإن الحديث عن تلك الفترة فيه عسر واضح، إذ أنها حلقة مجهولة في تاريخ النصرانية، حتى إن نهاية أتباع المسيح ﵇ وكذلك بولس تعتبر مجهولة٢ بسبب ذلك البلاء الطويل الذي حل باليهود متتابعاً متلاحقاً من قبل الرومان، منذ رفع المسيح ﵇ إلى تدمير تيطس لبيت المقدس سنة ٧٠م، ثم استمر البلاء على من بقي منهم إلى التدمير الثاني في عهد الإمبراطور "أدريان" حيث تجمع مجموعة من اليهود وأمروا عليهم رجلاً يسمى "بركوكبا" وزعموا أنه المسيح المنتظر فخرج بهم على الرومان، فما كان من الإمبراطور الروماني "أدريان" حوالي عام ١٣٠م إلا أن أرسل حملة كبيرة وأمرها بتدمير جميع المحلات التي يمرون عليها، محلاً، محلاً، واستمر في ذلك سنتين حتى دمر بلاد اليهود، وقضى عليهم، وأعاد تدمير بيت المقدس وبنى محله هيكلاً للمشتري، معبود الرومان في ذلك الوقت، وحرم على اليهود الدخول إلى بيت المقدس إلا يوماً واحداً في السنة بعد دفع غرامة مالية كبيره٣.
стр. 156
فلاشك أن أحداثاً جساماً كهذه كانت سبباً من الأسباب المباشرة للانقطاع التاريخي البيَّن في تاريخ النصارى الذين كانوا في ذلك الوقت لا يتميزون عن اليهود بشيء خاصة لدى من هو خارج إطارهم مثل الرومان واليونان الوثنيين.
كما أن الثقل الديني والإلتزام بمبادئ المسيح ﵇ كان متمركزاً في بيت المقدس، وكان سبق أن حدث انقسام بين دعاة النصارى في مسألة شريعة موسى ﵇ ووجوب التزامها وإلزام المتنصرين من الوثنيين بها، وكان المحافظون على الشريعة والموجبون للإلتزام بها من المتبعين للمسيح من اليهود هم القوة الغالبة في ذلك الوقت.
إلا أن تدمير بيت المقدس وقتل اليهود وجه لهذه الفئة بالذات ضربة قاصمه، وأفسح المجال لبولس وأتباعه المنادين بإلغاء العمل بالشريعة الموسوية وفصلها عن ديانة المسيح ﵇ يقول حبيب سعيد "أما خراب أورشليم في الشرق إثر التمرد اليهودي سنة ٧٠م فكان له أثر عميق في المسيحية، وذلك لأنه قضى على الجماعات الفلسطينية، وتضخم أعداد متنصرى الوثنية، من العوامل التي جعلت كفاح "بولس" للتخلص من اليهودية الناموسيه الضيقه، غير ذي موضوع، وغدت أنطاكيه ورومية وبعدها أفسس أهم المراكز في تطور التاريخ المسيحي١".
والناظر في تاريخ تلك الفترة يجد أنها أفرزت افرازات خطيرة جداً في الديانة النصرانية حيث ظهرت المذاهب والأقوال المختلفة والمتباينة في المسيح وديانته، نذكر منها:-
стр. 157
الغنوصية ١: وهو اسم يطلقه النصارى على فرق عديدة، تجمع في عقيدتها بين إلهين اثنين أو أكثر، وتبني مطالبها على المعرفة٢.
المارسيونية أو الماركونية: وهم أتباع مارسيون الذي ولد في آسيا سنة ٨٥م، وبعضهم يقول ١٢٠م، ومن معتقداته القول بإلهين: أحدهما إله اليهود، وهو في زعمه إله قاس شرس، وهو الذي خلق هذا العالم المادي. ومع ذلك فهو أقل مستوى من الإله الآخر الذي هو إله الرحمة والمحبة، حيث هو الإله الحقيقي المحتجب والذي ظهر في شخص المسيح، ويرى أن المسيح لم يمت على الصليب ولم يدفن ولم يقم من القبر، ولكنه اختفى فجأة ليبشر الموتى في الهاوية ثم رجع بعد ذلك ليقوم بعمله كالأب المحتجب في السماء.
المونتانية: وهي تنسب إلى رجل اسمه " مونتانس " ادعى النبوة بعد منتصف القرن الثاني الميلادي، وزعم أن الروح القدس يتكلم إليه، وتنبأ معه أيضاً امرأتان أعلنتا قرب نهاية العالم وقرب رجوع المسيح ﵇. ولكي يستعدوا لهذا المجيء أمرت المتنبئتان الناس بالكف عن الزواج وعن شرب الخمر وعن الأطعمة الشهية، وصاروا ينتظرون مجيء المسيح، حتى خرج مجموعة منهم إلى الصحراء لاستقبال المسيح، وكادوا أن يهلكوا من الجوع والعطش لولا أن السلطات أنقذتهم. وقد استمرت المونتانية قائمة إلى القرن الخامس الميلادي٣.
стр. 158
البنويون: وقولهم: أن المسيح إنسان ولد من مريم بطريقة إعجازية، وأن الله في وقت تعميد المسيح تبناه ووهبه قوة لعمل المعجزات، واستمر بشراً إنساناً إلى أن صلب ثم مات، وقام من الموت، ورفع إلى السماء، وهم ينتظرون مجيئه ليخلص أتباعه من العار الذي أصابهم بسبب صلبه، وهم يتمسكون بالشريعة الموسوية١
الانتحالية أوالوحدوية: وهي عدة مذاهب نصرانية نادت بأن الله واحد وليس ثلاثة ولها مذاهب وأقوال منها:-
السابليوسية: نسبة إلى الكاهن سابليوس المتوفى سنة ٢٦١م وهو كما قيل عنه يعتقد: بأن الله واحد غير قابل للتجزئة وينكر الثالوث إلا أنه يرى أن الله الخالق تجسد بعد في صورة المسيح فصار إبناً، فتألم وصلب ثم تحول بعد ذلك إلى الروح القدس الذي صار مرشداً للتلاميذ. فعنده أن الله واحد قد أخذ هذه الأدوار الثلاثة كلها.
بولس السميساطي: وهو أسقف أنطاكيه الذي رُسِّم أُسقفاً لها سنة٢٦٠م، وكان يقول إن الله واحد، وأن كلمته وحكمته من صفاته، وأن هذه الصفة "الكلمه" حلَّت على المسيح الذي هو بشر ولد من مريم فحين حلَّت عليه الكلمة صار المسيح الفادي والمخلص، ورفعه الله مكافأة له، وأعطاه إسماً فوق كل اسم.
الأريوسية: نسبة إلى الأسقف الليبي "آريوس" الذي درس على تلميذ بولس السميساطي وهو "لوقيانوس" وكان آريوس يعلم بأن الله إله واحد غير
стр. 159
مولود أزلي، أما الإبن فليس أزلياً بل وجد وقت لم يكن الإبن فيه موجوداً، وهو خرج من العدم مثل غيره من المخلوقات حسب مشيئة الله، فهو ليس إلهاً، ولايملك شيئاً من الصفات الإلهية، إلا أن الله منحه مجداً جعله فوق كل الخلائق.
وقد انتشرت الآريوسيه إنتشاراً عظيماً، وهي التي انعقد مجمع نيقيه سنة ٣٢٥م بأمر الإمبراطور قسطنطين١ للنظر فيها وغيرها من المذاهب التي كان يتوزع إليها النصارى في ذلك الوقت٢.
فهذه المذاهب والأقوال المتباينة كانت منتشرة بين النصارى في ذلك الوقت، ولأتباعها نشاط قوي أيضاً، وكانت المواجهات القوية كثيراً ما تحدث بينهم وبين من يخالفهم، وخاصة أتباع مذهب "بولس" الذي كان له تلاميذ وأتباع فيما يظهر أقوياء وذوي نشاط في دعوتهم، وقد استطاعوا أن يترأسو المراكز الدينية في ذلك الوقت، بعد سقوط عاصمة الديانة الأولى، وهي بيت المقدس، وتلك المراكز تمثلت في أنطاكيه، والإسكندريه، وروما، وكانت في الغالب في يد أتباع بولس، وقد كان من أولئك الأتباع:-
أسقف أنطاكيه إغناطيوس الأنطاكي الذي نصب أسقفاً لكنيسة أنطاكيه وذلك في سنة ٧٠م ٣.
وأسقف كنيسة روما إكلميندس الروماني الذي نصب فيما يظن من سنة
стр. 160
٩٢-١٠١م١.
وأسقف سميرنا (أزمير) بوليكاربوس: الذي قتل في اضطهادات الحاكم ماركوس أوريليوس سنة ١٥٦م٢.
وأسقف ليون ايريناوس: الذي يعتقد أنه توفي بين سنتي ١٩٠-٢٠٢م٣.
جاستين- يوستينوس مارتر الذي فتح مدرسة في روما ثم أعدم في سنة ١٦٥م٤.
واكلميندس الإسكندري: الذي ولد سنة ١٥٠م في بلاد اليونان ثم انتقل إلى الإسكندرية حيث التحق بمدرستها التي تدعى "مدرسة التعليم المسيحي٥" وتولى إدارتها ويعتقد أنه توفي سنة ٢١٥م٦
وإريجانوس المصري: الذي ولد حوالي ١٨٥م في الإسكندرية، وتولى إدارة المدرسة اللاهوتية فيها بعد مديرها السابق، توفي في صور سنة ٢٥٣م٧.
وإثناسيوس: الذي نُصِّبَ أسقفاً على الإسكندرية سنة ٣٢٨م خلفاً
стр. 161
لإسكندروس، واللذان كان لهما أكبر الأثر في تحريف دين المسيح ﵇ بترسيخ عقيدة ألوهية المسيح في مجمع نيقيه الذي دعا إليه الإمبراطور قسطنطين سنة ٣٢٥م ونبذ دعوة التوحيد التي كان يتزعمها آريوس الليبي١.
وكانت هذه المواجهات بين المختلفين من دعاة النصارى وأساقفتهم تنتهي في الغالب بالدعوة إلى مجمع من المجامع، الذي يعلن في نهايته بحرمان من قصد حرمانه وطرده من الشركة النصرانية٢ وفي الغالب لا ينصاع المطرود والمحروم لتلك القرارات، بل يستمر في نشر تعاليمه٣.
ومن المعلوم أن النصارى في تلك الفترة لم تكن لهم دولة، ولم يقم لهم تجمع متكامل بحيث يمكن أن يقال عنهم أنهم أمة مجتمعه، بل كانوا أول الأمر يعيشون بين بني جنسهم اليهود ثم بين الوثنيين، وهذا جعلهم في حالة من البلاء والعذاب شديدة، فحين كانوا بين بني جنسهم اليهود كانوا يُضْطَهدون لأن اليهود اعتبروهم خارجين عن شريعتهم، وفي نفس الوقت يضطهد الجميع الرومان الوثنيون الذين كانوا لا يعرفون فرقاً بين اليهودي والنصراني، لهذا فقد كان لثورات اليهود على الرومان أسوأ الأثر على النصارى، وبعد القضاء على اليهود وطرد من بقي منهم خارج فلسطين واجه النصارى الذين كانوا بين الوثنيين إضطهاداً شبه متواصل من قبل حكام الرومان الوثنيين٤ استمر قرابة ثلاثة قرون، إلى أن تولى الإمبراطور قسطنطين عرش
стр. 162
روما، فأوقف الاضطهاد بمرسوم ميلان سنة ٣١٣م١، وابتدأ النصارى منذ ذلك التاريخ، يظهرون على السطح، وبدأت ديانتهم تنتشر انتشاراً فعلياً على حساب الوثنية التي كانت تدين بها أكثر الشعوب في ذلك الوقت، إلا أن النصرانية نفسها في هذه الفترة المتأخرة قد وصلت إلى الوثنيين وقد أثرت في كثير من دعاتها السنون العجاف المتطاولة التي مرت بهم، فانحرفوا عن دين المسيح ﵇ وجعلوه ديناً وثنياً يقوم على تأليه ثلاثة آلهة في ثلاثة أقانيم يزعمون أنها إله واحد، ويعتمدون في شرح الديانة وتفصيل العقيدة على الفلسفة، وخاصة الأفلاطونية الحديثة والرواقية، وكان من يسمون بالمدافعين عن النصرانية في تلك العهود جلهم قد درس الفلسفة الوثنية، وربما كان تابعاً لها فترة طويلة ثم تحول إلى النصرانية بفلسفته وسابق تصوراته٢ فهذا كله جعل الوثني لا يجد فرقاً كبيراً بين ما كان يعتقد وما يدعوا إليه النصارى.
وكان لتنصر أباطرة الرومان وأولهم قسطنطين أكبر الأثر في انتشار النصرانية في الدولة الرومانية المترامية الأطراف - والناس على دين ملوكهم- إلا أن تنصر الأباطرة قد جعل النصارى يواجهون مشكلة كبرى وهي وصاية الأباطرة على الديانة وتعاليمها، حيث صارت بعد ذلك في يد الأباطرة الرومان الذين يسيرون العقائد النصرانية وفق أهوائهم، فينصرون من المذاهب ما يتفق مع أهوائهم، فإذا كان هناك أحد يدعوا إلى تعاليم لا يميلون إليها فإنهم يطلبون من النصارى عقد مجمع ويوعز إليهم بطرد ولعن من لا يرغبون، يقول حبيب سعيد: " وباحتضان الإمبراطورية للكنيسة، تعرضت القوى الروحية في
стр. 163
الكنيسة لخطر الإختناق والفناء - وغدا تنفيذ القانون الكنسي، واستدعاء المجالس العامة وتنفيذ قرارتها، وتعيين الأساقفة في المراكز الهامة، وحق الإختصاص الأعلى للمحاكم الروحية، والقول الفصل في المشاكل الجدلية والتي قد تنشأ حول العقائد، غدت كلها من الحقوق التي طالبت بها الدولة الرومانية وأصرت على انتزاعها من السلطات الدينيه"١.
يؤكد لنا هذا التسلط ويوضحه أن الذي دعا إلى مجمع نيقيه سنة ٣٢٥م هو الإمبراطور قسطنطين وكان حاضراً في ذلك المجمع وقرر فيه أُلوهية المسيح وطرد أريوس وجماعته، ثم صدق بعده بعشر سنوات على قرارات مجمع صور التي فيها إعادة أريوس إلى الكنيسة وطرد إثناسيوس الذي كان وراء إقرار الوهبة المسيح ﵇.
ثم دعا كل من الإمبراطور الغربي قسطنطين الثاني والإمبراطور الشرقي قسطنديوس إلى مجمع في مدينة سارديكا سنة ٣٤٣م بغرض توحيد النصارى، لكن النصارى لم يتفقوا وخرجوا أشد اختلافاً وتفرقاً.
ثم بعد مقتل الإمبراطور قسطنطين الثاني دعا الإمبراطور قسطنديوس إلى مجمع ميلانو سنة ٣٥٥م وطلب من الأساقفة إصدار حكم بخلع اثناسيوس، ووقعت الأغلبية على ما أراد، ثم دعا ذلك الإمبراطور أيضاً إلى مجمعين في نفس الوقت مجمع في تركيا ومجمع في إيطاليا سنة ٣٥٩م وأمر الذين يشرفون على مجمع إيطاليا بإرغام المجتمعين على التوقيع على قرار المجمع الذي يوافق نوعاً ما مذهب الآريوسيين الذين يسمون "الأريوسيين المعتدلين".
стр. 164
كما استخدم القوة العسكرية من أجل إرغام المجتمعين في تركيا على التوقيع، ثم جاء الإمبراطور ثيود وسيوس وكانت ميوله ضد الأريوسية١ فدعا إلى مجمع القسطنطينة سنة ٣٨١م، وقرر المجمع العودة إلى قانون الإيمان النيقوي٢ وزادوا عليه: ألوهية الروح القدس واعتبار الأريوسيه ضد القانون الروماني٣، وهو المذهب الذي عليه الغالبية العظمى من النصارى إلى الآن.
وهكذا نجد أن النصرانية صارت ألعوبه بيد أباطرة الرومان يسيرونها وفق أهوائهم ورغباتهم إلى أن سقطت الدولة الرومانية أمام هجمات القبائل القادمة من الشرق والشمال الشرقي التي استولت على روما سنة ٤١٠م٤.
وبهذا نكون قد عرضنا في هذا المبحث التاريخ النصراني المبكر بشكل مختصر، ولعله يكون وافياً بالغرض، ولابد أن نبين هنا أن انتصار أتباع بولس ومذهبه قد جعل مصادر دارسي مثل هذه الموضوعات تعتمد عليهم، فهم الذين نقلوا كل هذه المعلومات عن معلميهم، وعن الفرق الأخرى ومعلميها، لذا فإن الحكم على صحة المعلومات عن تلك الفرق وأولئك الناس وخاصة في مجال العقيدة لا يكون صحيحاً دقيقا إلا في حالة الاطلاع على كلام صاحب المقالة أو كلام تلاميذه وأتباعه عنه فعلى المطالع لذلك الانتباه في هذا الموضوع والحذر.
والله تعالى أعلم ...
стр. 165
الفصل الثاني: مصادر النصرانية
النصارى يستمدون عقائدهم وتشريعاتهم ومعارفهم الدينية من مصدرين أساسيين هما:
أولاً: الكتاب المقدس. ثانياً: المجامع النصرانية. وسنتحدث عن كل واحد منهما في المباحث التالية:-
стр. 166
المبحث الأول: الكتاب المقدس:
النصارى يقدسون كلا من العهد القديم والعهد الجديد ويضمونها معاً في كتاب واحد يطلقون عليه اسم " الكتاب المقدس ".
والعهد القديم: هو التوراة مع الكتب الملحقة بها١،وقد سبق ذكرها وتعريفها.
أما العهد الجديد: فهو مجموعة من الأناجيل والرسائل الملحقة بها وتتضمن حسب المدون فيها: دعوة المسيح ﵇، وتاريخه، وشيئاً من دعوة أوائل النصارى، وتاريخهم، ورسائل دينية أخرى، وهي على الترتيب:-
١- إنجيل متى
٢- إنجيل مرقص
٣- إنجيل لوقا
٤- إنجيل يوحنا
٥ - أعمال الرسل
٦- رسالة بولس إلى أهل روميه
٧- رسالة بولس الأولى إلى كورنثوس
٨- رسالة بولس الثانية إلى كورنثوس
٩- رسالة بولس إلى غلاطيه
١٠- رسالة بولس إلى أفسس
١١-رسالة بولس إلى أهل فيلبي
١٢- رسالة بولس إلى أهل كولوسى
١٣- رسالة بولس الأولى إلى أهل تسالونيكي
١٤- رسالة بولس الثانية إلى أهل تسالونيكي
١٥-رسالة بولس الأولى إلى تيموثاوس
١٦- رسالة بولس الثانية إلى تيموثاوس
١٧- رسالة بولس إلى تيطس
١٨- رسالة بولس إلى فليمون
١٩- الرسالة إلى العبرانيين
٢٠- رسالة يعقوب
٢١- رسالة بطرس الأولى
٢٢- رسالة بطرس الثانية
стр. 167
٢٣- رسالة يوحنا الأولى
٢٤- رسالة يوحنا الثانية
٢٥- رسالة يوحنا الثالثة
٢٦- رسالة يهوذا
٢٧- رؤيا يوحنا اللاهوتي
وسنكتفي في هذه الدراسة الموجزة ببيان حال الأناجيل من ناحية ثبوتها وصحة نسبتها إلى من تنسب إليه، وهل يصح اعتبارها كتباً مقدسة أم لا ١؟.
стр. 168
المطلب الأول: إسناد وتاريخ الأناجيل الأربعة
تمهيد:-
الإنجيل كلمة يونانية تعني الخبر الطيب١ (البشارة) .
والإنجيل عند المسلمين: هو الكتاب الذي أنزله الله تعالى على
عيسى ﵇ فيه هدى ونور. قال تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ المائدة آية (٤٦) .
وقد دعا المسيح ﵇ بني إسرائيل للأخذ بالإنجيل والإيمان به، فقد جاء في إنجيل مرقص (١/١٤) : "وبعدما أُسلم يوحنا جاء يسوع إلى الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله، ويقول: قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالإنجيل".
وقد ذكر هذا الإنجيل أوائل النصارى ودعوا إلى الإيمان به، وفي هذا يقول سفر أعمال الرسل ٨/٢٥ عن بطرس ويوحنا في دعوتهما للسامريين من اليهود "وكما شهدا وتكلما بكلمة الرب رجعا إلى أورشليم وبشرا بالإنجيل في قرى كثيرة للسامريين"٢
стр. 169
وذكره بولس أيضاً في رسائله، مثل قوله في رسالته الأولى إلى أهل تسالونيكي (٢/٢) "جاهرنا في إلهنا أن نكلمكم بإنجيل الله في جهاد كثير لأن وعظنا ليس عن ضلال ولا عن دنس ولا بمكر، بل كما اسْتُحْسِنا من الله أن نؤتمن على الإنجيل هكذا نتكلم ... ثم يقول -: ... فإنكم أيها الأخوة تذكرون تعبنا وكدنا إذ كنا نكرز لكم بإنجيل الله.." ١.
فإذاً الإنجيل كان كتاباً موجوداً ومعروفاً لدى النصارى الأوائل بأنه إنجيل الله أو إنجيل المسيح، إلا أن هذا الإنجيل لا نجده بين الأناجيل الموجودة بين يدي النصارى اليوم: فأين هو؟ ٢
стр. 170
على النصارى أن يجيبوا على هذا السؤال، أو يعترفوا بأنهم فقدوه في زمن مبكر من تاريخهم، ولعل هذا هو الأرجح. إذ يقول الله : ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ المائدة آية (١٤) .
وقد صار عند النصارى بدل الإنجيل الواحد أربعة أناجيل يجعلونها في مقدمة كتابهم العهد الجديد، ولا ينسبون أياً منها إلى المسيح ﵇، وإنما هي منسوبة إلى متى ومرقص ولوقا ويوحنا - الذي يزعم النصارى أن اثنين منهم من الحواريين وهما متى ويوحنا، والآخران أحدهما مرقص تلميذ بطرس، والآخر لوقا تلميذ بولس في زعمهم.
وهذه الأناجيل تحوي شيئاً من تأريخ عيسى ﵇ حيث ذُكِرَ فيها ولادته، ثم تنقلاته في الدعوة، ثم نهايته بصلبه وقيامته في زعمهم، ثم صعوده إلى السماء.
كما تحتوي على مواعظ منسوبة إليه وخطب ومجادلات مع اليهود ومعجزات كان يظهرها للناس دليلاً على صدقه في أنه مرسل من الله، فهذه الأناجيل أشبه ما تكون بكتب السيرة، إلا أن بينها إختلافات ليست قليلة، وبعضها إختلافات جوهرية لا يمكن التوفيق بينها إلا بالتعسف كما سيتبين.
стр. 171
والقارئ لهذه الأناجيل الأربعة يستطيع بسهولة أن يدرك أن ما ورد فيها من دعوة وخطب ومواعظ ومجادلات تعود إلى مطلبين أساسيين، هما:
١- الدعوة إلى التوبة والعمل بما جاء في الشريعة التي أنزلت على موسى ﵇.
٢- التبشير بقرب قيام مملكة الله التي يتحقق فيها العدل والمساواة١.
стр. 172
أولاً: تاريخ الأناجيل الأربعة إجمالاً:
قبل الحديث عن تاريخ الأناجيل الأربعة لدى النصارى لابد من بيان: أن الكتب الدينية لها مكانة عظيمة لدى أتباعها، ولها دور خطير في الحياة، إذ يعتمد عليها في توضيح الطريق إلى سعادة الدنيا وفوز الآخرة. فلهذا يجب أن تكون الكتب ثابتة الإسناد إلى أصحابها الذين هم رسل الله والمبلغون عن الله ، فإذا لم تكن كذلك فإنها تفقد قيمتها، إذ تكون عرضة للتحريف والتبديل من قبل أصحاب الأهواء والمقاصد الخبيثة، أو من قبل العوارض البشرية كالنسيان، وقلة العلم، والوهم ونحو ذلك.
فصحة الإسناد بعدالة رواة الأخبار وضبطهم وعدم انقطاعه هو السبيل الذي يمكن به وصول هذه الكتب إلى الناس سليمة صحيحة كاملة، فيتعرف الناس على الحق من خلالها.
وإذا نظرنا في كتب الحديث عند أهل الإسلام والتي تتضمن أقوال نبينا محمد ﷺ وأفعاله وتقريرا ته وجميع ما يتعلق به، عرفنا الجهد العظيم الذي بذله أولئك الأئمة في المحافظة على حديث رسول الله ﷺ سليماً صحيحاً، حيث يستطيع المسلم في القرن الخامس عشر الهجري أن يعرف صحة الحديث من عدمها.
وإذا بحثنا في التاريخ لدى النصارى عن إسناد لهذه الأناجيل إلى من تنسب إليه لا نجد من ذلك شيئاً البتة لا قليلاً ولا كثيراً. ورسائل بولس وكذلك الرسائل الأخرى وأعمال الرسل ليس في شيء منها إشارة إلى واحد من هذه الكتب الأربعة، الأمر الذي يترتب عليه أن هذه الكتب لم تكن معروفة
стр. 173
في ذلك الزمن ولم يطلع عليها أحد منهم، وفي هذا دلالة قوية على أن نشأة هذه الكتب وظهورها كان متأخراً عن هذه الرسائل، بخلاف إنجيل الله أو إنجيل المسيح فقد ورد ذكره في كلام بولس مراراً عديدة، كما ورد ذكره في إنجيل مرقص، وأعمال الرسل مما يدل على وجوده وأنه معروف معلوم١.
وقد حاول النصارى أن يجدوا لهذه الكتب إسناداً أو إخباراً عنها في كلام متقدميهم يتفق مع الزمن الذي يزعمون أنها كتبت فيه، وهو الربع الأخير من القرن الأول الميلادي على أكثر تقدير. إلا أن هذه المحاولات باءت بالفشل الذريع، مما اضطرهم إلى الاعتراف بأن هذه الكتب لم تعرف إلا بعد موت من تنسب إليه بعشرات السنين، فتكون نسبتها إلى أولئك الناس نسبة لا تقوم على أدنى دليل، وإليك بعض كلام النصارى في هذا الأمر:
يقول القس فهيم عزيز الأستاذ بكلية اللاهوت الإنجيلية: "لكن قانونية٢ أسفار العهد الجديد لم تتم في وقت واحد ولم يكفها جيل أو جيلان بل استمرت مدة طويلة، ولم تقف الكنائس المختلفة موقفاً موحداً من الأسفار المختلفة، بل إختلفت آراؤها من جهة بعض الأسفار واستمرت في ذلك حقبة طويلة، فلهذا فيلزم تتبع هذا التاريخ الطويل لقانونية أسفار العهد الجديد.
الكنيسة الأولى: يوم الخمسين ٣ -١٠٠م:
من المعلوم جيداً أنه لم تكن في تلك الفترة كتب مقدسة تسمى العهد
стр. 174
الجديد١، ولكن الكنيسة لم تمكث بدون مصادر إلهية تستند عليها في كل شيء من وعظ وتعاليم وسلوك ومعاملات، وقد كان لها في هذا المجال ثلاثة مصادر".
ثم ذكر أن المصادر الثلاثة هي: العهد القديم، المسيح، الرسل، ثم قال:
" ثانياً: ١٠٠-١٧٠م ظهور الكتب القانونية في العهد الجديد:
كانت أول مجموعة عرفتها الكنيسة من العهد الجديد هي مجموعة رسائل بولس. فهي أول ما جمع من كل كتب العهد الجديد ٢، ولقد كتب بولس رسائله إلى كنائس وأفراد لظروف خاصة ومواقف محدده..
ثم قال: أما المجموعة الثانية: فهي مجموعة الأناجيل الأربعة، وقد ظهرت هذه المجموعة متأخرة بعض الوقت عن مجموعة كتابات بولس. ومع أن تاريخ إعتبارها كتباً قانونية مقدسة متساوية في ذلك مع كتب العهد القديم لا يزال مجهولاً٣، لكن الاقتباسات العديدة التي وجدت في كتابات آباء الكنيسة الرسوليين وشهاداتهم تلقى بعض الضوء على هذه الحقيقية الجوهرية في العصر المسيحي ويلاحظ الدارس الأمور الآتية:
стр. 175
١- أن بولس لم يشر في كتاباته إلى أي من الأناجيل المكتوبة ولا إلى أي كتاب عن حياة المسيح أو أقواله.." ١
ثم ذكر المصنف سبع نقاط أخرى أورد في بعضها إقتباسات لمتقدمين من النصارى تتوافق في بعضها مع ما ورد في بعض الأناجيل بدون النص على اسم الإنجيل. ٢
وأهم ما ذكره من الملاحظات هي قوله في الملاحظتين السابعة والثامنة:
٧- أما جاستن أو يوستينوس الشهيد٣ الذي كان سامرياً يونانياً وتحول إلى المسيحية ودرس في روما واستشهد حوالي ١٦٥ م فيؤخذ من كتاباته أنه قد عرف الأناجيل الأربعة مرتبطة معاً، مع أنه لم يكشف النقاب عمن جمعها ولا في أي مكان جمعت، وهو يصفها عندما يذكرها في دفاعه ضد الوثنيين بأنها الذكريات، ولكنه عندما كان يكتب للمسيحين كان يقول عن الرسل٤: "هم أولئك الذين كتبوا ذكرياتهم عن كل الأشياء
стр. 176
التي تختص بيسوع المسيح المخلص." ثم يقول مرة أخرى "الذكريات١ التي عملها الرسل التي تسمى الأناجيل "٢.
٨- أما الشاهد الأخير فهو "الديا طسرن" الذي كتبه "تاتيان"٣، وأراد أن يجمع فيه الأناجيل الأربعة معاً في إنجيل واحد، وقد أضاف تاتيان هذا بضعة كلمات للمسيح لا توجد في هذه الأناجيل، ولكنها أخذت من كتب أبوكريفيه٤ أخرى، وهو بذلك يشهد أن الأربعة الأناجيل وجدت معاً، ولكن إضافاته مجرد إقتباسات لا تدل على أنه كان يعتبر أن هناك كتباً أخرى تضارعها في سلطانها وقداستها٥"٦.
وبعد هذا النقل عن أحد القسس المتعمقين والمتخصصين في دراسات العهد الجديد، ننقل كلام مجموعة من المتخصصين النصارى عن أناجيلهم وذلك
стр. 177
في المدخل إلى العهد الجديد١ قالوا في التعريف بتأريخ وقانونية العهد الجديد ما يلي:
" لقد سيطرت على المسيحيين الأوائل فكرة، تناقلتها الألسن شفاهاً - تعلن إنتهاء هذا العالم سريعاً وعودة المسيح ثانية إلى الأرض ليدين الناس، وكان من بين نتائج هذا المعتقد أن توقف التفكير في تأليف كتابات مسيحية تسجل أخبار المسيح وتعاليمه، فتأخر لذلك تأليف الأناجيل، إذ لم يشرع في تأليف أقدمها - وهو إنجيل مرقس الذي لم يكن قط من تلاميذ المسيح - إلا بعد بضع عشرات من السنين، لقد كانوا يؤمنون بنهاية العالم وعودة المسيح سريعاً إلى الأرض: قبل أن يكمل رسله التبشير في مدن إسرائيل وهي عملية لا تستغرق أكثر من عدة أشهر أو بضع سنين على أكثر تقدير.....
"الحق أقول لكم: لا تكملون مدن إسرائيل حتى يأتي ابن الإنسان" متى ١٠/٢٣".
- وقبل أن يموت عدد من الذين وقفوا أمامه يستمعون إلى تعاليمه ومواعظه. وهي فترة يمكن تقديرها دون خطأ يذكر في حدود خمسين عاماً على أقصى تقدير:
"الحق أقول لكم إن من القيام ههنا قوم لا يذوقون الموت حتى يروا ابن
стр. 178
الإنسان آتياً في ملكوته" متى (١٦/٢٨)
- وهو يعود ثانية إلى الأرض قبل أن يفنى ذلك الجيل الذي عاصر المسيح، وهي فترة لا تتجاوز أقصى ما قدرناه، أي خمسين عاماً:
....... "الحق أقول لكم لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كله" متى (٢٤/٢٤) .
ومعلوم أن ذلك كله لم يحدث، إذ لا يزال الكون قائماً، وبنو آدم يعيشون في عالمهم الدنيوي حتى يأتي أمر الله، هذا - ولما بردت الحمية التي أثارتها فكرة عودة المسيح سريعاً إلى الأرض، ظهرت الحاجة ماسة إلى تدوين الذكريات عنه وعن تعاليمه، ومن هنا كانت النواة لتأليف أسفار – ما صار يعرف فيما بعد باسم - العهد الجديد، وهي الأسفار التي لم يعترف بشرعيتها إلا على مراحل وعلى امتداد أكثر من ثلاثة قرون.
إن كلمة "قانون" اليونانية مثل كلمة "قاعدة" في العربية قابلة لمعنى مجازي يراد به قاعدة للسلوك أو قاعدة للإيمان، وقد استعملت هنا للدلالة على جدول رسمي للأسفار التي تعدها الكنيسة ملزمة للحياة وللإيمان.
ولم تندرج هذه الكلمة بهذا المعنى في الأدب المسيحي إلا منذ القرن الرابع١، كانت السلطة العليا في أمور الدين تتمثل عند مسيحي الجيل الأول في مرجعين.
أولهما: العهد القديم، وكان الكتبة المسيحيون الأولون يستشهدون بجميع أجزائه على وجه التقريب إستشهادهم بوحي الله.
стр. 179
وأما المرجع الآخر الذي نما نمواً سريعاً، فقد أجمعوا على تسميته: الرب١.
ولكن العهد القديم كان يتألف وحده من نصوص مكتوبة، وأما أقوال الرب وما كان يبشر به الرسل، فقد تناقلتها ألسنة الحفاظ٢ مدة طويلة، ولم يشعر المسيحيون الأولون إلا بعد وفاة آخر الرسل بضرورة٣ كل من: تدوين أهم ما علَّمه الرسل، وتولى حفظ ما كتبوه ٤.
ويبدو أن المسيحيين حتى ما يقرب من السنة ١٥٠ م تدرجوا من حيث لم يشعروا بالأمر إلا قليلاً جداً إلى الشروع في إنشاء مجموعة جديدة من الأسفار المقدسة، وأغلب الظن أنهم جمعوا في بدء أمرهم رسائل بولس واستعملوها في حياتهم الكنسية، ولم تكن غايتهم قط أن يؤلفوا ملحقاً بالكتاب المقدس، بل كانوا يَدَعُون الأحداث توجههم، فقد كانت الوثائق البولسية مكتوبة، في حين أن التقليد الإنجيلي كان لا يزال في معظمه متناقلاً على ألسنة الحفاظ.
ولا يظهر شأن الأناجيل طوال هذه المدة ظهوراً واضحاً كما يظهر شأن رسائل بولس ٥.
стр. 180
أجل لم تخل مؤلفات الكتبة المسيحيين الأقدمين من شواهد مأخوذة من الأناجيل أو تلمح إليها، ولكنه يكاد أن يكون من العسير في كل مرة الجزم: هل الشواهد مأخوذة من نصوص مكتوبة كانت بين أيدي هؤلاء الكتبة، أم هل إكتفوا باستذكار أجزاء من التقليد الشفهي؟
ومهما يكن من أمر، فليس هناك قبل السنة ١٤٠م أي شهادة تثبت أن الناس عرفوا مجموعة من النصوص الإنجيلية المكتوبة، ولا يذكر أن لمؤلَفٍ من تلك المؤلفات صفة ما يلزم، فلم يظهر إلا في النصف الثاني من القرن الثاني شهادات ازدادت وضوحاً على مر الزمن بأن هناك مجموعة من الأناجيل وأن بها صفة ما يلزم، وقد جرى الاعتراف بتلك الصفة على نحو تدريجي.
فيمكن القول أن الأناجيل الأربعة حظيت نحو السنة ١٧٠م بمقام الأدب القانوني وإن لم تستعمل تلك اللفظة حتى ذلك الحين.
لم يوضع (لم يستقر) الجدول التام للمؤلفات العائدة إلى القانون إلا على نحو تدرجي وكلما تحقق شيء من الاتفاق، فهكذا بجدر بالذكر ما جرى بين السنة ١٥٠م والسنة ٢٠٠م إذ حدد على نحو تدرجي أن سفر أعمال الرسل مؤلف قانوني، وقد حصل شيء من الإجماع على رسالة يوحنا الأولى.
ولكن مازال هناك شيء من التردد في بعض الأمور: فإلى جانب مؤلفات فيها من الوضوح الباطني ما جعل الكنيسة تتقبلها تقبلها لما لابد منه، هناك عدد كبير من المؤلفات الحائرة يذكرها بعض الآباء ذِكْرَهم لأسفار قانونية، في حين أن غيرهم ينظر إليها نظرته إلى مطالعة مفيدة ذلك شأن: الرسالة إلى العبرانيين، ورسالة بطرس الثانية، وكل من رسالة يعقوب ويهوذا.