← Акыда

Акыда · id 11183

دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية

سعود بن عبد العزيز الخلف

Полный текст (361 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

التي تختص بيسوع المسيح المخلص." ثم يقول مرة أخرى "الذكريات١ التي عملها الرسل التي تسمى الأناجيل "٢. ٨- أما الشاهد الأخير فهو "الديا طسرن" الذي كتبه "تاتيان"٣، وأراد أن يجمع فيه الأناجيل الأربعة معاً في إنجيل واحد، وقد أضاف تاتيان هذا بضعة كلمات للمسيح لا توجد في هذه الأناجيل، ولكنها أخذت من كتب أبوكريفيه٤ أخرى، وهو بذلك يشهد أن الأربعة الأناجيل وجدت معاً، ولكن إضافاته مجرد إقتباسات لا تدل على أنه كان يعتبر أن هناك كتباً أخرى تضارعها في سلطانها وقداستها٥"٦. وبعد هذا النقل عن أحد القسس المتعمقين والمتخصصين في دراسات العهد الجديد، ننقل كلام مجموعة من المتخصصين النصارى عن أناجيلهم وذلك

стр. 177

في المدخل إلى العهد الجديد١ قالوا في التعريف بتأريخ وقانونية العهد الجديد ما يلي: " لقد سيطرت على المسيحيين الأوائل فكرة، تناقلتها الألسن شفاهاً - تعلن إنتهاء هذا العالم سريعاً وعودة المسيح ثانية إلى الأرض ليدين الناس، وكان من بين نتائج هذا المعتقد أن توقف التفكير في تأليف كتابات مسيحية تسجل أخبار المسيح وتعاليمه، فتأخر لذلك تأليف الأناجيل، إذ لم يشرع في تأليف أقدمها - وهو إنجيل مرقس الذي لم يكن قط من تلاميذ المسيح - إلا بعد بضع عشرات من السنين، لقد كانوا يؤمنون بنهاية العالم وعودة المسيح سريعاً إلى الأرض: قبل أن يكمل رسله التبشير في مدن إسرائيل وهي عملية لا تستغرق أكثر من عدة أشهر أو بضع سنين على أكثر تقدير..... "الحق أقول لكم: لا تكملون مدن إسرائيل حتى يأتي ابن الإنسان" متى ١٠/٢٣". - وقبل أن يموت عدد من الذين وقفوا أمامه يستمعون إلى تعاليمه ومواعظه. وهي فترة يمكن تقديرها دون خطأ يذكر في حدود خمسين عاماً على أقصى تقدير: "الحق أقول لكم إن من القيام ههنا قوم لا يذوقون الموت حتى يروا ابن

стр. 178

الإنسان آتياً في ملكوته" متى (١٦/٢٨) - وهو يعود ثانية إلى الأرض قبل أن يفنى ذلك الجيل الذي عاصر المسيح، وهي فترة لا تتجاوز أقصى ما قدرناه، أي خمسين عاماً: ....... "الحق أقول لكم لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كله" متى (٢٤/٢٤) . ومعلوم أن ذلك كله لم يحدث، إذ لا يزال الكون قائماً، وبنو آدم يعيشون في عالمهم الدنيوي حتى يأتي أمر الله، هذا - ولما بردت الحمية التي أثارتها فكرة عودة المسيح سريعاً إلى الأرض، ظهرت الحاجة ماسة إلى تدوين الذكريات عنه وعن تعاليمه، ومن هنا كانت النواة لتأليف أسفار – ما صار يعرف فيما بعد باسم - العهد الجديد، وهي الأسفار التي لم يعترف بشرعيتها إلا على مراحل وعلى امتداد أكثر من ثلاثة قرون. إن كلمة "قانون" اليونانية مثل كلمة "قاعدة" في العربية قابلة لمعنى مجازي يراد به قاعدة للسلوك أو قاعدة للإيمان، وقد استعملت هنا للدلالة على جدول رسمي للأسفار التي تعدها الكنيسة ملزمة للحياة وللإيمان. ولم تندرج هذه الكلمة بهذا المعنى في الأدب المسيحي إلا منذ القرن الرابع١، كانت السلطة العليا في أمور الدين تتمثل عند مسيحي الجيل الأول في مرجعين. أولهما: العهد القديم، وكان الكتبة المسيحيون الأولون يستشهدون بجميع أجزائه على وجه التقريب إستشهادهم بوحي الله.

стр. 179

وأما المرجع الآخر الذي نما نمواً سريعاً، فقد أجمعوا على تسميته: الرب١. ولكن العهد القديم كان يتألف وحده من نصوص مكتوبة، وأما أقوال الرب وما كان يبشر به الرسل، فقد تناقلتها ألسنة الحفاظ٢ مدة طويلة، ولم يشعر المسيحيون الأولون إلا بعد وفاة آخر الرسل بضرورة٣ كل من: تدوين أهم ما علَّمه الرسل، وتولى حفظ ما كتبوه ٤. ويبدو أن المسيحيين حتى ما يقرب من السنة ١٥٠ م تدرجوا من حيث لم يشعروا بالأمر إلا قليلاً جداً إلى الشروع في إنشاء مجموعة جديدة من الأسفار المقدسة، وأغلب الظن أنهم جمعوا في بدء أمرهم رسائل بولس واستعملوها في حياتهم الكنسية، ولم تكن غايتهم قط أن يؤلفوا ملحقاً بالكتاب المقدس، بل كانوا يَدَعُون الأحداث توجههم، فقد كانت الوثائق البولسية مكتوبة، في حين أن التقليد الإنجيلي كان لا يزال في معظمه متناقلاً على ألسنة الحفاظ. ولا يظهر شأن الأناجيل طوال هذه المدة ظهوراً واضحاً كما يظهر شأن رسائل بولس ٥.

стр. 180

أجل لم تخل مؤلفات الكتبة المسيحيين الأقدمين من شواهد مأخوذة من الأناجيل أو تلمح إليها، ولكنه يكاد أن يكون من العسير في كل مرة الجزم: هل الشواهد مأخوذة من نصوص مكتوبة كانت بين أيدي هؤلاء الكتبة، أم هل إكتفوا باستذكار أجزاء من التقليد الشفهي؟ ومهما يكن من أمر، فليس هناك قبل السنة ١٤٠م أي شهادة تثبت أن الناس عرفوا مجموعة من النصوص الإنجيلية المكتوبة، ولا يذكر أن لمؤلَفٍ من تلك المؤلفات صفة ما يلزم، فلم يظهر إلا في النصف الثاني من القرن الثاني شهادات ازدادت وضوحاً على مر الزمن بأن هناك مجموعة من الأناجيل وأن بها صفة ما يلزم، وقد جرى الاعتراف بتلك الصفة على نحو تدريجي. فيمكن القول أن الأناجيل الأربعة حظيت نحو السنة ١٧٠م بمقام الأدب القانوني وإن لم تستعمل تلك اللفظة حتى ذلك الحين. لم يوضع (لم يستقر) الجدول التام للمؤلفات العائدة إلى القانون إلا على نحو تدرجي وكلما تحقق شيء من الاتفاق، فهكذا بجدر بالذكر ما جرى بين السنة ١٥٠م والسنة ٢٠٠م إذ حدد على نحو تدرجي أن سفر أعمال الرسل مؤلف قانوني، وقد حصل شيء من الإجماع على رسالة يوحنا الأولى. ولكن مازال هناك شيء من التردد في بعض الأمور: فإلى جانب مؤلفات فيها من الوضوح الباطني ما جعل الكنيسة تتقبلها تقبلها لما لابد منه، هناك عدد كبير من المؤلفات الحائرة يذكرها بعض الآباء ذِكْرَهم لأسفار قانونية، في حين أن غيرهم ينظر إليها نظرته إلى مطالعة مفيدة ذلك شأن: الرسالة إلى العبرانيين، ورسالة بطرس الثانية، وكل من رسالة يعقوب ويهوذا.

стр. 181

وهناك أيضاً مؤلفات جرت العادة أن يستشهد بها في ذلك الوقت على أنها من الكتاب المقدس، ومن ثم جزء من القانون، لم تبق زمناً على تلك الحال، بل أخرجت آخر الأمر من القانون، ذلك ما جرى لمؤلَّف: هرماس، وعنوانه الراعي، وللديداكي ورسالة إكليمنضس الأولى، ورسالة برنابا، ورؤيا بطرس، وكانت الرسالة إلى العبرانيين، والرؤيا، موضوع أشد المنازعات، وقد أنكرت صحة نسبتها إلى الرسل إنكاراً شديداً مدة طويلة. ولم تقبل من جهة أخرى إلا ببطء: رسالتا يوحنا الثانية والثالثة ورسالة بطرس الثانية، ورسالة يهوذا. ولا حاجة إلى أن نتتبع تتبعاً مفصلاً جميع مراحل هذا التطور الذي أدى خلال القرن الرابع إلى تأليف قانون هو في مجمله القانون الذي نعرفه اليوم"١. من خلال هذا البيان والنقل المطول عن النصارى أنفسهم في حديثهم عن كتبهم يتلخص لنا ما يلي: ١- أن الله أنزل كتاباً على المسيح سماه الإنجيل، ودعا المسيح ﵇ الناس إلى الإيمان به وذكره أوائل النصارى، كما ذكره بولس في رسائله. ٢- أن النصارى لا يعرفون شيئاً عن مصير ذلك الإنجيل، ولا أين ذهب!!. ٣- أنه كانت هناك روايات شفوية ووثيقة مشتركة متداولة كان بتناقلها ودعاة النصارى الأوائل، ويعتقد أنها كانت المصدر الأساسي لأوجه

стр. 182

الاتفاق بين الأناجيل١. وأرى أن تلك الروايات الشفوية لا يبعد أن يكون الإنجيل الأصلي من ضمنها إلا أن النصارى لم يدونوه مجموعة واحدة، كما أنهم لم يميزوه عن غيره من الروايات، مما جعله غير محدد ولا يستطيع أحد الجزم والاعتقاد بشيء من النصوص أنها منه وهذا تصديق قول الله ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ المائدة (١٤) . ٤- أن المتقدمين من النصارى لم يشيروا إلى الأناجيل الأربعة ولم يذكروها ألبته، فبولس -على كثرة رسائله- لم يذكرها في رسائله أبداً، وكذلك لم يذكرها سفر أعمال الرسل الذي ذكر دعاة النصارى الأوائل وهذا يدل على أن هذه الكتب لم تكن موجودة في ذلك الزمن وأنها ألفت وكتبت بعد ذلك. ٥- أن أول من ذكر مجموعة من الكتب المدونة ذكراً صريحا هو جاستن الذي قتل عام ١٦٥م، وهذا لا يدل صراحة على الأناجيل الأربعة نفسها، وأما أول محاولة للتعريف بها ونشرها فكانت عن طريق "تاتيان" الذي جمع الأناجيل الأربعة في كتاب واحد سماه "الدياطسرن" في الفترة من (١٦٦-١٧٠م) وهذا هو التاريخ الذي يمكن أن يعزى إليه وجود هذه الكتب، وهو تاريخ متأخر جداً عن وفاة من تعزى إليهم هذه الكتب إذ أنهم جميعاً ماتوا قبل نهاية القرن الأول، مما يدل على أنهم برءاء منها وأنها منحولة إليهم. ٦- أنه حتى بعد هذا التاريخ وهو ١٧٠م إلى القرن الرابع الميلادي لم تكن

стр. 183

الأناجيل الأربعة وحدها هي الموجودة، بل كانت هناك أناجيل كثيرة موجودة منتشرة ربما تبلغ مائة إنجيل١ ولم يكن لأي منها صفة الإلزام والقداسة، وذلك أمر تكون الأناجيل الأربعة معه عرضة للتحريف والتغيير خلال تلك الفترة أيضاً. ٧- أن النصارى لا يعرفون بالضبط تاريخ إعطاء هذه الكتب صفة الإلزام والقداسة، وإنما يرون أنه خلال القرن الرابع الميلادي أخذت كتبهم صفة القداسة بشكل متدرج، يعني: رويداً رويداً. ٨- أن النصارى لا يملكون السند لكتبهم، ولا يعرفون مصدرها الحقيقي، ولا تعدوا أن تكون كتباً وجدوها منحولة إلى أولئك الناس الذين نُسبت إليهم فنسبوها إليهم، واعتقدوا صحة ذلك بدون دليل، وهذا أمر لا يمكن أن يعطي النفس البشرية القناعة المناسبة لما تراد له هذه الكتب في الأصل من تجنب سخط الله وبلوغ رضوانه. ٩- أننا نعجب غاية العجب من زعم النصارى: أن هذه الكتب حقيقية وصادقة وتنقل بأمانه وإخلاص كلام المسيح وتروي أخباره٢. كيف تجرؤا على مثل هذا الكلام، وكيف قبله أتباعهم مع أنهم لا يملكون الدليل على ذلك وكل دعوى عريت عن الدليل فهي باطله.

стр. 184

قال الله ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ الأنعام (١٤٨) . وكل من تحدث في دين الله بلا علم فهو ضال مضل قال ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ الحج (٣) . ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ الحج (٨-٩) . ولأن دعاويهم عارية عن الدليل فهي نابعة من الهوى، فلهذا سمى الله ما عند اليهود والنصارى من دين أهواءاً في قوله لنبيه محمد ﷺ ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ البقرة (١٢٠) . ولكن ذلك العجب يذهب وتلك الدهشة تزول إذا علمنا أن للآباء والكبراء والسادة من أهل الضلالة الذين يسعون إلى المحافظة على مكاسبهم الدنيوية الدور الأكبر في إضلال العوام والدهماء الذين لا يستخدمون ما وهبهم الله من عقل وسمع وإدراك وإنما يتابعون وينقادون إنقياد الأعمى، وفي هذا يقول الله ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ المائدة (١٠٤) .

стр. 185

وقال ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً﴾ الأحزاب (٦٥-٦٨) . والواجب على الإنسان أن لا يخضع للتقليد فيما تتعلق به نجاته وسعادته أو هلاكه وشقاوته بل يتحقق من الأمر ويتأكد من صحته ويسأل الله الهداية والتسديد والرشد إلى أن يصل إلى الحق والنور الذي لن يخطئه بإذن الله تعالى إذا أخلص الطلب واجتهد في الدعاء وتحرر من الأهواء والتقليد والعصبية.

стр. 186

ثانياً: تاريخ الأناجيل الأربعة تفصيلاً: سبق الحديث عن الأناجيل الأربعة من ناحية السند إجمالاً بقي أن نبين هنا ما يتعلق بكل إنجيل منها منفرداً: أولاً: إنجيل متى: يصدر النصارى كتابهم المقدس بهذا الإنجيل، فهو أول كتبهم في الترتيب، وهو أطولها إذ يحوى ثمانية وعشرين إصحاحاً. ويزعم النصارى أن "متى" الذي ينسب الكتاب إليه هو أحد الحواريين وكان قبل إتباعه للمسيح عشاراً "جابي ضرائب". إلا أن النصارى لم يستطيعوا أن يبرزوا لنا دليلاً يعتمد عليه في صحة نسبة هذا الكتاب إلى "متى"، وأقدم من يعتمدون على قوله في نسبة الكتاب إلى "متى" أحد كتابهم ويسمى "يوسابيوس القيصري" في كتابه "تاريخ الكنيسة" حيث نقل عن أسقف كان لهيرا بوليس سنة (١٣٠م) يدعى "بابياس" والذي كان أنه قال: "إن متى كتب الأقوال باللغة العبرانية"١. وهذا القول ولدى جميع العقلاء لا يمكن أن يعتمد عليه في إثبات صحة نسبة الكتاب إلى "متى" الذي يزعمون أنه حواري. وذلك لأن "بابياس" المذكور هنا لم يكن سمع تلك التعاليم وتلك الكتب من أصحابها، بل كان يسمعها بواسطة، حيث يقول عن نفسه فيما ذكر عنه "يوسابيوس": "وكلما أتى

стр. 187

واحد ممن كان يتبع المشايخ سألته عن أقوالهم لأنني لا أعتقد أن ما تحصل عليه من الكتب يفيد بقدر ما يصل من الصوت الحي" ١. فهو هنا لا يتحرى في النقل، ومما لاشك فيه أن أولئك الوسائط لابد أن تثبت عدالتهم وإلا فلا يعتد بما يروونه ويقولونه. كما أن "يوسابيوس القيصري" قد طعن في بابياس نفسه حيث قال عن رواياته: "ويُدَوِنُ نفس الكاتب روايات أخرى يقول إنها وصلته من التقليد غير المكتوب، وأمثالاً وتعاليم غريبة للمخلص وأموراً خرافية ... ". ثم قال عنه وعن آرائه: "وأظن أنه وصل إلى هذه الآراء بسبب إساءة فهمه للكتابات الرسولية، غير مدرك أن أقوالهم كانت مجازية، إذ يبدو أنه كان محدود الإدراك جداً كما يتبين من أبحاثه، وإليه يرجع السبب في أن كثيرين من أباء الكنيسة من بعده اعتنقوا نفس الآراء مستندين في ذلك على أقدمية الزمن الذي عاش فيه"٢. فهذه طريقة "بابياس" في النقل حيث ينقل عن كل من اتبع المشايخ بدون تحر لمقدرة التلميذ على الحفظ والضبط للروايات والعدالة وما إلى ذلك من شروط صحة الخبر، كما أن بابياس نفسه ضعيف التمييز بين الأقوال محدود الإدراك جداً. فكيف تعتبر أقوال من هذه حاله في أخطر قضية وهي الشهادة لكتاب بأنه كلام رب العالمين؟

стр. 188

كما أن في المقابل هناك عدة أدلة تدل على عدم صحة نسبة الإنجيل إلى "متى" الذي يزعمون أنه حواري وهي: ١- أن النصارى لم ينقلوا الإنجيل بالسند، وقول بابياس السابق لم يعين فيه من هو متى هل هو الحواري؟ أم رجل أخر؟ كما أنه لم يعين الكتاب بل قال: "الأقوال". وأيضاً فقد ذكر أمراً آخر يختلف تماماً عما عليه إنجيل متى الموجود وهو أنه قال: إنه كتبه باللغة العبرانية، مع أن النصارى يجمعون على أن: الكتاب لم يعرفوه إلا باللغة اليونانية، ولا يعرفون للكتاب نسخة عبرانية، بل الكثير منهم يرى أن: الكتاب يظهر من لغته أنه أول ما كتب إنما كتب باللغة اليونانية، وليس العبرانية١، فهذا يدل على أن قول بابياس لا ينطبق على إنجيل متى الموجود بين يدي النصارى. كما أن هناك إستفساراً آخر في حالة أن يكون الإنجيل مترجماً من اللغة العبرانية إلى اللغة اليونانية، وهو: من هو مترجمه؟ وهذا أمر مهم، لأنه ما لم يعلم دين المترجم، وصدقه، وضبطه، وقوة معرفته باللغتين لا يمكن أن يعتمد على ترجمته. ٢- إن الدارسين لهذا الكتاب والباحثين من النصارى وغيرهم يرون أن كاتب هذا الإنجيل إعتمد كثيراً على إنجيل مرقص٢، ومرقص في كلام النصارى تلميذ بطرس، فهل من المعقول أن يعتمد أحد كبار الحواريين في زعمهم على

стр. 189

تلميذ من تلاميذهم في الأمور التي هم شاهدوها وعاينوها وعايشوا أحداثها؟ هذا يدل على أن كاتبه غير "متى" الذي يزعمون أنه حواري، وأن دعوى النصارى أن كاتب الإنجيل هو متى الحواري دعوى عارية عن الدليل وهي من باب الظن والتخمين الذي لا يغني من الحق شيئاً. ثانياً: إنجيل مرقص: هذا الإنجيل الثاني في ترتيب الأناجيل لدى النصارى وهو أقصرها إذ أنه يحوى ستة عشر إصحاحاً فقط. أما كاتب الإنجيل فهو في زعم النصارى رجل من أتباع الحواريين والمعلومات عنه قليلة جداً وغامضة، ولا تتضح شخصيته وضوحاً يُطمئن النفس، إذ أن كل ما ورد عنه الإشارة إلى أن اسمه يوحنا، ويلقب مرقص، وأنه صاحَبَ بولس وبرنابا في دعوتهما، ثم افترق عنهما، ثم ذكر بولس في رسائله إسم مرقص ذكراً مقتضباً لا يعطي غناءاً في التعريف به١، وورد ذكر إسمه مع بطرس حيث يقول عنه "تسلم عليكم التي في بابل المختارة معكم ومرقص ابني"٢. فهذه المعلومات يفهم منها أن الرجل مجهول، إذ أنها لم تعط تعريفاً بدينه،

стр. 190

وعلمه، وأمانته، ونحو ذلك مما يجب توافر معرفته فيمن يكون واسطة لكتاب مقدس. أما الكتاب وهو الإنجيل: فأقدم المعلومات التي عزته إلى من يسمى مرقص ما نقله "يوسابيوس" في تاريخه الكنسى عن بابياس حيث قال:"ولقد قال الشيخ أيضاً إن مرقص الذي صار مفسراً لبطرس قد كتب بكل دقة كل ما تذَكَّره من أقوال وأعمال الرب، ولكن ليس بالترتيب لأنه لم يسمع الرب ولم يتبعه، ولكن كما قلت قبلاً عن بطرس الذي ذكر من تعاليم السيد ما يوافق حاجة السامعين، بدون أن يهدف إلى كتابة كل ما قاله الرب وعمله، وهكذا فصل مرقص إنه لم يعمل خطأً واحداً في كل ما ذكره وكتبه.." ١. هذه أقدم شهادة لدى النصارى عن الكتاب والكاتب فهي شهادة مطعون فيه.٢ لمجهول الحال وهو مرقص، عن أمر مجمل، حيث ذكر أنه كتب ما تذكر، ولم يفصل في المكتوب ما هو!! فهل تكفي هذه الشهادة في إثبات صحة الكتاب!!، لاشك أنها لا تكفي فإن مثل هذه الأدلة والشواهد لو قدمت لدى قاض في قضية لم يقبلها ولم يحكم وفقها. ثالثاً: إنجيل لوقا: هذا الإنجيل الثالث في ترتيب النصارى لكتابهم ويحوي أربعة وعشرين إصحاحاً. وكاتب الإنجيل في زعم النصارى هو أحد الوثنيين الذين آمنوا بالمسيح بعد

стр. 191

رفعه وكان رفيقاً لبولس (شاؤول اليهودي) حيث ذكره بولس في ثلاثة مواضع من رسائله واصفاً إياه بأنه رفيقه١. ولا يوجد لدى النصارى معلومات عنه سوى أنه أممي رافق بولس في بعض تنقلاته، حيث ورد إسمه في تلك الرحلات. فهو بذلك يعتبر شخصية مجهولة وغير معروفة ولا متميزة بعدالة وديانه، ومع هذا أيضاً لا يوجد لدى النصارى دليل يعتمد عليه في صحة نسبة الكتاب إليه. ولندرة المعلومات التي توثق نسبة الكتاب إلى لوقا المذكور يستشهد النصارى بكلام مجهول حيث يقول القس فهيم عزيز في كتابه "المدخل إلى العهد الجديد" في استدلاله على صحة نسبة الكتاب إلى لوقا ما يلي: "هناك مقدمة كتبت لإنجيل لوقا فيما بين (١٦٠-١٨٠م) اسمها "ضد مارسيون" فيها يقول الكاتب عن لوقا: إنه من أنطاكية في سوريا مهنته طبيب وكان أعزباً بدون زوجة، مات وهو في سن ٨٤ في بواتييه٢ ممتلئاً بروح القدس - وقد كتب إنجيله كله في المناطق التي تحيط بأخائيه٣ لكي يفسر للأمم القصة الصحيحة للعهد الجديد الإلهي.." ثم قال صاحب الكتاب معلقاً "هذه مقتطقات عن هذه الشهادة

стр. 192

التي لا يعرف كاتبها وقد قبلها كثير من العلماء لأنهم لم يجدوا من أتباع مارسيون١ من يكذبها مما يدل على أنها تقليد كنسي قوي"٢. بمثل هذه الشهادة المجهولة يثبت النصارى صحة كتابهم إلى ذلك الرجل المجهول لوقا، وهي لاشك شهادة لا قيمة لها ولا تفيد شيئاً، ويدل إستدلالهم بها على أنهم لا يملكون أدلة على صحة نسبة الكتاب إلى من يسمونه "لوقا" وذلك يبين لنا أن النصارى حين زعموا أن إنجيل لوقا كتاب صحيح وصادق، فإن ذلك مجرد دعوى بدون بينة. رابعاً: إنجيل يوحنا: هذا الإنجيل الرابع في ترتيب العهد الجديد وهو إنجيل متميز عن الأناجيل الثلاثة قبله إذ تلك متشابهة إلى حد كبير، أما هذا فإنه يختلف عنها لأنه ركز على قضية واحدة وهي: إبراز دعوى ألوهية المسيح وبنوته لله- تعالى الله عن قولهم - بنظرة فلسفية لا تخفى على الناظر في الكتاب، لهذا يعتبر هو الكتاب الوحيد من بين الأناجيل الأربعة الذي صرح بهذا الأمر تصريحاً واضحاً. وإذا بحثنا في صحة نسبة الكتاب إلى يوحنا الذي يزعم النصارى أن الكتاب من تصنيفه نجده أقل كتبهم نصيباً من الصحة لعدة أدلة أبرزها منكروا نسبة الكتاب إلى يوحنا الحواري وهي: ١- أن بوليكاربوس الذي يقال إنه كان تلميذاً ليوحنا لم يشر إلى هذا الإنجيل عن شيخه يوحنا، مما يدل على أنه لا يعرفه، وأن نسبته إلى شيخه غير صحيحة.

стр. 193

٢- أن الكتاب مملوء بالمصطلحات الفلسفية اليونانية التي تدل على أن لكاتبه إلماماً بالفلسفة اليونانية، أما يوحنا فكما يذكر النصارى فقد كان يمتهن الصيد مما يدل على أنه بعيد عن الفلسفة ومصطلحاتها. ٣- أن النصارى الأوائل لم ينسبوا هذا الإنجيل إلى يوحنا الحواري المزعوم، وأن "يوسابيوس" الذي كان يسأل "بابياس" عن هذه الأمور يقول: "الواضح أن بابياس يذكر اثنين إسمهما يوحنا: الأول الرسول وقد مات والثاني الشيخ وهو حي. ويلوح أنه هو الذي كتب الإنجيل". فلهذا يقول القس فهيم عزيز بناءاً على ذلك "إن الكنيسة كانت بطيئه في قبولها لهذا الإنجيل"١. وبناءً على ذلك فمنذ نهاية القرن التاسع عشر ظهر الاعتراض على نسبة هذا الإنجيل إلى يوحنا بشكل واسع ووصفته دائرة المعارف الفرنسية بأنه إنجيل مزور وهذه الدائرة إشترك في تأليفها خمسمائة من علماء النصارى ونص كلامهم "أما إنجيل يوحنا فإنه لا مرية ولاشك كتاب مزور أراد صاحبه مضادة إثنين من الحواريين بعضهما لبعض وهما القديسان يوحنا ومتى، وقد ادعى هذا الكاتب المزور في متن الكتاب أنه الحواري الذي يحبه المسيح، فأخذت الكنيسة هذه الجملة على علاتها، وجزمت بأن الكاتب هو يوحنا الحواري، ووضعت اسمه على الكتاب نصاً مع أن صاحبه غير يوحنا يقيناً، ولا يخرج هذا الكتاب عن كونه مثل بعض كتب التوراة التي لا رابطة بينها وبين من نسبت إليه، وإنا لنرأف ونشفق على الذين يبذلون منتهى جهودهم ليربطوا ولو

стр. 194

بأوهى رابطة ذلك الرجل الفلسفي الذي ألف هذا الكتاب في الجيل الثاني بالحواري يوحنا الصياد الجليلي، فإن أعمالهم تضيع عليهم سدى لخبطهم على غير هدى"١. نقول مع هذه الاعتراضات، ومع وعدم وجود أدلة تثبت صحة نسبته إلى يوحنا الحواري المزعوم، فلا يجوز لعاقل أن يدعي صحة نسبته إلى يوحنا، فضلاً عن أن يزعم أنه كتاب مقدس موحى به من الله، فهذا فيه إفتراء عظيم على الله ، وإضلال لعباد الله بالباطل. بعد هذا كله يتضح للناظر اللبيب أن النصارى وكذلك اليهود من قبلهم لا يملكون مستنداً صحيحاً لكتبهم يثبت صحة نسبتها إلى من ينسبونها إليه، وإن من المعلوم أن أي إنسان أراد أن يقاضي إنساناً آخر لدى محكمة فلا يمكن أن تنظر المحكمة في دعواه ما لم يقدم من الإثباتات الصحيحة ما يصح اعتباره دليلاً، والنصارى لم يقدموا لأنفسهم ولا لأهل ملتهم من المستندات والأدلة شيئاً يثبتون به صحة كتبهم، بل لا يعرفون طريقاً إلى شيء من المستندات الصحيحة يقول الشيخ ﵀ الهندي في كتابه العظيم "إظهار الحق" "ولذلك طلبنا مراراً من علمائهم الفحول السند المتصل فما قدروا عليه واعتذر بعض القسيسين في محفل المناظرة التي كانت بيني وبينهم٢ فقال: إن سبب

стр. 195

فقدان السند عندنا وقوع المصائب والفتن على النصارى إلى مدة ثلاثمائة وثلاث عشرة سنة"١. وفي هذا كفاية ودلالة على أن تلك الكتب التي تسمى الأناجيل كتب لا يملك أصحابها أي مستند يمكن الاعتماد عليه في صحة نسبتها إلى من ينسبونها إليه، فضلاً عن أن يصح نسبتها إلى المسيح ﵇ أو إلى الله .

стр. 196

المطلب الثاني: الأناجيل الأربعة متناً إن الكتب المقدسة كتب معصومة عن الخطأ، محفوظة من الخلل والزلل، لأن المفترض فيها أن تكون من قبل رب العالمين الذي يعلم السر وأخفى، وهو الحق لا يصدر منه إلا الحق جل وعلا. والنصارى يسندون كتبهم إلى الله عن طريق الإلهام إلى كتابها،١والدارس لهذه الكتب يستطيع أن يتبين صدق هذه الدعوى من كذبها، إذ أن الحق لا خفاء فيه. وقد سبق أن ذكرنا نبذة عن هذه الكتب من ناحية السند، حيث تبين أن النصارى لا يوجد عندهم دليل يثبت صحة نسبة كتبهم إلى أولئك الناس الذين نسبت إليهم، فعليه لا يمكن اعتبارها كتباً صحيحة، ولا يجوز لعاقل أن ينسبها إلى أولئك الرجال فضلاً عن أن ينسبها إلى الله . ومما يؤكد عدم صحتها الاختلافات الكثيرة بينها، وكذلك الأغلاط العديدة فيها، وسنضرب لذلك أمثلة:

стр. 197

أولاً: الاختلافات إذا قارنا بين الأناجيل الأربعة نجد بينها اختلافات جوهرية تدل على خطأ كتابها، وأنهم غير معصومين ولا ملهمين، وأن الله بريء منها، ورسوله عيسى ﵇، ومن الأمثلة على ذلك: ١- نسب المسيح ﵇ إن مما يدهش له الإنسان أشد الدهش أن النصارى لم يستطيعوا أن يضبطوا نسب المسيح ﵇ ولم يتفقوا عليه، فأعطاه كلاً من صاحب إنجيل متى وصاحب إنجيل لوقا نسباً مختلفاً عن الآخر وإليك جدولاً بذلك يوضح الفرق بينهما: رقم متى رقم متى رقم لوقا رقم لوقا١ ٢ ٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩ ١٠ ١١ ١٢ ١٣ ١٤ ١٥ ١٦ ١٧ ١٨ ١٩ ٢٠ ٢١ المسيح ابن يوسف يعقوب متان اليعازر أليود أخيم صادوق عازور الياقيم أبيهود زربابل شألتئيل يكنيا يوشيا آمون منسى حزقيا أحاز يوثام عزيا يورام ٢٢ ٢٣ ٢٤ ٢٥ ٢٦ ٢٧ يهوشافاط أسا أبيا رحبعام سليمان داود١ ٢ ٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩ ١٠ ١١ ١٢ ١٣ ١٤ ١٥ ١٦ ١٧ ١٨ ١٩ ٢٠ ٢١ المسيح ابن يوسف هالي متثاب لاوى ملكى ينا يوسف متاثيا عاموص ناحوم حسلى نجاى مآث متاثيا شمعى يوسف يهوذا يوحنا ريسا زربايل شألتئيل ٢٢ ٢٣ ٢٤ ٢٥ ٢٦ ٢٧ ٢٨ ٢٩ ٣٠ ٣١ ٣٢ ٣٣ ٣٤ ٣٥ ٣٦ ٣٧ ٣٨ ٣٩ ٤٠ ٤١ ٤٢ نيرى ملكى أدى قصم ألمودام عير يوسى أليعازر يوريم متثات لاوى شمعون يهوذا يوسف يونان ألياقيم مليا مينان متاثا ناثان داود

стр. 198

ففي هذا النسب فوارق وأغلاط عدة هي: ١- أن متى نسب المسيح إلى يوسف بن يعقوب، وجعله في النهاية من نسل سليمان بن داود ﵉. أما لوقا فنسبه إلى يوسف بن هالي، وجعله في النهاية من نسل ناثان بن داود ﵇. ٢- أن متى جعل أباء المسيح إلى داود ﵇ سبعة وعشرين أباً، أما لوقا فجعلهم إثنين وأربعين أباً، وهذا فرق كبير بينهما يدل على خطأهما أو خطأ أحدهما قطعاً. والنصارى يدعون أن أحد الإنجيلين كتب فيه نسب مريم، والآخر كتب فيه نسب يوسف، وهذا كلام باطل، إذا أن صاحب إنجيل متى (١/١٦) يقول "يعقوب ولد يوسف رجل مريم التي ولد منها يسوع الذي يدعى المسيح". أما إنجيل لوقا (٣/٢٣) فيقول "ولما ابتدأ يسوع كان له نحو ثلاثين سنة، وهو على ما كان يظن ابن يوسف بن هالي" فكلاهما صرح بنسب يوسف. أما الأغلاط في هذا النسب فعديدة منها: ١- أن نسبة المسيح ﵇ إلى يوسف خطيب مريم في زعمهم خطاءٌ فاحش وفيه تصديق لطعن اليهود في مريم أم المسيح ﵇، وكان

стр. 199

الواجب على النصارى أن ينسبوه إلى أمه مريم لا إلى رجل أجنبي عنه. خاصة وأن ولادته منها كانت معجزة عظيمة وآية باهرة، فنسبته إليها فيه إظهار لهذه المعجزة وتأكيد لها وإعلان، أما نسبته إلى رجل وليس هو أبوه فيه إخفاء لهذه المعجزة واستحياء. والله في القرآن الكريم صرح في مواطن عدة بنسبته إلى مريم ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ المائدة (١٧،٧٢،٧٥) ﴿عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ .آل عمران (٤٥) النساء (١٥٧،١٧١) . ٢- أن صاحب إنجيل متى أسقط أربعة أباء من سلسلة النسب ثلاثة منهم على التوالي بين "عزيا ويورام" حيث النسب كما هو في أخبار الأيام الأول (٣/١١-١٣) "عزريا بن أمصيا بن يواش بن أخزيا بن يورام"،كما أسقط واحداً بين "يكنيا ويوشيا" وهو "يهو ياقيم" وسبب إسقاط اسم يهوياقيم بين يوشيا ويكنيا هو أن "يهوياقيم" هذا مَلَكَ دولة يهوذا بعد أبيه، إلا أنه كان عابداّ للأوثان فكتب له "إرميا" يحذره من قبيح صنعه، ويبين له مغبة أفعاله، فأحرق "يهوياقيم" الكتاب ولم يرجع عن غيه، فقال عنه إرميا حسب كلامهم "لذلك هكذا قال الرب عن يهوياقيم مَلِكِ يهوذا لايكون له جالس على كرسى داود وتكون جثته مطروحة للحر نهاراً وللبرد ليلاً" سفر إرميا ٣٦/٣٠) . ومعنى هذا الكلام أنه لا يكون من نسله ملك، فأسقطه "متى" لهذا السبب، وعلل صاحب تفسير العهد الجديد ذلك التصرف بأن "متى" أراد أن يجعل كل مجموعه من النسب تحوي أربعة عشر إسماً١.

стр. 200

ونقول: إذا كانت هذه العلة التي لا معنى لها من أجلها حذف من أجلها أربعة أباء من نسب المسيح، فذلك يعني أن الكاتب قد كتبه لخدمة أهداف في نفسه، وأنه لا يكتب ما علم وسمع مجرداً من الهوى والآراء الخاصة، ومن هنا يمكن أن ندرك كيفية تعامل النصارى الأوائل مع المعلومات الواردة إليهم، وأنهم يصوغونها وفق ما يرون ويعتقدون، لا وفق الحق مجرداً عن الهوى والآراء الخاصة. ولنا أن نبحث هنا عن السبب في هذا الخطأ الفاحش والاختلاف في نسب المسيح ﵇ فنقول: إن سبب خطأ النصارى في نسب المسيح ﵇ أنهم نسبوه إلى رجل مغمور غير مشهور هو "يوسف النجار"١ خطيب مريم في زعمهم فلهذا أخطأوا في نسبه فأعطاه "متى" نسباً ملوكياً٢، وأعطاه "لوقا" نسباً أخر غير معروف ولا معلوم٣.

стр. 201

ولكن لماذا أعرض كتاب النصارى عن مريم ولم يعطوه نسبها فيجعلونه كما هو الحق عيسى بن مريم بنت عمران؟. السبب في هذا ظاهر وهو: أن مريم بنت عمران إمرأة عابدة مشهورة تربت في بيت النبي زكريا ﵇، الذي كان من نسل هارون ﵇ حيث كان كاهن١ بيت المقدس والمسؤول عن البخور عندهم هو زوج "أليصابات" خالة مريم٢، وهي من نسل هارون ﵇ أيضاً٣ فتكون مريم من السبط نفسه، وهو سبط لاوى بن يعقوب ﵇، وذلك أن تشريع اليهود يأمرهم أن تتزوج المرأة من سبطها ولا تتزوج من سبط أخر حتى تستمر الأموال في نفس السبط ولا تنتقل إلى أسباط أخرى بواسطة الميراث٤. فلهذا تكون مريم من سبط زكريا ﵇ وزوجته٥، وكذلك خطيبها المزعوم إن صح كلامهم في ذلك يكون من السبط نفسه، وهو سبط لاوى

стр. 202

الذي منه هارون ﵇، ومما يدل على أن مريم من سبط هارون قول الله ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ مريم آية (٢٨) . قال السدي: قيل لها (يا أخت هارون) أي أخي موسى لأنها من نسله كما يقال للتميمي: يا أخا تميم، وللمضري: يا أخا مضر١.

стр. 203

وهذا الأمر فيما يبدو علمه كتاب الأناجيل فأزعجهم إزعاجاً شديداً لأنهم يظنون أن المسيح لابد أن يكون من نسل داود ﵇ فأعطوه ذلك النسب المخترع إلى داود ﵇ وذلك حتى ينطبق عليه ما يزعمه اليهود وهو أن المسيح لابد أن يكون من نسل داود ﵇ حتى يكون مسيحاً. والله أعلم. ٢- ذكر إنجيل متى (١١/١٣) من كلام المسيح عن يوحنا المعمدان (يحيى ﵇ قوله: (لأن جميع الأنبياء والناموس إلى يوحنا تنبؤا وإن أردتم أن تقبلوا فهذا إيليا المزمع أن يأتي من له أذنان للسمع فليسمع) وورد في إنجيل متى أيضاً (١٧/١) أنهم سألوا المسيح ﵇ فقال "وسأله تلاميذه قائلين: فلماذا يقول الكتبة إن إيليا ينبغي أن يأتي أولاً، فأجاب يسوع وقال لهم: إن إيليا يأتي أولاً ويرد كل شيء، ولكني أقول لكم إن إيليا قد جاء ولم يعرفوه بل عملوا به كل ما أرادوا، كذلك ابن الإنسان أيضا سوف يتألم منهم، حينئذ فهم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان". فالمسيح هنا يبين أن يحيى ﵇ هو إيليا. ويخالف هذا قول يوحنا في إنجيله (١/١٩) حين جاء اليهود يسألون يحيى عن نفسه حيث قال: "أرسل اليهود من أورشليم كهنة ولاويين ليسألوه من أنت، فاعترف ولم ينكر وأقر أني لست أنا المسيح، فسألوه من أنت، إيليا أنت؟ فقال: لست أنا. النبي أنت؟ فأجاب لا. فقالوا له من أنت لنعطى جواباً للذين أرسلونا، ماذا تقول عن نفسك. قال:

стр. 204

أنا صوت صارخ في البرية قَوِّمُوا طريق الرب كما قال إشعيا النبي" فهنا أنكر يحيى ﵇ أن يكون هو إيليا وهذا تناقض واضح. ٣- أن متى ذكر في إنجيله (٢٠/٢٩-٣٤) أن عيسى ﵇ لما خرج من أريحا قابله أعميان فطلبا منه أن يشفيهما من العمى فلمس عيونهما فشفيا. وقد ذكر هذه القصة مرقص في (١٠/٤٦-٥٢) وبين أن بارينماوس الأعمى ابن نيماوس هو الذي طلب ذلك فقط. ٤- أن مرقص ذكر في (٦/٨) أن عيسى ﵇ أوصى حوارييه حين أرسلهم للدعوة في القرى بأن لا يحملوا شيئاً للطريق غير عصا فقط لا مزوداً، ولا خبزاً، ولا نحاساً، وذكر ذلك لوقا في (٩/٣) إلا أنه قال إن عيسى ﵇ أوصاهم وقال لهم (لا تحملوا شيئاً للطريق لا عصا ولا مزوداً ولا خبزاً ولا فضه) ف في الأول أجاز لهم حمل العصا، والثاني نهاهم عن حمل العصا أيضاً. ٥- أن إنجيل متى ذكر فيه في (١٥/٢١) أن المرأة التي طلبت من المسيح شفاء إبنتها كانت كنعانية. وذكر القصة مرقص في إنجيله (٧/٢٤) ونص عبارته عن جنس المرأة "وكانت المرأة أممية وفي جنسها فينيقيه سوريه"١.

стр. 205

٦- أن إنجيل متى ذكر أسماء تلاميذ عيسى الإثنى عشر فقال (١٠/٢) "وأما أسماء الإثنى عشر رسولاً فهي هذه. الأول سمعان الذي يقال له بطرس، وإندراوس أخوه، يعقوب بن زبدي، ويوحنا أخوه، فيلبس، وبرثولماوس، توما، ومتى العشار، يعقوب بن حلفى، ولباوس الملقب تداوس، سمعان القانوني ويهوذا الاسخريوطى الذي أسلمه". وذكر مرقص في (٣/١٦) الأسماء فوافق فيها متى، وخالفهما لوقا حيث حذف من قائمة متى "لباوس الملقب تداوس" ووضع بدلاً عنه "يهوذا أخا يعقوب". ٧- إختلافهم في الذين حضروا لمشاهدة قبر المسيح بعد دفنه المزعوم ووقت ذلك حيث يقول متى (٢٨/١) "وبعد السبت عند فجر أول الأسبوع جاءت مريم المجدليه ومريم أخرى لتنظرا القبر". وفي إنجيل مرقص (١٦/١) يقول "وبعد ما مضى السبت إشترت مريم المجدليه ومريم أم يعقوب وسالومة حنوطاً ليأتين ويدهنه، وباكراً جداً في أول الأسبوع أتين إلى القبر إذ طلعت الشمس". وفي إنجيل لوقا (٢٤/١) يقول " ثم في أول الأسبوع أول الفجر أتين إلى القبر حاملات الحنوط الذي أعددنه ومعهن أناس" وفي إنجيل يوحنا (٢٠/١) يقول " وفي أول الأسبوع جاءت مريم المجدليه إلى القبر باكراً والظلام باق فنظرت الحجر مرفوعاً عن القبر".

стр. 206

فهذه الإختلافات وغيرها كثير ذكره علماء الإسلام ١وغيرهم تدل دلالة واضحة على أن في الكتاب صنعة بشرية، وتحريف وتبديل.

стр. 207

ثانياً: الأغلاط في الأناجيل: كما بين الأناجيل إختلافات يوجد بها أغلاط وأخطاء كثيرة أيضاً نذكر منها: ١- قال متى في إنجيله (١/٣) مستدلاً للمسيح وولادته من مريم بنبوءة سابقة جاءت على لسان إشعيا "وهذا كله كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل: هوذا العذراء تحبل وتلد إبناً ويدعون اسمه "عمانوئيل" الذي تفسيره الله معنا". وهذا غلط لأن هذا اللفظ الذي ورد على لسان إشعياء لا ينطبق على المسيح فإن له قصة تدل على المراد به وهي: أن "رصين" ملك أرام، "وفقح بن رمليا" ملك اسرائيل، إتفقا على محاربة "آحاز بن يوثان "ملك يهوذا، فخاف منهما "آحاز"خوفاً شديداً فأوحى الله إلى النبي إشعياء أن يقول لآحاز: بأن لا يخاف، لأنهما لا يستطيعان أن يفعلا به ما أرادا وأن ملكهما سيزول أيضاً، وبين له إشعياء آية لخراب ملكهما وزواله، أن امرأة شابه تحبل وتلد ابناً يسمى "عما نوئيل" فتصبح أرض هذين الملكين خراباً قبل أن يميز ذلك الابن بين الخير والشر، ونص كلامه "ها العذراء تحبل وتلد إبناً وتدعو إسمه "عما نوئيل" زبداً وعسلاً يأكل متى عرف أن يرفض الشر ويختار الخير. لأنه قبل أن يعرف الصبي أن يرفض الشر ويختار الخير تخلى الأرض التي أنت خاش من ملكيها" سفر أشعياء (٧/١٤) . وقد وقع ذلك فقد استولى "تغلث فلاسر" الثاني ملك آشور على بلاد سوريا، وقتل "رصين" ملكها، أما "فقح" فقتله في نفس السنة أحد أقربائه

стр. 208

وتولى الملك مكانه، كل ذلك حدث بعد هذه المقولة بما يقارب إحدى وعشرين سنة، أي قبل ميلاد المسيح بما يقارب سبعة قرون١. ٢- قال متى في إنجيله (٢٧/٥١) بعد الصلب المزعوم للمسيح وإسلامه الروح "وإذا حجاب الهيكل قد إنشق إلى إثنين من فوق إلى أسفل، والأرض تزلزت والصخور تفتقت والقبور تفتحت، وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين وخرجوا من القبور بعد قيامته، ودخلوا المدينه المقدسه وظهروا لكثيرين". فهذه الحكاية التي ذكرها متى لم يذكرها غيره من كتاب الأناجيل مما يدل على أن كلامه لا حقيقة له، لأنها آية عظيمة تتوافر الهمم على نقلها. ٣- أنه ورد في إنجيل متى (١٢/٤٠) وكذلك في (١٦/٤) أن المسيح قال إنه لن يعطي لليهود أية إلا آية يونان "يونس ﵇ "ونصه: "لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال، هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال". وهذا غلط لأن المسيح ﵇ في زعمهم صلب ضحى يوم الجمعة ومات بعد ست ساعات، أي وقت العصر، ودفن قبيل غروب الشمس، وبقى في قبره تلك الليلة، ونهار السبت من الغد، وليلة الأحد، وفي صباح الأحد جاؤا ولم يجدوه في قبره، مما يدل على أنه مكث في زعمهم ليلتين ويوماً واحداً فقط. فيكون كلام متى السابق غلط واضح.

стр. 209

٤- أن متى ذكر في مواضع من كتابه أن القيامة ستقوم على ذلك الجيل ومن ذلك قوله في (١٦/٢٧) على لسان المسيح "فإن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته، وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله، الحق أقول لكم إن من القيام ههنا قوماً لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان أتياً في ملكوته". كما ورد في الإنجيل نفسه (٣/٢٣) قولهم على لسان المسيح "فإن الحق أقول لكم لا تكملون مدن إسرائيل حتى يأتي ابن الإنسان". فهذه النصوص تؤكد القيامة قبل موت الكثيرين من ذلك الجيل، وقبل أن يكمل الحواريون الدعوة في جميع مدن بني إسرائيل، وهذا أمر لم يتحقق، وله الآن ألفي سنة إلا قليلا مما يدل على أنه غلط فاحش. ٥- جاء في إنجيل لوقا (١/٣٠) في البشارة بالمسيح قوله "ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية". وهذا خطأ بين لأن المسيح ﵇ لم يكن ملكاً لليهود، ولا ملكاً على آل يعقوب، بل كان أكثرهم معادين له إلى أن رفع إلى السماء بسبب محاولتهم قتله. ٦- ورد في إنجيل مرقس (١١/٢٣) " فأجاب يسوع وقال لهم: ليكن لكم إيمان بالله، لأن الحق أقول لكم: إن من قال لهذا الجبل إنتقل وانطرح في البحر ولا يشك في قلبه بل يؤمن أن ما يقوله يكون، فمهما قال يكون له، لذلك أقول لكم: كل ما تطلبونه حينما تصلون

стр. 210

فآمنوا أن تنالوه فيكون لكم". وورد أيضا في إنجيل مرقس (١٦/١٧) "وهذه الآيات تتبع المؤمنين يخرجون الشياطين باسمي، ويتكلمون بألسنة جديدة، يحملون حيات، وإن شربوا شيئاً مميتاً لا يضرهم ويضعون أيديهم على المرضى فيبرأون ". وفي إنجيل يوحنا (١٤/١٢) " الحق الحق أقول لكم: من يؤمن بي فالأعمال التي أنا أعملها يعملها هو أيضاً، ويعمل أعظم منها لأني ماض إلى أبي ومهما سألتم باسمي فذلك أفعله". فهذه النصوص الثلاثة لاشك في أنها خطأ فلا يستطيع النصارى أن يدعو ذلك لأنفسهم. كما أن عبارة إنجيل يوحنا فيها مغالاة شديدة، حيث زعم أن من آمن بالمسيح يعمل أعظم من أعمال المسيح نفسه، وهذا من الترهات الفارغه.١ وبمجموع ما ذكر عن الأناجيل من ناحية تاريخها، ومتنها يتبين لنا أن هذه الكتب لا يمكن أن تكون هي الكتاب الذي أنزل الله على عبده ورسوله المسيح ﵇، وأحسن أحوالها أن تكون متضمنة لبعض ما أنزل الله على عيسى ﵇.

стр. 211

المطلب الثالث: إنجيل برنابا ١ إنجيل برنابا لا يعتبر من الأناجيل القانونية لدى النصارى ولا يعترفون به ولأهمية ما يحتويه من معلومات ولما بينه وبين الأناجيل الأربعة من تشابه في التعريف بالمسيح ﵇ ودعوته نعرف به هنا في نقاط مختصره. أ- التعريف بـ "برنابا" برنابا: اسمه "يوسف" ويلقب إبن الوعظ وهو لاوى قبرصي الجنسية، وهو خال "مرقس" صاحب الإنجيل فيما يقال، وكان من دعاة النصرانية الأوائل، ويظهر من إنجيله أن له مكانة لدى المسيح ﵇، والنصارى يرون أنه من الدعاة الذين لهم أثر ونشاط ظاهر، وكان من أعماله البارزه أنه باع حقله وأتى بقيمته من النقود ووضعها تحت تصرف الدعاة٢وحين ادعى بولس "شاؤول اليهودي" الدخول في دين المسيح ﵇ خاف منه الحواريون لما يعلمون من سابق عداوته، فشفع له برنابا عندهم فقبلوه ضمن جماعتهم٣ ثم إختلف معه بعد فترة من العمل في الدعوة سويا وانفصلا ٤. ب- التعريف بإنجيله: أقدم خبر عن إنجيل برنابا كان قريباً من عام ٤٩٢م وذلك حين أصدر البابا

стр. 212

"جلاسيوس" الأول أمراً يحرم فيه مطالعة عدد من الكتب، كان منها كتاب يسمى "إنجيل برنابا" وهذا كان قبل مبعث النبي ﷺ ، ثم لم يظهر له خبر بعد ذلك إلا في أواخر القرن السادس عشر الميلادي حيث عثر أحد الرهبان اللاتينيين وهو "فرامرينو" على رسائل "لإريانوس" يندد فيها ببولس وأسند "إريانوس" تنديده هذا إلى إنجيل برنابا. فحرص هذا الراهب على الإطلاع على هذا الإنجيل. واتفق أنه أصبح مقرباً للبابا "سكتس" الخامس، ودخل معه يوماً إلى مكتبته فأخذت البابا غفوة نام فيها، فأخذ "فرامرينو" يطالع في مكتبته رغبة في قطع الوقت، فوقعت يده على هذا الكتاب فوضعه في ثوبه وأخفاه، ثم أستأذن بعد أن أفاق البابا، وخرج فطالع الكتاب بشغف شديد ثم أسلم على أثر ذلك - بين هذه المعلومات المستشرق سايل في مقدمة ترجمته للقرآن الكريم-. ثم في أوائل القرن الثامن عشر عام ١٧٠٩م عثر "كريمر" أحد مستشارى ملك بروسيا على نسخة لإنجيل برنابا باللغة الايطالية، عند أحد وجهاء مدينة أمستردام- حيث كان يقيم وقتئذ - وأهداها "كريمر" إلى الأمير "ايوجين سافوى" لولعه بالعلوم والآثار التاريخية، ثم انتقلت تلك النسخة فيما بعد وذلك عام ١٧٣٨م مع جميع مكتبة ذلك الأمير إلى مكتبة البلاط الملكي في فينا حيث هي موجودة الآن، ثم ترجمت إلى الإنجليزية، وعنها إلى العربية من قبل الدكتور خليل سعادة وهو لبناني نصراني. وكان يوجد لهذا الكتاب نسخة أخرى بالأسبانية، يظن أنها منقولة عن الإيطالية عُثِرَ عليها في أوائل القرن الثامن عشر أيضاً، وكانت عند رجل يدعى الدكتور "هلم" أهداها إلى المستشرق "سايل" ثم دفعها هذا بدوره إلى الدكتور

стр. 213

"منكهوس" الذي ترجمها إلى الإنجليزية ودفعها مع ترجمتها عام ١٧٨٤م إلى الدكتور "هويت" أحد مشاهير الأساتذة في إكسفورد ببريطانيا، وعنده إختفت تلك النسخة مع ترجمتها. وقد أورد الدكتور "هويت" مقتطفات عديدة منها في دروسه وقد اطلع على تلك المقتطفات خليل سعادة، مترجم كتاب إنجيل برنابا إلى العربية. وحين ظهر هذا الإنجيل أحدث دوياً في الأوساط النصرانية لما فيه من المعلومات المضادة لعقائدهم فحاولوا دفعه بوسائل كثيرة، ومما زعموه: أنه تأليف عربي مسلم، أو يهودي أندلسى تنصر ثم أسلم١ - وهذا في الواقع من التخرصات ويدل على بطلان تلك الدعاوى أمور منها: ١- لماذا يؤلف رجل أسلم كتاباً للنصارى ويفتري الكذب وهو قد دخل في الإسلام. ٢-إن في الكتاب معلومات غير موجودة في كتب اليهود والنصارى الآن. ٣- إن مترجم الكتاب إلى العربية وهو خليل سعادة النصراني قد وصف صاحب الإنجيل بأنه على إلمام واسع جداً بالعهد القديم والنصرانية أكثر ممن نذروا أنفسهم للدين النصراني وتفسيره وتعليمه، حتى إنه ليندر أن يكون فيهم من يقرب من إلمام صاحب هذا الإنجيل، فكيف يكون مسلماً وله هذا الإلمام الواسع؟! ٤- إن مما يدفع أن يكون صاحبه مسلم أن فيه أخطاءاً لا يمكن أن تقع من المسلم لبداهتها، ومنها قوله: إن السموات عشرة، وخلطه بين اسم ميخائيل وميكائيل ويقول أدريل بدل إسرافيل.

стр. 214

وعلى كل حال فهذا كتاب ظهر في بلاد نصرانية، وبخط ولغة نصرانية، ولم يرد عن أحد المسلمين أنه أطلع على الكتاب مع سعة إطلاع علماء المسلمين وحرصهم على الرد على النصارى، وهو لاشك مما يظهره الله دليلاً للحق ودحراً للباطل ورداً له. ج- أهم مبادئ إنجيل برنابا التي يختلف بها عن الأناجيل الأربعة: إن الذي جعل النصارى يحملون على هذا الإنجيل حملتهم، ويتنصلون منه، هو مخالفته لأناجيلهم المعتمدة وعقيدتهم في أخطر وأهم نقاطها وهي:- أولاً: أنه صرح أن المسيح ﵇ إنسان، وليس إله ولا ابن إله، وبين أن سبب تأليف إنجيله هو رد هذه الفرية التي أطلقها بولس مع غيرها من الإفتراءات كترك الختان وإباحة أكل اللحوم النجسة، وفي هذا يقول في أول إنجيله " أيها الأعزاء إن الله العظيم العجيب قد افتقدنا في هذه الأيام الأخيرة بنبيه يسوع المسيح برحمة عظيمة للتعليم والآيات التي إتخذها الشيطان ذريعة لتضليل كثيرين بدعوى التقوى، مبشرين بتعليم شديد الكفر، داعين المسيح ابن الله، ورافضين الختان الذي أمر الله به دائماً مجوزين كل لحم نجس، الذين ضل في عدادهم أيضاً بولس، الذي لا أتكلم عنه إلا مع الأسى، وهو السبب الذي لأجله أسطر ذلك الحق الذي رأيته وسمعته أثناء معاشرتي ليسوع لكي تخلصوا، ولا يضلكم الشيطان فتهلكوا في دينونة الله١. ثانياً: أنه نقل عن المسيح التصريح بأن الذبيح هو إسماعيل ﵇، وليس إسحاق كما يزعم اليهود وفي هذا يقول:-

стр. 215

"أجاب يعقوب: يا معلم قل لنا من١ صنع هذا العهد٢، فإن اليهود يقولون بإسحاق، والإسماعيليون يقولون: بإسماعيل أجاب يسوع: صدقوني لأني أقول لكم الحق إن العهد صنع بإسماعيل لا بإسحاق. حينئذ قال التلاميذ: يا معلم هكذا كتب في كتاب موسى أن العهد صنع بإسحاق. أجاب يسوع متأوهاً: هذا هو المكتوب، ولكن موسى لم يكتبه ولا يشوع، بل أحبارنا الذين لا يخافون الله. الحق أقول لكم إنكم إذا أعملتم النظر في كلام الملاك جبريل تعلمون حيث كتبتنا وفقهائنا، لأن الملاك قال: يا إبراهيم سيعلم العالم كله كيف يحبك الله، ولكن كيف يعلم العالم محبتك لله حقاً، يجب عليك أن تفعل شيئاً لأجل محبة الله، أجاب إبراهيم: هاهو ذا عبد الله مستعد أن يفعل كل ما يريد الله، فكلم الله حينئذ إبراهيم قائلاً: خذ ابنك بكرك إسماعيل واصعد الجبل لتقدمه ذبيحة. فكيف يكون إسحاق البكر وهو لما ولد كان إسماعيل ابن سبع سنين. فقال حينئذ التلاميذ: إن خداع الفقهاء لجلي، لذلك قل لنا أنت الحق لأننا نعلم أنك مرسل من الله"٣. وذكر برنابا أيضاً أن المسيح خاطب رئيس كهنة اليهود قائلاً له:"إن
следующие страницы →