← Акыда

Акыда · id 11183

دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية

سعود بن عبد العزيز الخلف

Полный текст (361 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

المطلب الثالث: إنجيل برنابا ١ إنجيل برنابا لا يعتبر من الأناجيل القانونية لدى النصارى ولا يعترفون به ولأهمية ما يحتويه من معلومات ولما بينه وبين الأناجيل الأربعة من تشابه في التعريف بالمسيح ﵇ ودعوته نعرف به هنا في نقاط مختصره. أ- التعريف بـ "برنابا" برنابا: اسمه "يوسف" ويلقب إبن الوعظ وهو لاوى قبرصي الجنسية، وهو خال "مرقس" صاحب الإنجيل فيما يقال، وكان من دعاة النصرانية الأوائل، ويظهر من إنجيله أن له مكانة لدى المسيح ﵇، والنصارى يرون أنه من الدعاة الذين لهم أثر ونشاط ظاهر، وكان من أعماله البارزه أنه باع حقله وأتى بقيمته من النقود ووضعها تحت تصرف الدعاة٢وحين ادعى بولس "شاؤول اليهودي" الدخول في دين المسيح ﵇ خاف منه الحواريون لما يعلمون من سابق عداوته، فشفع له برنابا عندهم فقبلوه ضمن جماعتهم٣ ثم إختلف معه بعد فترة من العمل في الدعوة سويا وانفصلا ٤. ب- التعريف بإنجيله: أقدم خبر عن إنجيل برنابا كان قريباً من عام ٤٩٢م وذلك حين أصدر البابا

стр. 212

"جلاسيوس" الأول أمراً يحرم فيه مطالعة عدد من الكتب، كان منها كتاب يسمى "إنجيل برنابا" وهذا كان قبل مبعث النبي ﷺ ، ثم لم يظهر له خبر بعد ذلك إلا في أواخر القرن السادس عشر الميلادي حيث عثر أحد الرهبان اللاتينيين وهو "فرامرينو" على رسائل "لإريانوس" يندد فيها ببولس وأسند "إريانوس" تنديده هذا إلى إنجيل برنابا. فحرص هذا الراهب على الإطلاع على هذا الإنجيل. واتفق أنه أصبح مقرباً للبابا "سكتس" الخامس، ودخل معه يوماً إلى مكتبته فأخذت البابا غفوة نام فيها، فأخذ "فرامرينو" يطالع في مكتبته رغبة في قطع الوقت، فوقعت يده على هذا الكتاب فوضعه في ثوبه وأخفاه، ثم أستأذن بعد أن أفاق البابا، وخرج فطالع الكتاب بشغف شديد ثم أسلم على أثر ذلك - بين هذه المعلومات المستشرق سايل في مقدمة ترجمته للقرآن الكريم-. ثم في أوائل القرن الثامن عشر عام ١٧٠٩م عثر "كريمر" أحد مستشارى ملك بروسيا على نسخة لإنجيل برنابا باللغة الايطالية، عند أحد وجهاء مدينة أمستردام- حيث كان يقيم وقتئذ - وأهداها "كريمر" إلى الأمير "ايوجين سافوى" لولعه بالعلوم والآثار التاريخية، ثم انتقلت تلك النسخة فيما بعد وذلك عام ١٧٣٨م مع جميع مكتبة ذلك الأمير إلى مكتبة البلاط الملكي في فينا حيث هي موجودة الآن، ثم ترجمت إلى الإنجليزية، وعنها إلى العربية من قبل الدكتور خليل سعادة وهو لبناني نصراني. وكان يوجد لهذا الكتاب نسخة أخرى بالأسبانية، يظن أنها منقولة عن الإيطالية عُثِرَ عليها في أوائل القرن الثامن عشر أيضاً، وكانت عند رجل يدعى الدكتور "هلم" أهداها إلى المستشرق "سايل" ثم دفعها هذا بدوره إلى الدكتور

стр. 213

"منكهوس" الذي ترجمها إلى الإنجليزية ودفعها مع ترجمتها عام ١٧٨٤م إلى الدكتور "هويت" أحد مشاهير الأساتذة في إكسفورد ببريطانيا، وعنده إختفت تلك النسخة مع ترجمتها. وقد أورد الدكتور "هويت" مقتطفات عديدة منها في دروسه وقد اطلع على تلك المقتطفات خليل سعادة، مترجم كتاب إنجيل برنابا إلى العربية. وحين ظهر هذا الإنجيل أحدث دوياً في الأوساط النصرانية لما فيه من المعلومات المضادة لعقائدهم فحاولوا دفعه بوسائل كثيرة، ومما زعموه: أنه تأليف عربي مسلم، أو يهودي أندلسى تنصر ثم أسلم١ - وهذا في الواقع من التخرصات ويدل على بطلان تلك الدعاوى أمور منها: ١- لماذا يؤلف رجل أسلم كتاباً للنصارى ويفتري الكذب وهو قد دخل في الإسلام. ٢-إن في الكتاب معلومات غير موجودة في كتب اليهود والنصارى الآن. ٣- إن مترجم الكتاب إلى العربية وهو خليل سعادة النصراني قد وصف صاحب الإنجيل بأنه على إلمام واسع جداً بالعهد القديم والنصرانية أكثر ممن نذروا أنفسهم للدين النصراني وتفسيره وتعليمه، حتى إنه ليندر أن يكون فيهم من يقرب من إلمام صاحب هذا الإنجيل، فكيف يكون مسلماً وله هذا الإلمام الواسع؟! ٤- إن مما يدفع أن يكون صاحبه مسلم أن فيه أخطاءاً لا يمكن أن تقع من المسلم لبداهتها، ومنها قوله: إن السموات عشرة، وخلطه بين اسم ميخائيل وميكائيل ويقول أدريل بدل إسرافيل.

стр. 214

وعلى كل حال فهذا كتاب ظهر في بلاد نصرانية، وبخط ولغة نصرانية، ولم يرد عن أحد المسلمين أنه أطلع على الكتاب مع سعة إطلاع علماء المسلمين وحرصهم على الرد على النصارى، وهو لاشك مما يظهره الله دليلاً للحق ودحراً للباطل ورداً له. ج- أهم مبادئ إنجيل برنابا التي يختلف بها عن الأناجيل الأربعة: إن الذي جعل النصارى يحملون على هذا الإنجيل حملتهم، ويتنصلون منه، هو مخالفته لأناجيلهم المعتمدة وعقيدتهم في أخطر وأهم نقاطها وهي:- أولاً: أنه صرح أن المسيح ﵇ إنسان، وليس إله ولا ابن إله، وبين أن سبب تأليف إنجيله هو رد هذه الفرية التي أطلقها بولس مع غيرها من الإفتراءات كترك الختان وإباحة أكل اللحوم النجسة، وفي هذا يقول في أول إنجيله " أيها الأعزاء إن الله العظيم العجيب قد افتقدنا في هذه الأيام الأخيرة بنبيه يسوع المسيح برحمة عظيمة للتعليم والآيات التي إتخذها الشيطان ذريعة لتضليل كثيرين بدعوى التقوى، مبشرين بتعليم شديد الكفر، داعين المسيح ابن الله، ورافضين الختان الذي أمر الله به دائماً مجوزين كل لحم نجس، الذين ضل في عدادهم أيضاً بولس، الذي لا أتكلم عنه إلا مع الأسى، وهو السبب الذي لأجله أسطر ذلك الحق الذي رأيته وسمعته أثناء معاشرتي ليسوع لكي تخلصوا، ولا يضلكم الشيطان فتهلكوا في دينونة الله١. ثانياً: أنه نقل عن المسيح التصريح بأن الذبيح هو إسماعيل ﵇، وليس إسحاق كما يزعم اليهود وفي هذا يقول:-

стр. 215

"أجاب يعقوب: يا معلم قل لنا من١ صنع هذا العهد٢، فإن اليهود يقولون بإسحاق، والإسماعيليون يقولون: بإسماعيل أجاب يسوع: صدقوني لأني أقول لكم الحق إن العهد صنع بإسماعيل لا بإسحاق. حينئذ قال التلاميذ: يا معلم هكذا كتب في كتاب موسى أن العهد صنع بإسحاق. أجاب يسوع متأوهاً: هذا هو المكتوب، ولكن موسى لم يكتبه ولا يشوع، بل أحبارنا الذين لا يخافون الله. الحق أقول لكم إنكم إذا أعملتم النظر في كلام الملاك جبريل تعلمون حيث كتبتنا وفقهائنا، لأن الملاك قال: يا إبراهيم سيعلم العالم كله كيف يحبك الله، ولكن كيف يعلم العالم محبتك لله حقاً، يجب عليك أن تفعل شيئاً لأجل محبة الله، أجاب إبراهيم: هاهو ذا عبد الله مستعد أن يفعل كل ما يريد الله، فكلم الله حينئذ إبراهيم قائلاً: خذ ابنك بكرك إسماعيل واصعد الجبل لتقدمه ذبيحة. فكيف يكون إسحاق البكر وهو لما ولد كان إسماعيل ابن سبع سنين. فقال حينئذ التلاميذ: إن خداع الفقهاء لجلي، لذلك قل لنا أنت الحق لأننا نعلم أنك مرسل من الله"٣. وذكر برنابا أيضاً أن المسيح خاطب رئيس كهنة اليهود قائلاً له:"إن

стр. 216

إبراهيم أحب الله حيث أنه لم يكتف بتحطيم الأصنام الباطلة تحطيماً ولا بهجر أبيه وأمه ولكنه كان يريد أن يذبح ابنه طاعة لله. أجاب رئيس الكهنة:- إنما أسألك هذا ولا أطلب قتلك فقل لنا: من كان ابن إبراهيم هذا؟ أجاب يسوع: إن غيرة شرفك يا الله تؤججني ولا أقدر أن أسكت. الحق أقول إن ابن إبراهيم هو إسماعيل الذي يجب أن يأتي من سلالته مسيا الموعود به إبراهيم أن به تتبارك كل قبائل الأرض. " فلما سمع هذا رئيس الكهنة حنق وصرخ لنرجم هذا الفاجر لأنه إسماعيلى، وقد جدف على موسى وعلى شريعة الله١. ثالثاً:- أنه نقل عن المسيح التصريح بالبشارة بالنبي محمد ﷺ باسمه وذلك في مواطن عدة من كتابه منها: أن اليهود سألوا المسيح ﵇ عن اسم النبي المنتظر فقال: "فقال الكاهن حينئذ: ماذا يسمى مسيا، وما هي العلامة التي تعلن مجيئه؟ فأجاب يسوع: إن اسمه المبارك "محمد" حينئذ رفع الجمهور أصواتهم قائلين: يا الله أرسل لنا رسولك يا محمد تعال سريعاً لخلاص العالم٢. وأورد أيضاً برنابا حواراً تم بينه وبين المسيح ﵇ بعد أن رفع إلى السماء ثم عاد مرة أخرى ليطمئن أمه وحوارييه بأنه لم يمت ثم ارتفع مرة أخرى إلى السماء٣، وهذا نصه:

стр. 217

" فقال حينئذ الذي يكتب١: يا معلم إذا كان الله رحيماً فلماذا عذبنا بهذا المقدار بما جعلنا نعتقد أنك كنت ميتاً، ولقد بكتك أمك حتى أشرفت على الموت، وسمح الله أن يقع عليك عار القتل بين اللصوص على جبل الجمجمة وأنت قدوس الله. أجاب يسوع: صدقني يا برنابا إن الله يعاقب على كل خطيئة مهما كانت طفيفة عقاباً عظيماً، لأن الله يغضب من الخطيئة، فلذلك لما كانت أمي وتلاميذي الأمناء الذين كانوا معي أحبوني قليلاً حباً عالمياً، أراد الله البر أن يعاقب على هذا الحب بالحزن الحاضر حتى لا يعاقب عليه بلهب الجحيم، فلماذا كان الناس قد دعوني الله وابن الله على أني كنت بريئاً في العالم أراد الله أن يهزأ الناس بي في هذا العالم بموت يهوذا معتقدين أنني أنا الذي مت على الصليب لكيلا تهزأ الشياطين بي في يوم الدينونة، وسيبقى هذا إلى أن يأتي محمد رسول الله، الذي متى جاء كشف هذا الخداع للذين يؤمنون بشريعة الله٢". رابعاً: أن برنابا صرح أن المسيح لم يصلب وإنما رفع إلى السماء، وأن الذي صلب هو يهوذا الأسخريوطي وهو الذي وشى بالمسيح لدى اليهود، حيث أُلْقِىَ عليه شبه المسيح فقبض عليه وصلب بدلاً عن المسيح ﵇.

стр. 218

وهذا نص كلامه:- "ولما دنت الجنود مع يهوذا من المحل الذي كان فيه يسوع، سمع يسوع دنو جم غفير، فلذلك انسحب إلى البيت خائفاً، وكان الأحد عشر نياماً، فلما رأى الله الخطر على عبده أمر جبريل وميخائيل ورفائيل وأوريل سفراءه أن يأخذوا يسوع من العالم، فجاء الملائكة الأطهار وأخذوا يسوع من النافذة المشرفة على الجنوب، فحملوه ووضعوه في السماء الثالثة في صحبة الملائكة التي تسبح الله إلى الأبد. ودخل يهوذا بعنف إلى الغرفة التي أصعد منها يسوع وكان التلاميذ كلهم نياماً. فأتى الله العجيب بأمر عجيب، فتغير يهوذا في النطق وفي الوجه فصار شبيها بيسوع حتى أننا اعتقدنا أنه يسوع، أما هو فبعد أن أيقظنا أخذ يفتش لينظر أين كان المعلم، لذلك تعجبنا وأجبنا: أنت يا سيد هو معلمنا أنسيتنا الآن؟ أما هو فقال متبسماً: هل أنتم أغبياء حتى لا تعرفون يهوذا الأسخريوطي. وبينما كان يقول هذا دخلت الجنود وألقوا أيديهم على يهوذا لأنه كان شبيهاً بيسوع من كل وجه" وبعد أن ذكر محاكمة يهوذا وجلده من قبل اليهود والوالي الروماني وهم يظنون أنه يسوع قال: "وأُسْلِمَ يهوذا للكتبة والفريسيين كأنه مجرم يستحق الموت وحكموا عليه بالصلب وعلى لصين معه. فقادوه إلى جبل الجمجمة حيث إعتادوا شنق المجرمين وهناك صلبوه عرياناً

стр. 219

مبالغة في تحقيره١ ". هذه أهم مبادئ هذا الكتاب الذي أحدث بمبادئه وقت ظهوره دوياً لدى النصارى، أما نحن المسلمين فلا يقدم عندنا هذا الكتاب ولا يؤخر فنحن مطمئنون لكتاب ربنا الذي بين أيدينا نعرف به الحق وعلى ضوئه نقيس الحق. وهذا كتاب لا سند له ولا تاريخ، ثم هو من تأليف رجل ليس بمعصوم فقد يخطئ، ويضل، وينسى، وهذه لا تجعل لكتابه قيمة دينية عقائدية، وإنما تجعل له قيمة تاريخية وأدبية والله أعلم.

стр. 220

المبحث الثاني: المجامع النصرانية تمهيد المجامع النصرانية يعرفها النصارى بأنها: هيئات شورية١ في الكنيسة تبحث في الأمور المتعلقة بالديانة النصرانية وأحوال الكنائس٢. والمجامع النصرانية نوعان: مجامع محلية: وهي التي تبحث في الشؤون المحلية للكنائس التي تنعقد فيها. ومجامع مسكونية (عالمية) : تبحث في العقيدة النصرانية ومواجهة بعض الأقوال التي يرى غرابتها ومخالفتها للديانة. وأول المجامع كما يذكر سفر أعمال الرسل، كان مجمع أورشليم الذي عقد أيام الحواريين من أجل النظر في حكم إلزام غير اليهود بالشريعة الموسوية. فقرر المجتمعون هناك أنهم لا يلزمون بالختان ولا بالشرائع الموسوية، وإنما يلزمون فقط بالإمتناع عن الذبح للأصنام والزنى وأكل المخنوق والدم) . ٣

стр. 221

أهم المجامع المسكونية: ١- مجمع نيقية١ سنة ٣٢٥م: كان هذا المجمع أول المجامع المسكونية وأخطرها أيضاً. سبب انعقاده: سبب إنعقاد هذا المجمع هو التعارض والإختلاف العقدي الموجود في الكنسية في تلك الأزمان، وذلك أنه ما إن توقف الإضهاد الواقع على النصارى من قبل الرومان بمرسوم ميلان٢. حتى ظهر على السطح ذلك الخلاف العقائدي الكبير بين طوائف النصارى، والذي كان يخفيه من قبل الحالة الإضطهادية الواقعة على جميع أصناف النصارى والذي كان من أسباب رسوخ هذه الإنحرافات العقدية كما سيتبين. وكان أبرز وجوه الإختلاف: ذلك الخلاف والتعارض بين دعوة كنيسة الإسكندرية التي كانت تنادى بألوهية المسيح على مذهب بولس، وبين دعوة الأسقف الليبي "آريوس" في الإسكندريه أيضاً. الذي وُصِفَ بأنه عالم مثقف، وواعظ مفوه، وزاهد متقشف، وعالم بالتفسير، حيث أخذ ينادي بأن الله إله واحد غير مولود أزلي، أما الإبن فهو ليس أزليا وغير مولود

стр. 222

من الأب وأن هذا الإبن خرج من العدم مثل كل الخلائق حسب مشيئة الله وقصده١. وشايع آريوس في دعوته العديد من الأساقفه، منهم أسقف نيقوميديه المسمى أوسابيوس وغيره. وكان الإمبراطور "قسطنطين" في ذلك الوقت قد أبدى تعاطفاً قوياً تجاه النصارى ورفع عنهم الاضطهاد واهتم بشؤونهم٢ فهاله ما رأى من انقسام النصارى، وأدرك خطورة تلك الإنقسامات على دولته، والتي كان أخطرها ما كان بين أسقف كنيسة الإسكندرية الكسندروس وآريوس وأتباعه. وكان الخلاف قد تطور بينهما وذلك بأن طلب أسقف الإسكندرية عقد مجمع في الإسكندرية للنظر في قضية آريوس ودعوته، فقرر ذلك المجمع قطع آريوس من الخدمه، وهذا جعل "آريوس" يخرج من الإسكندرية ويتوجه إلى آسيا حيث عقد في "بثينيه" بآسيا الصغرى مشايعوه من الأساقفة مجمعاً قُرِرَ فيه قبول آريوس وأتباعه وكتابة طلب إلى أسقف الإسكندرية برفع الحرمان الذي قرروه على "آريوس"٣.

стр. 223

فهذا ما جعل الإمبراطور "قسطنطين" يدعو إلى مجمع عام في نيقية سنة ٣٢٥م لبحث هذه القضية. - عدد الحاضرين ومذاهبهم: اختلف كلام النصارى في ذكر عدد المجتمعين فالبعض يرى أن عدد المجتمعين كان ٣١٨ أسقفاً فقط، وبعضهم يرى أنهم مابين ٣٠٠-٥٢٠١ ويذكر مارى سليمان في كتاب "المجدل" وكذلك إبن البطريق أن عددهم كان (٢٠٤٨) أسقفاً٢. أما مذاهب الحاضرين فكانت متباينة تبايناً شديداً. وكما يقول إبن البطريق بأنهم كانوا مختلفين في الآراء والأديان. - فمنهم من كان يقول: إن المسيح وأمه إلاهان من دون الله وهم البربرانية. - ومنهم من كان يقول: إن المسيح من الأب بمنزلة شعلة نار إنفصلت من شعلة نار فلم تنقص الأولى بانفصال الثانية منها وهي مقالة سابليوس. - ومنهم من كان يقول: لم تحبل به مريم تسعة أشهر، وإنما مر في بطنها كما يمر الماء في الميزاب. - ومنهم من كان يقول: إن المسيح إنسان مخلوق من اللاهوت كواحد منا في جوهره، وأن الإبن من مريم، ويرون أن الله جوهر قديم واحد وأقنوم واحد ولا يؤمنون بالكلمة ولا بالروح القدس، وهي مقالة بولس الشمشاطي بطريرك أنطاكية.

стр. 224

- ومنهم من كان يقول: إنهم ثلاثة آلهة لم تزل: صالح، وطالح، وعدل بينهما. وهي مقالة مرقيون وأصحابه. - ومنهم من كان يقول: بألوهية الميسح، وهي مقالة بولس ومقالة الثلاثمائة وثمانية عشر أسقفاً١. قرارات المجمع ونتيجته: بعد أن تداول المجتمعون الآراء في ذلك المجمع خرجوا بتقرير ألوهية المسيح ﵇ ٢ وأنه ابن الله - في زعمهم - أي من ذات الله٣ وأنه مساوٍ لله

стр. 225

جل وعلا، وأنه مولود منه غير مخلوق - تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. كما قرروا أن هذا الإله تجسد بصورة البشر لخلاص الناس، ثم ارتفع إلى السماء بعد قيامته من الموت، كما تم لعن "آريوس" ومشايعيه وحرق كتبه. وقد وقع كثير من المجتمعين على هذه القرارات لمناصرة قسطنطين لها، ويرى ابن البطريق أن (٣١٨) أسقفاً فقط هم الذين أظهروا هذا القول ووقعوا عليه وخالفهم بقية الأساقفة١، والبعض الآخر يرى أن الجميع وقعوا عليها ما عدا يوسابيوس أسقف نيقوميدية في قول بعضهم وشخص آخر فقد رفضا التوقيع على ذلك النص٢. وهكذا انتصر في أول الأمر القائلون بألوهية المسيح بمساندة وتأييد الإمبراطور، حيث ينص بعض المؤرخين على ترأسه لذلك المجمع٣ ومما يدل على أن المجتمعين في نيقية لم يقبلوا ذلك القول بألوهية المسيح ولم يكن عند القائلين به حجة مقنعه أنهم كما يذكر القس "حنا الخضري" بعد ذكر الإنتصار الذي حققه مشايعوا مقولة بولس قال: "ولكن للأسف الشديد كانت الحقيقة الواقعة تختلف الإختلاف كله عن القرارات السنودسية والمجمعية. فقد رجع الأساقفة بعد مجمع نيقية إلى أبرشياتهم

стр. 226

والقسوس إلى كنائسهم وبدأ كل منهم يعلم ما كان يعلم به قبلا١ بل إن البعض تطرف في الهرطقه التي فاقت هرطقة " آريوس" نفسه. فمع أن "آريوس" وبعض أتباعه نُفُوا إلا أن الآريوسيه بنت عشها في حدائق كثيرين من الأساقفه والرعاة٢". ولما كان قرار نيقية بألوهية المسيح فرض بقوة السلطان فإن السلطان وهو الإمبراطور رجع فيما بعد عنه وأمر بعقد مجمع صور سنة ٣٣٤م وقرر فيه إعادة "آريوس" إلى الكنيسة، وخلع "أثنا سيوس" أسقف الإسكندرية، أحد أكبر المدافعين عن عقيدة ألوهية المسيح، كما أن الإمبراطور نفسه قد عُمِّد وهو على فراش الموت على مذهب "آريوس" حيث عمده الأسقف "أوسابيوس النيقوميدي" أكبر أنصار آريوس٣. وهكذا يتبين أن هذا المجمع الذي يعد من أخطر المجامع كان ألعوبة بيد الإمبراطور الذي كان وثنياً ولم يكن من أهل تلك الملة وقت ترأسه ذلك المجمع، كما أن المجتمعين لم يكونوا يعتمدون على نصوص متفق عليها مقبولة لدى الجميع وإلا لتم الإذعان لمدلولها، وإنما كانوا يعتمدون على تصوراتهم أو تصورات أمثالهم من الناس فلهذا وقع الإعراض عنها بعد عودتهم إلى كنائسهم.

стр. 227

٢- مجمع القسطنطينيه: دعا الإمبراطور " ثيودسيوس " سنة ٣٨١م إلى عقد مجمع القسطنطينية لمواجهة دعوات كانت منتشرة بين الكنائس. - منها دعوة "مقدونيوس" الذي كان أسقفاً للقسطنطينية، الذي نادى بأن الروح القدس مخلوق وليس إلها. - ودعوة "صابيليوس" الذي كان ينكر وجود ثلاثة أقانيم. - ودعوة "أبوليناريوس" الذي كان أسقفاً على اللاذقية والشام والذي أنكر وجود نفس بشرية في المسيح. فحضر ذلك المجمع مائة وخمسون أسقفاً. قرروا فيه ألوهية الروح القدس ولعن وطرد من خالف ذلك١ فأكتمل بذلك ثالوث النصارى. وكما هو ظاهر فإن هذا المجمع عقد بدعوة من الإمبراطور "ثيودسيوس" الذي كان قد سن القوانين والتشريعات لمصلحة القائلين بألوهية المسيح والمثلثين من النصارى. ٣- مجمع أفسس سنة ٤٣١م انعقد هذا المجمع لمواجهة قول " نسطور" أسقف القسطنطينية، الذي قيل عنه إنه كان يقول: بأن المسيح له طبيعتان إلهية وإنسانية بشرية٢ وأن مريم والدة

стр. 228

الإنسان وليست والدة الإله. فعقد المجمع في أفسس سنة ٤٣١م بحضور مائة وستين أسقفاً وقرر فيه أن المسيح إله وإنسان ذو طبيعية واحدة وأقنوم واحد، وأن مريم أم إلههم وحكم على "نسطور" بالطرد من الكنيسة١ وبعد مجمع أفسس عُقدت مجامع عديدة كلها تبحث في طبيعة المسيح ﵇، منها:- ٤- مجمع خلقيدونيه سنة ٤٥١م: في هذا المجمع عادوا للبحث في طبيعة المسيح وقرر المجتمعون: أن المسيح له طبيعتان إلهية وبشرية بلا اختلاط ولا تحول ولا انقسام ولا انفصال٢؟! وكان المناصرون لهذا القول هم الأساقفة الغربيين الذين لعنوا وطردوا من لا يقول بهذا القول. ولم توافقهم الكنائس الشرقية على هذا وقد أصروا على قرارهم السابق في مجمع "أفسس" بأن المسيح له طبيعة واحدة إلهية وبشرية، وهذا من أهم الفوارق بين الكاثوليك القائلين بالطبيعتين، والأقباط والأرمن والسريان القائلين بالطبيعة الواحدة.٣

стр. 229

بعد هذا عقدت مجامع عديدة من أهمها:- ٥ - المجمع السابع سنة ٧٥٤، ٧٨٧ م المراد بالمجمع السابع مجمعان، المجمع الأول انعقد سنة ٧٥٤م بدعوة من الإمبراطور قسطنطين الخامس وذلك للنظر في موضوع الصور والتماثيل وما يقدم لها من التقديس والعبادة. وخرج بقرار يلعن به كل من يصور المسيح أو أمه أو أباء الكنيسة باعتبار أنها وثنية ١. ثم أمر الإمبراطور أن يمحى ويدمر كل ما في الكنائس من صور وتماثيل، كما حمل على الرهبان فأغلق الأديرة وصادر أموالها، كما أرغم الرهبان على أن يتزوجوا الراهبات ٢.

стр. 230

وبعد وفاة الإمبراطور قسطنطين الخامس سنة ٧٧٥م تولى على الإمبراطورية زوجته إيريني التي كانت تؤيد الصور والتماثيل فدعت إلى مجمع عام سنة ٧٨٧م في نيقية حضره ٣٥٠ أسقفاً خرجوا بقرار: وجوب تعليق الصور والتماثيل للمسيح وأمه وقديسيهم وكذلك الملائكة، ويقدم لهم صنوف التكريم من التقديس والسجود ويستشفع بهم إلى الله في الحاجات لما لهم من المكانة والدالة على الله - تعالى الله عن قولهم - كما لعن المجمع كل من لا يكرم تلك الصور والتماثيل١.

стр. 231

واستمر النصارى على هذا إلى أن جاء البروتستانت فحملوا على الصور والتماثيل وحرموها وانشقوا بذلك عن بقية النصارى من الكاثوليك والأرثوذكس. ٦ - المجمع الثامن سنة ٨٦٩ م وكان سبب انعقاده الخلاف بين كنيسة القسطنطينية وكنيسة روما في الروح القدس هل انبثق من الأب فقط وهو زعم كنيسة القسطنطينية أم من الأب والإبن معاً كما هو زعم كنيسة روما؟ وقد قرر في هذا المجمع قول كنيسة روما بأن المسيح انبثق من الأب والابن معاً. ولم يوافق على ذلك بطريرك القسطنطينية ومن كان معه وأصروا على قولهم وعقدوا لذلك مجمعاً سنة ٨٧٩م قرروا فيه أن الروح القدس انبثق من الأب وحده فانقسمت بسببه الكنيسة إلى قسمين: ١) الكنيسة الغريبة ويتزعمها البابا في روما وهم الكاثوليك. ٢) الكنيسة الشرقية ويتزعمها بطريرك القسطنطينية وهم الأرثوذكس. ٧- المجمع الثاني عشر الذي عقد سنة ١٢١٥م وقد تقرر فيه أن العشاء الرباني يتحول إلى جسد ودم المسيح، وأن الكنيسة البابوية الكاثوليكية تملك حق الغفران وتمنحه لمن تشاء.

стр. 232

٨- مجمع روما عام ١٧٦٩م: والذي تقرر فيه عصمه البابا في روما.١ من خلال هذا الاستعراض السريع لبعض المجامع النصرانية وقراراتها يتبين لنا ما يلي: أولاً- أن النصارى لا يملكون أدلة صحيحة صريحة في أكثر دعاويهم لهذا اختلفوا تلك الإختلافات الخطيرة التي تمس جميع نواحي العقيدة لديهم. ثانياً - أن ما يستند إليه النصارى ويتحمسون له لا يعدوا أن يكون فهما خاصا يسعى أصحابه لتثبيته عن طريق تلك المجامع، ولا يخلو الأمر من الأهواء والأغراض الخاصة من حب الرئاسة وفرض السيطرة. ثالثاً - أن المجامع لم تكن يوماً من الأيام هيئات شورية يتباحث القسس فيها الأراء ويتوصلون فيها إلى الحق بأدلته، بل كانت في الأغلب تعقد لفرض رأي أو تصور عن طريق تلك المجامع وبقوة السلطان أو قوة الكنيسة. رابعاً- أن تلك المجامع كانت أداة بيد الأباطرة الرومان يسخرونها لرغباتهم في التوسع والسيطرة أو تحقيق أغراض سياسية. خامساً - أن تلك المجامع كانت من أعظم أسباب الفرقة وتثبيتها في العالم النصراني، بحيث أنهم لم يخرجوا في واحد منها متفقين، بل كلما اجتمعوا في مجمع من تلك المجامع يزداد إختلافهم وبالتالي إنقسامهم. سادساً - أن المجامع صاغت العقيدة وقررتها بعد خلاف طويل وهذا يدل

стр. 233

على أن العقيدة النصرانية في الإله وفي المسيح، وفي نقاط عديدة ليس لأدلتها من الوضوح ما يكفي لجعلها مسلمات وقطعية الدلالة لكل نصراني نظر في الأناجيل وعلم أقوال المسيح، وهذا أمر يجب التوقف عنده والتفكير في مهمة المسيح ماذا كانت؟ فإنه إذا لم يكن وضح وجلي تلك القضايا وأبان عنها البيان الكامل الذي لا يفتح مجالاً للاختلاف فيها وخاصة أنها من أصول الديانة وأهم العقائد، فما هي مهمته إذاً؟ هل جاء ليلقي كلاماً مبهماً لا يعرف معناه يحار الناس فيه قروناً؟ أم أنه تكلم بكلام واضح وجلي كما هي حقيقة مهمة الرسل إلا أن الناس حرفوا كلامه بعد ذلك وحملوه على غير محامله ونسبوا إليه ما لم يقل؟! سابعاً - إن المجامع قررت قرارات ولعنت وحرمت من لم يقل بها، وقررت أن سبيل النجاة هو اعتقاد تلك الأقوال - وهنا سؤال يطرح نفسه ماهو حال حواري المسيح وأوائل النصارى الذين لم يكونوا يعتقدون تلك العقيدة ولم يتكلموا فيها بكلمة، كالتثليث، وطبيعة المسيح وانبثاق الروح القدس من الأب أو الأب والابن معاً إلى غير ذلك. ثامناً - إن المجامع قد صاغت العقيدة النصرانية بكل تفاصيلها، وذلك يدل على أن أن تلك العقيدة بتفاصيلها صنعة بشرية لم ينزلها الله تعالى على المسيح ﵇. تاسعاً - أن المجامع النصرانية هي المصدر الحقيقي للديانة النصرانية المحرفة، لأن تلك الفهوم التي كانت تقرر وتصدر وفقها القرارات لم تكن تعتمد على نصوص قطعية واضحة، بل أحياناً كانت تعتمد على نصوص متشابهة وكلام

стр. 234

محتمل لأكثر من معنى ويكون من أقلها إحتمالاً المفهوم الذي تدعيه الكنيسة، كما في دعوى ألوهية المسيح ﵇. وأحياناً كانت لا تعتمد على أي نصوص موجودة لديهم وهو الأكثر، بل يكون تركيباً ذهنياً وهمياً، أو تصوراً خاطئاً بني على تصور خاطئ، كما في قراراتهم المتعلقة بألوهية الروح القدس، وطبيعة المسيح، وتقديس الصور والتماثيل، وعصمة البابا ونحو ذلك. ويصدق عليهم فيما يدعونه من عقيدة ويشرعونه للناس أنهم جعلوا أنفسهم أرباباً من دون الله يحلون ويحرمون فينطبق عليهم قول الله تعالى ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ التوبة آية (٣٠ -٣١) .

стр. 235

الفصل الثالث: عقيدة النصارى المسيح ﵇ جاء بالديانة بيضاء نقية توحيدا خالصا، ومنهجا ربانيا واضحا، كما تقدم بيانه أول الكلام على النصرانية. إلا أن النصارى انحرفوا بهذه الديانة عن وجهها الصحيح، إلى وثنية خالصة، وعقائد منحرفة لم يعرفها المسيح ﵇ ولا حواريوه. وقد كان ابتداء تحريفها من دخول بولس (شاؤول اليهودي) هذه الديانة بعد رفع المسيح ﵇ كما سيأتي بيانه. وهذه الديانة المحرفة لم تقرر على ما هي عليه في الوقت الحاضر إلا بعد انصرام ما يقارب خمسة قرون من رفع المسيح ﵇، حيث أصبحت تقوم على ثلاثة أسس هي: ١) التثليث. ٢) الصلب والفداء. ٣) محاسبة المسيح للناس. وسنبين بيانا مختصراً مقولتهم في كل واحد من هذه العقائد ونبين بإذن الله بطلانها.

стр. 236

المبحث الأول: التثليث المطلب الأول: تعريفه ومرادهم به: مراد النصارى بالتثليث كما يقول قاموس الكتاب المقدس هو: إله واحد، الأب، والابن، والروح القدس إله واحد، جوهر (ذات) واحد متساوين في القدرة والمجد١. ويفسرون هذه العقيدة بقولهم إن تعليم الثالوث يتضمن: ١) وحدانية الله. ٢) لاهوت الأب والابن والروح القدس. ٣) إن الأب والابن والروح القدس أقانيم٢ يمتاز كل منهم عن الآخر منذ الأزل وإلى الآبد. ٤) أنهم واحد في الجوهر متساوون في القدرة والمجد. ٥) إن بين أقانيم الثالوث تمييزاً أيضا في الوظائف والعمل، لأن الكتاب يعلم أن الأب والابن والروح القدس واحد في الجوهر، متساوون في القدرة والمجد. ٦) إن بعض أعمال اللاهوت تنسب في الكتاب المقدس إلى الأب والابن والروح القدس مثل خلق العالم وحفظه، وبعض الأعمال تنسب على الخصوص إلى الأب مثل الإختيار والدعوة، وإن بعض الإعمال تنسب خصوصا إلى الابن مثل الفداء،

стр. 237

وبعض الأعمال تنسب خصوصاً إلى الروح القدس مثل التجديد والتقديس١. ويزيد "حبيب سعيد" في بيان عقيدة الثالوث عندهم فيقول "لا تعني عقيدة الثالوث أن لنا ثلاثة آلهة، بل إله واحد في ثلاثة أقانيم، وقد عبر عن هذه العقيدة أحسن تعبير قانون ماراثناسيوس "الإيمان الجامع هو أن نعبد إلهاً واحداً في ثالوث، وثالوثاً في وحدانية ألا نخلط الأقانيم ولانفصل الجوهر، فإن للأب أقنوماً على حدة، وللابن أقنوماً آخر، وللروح أقنوماً آخر، ولكن لاهوت الآب والابن والروح القدس كله واحد، والمجد٢ متساوو الجلال أبدى معاً ... الأب إله والابن إله والروح القدس إله، ولكن ليسوا ثلاثة آلهة بل إله واحد ... الأب رب والابن رب والروح القدس رب، ولكن ليسوا ثلاثة أرباب بل رب واحد ... الدين الجامع ينهانا عن أن نقول بوجود ثلاثة آلهة أو ثلاثة أرباب"٣ هذه عقيدة التثليث وشرحها عند النصارى. ويتضح منها أنهم يقولون: إن وحدانية الله وحدانية حقيقة، وكذلك تثليثه، فهو واحد حقيقي، وهو في الوقت نفسه ثلاثة حقيقية، حيث يتميز كل واحد من هؤلاء الثلاثة بأعمال ومميزات ليست من مميزات الآخر، وهم في نفس الوقت واحد في جوهرهم أي أن لهم ذاتاً واحدة، وهم متساوون في قدرتهم، ومجدهم، ووجودهم، لم يسبق أحد منهم الآخر.

стр. 238

فهذا شيء محير جداً!! والحق أنه من خلال الكلام السابق يتضح للناظر وجود ثلاثة أشخاص في عقيدة النصارى وضوحاً بيناً، وذلك لأنهم نصوا على تميز كل واحد بمميزات خاصة. أما الوحدانية فهي مجرد دعوى غير واضحة وهي الدعوى الغير معقولة في كلامهم، لأنهم زعموا أن الثلاثة واحد، وهذا ما لا يعقل. ويصدق عليهم في كلامهم السابق أنهم يعبدون ثلاثة آلهة ويجعلونها ضمن مسمى واحد وهو (الله) وبناءً عليه يعتقدون أنهم موحدون. وهذا منهم ذر للرماد في العيون، لأن ذلك لا يخرجهم من أن يكونوا مشركين يعبدون آلهة مع الله، وهذا ما يحذره النصارى ويحاولون أن يدفعوه عن أنفسهم بدعوى وحدانية الله، ولكن العاقل يستطيع أن يميز بين ما هو حقيقي وبين ما هو مجرد دعوى. وقد نهاهم الله عن هذا القول، وبين ضلالهم فيه في قوله ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾ النساء آية (١٧١) . وقولهم في التثليث جمع بين الضدين لأن الوحدانية تنفي الشرك، والشرك ينفي الوحدانية، فلا يمكن أن تجتمع الوحدانية والشرك في مكان واحد بل هما ضدان لا يجتمعان كالسواد والبياض. والنصارى يعتقدون إجتماعهما مخالفين بذلك الحس والعقل والنقل، ويحاول النصارى أن يقربوا هذه العقيدة للناس بضرب الأمثلة لها.

стр. 239

فمرة يشبهونها بالإنسان المكون من دم وروح وجسد. ومرة بالشمس المكونة من جرم وأنها تنير الأرض وتدفئها. ومنهم من شبهها بالشجرة بأن لها أصل وهي الجذور والساق والورق١. وهذه التشبيهات ليس منها واحد يمكن أن يكون مطابقا لدعوى النصارى في التثليث، لأن جميع هذه الأشياء، إما أن تكون ذاتا واحدة لها أجزاء وأبعاض مثل الإنسان والشجرة، أو صفات وآثار مثل الشمس، بخلاف دعواهم في التثليث فإنهم عندهم ثلاثة حقيقيون، ذوو أعمال مختلفة متباينة، وهم في نفس الوقت واحد حقيقي، وهذا بخلاف الإنسان المكون من دم، وروح، وجسد، فهذه مكونات الجسم ولا يستقل واحد منها بذاته، كما أن الدم ليس الروح، والروح ليس الجسد، والجسد ليس هو الروح والدم وذلك بخلاف دعوى التثليث الذي يزعمون فيه: أن كل واحد من الثلاثة هو الآخرين، لهذا صرح كثير منهم بعدم معقولية التثليث وأنها قضية لا يفهمها العقل ولا يقبلها فمن ذلك: قول القس "توفيق جيد" في كتابه "سر الأزل" "إن الثالوث سر يصعب فهمه وإدراكه، وإن من يحاول إدراك سر الثالوث تمام الإدراك كمن يحاول وضع مياه المحيط كلها في كفه"٢. ويقول " باسليوس إسحاق " في كتابه "الحق ":"أجل إن هذا التعليم

стр. 240

عن التثليث فوق إدراكنا ولكن عدم إدراكه لا يبطله"١. فهذا ما صرحوا به وتوصلوا إليه في النهاية: أن التثليث أمر مرفوض عقلا وغير مقبول، ولكنهم مع ذلك يؤمنون به. ويحاول بعضهم أن يشبه ذلك بقول المسلمين في صفات الله "إن العقول لا تدرك كيفيتها"٢ وهذا تلبيس وتدليس منهم. لأن إثبات صفات الله أمر يقبله العقل بل يوجبه العقل ولا يرفضه، وعدم إدراك كيفيتها يتلاءم مع مستوى علم الإنسان بالله ، ومن هذا الباب كثير من الغيبيات التي يؤمن الإنسان بها وِفْقَ نصوص الشرع ويقبلها العقل، مثل ما ورد عن الجنة، والنار، وعذاب القبر وغيرها. وذلك يختلف تماماً عن التثليث الذي يزعمه النصارى وهو: أن الثلاثة الحقيقة هي الواحد الحقيقي، والواحد الحقيقي هو الثلاثة، فهذا ما لا يطيق العقل قبوله، وفهمه. ولابد من الإشارة هنا إلى أن التثليث لم يرد بهذا الاسم ولا مرة واحدة في جميع كتب العهد القديم أو الجديد وأن أول من نطق به هو "ثيوفيليوس" أسقف أنطاكية السادس والمعتقد أنه توفي بعد ١٨٠م. قال القس حنا الخضري: "إن أول شخص استعمل كلمة ثالوث في تاريخ العقيدة المسيحية هو أسقف أنطاكية، ولقد استعمل هذا الاصطلاح في صيغه غريبة وهي (ثالوث الله) كما أنه يرى في الأيام الثلاثة السابقة لخلق الشمس إشارة إلى الثالوث" ٣.

стр. 241

وقالوا في قاموس الكتاب المقدس: " إنه يظن أن أول من استعمل هذه الكلمة وصاغها هو "ترتليان" في القرن الثاني ثم "إثناسيوس" الذي وضع أساس هذه العقيدة التي قبلها مجمع نيقيه عام ٣٢٥ م. ولقد تبلور ذلك الأساس على يد "أغسطينوس" في القرن الخامس الميلادي وصار القانون عقيدة الكنيسة الفعلية من ذلك التاريخ إلى يومنا هذا"١. ففي هذا دلالة على أن النصارى ابتدعوا عقيدة التثليث في وقت متأخر جداً. والواقع أنهم استوردوها من الأديان الوثنية التي كانت تحيط بهم، أو نقلوها من الأديان التي كانوا عليها قبل أن يدخلوا في النصرانية، فقد ذكر كثير من الكتاب أن التثليث كان منتشراً في كثير من المناطق قبل أن يدعيه النصارى. فمن ذلك قول "برتشرد" في كتابه "خرافات المصريين الوثنيين": "لا تخلو كافة الأبحاث المأخوذة عن مصادر شرقيه من ذكر أحد أنواع التثليث أو التولد الثلاثي أي الأب والابن والروح القدوس". وجاء في كتاب "سكان أوربا الأول" " كان الوثنيون القدماء يعتقدون بأن الإله واحد ذو ثلاثة أقانيم". وقال "بونويك" في كتاب "إعتقاد المصريين" "وأغرب عقيدة عم انتشارها في ديانة المصريين "الوثنيين القدماء" هي قولهم "بلاهوت الكلمة" وأن كل شيء صار بواسطتها وأنها "أي الكلمة" منبثقة من الله، وأنها الله "٢.

стр. 242

فيتضح من هذا أن مصدر تلك العقيدة الباطلة من الوثنيين الضالين قبل النصارى، وهذا الذي حذر الله منه النصارى في قوله هـ ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ المائدة (٧٧) . وما بينه الله تعالى لنا في قوله: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ التوبة آية (١٣٠) . وإن الإنسان ليعجب بعد هذا من زعم النصارى أن التثليث هو الدين الحق وأن الله لا يقبل من العباد طاعاتهم ما لم يأتوه مثلثين!! ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ .

стр. 243

المطلب الثاني: استدلالات النصارى على التثليث ليس للنصارى على التثليث ما يستحق أن يسمى دليلا إذ أن ما ذكروه يدل على أنهم لفقوا كلاماً زعموا أنه دليلٌ فمن ذلك قولهم: ١- أن الله ورد اسمه بالعبرية (ألوهيم) الذي يدل على الجمع وأنه استخدم صيغة الجمع في التحدث عن نفسه في مثل ما ورد في سفر التكوين (١/٢٦) "وقال الله نعمل الإنسان". ٢- ألفاظ الصورة الموضوعة للمعمودية١ وهي "عمدوا باسم الأب والابن والروح القدوس" الواردة في إنجيل متى (٢٨/١٩) . ٣- الأحوال التي واكبت تعميد المسيح حيث ورد في إنجيل متى (٣/١٦) "فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء، وإذا السموات قد انفتحت له، فرأى روح الله نازلاً مثل حمامة وآتياً عليه وصوت من السموات قائلاً: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت" ٢. بهذه الأدلة التي هي أوهى من خيوط العنكبوت يزعم النصارى أن الله ثلاثة وأن هؤلاء الثلاثة واحد، ويتركون جميع أسفار العهد القديم التي نصت على وحدانية الله، وانفراده جل وعلا في وحدانية الذات، والصفات، والعبادة، وكذلك جميع النصوص الواردة في العهد الجديد التي تدل على ذلك أيضاً وسيأتي إيراد بعض ذلك.

стр. 244

المطلب الثالث: إبطال ونقض ما استدلوا به على التثليث أدلة النصارى المذكورة هي من الضعف بحيث يَهُمُّ العاقل بالإعراض عنها، إلا أنه لابد من الرد عليهم لأن إستدلالهم بها يعني أن لها شأناً عظيماً في نفوسهم، فنقول: أما الدليل الأول: فدعواهم أن (ألوهيم) تعني الجمع فهذا باطل بنص التوراة التي نصت على أن الله واحد١. كما أن اليهود الذين وجه إليهم الخطاب بهذا لم يفهموا ذلك، ولم يعملوا به، بل يعتبرون أن ادعاء إله غير الإله الواحد الذي هو الله شرك أكبر يستحق معتقده القتل. كما أن كلمة (ألوهيم) كما يذكر الدارسون واردة في نص من النصوص التي تتكون منها التوراة الحالية، وأنه يقابلها في النص الآخر لنفس القصة لفظ (يهوه) ٢. أما ما أوردوه من سفر التكوين وهو قول "وقال الله نعمل الإنسان" فلا يعني أكثر من أنها وردت على صيغة التعظيم. ومن أولى بالتعظيم والتفخيم في الخطاب من الله ، كما أن مئات

стр. 245

الأقوال واردة في العهد القديم على لفظ الإفراد، فكيف تترك تلك المئات ويؤخذ بهذه اللفظة الواحدة وشبهها. أما الدليل الثاني: وهو لفظ المعمودية "عمدوا باسم الأب والابن والروح القدس" فهؤلاء ثلاثة وليسوا واحدا، ولا تعنى أكثر من طلب الإيمان بهؤلاء الثلاثة الذين هم الله ﷻ ، ورسوله المسيح ﵇، والملك جبريل ﵇، كل على ما يليق به إذا صدق راوى هذه العبارة وسيأتي زيادة إيضاح لهذه العبارة في الكلام على الروح القدس١. أما الدليل الثالث: فعلى فرض صحة الرواية بذلك فهي تدل على ثلاثة وهم: المسيح الذي اعتمد، والروح القدس الذي نزل على شكل حمامة، وقائل من السماء "هذا ابني الحبيب". أين أن هؤلاء الثلاثة واحد، هذا ما لا يستطيع النصارى إثباته لا نقلا ولا عقلا.

стр. 246

المطلب الرابع: أدلة إثبات الوحدانية وإبطال التثليث من العهد القديم والأناجيل: التوحيد دين الرسل جميعاً ولم يخالف في ذلك إلا النصارى الذين ادعوا على المسيح ﵇ أنه جاء بالتثليث، والتوحيد أوضح مطالب التوراة والكتب الملحقة بها إذ يقوم الكتاب كله على التوحيد ومحاربة الشرك والوثنية بكل أشكالها. ومن الأدلة على هذا ما ورد في سفر التثنية (٤/٣٥) "إنك قد أريت لتعلم أن الرب هو الإله ليس آخر سواه". وكذلك ما ورد في سفر التثنيه (٦/٤) " اسمع ياإسرائيل الرب إلهنا رب واحد". وفي إنجيل متى (٤/٧) "قال له يسوع إذهب ياشيطان. لأنه مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد" ومثله ورد في إنجيل لوقا (٤/٨) . وفي إنجيل مرقس (١٢/٢٨) أن أحد اليهود سأل المسيح " أية وصية هي أول الكل فأجابه يسوع: إن أول كل الوصايا هي اسمع ياإسرائيل الرب إلهنا رب واحد ... فقال له الكاتب: جيدا يا معلم بالحق قلت لأنه الله واحد وليس آخر سواه". فهذه وصية المسيح وبين أنها أول الوصايا وأعظمها، ولو كان يقول بالتثليث

стр. 247

لوجب عليه أن ينص عليه في مثل هذا الموطن، إذ كيف يمكن أن يكون مبلغاً عن الله ولم يوضح أهم ما أمر به. وفي إنجيل يوحنا (١٧/٣) أن المسيح ﵇ قال في أخر آيامه "وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته". لقد أنطق الله هؤلاء الكتاب بالحق والصدق، وهو أن لا إله إلا الله وحده وعيسى المسيح رسوله، فأين هذا الكلام النوراني الواضح من دعوى التثليث المظلمة التي افتراها ضلال النصارى وغلوا في دينهم وقالوا بها على الله غير الحق؟ قال الله ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾ النساء آية (١٧١) .

стр. 248

المطلب الخامس: الأقانيم الثلاثة تعريفها وأدلتهم عليها وبيان بطلان تلك الأدلة النصارى يزعمون كما سبق بيانه بأن الله ذو ثلاثة أقانيم١ الأب، والابن، والروح القدس، وسنبين مرادهم بكل واحد من هذه الأقانيم ونبين بطلانه.

стр. 249

أ- الأقنوم الأول: الأب. ١- المراد به: يراد بالأب عندهم: الذات الإلهية مجردة عن الابن والروح القدس، وهو بمنزلة الأصل والمبدأ لوجود الابن. مع أن هذا لا يعني لديهم أن الأب سبق الابن في الوجود بل الابن أزلي الوجود معه لم يسبق أحدهما الآخر. وليس له عمل عندهم إلا الإختيار والدعوة ١ ٢- أدلتهم على أبوة الله للمسيح تعالى الله عن قولهم: وردت كلمة الأب لدى النصارى في العهد الجديد في مواطن عديدة وورد في بعضها نسبة أبوة الله للمسيح، منها ما ورد في إنجيل متى (١٠/٣٢) "فكل من يعترف بي قدام الناس أعترف أنا أيضا به قدام أبي الذي في السموات". وأيضاً قوله عن وقت القيامة (٢٤/٣٦) " وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بها أحد من ملائكة السموات إلا أبي وحده " ٢. ورد في إنجيل لوقا (٢/٤٩) من كلام المسيح لأمه وزوجها في زعمهم "فقال لهما: لماذا كنتما تطلبانني ألم تعلما أنه ينبغي أن أكون في ما لأبي" ٣. وورد أيضاً في إنجيل يوحنا (٨/١٩) "فقالوا له أين هو

стр. 250

أبوك. فأجاب يسوع لستم تعرفونني أنا ولا أبي لو عرفتموني لعرفتم أبي أيضاً"١. فبناءً على هذه النصوص زعم النصارى أن الله تعالى "أبٌّ " للمسيح أبوة حقيقية، وهو كلام باطل، ووهم خاطئ وافتراءٌ على الله تعالى الله عن قولهم علواً كبيرا. ٣- الرد عليهم وبيان بطلان قولهم: يرد عليهم من عدة أوجه:- أولاً: أن النصارى اعتمدوا في إثبات هذا على ألفاظ وردت في الأناجيل الأربعة وغيرها من كتب العهد الجديد، وهذه الأناجيل كما سبق بيانه٢ لا تصلح أن تكون مستنداً لهذا لأنها كتب غير موثقة، ولم يستطع النصارى أن يثبتوا صحة نسبتها إلى الأشخاص الذين نسبت إليهم فضلاً عن أن ينسبوها إلى المسيح ﵇ أو إلى الله . كما أن بينها اختلافات عديدة في هذه الألفاظ نفسها، فكلمة (أبي) وردت في "إنجيل متى" من كلام المسيح ما لا يقل عن اثنتي عشرة مرة، ولا تكاد تراها في "إنجيل مرقص"، أما "إنجيل لوقا" فذكرت في موضعين تقريباً، وأما "إنجيل يوحنا" فوردت فيه فيما يقارب ثمانية عشر موضعا٣ مما يدل على أن هذه الكلمة تتبع عقيدة خاصة وفهما خاصا لدى الكاتب لا يرتبط فيه ولا يلتزم بعبارة المسيح
следующие страницы →