المطلب الرابع: أدلة إثبات الوحدانية وإبطال التثليث من العهد القديم والأناجيل:
التوحيد دين الرسل جميعاً ولم يخالف في ذلك إلا النصارى الذين ادعوا على المسيح ﵇ أنه جاء بالتثليث، والتوحيد أوضح مطالب التوراة والكتب الملحقة بها إذ يقوم الكتاب كله على التوحيد ومحاربة الشرك والوثنية بكل أشكالها.
ومن الأدلة على هذا ما ورد في سفر التثنية (٤/٣٥) "إنك قد أريت لتعلم أن الرب هو الإله ليس آخر سواه".
وكذلك ما ورد في سفر التثنيه (٦/٤) " اسمع ياإسرائيل الرب إلهنا رب واحد".
وفي إنجيل متى (٤/٧) "قال له يسوع إذهب ياشيطان. لأنه مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد" ومثله ورد في إنجيل لوقا (٤/٨) .
وفي إنجيل مرقس (١٢/٢٨) أن أحد اليهود سأل المسيح " أية وصية هي أول الكل فأجابه يسوع: إن أول كل الوصايا هي اسمع ياإسرائيل الرب إلهنا رب واحد ... فقال له الكاتب: جيدا يا معلم بالحق قلت لأنه الله واحد وليس آخر سواه".
فهذه وصية المسيح وبين أنها أول الوصايا وأعظمها، ولو كان يقول بالتثليث
стр. 247
لوجب عليه أن ينص عليه في مثل هذا الموطن، إذ كيف يمكن أن يكون مبلغاً عن الله ولم يوضح أهم ما أمر به.
وفي إنجيل يوحنا (١٧/٣) أن المسيح ﵇ قال في أخر آيامه "وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته".
لقد أنطق الله هؤلاء الكتاب بالحق والصدق، وهو أن لا إله إلا الله وحده وعيسى المسيح رسوله، فأين هذا الكلام النوراني الواضح من دعوى التثليث المظلمة التي افتراها ضلال النصارى وغلوا في دينهم وقالوا بها على الله غير الحق؟ قال الله ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾ النساء آية (١٧١) .
стр. 248
المطلب الخامس: الأقانيم الثلاثة تعريفها وأدلتهم عليها وبيان بطلان تلك الأدلة
النصارى يزعمون كما سبق بيانه بأن الله ذو ثلاثة أقانيم١ الأب، والابن، والروح القدس، وسنبين مرادهم بكل واحد من هذه الأقانيم ونبين بطلانه.
стр. 249
أ- الأقنوم الأول: الأب.
١- المراد به: يراد بالأب عندهم: الذات الإلهية مجردة عن الابن والروح القدس، وهو بمنزلة الأصل والمبدأ لوجود الابن. مع أن هذا لا يعني لديهم أن الأب سبق الابن في الوجود بل الابن أزلي الوجود معه لم يسبق أحدهما الآخر. وليس له عمل عندهم إلا الإختيار والدعوة ١
٢- أدلتهم على أبوة الله للمسيح تعالى الله عن قولهم:
وردت كلمة الأب لدى النصارى في العهد الجديد في مواطن عديدة وورد في بعضها نسبة أبوة الله للمسيح، منها ما ورد في إنجيل متى (١٠/٣٢) "فكل من يعترف بي قدام الناس أعترف أنا أيضا به قدام أبي الذي في السموات".
وأيضاً قوله عن وقت القيامة (٢٤/٣٦) " وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بها أحد من ملائكة السموات إلا أبي وحده " ٢.
ورد في إنجيل لوقا (٢/٤٩) من كلام المسيح لأمه وزوجها في زعمهم "فقال لهما: لماذا كنتما تطلبانني ألم تعلما أنه ينبغي أن أكون في ما لأبي" ٣.
وورد أيضاً في إنجيل يوحنا (٨/١٩) "فقالوا له أين هو
стр. 250
أبوك. فأجاب يسوع لستم تعرفونني أنا ولا أبي لو عرفتموني لعرفتم أبي أيضاً"١.
فبناءً على هذه النصوص زعم النصارى أن الله تعالى "أبٌّ " للمسيح أبوة حقيقية، وهو كلام باطل، ووهم خاطئ وافتراءٌ على الله تعالى الله عن قولهم علواً كبيرا.
٣- الرد عليهم وبيان بطلان قولهم:
يرد عليهم من عدة أوجه:-
أولاً: أن النصارى اعتمدوا في إثبات هذا على ألفاظ وردت في الأناجيل الأربعة وغيرها من كتب العهد الجديد، وهذه الأناجيل كما سبق بيانه٢ لا تصلح أن تكون مستنداً لهذا لأنها كتب غير موثقة، ولم يستطع النصارى أن يثبتوا صحة نسبتها إلى الأشخاص الذين نسبت إليهم فضلاً عن أن ينسبوها إلى المسيح ﵇ أو إلى الله .
كما أن بينها اختلافات عديدة في هذه الألفاظ نفسها، فكلمة (أبي) وردت في "إنجيل متى" من كلام المسيح ما لا يقل عن اثنتي عشرة مرة، ولا تكاد تراها في "إنجيل مرقص"، أما "إنجيل لوقا" فذكرت في موضعين تقريباً، وأما "إنجيل يوحنا" فوردت فيه فيما يقارب ثمانية عشر موضعا٣ مما يدل على أن هذه الكلمة تتبع عقيدة خاصة وفهما خاصا لدى الكاتب لا يرتبط فيه ولا يلتزم بعبارة المسيح
стр. 251
وألفاظه، وإنما يكتبها ويعبر عنها الكاتب وفق عقيدته وتصوره.
مثال ذلك أن المثال السابق المذكور عن وقت الساعة من إنجيل متى، ورد فيه (أبي وحده) ١، وقد ذكر مرقس في (١٣/٣٢) هذه الجملة إلا أنها عنده هكذا "وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الأب". فهنا قال الأب بدون ياء النسب وهناك في "متى" قال "أبي" وبينهما فرق عظيم.
ثانياً: أن النصارى لا يعتقدون أن الله أبٌ للمسيح أبوة حقيقية من ناحية أن الأب غير الابن وأنه قبله في الوجود، بل يرون ويعتقدون أن الله تعالى أب للمسيح وهو في نفس الوقت هو هو، ليس هو غيره، حيث يقولون إنهم جوهر واحد، ولم يسبق الأب الابن في الوجود، وهذا يجعل كلمة الأب الواردة في الأناجيل لديهم ليس لها مفهوم حقيقي، وهذا يبطل استدلالهم بهذه النصوص ويجعلهم يستدلون بها على غير ما يقصدون ويعتقدون.
ثالثاً: على فرض صحة الروايات الواردة لديهم في الأناجيل في كلمة "الأب" فيجب أن تفسر على معنى غير الأبوة الحقيقة لأمرين:
١- أنهم أوردوا على لسان المسيح كلاماً كثيراً لا يمكن أن يحمل على المعنى الظاهري بل لابد من حمله على المجاز كقوله "فقال لهم يسوع: أنا هو خبز الحياة" يوحنا (٦/٣٥) وأيضا أنه قال لليهود "أنتم من أب هو إبليس وشهوات أبيكم
стр. 252
تريدون أن تعملوا" يوحنا (٨/٤٤) .
فهذا كلام لا يؤخذ على ظاهره فكذلك أبوة الله للمسيح.
٢- أن نسبة الأبوة إلى الله ليست خاصة في المسيح لديهم، بل وردت في العهد القديم، وفي الأناجيل منسوبة إلى غير المسيح، ومن ذلك ما ورد في سفر صموئيل الثاني (٧/١٤) في كلام الله في زعمهم عن سليمان بن داود ﵉ " أنا أكون له أبا وهو يكون لي ابنا".
وورد في إنجيل متى (٦/١) من كلام المسيح لتلاميذه "احترزوا من أن تصنعوا صدقتكم أمام الناس لكي ينظروكم، وإلا فليس لكم أجر عند أبيكم الذي في السموات" ١.
وفي إنجيل مرقص (١١/٢٥) من قول المسيح لتلاميذه أيضاً "ومتى وقفتم تصلون فاغفروا إن كان لكم على أحد شيء لكي يغفر لكم أيضاً أبوكم الذي في السموات زلاتكم، وإن لم تغفروا أنتم لا يغفر لكم أبوكم الذي في السموات أيضاً زلاتكم".
في إنجيل لوقا (١١/٢) من قول المسيح لتلاميذه " فقال لهم: متى صليتم فقولوا أبانا الذي في السموات".
وفي إنجيل يوحنا (٢٠/١٧) وهو من آخر كلام المسيح بعد القيامة المزعومة " قال لها يسوع لا تلمسيني لأني لم أصعد بعد إلى أبي
стр. 253
ولكن اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم".
فهذه النصوص على فرض صحتها فيها دلالة واضحة على نسبة أبوة الله تعالى للتلاميذ، والمراد بها في كلام النصارى في هذه المواضع أبوة النعمة١.
وما سبق ذكره من النصوص التي ورد فيها أبوة الله للمسيح لا تختلف عن هذه النصوص فالقول فيها مثل القول في هذه.
فمن هنا يتضح أنه ليس في هذا اللفظ ما يدل على معتقد النصارى في الله وأنه أب للمسيح سوى من ناحية النعمة والإحسان.
стр. 254
ب- الأقنوم الثاني: الابن:
المراد بالابن عندهم كلمة الله المتجسدة وهو المسيح ﵇، ويزعمون أن الابن مساو للأب في الوجود، وأن الأب خلق العالم بواسطة الابن، وأنه الذي نزل إلى الأرض بالصورة البشرية فداء للبشر، وهو الذي يتولى محاسبة الناس يوم القيامة. تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً.
أدلتهم على أن المسيح ابن الله تعالى الله عن قولهم:
استدل النصارى على أن المسيح ابن لله بما ورد في الأناجيل من النصوص التي تنسب المسيح ابنا لله، ومن تلك النصوص ما ورد في إنجيل متى (١٦/١٦) من قول بطرس لما سأله المسيح عن نفسه ماذا يقول الناس عنه قال " أنت هو ابن الله الحي" ١.
وفي إنجيل يوحنا (١١/٤) ورد على لسان المسيح في زعمهم "فلما سمع يسوع قال: هذا المرض ليس للموت بل لأجل مجد الله ليتمجد ابن الله"٢.
فبمثل هذه الإطلاقات اعتقد النصارى أن المسيح ابن الله، بمعنى أنه خرج من الله وهو قول باطل وافتراء على الله تعالى الله عن قولهم.
стр. 255
الرد عليهم:
وللرد على النصارى يمكن القول بأن ما أوردوه من أدلة لا تصلح أن تكون مستنداً لإثبات عقيدة خطيرة كهذه لما يلي:
أولاً: أن كتبهم التي يستندون إليها في هذا هي كتب غير موثقه، وغير سليمة من التحريف، وقد سبق بيان هذا ١
ثانياً: أن البنوة التي يزعمها النصارى تختلف عن ظاهر لفظ "ابن الله" الوارد في الأناجيل، فالابن في الأصل جزء من الأب ومتخلق من نطفته ويكون الأب سابق للإبن في الوجود، والفضل له في وجوده، وما يعتقد النصارى في المسيح لا يتفق مع البنوة الحقيقية، وإنما يزعمون أن الابن هو الأب، وأنه مساوٍ له في الجوهر والوجود والمجد، وهي أمور لم ترد في الأناجيل، ولا يستطيع النصارى أن يقيموا عليها الدليل العقلي فضلاً عن الشرعي.
ثالثاً: أن هذا الوصف وهو "ابن الله" أطلق على غير المسيح في مواطن كثيرة من أناجيلهم، منها في إنجيل متى (٥/٩) "طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون"، وفي (٥/٤٥) إن المسيح خاطب تلاميذه قائلاً " وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات".
стр. 256
وفي إنجيل يوحنا (١/١٢) فقد ورد عن المؤمنين بالمسيح "وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانا أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنين باسمه. الذين ولدوا ليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل بل من الله".
وفي إنجيل لوقا (٢٠/ ٣٦) قال " لأنهم مثل الملائكة وهم أبناء الله أبناء القيامة".
وورد وصف يعقوب وبنيه بذلك ففي سفر الخروج (٤/٢٢) أن الله خاطب موسى قائلا له "فتقول لفرعون هكذا يقول الرب: إسرائيل ابني البكر، فقلت لك أطلق ابني ليعبدني" وكذلك ورد في سفر إشعياء (٤٣/٦) "إئت ببني من بعيد وببناتي من أقصى الأرض".
والنصارى لا يقولون إن بني إسرائيل والحواريين أبناء الله حقيقة، وإنما يقولون هذه بنوة مجازية تعني العبادة من طرف العباد، والحفظ واللطف والرعاية من قبل الله لهم،١ فكذلك إذاً ما ورد من بنوة المسيح لله لا تعني غير ذلك، إذ أن العبارتين واحد، فيجب أن يستويا في الدلالة والمعنى، ما لم يدل دليل على خلاف ذلك، وليس هناك ما يدل على خلاف ذلك.
رابعاً: أن المسيح ﵇ قد دلت الأدلة الكثيرة على بشريته، وأنه رسول الله،٢ كما أوردت الأناجيل وصفه بأنه ابن الإنسان وابن داود وغير
стр. 257
ذلك من الأوصاف الدالة على بشريته، ومن ذلك ما ورد في إنجيل متى (٨/٢٠) "فقال له يسوع: للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه" ١.
وفي إنجيل مرقص (٢/٢٨) "ابن الإنسان هو رب البيت أيضاً" ٢.
وفي إنجيل لوقا (٧/٣٤) من كلام المسيح لليهود " جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب فتقولون هو ذا إنسان أكول شريب خمر محب للعشارين والخطاة"٣.
وفي إنجيل يوحنا (١/٥١) "الحق أقول لكم من الآن ترون السماء مفتوحة وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان".
وفيه أيضا (٨/٤٠) يقول لهم المسيح "وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله" ٤.
стр. 258
فورد وصفه بأنه ابن الإنسان في ثمانية وستين موضعا تقريباً في الأناجيل الأربعة، أما ما ورد وفيه إطلاق (ابن الله) عليه فقد ورد في ثلاثة وعشرين موضعا تقريباً في الأناجيل الأربعة، منها أربعة مواضع فقط التي ورد فيها هذا الوصف من كلام المسيح، أما الباقي فليس من كلام المسيح بل بعضه من كلام إبليس والشياطين، فكيف يترك المعنى الظاهر الواضح الذي تؤيده النصوص الكثيرة والواقع، والذي يتفق مع العقل والمنطق إلى المعنى الخفي البعيد الذي تعارضه النصوص ولا يتفق مع العقل ولا المنطق!!
стр. 259
جـ- الأقنوم الثالث: الروح القدس:
وهو عندهم مساو للأب والابن في الذات والجوهر والطبع وهو في كلامهم روح الله الذي يتولى تأييد أتباع المسيح وتطهيرهم١.
وقد استدلوا على قولهم بألوهية الروح القدس بأن الكتاب المقدس لديهم وصف الروح القدس بصفات لا يوصف بها إلا الله فدل هذا عندهم على ألوهيته٢.
وللرد عليهم نقول:
إن ما أورده النصارى مما نقلوه عن الأناجيل فليس في الأناجيل أي عبارة تدل على المعنى الذي يدعونه في الروح القدس وهو الألوهية. فقد ورد اسم الروح القدس في حمل مريم بالمسيح ﵇ في إنجيل متى (١/١٨) "لما كانت مريم مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا وجدت حبلى من الروح القدس".
والروح القدس في هذه القصة المراد به جبريل ﵇ كما فسره بذلك لوقا في إنجيله (١/٢٦) "وفي الشهر السادس أرسل جبرائيل الملاك من الله إلى مدينة من الجليل اسمها ناصره إلى عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف واسم العذراء مريم".
فعلى هذا التفسير يكون الروح القدس المراد به جبريل ﵇ في كل موطن ورد ذكره فيه، إلا أن تكون الصفة المطلقة عليه لا تطلق إلا على الله
стр. 260
عز وجل فهنا لابد من التحقق من صحة العبارة ودقة نقل الألفاظ.
ومما ورد لديهم في هذا ما ورد في إنجيل يوحنا عن "الباركليت" أو "المعزى"١ فمما قالوا فيه (١٦/١٢) "وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية".
فهذا فيه دلالة واضحة على أن الموصوف بأنه روح الحق شخصية مستقلة، وهو مبلغ لرسالة أوكل إليه تبليغها، فليس فيه ما يدل على ألوهيته ولا أنه جزء من الإله، وإلا للزم أن يكون الأنبياء آلهة أيضا، لأنهم يعلمون كل ما علمهم الله به، ويخبرون عن أمور آتيه مستقبلة.
أما ما أوردوه من إنجيل متى (٢٨/١٩) أن المسيح قال لتلاميذه بعد قيامته "فاذهبوا وتلمذو جميع الأمم وعمدوهم باسم الأب والابن والروح القدس".
فأولاً: هذا النص لم يذكره إلا صاحب إنجيل متى وهو إنجيل غير موثق وغير ثابت النسبة إلى متى الحواري٢.
ثانياً: على فرض صحة هذه العبارة فإن هؤلاء ثلاثة وليسوا واحداً وكل واحد منها له مدلوله الواضح تفسيره فالأب هو: الرب جل وعلا.
أما الابن فلا يمكن أن يكون المقصود به البنوة الحقيقية، وقد سبق بيان
стр. 261
هذا١ وأن المراد به العبد الصالح، فيكون المقصود به المسيح ﵇ وهو عبد الله ورسوله.
أما الروح القدس فلا يمكن أن يكون المقصود به جزء من الإله الذي هو صفة الحب أو الحياة أو نحو ذلك، إذ أن ذلك لا دليل عليه إنما يعني الملك جبريل ﵇، كما هو مصرح به في رواية لوقا السابق ذكرها التي فيها أن الملاك جبريل ﵇ هو الذي نزل على مريم، فتكون العبارة هي دعوة الناس إلى الإيمان بالله والنبي والملك.
فمن هذا كله يتضح لنا أن عقيدة النصارى التثليث ليس لها أدلة تثبت صحتها، كما أن كل أقنوم من أقانيم الثالوث لا يوجد له أدلة تثبت مفهومهم له، مما يجعل التثليث كله قائم على دعاوى لا دليل عليها، ولا مستند لها شرعي ولا عقلي.
стр. 262
المطلب السادس: الإتحاد: (التجسد)
الاتحاد لدى النصارى المراد به هو: أن الله ﵎ اتخذ جسد المسيح له صورة، وحل بين الناس بصورة إنسان هو المسيح١ - تعالى الله عما يقولون.
أدلتهم على دعواهم في الإتحاد (التجسد) :
النصارى يزعمون أن لهم أدلة على هذه الدعوى ومن أظهر ما يستدلون به على ذلك ما ورد في إنجيل يوحنا في بدايته (١/١-١٤) من قول صاحب الإنجيل "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله ... والكلمة صار جسداً وحل بيننا".
ومن أدلتهم أيضاً ما ورد في إنجيل متى (١/٢٣) من البشارة بالمسيح وهو قولهم "وهذا كله كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل: "هوذا العذراء تحبل وتلد ابناً، ويدعون اسمه "عمانوئيل" الذي تفسيره الله معنا".
ويستدلون أيضاً بقول بولس في رسالته الأولى لتيموثاوس (٣/١٦) "عظيم هو سر التقوى. الله ظهر في الجسد. تبرر في الروح".
كما يستدلون أيضاً بما ورد في الرسالة إلى العبرانيين (١/٢)
стр. 263
"الذي به أيضاً عمل العالمين الذي هو بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته".
فهذا أهم ما يستدلون به ويعولون عليه في هذه القضية الخطيرة والعقيدة العجيبة.
الرد عليهم:
يرد على النصارى في هذه العقيدة الباطلة من عدة أوجه:
أولاً: هذه العقيدة من المستحيل عقلاً قبولها لأنها تعني أن الله ﷻ وتقدست اسماؤه قد تقمص هيئة النطفة أو هيئة الجنين ودخل في بطن مريم وعاش في تلك الأوحال والأقذار فترة من الزمن يرتضع الدم ثم اللبن وتمر عليه أحوال وأطوار الجنين والوضع ثم الطفولة ومستلزماتها.
فهل في الأقوال والتصورات أشد بطلاناً وأقبح تصوراً من هذه العقيدة وهذه المقولة؟ إن الإنسان السوي ليعجز عن التعبير عن قباحة مثل هذه اللوازم لهذه المقولة الفاسدة.
ثم يقال لهم من الذي كان يدير العالم ويدبر شؤونه وربه وسيده ومدبره في زعمهم الفاسد في بطن امرأة يتقلب بين الفرث والدم؟ فهل يعقل النصارى ما يقولون ويزعمون، أم لا يعقلون؟
ثانياً: إن دعوى التجسد لديهم بما فيها من اللوازم الفاسدة والتصورات القبيحة المهينة في حق الله ﷻ وتقدست اسماؤه إنما هي مبررات للصلب ثم الفداء في زعمهم - وسيأتي بيان بطلان ذلك كله١ وأنها من
стр. 264
مخترعات النصارى التي لا دليل عليها - فعلى ذلك فما بني على باطل فهو باطل أيضاً.
ثالثاً: ما يستندون إليه مما ورد في إنجيل يوحنا فقد سبق بيان عدم الثقة به لعدم وجود إسناد يثبت صحة ذلك الإنجيل، وأنه أقل الكتب نصيباً من الصحة بل صرح الكثير من النصارى كما سبق بيانه بأنه إنجيل مزور،١ كما أن النص المذكور منه هو نص مضطرب لفظاً ومعنى، ولا يتضح مدلوله، إنما بنبئي عن عقيدة مهزوزة مضطربة ليست واضحة المعالم لدى قائله، فقوله:"في البدء كان الكلمة " ما هو الذي كان الكلمة إذا كان الله تعالى؟ فهل الله كلمه؟ هذا ما يبدو من سياق العبارة حيث يضيف "وكان الكلمة الله" فهل في عقيدة النصارى أن الله كلمة؟
ذلك باطل ولا يقول به النصارى، كما أن معنى ذلك أن كلمة أنتجت كلمة، والكلمة الأولى هي الله، والكلمة الثانية هي المسيح، ولا يقول النصارى بذلك، فهي عبارة مضطربة لا معنى لها في عقيدة النصارى.
ثم ما المراد بالبدء؟ هل يعنى ذلك بداية الله أم بداية الكلمة التي يزعمون أنها المسيح؟ كلاهما باطل في عقيدة النصارى فهم يعتقدون أن الله أزلي والكلمة معه أزليه؟ وأن الله لم يسبق المسيح في الوجود٢ فهذه أيضاً لا مدلول ولا معنى لها في عقيدة النصارى بل هي تناقض عقيدتهم.
وما بعدها أعجب منها حيث يقول: "وكان الكلمة عند الله" فكيف هي الله؟
стр. 265
وكيف هي عنده؟ هذا ما لا يقبله العقل السليم، أما عقول النصارى الضالة فتقبله، لأنهم يزعمون أن المسيح هو ابن الله وهو الله وهو عند الله في وقت واحد.
ثم قوله: "والكلمة صار جسداً ثم حل بيننا " هذا بيت القصيد لدى النصارى، وهو أن الكلمة تحولت إلى جسد وهو المسيح وحلت بين الناس، ومرادهم بالكلمة في تأويلاتهم الفلسفية: عقل الله أو فكر الله، وهي مقولة الفلاسفة الوثنيين حيث زعموا: أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد وهذا الذي صدر عنه هو العقل الفعَّال وهو الذي خُلق العالم بواسطته، فهذه مقولة الفلاسفة١ اقتبسها كاتب الإنجيل وضمنها كتابه بدون أي مستند من وحي سماوي.
رابعاً: النص المذكور من إنجيل متى واستشهادهم بالنبوءة السابقة قد سبق بيان أنها غلط من أغلاطهم، ومن دلائل تحريفهم، وأن ما كتبوه إنما أملاه البشر وليس من عند الله، إذ أن هذه النبوءة المقصود بها شخص آخر ولد وتحققت النبوءة وانتهت في زمن ذلك النبي "إشعياء" كما نص على ذلك العهد القديم٢.
فعليه فهو استشهاد خاطئ وما بني عليه خطأ وضلال، ثم إن النصارى لتعمقهم في إضلال أنفسهم وأتباعهم يحرفون تفسيره من "الله معنا" إلى "الله ظاهر لنا" ٣ ومعلوم أن معية الله لا يتضح منها التجسد صراحة فأضافوا "الله ظاهر لنا" حتى تكون مفسرة للمعية، وهذا من تعمقهم في الضلال وإضلال الناس.
стр. 266
خامساً: ما أوردوه من كلام بولس هو كلام مردود عليه وغير مقبول، إذ يجب عليه أن يبين مستنده لما يقول من كلام المسيح نفسه، وإلا يعتبر مدع كاذب، وهذه حقيقة ذلك الرجل الذي أضل النصارى عن دين المسيح حيث تنسب إليه جميع التحريفات التي عليها النصارى١.
سادساً: ما أوردوه من الرسالة إلى العبرانيين٢ فإن صح كلامهم في نسبة الرسالة إلى بولس فالقول فيها ما سبق. وإن لم يثبت نسبتها إلى بولس فكيف يأخذ النصارى عقيدة خطيرة كهذه من كتاب لا يعرف كاتبه ولا يدرى من هو؟! كما يدلنا هذا على مستوى اهتمام النصارى بالأمور الدينية وعنايتهم بصحة ثبوتها والثقة بناقليها، حيث أنهم اعتمدوا على أقوال المجهولين والنكرات في أخطر عقيدة يعتقدونها وهي التجسد المزعوم، وذلك يبين لنا مدى وضوح النداء القرآني لهم في قوله ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ المائدة آية (٦٨) .
سابعاً: أن هذه العقيدة مع خلوها من النصوص الشرعية التي تثبتها فهي مناقضه للعقل، ويعترف النصارى بذلك، ويجعلونها من الأسرار، وفي هذا يقولون عن التجسد: "فهو سر الأسرار الذي فيه يستعلن الله العظيم الأبدي إلى الإنسان الضعيف في صورة الناس المنظوره وتحت حكم الزمن، وبالعقل لا يدرك الإنسان من هذا السر شيئاً، وإنما
стр. 267
يمكن للروحانيين بالروح القدس أن يعرفوا حتى أعماق الله"١.
لقد قطع النصارى على أنفسهم نعمة النظر واستخدام العقل الذي وهبهم الله إياه وتحكموا في أتباعهم بإجبارهم على إلغاء عقولهم فيما يملون عليهم من ترهات وسخافات وذلك بقولهم بزعمهم " إنها سر لا يدرك" ولا يفهم ولا يعرف. والأمر إذا خلا من الدليل الشرعي والدليل العقلي لا يكون إلا من إملاء الشياطين وأتباعهم.
ثم إن النصارى يخدعون الناس بما يزعمون من أن الأمر يدرك بالروح القدس. فإن هذا من الكلام الفارغ الذي لا معنى تحته، لأن معنى قولهم هذا أن قبول شخص من الأشخاص لهذه العقيدة إنما يتم بالروح القدس فإذا لم يقبلها عقله ولا قلبه بناءاً على خلوها من الدليل الشرعي والعقلي. قالوا له إن الروح القدس لم يهبك الإيمان بها.
وهذا كلام فارغ، إذ من المعلوم أن جميع الوثنيين يؤمنون بترهاتهم وشركهم، وإيمانهم بها لم يقم على دليل شرعي ولا عقلي وهذا وجه بطلان عقائدهم. إذاً فقبولهم لها تم عن طريق التسليم لعلمائهم ودعاتهم بدون دليل أو وعي صحيح، فمن هنا يشبه النصارى الوثنيين من ناحية دعواهم بوجوب التسليم لمقولتهم بدون استناد على الشرع أو استخدام للعقل في القضية.
أما الروح القدس فأقحم هنا إقحاماً، وإلا فما الذي يثبت أن الروح القدس هو الذي جعل أحدهم يؤمن بما يقال له وليس شيطاناً من الشياطين؟ كيف يفرق الإنسان بين الإثنين؟ ليس هناك وسيلة للتفريق إلا بالدليل الشرعي والعقلي
стр. 268
معاً. وقد استطاع النصارى بخبث شديد أن يعطلوهما ويلغوهما لما زعموا أن الأمر سر من الأسرار الكنسية التي يجب الإيمان به إيماناً مجرداً عن الفهم.
وهم إذا عجزوا عن فهم قضية وإقامة الدليل عليها زعموا أنها سر. ولازم ذلك: أن كبارهم وعلماءهم إما أن يعلموا ذلك السر أولا يعلمونه.
والحقيقة أنهم لا يعلمونه ولا يدرون له وجهاً، وأن علم الطالب المبتدئ منهم مثل علم أكبر القسس فيهم في مثل هذه القضايا، وإذا كان أمر لا يعرفه الكبير ولا الصغير فكيف يقبلونه؟! فلا بالشرع استناروا ولا بالعقل استرشدوا، ودعوى أن الروح القدس يعلمهم، دعوى فارغة لا حقيقة لها، وإلا وجب أن يوحى إليهم بالسر، وهم يعلمون الناس، حتى تكون للناس قناعة، وهم أنفسهم يجدوا القناعة بما يقولون ويعتقدون.
ثم ما هذه الدعوى العريضة التي زعموا، وهي أن الروحانيين يعرفون أعماق الله، ماذا يعرفون عن أعماق الله١؟
انظر كيف فتحوا الباب للافتراء على الله والكذب عليه جل وعلا بما لا يستطيعون أن يأتوا منه بشيء، والله يقول: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ
المبحث الثاني: الصلب والفداء
الصلب: هو التعليق على خشبة الصليب: واليهود والنصارى يعتقدون أن المسيح ﵇ مات مصلوباً.
ويزعم اليهود أن المسيح كفر بالله لهذا حملوا عليه وطالبوا بدمه وزعموا أنه مات مصلوباً.
والموت على الصليب يستلزم اللعنة عندهم فقد ورد في سفر التثنية (٢١/٢٢) "وإذا كان على إنسان خطيئة حقها الموت فقتل وعلقته على خشبة فلا تبت جثته على الخشبة بل تدفنها في ذلك اليوم. لأن المعلق ملعون من الله".
أما النصارى فهم يعتقدون كذلك أن المسيح مات مصلوبا إلا أنهم يعللون ذلك بأنه: صلب فداءاً للبشر لتخليصهم من خطيئة أبيهم آدم ﵇، وهي أكله من الشجرة التي نهي عنها، فانتقلت تلك الخطيئة إلى أبنائه، وأغضبت الله عليهم أيضاً، فكان لابد من وسيط يتحمل هذا الإثم ويرضى بأن يموت على الصليب، وهذا الوسيط المخلص في زعمهم لابد أن يكون ذا وضع متميز خال من الإثم والخطأ، ولا يكون هذا إلا ابن الله - الذي هو الله في زعمهم - ثم لابد أن يكتسب الخطيئة عن طريق الجسد فهذا ما جعله يتجسد في صورة عيسى، ويخرج من بطن مريم ثم يموت على
стр. 271
الصليب فداءاً للبشر، فيرضى الله بذلك عن بني آدم وترتفع عنهم تلك الخطيئة، لأنهم يزعمون أن الله جل وعلا منذ وقع آدم في الخطيئة، وهو غضبان على بني آدم بسبب الخطيئة، ولابد بناءاً على عدله أن يعذبهم، وهو بناءاً على رحمته يحب أن يرحمهم، فأنزل ابنه ليكون الوسيط والفداء الذي يقع عليه العدل فيعذب على الصليب حتى الموت فيكون موته فداءاً لبني آدم فيمكن بعد ذلك رحمة بني آدم لأن العقاب قد حل بالوسيط المخلص، فكان بهذا المسيح هو الذي جمع بين عدل الله ورحمته وفتح باب رحمة الله لخلقه مرة أخرى١.
فتبين أن هنا أمران وهما: الصلب، والفداء فنبين ما يتعلق بكل واحد منهما:
стр. 272
المطلب الأول: الصلب:
أ- قصة الصلب إجمالا كما وردت في الأناجيل:
يعتقد النصارى كما سبق بيانه أن المسيح مات مصلوباً. وقصة الصلب كما وردت في الأناجيل باختصار هي: أن المسيح ﵇ طلبه اليهود ليقتلوه لأنه في زعمهم كفر بالله، فدلهم على مكانه أحد أتباعه وهو يهوذا الإسخريوطي بعد أن أغروه بالمال، فقبضوا عليه ليلة الجمعة بعد أن كان قد فرغ من صلاة طويلة تضرع وتوسل فيها إلى الله أن لا يذيقه هذه الكأس، ثم ساقوه إلى دار رئيس كهنة اليهود الذي تحقق من أنه مستحق للقتل، ثم حمل إلى دار الوالي الروماني الذي حكم عليه بالصلب بناءا على رغبة اليهود، فصلب الساعة الثالثة صباحاً من يوم الجمعة ومات على الصليب الساعة التاسعة مساءا أي وقت العصر بعد أن صاح "إلهي إلهي لماذا تركتني".
ثم أُنِزْل من الصليب في تلك الليلة، وأُدِخْل قبرا بقي فيه تلك الليلة ثم نهار السبت ثم ليلة الأحد، ولما جاؤا إليه صباح الأحد وجدوا القبر خاليا وقيل لهم إنه قام من قبره ثم إنه ظهر لهم في الجليل وكلمهم وبقي معهم أربعين يوماً ثم ارتفع إلى السماء. وهم ينظرون إليه، هذا ما ورد في الأناجيل عن قصة الصلب اجمالاً١.
стр. 273
ب- اختلاف المعلومات الواردة في الأناجيل عن الصلب:
إذا نظرنا إلى قصة الصلب في الأناجيل نجدها مختلفة في أكثر نقاطها، وإليك بيان الإختلافات الموجودة في رواية هذه القصة.
١) ذكر لوقا: أن ملكاً من الملائكة تراءى للمسيح يقوي عزيمته في آخر صلاة صلاها. ولم يذكر ذلك الأخرون.
٢) ذكر لوقا: أن المسيح صلى مرة واحدة، ولم يوقظ تلاميذه إلا مرة واحدة، أما متى ومرقص، فذكرا أن ذلك تكرر ثلاث مرات، ويوحنا لم يذكر من ذلك شيئاً.
٣) أن الأناجيل الثلاثة متى ومرقص ولوقا ورد فيها: أن العلامة بين يهوذا الذي دل اليهود على مكان المسيح واليهود الذين جاؤا للقبض على المسيح هي أن من يقبله فهو المسيح، ويوحنا ذكر أن المسيح خرج إليهم وسألهم عمن يطلبون فقالوا: يسوع فقال لهم: أنا هو.
٤) أن يوحنا ذكر: أن اليهود لما قبضوا على المسيح ساقوه إلى حنان الذي كان حماً لرئيس الكهنة قيافا، أما الأناجيل الأخرى فلم تذكر ذلك، بل ذكرت أنهم ذهبوا به مباشرة إلى قيافا رئيس كهنة اليهود.
٥) ذكر يوحنا: أن بطرس وتلميذاً آخر تبعا المسيح إلى رئيس الكهنه بعد أن قبض عليه، أما الآخرون فلم يذكروا سوى بطرس الذي خرج بعد ذلك ولم يشاهد المحاكمة.
٦) سؤال رئيس الكهنة للمسيح وقت المحاكمة حسب مرقص "أأنت المسيح ابن المبارك فقال يسوع أنا هو وسوف تبصرون ابن الإنسان
стр. 274
جالسا عن يمين القوة وأتياً في سحاب السماء ".
وفي متى "أستحلفك بالله الحي أن تقول لنا هل أنت المسيح ابن الله. قال له يسوع أنت قلت. وأيضا أقول لكم من الآن تبصرون ابن الإنسان جالسا عن يمين القوة وأتياً على سحاب السماء".
وفي لوقا أن الجماعة سألوه "إن كنت أنت المسيح فقل لنا، فقال لهم إن قلت لكم لا تؤمنون وأن سألتكم لا تجيبوني ولا تطلقوني. ولكن من الآن يكون ابن البشر جالسا عن يمين قدرة الله. فقال الجميع. أفأنت ابن الله. فقال لهم أنتم تقولون إني أنا هو ".
وفي يوحنا أن رئيس الكهنة سأل المسيح عن تلاميذه وعن تعليمه، فأجابه وليس في شيء منها قوله السابق عن نفسه.
٧) الأناجيل الثلاثة ذكرت: أن المسيح لما ذهب به اليهود إلى بيلاطس الوالي الروماني فسأله عما يتهمونه به من أنه ملك اليهود، لم يجبه المسيح بشيء حتى تعجب منه بيلاطس.
أما إنجيل يوحنا فيذكر كلاماً بين المسيح وبيلاطس.
٨) الأناجيل الثلاثة ذكرت أن الصليب الذي صلب عليه المسيح سخر له رجل اسمه "سمعان القيرواني" لحمله.
أما إنجيل يوحنا فيذكر أن المسيح هو الذي حمل صليبه.
٩) ذكر لوقا: أن المسيح التفت إلى الجموع وهو في طريقه إلى الصليب وحذرهم مما سيقع لهم في الأيام القريبة من الأمور الخطيرة العظيمة. ولم يذكر ذلك أي من الأناجيل الأخرى.
стр. 275
١٠) إن علة صلب المسيح حسب لوقا مكتوبة على الصليب هكذا "هذا هو ملك اليهود" باليونانية واللاتينية، والعبرانية.
وفي مرقص "ملك اليهود" ولم يذكر اللغات التي كتب بها.
وفي متى "هذا هو يسوع ملك اليهود" ولم يذكر اللغات.
وفي يوحنا "يسوع النصارى ملك اليهود" باليونانية واللاتينية والعبرانية.
١١) أن مرقص ومتى ذكرا: أن اللصين الذين صلبا مع المسيح كانا يعيرانه مع الناس.
أما لوقا فقد ذكر: أن أحدهما عيَّره، أما الآخر فرد عليه ودافع عن المسيح ولم يذكر يوحنا ذلك.
١٢) ذكر يوحنا: أنه كان يقف عند الصليب أم المسيح وأخت أمه ومريم المجدلية مع التلميذ الذي يحبه المسيح، ويعني نفسه.
وأما لوقا ومرقص ومتى فقد ذكروا: أن نساءاً من بعيد كن ينظرن إليه، من بينهن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب الصغير ويسى وسالومه وأخر كثيرات، ولم يذكروا حضور أي تلميذ من تلاميذه الصلب.
١٣) في متى ومرقص: أن المسيح صرخ في الساعة التاسعة وقال "ألوى ألوى لما شبقتني، الذي تفسيره"إلهي إلهي لماذا تركتني".
وفي لوقا قال "ونادى يسوع بصوت عظيم قائلا يا أبت في يديك أستودع روحي".
стр. 276
وفي يوحنا أنه لم يصرخ وإنما قال " قد أكمل، ونكس رأسه، وأسلم الروح".
١٤) الاختلاف في الأحداث بعد الصلب حيث قال متى "انشق حجاب الهيكل، والأرض تزلزلت، والصخور تشققت، والقبور تفتحت، وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين وخرجوا من القبر بعد قيامته، ودخلوا المدينة المقدسة وظهروا لكثيرين".
وفي مرقص "إنشق حجاب الهيكل إلى اثنين".
وفي لوقا "أظلمت الشمس١ وانشق حجاب الهيكل ".
ويوحنا لم يذكر من ذلك شيئا.
١٥) الاختلاف في عدد ووقت الذين جاؤا صباح الأحد لمشاهدة القبر الذي فيه المسيح ووجدوه خاليا - وقد سبق ذكر ذلك٢.
فهذه الإختلافات العديدة بينهم في رواية أعظم حادث في حياة المسيح حسب معتقد النصارى وهو: الصلب، إن دل على شيء فإنما يدل على أنه ليس لديهم علم مؤكد ومحقق في هذا الأمر، وأن ذلك كله من باب الظن
стр. 277
والخرص الذي لا يغني من الحق شيئا، ولو كان عندهم فيه شيء مدون، أو رواة ثقات عاينوا وشاهدوا الأحداث لما اختلفوا فيه. وإن من دلالة صدق الرواة لحدث من الحوادث إتفاقهم على رواية الخبر وتفاصيل وقائعه، وان من دلالة كذب الرواة أو عدم علمهم به اختلافهم في رواية الخبر وتباين كلامهم عنه. وهذا حقيقة حال النصارى في هذا الحادث الذي قامت النصرانية المحرفة كلها عليه كما سبق بيانه، فإنهم ليس عندهم علم به مؤكد إن يظنون إلا ظنا. وانظر واستمع إلى دقة كلام الله في تعبيره عن الواقعة وعن رواتها حيث قال ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينا ًبَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ النساء آية (١٥٧) .
فأكد الله جل وعلا عدم صلبه وأنه رفعه إليه، وبيَّن أن الأمر قد شُبِّه على اليهود الذين زعموا أنهم صلبوه، كما أن الذين اختلفوا فيه وهم النصارى الضالون علمهم فيه غير مؤكد، إذ هم متبعون للظن في قولهم وزعمهم، ويؤكد ذلك ويبينه أن الأناجيل الثلاثة متى، ومرقس، ولوقا قد ذُكر فيها: أن التلاميذ حال القبض على المسيح تركوه وفروا جميعاً، فهم لم يعاينوا القبض عليه، ولا محاكمته، ولا رفعه على الصليب، ولا موته، ولا دفنه، ولا قيامته من القبر، وأن الذي شاهد الصلب مجموعه من النساء كن ينظرن إليه من بعيد.
أما رواية إنجيل يوحنا بأن التلميذ الذي يحبه المسيح كان حاضراً وقت المحاكمة وعند الصلب، وكذلك أم المسيح كانت موجودة وقت الصلب،
стр. 278
فهي رواية غير صحيحة لاشك لمخالفتها لرواية الأناجيل الثلاثة الأخرى. كما أن إنجيل يوحنا هو أقل الأناجيل نصيباً من الصحة - كما سبق بيانه في فصل المصادر١-.
جـ - حقيقة نهاية المسيح ﵇ على الأرض ومجيئة مرة أخرى
الحق بالنسبة للمسيح ﵇ أن الله أنجاه من أعدائه اليهود، وهذا الذي يتناسب مع سؤال المسيح وتضرعه إلى الله أن يعبر عنه هذه الكأس٢ فقد استجاب الله له ورفعه إليه، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ آل عمران الآيات (٥٢-٥٥) وقوله ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ المراد به من الاستيفاء وهو القبض، أو النوم، على معنى قول الله ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ أو أن فيها تقديما وتأخيراً، تقديره رافعك إلي ومتوفيك٣.
وقال رادًا على اليهود إدعاءاتهم على المسيح وأمه مبيناً الحق
стр. 279
فيما يتعلق بنهاية المسيح ﵇ ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ . النساء الآيات (١٥٦-١٥٨) .
وقد دلت السنة على أن المسيح ﵇ سينزل أخر الزمان وفي هذا يقول نبينا ﵊: "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لايقبله أحد"١.
وقد أجمع المسلمون على هذه العقيده وهي أن المسيح ﵇ سينزل آخر الزمان بناءاً على تواتر الأحاديث في ذلك، ولم يخالف في ذلك إلا أهل البدع من العقلانيين في هذه الأزمان المتأخره٢ ممن زعموا أن هذه عقيدة يهودية دخلت على المسلمين، وتابعهم على ذلك كثير من الكتاب الذين ليس لهم علم بهذه الأمور سوى التقليد. والحق أن هذه العقيدة ثبتت بالأدلة الصحيحة من السنة وأجمع علماء الاسلام عليها مما لاحاجة لنا معه إلى قول أحد من الناس وتخرصاته٣.
стр. 280
ومما يجدر ذكره هنا أن النصارى يعتقدون رجعة المسيح قبل يوم القيامه وأنه سيحاسب الناس ويضم أتباعه إليه١.
ومن النصوص الدالة على ذلك عندهم ماورد في سفر أعمال الرسل (١/١٥) بعد رفع المسيح إلى السماء قولهم " أيها الرجال الجليليون مابالكم واقفين تنظرون إلى السماء، إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقاً إلى السماء".
وكذلك اليهود يؤمنون بأن مسيحاً سيأتي أخر الزمان وينتصر به اليهود على أعدائهم، واليهود منذ زال ملكهم وهم ينتظرون ذلك المسيح الذي يعيد إليهم ملكهم٢.
وإن في ذلك أمراً عجيباً له دلالات عجيبة غريبة نشير إلى مايبدو منها مما فيه تأييد للوحي والحق فأقول:
إن مما لاشك فيه ولا مريه أن المسيح ﵇ قد رفعه الله إلى السماء كما ذكر الله ذلك في القرآن٣ وسوف ينزل آخر الزمان كما ثبت في السنه٤ وهما المصدران اللذان لم تشُبهما شائبة التحريف ولم يطلهما تغيير ولاتبديل، وكما ارتفع المسيح ﵇ بشراً سيعود بشراً ليس إلهاً ولا ابن إله كما زعم النصارى ونزوله ﵇ من علامات الساعة الكبرى، أي
стр. 281
الإمارات الدالة على قرب قيام الساعه.
ومما لاشك فيه ولامرية أيضاً أن هناك رجل آخر سيسبق مجيء المسيح عيسى ﵇ ألا وهو المسيح الدجال، وهو مسيح الضلالة والغواية والدعوة إلى الكفر ونصير الكفار فهما مسيحان سيأتيان في وقت متقارب جداً إذا ظهر أولهما لحقه الآخر، هذا مما ثبت لدينا نحن المسلمين بالأدلة القاطعه الثابته فإلى أيهم سينتمي الناس.
لاشك أن المسلمين الصادقين سينتمون إلى مسيح الهداية والخير عيسى ابن مريم ﵇، بل إن المسيح عيسى بن مريم ﵇ سينزل عليهم في جماعتهم عند إقامة الصلاة فقد ورد في حديث جابر ﵁ أنه قال سمعت النبي ﷺ يقول "لاتزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامه قال فينزل عيسى بن مريم ﵇ فيقول أميرهم: تعال صل لنا فيقول: لا إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة "١.
أما اليهود والمنافقون والكفار فإنهم ينضمون إلى مسيح الضلالة المسيح الدجال.
أما انحياز اليهود إليه فلأنه يهودي منهم فقد ورد في حديث ابي سعيد الخدري ﵁ أن ابن صياد قال لأبي سعيد ﵁ يا أصحاب محمد ﷺ ألم يقل نبي الله ﷺ "إنه يهودي"٢ يعني الدجال.
وفي حديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "يتبع
стр. 282
الدجال من يهود أصبهان١ سبعون ألفاً عليهم الطيالسه٢" كما أن قتله يكون بين اليهود في فلسطين بباب لد٣.
فهذا فيه دلالة واضحة على أن المسيح الدجال هو الزعيم والملك الذي ينتظره اليهود بفارغ الصبر.
وإن من عجيب قدر الله جل وعلا أن اليهود كانوا قبل مجيء المسيح عيسى ﵇ ينتظرون مسيحاً إلا أن أمالهم كانت متعلقه بشخصية محاربه يملكون بها الدنيا، ويعيدون لأنفسهم بها ماسلف من مجدهم وما اندثرمن عزهم بسبب كفرهم، ويرفعون عن أنفسهم تسلط الرومان، الذين كانوا متسلطين عليهم في ذلك الزمان، فلما جاءهم المسيح عيسى بن مريم ﵇ نبياً كريماً ذا خصال حميدة وخلال كريمة يدعو إلى التوبة والإيمان والتقوى والإحسان والعفو عن الظالم والصبر على البلاء، نفروا منه نفوراً شديداً، وكرهوه وكرهو دعوته ﵊، فسعوا بناءاً على ذلك إلى قتله تخلصاً منه حيث خيب آمالهم في تملك الدنيا وإخراجهم من الذل الذي كانوا فيه، إلا أن الله سبحانه بكريم فضله وعظيم إنعامه انقذ عبده ورسوله منهم وأنجاه ورفعه إليه، وحاق بالذين حاولوا قتله البلاء العظيم، فبعده بمدة وجيزه حل باليهود عذاب أليم وبلاء شديد تشتتوا بسببه في أنحاء الارض شذر مذر٤.
стр. 283
ثم إن مما سيكون من عجيب القدر والتقدير أن الذي هو أمل اليهود في السيطرة على العالم وزعيمهم الذي سيخُضِع العالم لهم سيأتي ولاقبل لأحد من الناس به، إلا أن الله ادخر له عيسى بن مريم ﵇ الذي لم يقبله اليهود لأنه لم يحقق لهم أطماعهم ولم يستجب لأهوائهم حيث سيكون على يديه الكريمتين هلاك ملك اليهود ورجائهم في السيطرة والغلبة، فبعد ظهور المسيح الدجال واتباع اليهود وأهل الضلالة له ينزل عيسى بن مريم ﵇ كما قال ﵊ "فينزل - يعني عيسى ﵇ عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين١ واضعاً كفيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه٢. فيطلبه - أي المسيح عيسى ﵇ يطلب ويلحق المسيح الدجال- حتى يدركه بباب لد في فلسطين فيقتله.. " ٣.
فيكون بذلك دمار اليهود النهائي ودمار ملكهم على يدى المسيح عيسى بن مريم ﵇ أولاً، ثم سائر المؤمنين من بعده حيث ستكون مقتله عظيمه يقتل بها جميع اليهود في فلسطين٤ والمسيح الدجال من أعظم البلايا والفتن على بني الإنسان فإنه مامن نبي إلا حذر أمته منه فقد روى عبد الله بن عمر أن
стр. 284
رسول الله ﷺ ذكر الدجال فقال "إني لأنذركموه مامن نبي إلا وقد أنذره قومه، لقد أنذره نوح قومه، ولكن أقول لكم فيه قولاً لم يقله نبي لقومه، تعلموا أنه أعور وإن الله ﵎ ليس بأعور"١.
وللدجال طاقات ومقدرة وقوة يفتن بها الناس ويدعو الناس إلى عبادة نفسه حيث سيزعم أنه رب وإله فمن تابعه نال مما معه من لذة الدنيا ومتعها، ومن خالفه أصابه بلاء وعناء وفي هذا يقول ﵊ في بيان سرعته في السير في الأرض وماأُعْطِىَ من قوة "قلنا: يارسول الله وما إسراعه في الأرض، قال: "كالغيث استدبرته الريح فيأتي على القوم فيدعوهم، فيؤمنون به ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ماكانت ذراً وأسبغه ضروعاً وأمده خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة فيقول لها أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل "٢.
فلهذه الفتن التي تكون معه يتبعه المنافقون وأهل الأهواء والكفار.
أما النصارى - فيبدو لي والله أعلم - أن أكثرهم سيكون من أتباع مسيح الضلالة المسيح الدجال وأنه سيكون فتنة عظيمة لهم. وذلك أن النصارى ينتظرون مسيحاً هو الرب والإله في زعمهم، فإذا جاء المسيح الدجال فإنه يدعي الربوبيه ومعه جنة ونار كما ورد في الحديث٣ فمن آمن به أدخله جنته
стр. 285
ومن لم يؤمن به أدخله ناره، وماجنته إلا نار الآخرة وماناره إلا جنة الآخرة.
ثم إن النصارى يظنون أنه سيكون في هذه الدنيا حساب وإدانة للناس من قبل المسيح عيسى في زعمهم فهذه كلها دلائل تشير إلى أنهم سيفتنون به إلا من عصمه الله منهم واستبان له حقيقة ذلك الدجال بما جعل الله في خلقته من القبح والنقص١ وما سيكون لاشك في دعوته وديانته من الفساد والإنحراف والكفر. ولكن أنى للنصارى أن يتبينوا الفساد في الديانة وهم على ديانة غاية في الانحراف.
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.