حتى تنال منه، بينما نجد الشنفرى وهو الخائف المطلوب ينام فإن هو نام فعين الجنايات لا تنام، هذه الصورة يجسدها في هذا التعبير:
تنام إذا ما نام يقظى عيونها ... حثاثا إلى مكروه تتغلل
وكأنها ترسل عيونها وراءه باحثة عنه في كل مكان كي تنزل به ضربتها وتقضي فيه بحكمها.
وهو بهذا منح الهموم ذاتا مستقلة عنه وجعلها مؤرقة قد ينام هو, وإذا نام فبعين واحدة؛ لأن الهموم تنغص عليه نومه ويقظته، أما هي فدائما ساهرة.
ومن ذلك تصويره للهموم الطارقات التي يعمل لصدها فتحيط به من كل جانب، بل أنها تمسك بتلابيبه بكل ما فيها من ثقل وإلحاح حتى ألفها وأصبحت جزءا من حياته، يهيئ نفسه لمواعيد قدومها التي أصبحت ثابتة في زيارتها له.
وإلف هموم ما تزال تعوده ... كحمى الربع أو هي أثقل
وهذا البيت يعكس مدى ما يعانيه في حياته من قلق واضطراب, وكأنه أدرك أن الحمى قد تحتمل في بعض أطوارها وبذلك لا تتكافأ مع ما
стр. 107
يعانيه فأضرب عن ذلك وقال: أو هي أثقل؛ لتؤدي ما بنفسه وتعبر عما يحسه.
فهو يصور الهموم تنتابه بحمى الربع بل هي أثقل منها تقبل عليه مثل قطيع الماشية يرد الماء ثم يحاول أن يصرفها فلا تستجيب، فلا يملك إلا أن يستلم، وأطلاق الألفة على الهموم من باب التهكم والسخرية لهذه الملازمة التي لا تكاد تفارقه.
وفي هذه المناسبة يقرر أنه في صراع دائم وحروب مستمرة مع همومه، وأنه إذا تغلب على بعضها أو منع نفسه من التفكير فيها تهب عليه من كل جانب:
إذا وردت أصدرتها ثم أنها ... تثوب فتاتي من تحيت ومن عل
فتصغير تحت يدل على قرب الهموم والتصاقها به وعل تدل على أحاطتها به، وكأنه محاصر بالهموم من كل ناحية، وقد أسعفه التعبير هنا للإفصاح عما بنفسه فتحققت المواءمة بين شعوره والتعبير عنه.
٩- وإذا كانت اللامية حافلة بالحديث عن خصائص الشنفرى وصفاته الذاتية وجرأته التي تلقانا في كل بيت منها فإن من أبرع هذا الحديث وصفه لليلة شديدة البرد والمطر حتى امتلأ جسمه رعدة وارتعاشا واضطر كل صاحب قوس أن يشعلها ويستدفئ بها مع
стр. 108
حرص الشديد عليها؛ لأنها وسيلة للدفاع عن نفسه، والشنفرى يفخر بخروجه في هذه الليلة القاسية المظلمة للإغارة؛ لأن ذلك يوافق طبعه المتمرد, ولم يكن معه ما يستعين به على الروع، فلم يصحبه فيها سوى العطش الشديد والظلمة الحالكة بالإضافة إلى البرد والمطر، وإزاء هذا الجو، يخرج مصمما على تحقيق ما اعتزمه، ولم يعد إلا بعد أن قضى مآربه وأنفذ ما اعتزمه:
وليلة نحس يصطلي القوس ربها ... وأقطعه اللاتي بها يتنبل
دعست على غطش وبغش وصحبتي ... سعار وإرزيز ووجر يتنبل
والشنفرى في هذه اللوحة يعني بوصف حاله ونفسيته، فهو جائع وهو خائف وهو مرتعد الفرائص من شدة البرد والصقيع، مع ذلك فهو يتحدى الطبيعة ويصمد في مواجهتها، ثم يصف آثار هذه الغارة وما خلفته من رجال لقوا مصرعهم فأصبحت نساؤهم أيامي وأطفالهم يتامى, وتم له ذلك في لمح البصر فقد عاد كما بدأ والليل أليل:
فأيمت نسوانا وأيتمت آلدة ... وعدت كما أبدأت والليل أليل
стр. 109
غير أن تنكير كلمة نسوانا وجمعها أضفى ظلال التفخيم والتهويل وأثار مشاعر الرعب والخوف من كثرة القتل، ثم استيقظ الناس وفتحوا عيونهم على الحقيقة دون أن يعرفوا مصدر هذا الخطر، وقد صور الشنفرى ما تخيله من حال القوم حيث لم يرهم فهم في حيرة من أمر المغير أهو ذئب أم ضبع؟ إنه ليس من الإنس ولا من الجن إنه الشنفرى يتوحش حين يجنه الظلام:
وأصبح عني بالغميصاء جالسا ... فريقان مسئول وآخر يسأل
فقالوا لقد هرت بليل كلابنا ... فقلت أذئب عس أم عس فرعل
فلم تك إلا نبأة ثم هومت ... فقلنا قطاة ريع أم ريع أجدل
ويظهر اعتزاز الشنفرى بنفسه وافتخاره بانشغال الناس بأمره حين يقول: وأصبح عني والناس جميعا يتحدثون عنه دون استثناء وقد انقسموا فريقين فريق يسأل وآخر يجيب.
لقد ترك الشنفرى القوم في حيرة من أمرهم أيكون المغير جنا أم إنسا؟ وانتهموا إلى أن هذا ليس من صنع الإنس فما عهدوا في البشر من يصنع مثل هذا:
стр. 110
التصالح مع الطبيعة
...
فإن يك من جن لأبرح طارقا ... وإن يك أنسا ماكها الأنس تفعل
وفي هذا البيت تشبيه ضمني حيث شبه نفسه بالشياطين الذين يأتون بالمعجزات التي تفوق طوق البشر.
فالشنفرى يفخر بتحديه للطبيعة وانتصاره على نواميسها؛ مثل البرد والمطر واليل الأليل والجوع الذي يلهب الأحشاء وينتصر عليه بالتنكر له ومجاهدة النفس وتحمله للظمأ والحر الذي يسيل لعابه حتى يضيق به الأفاعي فتتململ على الرمل بينما هي لا تنشط ولا تتحرك إلا في الصيف، هذا الجو لا يخيف الشنفرى ولا يفر منه بل يمارس حياته العادية متعرضا لحر الشمس ليس بينه وبينها كن أو ستر:
ويوم من الشعرى يذيب لوابه ... أفاهية في رمضائه تتململ
نصبت له وجهي ولاكن دونه ... ولا ستر إلا الأتحمي المرعبل
١٠ واذا كان الشنفرى ثائرا على أبناء قبيلته وعلى المجتمع وعلى البيئة وعلى كل قوة خارجية لا تصدر عن إرادته، فإننا نراه في هذه اللوحة متصالحا مع الطبيعة حين يصور أناث الوعول وهي تعدو من
стр. 111
حوله هنا وهناك آمنة مطمئنة وكأنها عذارى من الأدميات لابسات ثيابا طويلة الأهداب:
ترود الأراوي الصحم حولي كأنها ... عذارى عليهن الملاء المذيل
ويركدن بالآصال حولي كأنني ... من العصم أدفى ينتحي الكيح أعقل
فالوعول هنا لا تنفر منه وإنما تألفه وتأتس به وهو يأتس بها، فكأنها إناث تلتف حول ذكر قوي منيع في وقت الأصيل، فقد أصبح جزءا من هذه البيئة أو وحشا من وحوشها، فالطبيعة التي كان ثائرا عليها حيث تصليه برمضائها وتذيقه من الظمأ والجوع ما يهد جسمه وتصيبه بالبرد والرعدة قد تصالحه في وقت ما, ويجد فيها من مظاهر الجمال والمتعة ما يخلب النفس ويسحرها.
ويبدو من خلال الصورة شيء، قد يكون حرمانا جنسيا يعانيه من كان في مثل ظروفه، ولذلك نراه يتحدث عن الوعول الإناث وبزرها في صورة العذارى من الأدميات، وعليهن ثياب ذات ذيول وكأنها ثياب العرائس، أو المسرفات في التزين، وهو في الصورة الذكر الوحيد بين هذه الإناث، بل فحل بالغ القوة والمنعة، فكأنه يحاول إشباع حاجته
стр. 112
الجنسية من خلال نفسيته وخياله، وهذه هي المرة الوحيدة التي ينسلخ فيها من رجولته لتقمص شخص ذكر من الوعول١.
وعلى كل فهي لوحة مصورة ابتدعتها يد فنان ماهر في لحظة من لحظات صفاء النفس, ليست سوى طيف مول وهدنة يسيرة لا يلبث أن يعود بعدها إلى حلبة الصراع.
وبهذا يبدو الشنفرى بارعا في استجماعه لعناصر الدقة وتوزيعه الألوان والظلال مع البساطة في عرض صورة وتفوقه على الطبيعة التي يحاكيها.
وهكذا يتضح لنا من خلال هذا العرض قدرة الشنفرى على التصوير والتجسيد بحيث لم يترك شيئا غامضا أو معنى مجردا لا يتمثله السامع إلا وألبسه ثوبا أدبيا وأخرجه في صورة محسة مرئية في الخيال، والتمثيل دائما يوافق النفس البدائية التي تبصر المعاني أكثر مما تفهمها، يقول ابن رشيق: والتشبيه والاستعارة جميعا يخرجان الأغمض إلى الأوضح ويقربان البعيد٢.
ولذلك لم يكد يخلو بيت من صورة بدوية وهي صور تنطلق من مشاهد الصحراء التي شهداها وعاش فيها وقد استطاع أن يستغل معجمه اللغوي والتصويري أبرع استغلال ليكون ذلك في خدمة الفكرة التي أراد أن يبرزها, ففي معرض حديثه عن الجوع الذي يعانيه
стр. 113
يشبه نفسه بالذئب الذي يبحث عن الطعام لذئاب أخرى، هذه هي الصورة الكلية والتي تتضمن في داخلها صورة أخرى جزئية.
ويقول عن الذئب المشبه به تهاداه التنائف فكل تنوفة تقدمه هدية إلى أخرى، مع ما تنطوي عليه الكلمة من سخرية مريرة تجعلنا نتصور الشنفرى وهو يندب حظه ويأسى لهذا المصير الأليم، ويعبر عن يأس الذئب وخيبة أمله في الحصول على الطعام بقوله: يخوت, أي يصوت ويطلق صيحاته العالية، وبقوله: يعسل, ليوحي باضطرابه وفقد توازنه وحركته اللاإرادية، وكذلك قوله: لواه القوت، ولم يكن هناك قوت, وقوله: أستف ترب الأرض فهو خير له من أن يتلقى نعمة ممن يمن عليه أو يستند له, والكلمة بهذه الصورة أستف تشعر بتكرار هذا الأمر والإكثار منه مع تقبله له، وهذا المعنى لا يتأتى لو قال آسف، أو آكل تراب الأرض، وكأنه مستعد لأن يأكل التراب لا مرة واحدة بل أكثر من مرة، وأشد من ذلك أيسر عليه من الهوان.
وقوله فؤاد مشيع للدلالة على جرأته وقوته وكأن له أتباعا وأنصارا وشيعة وعشيرة تؤازره وتقف إلى جانبه، ولا شك أن هذا المعنى لا يتأتى لو استبدلنا بهذا الوصف كلمة أخرى.
من حيث أمه، إلى غير ذلك من الكلمات المصورة والمعبرة التي نراه يستخدمها حين يتحدث عن كثرة جناياته وكيف أنها تقض
стр. 114
مضجعة وتمنع عنه النوم: طريد جنايات، تياسرن لحمه، لأيها حم أول تنام يقضي عيونها، إلى مكروهه تتغلغل.
وبهذا نجد أن طبيعة التجسيد عنده تعني التعبير بالمشهد أو الحادثة كما في تصويره لحالة الذئب والذئاب الرفاق وقد استبد بها الجوع، أو حديثه عن إحدى غاراته في ليلة مظلمة شديدة البرد، أو التعبير بالصورة الفنية كما تقدم في تشبيهاته واستعاراته أو كناياته الفطرية اللطيفة التي نقع عليها، أو التعبير بالكلمة الموحية المشعة التي لا يكاد يخلو منها بيت أو بيتان متجاوران، بحيث يضع المعنى أمامنا وكأننا نبصره أو نستطلعه، بدلا من أن نفهمه فهما ذهنيا.
وكثيرا ما يلقانا التعبير عن خواطره بالكناية كقوله أقيموا صدور مطيكم كناية عن التحول والتهيؤ؛ لأن المطايا إذا سارت رفعت صدورها، وآلف وجه الأرض كناية عن ملازمة الهموم له وقوة تحمله بأهدأ تنبيه, سناسن قحل كناية عن الهزال والضعف وبروز العظام، ومثله وأعدل منحوصا ٤٣، وقوله يوم ... يذوب لوابه، وعن الأفاعي، في رمضائه تتململ كناية عن شدة القيظ وحرارة الشمس التي لا تطاق، فهو حر يذيب رأس الضب كما يقولون.
وأستف ترب الأرض كناية عن اعتزازه بنفسه واعتداده بكرامته، فأكل التراب أهون عليه من أكل ما لذ وطاب من يد منان أو متطول عليه.
стр. 115
ألفاظ القصيدة تقتفي أثر التجربة
...
١١ وألفاظ القصيدة لا تجري على سنن واحد بل تقتفي أثر التجربة، وتجري حسب الإيقاعات النفسية فهي تشف وترق وتميل إلى البساطة واللين حين يعمد إلى الأفكار أو التقرير الفكري وحين تستولي عليه الرؤيا، كما في وصفه للهموم: طريد جنايات تياسرن لحمه, تنام إذا ما نام يقظى عيونها, وإلف هموم ما تزال تعوده, عياد كحمى الربع أو هي أثقل, وقوله:
أقيموا بني أمي صدور مطيكم........................
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى.....................
لعمرك ما في الأرض ضيق على امرئ...................
وغير ذلك مما يعبر عن هذه الفكرة، كما تتجهم ألفاظه وتخشوشن، ويعروها الجفاف, وتصبح ألفاظا صحراوية جافة، حين يلجأ إلى الوصف أو التعبير عن مشهد حي كما في قوله حين يصف نفسه:
ولست بمهياف يعشي سوامه
مجدعة سقبانها وهي بهل
ولا جبأ أكهى مرب بعرسه........................
ولا خرق هيق........................
ولا خالف دراية........................
стр. 116
وكما في حديثه عن القوس حين يصفها فهي صفراء عيطل وهي هتوف من الملس المتون، أو عن الذئب: أزل تهاداه التنائف أطحل:
........................ يخوت بأذناب الشعاب ويعسل
وحديثه عن النحل:
أو الخشرم المبعوث حثحث دبره ... محابيض أرداهن سام معسل
ونلحظ في قوله:
ولست بمحيار الظلام إذا انتحت ... هدى الهوجل العسيف يهماء هوجل
ثقلا في نطق الشطر الثاني, وربما كان ذلك راجعا لكثرة تكرير الهاء، مع تكرار كلمة بذاتها مرتين, وكأنما هذه المعاناة في النطق وتلك المعاضلة في الكلام شبيهة بالمعاناة التي تصيب من يسلك دروب الصحراء ويتعرض للسير فيها.
فالألفاظ ارتبطت بطبيعة المعنى الذي تؤديه، والجاحظ يقول: إن لكل مقام مقالا وذلك يعني أن الفكرة تقتضي عباراتها، كما ارتبطت الألفاظ بطبيعة التجربة فكانت في معظمها حسية مادية، فلغة الشنفرى مستمدة من بيئته ومن طباعه، ولذلك كنا نعثر
стр. 117
المظاهر للإجتماعية في القصيدة
...
على كثير من الألفاظ الغريبة، وتلك سمة من سمات شعر الصعاليك نظرا للمعاناة والمشقة وأسلوب الحياة التي يحيونها.
١٢ وأسلوب القصيدة يتسم بالتقررية والمباشرة عدا ما يتخلله من بعض صور أنشائية كقوله في مطلع القصيدة: أقيموا بني أمي, وقوله: في معرض الحديث عن عرسة: يطالعها.... كيف يفعل أذئب عس أم عس فرعل, ولعل هذا يساعده على تنوع أفكاره وتحقيق غايته، وكان جنوحه للمباشرة ولأسلوب التقرير؛ لأنه يحكي قصة حياته، أو تجربة عاشها بكل أبعادها، فلم يكن بد من نقلها كما تعرض لها مع تفننه في طريقة العرض ووسيلة الأداء، ولا يجري الأسلوب على طريقة واحدة فهو يتردد بين التكلم والغيبة كما في قوله: وآلف وجه الأرض, ثم بعد ذلك يقول: طريد جنايات تياسرن لحمه وإلف هموم ما تزال تعوده يعود إلى المتكلم ثانية قائلا: إذا ورت أصدرتها، ويترد الأسلوب مرة أخرى بين المتكلم والغيبة في قوله: نصبت له وجهي بصيغة التكلم، ثم يعود إلى الغيبة في قوله: وضاف إذا هبت له الريح طيرت لبائد عن أعطافه, وقوله بعد ذلك: بعيد بمس الدهن والفلى عهده، وربما كان ذلك راجعا لتغيير الجو النفسي، ولما طال نفسه بالقصيدة ناسب أن يلون الأسلوب حتى يمنع عنه الرتابة والملل.
ومن التفصيل بعد الإجمال قوله: ولي دونكم أهلون, ثم يفصله بقوله: سيد عملس وأرقط زهلول وعرفاء جيأل.
стр. 118
وقوله:
ثلاثة أصحاب: فؤاد مشيع وأبيض إصليت وصفراء عيطل.
ومن الطباق الذي جاء عفو الخاطر دون تعمل أو تكلف.
ولست بعل خيره دون شره
فإن تبتئس بالشنفرى........................ لما اغتبطت
وأعدم أحيانا وأغنى........................
فلا جزع من خلة متكشف
ولا مرح.................
إذا وردت أصدرتها
وقد اقتضى الطباق من الشاعر أن ينقض أمرا ويحل محله أمرا آخر أصلح منه، كما ينطوي أحيانا على التفصيل كما في قوله:
وأعدم أحيانا وأغنى, فلا جزع من خلة.......... ولا مرح, فالطباق يكون أحيانا أداء للنقض، أو وسيلة للتفسير والتفصيل.
والقصيدة بعد ذلك حافلة بكثير من المظاهر الاجتماعية التي تعبر عن جانب مهم من الحياة الجاهلية، فيظهر تأثير البيئة الاجتماعية والمادية في الحديث عن المقامرة ولعب الميسر، حين يصور أجسام الذئاب وقد براها البحث عن الطعام حتى غدت كأنها قداح الميسر يحركها لاعبها:
стр. 119
ملهلهة شيب الوجوه كأنها ... قداح بكفي ياسر تتقلقل
ومرة أخرى يتحدث عن الميسر حين يجعل الجنايات تطالب بدمه، وتتنازع عليه وأخيرا تلجأ على الاستقسام بالأزلام:
طريد جنايات تياسرن لحمه ... عقيرته لأيها حم أول
وحين يصف شعره المتلبد قي قوله:
بعيد بمس الدهن والفلي عهده ... له عبس عاف من الغسل محول
ما يكشف هذا عن اعتنائهم بشعرهم عن طريق فليه ودهنه ببعض الدهون.
كما يظهر أثر البيئة المادية في ذكر أسماء الطيور والحيوانات التي وردت في ثنايا القصيدة مثل: الذئب، الضبع، النمر، السمع، الوعول، الحيات، القطا، ثم النحل، وفي توسله بمظاهرها في تشابههه ووصفه، ولا شك أن هذه الرؤية الشعرية التي تبلغ من العمق والرحابة حد الإحساس بالطبيعة والبيئة في عمومها وشمولها، في رملها ونبتها، في وحشها وطيرها هذه الرؤية هي التي أفسحت
стр. 120
لشاعرنا مكانا غير منكور بين الشعراء الصعاليك، بل بين شعراء العصر الجاهلي كله.
стр. 121
لقيط بنت يعمر الإيادي في تخويف قومه وتحذيرهم عواقب الغفلة والنسيان
لمحة عن الشاعر
...
الشاعر
هو لقيط بن يعمر الإيادي من شعراء العصر الجاهلي المقلين١, وتذكر بعض المصادر أن اسمه، لقيط بن معبد، فقد ذكر ابن دريد وهو بصدد الحديث عن نسب إياد أن من رجالهم: لقيط بن معبد صاحب القصيدة التي أنذر بها إياد لما غزتهم الفرس, وذكر صدر القصيدة٢, بينما يذكر ابن قتيبة أن اسمه لقيط بن معمر٣, أما محقق ديوانه فقد آثر تسميته لقيط بن يعمر استنادا على ما ذكره ابن الشجرى. وما ذكره صاحب الأغاني وأصل اللقيط المولود الذي يوجد مرميا على قارعة الطريق لا يعرف أبوه ولا أمه وهو فعيل بمعنى مفعول، واللقيطة واللاقطة الرجل الساقط الرذل المهين والمرأة سقيطة لقيطة، قال قريط بن أنيف٤:
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي ... بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا
ولعله سمي بهذا الاسم المهين على عادة العرب في تسمية أبنائهم بأهون الأسماء وأقلها، حتى إذا قتله الأعداء لا يشعر أهله بشديد أسف, ولا تشعر الأعداء بكبير تشف.
стр. 122
وقبيلة إياد التي ينتمي إليها الشاعر من أكثر نزار عددا، وأشدهم بأسا وقوة، لذلك حظيت بمنزلة عالية، وتقدير بالغ، إذا لم يدينوا لملك من الملوك، ولم يصبهم في الجاهلية سباء، وكان موطنهم تهامة، ولكنهم اضطروا إلى مغادرته إلى مناطق مختلفة من الجزيرة العربية لأسباب منها القحط، فيقال: إنهم نزلوا أرض السواد بالعراق، وبدأ عددهم ينتشر في المنطقة الواقعة بين البحرين وسنداد والخورنق، وأخذوا يهاجمون المناطق الآمنة بالعراق، كما أغاروا على الفرس وبلغت غارتهم ذروتها حين سبوا عروسا فارسية من أشراف العجم كانت قد زفت إلى بعلها، فأثار ذلك غضب الفرس، وحفز ملكهم إلى إرسال جيش كبير من الفرسان لمهاجمة إياد، فهجمت إياد على جيش الملك وقضت عليه، وجمعت إياد جماجمهم وأجسادهم التي تكدست في أرض المعركة، فكانت كالتل العظيم، وكان إلى جانبهم دير فسمي دير الجماجم١, وقد أعاد كسرى الكرة عليهم وأغار بجيش كبير تبلغ عدته على ما يذكره ابن قتيبة ستين ألفا٢، وكان لقيط مقيما بالحيرة لذلك أجاد اللغة الفارسية، واتخذه كسرى مترجما وكاتبا للمراسلات في الديوان٣ فكان من المقربين لديه، وأتاح له ذلك أن يطلع على كثير من شئون الملك وأسرار الدولة، ولذلك حين أحس بعزم كسرى على غزو قومه ورأى الخطر
стр. 123
الداهم، يتهددهم، أنذرهم قبل أن يفاجأهم الفرس بهلاك محقق، فكتب عينيته الرائعة التي جاءت فريدة في بابها.
وقد عاش لقيط في فترة عصيبة من تاريخ العرب حيث اتحدت قبائل الحيرة العربية لأول مرة، وثارت على الحكم الفارسي، وكان للقيط دوره الفعال في تلك اليقظة القومية١؛ إذ يعتبر بحق أول شاعر قومي في الجاهلية، فقد استطاع بقصيدته العينية المشهورة أن يوحد قومه ويحشدهم لمواجهة الجموع الزاحفة من الفرس عن طريق المقارنة بين حال الفرس وما أعدوه لقومه، وحال إياد وما هم عليه من الغفلة والإهمال.
وتذكر الأخبار أنه كتب قصيدته هذه في صحيفة واتخذ لها عنوانا ضمنه الغرض من كتابتها، وهو أن جموع كسرى متوجهة إليهم، بعد أن حشدوا حشودهم، وأعدوا عدتهم، ويحذرهم من الغفلة والانشغال برعي الأغنام، في حين أن الخطر جسيم والخطب جلل، ولذلك فهو يقول في الأبيات التي جعلها عنوانا لقصيدته:٢
سلام في الصحيفة من لقيط ... إلى من بالجزيرة من إياد
стр. 124
بأن الليث كسرى قد أتاكم ... فلا يشغلكم سوق النقاد
أتاكم منهم ستون ألفا ... يزجون الكتائب كالجراد
على حنق أتينكم فهذا ... أوان هلاكهم كهلاك عاد
وحين بلغ كسرى أن لقيطا أبلغ قبيلته بتوجه الجيوش الفارسية لغزوهم قطع لسانه، وغزا إيادا.١
стр. 125
أ إنذار قومه وتخويفهم غزو كسرى
يا دار عمرة من محتلها الجرعا ... هاجت لي الهم والأحزان والوجعا
تامت فؤادي بذات الجزع خرعبة ... مرت تريد بذات العذبة البيعا
بمقلتي خاذل أدماء طاع لها ... نبت الرياض تزجي وسطة ذرعا
وواضح أشنب ذي أشر ... كالأقحوان إذا ما نوره لمعا
جرت لما بيننا حبل الشموس فلا ... يأسا مبينا ترى منها ولا طمعا
فما أزال على شحط يؤرقني ... طيف تعمد رحلي حيثما وضعا
стр. 126
إني بعيني إذا أمت حمولهم ... بطن السلوطح لا ينظرن من تبعا
طورا أراهم وطورا لا أبينهم ... إذا تواضع خرد ساعة لمعا
بل أيها الراكب المزجي مطيته ... إلى الجزيرة مرتادا ومنتجعا
أبلغ إيادا وخلل في سراتهم ... أني أرى الرأي لم أعص قد نصعا
يا لهف نفس أن كانت أموركم ... شتى وأحكم أمر الناس فاجتمعا
إني أراكم وأرضا تعجبون بها ... مثل السفينة تغشى الوعث والطبعا
ألا تخافون قوما لا أبا لكم ... أمسوا إليكم كأمثال الدبا سرعا
أبناء قوم تأووكم على حنق ... لا يشعرون أضر الله أم نفعا
стр. 127
أحرار فارس أبناء الملوك لهم ... من الجموع جموع تزدهي القلعا
فهم سراع إليكم بين ملتقط ... شوكا وآخر يجني الصاب والسلعا
لو أن جمعهم راموا بهدته ... شم الشماريخ من ثهلان لانصدعا
في كل يوم يسنون الحراب لكم ... لا يهجعون إذا ما غافل هجعا
خزر عيونهم كأن لحظهم ... حريق غاب ترى منه السنا قطعا
لا الحرث يشغلهم بل لا يرون لهم ... من دون بيضتكم ربا ولا شعبا
стр. 128
اللغة:
١ عمرة: اسم محبوبته، الجرع: رمل يرتفع وسطه ويكثر وترق نواحيه فيعشب فيحلها الناس، هاجت لي الهم: أثارته.
٢ تأمت فؤادي: تيمته, أي عبدت وذللت قلبه، ومنه تيم الله, أي عبد الله، الجزع: منعطف الوادي وأراد بمكان في ذات الجزع، الخرعبة: الشابة الحسنة القوام، الحديثة السن الغضة، الخرعوب: المنثنى، قال امرؤ القيس١:
برهرهة رودة رخصة
كخرعوبة البانة المنفطر
٣ الخاذل من الظباء والبقر: التي تخذل صواحبها فتتخلف عنهم وتنفرد مع ولدها, قال طرفة:
خذول تراعي ربربا بخميلة ... مظاهر سمطى لؤلؤ وزبرجد
أدماء: الأدم من الظباء، بيض تعلوهن غبرة، طاع لها نبت الرياض: لم يمتنع عليها فأمكنها رعية، تزجي: تسوق، الذرع: ولد البقرة الوحشية.
٤ الواضح: الفم الذي تظهر فيه الأسنان بيضاء، الشنب: ماء الأسنان وبريقها، قال ذو الرمة:
стр. 129
لمياء في شفتيها حوة لعس ... وفي اللثات وفي أنيابها شنب
وأشنب الأنياب: أي أنياب حادة ذات بريق وصفاء، والأشر: حسن الأسنان وحدة أطرافها، أو هو التحزيز الذي يكون فيها، الأقحوان: نبت له نور أبيض كأنه ثغر جارية حديثة السن والجمع أقاح.
٥ الشموس من الدواب الذي لا يكاد يستقر فلا تمكن من الأسراج والألجام وهو مثل: يقال لكل صعب متجبر: شموس، فلا يأسا مبينا: أي لا أرى منها يأسا ظاهرا فأقطع الأمل في وصلها ولا أرى أملا يغري بالوصال.
٦ الشحط: البعد، يؤرقني: يمنعني النوم: الطيف: الخيال يلم في النوم، قال كعب بن زهير:
إني ألم بك الخيال يطيف ... ومكانه لك ذكرة وشعوف
وقال البارودي:
تأوب طيف من سميرة زائر ... وما الطيف إلا ما تريه الخواطر
تعمد رحلي: قصده، حيثما وضعا: أي حيثما نزلت.
стр. 130
٧ أمت: قصدت، بطن السلوطح: موضع، الحمول أي الأبل تكون عليها الأثقال خاصة، لا ينظرون: لا ينتظرون.
٨ لا أبينهم: لا أستبينهم لتباعدهم عني، طورا: أحيانا، إذا تواضع خدر: إذا تباعد وتراخى عني ساعة لا أراهم، ثم يلمع، والآل: السراب، والخدر: الهودج.
٩ المزجي مطيته: الذي يسوقها، الجزيرة: جزيرة العراق التي أغار عليها قومه، مرتادا، من الارتياد وهو الطلب، والنجعة أيضا طلب الكلأ وانتجعت فلانا: طلبت خيره.
١٠ خلل في سراتهم: أي أخص سراتهم بإبلاغ رسالتي، وسراة القوم: خيارهم وأشرافهم وأصحاب الرأي فيهم، ونصع الرأي: اتضح فلا شبهة فيه.
١١ اللهف: الأسى والحزن على شيء فات. قال الشاعر:
ولست بمدرك ما فات مني ... بلهف ولا بليت ولا لواني
شتى: متفرقة، وأحكم أمر الناس: أبرم وأوثق.
١٢ تعجبون بها: تسرون وتفرحون، الوعث: المكان السهل الذي تغيب فيه الأقدام، الطبع: تدنس العرض وتلطخه، وهو أيضا
стр. 131
الصدا الذي يعلو السيف, واستعاره لما يكون على سطح الماء من الزبد ونحوه.
١٣ أبا لكم: جملة دعائية يقصد بها سخطه عليهم وعدم رضاه عن سلوكهم، أو حثهم على فعل ما يدعوهم إليه، الدبا: صغار الجراد، واحده دباة: سرعا: سرعة.
١٤ تآووكم: عمدوا إليكم وقصدوكم، الحنق: الغيظ والغضب، لا يشعرون أضر الله أم نفعا أي لا دين لهم ولا يراقبون الله .
١٥ تزهي: تستخف وتستهين يقال: أزهيت فلانا تهاونت به، وزهاه وازدهاه: استخفه وتهاون به. قال عمر بن أبي ربيعة:
فلما توافينا وسلمت أقبلت ... وجوه زهاها الحسن أن تتقنعا
القلع: الصخور العظام، والقلعة: الحصن الممتنع في جبل وجمعها قلاع وقلع.
١٦ شوكا: يريد سلاحا حديدا، والصاب والسلع: شجران مران كنى بذلك عن السلاح والعدة وضربه مثلا لشدتهم.
стр. 132
١٧ راموا: طلبوا وحاولوا، الهدة: صوت شديد تسمعه من سقوط ركن أو حائط أو ناحية جبل، شم: طوال، والشماريخ: رءوس الجبال وأعاليها، ثهلان: جبل بنجد، انصدع: انشق وتفرق.
١٨ يسنون: يحددون، والسن: الحد. الحربة: دون الرمح وجمعها حراب، لا يهجعون: لا ينامون إذا نام الغافل.
١٩ خزر عيونهم: جمع أخزر وهو الذي ينظر بمؤخرة عينه، اللحظ: النظر بمؤخرة العين من أي ناحية، وهو أشد التفاتا من الشزر، قال الشاعر:
لحظناهم حتى كأن عيوننا ... بها لقوة من شدة اللحظان
٢٠ الحرث: الازدراع، من دون بيضتكم: من دون أرضكم، وبيضة القوم: ساحتهم ومجتمعهم قال لقيط الأيادي أيضا:
يا قوم بيضتكم لا تفضحن بها ... إني أخاف عليها الأزلم الجذعا
يقول: احفظوا عقرداركم، والأزلم الجذع: الدهر؛ لأنه لا يهرم أبدا.
стр. 133
التحليل ١-٢٠
بدأ لقيط قصيدته التي ينذر فيها قومه ويحذرهم غزو كسرى إياهم بالغزل على عادة الشعراء الجاهليين، فأخذ يتحدث عن صاحبته عمرة ويناجي دارها ويحيي طللها علها تجيب نداء، فقد أهاجت شجونه وأثارت همومه وأحزانه، وخطاب الديار في مفتتح قصائدهم عادة جاهلية قديمة قال النابغة الذبياني١:
يا دار مية بالعلياء فالسند ... أقوت وطال عليها سالف الأبد
وقال امرؤ القيس:٢
يا دار ماوية بالحائل ... فالسهب فالجبيتين من عاقل
لقد تيمت عمرة قلبه حتى استعبدته وملكت عليه نفسه فهي في عنفوان شبابها تمتلئ نضارة وتفيض حيوية ونشاطا وقد مرت أمامه قاصدة أحدى دور العبادة فزاد في ولهه واشتعل نار حبه.
ثم أخذ في بيان صفاتها فعيناها تشبه عيني الظبية الخالصة البياض التي تخلفت عن صواحبها وأقامت على ولدها ترعاه، وهي تعيش في رخاء تروح وتجيء وتمرح بين الرياض وخلال المروج الخضراء فلا
стр. 134
يمتنع عليها ولا يتعرض لها أحد بسوء، ترعى مع ولدها فيتحقق لهما الأمن ورغد العيش كما أن ثغرها مشرق مضيء فأسنانها بيضاء ذات بريق ولمعان وكأن هذا الثغر في وضاءته وبريقه المتدفق زهرة الأقحوان حين يلمع نورها وينصع بياضها.
ويتحدث عن أخلاقها فهي كالدابة الشموس: التي لا تستقر عي حال بل تتغير وتتبدل فأنا تقبل عليه وتطمعه في وصلها فيتبدد يأسه ويتجدد لديه الأمل ويمني نفسه بقربها، وأنا تعرض عنه فتستبد به الهموم ويقطع أمله في وصلها، فحالها إقبال وإدبار وصد ونوال.
وإذا كان هذا حالها وهو قريب منها، فإنه إذا بعد عنها ليسلوها عاوده طيفها وزاره خيالها، ومنعه النوم وإنه ليلح عليه كلما حل مكانا أو نزل منزلا وكأنها، موكلة بعذابه في قربها منه وبعدها عنه، وكلمة أزال في قوله فما أزال على شحط يؤرقني تفيد استمرار العذاب ودوامه.
وإن مشهد الفراق لا يفارق عينه ولا يغيب عن خياله حين قصدت رحالهم بطن السلوطح وقد علقت بهم القلوب وشدت نحوهم الأبصار في حين أنهم لا ينظرون إلى من تعلق بهم وغدا أسير هواهم.
وفي أعقاب رحيلهم كان ينظر نحوهم فأحيانا يستبينهم لقربهم منه وأحيانا لا يراهم لتباعدهم عنه وتغيب السراب إياهم.
стр. 135
ويضرب الشاعر صفحا عن حديث الذكريات حديث الحب والوله الذي جعله مقدمة لقصيدته؛ ليأخذ في غرضه الأصلي, فيناجي من يتوجه إلى قومه طالبا رفدهم, منتجعا فضلهم, مجدا في سوق راحلته؛ ليبلغهم رسالة إنذار وتحذير؛ ليعدوا العدة, ويتخذوا الأهبة, قبل أن يغزوهم كسرى, ثم يطلب منه أن يبلغ قومه إيادا بفداحة الخطب, وخطورة الموقف, وأن يخص بالتبليغ سادة القوم وأهل الرأي فيهم, فزمام الأمور بيدهم, ولهم تنقاد القبيلة, فقد اتضح الموقف, وظهر العدو على حقيقته، ورأيه الذي بعث به إليهم ناصع ويرجو ألا يخالفوه.
ثم أخذ في رسم صورة حقيقية لما عليه قومه, فهو يرثي لحالهم ويأسى لتفرق كلمتهم وتشتيت أمرهم, بينما عدوهم الذي يتربص بهم الدوائر قد أجمع أمره ووحد صفوفه, منتظرا لحظة الإنقضاض عليهم، والثأر منهم، فهم في تراخيهم وغفلتهم عما يدبر لهم, ورضاهم بما هم عليه دون أن يفكروا في العواقب, كالسفينة التي تجري في مجرى صالح للملاحة وتظل على ذلك مدة ثم لا تلبث أن يتعطل سيرها ويتوقف جريها, بسبب جفاف الماء أو عطل أصابها فتبيت في قاع اليم، ثم أخذ يحثهم على التيقظ لملاقاة عدوهم ويهول من شأنه فينكر عليهم تراخيهم واستهانتهم، ولذلك يدعو عليهم بقوله لا أبا لكم وكيف يتأتى ذلك منهم مع أن أعداءهم لا يحصى عددهم وسيأتون إليهم مسرعين.
стр. 136
وبعد أن صور حال قومه أخذ يصف لهم حال عدوهم، فهم قوم لادين لهم ولا ذمة عندهم فلا يراقبون ربهم ولا يحفظون ميثاقهم، وأن صدورهم لتمتلئ حقدا وغضبا عليكم ولذلك يعمدون إليكم قاصدين أنيشفوا نفوسهم ويذهبوا غيض قلوبهم فلا تمكنوهم من ذلك، وقد ضموا إلى كثرة عددهم كفاءتهم الحربية وتمرسهم بالقتال فليسوا كغثاء السيل لا غناء فيهم ولا وزن لهم وأنما هم أولو باس وشدة يستهينون بالصعاب ويقتحون الحصون المنيعة فيدكونها على اصحابها.
وهم متشوقون للقائكم مستعدون لدحركم ياتون إليكم سراعا بعد ان أعدوا العدة وأخذوا الأهبة يحملون لكم معهم الموت الذؤام، في حين أنكم غافلون عما يدبرلكم لاهون عما بكم ويجري من حولكم ولقد بلغت قوتهم حدا لو أنهم توجهوا بجموعهم الغفيرة نحو الجبال الشم لتصدعت من حدة اصواتهم وتهاوت من الضوضاء والجلبة التيتحدث من إجتماعاتهم.
لقد جعلوا لقائكم والظفر بكم شغلهم وأملهم المرتقب، ولذلك كانوا في استعداد دائم وتأهب مستمر لا يغفلون عن ذلك ساعة من ليل أو نهار آما أنتم فتنامون ملء عيونكم غير عابئين بما يدبر لكم غافلون عما ينتظركم، وهم حين يصلون إليكم يحدقون بابصارهم فتخرج من عيونهم أشعة اشبه بنار الحريق وكأنه اللهب يريد أن لهم نظرات قاتلة يرهبون بها أعداءهم وليس لهم ما يلهيهم، أو يشغلهم عن التهيؤ للقائكم وكيف ينشغلون بغيركم وهم يرون سعادتهم في استئصال شأفتكم والقضاء عليكم.
стр. 137
ب غفلة قومه عن الخطر
وأنتم تحرثون الأرض عن سفه ... في كل معتمل تبغون مزدرعا
وتلقحون حيال الشول آونة ... وتنتجون بدار القلعة الربعا
وتلبسون ثياب الأمن ضاحية ... لا تفزعون وهذا الليث قد جمعا
وقد أظلكم من شطر ثغركم ... هول له ظلم ثغشاكم قطعا
مالي أراكم نياما في بلهنية ... وقد ترون شهاب الحرب قد سطعا
فاشفوا غليلي برأي منكم حصد ... يضحي فؤادي لكم ريان قد نقعا
стр. 138
ولا تكونوا كمن بات مكتنعا ... اذا يقال له افرج غمة كنعا
يسعى ويحسب أن المال مخلده ... إذا استفاد طريفا زاده طمعا
٢٨ اللغة:
٢١ السفه: الجهل والطيش والمراد غفلتهم عن أمرهم، والمعتمل: موضع العمل مأخوذ من الاعتمال وهو أن يعمل الرجل بنفسه دون الاستعانة بأحد، قال الشاعر:
أن الكريم وأبيك يعتمل ... أن لم يجد يوما على من يتكل
أراد من يتكل عليه، المزدرع: الشيء المزروع، يقال: ازدرع القوم: اتخذوا زرعا لأنفسهم خصوصا أو احترثوا.
٢٢ تلقحون: تجعلون الفحول تقوم بتلقيح الإناث، يقال لقحت الناقة لقحا ولقاحا إذا قبلت ماء الفحل، والشول: إناث الإبل قد شولت ألبانها أي جفت وذهبت، وحيالها: ما حال منها فلم تحمل، آونة: أحيانا واحدها أوان، الربع: الفيصل الذي نتج في أول الربيع، دار القلعة: دار الدنيا وسميت بذلك لأنها دار
стр. 139
تحول وارتحال وفي حديث علي كرم الله وجهه: أحذركم الدنيا فإنها منزل قلعة. أي تحول وارتحال والقلعة من المال ما لا يدوم.
٢٣ ضاحية: ظاهرة علانية، لا تفزعون: لا تخافون حتى تستعدوا للقتال، الليث هنا: كسرى قد جمعا: أي جمع جموعه ووحد صفوفه.
٢٤ أظلكم: دنا منكم كأنه واقع بكم، الشطر: الجهة والناحية ومنه قول الله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ١، الثغر: الموضع الذي يخاف منه هجوم العدو، الهول: الشدة والفزع، قطعًا: أي قطعة بعد قطعة.
٢٥ البلهنية: رخاء العيش ورفاهيته، الشهاب: الشعلة الساطعة من النار.
٢٦ الغليل: شدة العطش وحرارته والمراد بشفاء غليله ذهاب حزنه وكمده، حصد: محكم من قولهم حبل حصد وهو المحكم فتله من الحبال والأوتاد والدروع، النقع: ذهاب العطش.
٢٧ المكتنع: المنكمش والمنقبض من قولهم كنعت العقاب: ضمت جناحيها للانقضاض والكنع: تشنج الأصابع وتقبضها، كنعا: خضع وذل، والغمة: الغم والكرب.
стр. 140
٢٨ الطريف من المال: ما استحدثه الإنسان واكتسبه، وهو خلاف التالد الذي يرثه الإنسان. قال جميل بن معمر:
وقد كان حُبَّيكم طريفا وتالدا ... وما الحب إلا طارف وتليد
التحليل من ٢١-٢٨
وبعد أن صور يقظة العدو وتأهبه لملاقتهم والانقضاض عليهم، أخذ في تصوير حال قومه وما هم عليه من الغفلة والانشغال بصغائر الأمور التي لا تغني عنهم وقت الشدة وساعة اللقاء، ثم أخذ يعدد مظاهر هذه الغفلة.
فهم مشغولون بحرث الأرض واستزراعها، يبذلون فيها أقصى طاقتهم، لا يدعون موطنا صالحا للزراعة إلا استغلوه وجعلوا ذلك شغلهم الشاغل واهتمامهم الذي يطغي على ما عداه يربون الإبل، ويستزيدون منها بالتلقيح والولادة.
وهم يأمنون شر عدوهم فلا يخشون هجمته ولا يخافون غدرته، بينما كسرى قد جمع جموعه وأعد عدته استعدادا للقائهم، فقد دنا منهم الخطر وكاد أن يحدق بهم، وهو لا شك خطر عظيم يبدد
стр. 141
أمنهم ويحيلهم إلى أسوأ حال ويتعجب من موقفهم وتملكه الدهشة من أمرهم إذ لا يزالون غافلين لاهين يتمتعون بما تحت أيديهم من زخارف الحياة ومتعها، بينما نذر الحرب قد لاحت في الأفق، وأصبح وقوعها وشيكا وأمرا محققا.
ثم ينصحهم بالتمسك بالرأي الصائب، وأن يجمعوا أمرهم ويوحدوا كلمتهم ويتحلوا بالشجاعة ويصمدوا عند اللقاء، حتى يلوح لهم النصر وتتحق لهم الغلبة، فيشفي الشاعر غليله ويطيب نفسا، وألا يكونوا كالجبناء ينطوون على أنفسهم ويعجزون عن مواجهة عدوهم هؤلاء إذا ما دعوا إلى تفريج كربة أو كشف غمة هربوا من أداء الواجب وتقاعسوا وتلمسوا المعاذير، وراحوا يثمرون مالهم للتكثر من متع الحياة، وكأنهم مخلدون على ظهرها أو أن المال يخلدهم.
стр. 142
جـ استنفار وتحريض لمجابهة الغزو
فاقنوا جيادكم واحموا ذماركم ... واستشعروا الصبر لا تستشعروا الجزعا
ولا يدع بعضكم بعضا لنائبة ... كما تركتم بأعلى بيشة النخعا
صونوا جيادكم واجلوا سيوفكم ... وجددوا للقسى النبل والشرعا
أذكوا العيون وراء السرح واحترسوا ... حتى ترى الخيل من تعدائها رجعا
واشروا تلادكم في حرز أنفسكم ... وحرز أهليكم لا تهلكوا هلعا
فإن غلبتم على ضن بداركم ... فقد لقيتم بأمر الحازم الفزعا
لا تلهكم إبل ليست لكم إبل ... إن العدو بعظم منكم قرعا
стр. 143
لا تثمروا المال للأعداء إنهم ... إن يظهروا يحتووكم والتلاد معا
هيهات لا مال من زرع ولا إبل ... يرجى لغابركم إن أنفكم جدعا
والله ما انفكت الأموال مذ أبد ... لأهلها إن أصيبوا مرة تبعا
ياقوم إن لكم من إرث أولكم ... مجدا قد أشفقت أن يفني وينقطعا
ماذا يرد عليكم عز أولكم ... إن ضاع آخره أو ذل واتضعا
ياقوم لا تأمنوا أن كنتم غيرا ... على نسائكم كسرى وما جمعا
ياقوم بيضتكم لا تفجعن بها ... إني أخاف عليها الأزلم الجذعا
هو الجلاء الذي يجتث أصلكم ... فمن رأى مثل ذا رأيا ومن سمعا
стр. 144
اللغة:
٢٩ اقنوا جيادكم: الزموا خيلكم، الزمار: كل ما يلزمك حفظه وحمايته والدفاع عنه، إن ضيعته لزمك اللوم، وأصل الشعار ما ولى جسد الإنسان من الثياب دون سواه، الجزع: ضد الصبر.
٣٠ النائبة: النازلة والمصيبة، بيشة: اسم قرية في بلاد اليمن، النخع: قبيلة من الأزد أو من اليمن رهط إبراهيم النخعي.
٣١ الشرع: الأوتاد الواحدة شرعة مادام مشدودا على القوس أو هو الوتر مشدودا على القوس أو غير مشدود.
٣٢ اذكوا العيون: أكثروا من إرسال الطلائع والجواسيس لكشف العدو، أو المراد: أحدوا النظر، السرح: شجر كبار عظام يستظل بظله، التعداء: العدو السريع، رجعا: جمع رجيع وهو الضامر الذي قد ذهب لحمه فقيل له رجيع سفر.
٣٣ اشروا: من شرى ضد باع، التلاد: المال القديم الموروث، الحرز: المكان الذي يحفظ فيه المال، والهلع: شدة الجزع.
٣٤ على ضن بداركم: عدم التفريط فيها والتقصير في الدفاع عنها، الحازم: العاقل المميز ذو الحنكة
стр. 145
٣٥ القراع والمقارعة: الضرب بالسيوف، قال النابغة الذبياني١:
..................... بهن فلول من قراع الكتائب
٣٦ ثمر المال: نماه وكثره، إن يظهروا: إن يغلبوكم، وفي التنزيل ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ﴾ ٢ يحتووكم: يأخذونكم جميعا من حويت الشيء بمعنى جمعته وأحرزته وفي الحديث أن امرأة قالت: إن ابني هذا كان بطني له حواء.
٣٧ الغابر: من غبر بمعنى مكث ويريد بهم الذين يعيشون معهم ويبقون بعد الحرب، الجدع: القطع البائن في الأنف والأذن والشفة واليد ونحوها، وجدع الأنف هنا كناية عن الذل والخضوع.
٤٠ العز: القوة، ومنه المثل من عزيز، اتضع: ذل وأصبح مهينا.
٤١ غير: جمع غيور، من الغيرة وهي الحمية والأنفة والمغيار: الشديد الغيرة، قال النابغة الذبياني
شمس موانع كل ليلة حرة ... يخلقن ظن الفاحش المغيار
٤٢ بيضة القوم: وبيضة الدار: وسطها ومعظمها، وفي الحديث ولا تسلط عليهم عدوا من غيرهم فيستبيح بيضتهم يريد