← Адаб

Адаб · id 11184

دراسة في نصوص العصر الجاهلي تحليل وتذوق

السيد أحمد عمارة

Полный текст (287 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

أمنهم ويحيلهم إلى أسوأ حال ويتعجب من موقفهم وتملكه الدهشة من أمرهم إذ لا يزالون غافلين لاهين يتمتعون بما تحت أيديهم من زخارف الحياة ومتعها، بينما نذر الحرب قد لاحت في الأفق، وأصبح وقوعها وشيكا وأمرا محققا. ثم ينصحهم بالتمسك بالرأي الصائب، وأن يجمعوا أمرهم ويوحدوا كلمتهم ويتحلوا بالشجاعة ويصمدوا عند اللقاء، حتى يلوح لهم النصر وتتحق لهم الغلبة، فيشفي الشاعر غليله ويطيب نفسا، وألا يكونوا كالجبناء ينطوون على أنفسهم ويعجزون عن مواجهة عدوهم هؤلاء إذا ما دعوا إلى تفريج كربة أو كشف غمة هربوا من أداء الواجب وتقاعسوا وتلمسوا المعاذير، وراحوا يثمرون مالهم للتكثر من متع الحياة، وكأنهم مخلدون على ظهرها أو أن المال يخلدهم.

стр. 142

جـ استنفار وتحريض لمجابهة الغزو فاقنوا جيادكم واحموا ذماركم ... واستشعروا الصبر لا تستشعروا الجزعا ولا يدع بعضكم بعضا لنائبة ... كما تركتم بأعلى بيشة النخعا صونوا جيادكم واجلوا سيوفكم ... وجددوا للقسى النبل والشرعا أذكوا العيون وراء السرح واحترسوا ... حتى ترى الخيل من تعدائها رجعا واشروا تلادكم في حرز أنفسكم ... وحرز أهليكم لا تهلكوا هلعا فإن غلبتم على ضن بداركم ... فقد لقيتم بأمر الحازم الفزعا لا تلهكم إبل ليست لكم إبل ... إن العدو بعظم منكم قرعا

стр. 143

لا تثمروا المال للأعداء إنهم ... إن يظهروا يحتووكم والتلاد معا هيهات لا مال من زرع ولا إبل ... يرجى لغابركم إن أنفكم جدعا والله ما انفكت الأموال مذ أبد ... لأهلها إن أصيبوا مرة تبعا ياقوم إن لكم من إرث أولكم ... مجدا قد أشفقت أن يفني وينقطعا ماذا يرد عليكم عز أولكم ... إن ضاع آخره أو ذل واتضعا ياقوم لا تأمنوا أن كنتم غيرا ... على نسائكم كسرى وما جمعا ياقوم بيضتكم لا تفجعن بها ... إني أخاف عليها الأزلم الجذعا هو الجلاء الذي يجتث أصلكم ... فمن رأى مثل ذا رأيا ومن سمعا

стр. 144

اللغة: ٢٩ اقنوا جيادكم: الزموا خيلكم، الزمار: كل ما يلزمك حفظه وحمايته والدفاع عنه، إن ضيعته لزمك اللوم، وأصل الشعار ما ولى جسد الإنسان من الثياب دون سواه، الجزع: ضد الصبر. ٣٠ النائبة: النازلة والمصيبة، بيشة: اسم قرية في بلاد اليمن، النخع: قبيلة من الأزد أو من اليمن رهط إبراهيم النخعي. ٣١ الشرع: الأوتاد الواحدة شرعة مادام مشدودا على القوس أو هو الوتر مشدودا على القوس أو غير مشدود. ٣٢ اذكوا العيون: أكثروا من إرسال الطلائع والجواسيس لكشف العدو، أو المراد: أحدوا النظر، السرح: شجر كبار عظام يستظل بظله، التعداء: العدو السريع، رجعا: جمع رجيع وهو الضامر الذي قد ذهب لحمه فقيل له رجيع سفر. ٣٣ اشروا: من شرى ضد باع، التلاد: المال القديم الموروث، الحرز: المكان الذي يحفظ فيه المال، والهلع: شدة الجزع. ٣٤ على ضن بداركم: عدم التفريط فيها والتقصير في الدفاع عنها، الحازم: العاقل المميز ذو الحنكة

стр. 145

٣٥ القراع والمقارعة: الضرب بالسيوف، قال النابغة الذبياني١: ..................... بهن فلول من قراع الكتائب ٣٦ ثمر المال: نماه وكثره، إن يظهروا: إن يغلبوكم، وفي التنزيل ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ﴾ ٢ يحتووكم: يأخذونكم جميعا من حويت الشيء بمعنى جمعته وأحرزته وفي الحديث أن امرأة قالت: إن ابني هذا كان بطني له حواء. ٣٧ الغابر: من غبر بمعنى مكث ويريد بهم الذين يعيشون معهم ويبقون بعد الحرب، الجدع: القطع البائن في الأنف والأذن والشفة واليد ونحوها، وجدع الأنف هنا كناية عن الذل والخضوع. ٤٠ العز: القوة، ومنه المثل من عزيز، اتضع: ذل وأصبح مهينا. ٤١ غير: جمع غيور، من الغيرة وهي الحمية والأنفة والمغيار: الشديد الغيرة، قال النابغة الذبياني شمس موانع كل ليلة حرة ... يخلقن ظن الفاحش المغيار ٤٢ بيضة القوم: وبيضة الدار: وسطها ومعظمها، وفي الحديث ولا تسلط عليهم عدوا من غيرهم فيستبيح بيضتهم يريد

стр. 146

جماعتهم وأصلهم أي مجتمعهم وموضع سلطانهم، الفجيعة: المصيبة المؤلمة توجع الإنسان يعز عليه من مال أو صديق أو حميم. الأزلم الجزع: الدهر الشديد المر المتعلق به البلاء والمنايا، قال عباس بن مرداس: إني أرى لك أكلا لا يقوم به ... من الأكولة إلا الأزلم الجذع وأصل الأزلم الجذع الوعل، وقد ذكر أن الوعول والظباء لا يسقط لها سن فهي جذعان أبدا، وأصل الجذع الصغير السن من الإبل والشاة والخيل فاستعير للدهر لأنه جذع أبدا لا يتغير أي هو فتى لا يلحقه هرم. ٤٣ الجلاء: الطرد، يجتث أصلكم: يقتلعه من جذوره.

стр. 147

التحليل من ٢٩-٤٢ ثم بعد أن سجل عليهم غفلتهم وتوانيهم عما يدبرلهم أخذ يستنفرهم ليهبوا من غفلتهم ويستعدوا للقاء العدو وبدأ يرسم لهم سبل مواجهته منها العناية بالخيل والحفاظ علهيا وإذا كان العربي بطبيعته يحب الخيل ويتفانى في خدمتها فإنه يؤكد لهم على رعايتها والقيام عليها لما لها من أثر في حياتهم، فهي عدتهم في الحياة وذخيرتهم في الشدة ولذلك كانوا يهيؤون لها أفضل الأطعمة فيخصونها بألبان الإبل في أوقات الشدة والجدب وربما لا ينال أحد من الأهل ذلك الاهتمام كما أشار إلى ذلك عمرو بن معديكرب١: خيل مربطة على أعلافها ... يقفين دون الحي بالألبان وربما كانوا يفضلونها على أبنائهم كما يوحي بهذا قول ربيعة بن مقروم الضبي٢: وجردا يقربن دون العيال ... خلال البيوت يلكن الشكيما يؤكد لهم على الخيل ليدافعوا بها عن وطنهم ويحموا عرضهم، ويدعوهم أن يتحلوا بالصبر والثبات والا يجعلوا للخوف والجزع

стр. 148

سلطانا على نفوسهم، وأن يشد كل منهم على يد الآخر ليكونوا جميعا على قلب رجل واحد، لا سيما في وقت الشدة وساعة المحنة التي تدعو إلى جمع الشمل ووحدة الكلمة حتى يتمكنوا بذلك من دفع الأذى ورد البلاء، ثم يلح على ضرورة العناية بالخيل والمحافظة عليها وملازمة التدريب بها، لأنه يدرك الأهمية القصوى والغاية من وراء اشتراك الخيل والاعتماد عليها في ساحة القتال، كما يطلب إليهم أن يعدوا سيوفهم ويصقلوها، ويجددوا القسى ويشدوا أوتارها ومن تمام الاستعداد وأخذ الحذر أن يبثوا عيونهم ويبعثوا بطلائعهم من الرجال خلف خطوط العدو، يسترقون أخبارهم ويهتكون أستارهم ليقفوا على قوتهم ومدى استعدادهم وأن يكون ذلك شيئا أساسيا في مواجهتهم، يبذل هؤلاء الرقباء جهدهم في إنجاح مهمتهم ولو اقتضى ذلك أن يعودوا بخيولهم هزيلة قد نحل شعرها وذاب شحمها. وبعد أن يأخذوا بالأسباب، فإن ظهروا على عدوهم وانتصروا عليهم تحقق ما يرجون، وإن لم يكتب لهم النصر فقد قدموا لأنفسهم عذرا ونحوا عنهم اللوم. ثم أراد أن يبين لهم أن ما يشغلون به أنفسهم من تنمية المال وتثميره لا قيمة له إن فاجأهم العدو وتغلب عليهم، فنهاهم، عن التلهي بالإبل والانشغال بها بعد أن بدت نذر الحرب، وأصبح العدو منهم قاب قوسين أو أدنى، يقول لهم ليست لكم إبل أي هي ليست لكم إن حلت بكم الهزيمة وظفر بكم عدوكم

стр. 149

لأنهم حينئذ سوف يأخذونكم جميعا، ويصبح مالكم غنيمة في أيديهم يستوي في ذلك التالد منه والطريف، فإن لم يستجيبوا لنصحه وينصاعوا لتحذيره، فكأنما يثمرون مالهم لعدوهم، ولن ينتفع به من بقي منهم، بل يذهب بذهابهم، ثم يقسم لهم أن المال منذ الأزل تابع لأصحابه يذهب بذهابهم ويربو ويتجدد بعزهم وقوتهم. ويحتال الشاعر للنفاذ إلى قلوبهم فيسلك كل السبل ليجد تحذيره آذانا صاغية وقلوبا واعية، فيذكرهم بماضيهم التليد وعزهم الغابر ويطلب منهم أن يهبوا للحفاظ عليه فإنه يخشى على هذا المجد أن يتبدد أو يضيع فتحل عليهم لعنة الأقوام، ويصبحوا سبة في جبين الدهر. ويؤكد على ثبات هذا المجد بأكثر من مؤكد إن واللام واسمية الجملة على أن هذا الماضي لن يفيدهم بشيء ولن يغني عنهم إن ضيعوا حاضرهم وفرطوا فيما بين أيديهم، بل سيظل شاهدا على تقصيرهم وعجزهم عن اللحاق بأسلافهم الأماجد وآبائهم الأكرمين. ماذا يرد عليكم عز أولكم ... إن ضاع آخره أو ذل واتضعا

стр. 150

ومرة أخرى يتسلل إلى قلوبهم من ناحية الحفاظ على العرض فيقول إنهم إن تغلبوا عليكم فسوف ينتهكون حرماتكم ويستبيحون نساءكم، ويلطخون شرفكم، فلا تقوم لكم بعد ذلك قائمة، وما قيمة الحياة إذا عجز الإنسان فيها عن أن يحمي عرضه ويصون كرامته، إنها حياة الخسة والعار الموت أهون منها. وكان الشاعر بارعا في ذلك إذ يعرف كيف يثير حميتهم ويبث فيهم روح القتال، فهم إن قصروا في الاستعداد لعدوهم أو توانوا في الدفاع عن أرضهم فسوف يفجعهم الدهر بما لا قبل لهم به، وتكون النتيجة أن يقتلع العدو جذورهم ويستأصل شأفتهم ويمزقهم شر ممزق، فليتهم يشاركونه الرأي، فيسمعون لما يقول ويرون ما رأى.. هو الجلاء الذي يجتث أصلكم ... فمن رأى مثل ذا رأيا ومن سمعا

стр. 151

جـ صفات القائد قوموا قياما على أمشاط أرجلكم ... ثم افزعوا قد ينال الأمن من فزعا وقلدوا أمركم لله دركم ... رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا لا مترفا إن رخاء العيش ساعده ... ولا إذا عض مكروه به خشعا لا يطعم النوم إلا ريث يبعثه ... هم يكاد سناه يقصم الضلعا مسهد النوم تعنيه أموركم ... يرم منها إلى الأعداء مضطلعا ما انفك يحلب هذا الدهر أشطره ... يكون متبعا طورا ومتبعا حتى استمرت على شزر مريرته ... مستحكم الرأي لا قحما ولا ضرعا

стр. 152

وليس يشغله مال يثمره ... عنكم ولا ولد يبغي له الرفعا مالك بن قنان أو كصاحبه ... كعمرو القنا يوم لاقى الحارثين معا إذ عابه عائب يوما فقال له ... دمث لجنبك قبل الليل مضطجعا فساوروه فألقوه أخا علل ... في الحرب لاعاجزا نكسا ولا ورعا لقد بذلت لكم نصحى بلا دخل ... فاستيقظوا إن خير العلم ما نفعا هذا كتابي إليكم والنذير لكم ... لمن رأى رأيه منكم ومن سمعا

стр. 153

اللغة: ٤٤ المشط: العظام الرقيقة فوق القدم قبل الأصبع. ٤٥ لله دركم: جملة دعائية بمعنى لله عملكم، يقال هذا لمن يمدح ويتعجب من عمله، وأصل الدر اللبن، وخصوا اللبن ونسبوه لله، لأنهم كانوا يفصدون الناقة فيشربون دمها ويفتظونها فيشربون ماء كرشها، فكان اللبن أفضل ما يحتلبون، ويقولون في الذم لا در دره أي لا كثر خيره، رحب الذراع: واسع القوة عن الشدائد، مضطلعا: يقال اضطلع بالأمر: إذا قوى عليه مأخوذ من الضلاعة وهي القوة. ٤٦ المترف: من الترف وهي النعمة، إذا عض مكروه: إذا نزل به مكروه، خشع، خضع وذل. ٤٧ لا يطعم النوم: لا يذوق طعمه ولا يدخل فيه، السنا، الضوء، إلا ريث يبعثه: هم: إلا بمقدار ما يدعى فيجيب، يقصم الضلعا: القصم أن ينصدع الشيء من غير أن يبين. ٤٨ مسهد النوم: قليلة، وأصل السهاد: نقيض الرقاد، قال الأعشى١: أرقت وما هذا السهاد المؤرق ... ومابي من سقم ومابي معشق

стр. 154

يروم: يبغي ويقصد، المطلع: الموضع الذي تشرف منه على ما دونه. ٤٩ يحلب أشطر الدهر: يقال فلان حلب الدهر أشطره: أي خبر ضروبه يعني مر به كل أحواله، خيره وشره، شدته ورخاوته، تشبيها بحلب جميع أخلاف الناقة وأصله من أشطر الناقة ولها شطران أماميان وخلفيان. ٥٠ استمرت مريرته: استحكم أمره وقويت عزيمته وأصل المريرة الحبل الشديد الفتل، والمرة: شدة الفتل، والشزر: فتل الحبل بطريقة خاصة تجعله أكثر أحكاما، القحم: الكبير المسن قال الراجز: إني وإن قالوا كبير قحم ... عندي حداء رجل ونهم الضرع: الصغير من كل شيء، أو هو الصغير السن الضعيف الضاوي النحيف. ٥١ يثمره: ينميه ويزيده، يبغي: يطلب، الرفع: جمع رفعة وهي خلاف الضعة. ٥٢ مالك بن قنان وعمرو القنا: رجلان لهما شهره حربية في حسن القتال وقد أحسنا قيادة قومهما حتى تحقق بهما

стр. 155

النصر، ومهما يضرب المثل لمن يريد أن يختار القائد المحنك ومثلهما الحارثان أيضا. ٥٣ دمث لجنبك مضطجعا: أي ابحث له عن مكان لين فتدميث المضطجع تليينه، والمراد بذلك أخذ الاهبة والاستعداد للأمر قبل وقوعه. ٥٤ ساوروه: واثبوه ونازلوه، العلل: الشرب بعد الشرب تباعا والمراد أنه مدرب على الحروب يلقاها المرة بعد المره، النكس: الرجل الضعيف العاجز، قال كعب بن زهير: زالوا فمازال أنكاس ولا كشف ... عند اللقاء ولا ميل معازيل الورع: الجبان، أو هو الضعيف في رأيه وعقله وبدنه. ٥٥ الدخل بالتحريل: الغش والفساد.

стр. 156

التحليل من ٤٤-٥٦ وهنا يتوجه الشاعر إلى قومه حاثا لهم على الجد في ملاقاة عدوهم وأخذ الحيطة والحذر، فيأمرهم بالقيام على أمشاط ارجلهم كناية عن اليقظة التامة، مؤكدا ذلك بالمصدر قوموا قياما، وأن يبدءوا عدوهم بالهجوم معتمدين على عنصر المفاجأة، فلا ينتظرون حتى يدهمهم في أرضهم فذلك مما يساعدهم على دحره، ثم يطلب إليهم تعيين رئيس لهم، يحسن سياسة الأمور وتوجيهها في الموقف العصيب، وأخذ يعدد الصفات التي يجب توافرها فيمن يتصدى لهذا المنصب الخطير، وهي مستمدة من قيمهم، وما تعارفوا عليه من المثل، وبدأ بالكفاءة البدنية التي تتمثل في بسطة الجسم وطول القامة والسلامة من الأمراض والعاهات التي تحد من وظيفته أو تعوقه عن أداء رسالته على الوجه الأكمل، بالإضافة إلى خبرته الطويلة بشئون الحرب والتمرس بأعمال الهجوم والدفاع، وربما كانت هذه من أهم الصفات اللازمة في من يتولى أمرهم في مثل هذه الظروف لأن الموقف يستدعي ذلك، ويلح في طلبه، فهم مقدمون على لقاء قريب مع عدوهم. وأن يكون متزنا في حياته الخاصة فلا يميل إلى الدعة، ولا يسرف في الملذات إن ابتسمت له الدنيا وأقبلت عليه الحياة، وإن أصابه مكروه لا يذل ولا يخضع بل يصبر ويتجلد فيضرب لهم بذلك القدوة والمثل

стр. 157

في ضبط النفس وحسن سياستها١ وهو قليل النوم، فلا ينام إلا بمقدار ما يعينه على اليقظة، وكيف ينام من وكل إليه أمر الدفاع عن قومه وائتمنوه على أرواحهم فأصوات الحرب تقرع آذانهم والخطر محدق بهم من كل ناحية. فإذا ما أخذه النوم فسرعان ما يوقظه حرصه على سلامتهم وخوفه من مداهمة عدوهم، قد خبر الحياة وعركها، فعرف خيرها وشرها، وذاق حلوها ومرها فصقلته تجاربها وصهرته أحداثها، فأحسن التصرف في كل موقف من مواقف الحياة، إذ يلبس لكل حالة لبوسها، وتتضح حسن سياسته حين يصغى لكل رأي، ويستمع إلى كل نصيحة ولوجاءته ممن هو دونه، وأحيانا لا يصل ما يسمعه إلى حد النصيحة الخالصة والمشورة الصائبة، فيدلي رأيه وينقاد له الجميع. قد استحكم أمره، وقويت شوكته، ليس بالشيخ الفاني فيخرف ويهتر أو يضعف ويجبن، ولا الصغير الغر ناقص التجربة قليل الخبرة بشئون الحياة، وإنما هو وسط بين الشباب المتهور والكهولة الفانية. لا تشغله مصلحته الخاصة عن مصالح قومه، فلا يغفل عن أمورهم بتثمير ماله ورعاية بنيه بل يضع المصلحة القومية فوق كل اعتبار

стр. 158

فهذا القائد من طراز فريد، يضع همومه وراء ظهره ليتفرغ لهموم قومه ويضعها نصب عينيه. وضرب لهم المثل بقائدين تمثلت فيهما صفات القائد الحربي الماهر ليختاروا على منوالهما ويولوا على شاكلتهما، وهما مالك بن قنان وصاحبه عمرو القنا، وقد تعرض لأحدهما مغرور بنفسه قصير النظر، ورماه بكل مثلبة، يريد أن ينتقص من شأنه وينال من قدره، فرأى منه ما هاله، ووجد من شأنه عجبا، فلجأ إلى قومه يستغيث بهم على منازلته، فوجدوا منه قائدا مغوارا، تمرس بالحرب وخاضها مرارا قد تكسرت رماحهم على صخرته، فهو ليس بالضعيف الذي يعجز عن إدراك الغاية ولا الجبان الذي يخشى المواجهة ويفر عند اللقاء. وأخيرا.. يشهدهم على أنفسهم بأنه قد محضهم النصيحة فيما قدم لهم من إنذار وكان ذلك نابعا من حبه لقومه وإخلاصه لهم، فليتهم ينتفعوا بنصحه، ويعملوا بما علموا فإن خير العلم مانفعا، وهذه رسالته إلى قومه التي حرص على أن يبلغهم بها متحملا كل العواقب، وليتهم بعد ذلك يرون رأيه ويصيخون لنصحه.

стр. 159

حول القصيدة هذه القصيدة من أوثق الشعر بقائليه، فهي شعر وجداني، يريد به الشاعر غاية مقصودة ذلك أن الخطر جاثم أمامه والكارثة تكاد تحل بقومه والعربي بطبيعته يتفانى في الحفاظ على قبيلته والحرص عليها، ودرء الخطر عنها بكل ما يملك، ولو استدعى الأمر أن يبذل حياته، فإنه يقدمها رخيصة، ولم يجد لقيط أمامه من سبيل لإنقاذ قومه إلا أن يبعث لهم بهذه الرسالة، يحدد لهم فيها أبعاد الموقف، ويبين لهم حجم الخطر الذي يتهددهم، حتى يكونوا على بينة من أمرهم، فلا يؤخذون على غرة. وهذه القصيدة تقوم على عدة محاور رئيسية هي: ١. المقدمة الغزلية. ٢. إنذار قومه بعزم الفرس على غزوهم مع تصويره لقوة عدوهم. ٣. استنفار قومه وتحريضهم على مواجهة الأعداء. ٤. صفات القائد الناجح. وبذلك نجد أفكار القصيدة مترابطة، تشدها أواصر تربط بعضها ببعض بحيث يتحقق لها الانسجام والتسلسل.

стр. 160

وجهة نظر في تفسير المقدمة ... ففي المقدمة تحدث عن همومه وأحزانه التي أثارتها ديار عمره محبوبته ونايها عنه، كما تناول بعض مظاهر جمالها، وكيف أن خيالها يؤرقه ويمنع عنه النوم كلما زاره، وهو دائما يعتاده حين يأوي إلى فراشه، فيستبد به ويشغل باله، ويحول بينه وبين النوم فيوقعه فريسة للوحدة والسهر ووحشة الليل، وهي حين ترتحل مع قومها يزداد حزنه وتتصاعد همومه لهذا الفراق الذي يطول وربما لا يعقبه لقاء. والمقدمة على هذا النحو قد تكون تقليدية على عادة الشعراء الجاهليين الذين يصدرون قصائدهم بمثل هذه المقدمات من أجل التشويق وإثارة النفس لتتحفز للسماع وتنشط لما يلقي عليها بعد ذلك وقد تخرج عن كونها تقليدا فنيا وعرفا جرى عليه الشعراء، إلى تصوير للحالة النفسية التي يعاني منها الشاعر، بسبب ما ينتظر قومه من خطر داهم وعدو يتربص بهم الدوائر، بينما قومه في غفلة، كل تشغله مصلحته الخاصة عن المصلحة القومية العليا وهي أمن الوطن وسلامته. فعمرة التي أهاجت أشواقه فاستبد به الهم الحزن والوجع قد تكون في الواقع أشواق نفسه ورغبته الملحة وهيامه إلى اللحظة التي يتوحد فيها قومه ويعدون العدة ليداهموا عدوهم قبل أن يفاجأهم بما لا قبل لهم به فتصبح المقدمة بهذا شديدة الصلة بالموضوع، ويكون هناك نوع من الربط النفسي بينها وبين مضمون الرسالة إذ أنها تعكس

стр. 161

الحالة النفسية والشعورية للشاعر إزاء التجربة موضوع المعاناة، وقد تكون عمرة وغيرها ليست إلا أداة فنية شأنها شأن الأدوات الأخرى التي يستخدمها الشاعر في بناء قصيدته وتجويدها، وإنما يختار الشاعر لقصيدته هذه أو تلك ليومئ إلى موضوعها كما صرح أبو فراس الحمداني مرتين في قوله: ولقد جعلت الحب ستر مدامعي ... ولغيره عينان تنهملان وقوله: ووالله ما شببت إلا علالة ... ومن نار غير الحب قلبي يضرم أو لملاءمة عروضها ووزنها كما أشار إلى ذلك مالك بن زرعة الباهلي: وما كان طبي حبها غير أنه ... يقام بسلمى للقوافي صدورها ويذكر بعض الباحثين أن الشاعر في المقدمة الغزلية يدور حديثه فيها حول موضوعين أساسين: بعد المحبوبة، وما خلفه له نأيها من أشجان وأحزان يعيش لها أو عليها، أو العودة إلى الماضي إلى الساعات، بل اللحظات التي تمتع فيها بقرب المحبوبة منه، والتقائها به،

стр. 162

التصريح في مقدمة القصيدة وموقف النقاد منه ... ومواصلتها له، وكيف كانت تعجبه وتصيبه بمحاسنها ومفاتن جسدها١. ويلاحظ أن الشاعر صرع في بداية القصيدة شأن الكبار من الشعراء، وقد امتدح التصريع قدامة بن جعفر وجعله دليل تمكن الشاعر من فنه، وكلما كان الكلام مشتملا عليه كان أدخل له في باب الشعر وأخرج له عن مذهب النثر٢.

стр. 163

طريقة الشعراء في الإنتقال من غرض لآخر ... لكنهم يستثقلون التصريع في وسط الكلمة، لأن ذلك يؤذن ببدء قصيدة جديدة، فتصبح القصيدة كأنها مكونة من عدة قصائد إلا لسبب يدعو لذلك يقول ابن رشيق: وربما صرع الشاعر في غير الابتداء إذا خرج من قصة، أو من وصف شيء إلى وصف شيء آخر فيأتي حينئذ بالتصريع إخبارا بذلك وتنبيها عليه إلا أنه إذا كثر في القصيدة دل على التكلف٣. ٢ وينتقل الشاعر بعد هذه المقدمة إلى الغرض الأصلي سالكا في ذلك مسلك شعراء عصره في طريقة التخلص والانتقال من غرض لآخر، وكانت عادتهم في ذلك أن يذكروا بعض الحروف كبل، أو بعض العبارات التي تفيد الإضراب مثل عد عن ذا، أودع هذا كقول

стр. 164

حسان بن ثابت بعد أن تحدث عن الديار الدوارس وأراد ان ينتقل منها إلى الحديث عن حبيبته: فدع هذا ولكن من لطيف ... يؤرقني إذا ذهب العشاء يقول ابن رشيق عن طريقة العرب حين كانت تتخلص من غرض لآخر: كانت العرب تقول عند فراغها من نعت الإبل وذكر القفار، وما هم بسبيله دع ذا وعد عن ذا ويأخذون فيما يريدون أو يأتون بأن المشددة ابتداء للكلام الذي يقصدونه ثم يقول: وإذا لم يكن التخلص متصلا بما قبله بل انتقل الشاعر من معنى إلى آخر من غير تعلق بينهما سمى اقتضابا وانقطاعا كأن الشاعر استهل كلاما آخر١. وفي هذا الغرض يطلب الشاعر ممن يحمل رسالته أن يبلغها إلى قومه بالجزيرة على وجه السرعة وأن يخص منهم وجهاءهم وأهل الرأي فيهم، فهؤلاء أهل الحل والعقد، وبيدهم تبرم الأمور. ولما كان لقيط يعمل في ديوان كسرى ويتصل بكثير من رجالات الفرس فقد أتاح له ذلك -بحكم موقعة- الاطلاع على كثير من أسرار الدولة ومعرفة بأمور الحرب والقيادة فإذا جاءهم الإنذار من

стр. 165

تصوير يقظة الفرس واستعدادهم ... قبله فلا مجال للشك فيه أو التردد في صحة ما يبلغهم، فقد استبان له أمرهم وتحقق له عزمهم على الغزو. وحين يسوق لهم هذا الإنذار يذكرهم بموقف عدوهم منهم، فقد أجمعوا أمرهم ووحدوا صفوفهم ويخشى أن يكون قومه على خلاف ذلك، بل أنه يتحسر لهذا ويجزع له، ثم أخذ يصور لهم يقظة الفرس واستعدادهم وإصرارهم على غزوهم وكيف أن قلوبهم تفيض حقدا وكراهية لقومه وهو يبغي من وراء ذلك أن يحمسهم ويشحذ هممهم ولا سيما حين يقفون على قوة الخصم وما يبيته لهم، وفي سبيل ذلك ذكر لهم أن ما ساقوه إليهم من الرجال لا يحصى عدده فهم كالجراد كثرة، والرجل الحريص على قومه حين يرى ما يتهددهم وهم عنه في غفلة ينفري كبده وتذهب نفسه حسرات، فيجسم لهم الخطر وهذا ما فعله شاعرنا، فهو يصور لهم جيش العدو بالجراد والنمل ويصدر البيت بالاستفهام التعجبي إذ يتعجب من موقف قومه العابث اللاهي، ويدعو عليهم دعاء المشفق عليهم الحريص على مصلحتهم: ألا تخافون قوما لا أبا لكم ... أمسوا إليكم كأمثال الدبا سرعا أو أنه يدعو عليهم لأنه لا يرضي عن حالهم، حزين لما قد يئول إليه أمرهم من الإختلاف والشقاق:

стр. 166

يالهف نفسي إن كانت أموركم ... شتى وأبرم أمر الناس فاجتمعا وحين يسير هؤلاء الخصوم إلى قومه لا يمشون على أقدامهم وإنما يطيرون شوقا إلى منازلتهم والقضاء عليهم، ولقد جمع العدو جموعه مستعدا للزحف نحوهم مزدهيا بقوته متباهيا بجبروته وعظمته، وأن هذه الحشود المجتمعة تصل إلى عدوها في أي مكان، مهما كانت مناعته، في الجبال الشم أو القلاع المحصنة. وهم جميعا مدججون بالسلاح، وقد عبر عن ذلك بكناية لطيفة فيها جمال الإيجاز ودقة التصوير في قوله: فهم سراع إليكم بين ملتقط ... شوكا وآخر يجني الصاب والسلعا فالصاب والسلع كناية عن العدة والسلاح، فهو بذلك يصور يقظة العدو وما أعده لهم من سلاح بأن كل فرد منهم أما أن يحمل سلاحا أو يحمل الموت الزؤام ليجرعه خصمه المهزوم، وهم يوالون التدريب ويواصلون الاستعداد لا يغفلون عن ذلك ساعة من ليل أو نهار: في كل يوم يسنون الحراب لكم ... لا يهجعون إذا ما غافل هجعا

стр. 167

تصوير حال قومه وماهم عليه من الغفلة ... فسن الحراب كناية عن التهيؤ والاستعداد، وترك النوم كناية عن اليقظة وشدة الحيطة والحذر. ثم ذكر لقومه ما يخيفهم من عدوهم ليحملهم على الاستعداد للقائهم، فالفرس علاوة على استعدادهم ويقظتهم حين ينظرون إليهم ويحدقون بأبصارهم تلمع عيونهم فيخرج منها شعاع كأنه نار محرقة شبت في غابة ضخمة فتصاعد منها اللهب وتطايرت قطعه فملأت الآفاق. وأخيرا يوضح لهم عزم الفرس على غزوهم وتصميمهم على إبادتهم والخلاص منهم حيث لا يشغلهم شاغل عن هدفهم، بل لا يطيب لهم طعام ولا يسيغ لهم شراب حتى يحققوا غايتهم وينجزوا ما أعتزموا عليه: لا الحرث يشغلهم بل لا يرون لهم ... من دون بيضتكم ريا ولا شبعا ٣ وبعد أن يرسم صورة حية لأعدائهم ووصف ماهم عليه من الإستعداد واليقظة ناسب ان يصور حال قومه كذلك وماهم عليه من الأنشغال والغفلة ويبدو أنه كان مطلعا على أحوالهم عارفا بأخبارهم، فهم مشغولون بالحرث والزرع، وتربية الإبل وتثمير المال، ويسجل عليهم بذلك غفلتهم وحمقهم وجهلهم بما يدبر لهم حيث إنهم لا يدعون موضعا يصلح للزراعة إلا

стр. 168

شغلوا بزرعه وتلهوا بالعمل فيه، وحين أراد أن يبين أن ذلك عادتهم ودينهم وأنهم قائمون على ذلك لا ينفكون عنه أتى بالمضارع الدال على التجدد والاستمرار في قوله تحرثون، تبغون، تلقحون، تنتجون للدلالة على أن هذه أوصاف كانت لهم في الماضي، وملازمة لهم في الحال وربما لازمتهم في المستقبل، وهذا ما يحزنه، وما حدا به أن يصف فعلهم هذا بالجهل والسفه والبعد عن السداد والرشاد، على أنهم لا ينصرفون إلى الزراعة ورعي الإبل والاستكثار من نتاجها إلا اذا كانوا آمنين, وقد صور ماهم عليه من الاستغراق في الغفلة والدعة بالثياب التي تعمهم وتحيطهم من كل جانب للإشارة إلى أنهم في ثبات عميق: وتلبسون ثياب الامن ضاحية ... لا تفزعون وهذا الليث قد جمعا فهم آمنون مشغولون بجمع المال وتثميره بينما عدوهم يفزع للإنقضاض عليهم ولعل في هذه المقابلة بين حالهم وحال العدو ما يستفزهم، وفي تصوير كسرى بالليث ما يساعد على تحقيق هذا الغرض. ومرة أخرى يصورهم بالنيام، لأنهم يمرحون ويلهون مستمتعين بحاضرهم, بينما نذر الحرب قد لاحت في الأفق وبدا وقوعها وشيكا

стр. 169

فماضيهم مع الفرس وماجرى بنيهما من الوقائع يدعوهم أن يكونوا دائما على أهبة الاستعداد ومن هنا كان تحسره على قومه في قوله يالهف نفسي وتوجيه اللوم لهم إلى حد أن يدعو عليهم في قوله لا أبالكم وتكاد النفس تذوب حسرات وينفطر قلبه على ما آل إليه حال قومه من الغفلة وترك الاستعداد وكأن الحرب لا تخطر لهم على بال، بينما عدوهم عينه يقظة عليهم، وهذا ما يوحي به قوله: فاشفوا غليلي برأي منكم حصد ... يضحي فؤادي لكم ريان قد نقعا ويخشى أن يشغلهم حب المال عن ملاقاة عدوهم أو يورثهم الجبن فيتحولون إلى حراس للمال ظانين أن المال يخلدهم: ولا تكونوا كمن بات مكتنعا ... إذا يقال له افرج غمة كنعا يسعى ويحسب أن المال مخلده ... إذا استفاد طريفا زاده طمعا وهكذا استطاع الشاعر أن يصور حال قومه اللاهيين الغافلين وواقعهم ووضع هذه الصورة بجانب مارسمه لعدوهم من اليقظة وإعداد العدة التهيؤ للغزو.

стр. 170

لقيط يرسم لقومه طريقة اللقاء وأسلوب المواجهة ... ٤ وبعد أن سجل حال كل من الفريقين أخذ يستنفر قومه، ورسم لهم طريقة اللقاء وأسلوب مواجهة الخطر، وهو هنا يبدو حكيمًا ناصحًا حين يوجه حديثه لبنى قومه يطلب منهم إعداد العدة لهذا الموقف العصيب، ويتمثل ذلك في الحفاظ على الخيل والإهتمام بها وحسن تدريبها، وقد جعلت حياتهم الحربية الخيل أثيرة لهم مفضلة على غيرها لما تقوم به من مهام في السلم والحرب يعجز عن آدائها سواها، ولذلك عدوها بمثابة أولادهم يقول ابن هذيل: فلم تزل العرب تفضل الجياد من الخيل على الأولاد وتستخدمها للزينة والطرد، على أنهم ليطوون مع شبعها ويظمأون مع ريها ويؤثرونها على أنفسهم وأهليهم عند حدوث الأزمة اللأواء١. فهذا زيد الخيل يعتز بفرسه ويفضله على سائر بنيه٢: أسوِّيه بمكنفَ إذ شتونا ... وأوثره على جل العيال وهذا متمم بن نويرة يسقي جواده اللبن الخالص ويشرب هو وأهله ما تبقى منه يقول٣:

стр. 171

فله ضريب الشول إلا سؤره ... والجل فهو مربب لا يخلع١ ونظرا لأهمية الخيل ودورها في المعركة أعاد الحديث عنها ثانية في قوله: صونوا جيادكم واجلوا سيوفكم ... وجددوا للقسىِّ النبل والشرعا كذلك يتمثل في التذرع بالصبر على تحمل الشدائد وترك الجزع والخور حتى يكتب لهم النصر على حد قول القائل: أخلق بذى الصبر أن يحظى بحاجته ... ومُدمن القرع للأبواب أن يلجا وحين يحثهم على التمسك بالصبر يسوق لهم هذا الأمر في صورة جميلة إذ يصوره لهم بصورة الشعار واللباس، ليتمثلوه حقيقة ويصاحبهم في كل مواقفهم: ...................... واستشعروا الصبر لا تستشعرو الجزعا

стр. 172

كما يتمثل في اجتماع الكلمة ووحدة الصف، بأن ينزعوا من قلوبهم ما فيها من تباغض وتحاسد، ويجعلوا شعارهم حماية الذمار مهما كان الثمن: ولا يدع بعضكم بعضا لنائبة ... كما تركتم بأعلى بيشة النخعا ووسيلتهم لذلك السيوف الصقلية والقسىُّ بأوتارها، وإذكاء العيون وإرسال الرسل للاطلاع على أحوال العدو واستراق أخباره. هذه هي وسائل القوة التي يلاقون بها عدوهم ويؤملون النصر عليه. ويلاحظ أن الشاعر استخدم أسلوب الأمر وهو يدعوهم أن يأخذوا بأسباب القوة وحذرهم من كل ما يشغلهم عنها وهو تثمير المال، ويبدو أنهم كانوا مولعين بحبه والتعلق به ولذلك ساق هذا التحذير في أربعة أبيات تتقارب في معناها، وفي كل بيت يذكر القضية والدليل عليها ليحملهم على الاقتناع ويدعوهم للاستجابة، يقول في نهيهم عن الانشنغال بالإبل وتثميرها: لا تلهكم إبل ليست لكم إبل لأنهم لو استمروا على غفلتهم وأصموا آذانهم عن الاستجابة لتحذيره تصبح هذه الإبل ملكا لعدوهم الذي يفجؤهم ويستولي عليها لا محالة لا سيما وقد دقت طبول الحرب وأصبحت على الأبواب إن العدو بعظم منكم قرعا.

стр. 173

ويقول في نهيهم عن الانشغال بالمال لا تثمروا المال للأعداء, إنهم لا يثمرونه لأنفسهم أو لأبنائهم، وإنما يثمرونه لعدو انتصر عليهم وفتك بهم واتخذ أموالهم نهبا وغنيمة، ولا شك أن هذا يدعوهم إلى اليقظة والتفكير فيما هم عليه إنهم إن يظهروا عليكم يحتووكم والتلاد معا. وحتى من بقي منهم على قيد الحياة بعد المعركة وسلم من ذل الأسر وهوان القيد هيهات أن يستفيد بهذا المال، لأن العدو لن يمكنهم من ذلك: هيهات لا مال من زرع ولا إبل ... يرجى لغابركم إن أنفكم جدعا ويؤكد على هذه الفكرة في البيت الذي يليه، فالمال تبع لأصحابه يضيع ويتبدد بذهابهم ويكثر وينمو في وجودهم، ويقسم بأن هذه حقيقة جلية وثابتة منذ زمن بعيد فهي سنة من سنن الاجتماع: والله ما انفكت الأموال مذ أبد ... لأهلها إن أصيبوا مرة تبعا وبهذا وفق الشاعر في تحذيرهم من الانشغال بالمال وساق لهم على صحة ما يقول الدليل تلو الدليل والحجة عقب الحجة حتى يصل بهم إلى مرحلة الاقتناع.

стр. 174

وحين يستنفرهم ويحذرهم من ضياع ماضيهم المجيد ومجدهم التليد الذي يحرصون على استدامته يربط بين الماضي المتوارث وبين الخطر الذي يدهمهم، فلا يبقي أثرا لماضٍ شريف أو حاضر مشرق، والعربي لا يعتز بماضيه فحسب، وإنما يستلهمه ويعيش عليه، ولن يفيدهم هذا الماضي ولن ينفعهم الاعتزاز به، إن هم قصروا في الحفاظ عليه، وفرطوا في الدفاع عنه وجاء تعبيره عن ذلك بالاستفهام المفيد للنفي تأكيدا لهذا المعنى: ماذا يرد عليكم عز أولكم ... إن ضاع آخره أو ذل واتضعا وقد استغل فرط حساسيتهم وشدة غيرتهم على أعراضهم وحذرهم من العدوان عليها فهم إن قصروا في الدفاع، أو توانوا في الاستعداد وأخذ الأهبة استبيحت حرماتهم وانتهكت أعراضهم، كما حذرهم من هول الفجيعة والمفاجأة باحتلال أرضهم إن استمروا على غفلتهم، ولم يعملوا بما يوجبه نصحه وتحذيره، فيستبد بهم عدوهم ويستسلمون لحكم الدهر فيهم، وما أقسى حكمه، إنه الفناء الذي لا بديل عنه: ياقوم بيضتكم لا تفجعن بها ... إني أخاف عليها الأزلم الجذعا

стр. 175

هو الجلاء الذي يجتث أصلكم ... فمن رأى مثل ذا رأيا ومن سمعا وكأن بلقيط يذكرنا بقول الحارث بن حلِّزة في وصف اعتزام القوم للرحيل واجتماع كلمتهم على القتال، ثم نهضتهم للسير إلى عدوهم: أجمعوا أمرهم عشاء فلما ... أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء من مناد ومن مجيب ومن ... تصهال خيل خلال ذاك رغاء مع ما في هذا الشعر من جلبة الأصوات وتداخلها١. لقد كان لعمل الشاعر في ديوان كسرى أثر كبير على صياغته الفنية، فهي صياغة تخاطب العقل، وتستثير العاطفة، وتهز المشاعر. فحين يصور عدم جدوى قومه في تثمير المال بينما الحرب وشيكة الوقوع يقول: لا تلهكم إبل ليست لكم إبل ... إن العدو بعظم منكم قرعا

стр. 176

ونراه مرة أخرى يقول: لا تثمروا المال للأعداء إنهم ... إن يظهروا يحتووكم والتلاد معا فهو يختار من المؤثرات ما يهز القلوب لهذه الغفلة، وينتخب من المعاني ما يناسب الموقف ليلهب حماسهم ويبعث فيهم الحمية واليقظة: يا قوم لا تأمنوا إن كنتم غيرا ... على نسائكم كسرى وما جمعا ويؤكد تحذيره لهم ويقويه بأكثر من مؤكد، بالقسم في قوله: والله ما انفكت الأموال مذ أبد وبأن واسمية الجملة إن العدو بعظم منكم قرعا وفيها كناية لطيفة عن نذر الحرب ومقدماتها. وتتجلى عاطفة الشاعر نحو قومه، عاطفة الحب والولاء في هذه النصائح المتكررة، وفي التحذير المصحوب بالدليل، لأنه يرى ما لا يرون، وفي النداء المتكرر بقوله يا قوم، مع إضافته لضمير المتكلم مما يوحي بحبه لهم وإشفاقه عليهم، نظرا لوشائج القربى وعلائق النسب الوثيقة التي تربطه بهم، وفي الاستفهام المتضمن معنى التمني في قوله: فمن رأى مثل ذا رأيا ومن سمعا يتمنى أن يروا جميعا مثل رأيه وأن تقرع كلماته أسماعهم وتجد طريقها إلى قلوبهم، ولعل في كل ذلك ما يدعوهم إلى الاستجابة لأن هذا النصح وذلك التحذير صادران من مخلص أمين يخفق قلبه بحبهم.

стр. 177

صفات القائد مستمدة من القيم التي تقوم عليها حياتهم ... ٥ وأخيرا يناشدهم الالتفاف حول رجل يجمع كلمتهم ويوحد صفوفهم ويحكم تسيير دفة الأمور في هذا الموقف، ويعمد هنا إلى الأسلوب التقريري الذي يقدم فيه رأيه بشكل قاطع لا يحتمل الجدل، هذا القائد لابد أن تتجسد فيه مجموعة من المثل والقيم التي تقوم عليها حياتهم، وقد عبر عن ذلك بالتصوير الكنائي حينا، وبالتعبير المباشر أحيانا. فرحب الذراع كناية عن طول القامة وسلامة البدن وصحته، لأن المريض أو الضعيف لا يصلح للقيادة، إذ لا يقدر على خوض المعارك ومواجهة الأعداء، كذلك قصير القامة لا يملأ العين، وقد يزدريه الناس، فهم يرون أن يكون القائد حسن السمت مهيب الطلعة، مديد القامة، فذلك مما يكسبه الاحترام، والتوقير، يقول حسان بن ثابت أنهم يسودون الشيخ الكهل المهيب الطلعة المتوج بجمال الوجه وجلال المنظر: نسود منا كل أشيب بارع ... أغر تراه بالجلال مكللا

стр. 178

أثر عمله في ديوان كسرى على صياغته الفنية ... ولذلك كانت دعوتهم أن يكون لحيما ضخم الهامة جهير الصوت إذا خطا أبعد، وإذا تؤمل ملأ العين١ وقوله: لا مترفا إن رخاء العيش ساعده..... كناية عن اعتداله واتزانه حال فقره وغناه، فقد اختط لنفسه خطة، ووضع نصب عينيه هدفا وهو الاهتمام بأمر قومه، لا يصرفه عنه غناه كما لا يؤثر فيه فقره، لأنه تحمل فيهم أمانة الريادة وشرف المسئولية، لذا فهو يضع مصلحتهم فوق كل اعتبار لا يثنيه عن ذلك ما يطرأ عليه من غنى وفقر، أو عسر ويسر وهو دائم اليقظة والاستعداد والترقب للقاء العدو، وكنى عن ذلك بقوله: لا يطعم النوم إلا ريث يبعثه ... هم..... كما أنه كثير التجارب والخبرة بشئون الحياة، صاحب دربة ومران، يلبس لك حالة لبوسها ويضع في حسبانه كل احتمالات الموقف، قد اشتد عوده وقويت عزيمته وأصبح قادرا على اتخاذ القرار في الوقت المناسب: حتى استمرت على شزر مريرته ... مستحكم الرأي لا قحما ولا ضرعا ومن التعبيرات المباشرة التي استخدمها في صفة القيادة بأمر الحرب مضطلعا يريد بذلك قدرته على القتال ومعرفته بأساليب الحرب

стр. 179

وفنونها ومنها تعنيه أموركم فالقائد الذي يكون على مستوى المسئولية هو الذي يضع نصب عينيه أمور قومه ولا يشغل عنها بمصلحته الشخصية، وقوله لا قحما ولا ضرعا أي ليس بالشيخ الفاني ولا الصغير الذي لم يحكم أمره فلا يقوى على تصريف شئون الحياة، وقوله ليس يشغله مال يثمره.... ولا ولد يبغي له الرفعا أي تفرغه التام لأمور القيادة والزعامة فلا يشغل بمال ولا ولد، وهما أهم ما يشغل به الإنسان إذ هما زينة الحياة. ويلاحظ أن الصفات التي خلعها الشاعر على القائد جاءت خالية من التشبيهات ومن الصور البيانية الفضفاضة التي تحتاج إلى التأنق وإدامة النظر، لأن الموقف لم يكن يسمح بمزيد من التدقيق في رسم الصور الفنية، ولذلك لجأ إلى سرد هذه الصفات فكانت إلى هذه الصور التقريرية. والقصيدة في جملتها تأخذ طابع التحذير والتنبيه كما يشير إلى ذلك قوله: ألا تخافون قوما لا أبا لكم ... أمسوا إليكم كأمثال الدبى سرعا

стр. 180

وقوله: فهم سراع إليكم بين ملتقط ... شوكا وآخر يجني الصاب والسلعا وقوله: في كل يوم يسنون الحراب لكم ... لا يهجعون إذا ما غافل هجعا ولعل تكرار أسلوب النداء على قومه، مع قافية العين المطلقة ما يعطي هذا الإحساس، وكأن الشاعر قد صعد على مكان عال وأشرف منه على قومه، ثم أخذ يصيح فيهم وينادي بأعلى صوته ليحذرهم مباغتة العدو. وبعد أن أفرغ الشاعر ما في نفسه وأفضى بكل ما لديه من نذر ونصائح صاغها من ذوب نفسه وفيض شعوره، وإحساسه بخطورة الموقف، فجاءت تقطر حبا وإخلاصا أحس بأنه قد أراح نفسه وأرضى ضميره، وأدى واجبه وعليهم وحدهم تقع تبعات الأمور: لقد بذلت لكم نصحي بلا دخل ... فاستيقظوا إن خير العلم ما نفعا هذا كتابي إليكم والنذير لكم ... لمن رأى رأيه منكم ومن سمعا
следующие страницы →