ونراه مرة أخرى يقول:
لا تثمروا المال للأعداء إنهم ... إن يظهروا يحتووكم والتلاد معا
فهو يختار من المؤثرات ما يهز القلوب لهذه الغفلة، وينتخب من المعاني ما يناسب الموقف ليلهب حماسهم ويبعث فيهم الحمية واليقظة:
يا قوم لا تأمنوا إن كنتم غيرا ... على نسائكم كسرى وما جمعا
ويؤكد تحذيره لهم ويقويه بأكثر من مؤكد، بالقسم في قوله: والله ما انفكت الأموال مذ أبد وبأن واسمية الجملة إن العدو بعظم منكم قرعا وفيها كناية لطيفة عن نذر الحرب ومقدماتها.
وتتجلى عاطفة الشاعر نحو قومه، عاطفة الحب والولاء في هذه النصائح المتكررة، وفي التحذير المصحوب بالدليل، لأنه يرى ما لا يرون، وفي النداء المتكرر بقوله يا قوم، مع إضافته لضمير المتكلم مما يوحي بحبه لهم وإشفاقه عليهم، نظرا لوشائج القربى وعلائق النسب الوثيقة التي تربطه بهم، وفي الاستفهام المتضمن معنى التمني في قوله: فمن رأى مثل ذا رأيا ومن سمعا يتمنى أن يروا جميعا مثل رأيه وأن تقرع كلماته أسماعهم وتجد طريقها إلى قلوبهم، ولعل في كل ذلك ما يدعوهم إلى الاستجابة لأن هذا النصح وذلك التحذير صادران من مخلص أمين يخفق قلبه بحبهم.
стр. 177
صفات القائد مستمدة من القيم التي تقوم عليها حياتهم
...
٥ وأخيرا يناشدهم الالتفاف حول رجل يجمع كلمتهم ويوحد صفوفهم ويحكم تسيير دفة الأمور في هذا الموقف، ويعمد هنا إلى الأسلوب التقريري الذي يقدم فيه رأيه بشكل قاطع لا يحتمل الجدل، هذا القائد لابد أن تتجسد فيه مجموعة من المثل والقيم التي تقوم عليها حياتهم، وقد عبر عن ذلك بالتصوير الكنائي حينا، وبالتعبير المباشر أحيانا.
فرحب الذراع كناية عن طول القامة وسلامة البدن وصحته، لأن المريض أو الضعيف لا يصلح للقيادة، إذ لا يقدر على خوض المعارك ومواجهة الأعداء، كذلك قصير القامة لا يملأ العين، وقد يزدريه الناس، فهم يرون أن يكون القائد حسن السمت مهيب الطلعة، مديد القامة، فذلك مما يكسبه الاحترام، والتوقير، يقول حسان بن ثابت أنهم يسودون الشيخ الكهل المهيب الطلعة المتوج بجمال الوجه وجلال المنظر:
نسود منا كل أشيب بارع ... أغر تراه بالجلال مكللا
стр. 178
أثر عمله في ديوان كسرى على صياغته الفنية
...
ولذلك كانت دعوتهم أن يكون لحيما ضخم الهامة جهير الصوت إذا خطا أبعد، وإذا تؤمل ملأ العين١
وقوله: لا مترفا إن رخاء العيش ساعده..... كناية عن اعتداله واتزانه حال فقره وغناه، فقد اختط لنفسه خطة، ووضع نصب عينيه هدفا وهو الاهتمام بأمر قومه، لا يصرفه عنه غناه كما لا يؤثر فيه فقره، لأنه تحمل فيهم أمانة الريادة وشرف المسئولية، لذا فهو يضع مصلحتهم فوق كل اعتبار لا يثنيه عن ذلك ما يطرأ عليه من غنى وفقر، أو عسر ويسر وهو دائم اليقظة والاستعداد والترقب للقاء العدو، وكنى عن ذلك بقوله:
لا يطعم النوم إلا ريث يبعثه ... هم.....
كما أنه كثير التجارب والخبرة بشئون الحياة، صاحب دربة ومران، يلبس لك حالة لبوسها ويضع في حسبانه كل احتمالات الموقف، قد اشتد عوده وقويت عزيمته وأصبح قادرا على اتخاذ القرار في الوقت المناسب:
حتى استمرت على شزر مريرته ... مستحكم الرأي لا قحما ولا ضرعا
ومن التعبيرات المباشرة التي استخدمها في صفة القيادة بأمر الحرب مضطلعا يريد بذلك قدرته على القتال ومعرفته بأساليب الحرب
стр. 179
وفنونها ومنها تعنيه أموركم فالقائد الذي يكون على مستوى المسئولية هو الذي يضع نصب عينيه أمور قومه ولا يشغل عنها بمصلحته الشخصية، وقوله لا قحما ولا ضرعا أي ليس بالشيخ الفاني ولا الصغير الذي لم يحكم أمره فلا يقوى على تصريف شئون الحياة، وقوله ليس يشغله مال يثمره.... ولا ولد يبغي له الرفعا أي تفرغه التام لأمور القيادة والزعامة فلا يشغل بمال ولا ولد، وهما أهم ما يشغل به الإنسان إذ هما زينة الحياة.
ويلاحظ أن الصفات التي خلعها الشاعر على القائد جاءت خالية من التشبيهات ومن الصور البيانية الفضفاضة التي تحتاج إلى التأنق وإدامة النظر، لأن الموقف لم يكن يسمح بمزيد من التدقيق في رسم الصور الفنية، ولذلك لجأ إلى سرد هذه الصفات فكانت إلى هذه الصور التقريرية.
والقصيدة في جملتها تأخذ طابع التحذير والتنبيه كما يشير إلى ذلك قوله:
ألا تخافون قوما لا أبا لكم ... أمسوا إليكم كأمثال الدبى سرعا
стр. 180
وقوله:
فهم سراع إليكم بين ملتقط ... شوكا وآخر يجني الصاب والسلعا
وقوله:
في كل يوم يسنون الحراب لكم ... لا يهجعون إذا ما غافل هجعا
ولعل تكرار أسلوب النداء على قومه، مع قافية العين المطلقة ما يعطي هذا الإحساس، وكأن الشاعر قد صعد على مكان عال وأشرف منه على قومه، ثم أخذ يصيح فيهم وينادي بأعلى صوته ليحذرهم مباغتة العدو.
وبعد أن أفرغ الشاعر ما في نفسه وأفضى بكل ما لديه من نذر ونصائح صاغها من ذوب نفسه وفيض شعوره، وإحساسه بخطورة الموقف، فجاءت تقطر حبا وإخلاصا أحس بأنه قد أراح نفسه وأرضى ضميره، وأدى واجبه وعليهم وحدهم تقع تبعات الأمور:
لقد بذلت لكم نصحي بلا دخل ... فاستيقظوا إن خير العلم ما نفعا
هذا كتابي إليكم والنذير لكم ... لمن رأى رأيه منكم ومن سمعا
стр. 181
سر مجيء القصيدة على بحر البسيط
...
تأملات في القصيدة
١ القصيدة جاءت من بحر البسيط ويجئ الشطر الواحد منه على وزن مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن وهذا الوزن الشعري يتلاءم مع عاطفة الشاعر، عاطفة الوله واللهفة على قومه، والخوف من المصير المحتوم الذي ينتظرهم بالإضافة إلى أنه يتميز برقته وعذوبته، ولذلك قل في أشعار الجاهليين وكثر عند المولدين، فإذا أضفنا إلى ذلك رويها الذي يتضافر معها ويتظاهر على أحداث هذا الرنين أدركنا أن الشاعر قد أصاب حظا من التوفيق، وكأن إيقاعات الألفاظ طبول تدق بنذر الحرب وتعلن أن ساعة الخطر قد حانت على نحو ما نجد في قوله:
قوموا قياما على أمشاط أرجلكم ... ثم افزعوا قد ينال الأمن من فزعا
وإشباع حرف الروي وهو العين يتلاءم مع تجربته الشعورية إذ أن إطلاق الصوت وعدم انحباسه نتيجة للإشباع يوحي بأن الشاعر يصرخ صرخات متتالية ليبلغ قومه هذا النذير.
٢ والقصيدة بعد ذلك نفثة شعرية ونغمة حزينة توحي بالوفاء لقومه وتنبئ بالإخلاص والمحبة، وتذكر الأخبار أن القصيدة حين وقعت في يد كسرى قطع لسانه وما كان ذلك ليثني الشاعر عن مهمته، أو يؤثر على ولائه لقومه، ذلك لأن ارتباط الشاعر بقضايا
стр. 182
قبيلته ومصيرها جعله يستهين بكل شيء حتى لو ضحى بعضو من أعضائه أو بحياته كلها.
وربما لجأ الشاعر إلى الحيلة وحسن التدبير ليصل نذيره لقومه حين يكون مغلوبا على أمره، كما فعل رجل من تميم كان أسيرا في حي من أحياء العرب، فعزم ذلك الحي على غزو قومه، فكتب إليهم معجما يدعوهم أن يتركوا أرض الدهناء، حتى يفوتوا على عدوهم فرصته ويأمرهم أن يعتصموا بالصمان، يقول:
خلوا عن الناقة الحمراء واقتعدوا ... العود الذي في جنابي ظهره وقع٢
إن الذئاب قد اخضرت براثنها ... والناس كلهم بكر إذا شبعوا٣
فقد أراد الشاعر بالناقة الحمراء أرض الدهناء وهي لبنى تميم وشبهها بالناقة لسهولة ركوبها والسير فيها، وباقتعاد العود ركوبه، وأراد به بلد الصمان، فحين وطئ وكثرت فيه الأقدام صوره بصورة البعير المسن الذي وضح في ظهره آثار الدبر. فهو يناشدهم أن يعتصموا بأرض الصمان، ويمتنعوا بها فالسير فيها عسير لوعورتها، لذا يشق على خيلهم أن تطأها، أما الدهناء فهي ممكنة، ثم صور القوم الذين يغيرون عليهم بالذئاب لغدرهم وحرصهم على أن يصادفوا منهم غرة، فالأرض إذا أخصبت واخضرَّت وكثر العشب فيها شبع الناس، فساعدهم ذلك على الإغارة، فعداوة هؤلاء بكر بن وائل، فما كان من قومه إلا أن أطاعوا دعوته ووعوا تحذيره وانتقلوا إلى حيث يطيب لهم المقام.
فالشاعر ما كان لينسى قومه أو يضن عليهم بالنصح والتحذير حتى وهو فاقد حريته يرسف في أغلاله ويعاني مرارة الأسر وذل القيد.
стр. 183
نماذج من القوة المادية والمعنوية في القصيدة
...
٣ وقد كان لقيط عالما بفنون الحرب خبيرا بشئون القتال، وما يتطلبه من إعداد العدة وتدريب الجنود، والخيل عندهم من أفضل وسائل القتال وأهمها ولذلك يلح عليها لقيط حين يستنفر قومه لعدوهم، ومن أدوات القتال التي أشار إليها السيوف والرماح والقسي واجلوا سيوفكم وجددوا للقسي النبل والشرعا ومنها إرسال الرسل وبعث العيون للتجسس ومعرفة أخبار العدو أذكوا العيون وراء السرح.
وإذا كانت هذه نماذج من ضروب القوة المادية، فإنه لم يهمل القوة المعنوية التي تتمثل في التحلي بالصبر والتجمل به إلى حد أن
стр. 184
يتخذوه شعارا ولباسا لا يزايلهم، ولا شك أن الصبر على أهوال القتال وقوة التحمل عاملان مهمان في تحقيق الغلبة والنصر.
وتتمثل هذه القوة أيضا -كما أشار إليها- في جمع الكلمة ووحدة الصف ونبذ الخلاف وكل ذلك مما يساعد على تحقيق الهدف ولا يدع بعضكم بعضا لنائبه.
وقد ذكر لقيط من صفات القدياة والزعامة مالم يقع عليه شاعر قلبه ولا بعده وإذا كان بعض الشعراء قد تناول طرفا من هذه الصفات وذكرها في شعره إلا أنه لم يذكرها بهذا الاستقصاء وذاك العمق والشمول.
فممن أشار إلى صفات القيادة وذكر طرفا منها، طرفة بن العبد حين يقول:
أجدر الناس برأس صلدم ... حازم الأمر, شجاعٌ في الوغم
كاملٌ, يحمل آلام الفتى ... نبهٌ, سيد ساداتٍ, خضم
فقد ذكر منها قوة الإرادة والشجاعة عند مواجهة الخطوب، ورجاحة العقل وحصافة الرأي.
كما أشار حسان بن ثابت إلى بعض صفات القيادة في قوله:
стр. 185
وأنا لقوم ما نسوِّد غادرا ... ولا ناكلا عند الحمالة زملا
ولا مانعا للمال فيها ينوبه ... ولا عاجزا في الحرب جبسا مغفلا
ومرة أخرى يشير إلى أن المروءة من لوازم السيادة، وإن كان صاحبها قليل المال:
نسود ذا المال القليل إذا بدت ... مروءته فينا وإن كان معدما
كذلك لم يلحق بلقيط الأفوه الأودي حين تناول جانب القيادة، وبين حاجة المجتمع إليها وقد عرض هذا الأمر بأسلوب جذاب لجأ فيه إلى التشخيص والتجسيد، يقول١:
والبيت لا يبتنى إلا له عمد ... ولا عماد إذا لم ترس أوتاد
فإن تجمع أوتاد وأعمدة ... وساكن, بلغوا الأمر الذي كادوا
стр. 186
تلفى الأمور بأهل الرشد ما صلحت ... فإن تولوا فبالأشرار تنقاد
إذا تولوا سراة القوم أمرهم ... نما على ذاك أمر القوم فازدادوا
أمارة الغي أن تلقى الجميع لدى ... الإبرام للأمر والأذناب أكتاد
فغير لقيط من الشعراء أشار إلى بعض صفات القيادة ولكن لم يلم بأطرافها كما فعل شاعرنا مما يدل على تأثره بالبيئة الفارسية وبنظام الفرس في التنظيم والقيادة:
стр. 187
القصيدة ذات موضع واحد, والمقدمة ليست بعيدة عن غرضها الأصلي
...
٤ والقصيدة ذات موضوع واحد مترابط يسلم بعض أجزائها لبعض، فليس استطراد أو خروج على الغرض الأصلي إلى غيره من الأغراض الأخرى شأن غالبية الشعر الجاهلي، فالشاعر ينذر قومه بالخطر الذي يتهددهم ويخوفهم من غزو كسرى، ثم يصور حالهم وما هم عليه من الغفلة ليستحثهم على مواجهة العدو، وفي النهاية يتحدث عن صفة القيادة والقائد الذي يعتمدون عليه.
على أن مقدمة القصيدة لم تكن بعيدة عن غرضها الأصلي، وإنما ضمنها الشاعر-كما تقدم- مشاعر الحزن الذي يجلل معظم أبيات القصيدة فحزنه لفراق حبيبته شبيه بالحزن الذي يستبد به من جراء غفلة قومه عن الخطر فالمقدمة إذن تتصل برحم ماسة بالغرض العام الذي خلصت له القصيدة.
стр. 188
سر الاقتصاد في الصور الخيالية
...
فالشاعر أحسن اختيار أفكاره ومعانيه، ووفق في التعبير عنها تعبيرا يشهد له بالبراعة والتفوق، وأنه أوتي حظا من دقة الحس ورهافة الشعور وصدق التجربة.
على أن الشاعر لم يلجأ إلى الإفراط في الصور الخيالية وإنما نجده يقتصد في استعمالها لأنه مشغول بهول الموقف وخطورته، عن التألق في الصياغة والبراعة في الأداء.
ويرى بعض الباحثين أن عملية الإبداع في رسم الصور الفنية تكاد تكون مسألة ثانوية في هذه القصيدة، أو الرسالة التي أراد أن يبعث بها إلى قومه، ثم إن عمله في ديوان كسرى أثر على صياغته الشعرية، فهي صياغة تخاطب العقل وتستثير العاطفة.١
ومع ذلك لم تخل القصيدة من الصور الفطرية المتنوعة التي تجئ عفو الخاطر ونلمح فيها أثر الطبع، مما يكشف عن حس شاعر وذوق فنان وتمكن من العبارة واقتدار على التصوير والتمثيل، وكانت الصور التي أتى بها قوية التأثير، وسر قوتها أنه يستمدها من البيئة المألوفة له ولمن حوله، وأنه يراعي فيها الدقة والإحكام حتى تؤدي المعنى كما يحس به، وكما يريد أن ينقله إلى إحساس السامعين،
стр. 189
كتصوير حال قومه في انشغالهم بالزراعة وإعجابهم بها بينما هم غافلون عما ينتظرهم بحال السفينة التي تسير في مجراها حينا، ثم تجف عنها المياه، ويعترض طريقها من العقبات ما يحول بينها وبين إتمام مسيرتها، والتصوير يوحي بتغير حالهم وتبدلها، وهذا ما يدعوهم إلى اليقظة والانتباه.
وتصوير الأعداء بالنمل للإيحاء بكثرة عدد الفرس وأنه يفوق الحصر، كما يوحي هذا التشبيه بدأبهم وحرصهم على تحقيق غايتهم وهو النصر لأن النمل لا يعرف الكسل، ولا يتطرق إليه اليأس مهما صادفه من عقبات حتى يصل إلى تحقيق هدفه، ولابد أن تكون هذه المعاني ماثلة في ذهن الشاعر وهو يعقد المقارنة بين عدوهم وبين طوائف النمل المختلفة.
ويلقانا في الجزء من القصيدة -الخاص بإنذار قومه- مجموعة من الكنايات الفطرية التي وقعت موقعها، والتي انتخبها انتخابا لتعبر عما يجيش بنفسه من تصوير قوة العدو ومدى استعداده، وهي قوله: بين ملتقط شوكا وآخر يجني الصاب والسلعا فالتقاطهم للشوك وجنيهم الصاب والسلع كناية عن إعدادهم العدة وحملهم جميعا للسلاح، وفيه إيحاء بتنوع هذا السلاح وكثرته وقوله: يسنون الحراب كناية عن التهيؤ التام والاستعداد النشط، وقرب ساعة اللقاء، وقوله لا يهجعون كناية عن الاستعداد ومواصلة التدريب وتمام الحيطة والحذر.
стр. 190
وأخيرا يرسم للعدو صورة مخيفة يستحث بها قومه أن يتدبروا أمرهم ويأخذوا حذرهم لأنهم أمام عدو يفوق قدرتهم، وقد نجح الشاعر في أن يرسم مجموعة من الصور حين صور بريق عيونهم ولمعانها بالنار المشتعلة في غاب وذلك مما يضاعف من ضراوتها ويزيد في اتقادها واتساع رقعتها ومن أجل ذلك يشتد ضوؤها ويعلو لهبها، فيتطاير منه الشرر وقطع اللهب، فتقضي على ما حولها وتأكل الأخضر واليابس وهي موحية بمدى ما يتملكم من الغيظ وما تنطوي عليه صدورهم من الحقد والغضب.
وهذه الصور تتآزر جميعا وتتكاتف لغاية واحدة هي إيقاظ قومه وتذكيرهم بقوة عدوهم ليأخذوا حذرهم قبل أن يفجأهم فيصبحوا أمام الأمر الواقع.
ولا يؤخذ على الشاعر أنه بالغ في قوة خصمه، مما قد يؤثر على روحهم المعنوية، لأن الشاعر أراد أن يجسد لهم قوة العدو، ويتفنن في إبرازها بصور مختلفة على هذا التخويف وذاك التحذير يجد آذانا صاغية وقلوبا واعية، تقدر الموقف وتعي حجم الخطر، وتتصرف في ضوء هذا الوعي ولهذا عد من شعراء المصنفات، فهو لم يرد تمجيد الخصم أو التهويل من شأنه، وإنما أراد أن يضعهم على درجة من اليقظة والاستعداد بحيث يأمنون معها غدرعدوهم، وحين يتحدث عن غفلة قومه يلجأ إلى التصوير فيجسد الأمن ويشخصه، ويخلع ثوبه عليهم للدلالة على ما هم عليهم من الغفلة وعدم المبالاة فهم قد
стр. 191
تردوا برداء الأمن وتزيوا بثيابه، وتسعفه اللغة في الإلحاح على هذه الفكرة وتقويتها حيث يقارن بين موقف قومه وموقف عدوهم، لا تفزعون وهذا الليث قد فزعا.
وفي قوله قد أظلكم هول له ظلم خيال رائع مبدع حيث صور الهول الذي يحلقهم من عدوهم إن توانوا في مواجهته بالسحابة الكثيفة المظلمة التي تملأ الافق فتظلهم وتحيط بهم، والتعبير بقوله أظلكم يوحي بقرب خطر العدو، وأحيانا يصورهم بالنيام، مالي أراكم نياما في بلهنية للدلالة على الأمن والطمأنينة اللذين يغشيانهم، لأن الخائف والمهموم لا تكتحل عينه بالنوم.
وحين يستنفر قومه يرسم لهم خطة اللقاء وطريق المواجهة يلجأ إلى التصوير أيضا في قوله: استشعروا الصبر فهو يريد أن يحث قومه على الصبر ليجعلوه طبيعة لهم في جل أمورهم ولا سيما عند اللقاء، فيصور الصبر بشعار يلي الجسد ويأمرهم أن يتزيوا به وتأتي الصورة المقابلة لتؤكد المعنى لا تستشعروا الجزعا.
وفي قوله: ماذا يرد عليكم عز أولكم تصوير فالشاعر حين رأى غفلتهم وتوانيهم عن مواجهة عدوهم، تصور أنهم يعتمدون على مجدهم وماضيهم الزاهر فصور هذا الإرث العتيد بشخص يعجز عن أن يرد عليهم ما سلب منهم، إن هم قصروا في حمايته وتوانوا في الدفاع عنه.
стр. 192
وفي أثناء عرضه لصفات القيادة ترد بعض الصور الموحية، كقوله يعبر عن صلابة القائد وصموده أمام كوارث الدهر ونوازله: ولا إذا عض مكروه به خشعا حيث صور المكروه بالسبع الضاري، وفيه إيحاء بقسوة الحوادث وشدتها.
وقوله: يحلب الدهر أشطره، حيث شبه الدهر بحيوان يمري ويحلب، وإذا كان الحالب يستنفد كل ما في الضرع من لبن، فإن القائد قد وعي كل ما في الدهر من خير وشر وعسر ويسر، وفي هذا إيحاء بعظم دربته وخبرته العريضة بشئون الحياة، وغير ذلك من الصور الأخرى التي وردت في ثنايا القصيدة:
والتصوير في جملته قريب المنال، لا يحتاج إلى قدح الذهن وإعمال الفكر وذلك راجع إلى المشاهد الحسية التي انتزع منها الشاعر صوره على الرغم من تلوين التصوير وتنوع مسالكه.
وتأتي الأصباغ البديعية بصورة محدودة لأن الشاعر وهو مهموم ومشغول بأمر قومه ما كان يعنيه أن يوشي شعره بهذا الضرب من البديع، وإن كنا نجد هذا اللون بين الحين والحين كالجناس في قوله: يكون متبعا طورا ومتبعا والطباق في قوله: لا يهجعون ... وهجعا, الصبر والجزعا, أموركم شتى وأحكم أمر الناس, أراهم ... لا أبينهم, ومراعاة النظير في قوله: الهم والأحزان والوجعا, ولا عاجز نكسا ولا ورعا.
стр. 193
لقد كان لقيط متأثرا بموضوعه مخلصا لقومه صادقا في تحذيرهم وإثارتهم وقد استطاع أن ينسج أحاسيسه ويصوغ مشاعره، ويعكس انفعالاته، مما كان له أثر في قوة العاطفة التي كان لها أثرها في إظهار التجربة الشعرية حية وصادقة كما كان لها تأثيرها في إظهار الخيال المبدع والمؤثر في النفوس.
والنص بعد ذلك يلقي ظلالا كاشفة على علاقة العرب بالفرس في فترة من الفترات التي ساءت فيها العلاقة بينهما، وقد أعد الفرس عدتهم للقضاء على إياد، وفيه إشارت واضحة للدلالة على قوة الفرس واستعدادهم العسكري، واهتمام إياد بالزرع وتربية الأبل، وأن ذلك كان شغلهم الشاغل.
وتعد هذه القصيدة أطول ما قيل من شعر لقيط الذي لم يصلنا منه غير هذه القصيدة، وبعض الأبيات الدالية التي صدرنا بها هذا التحليل ولا يعقل أن يكون هذا كل ما قاله الشاعر لأنها تنبئ عن ملكة فذة وعبقرية نادرة، وقدرة على الصياغة الفنية التي تتيح له القول في كل فن، ومن هنا كنا نجزم بأن شعره قد ضاع ولم يبق منه إلا هذا القدر اليسير.
стр. 194
تأثر بعينية لقيط
...
وقد تأثر الشعراء بديدنية لقيط، فمنهم من تجد له بيتا فيه نفس لقيط، ومنهم من تجد له قصيدة تسمع من أولها صوته من التحريض والإغراء، والإثارة والتهيج، فهذا كعب بن زهير يقول:١
لا يفرحون إذا نالت رماحهم ... قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا
ويقول حسان بن ثابت٢:
لا فخر إن هم أصابوا من عدوهم ... وإن أصيبوا فلا خور ولا جزع
وقال كثير غزة يمدح عبد العزيز بن مروان:
هو المرء لا يبدي أسىً من مصيبة ... ولا فرحا يوما إذا النفس سرتِ
والأصل في هذا قول لقيط:
لا مترفا إن رخاء العيش ساعده ... ولا إذا عض مكروه به خشعا
стр. 195
طرفة بن العبد في رؤيته للحياة والموت من خلال معلقته
لمحة عن الشاعر
...
طرفة بن العبد:
طرفة هو عمرو بن العبد بن سفيان يمتد نسبه إلى بكر بن وائل ليصله إلى ربيعة فهو واحد من شعراء ربيعة١, وطرفة بالتحريك لقبه وهي واحدة الطرفاء ضرب من الشجر، والعرب تسمى أبناءها بما غلظ وخشن من الشجر تفاؤلا، نحو طلحة وسمرة وقتادة كما تسمى بأسماء الحيوان وخاصة ما يستنكره منها كأسد وحنظلة وحرب وعلقمة لأنها تشعر بالشدة والقوة لدى سامعيها، بينما يسمون عبيدهم بما يستحب كرباح وأيمن، وذلك لأنها سمت أبناءها لأعدائها وسمت عبيدها لأنفسها٢ وطرفة من أسرة شاعرة نبغ فيها أكثر من شاعر فخاله المتلمس الضبعي وأخته الخرنق شاعرة ومن أسرته الحارث بن حلزة صاحب المعلقة والمرقش الأصغر والمرقش الأكبر، فالأصغر عم طرفة، والأكبر عم الأصغر فورث بذلك الموهبة الفنية كما يرث الناس المال أو الشرف.
وطرفة صاحب شخصية واضحة في شعره وصاحب مذهب واضح في حياته، فهو داعية من دعاة اللهو واللذة، جمع إلى فتوة الشباب وطيشه حكمة الشيوخ وتفكيرهم.
كان أبوه شابا قويا ظاهر الفتوة والجرأة، مات وطرفة طفل صغير وقد ترك غير طرفة ابنا آخر اسمه معبد ورد ذكره في معلقة طرفة:
стр. 196
إذا مت فانعيني بما أنا أهله ... وشقي علي الجيب يا ابنة معبد
وأم طرفة تسمى وردة ورد ذكرها في شعره يقول:
ما تنظرون بحق وردة فيكم ... صغر البنون ورهط وردة غيب
وكان طرفة وقومه يعيشون في البحرين وكانت خاضعة للحيرة، والحيرة يومئذ ملتقى الأفكار والديانات والمذاهب المختلفة، والنصرانية منتشرة فيها، فلا بد أن يكون لكل هذه العوامل أثر في عقلية أبنائها وتفكيرهم في الحياة وفي تفكير وعقلية شاعرنا بوجه خاص، فوجئ طرفة وهو صغير بوفاة والده فكان لذلك أثره البالغ في نفسه فكلفه أعمامه وقاموا بواجب تربيته وبعثت بيئته وحياته ووراثته مواهب الشاعرية في نفسه فنظم الشعر وهو صغير، كما كان ليتمه أثره الواضح فشب متوقد الذهن مضطرم الشعور حاد العاطفة سريع التأثر والغضب، يفزع إلى هجاء من يشعر منه بتقصير نحوه كذلك كان لحسبه ومجد قومه أثره في اعتزازه بنفسه وتمجيده لشخصيته فيذهب إلى حوانيت الخمر يشربها مع نداماه وأصدقاء لهوه، فأخذ أهله يلومونه وينصحونه ويعاتبونه حتى ضاق بهم وسار متنقلا بين القائل.
стр. 197
فمضى يطوف في أرض الجزيرة لا يستقر في مكان، حيث ذهب إلى اليمن، ثم رحل إلى النجاشي في الحبشة، ولما أفزعته الغربة وأشتد حنينه إلى بلده, عاد إلى الوطن الذي هجره فأمده أخوه معبد من ماله، ولكنه أتلفه في لذاته ولهوه.
أخيرا قصد عمرو بن هند ملك الحيرة أملا في اصطلاح حاله، وفد عليه مع خاله المتلمس فأحسن وفادتهما لكنه ما لبث أن تطاول على عمرو بن هند وأخيه قابوس فهجاهما حيث قال:
فليت لنا مكان الملك عمرو ... رغوثا حول قبتنا تدور
لعمرك أن قابوس بن عمرو ... ليخلط ملكه نوك كثير
وقد نقل أهاجي طرفة ابن عمه عبد عمرو، فأثار ذلك حفيظة الملك عليه، وحمله رسالة إلى عامله بالبحرين يأمره بقتل طرفة، ولم يدر طرفة ما بداخل الصحيفة حتى وصل إلى عامل البحرين فدفع إليه كتاب عمرو، وتقول بعض الراويات أنه حين قرأ الكتاب وعرف أن طرفة مقتول، قال له اختر لنفسك ميتة، قال طرفه إن كان ولا بد فاسقني الخمر وافصدني، ففعل به ذلك فما زال ينزف دمه حتى مات، وكان سنه إذ ذاك خمسا وعشرين سنة أوستا وعشرين على اختلاف الروايات، إذ تقول أخته الخرنق تبكيه:
стр. 198
عددنا له ستًّا وعشرين حجةً ... فلما توفاها استوى سيدا ضخما
وليت شعري ماذا كنا ننتظر من هذا الشاعر الشاب لو قدر له أن يعيش طويلا، وقد تفتحت شاعريته هذا التفتح المبكر في تلك السن المبكرة التي عاجله الموت فيها؟
وقد عده ابن سلام في قمة الطبقة الرابعة طرفة بن العبد، وعبيد بن الأبرص، وعلقمة بن عبدة، وعدى بن زيد، وقال عن طرفة: أما طرفة فأشعر الناس واحدة، وهي قوله١:
لخولة أطلالٌ ببرقة ثمهد ... تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
وشهد له بذلك ابن قتيبة في كتاب الشعر والشعراء قيل للبيد ابن ربيعة: من أشهر العرب؟ فقال: الملك الضليل، قيل: ثم من؟ قال: ابن العشرين، قيل: ثم من؟ قال: الشيخ أبو عقيل يعني بذلك نفسه.
стр. 199
عرض النص الفخر الجاهلي:
إذا القوم قالوا: من فتى؟ خلت أنني ... عنيت فلم أكسل ولم أتبلد
ولست بحلال التلاع مخافة ... ولكن متى يسترفد القوم أرفد
فإن تبغني في حلقة القوم تلقني ... وإن تقتنصي في الحوانيت تصطد
وإن يلتق الحي الجميع تلاقني ... إلى ذروة البيت الرفيع المصمد
متى تأتني أصبحك كأسا رويَّةً ... وإن كنت عنها ذا غني فاغن وازدد
شرح المفردات:
٢ حلال: مبالغة من الحلول وهو النزول بالمكان، وفي رواية بمحلال التلاع: جمع تلعة وهي مجاري المياه من رؤس الجبال إلى
стр. 200
الأودية، يسترفد: يطلب الرفد وهو العطاء، أرفد: أعطيهم ولا أبخل عليهم.
٣ حلقة القوم: حيث يجتمعون ويتحلقون، الحوانيت: جمع حانوت وهو بيت الخمار، تصطد: تعثر على وتقتنصني.
٤ المصمَّد: الذي يعتمد عليه الناس لشرفه أي يقصدونه في حوائجهم.
٥ أصبحك: أسقك الصبوح وهو شراب الغداة، والغبوق شراب العشى، والقيل شراب نصف النهار، والكأس، مؤنثة: قال ابن الأعرابي: ولا تسمى الكأس كأسا إلا وفيها الشراب، فإن لم يكن فيها شراب سميت قدحا ...
وكأسا روية: مشبعة فهن تروي وتشبع الري فيمن يشربها، غانيا: مستغنيا.
نداماي بيض كالنجوم وقينة ... تروح علينا بين برد ومجسد
إذا نحن قلنا: أسمعينا انبرت لنا ... على رسلها مطروقة لم تشدد
إذا رجعت في صوتها خلت صوتها ... تجاوب أظآر على ربع ردي
стр. 201
شرح المفردات
٦- الندامى والندام: الأصحاب واحدها ندمان، ويطلق على المشارب أي المشارك في الشراب، كما يطلق على المصاحب والمحادث وأن لم يكونا على شراب.
ومنه ندمان جذيمة اللذان اتياه بإبن أخته، فسالاه يكونا في سمره ثم وجد عليهما فقتلهما، وكنى بالبيض عن الإشراف، والتشبيه بالنجوم في الشهرة وعلو المنزلة أي أنهم أعلام.
والقينة: الجاراية مغنية كانت أو غير مغنية قال زهير بن أبي سلميى:
رد القيان جمال الحي فانصرفوا ... إلى الظهيرة أمر بينهم لبك
والعرب تقول لكل من يصنع بيديه قين، ومنه قيل للحداد قين.
المجسد: الثوب المصبوغ بالزعفران، أو هو الثوب الذي يلي الجسد ويسمى بالشعار.
٧- اسمعينا: غنينا، انبرت: أعترضت، على رسلها: على هيئتها أي ترنمت في رفق، مطروفة: ساكنة الطرف فاترته، وتكسر الطرف من محاسن المرأة ولذلك قيل:
ضعيفة كر الطرف تحسب انها ... قريبة عهد بالإفاقة من سقم
стр. 202
وقيل معنى مطروفة: كأنها أصابت عينها طرفة من فتورها، قال المخبل السعدي:
وإذا ألم خيال طرفت ... عيني فماء شئونها سجم
او أن المطروفة التي طرفت وتطمح بعينها إلى الرجال، لم تشدد: لم ترفع صوتها، أولم تعنف فيه.
٨- الترجيع: ترديد الصوت وتغريده، الاظآر: جمع ظئر وهي التي ترضع ولد غيرها من النساء والمقصود هنا الناقة الحانية على ولدها الذي فقدته قبل فطامه. الربع من الإبل: أول نتائج الناقة في زمن الربيع، ردى: هالك.
ومازال تشر أبي الخمور ولذئي ... ويبعي وانفاقي طريفي ومتلدي
إلى أن تحامتني العشيرة كلها ... وافردت افراد البعير المعبد
رأيت بني غبرا لا ينكرونني ... ولا أهل هذاك الطراف الممدد
стр. 203
شرح المفردات
٩تشراب: تفعال بفتح التاء من الشراب وهو يفيد الكثرة، والشرب للقلة والكثرة، الطريف والطارف، ما استحدثه الرجل واكتسبه، والمتلد والتالد والتليد: ما ورثه عن آبائه، يقال: مال تالد وطريف، ومجد تالد وطريف، وحب تالد وطريف، قال جميل بن معمر:
وقد كان حبيكم طريفا وتالدا ... وما الحب إلا طارف وتليد
١٠ تحامتني: تركتني وتخلت عني، عشيرة الرجل: أهل بيته ومن يخالطونهم, البعير المعبد: المهنوء الذي طلي بالقار، وأبعد عن رفاقه حتى لا تمتد العدوى منه إلى غيره.
١١ الغبراء: صفة للأرض، وبنو الغبراء: الفقراء والأضياف، فهم لشدة فقرهم ينسبون للأرض، الطراف: قبة من أدم يتخذها المياسير والأغنياء الممدد: الذي مد بالأطئاب على نحو يوحي بالعظمة والفخامة.
стр. 204
التحليل
استهل الشاعر هذه الأبيات مفاخرا بنخوته على عادة الجاهليين فهو يقول: إذا تساءل القوم عن فتى يدفع عنهم الملمات ويكفيهم أمورهم ظننت أني أنا المعني بذلك وكنت عند حسن ظنهم، فأتقدم لأحمل عنهم ما نابهم وأدفع عنهم ما ألم بهم دون تقاعس أوكسل، وهذا هو مقياس الخلق الكريم في تلك البيئة العربية الصحيحة التي يهب فيها العربي نفسه لقومه، ويوقف حياته على قبيلته، وفي هذا تصوير لمكانة الشاعر ومنزلته بينهم، ثم أخذ في الحديث عن صفاته النفسية فيقول: إنني لست ممن يحاول التستر والتخفي عن أعين الناس فأنزل في الأماكن التي لا يراني فيها أحد، مخافة حلول الأضياف أو غزو الأعداء ولكن مكاني معروف لكل من يستمد منى العون أو يطلب المساعدة.
وطرفة رجل يعرف مقامه من الجد ومكانه من المتعة واللهو، وإن طلبته في مجتمع القوم وناديتهم وجدته حيث إجالة الرأي والمشورة، وإن طلبته في الحوانيت وجدته هناك يشرب ويسقي غيره فهو يجمع بين الجد واللهو والسكر والإفاقة، فإذا حدث وجئته في الحانوت سقاك كأسا من كئوس الصباح ترويك وتنقع غلتك وتذهب ظمأك وإن كنت متسغنينا عنها بما عندك من الشراب فازدد بها غنى.
стр. 205
وربما لا تجد غناء في هذه الشطرة:
وإن كنت عنها غانيا فاغن وازدد
إلا إذا قلنا أن الشاعر تسيطر عليه روح المرح والدعابة في قوله هذا، فكأنه يقول لمن يقدم له كأس الصبوح وهو في غنى عنه، اشرب وازدد غنى. فزيادة الخير خيران وفي ذكره الاقتناص والاصطياد ما يؤكد سريان هذه الروح.
ثم يؤكد على مكانته في قومه شأن الشعراء الجاهلين الذين يتعزون بأنسابهم، فإذا اجتمع الناس للمباهاة والمفاخرة وذكر معاني الشرف والمجد وجدتني أنتسب إلى أرفع بيوتهم مجدا وأعلاقهم شرفا فأنا مقصود كل طالب وملاذ كل لاجئ.
وإن أردت أن تقف على حقيقة معدنه وصفاء جوهره فسل عن خلطائه وجلسائه, فنداماه من ذوي المكانة وأولى الوجاهة، فهم ذائعو الشهرة كالنجوم في تألقها وعلو مكانتها، تروح عليهم مغنية تتبختر في مشيتها تجيئهم وعليها البرد والمجسد أو تجيئهم مرة عليها البرد وأخرى عليها المجسد.
فإذا طلبنا منها الغناء لم تمتنع علينا، بل انبرت وأخذت في الغناء في هدوء وتؤدة وهي تمشي على هيئتها وطبيعتها غير مسرعة، كما أنها تكون فاترة الطرف مريضة اللحظ، أو أنها تغني على سجيتها وكأنها لا تغني لسكون أعضائها.
стр. 206
وإذا رجعت في صوتها خيل إليك أنك تسمع أصوات نوق أخذها الحنين على ولدها الرضيع الذي هلك، فصوتها في رقته يشبه أصوات النوادب والنوائح على صبي هالك.
ومما يثير الانتباه في هذا البيت:
إذا رجعت في صوتها خلت صوتها ... تجاوب أظآر على ربع ردي
إن الشاعر وهو يصور مجلس لهوه وساعة أنسه هو ورفاقه بهذه الجارية التي لا تمتنع عليهم تتهادى وتتبختر في مشيتها وتشجيهم بصوتها الندي وعينها الناعسة يصور صوتها بصوت مجموعة من النوق تبكي وتنوح على ولدها الهالك.
ويمكن تفسير هذه الظاهرة، بأن غريزة حب الحياة والإقبال عليها والتعلق بها تولد في الإنسان الإحساس بالخوف من الموت الذي يؤدي إلى الحرمان من هذه الحياة بكل ما فيها من متع وبهرج وزينة، وظهور مثل هذا الإحساس يدل على تعلق الإنسان بالحياة، وأسفه على أنه سيحرم منها يوما ما، فلا عجب أن يشعر وهو في أحلى ساعات عمره بإحساس المرارة والألم، لأنه يخشى لحظة الحرمان.١
وقد صدق إحساس طرفة، فقد اختطفه الموت وانتهت حياته وهو في ميعة الصبا وعنفوان الشباب.
стр. 207
بعدئذٍ ينصرف الشاعر إلى نفسه، فيتحدث عن متعه ولهوه، وما جره ذلك عليه، فقد أسرف في معاقرة الخمر واحتساء كؤوسها فجعلها لذته الكبرى، وأخذ يشرب شربًا مبالغًا فيه، مبددًا في سبيل ذلك أمواله كلها، ما ورثه عن آبائه وأجداده وما استحدثه من مال ومتاع حتى ازور عنه أبناء عشيرته فقاطعوه ونبذوه وأفردوه كما يفرد البعير المصاب ويبعد عن رفاقه حتى لا تتسرب عدواه إليهم وفي هذا دليل على أن العكوف على اللهو ودوام مصاحبة الدَّنِّ، وإنفاق المال وراء المتع واللذات، لم يكن عرفًا عامًا، ولم يكن هو الخلق الذي يحرص عليه المجتمع الجاهلي، لأنه كان يقدر خطر هذه المفاسد وخصوصًا إذا أدت إلى إتلاف المال، فقد نبذ المجتمع طرفة، وأعلن عن غضبته عليه حيال هذا السلوك المشين.
وعلى كلٍ إذا أنكره قومه وتجهمت له عشيرته فإن غيرهم من الفقراء والأضياف يبشون له ويهشون لإحسانه إليهم وسخائه عليهم، كذلك يقدره الأغنياء لأنه كان يجالسهم وينادمهم والشاعر بذلك يصر على موقفه من اللذة ولا يبالي بتجنب قومه واعتزالهم إياه وإنما يؤكد ذاته ويستمرئ سلوكه.
стр. 208
اللذات الثلاث
ألا أيهذا اللائمي أشهد الوغى ... وأن أحضر اللذات هل أنت مخلدي
١٢ اللائم واللاحي والزاجر كلها بمعنى واحد، الوغى: الصوت والجلبة، وكنى به عن الحرب، وقد روي الزاجري بدل اللائمي وروي أيضا ألا أيها اللاحي أن أحضر الوغى والنصب على إضمار أن في الروايتين وروي بالرفع بعد حذف أن، ومثله قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ ١ أو يعرب أحضر جملة حالية، وأن أشهد معطوف على المعنى.
فإن كنت لا تسطيع دفع منيتي ... فدعني أبادرها بما ملكت يدي
ولولا ثلاث هن من لذة الفتى ... وجدك لم أحفل متى قام عودي
فمنهن سبقي العاذلات بشربة ... كميت متى ما تعل بالماء تزيد
стр. 209
وكري إذا نادى المضاف محنبا ... كسيد الغضا نبهته المتورد
١٣ تسطيع: محذوف التاء للتخفيف، أبادرها: أعاجلها والضمير عائد إلى اللذات، أي دعني أحصل على اللذات بإنفاق مالي، أو عائد إلى المنية، أي دعني أعاجل منيتي بإنفاق مالي قبل أن يدركني الفناء.
١٤ ولولا ثلاث: يقصد ثلاث خصال، الجد: الحق أو النفس وقيل معناه، وأبيك، أحفل: أبالي، العود: جمع عائد وهو من يزور في المرض عند الموت.
١٥ سبقي العاذلات: أي شربي الخمر باكرا قبل أن ينتبهن فيلمنني، الكميت من الخمر: التي تضرب إلى السواد، وأصل الوصف للخيل، تعل بالماء: يصب عليهما وتمزج به، تزبد: يكون لها زبد لأنها عتيقة، أي يظهر لها رغوة على وجهها.
١٦ كري: الكر خلاف الفر: المضاف: الخائف الذي أضافته الهموم والأحزان، المحنب: الفرس الذي في يديه احدوداب وليس بالاعوجاج الشديد، وهو من أوصاف الشدة في الخيل. السيد: الذئاب، واحد الأسياد، ويجمع السيد على سادة وسيائد، الغضا: الشجر الملتف الكثيف، وذئابه أخبث الذئاب، نبهته: هيجته وزجرته، المتورد: الذي يطلب أن يرد الماء.
стр. 210
وتقصير يوم الدجن والدجن معجب ... ببهكنة تحت الطراف المعمد
كأن البرين والدماليج علقت ... على عشر أو خروع لم يخصد
كريم يروِّي نفسه في حياته ... مخافة شرب في الممات مصرد
فذرني أروِّي هامتي في حياتها ... ستعلم إن متنا غدا أينا الصدى
أرى قبر نحام بخيل بماله ... كقبر غوي في البطالة مفسد
ترى جثوتين من تراب عليهما ... صفائح صم من صفيح منضد
٢٢ ١٧ تقصير اليوم: جعله قصيرا، الدجن: الندى والمطر، أو الغميم يكسو آفاق السماء وإن لم يكن مطر، البهكنة: المرأة الحسنة الخلق الخفيفة الروح، وفي هذا دليل على الثراء والنعمة، المعمد: المرفوع بالعمد، ويوم اللهو قصير.
стр. 211
قال الشاعر:
ظللنا عند باب أبي نعيم ... بيوم مثل سالفه الذباب
وقال الآخر:
ويوم كظل الريح قصَّر طوله ... دم الزق عنا واصطفاق المزاهر
١٨ البرين: الخلاخيل، واحدتها برة وهي للرجل كالأسورة في اليد، والدماليج: جمع دملوج وهي الأساور التي تلبس في اليد، العشر: شجر أملس مستوٍ ضعيف العود، والخروع: الناعم الرخو الذي لم يثن بل ظل مستويا.
١٩ يروي من الري الذي هو ضد العطش، المصرد: القليل أو المقطوع.
٢٠ يشير بهذا البيت إلى خرافة قديمة عند العرب مفادها أن طائرا اسمه الصدى أو الهامة يخرج من رأس القتيل ولا يزال يصيح: اسقوني اسقوني حتى يؤخذ بثأره ولهذا سمى صدى من الصدى بمعنى العطش:
وقد أشار ذو الأصبع العدواني إلى هذه الخرافة في قوله:
стр. 212
يا عمرو إلا تدع شتمي ومنقصتي ... أضربْك حتى تقول الهامة اسقوني
التحليل
وينتقل الشاعر من أسلوب العرض والقصص، ويتصدى للائمية آخذا في الحديث عن العناصر فلسفته التي تحكم سلوكه وتوجه تصرفاته، ويخاطب من يلومه أو يزجره على شهوده المعارك خوفا على حياته وحرصا على سلامته، وعلى عكوفة على اللذات وما يتبعها من تبديد الأموال خوفا عليه من الفقر، فيسفهه وينعي عليه غباوته وعمايته عن مصيرهم والموت المحتم الذي سوف يلم بهم، ذاهبا بكل ما جمعوه من مال أو متاع، ثم يقول لهذا اللائم هل تستطيع أن تمنحني الخلود في هذه الحياة وترد عني منيتي أن وافتني، والإستفهام إنكاري فإن كنت لا تستطيع أن تخلدني، فدع لومي وتعنيفي، حتى أؤكد ذاتي في شهود المعارك فأكون جديرا بالوجود، وأغتنم من اللذات ما أستطيع قبل أن يدركني الفناء.
فهو في هذا البيت:
فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي ... فدعني أبادرها بما ملكت يدي
стр. 213
وفي الذي قبله يحدد فلسفته في الحياة، وينهج نهجا خاصا، مبنيا على فهم معين لطبيعة الحياة والموت.
وواضح أن الشاعر لا يعترف بحياة غير هذه الحياة، وليس بعد هذه الحياة إلا الفناء والعدم، فهو في إقباله على اللذة صاحب فلسفة، وليس صاحب غواية وصاحب فهم وليس عبدا للذة، على أية حال ففي هذين البيتين مفتاح شخصية هذا الشاعر.١
وإذا كان المجتمع الجاهلي يقدر المروءة والشجاعة ويحث على الثبات عند اللقاء وخوض الحروب، فإن اللوم الموجه إلى طرفة ليس لمجرد شهوده الوغي وأنما موجه إلى القدر الزائد على الشجاعة، وهو التهور ومجاوزة الحد المعقول بحيث تصبح الشجاعة معه طيشا وحمقا.
ويتابع الحديث عن فلسفته فلسفة اللذة التي تشوقه وتروقه، والتي لولا تعلقه بها وحبه لها لما حفل بالحياة، ولما جزع من الموت، فهو يعتقد أنه ليس ثمة ما يستحق اللهفة والاهتمام سوى اللذة، وقد قصر حياته على لذات ثلاث: إحداها لذة الخمر وحرصه على احتسائها قبل انتباه العاذلات اللائمات، يشربها في كمال لذة وتمام مسرة دون أن يعكر عليه أحد، وإذا مزجت هذ الخمرة بالماء كان لها فوران يكون منه الزبد.
стр. 214
وقريب من هذا قول أبي نواس:
فتنفست في البيت إذ مزجت ... كتنفس الريحان في الأنف
وثاني أمانيه: ركوبه الفرس القوية ليدفع بها عمن نابته نائبة أو حلت به نازلة، وإن هذا الفرس ليشبه في سرعته وخفة حركته وفرط نشاطه ذئبا يسكن الغضا، وهو أخبث أنواع الذئاب، وقد زجرته ونفرته كما أن به حاجة لورود الماء فقد طال عطشة واشتد شوقه إليه، وذلك يكون أسرع لعدوه.
فالفرس يشبه الذئب بهذه القيود، وهو بهذا يبرز روح الفروسية التي كانت تسيطر عليه، ومازال ركوب الخيل مظهرا من مظاهر العزة والسيادة، وقد لا تعد لها لذة أخرى، قال المتنبي:
أعز مكان في الدنى سرج سابح ... وخير جليس في الزمان كتاب
وثالث هذه اللذات عبثه ولهوه بالجارية التامة الخلق الخفيفة الروح داخل خيمة صنعت من الجلد ومدت بالأطنان في يوم جلله الغيم والمطر الذي يعجب من رآه، وإنها لمتعة تجعل اليوم قصيرا، ويوم اللهو قصير شأن أوقات المسرة والمتعة، كما قال الشاعر:
стр. 215
ويوم كظل الرمح قصر طوله ... دم الزق عنا واصطفاق المزاهر
ثم أخذ يصف هذه الجارية وصفا يدل على ذوقهم في الحسن الأنثوي، فهي مديدة القامة شامخة البنيان، رخوة الأطراف، قد زينت بالأساور في يديها، والخلاخل في رجليها، وكأن هذه الحلي علقت على شجر العشر والخروع، فهو يشبه عظام الجارية وذراعيها بالعشر وهو الشجر الأملس المستوي، والخروع الناعم الرخو الذي لم يثن بل ظل مستويا، واشترط طرفه لإتمام وجه الشبه أن يكون هذا الشجر غير مخضد لأن تخضيده يقلل من روعتها وليونتها.
يقول الدكتور طه حسين في التعليق على هذا البيت: حتى إذا بلغنا البيت الأخير من هذه الأبيات لم نستطع أن نمنع أنفسنا من ابتسامة فيها غير قليل من التسامح والتبسيط، فإن مثله الأعلى في جمال المرأة لا يخلو مما يثير الابتسام، وما رأيك في صاحبته هذه التي تطول وتعظم تحت الخباء حتى كأنها شجرة علق عليها الحلى تعليقا؟ قال صاحبي قل إن ههذه الصورة لا تعجبك أنت، ولكن ثق بأن بين الناس من يعجبون بها أشد الإعجاب، ولا يكرهون أن يكون مثلهم الأعلى في جمال المرأة ارتفاع القامة وضخامة الجسم.١