قال الشاعر:
ظللنا عند باب أبي نعيم ... بيوم مثل سالفه الذباب
وقال الآخر:
ويوم كظل الريح قصَّر طوله ... دم الزق عنا واصطفاق المزاهر
١٨ البرين: الخلاخيل، واحدتها برة وهي للرجل كالأسورة في اليد، والدماليج: جمع دملوج وهي الأساور التي تلبس في اليد، العشر: شجر أملس مستوٍ ضعيف العود، والخروع: الناعم الرخو الذي لم يثن بل ظل مستويا.
١٩ يروي من الري الذي هو ضد العطش، المصرد: القليل أو المقطوع.
٢٠ يشير بهذا البيت إلى خرافة قديمة عند العرب مفادها أن طائرا اسمه الصدى أو الهامة يخرج من رأس القتيل ولا يزال يصيح: اسقوني اسقوني حتى يؤخذ بثأره ولهذا سمى صدى من الصدى بمعنى العطش:
وقد أشار ذو الأصبع العدواني إلى هذه الخرافة في قوله:
стр. 212
يا عمرو إلا تدع شتمي ومنقصتي ... أضربْك حتى تقول الهامة اسقوني
التحليل
وينتقل الشاعر من أسلوب العرض والقصص، ويتصدى للائمية آخذا في الحديث عن العناصر فلسفته التي تحكم سلوكه وتوجه تصرفاته، ويخاطب من يلومه أو يزجره على شهوده المعارك خوفا على حياته وحرصا على سلامته، وعلى عكوفة على اللذات وما يتبعها من تبديد الأموال خوفا عليه من الفقر، فيسفهه وينعي عليه غباوته وعمايته عن مصيرهم والموت المحتم الذي سوف يلم بهم، ذاهبا بكل ما جمعوه من مال أو متاع، ثم يقول لهذا اللائم هل تستطيع أن تمنحني الخلود في هذه الحياة وترد عني منيتي أن وافتني، والإستفهام إنكاري فإن كنت لا تستطيع أن تخلدني، فدع لومي وتعنيفي، حتى أؤكد ذاتي في شهود المعارك فأكون جديرا بالوجود، وأغتنم من اللذات ما أستطيع قبل أن يدركني الفناء.
فهو في هذا البيت:
فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي ... فدعني أبادرها بما ملكت يدي
стр. 213
وفي الذي قبله يحدد فلسفته في الحياة، وينهج نهجا خاصا، مبنيا على فهم معين لطبيعة الحياة والموت.
وواضح أن الشاعر لا يعترف بحياة غير هذه الحياة، وليس بعد هذه الحياة إلا الفناء والعدم، فهو في إقباله على اللذة صاحب فلسفة، وليس صاحب غواية وصاحب فهم وليس عبدا للذة، على أية حال ففي هذين البيتين مفتاح شخصية هذا الشاعر.١
وإذا كان المجتمع الجاهلي يقدر المروءة والشجاعة ويحث على الثبات عند اللقاء وخوض الحروب، فإن اللوم الموجه إلى طرفة ليس لمجرد شهوده الوغي وأنما موجه إلى القدر الزائد على الشجاعة، وهو التهور ومجاوزة الحد المعقول بحيث تصبح الشجاعة معه طيشا وحمقا.
ويتابع الحديث عن فلسفته فلسفة اللذة التي تشوقه وتروقه، والتي لولا تعلقه بها وحبه لها لما حفل بالحياة، ولما جزع من الموت، فهو يعتقد أنه ليس ثمة ما يستحق اللهفة والاهتمام سوى اللذة، وقد قصر حياته على لذات ثلاث: إحداها لذة الخمر وحرصه على احتسائها قبل انتباه العاذلات اللائمات، يشربها في كمال لذة وتمام مسرة دون أن يعكر عليه أحد، وإذا مزجت هذ الخمرة بالماء كان لها فوران يكون منه الزبد.
стр. 214
وقريب من هذا قول أبي نواس:
فتنفست في البيت إذ مزجت ... كتنفس الريحان في الأنف
وثاني أمانيه: ركوبه الفرس القوية ليدفع بها عمن نابته نائبة أو حلت به نازلة، وإن هذا الفرس ليشبه في سرعته وخفة حركته وفرط نشاطه ذئبا يسكن الغضا، وهو أخبث أنواع الذئاب، وقد زجرته ونفرته كما أن به حاجة لورود الماء فقد طال عطشة واشتد شوقه إليه، وذلك يكون أسرع لعدوه.
فالفرس يشبه الذئب بهذه القيود، وهو بهذا يبرز روح الفروسية التي كانت تسيطر عليه، ومازال ركوب الخيل مظهرا من مظاهر العزة والسيادة، وقد لا تعد لها لذة أخرى، قال المتنبي:
أعز مكان في الدنى سرج سابح ... وخير جليس في الزمان كتاب
وثالث هذه اللذات عبثه ولهوه بالجارية التامة الخلق الخفيفة الروح داخل خيمة صنعت من الجلد ومدت بالأطنان في يوم جلله الغيم والمطر الذي يعجب من رآه، وإنها لمتعة تجعل اليوم قصيرا، ويوم اللهو قصير شأن أوقات المسرة والمتعة، كما قال الشاعر:
стр. 215
ويوم كظل الرمح قصر طوله ... دم الزق عنا واصطفاق المزاهر
ثم أخذ يصف هذه الجارية وصفا يدل على ذوقهم في الحسن الأنثوي، فهي مديدة القامة شامخة البنيان، رخوة الأطراف، قد زينت بالأساور في يديها، والخلاخل في رجليها، وكأن هذه الحلي علقت على شجر العشر والخروع، فهو يشبه عظام الجارية وذراعيها بالعشر وهو الشجر الأملس المستوي، والخروع الناعم الرخو الذي لم يثن بل ظل مستويا، واشترط طرفه لإتمام وجه الشبه أن يكون هذا الشجر غير مخضد لأن تخضيده يقلل من روعتها وليونتها.
يقول الدكتور طه حسين في التعليق على هذا البيت: حتى إذا بلغنا البيت الأخير من هذه الأبيات لم نستطع أن نمنع أنفسنا من ابتسامة فيها غير قليل من التسامح والتبسيط، فإن مثله الأعلى في جمال المرأة لا يخلو مما يثير الابتسام، وما رأيك في صاحبته هذه التي تطول وتعظم تحت الخباء حتى كأنها شجرة علق عليها الحلى تعليقا؟ قال صاحبي قل إن ههذه الصورة لا تعجبك أنت، ولكن ثق بأن بين الناس من يعجبون بها أشد الإعجاب، ولا يكرهون أن يكون مثلهم الأعلى في جمال المرأة ارتفاع القامة وضخامة الجسم.١
стр. 216
ومازال الشاعر يناقش من يلومه على الشراب ويجادله ويسوق إليه الحجة على صحة ما ذهب إليه فيقول: إنني كريم أروي نفسي من الخمرة في حياتي وستعلم يا من تلحاني في الشراب إذا اختطفنا الموت غدا أينا الظمآن وأينا الريان.
وكأنه يقارن بين رجلين: أحدهما شرب من الحياة وعب منها حتى ارتوى، والآخر أخذ نفسه بالظمأ والحرمان واحتمال الصدى، أما الأول فربما وجد أثر الري بعد موته على خلاف صاحبه الذي حرم نفسه أثناء الحياة، وكأنه ضم إلى حرمانه حال الحياة ظمأه بعد الممات.
ويوالي سرد حججه على صحة فلسفته التي تسير في اتجاهين:
أولهما: تحقيق النفع للناس بإغاثة الملهوف ونجدة الصريخ وشهوده الوقائع والحروب، فهو يبذل للناس ماله ونفسه، وثانيهما: الاستجابة لملذات الحياة ومسراتها بالإقبال على متعه الشخصية فيقول: إنني أرى قبر الحريص الممسك لماله وقبر من ينفق ماله في لذاته وهواه متساويين في أن كلا منهما يوضع عليه كومة من التراب وقطع من الأحجار العراض، لا يفرق بينهما أن أحدهما يضم رجلا قد حرص على المال فأبقاه, وأن الآخر قد طابت نفسه عن ماله فأتلفه، فالذين يرثون مال البخيل كالذين يرثون إعدام الكريم، لا يستطيعنون أن يغيروا ما بين القبرين من الشبه ولا أن يمحوا ما بينهما من المساواة.
فالبخيل إذًا لا يستفيد شيئا ببخله، كما لا يخسر المسرف شيئا بإسرافه بل على العكس فقد أمتع نفسه وأشبع حاجته.
стр. 217
حتمية الموت
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي ... عقيلة مال الفاحش المتشدد
أرى العيش كنزا ناقصا كل ليلة ... وما تنقص الأيام والدهر ينفد
لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى ... لك الطول المرخى وثنياه باليد
متى ما يشأ يوما يقده لحتفه ... ومن يك في حبل المنية ينقد
أرى الموت أعداد النفوس ولا أرى ... بعيدا غدا ما أقرب اليوم من غد
стр. 218
اللغة:
٢٣ يعتام: يختار، وعقيلة كل شيء خيرته وأنفسه عند أهله، وأصلها في المرأة الكريمة النفيسة، يصطفي: يختار صفوته، الفاحش: القبيح السيء الخلق، والمتشدد والشديد: البخيل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ١.
٢٤ العيش: العمر والحياة، الكنز: المال المدفون، وجعل العمر كالكنز لأن المال عديل الروح في المحبة والمحافظة والإشفاق, ينفد: يفني ويذهب.
٢٥ لعمرك: العمر بمعنى الحياة فاللام لام القسم، وعمرك مبتدأ خبره محذوف دائما، تقديره قسمي، الطول: حبل طويل تربط به الدابة ويطول لها في الكلأ حتى ترعاه، ثنياه: طرفاه.
٢٦ يقده: يجره، الحتف: الهلاك، ينقد، يجر.
٢٧ أعداد النفوس: أي على قدر عددها.
стр. 219
التحليل:
وعلى الإنسان أن يغتنم فرصة الحياة قبل أن يهجم عليه الموت الذي لا يبقي على شيء إذ يختار كرام الناس وشرفاءهم الذين ندخرهم للشدائد ونفع الآخرين كما يختار أكرم مال للبخيل وأنفسه، ولذلك كان من الخير له أن ينفقه في ملذاته بدل أن يضيع بين يديه ويذهب سدى، فلا معنى للحرص على الحياة وعلى المال، لأنه حرص على ما هو ضائع لا محالة.
ويوالي الحديث عن فلسفته التي اقتنع بها فيقول: إن العيش والحياة في نقص مستمر لأن الأيام والليالي تأخذ منها، وما تأخذ منه الأيام والليالي لا بد أن يفنى فعاجل لذاتك وبادر أمانيك.
على أن الإنسان ليس مطلق الحرية في هذه الحياة، وإنما هو مربوط بالموت لا يفلت منه ولا يخطئه، بل يمهله إلى حين ثم ينقض عليه، فالموت في تركه الفتى وإمهاله إياه شبيه بالحبل الذي تربط به قوائم الدابة ثم تترك في الكلأ ترعاه، فإن شئت تركت لها الحبل وإن شئت أمسكتها عن الكلأ بشدة، ولعل في هذا ما يوحي بتسلط الموت على الإنسان كتسلط صاحب الدابة عليها، وإذا كان الأجل آتيا لا محالة، فخير للإنسان أن يحقق ذاته في حياته فيصيب من اللذائذ ما يشتهي
стр. 220
ويحصل من المتع على ما يبتغيه، وقد عبر الشاعر عن طول العمر بإخطاء الموت، كما قال زهير:١
رأيت المنايا خبط عشواء, من تصب ... تمته ومن تخطئْ يعمَّرْ فيهرم
وتعبير لبيد في ذلك خير من تعبير زهير وطرفة حين قال:
حين يتحدث عن البقرة الوحشية التي يشبه بها ناقته:٢
صادفن منها غرة فأصبنها ... إن المنايا لا تطيش سهامها
وإذا كان الإنسان مربوطا بحبل المنية يهجم عليه الموت متى شاء حين ينقضي الأجل، فإن الموت موفور وفرة تساوي عدد النفوس وكثرتها، إذ لكل نفس موتة لا تنفك عنها وهي آتية لا محالة عاجلا أو آجلا.
стр. 221
حول الأبيات المختارة:
والأبيات التي اخترناها تمثل فلسفة طرفة التي اعتنقها وآمن بها ودلل عليها، هذه الفلسفة مؤداها أن الموت هو نهاية الحياة، ولا شيء بعده، فعلى الإنسان أن يمتِّع نفسه ويشبع غرائزه وحاجاته بإنفاق ماله في ملذاته، وإلا فإنه يعذب نفسه عن غير طائل: وهو لا يكتفي بإعلان هذه الفلسفة، وإنما يدعو إلى اعتناقها، ويناقش لائِمِيه ويجادلهم، ويسوق لهم الدليل تلو الدليل على صحة هذه الفلسفة وصوابها، فهي فلسفة واعية قائمة على المنطق والإقناع والبرهان.
إنها فلسفة اللذة التي يحقق بها ذاته ويثبت وجوده، لأن الموت آت لا محالة، فهو الحقيقة التي روعته، والانتصار عليه إنما يكون بإنفاق ماله.
فلعل في تحقيق اللذة انتصار على الموت، ذلك أنه إذا كان الموت -كما تصوره الجاهلي- هو نهاية الوجود الإنساني، فإن الموقف الوجودي للشاعر الجاهلي إنما يبرز في تحديه للموت والفناء بالغوص عن لذائذها، لا حبا في اللذة بوصفها لذة، ولكن حبا في الحياة وتعلقًا بها، وكراهية في الفناء الذي تتوقف به ممارسة هذه اللذات:١
стр. 222
يقول:
كريم يروِّي نفسه في حياته ... مخافة شرب في الممات مصرد
أرى قبر نحام بخيل بماله ... كقبر غوي في البطالة مفسد
تري جثوتين من تراب عليهما ... صفائح صم من صفيح منضد
فهو يروِّي منه أيام حياته بالخمر ليموت ريانا, ويموت عاذله عطشانا، ولا فرق في النهاية بين البخيل المقتر على نفسه والغوي الضال الذي يُهلِك ماله في لهوه وملذاته، فقبراهما متشابهان، لأنهما ليسا سوى كومتين من التراب عليهما حجارة عليهما عراض صلاب، ولذلك فهو يقتنص لذة الحياة، خوفا من ضياعها، ويأسا من دوامها.
إنها فلسفة فريدة في هذا العصر، فالبيئة الجاهلية في بساطتها المادية والعقلية والثقافية ما كانت لتوحي لبنيها بالنظر العميق إلى الأشياء، أو التفكير الفلسفي في الحياة، أو الربط بين الأشياء برباط المنطق، وإنما هي نظرات مجردة بسيطة يعبرون عنها في يسر وسهولة.
стр. 223
تعليل عدم ظهور مثل هذا الإتجاه في بقية شعرة
...
وإذا كانت هناك نظرات تناثرت وآراء ظهرت لدى عدد من الشعراء تشابه آراء طرفة، فإن هذا الفتى الشاعر استطاع أن يرتفع بوجهة نظره إلى الموقف الشمولي، ويعطيها كل أبعادها، من خلال لغة شعرية حماسية، لا تؤذي الصياغة الفنية، ولا تبطل أهمية الفكرة ودقتها الموضوعية.١
وإذا كنا لم نر لطرفة مثل هذا الإتجاه الفلسفي في موطن آخر من معلقته، ولا في بقية شعره، فإنه من الجائز أن يكون قد قال هذه الأفكار الناضجة في لحظة استشراق نادرة لم تتكرر مثل ما يحدث لكثير من المبدعين، أو أن له غيرها من الآراء الأخرى التي تلخص موقفه من الحياة والوجود، ولكنه ضاع مثل ما ضاع غير من تراث الشعر الجاهلي.
أما طرفة فمن العجيب حقا أن يكون صاحب هذه الفلسفة، تلك الفلسفة التي رأيناها فيما بعد في عصور الحضارة العلمية والعقلية والتي عرفناها عند الخيام وغيره من شعراء الشرق والغرب، يقول الدكتور طه حسين في التعليق على الأبيات التي تتضمن فلسفته: هذه الفلسفة التي يعرضها طرفة في قصيدته، ويعتمد عليها في تفسير الحياة التي يحياها، والتي لم تكن حياة جدٍّ مظلم، ولا حياة لهو مفسد للنفس، وإنما كانت مزاجا معتدلا من الجدِّ واللهو ومن العمل والفراغ, ومادام الشاعر لم يعرف أن بعد الموت شيئاً، فهو
стр. 224
مضطر إلى أن يرى الموت آخر الحياة وغايتها، ولذلك فهو يسعى إلى الموت، يسعى إليه حين يغيث المستغيث، وحين يأخذ بحقه من لذات الحياة فيشرب الخمر مصطبحا حينا ومغتبقا حينا آخر، وهو يسعى إلى الموت حين ينفق من آيامه ما ينفق، مستمتعا بلذات الحب يسيرة ساذجة كما كان يتصورها ومن أجل ذلك، جعل لحياته أغراضها ثلاثة، لولاها لما حفل بالحياة، ولا اهتم بها، وهي شرب الخمر ونجدة المستغيث والإستمتاع بالنساء، ولو أنه عاش في بيئة معقدة غير بيئته, لتغير مثله الأعلى في الحياة، ولابتغي لنفسه لذات غير هذه اللذات١.
стр. 225
هل طرفة في لذته يمثل العصر الجاهلي ؟
...
وهل كان طرفة في لذاته هذه يمثل العصر الجاهلي بحيث نعتبره صورة لما كان سائدا آنذاك؟ أم أنه انفرد بذلك من دون عصره؟
الحق أن إحدى هذه اللذات تعد مظهرا من مظاهر الحياة الجاهلية السائدة، فقد كانت نجدة الصريخ ومساعدة الضعيف مما افتخر به العرب جميعا في جاهليتهم, وعد من مكارم الأخلاق, ولا زال ذلك حتى اليوم، أما اللذتان أو الأمنيتان الأخريان، فلم تكونا عامتين بل اختص بها بعض الشباب الماجن من الخلعاء والمياسير، كامرئ القيس والمهلهل وغيرهما، ولم تكن إحداهن خلقا عاما تعتز به القبائل، بدليل أن طرفة يصرح بأن قبيلته ضاقت بهذا السلوك، ولم ترض عنه وأفردته إفراد البعير المعبد.
على أن سلوك طرفة لم يكن سلوكا عفويا ساذجا، وليس صورة للعبث والهذيان وإنما هي دليل على حقيقة نفسية لم تسفر أو تتضح في شعره، فالقضية بالنسبة له قضية خلود، أي قضية الحياة والموت، ما جدوى عمرنا إذا كان الموت سيدركه، وما جدوى السعادة والمال، بل ما جدوى الحياة بما فيها إذا كان الموت سيحيلنا عنها، ولذلك أقبل على لذاته ينتهبها كما لجأ إلى الخمر يخدِّر بها وعيه لتخفف عن كاهله وطأه الوعي والإدراك.
стр. 226
ملاءة الشاعر بين الشكل والمضمون
...
على أن ألفاظ الشاعر في هذا الجزء من المعلقة جاءت في معظمها بعيدة عن التجهم والعسر, تشفُّ وترق حين يعمد إلى التقرير الفكري، بينما يعروها الجفاف وتبدو عليها ملامح الغرابة حين يعمد إلى الوصف أو يعرض لمشاهد حسية، ويبلغ من ذلك أقصاه حين يصف الناقة مثلا يشتد اتصاله بالحياة البدوية، أما حين يتحدث عن نفسه ومذهبه، أو يبعث لواعج حزنه، أو يصور حبه ولذته، فإنه يطالعنا بصور مشرقة تفيض سلاسة وعذوبة، كما في هذا الجزء من القصيدة.
فهو يلائم بين الشعور والتعبير, أو بين الشكل والمضمون، ونحن
стр. 227
نحس بهذه المقامات كلها مجتمعة في معلقته التي اخترنا منها هذه الأبيات.
وألفاظ القصيدة لا تجري على سنن واحد، بل تتكون حسب الإيقاعات النفسية التي يعانيها الشاعر، فبينما تراه يستخدم ضمير المتكلم إذ به يلجأ إلى ضمير المخاطب، ثم ينزع من ذلك إلى صيغة الغائب، مثال ذلك:
قوله: ولست بحلال التلاع فقد استهل بضمير المتكلم، واقتفى ذلك في الأبيات اللاحقة، ثم خطف فجأة إلى الخطاب بقوله متى تأتني أصبحك كأسا روية وان كنت عنها غانيا فأغن وازدد, ثم يلجأ إلى الغائب في قوله كريم يروي نفسه في حياته.
والشاعر في تردده بين هذه الصيغ كان يحاور ذاته، فهو المتكلم وهو المخاطب ولعل في هذا الحوار تعبيرا عن الأزمة التي كان يعانيها الشاعر، فهو يتنافس ويرد على ذاته إذ يقول: وما زال تشرابي الخمور ... وسبقي العاذلات.... وكرى إذا نادى المضاف ...
ويقع على صيغة المخاطب في قوله: أيهذا اللائمي أحضر الوغي ... فإن كنت لا تسطيع فذرني أبادرها.. ستعلم إن متنا غدا ... وغير ذلك من عبارات تمثل النزعة الحوارية التي تقوم عليها القصيدة.
стр. 228
تلون الأساليب ودلالتها على نفسية الشاعر
...
ومن جهة أخرى تجد أساليب الشاعر يغلب عليها الشروط ويطغى على معظمها: فإن تبغني -وإن تقتنصني في الحوانيت- وإن يلتق الحي الجميع -متى تأتني أصبحك كأسا -إذا نحن قلنا: أسمعينا انبرت لنا-
إذا رجعت في صوتها، وما إلى ذلك من التعابير الشرطية.
ويصاحب أداة الشرط صيغ الأمر في بعض الأبيات، وذلك راجع إلى طبيعة الموضوع الجدلي مثل: فاغن وازدد، أسمعينا، فدعني، فذرني أروي هامتي.
ولا شك أن هذه الصيغ وتلك الأساليب المتعددة تدل على نفسية قلقة, كما تعبر عن الأحوال النفسية التي تطرأ عليه وهو يعاني وطأة المصير الذي ينتظره، بالإضافة إلى أنها تساعد على إثارة انتباه السامع والقارئ وتمهد السبيل لإقناعه، ولم يكن طرفة مفتنا في صوره الخيالية وتشبيهاته المجتلبة، ومع ذلك كان صادقا فيها, وأهم ما كان يعتمد عليه في فنه التشبيه الذي كان المرتكز الأول للعمل الفني، شأنه في ذلك شأن الشعراء الجاهليين، إذ يعتمد عليه الشاعر في عرض أفكاره، وفي صياغتها ويستمد مادته من البيئة المحيطة به.
فحين يتحدث عن أصحابه يشبههم بالنجوم نداماي بيض كالنجوم, فهم كالنجوم في تألق وجوههم للدلالة على حريتهم
стр. 229
وبياض بشرتهم، أو للدلالة على سمو مكانتهم وعلو منزلتهم، ويقع على التشبيه حين يمثل عزلته وانخلاعه عن قبيلته وأفردت إفراد البعير المعبد, وهذا التشبيه بالإضافة إلى واقعيته فإنه يدل على التعاطف مع البيئة واتخاذها مصدرا يستمد منه تشبيهاته لتمثيل ما يذهب إليه، ويلجأ إلى التشبيه كأداة للتفصيل كقوله:
وكرى إذا نادى المضاف محنبا ... كسيد الغضا نبهته المتورد
وكقوله:
أرى قبر نحام بخيل بماله ... كقبر غوي في البطالة مفسد
كما نجده يلجأ إلى الكناية للتعبير عن أفكاره كقوله: ولست بحلال التلاع كناية عن بروزه وظهوره للضيف, ومن يلتمس قضاء حاجته، كما كنى بالبيت المصمد عن شرف الأصل وبنى غبراء عن الفقراء والصعاليك، وبالطراف الممدد عن الغنى والثراء.
ومن الإجمال الذي يعقبه التفصيل قوله:
ولولا ثلاث هن من عيشة الفتى ... وجدك لم أحفل متى قام عودي
ثم يفصل بعد ذلك في قوله: فمنهن سبقى العاذلات, وكري إذا نادى المضاف, وتقصير يوم الدجن.
стр. 230
أثر البيئة المادية في شعرة
...
كذلك تظهر آثار البيئة المادية في كثير من تعبيراته كقوله:
ولست بحلال التلاع، تجاوب أظآر على ربع ردى، أفردت إفراد البعير المعبد، الطراف الممدد، عشر أو خروع، كالطول المرخي وثنياه باليد، كسيد الغضا -إلى غير ذلك من التعبيرات التي تخفي وراءها تجارب نفسيه وشعورية عبر عنها من خلال هذه المشاهد.
стр. 231
زهير بن أبي سلمى في مدح هرم بن سنان
لمحة عن الشاعر
...
الشاعر:
هو زهير بن ربيعة الملقب بأبي سلمى من قبيلة مزينة من مضر، ولكنه أقام عند بني غطفان لأنه تزوج منهم، ويقال: إنه غادر قومه لخلاف وقع بينه وبينهم فتركهم ونزل بأرض غطفان بالحاجر من نجد، فهو مزني النسب غطفاني النشأة، وقد صرح ابنه كعب في بعض شعره بهذا النسب فقال ردًا على مزرد بن ضرار وقد عَزَاهُ إلى مزينة١:
هم الأصل مني حيث كنتُ, وإنني ... من المزنيين المصفِّين بالكرم.
ويبدو أن والده لم يعمّر طويلًا، فقد مات وتزوجت امرأته أوس بن حجر الشاعر التميمي المشهور، وكان يقوم على تربيته والعناية به خاله بشامة بن الغدير, كما قام بأمر أخواته: سلمى والخنساء.
وزهير يحيط به الشعر من جميع أطرافه، فكان أبوه شاعرًا، وخاله بشامة بن الغدير شاعر، وزوج أمه أوس بن حجر شاعر أيضًا, وأختاه سلمى والخنساء شاعرتان, وكان ابناه بجير وكعب شاعرين، كما كان حفيده عقبة بن كعب المعروف بالمضرب شاعرًا، وكان ابن حفيده العوام بن المضرب شاعرًا أيضًا فهؤلاء خمسة شعراء من بيت واحد، ممالم يجتمع لشاعر آخر مثله، يقول ابن قتيبة:
إنه لم يتصل الشعر في ولد أحد من الفحول في الجاهلية ما اتصل في ولد زهير, وفي الإسلام ما اتصل في ولد جرير٢.
стр. 232
هذه النشأة أعانته على نظم الشعر وصقلت مواهبه، وجلت له من أسرار العبارة مالم يتح لشاعر آخر كالنابغة مثلا الذي لم يرث الشعر وراثة، ولم ينشأ عليه تنشئة.
وكان زهير راوية لأوس بن حجر، ولأوس مذهب في التصوير يمتاز بالدقة والجمال، وملازمة زهير له تجعله يفيد منه ويترسم خطاه، كما أن حفظه لأشعاره وترديده لها يزوده بذخيرة فنية يمتدح منها، شعر أم لم يشعر، كما كان يتأدب بأدب خاله بشامة بن الغدير، وهو من سادات غطفان، وكانت تعظمه وتستشيره، ولا شك أن هذا الجوار الطيب وملازمته له على هذا النحو، ومشاهدته الناس يتوافدون على حكمته ورأيه يجعله معجبًا بهذا الخال، مفيدًا من هؤلاء الوفود ومن هذا الحكيم أيضا.
وشهد زهير حرب داحس والغبراء التي شبت بين قبيلتي عبس وذبيان، ودار معظم شعره حولها، يصور أهوالها، ويصف الدمار والهلاك الذي تخلفه وراءها، ويدعو إلى السلام في وقت كان فيه عرب الجاهلية لا يعرفون غير العزو والقتال، وقد أسهمت عشيرة أخواله في تلك الحروب، وصليت نارها وخصَّ زهير بمدائحه هرم بن سنان والحارث بن عوف المريين اللذين احتملا ديات القتلى، ويقال إن الدية بلغت ثلاثة آلاف بعير أدياها في ثلاث سنين.١
وإذا كان زهير يمدح هرمًا ويمجده، ويشيد به في شعره، فقد كان هرم يغدق عليه وبذلك أعطى كل منهما صاحبه خير ما عنده، وقد تبدد ما أعطاه هرم لزهير، أما ما أعطاه زهير لهرم من
стр. 233
حلل البيان فقد خلده على مرور الأيام فقد روي أن عمر بن الخطاب ﵁ قال لبعض ولد هرم: أنشدني بعض ما قال فيكم زهير، فأنشده، فقال: لقد كان يقول فيكم فيحسن، فقال يا أمير المؤمنين: إنا كنا نعطيه فنجزل: فقال عمر ﵁: ذهب ما أعطيتموه وبقي ما أعطاكم.١
واشتهر زهير بأنه من الذين يعنون بشعرهم، ويعيدون النظر فيه، حتى لينظر في القصيدة سنة كاملة، ولهذا سميت قصائده بالحوليات، وقلّ من يفعل ذلك من الشعراء، ولا شك أن هذا يشير إلى طبع من الطباع الفنية التي كانوا يتمتعون بها، وهو طبع التأني والرويَّة.
وإذا كان امرؤ القيس يمثِّل نموذج الإنسان المقبل على الحياة بنهم وشهوة جارحة, وحرية مطلقة في مواقعة الشر والتغني به، وعنترة نموذج الإنسان المعتصم بالبطولة، يؤدي بها غايته في الحياة، ويتخطى نطاق القدرة الإنسانية وشرط المصير البشري، وإذا كان طرفة تصرعه الحيرة، وتكتظ في نفسه الشهوة المنطوية على البعث والشعور الحاد بالزوال والعدم, فإن زهيرًا يؤدي من دونهم جميعا نموذج الإنسان القانع بقسمة المصير، وحكمة الإدارة الكلية للحياة، فلا تصرفه شهواته عن جادة العقل، كما أن الحيرة لا تعروه وتقضُّ مضجعه أمام دورة الزمن وحتمية القدر والموت كي يفرغ للخمرة
стр. 234
التي تغشى الأشياء، وتطمس واقعها، شأن طرفة، فعالمه الفني هو انعكاس هادئ لعالمه الواقعي١.
فهو من طراز آخر غير طراز امرئ القيس وغيره، إذ لم يكن مفتونا بالنساء وتصوير مغامراته القصصية معهن.
وهو ميال بطبعه إلى الوعظ والإرشاد، ودعوة الناس إلى الخير والصلاح، وله بعض الأبيات التي تدل على إيمانه بالله واليوم الآخر، وما فيه من حساب وثواب وعقاب كقوله:
فلا تكتمنَّ الله ما في نفوسكم ... ليخفى ومهما يكتم الله يعلم
يؤخرْ فيوضع في كتاب فيدخر ... ليوم الحساب أو يعجل فينقم
فكأنه بذلك أحد المتحنفين الذين عاشوا قبل الإسلام وبرزت بعض مبادئهم في شعرهم.
ويظهر أنه عمَّر طويلًا، إذ يقال إنه أدرك الاسلام وله مائة سنة، ولم يسلم٢, والصحيح أنه مات قبل الإسلام بمدة قليلة، والذي أدرك الاسلام حقا ابناه: بجير وكعب، وقد أسلما وحسن إسلامهما٣.
стр. 235
أ النسيب:
إن الخليط أجد البين فانفرقا ... وعلق القلب من أسماء ما علقا
وأخلفتك ابنة البكري ما وعدت ... فأصبح الحبل منها واهنًا خلقا
وفارقتك برهن لا فكاك له ... يوم الوداع فأمسى رهنه غلقا
قامت تبدَّى بذي ضال لتحزنني ... ولا محالة أن يشتاق من عشقا
بجيد مغزلة أدماء خاذلة ... من الظباء تراعى شادنًا خرقا
كأن ريقتها بعد الكرى اغتبقت ... من طيب الراح لما يعد أن عتقا
شج السقاة على ناجودها شبمًا ... من ماء لينة لا طرقًا ولا رنقا
стр. 236
اللغة:
الخليط: هنا المخالط لهم في الدار، يكون واحدًا وجمعًا، أجدَّ البين: اجتهد فيه، يقال: جد فلان في أمره وأجد، إذا أخذ فيه بجد واجتهاد, وجد وأجد بمعنى واحد، ومن الجد خلاف اللعب، والبين: الفراق قال عنترة بن شداد١:
ظعن الذين فراقهم أتوقع ... وجرى ببينهم الغراب الأبقع
انفرق: انقطع وتفرق، العلاقة: الحب اللازم للقلب، ما علقا: مبالغة في الحب، عبر عنه بلفظة ما الدالة على الإبهام لبيان أن هذا الحب وتلك العلاقة لا يدرك كنهها، وهذا نظير قوله تعالى ﴿الْحَاقَّةُ , مَا الْحَاقَّةُ﴾ ٢ , وقوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنْ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُم﴾ ٣
٢ الرهن: المحبوس ضمانًا للمال، وأراد به هنا قلبه، لا فكاك له: بضم الفاء وكسرها أي لا خلاص له فلا يقدر أن يفكه، وغلق الرهن: صار ملكًا للمرتهن، وكان أهل الجاهلية إذا ارتهن الرجل منهم رهنًا إلى أجل، فأتى الأجل، ولم يفك الرهن صاحبه استوجبه المرتهن عوضًا عن حقه، ولم يكن لصاحبه أن يفكه أبدًا، وأمسى رهنه: يريد رهنه عندها قد غلق، وقد ضرب به زهير المثل، واستعاره للقلب الذي استبد به المحبوب وتصرف فيه.
٣ أخلف الوعد: لم يفِ به، الوعد: الموعود، الحبل: الوصل والعهد, الواهي والواهن: الضعيف، وفي القرآن الكريم: ﴿وَوَصَّيْنَا
стр. 237
الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ﴾ ١خلقًا: الخلق بفتح اللام البالي، يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، ويجمع على أخلاق وخلقان، قال الأعشى٢
ألا يا قتل قد خلق الجديد ... وحبك ما يمحُّ وما يبيد
٤ تبدى: تظهر مرة بعد أخرى من قوله تعالى ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْا الآيَاتِ﴾ ٣ أي ظهر لهم من الرأي، ذي ضال موضع به ضال وهو النبق.
لا محالة أن يشتاق: لا بد أن يحن، العشق: فرط الحب وإعجاب المحب بالمحبوب، من ذلك قول الأعشى٤:
أرقت وما هذا السهاد المؤرق ... ومابي من سقم وما بي معشق
٥ الجيد: العنق، المغزلة والمغزل: الظبية التي معها غزال، أو ولدت غزالا، وخص المغزلة لأن عنقها أشد ما يكون انتصابا لحذرها على ولدها, الأدماء: الخالصة البياض، الخاذلة: المتأخرة عن الظباء، وكأنها خذلتها لتقيم على ولدها، وقد جعل لبيد بن ربيعة هذا
стр. 238
الوصف للبقرة الوحشية التي أكل السبع أولادها، وقد خذلت صواحبها من الوحش لتقيم على ولدها ترعى قربه١:
أفتلك أم وحشية مسبوعة ... خذلت وهادية الصوار قوامها
تراعي: تراقب وتلاحظ، الشادن من الظباء: الذي قوي على المشي وصلح جسمه وترعرع وطلع قرناه، قال الشاعر٢:
يا ما أحيسن غزلانًا شدنَّ لنا
الخرق: الذي لا يدري كيف يؤخذ من ضعفه
٦ الريقة: مفرد الريق، وهو ماء الفم، الكري: النوم، وخص طيب ريقها بهذا الوقت لأن النكهة تتغير فيه، اغتبقت بالبناء للمجهول: أخذت، واغتبقت بالبناء للفاعل: شربت، أي شربت على ريقها غبوقا وإسناد الفعل إلى الريق مجاز، كأن الريق شربت من الراح فطابت بذلك، والغبوق: شراب العشي، والصبوح: شراب الغداة، كما أن شراب نصف النهار يسمى القيل٣.
والراح: الخمر، سميت بذلك لريحها، أو روحها، أو لاستراحة شاربها إليها، وقد أشار ابن الرومي إلى هذه المعاني في قوله:
والله ما أدري لأية علة ... يدعونها في الراح باسم الراح
стр. 239
ألريحها أم روحها تحت الحشا ... أم لارتياح نديمها المرتاح
يعدو: يجاوز، العتق: القدم، أي لم يجاوز القدم إلى الفساد.
٧ شج: صب، الناجود: إناء الخمر، الشبم: الماء البارد وقد حذا كعب بن زهير حذو أبيه، واستخدم تعبيراته هذه في قوله١:
شجت بذي شبم من ماء محنية ... صاف بأبطح أضحى وهو مشمول
لينة: بئر عذبة بطريقة مكة، ماء طرق: مطروق، بولت فيه الإبل وبعرت، يقال طرقت الإبل الماء إذا بالت فيه وبعرت، قال عدي بن زيد في وصفه للخمر:
ثم كان المزاج ماء سحاب ... لا صدىً آجنٌ ولا مطروق
الرنق بفتح النون وسكونها وكسرها: الكدر.
стр. 240
التحليل:
يقول الشاعر: إن جيراننا قد أعدوا العدة للرحيل، وتهيئوا للفراق ورحلوا عنا بعد أن هام القلب بحب أسماء فتيمه، وانخلع لرحيلها، فصار أسيرًا لديها، رهينًا عندها، وقد أحاطت بالأسير القيود والأغلال، وعجز الراهن عن الوفاء بالدين، واسترداد المرهون، فاستحقه المرتهن وأخذ يستبد به، ويتصرف فيه كيف يشاء.
إنه قد ارتبط بأسماء وعجز عن أن يسلوها، أو يفيق من حبها، وكانت قد وعدته أن تمتعه بقربها، وتسعده بوصلها، فلم تفِ بالوعد، ولم ترع العهد، ولم تحفظ ما بينهما من وطيد الصلة ووشائج المحبة، فأصبح وصلها ميئوسًا منه، وقربها غير مطموع فيه، إنه شيبه بالحبل الذي أضعفه البلى، ونقضت الأيام عراه، إذ إنها تعد ولا تفي وتمني ولا تحقق الأماني.
وهي ماكرة خبيثة لا رحمة عندها ولا شفقة، بل هي قاسية أشد القسوة, وظالمة أشد الظلم حين تعرض للشاعر، فتترائى له لتشوقه إليها وتحزن لهذا الفراق المؤسي الذي لا أمل معه في اللقاء.
لم أخذت تتراءى له بذي ضال لتهيج أشواقه، وتثير كوامن شجونه, وقد تم لها ما أرادت, وهل في ذلك غرابة؟ فحنين النفس إلى أليفها، وشوقها إلى من تهواه، وحزنها لفراقه أمر مركوز في الطباع.
قد تصدت له في أبهى مظهرها وأحلى صورها، فكانت طويلة العنق، معتدلة القوام كالظبية الخالصة البياض ذات غزال صغير, وقد انقطعت عن صواحبها لترعاه، وتعطف عليه لقرب مولده، وشدة
стр. 241
حاجته إليها، فيبدو في تلفُّتها طول عنقها، كما تظهر عاطفة الأمومة في أحلى صورها.
بجيد مغزلة أدماء خاذلة ... من الظباء تراعي شادنًا خرقا
على أن هذه الصفات المتتالية التي أثبتها للظبية تعود في النهاية إلى محبوبته فهي مغزلة، وهي أدماء، وهي خاذلة، تراعي شادنًا خرقا، وهذا ما يسمى بالإستقصاء في الوصف.
وما أجمل هذه المرأة، وما أعذب ريقها، إنه في طيبته ورقته كأنما سقى بخمرة طيبة قد أتت عليها السنون، لم تجاوز العتق إلى الفساد، وإذا كان هذا هو طعم ريقها بعد النوم الذي تتغير عقبه الأفواه، فكيف به في غيره من الأوقات، على أن هذه الخمر، قد زاد في رقتها وطيبها أنها مزجت بماء ورد صاف غير مكدر ولا مطروق.
стр. 242
ب تصوير حالته النفسية
كأن عيني في غربي مقتلة ... من النواضح تسقي جنة سحقا
وخلفها سائق يحدو إذا خشيت ... منه العذاب تمد الصلب والعنقا
وقابل يتغنى كلما قدرت ... على العراق يداه قائمًا دفقا
يحيل في جدول تحبو ضفادعه ... حبو الجواري ترى في مائه نطقا
يخرجن من شربات ماؤها طحل ... على الجذوع يخفن الغم والغرقا
اللغة:
٨ الغرب: الدلو الكبيرة التي يستقى بها قال لبيد:١
فصرفت قصرًا والشئون كأنها ... غرب تحث به القلوص هزيم.
وفي حديث الزكاة: وما سقي بالغرب ففيه نصف العشر.
المقتلة: المذللة، يعني بذلك الناقة التي ريضت وذللت وعودت، ومن ذلك قيل للخمر مقتولة، إذا مزجت بالماء حتى ذهبت سورتها، وهدأت حدتها، فصار ذلك رياضة لها، فكأن عينيه من كثرة
стр. 243
دموعهما في غربي ناقة ينضح عليها وقد قتلت بالعمل حتى ذلت، فهي ناقة ماهرة تخرج الدلو ملآن فيسيل الماء من نواحيه.
النواضح: التي يستقى عليها، الواحد ناضح وناضحة، وكل بعير يستقى عليه فهو ناضح، والرجل الذي على البعير، أي يسوق الساقية ويسقي نخلا أو غيره، يقال له ناضح كذلك ونضاح، كما قال أبو ذؤيب الهذلي١:
هبطن بطن رهاط واعتصبن كما ... يسقي الجذوع خلال الدور نضاح
الجنة: البستان والمراد النخيل، وجنة سحقا: ذات سحق أي بُعد فهي متباعدة الأقطار والنواحي، والمعنى الذي ذكره زهير هنا قريب من قول لبيد٢:
كأن دموعه غربا سناة ... يحيلون السجال على السجال
٩ يحدو: يغني، والحداء سوق الإبل والغناء لها، وتحادت الإبل: حدا بعضها بعضا، قال ساعدة بن جؤية٣:
أرقت له حتى إذا ما عروضه ... تحادت وهاجتها بروق تطيرها
العذاب: الضرب، تمد الصلب والعنقا: تجتهد في سيرها.
стр. 244
١٠ القابل: الذي يستقبل الدلو، قدرت: تمكنت، العراقي: جمع عرقوة، وهي الخشبة المعترضة في فم الدلو، دفق الماء: صبه في الحوض.
١١ يحيل: يصب، والجدول: النهر الصغير، تحبو ضفادعه: تثب، الجواري: الصغيرات، النطق: الطرائق، واحدها نطاق، وذلك أن الماء إذا كدر وهبت عليه الرياح ظهر كأنه درجات يعلو بعضها بعضًا، ويتصل بعضها ببعض.
وقال أبو عمرو: هو أن يجتمع الغثاء على الماء، فيصير كأنه نطاق حوله إذا يبس١.
١٢ الشربات: واحدها شربة وهي حياض تحفر في أصول النخل من شق واحد فتملأ ماء، ماؤها طحل: كدر متغير كلون الطحال.
стр. 245
التحليل:
ثم أخذ في تصوير حالته النفسية ساعة الفراق، فقد اضطربت نفسه واستبد بها الألم، وغرقت عيناه في الدمع، وكأنهما لكثرة دموعهما مغمورتان في دلوين عظمين مملوءين بالماء، تخرجهما من البئر ناقة مذللة عودت هذا العمل وأجادته، والماء يفيض من جوانب الدلوين، فيسقي بستانا من النخيل، متباعد الأقطار متعدد النواحي اشتدت حاجته للماء ثم أخذ في الحديث عن هذه الناقة والسائق الذي يحدو من ورائها، ويغني لها تجديدًا لنشاطها، واستخراجًا لما تدخره من قوتها، فإذا ما أحست بدنوه منها اجتهدت في سيرها وأسرعت في جريها فمدت عنقها وصلبها لتنجو منه.
وهناك القائم على فم البئر الذي يتناول الدلو ويستقبله، ثم يفرغه في الجدول وهو يشدو بصوته، ويرسل أنغامًا عذبة تشحذ همته، وتنسيه مشقة هذا العمل، وتزيل عنه ما قد يصيبه من سأم أو ملل، وحين يصب الماء في الجدول ويجري في الحفر التي في أصول النخل تفزع الضفادع وتثب وثوب الجواري في ملاعبها، وتعلو الجزوع مشفقة حين تتكسر صفحة الماء طرائق وكأنها تخاف غما يلحقها، أو غرقا يلم بها.
стр. 246
جـ المديح
بل اذْكُرَنْ خير قيس كلها حسبًا ... وخيرها نائلًا وخيرها خلقا
وذاك أحزمهم رأيًا إذا نبأٌ ... من الحوادث آب الناس أو طرقا
فضل الجواد على الخيل البطاء فلا ... يعطي بذلك ممنونًا ولا نزقا
قد جعل المبتغون الخير في هرم ... والسائلون إلى أبوابه طرقا
القائد الخيل منكوبًا دوابرها ... قد أحكمت حكمات القد والأبقا
غزت سمانًا فآبت ضمرًا خدجا ... من بعد ما جبنوها بدنًا عققا
حتى يئوب بها شعثًا معطلة ... تشكو الدوابر والأنساء والصفقا
يطلب شأو امرأين قدَّما حسنا ... نالا الملوك وبذَّا هذه السوقا
هو الجواد فإن يلحق بشأوهما ... على تكاليفه فمثله لحقا
أو يسبقاه على ما كان من مهل ... فمثل ما قدَّما من صالح سبقا
стр. 247
أشم, أبيض, فياض, يفكك عن ... أيدي العناة وعن أعناقها الربقا
من يلق يوما على علاته هرما ... يلق السماحة منه والندى خلقا
وليس مانع ذي قربى وذي نسب ... يومًا ولا معدمًا من خابط ورقا
ليث بعثر يصطاد الرجال إذا ... ما الليث كذَّب عن أقرانه صدقا
يطعنهم ما ارتموا حتى إذا طعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا
هذا وليس كمن يعيا بخطته ... يوم النديِّ إذا ما ناطق نطقا
لو نال حيٌّ من الدنيا بمنزلة ... أفق السماء, لنالت كفه الأفقا
٢٩ ١٣ بل: للإضراب، أضرب عما كان فيه وأخذ في وصف الممدوح، الحسب: ما يعده الرجل من مفاخر آبائه، أو هو الفعال الحسن له ولآبائه، مأخوذ من الحساب إذا حسبوا مناقبهم، قال المتلمس الضبعي١:
ومن كان ذا عرض كريم فلم يصن ... له حسبًا كان اللئيم المذمما
стр. 248
النائل: العطاء ومثله النوال، قال وضاح اليمن١:
إذا قلت يوما: نوليني تبسمت ... وقالت: معاذ الله من نيل ما حرم
فما نولت حتى تضرعت عندها ... وأنبأتها ما رخَّص الله في اللمم
١٥ ممنونًا: مقطوعًا، ومن ذلك قول لبيد بن ربيعة٢:
لمعفر قهد تنازع شلوه ... غبس كواسب لا يمن طعامها
أو أنه لا يمن على من يعطيه، نزقًا: أي لا يعطي عن خفة وطيش.
١٦- الدوابر: أواخر الحوافر، واحدها دابر، ونكبت الدوابر: أكلتها الأرض وأثرت فيها، وأصل النكب داء يأخذ الإبل في مناكبها فتظلع منه، القد: سير يتخذ من جلد غير مدبوغ، وأحكمت الخيل: جعل لها القد حكمات، والحكمة: حديدة في اللجام تكون على أنف الفرس وحنكه تمنعه من مخالفة راكبه، وكانت العرب تتخذها من القد والأبق الذي هو شبه الكتان، يقال حكمت الفرس وأحكمته وحكمته بالتضعيف إذا قدته وكففته، وحكمت السفيه وأحكمته إذا أخذت على يديه، ومنه قول جرير:٢
أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم ... إني أخاف عليكم أن أغضبا
стр. 249
١٧ ضمَّر: جمع ضامر وضامرة، وهو القليل اللحم والمهزول، الخدج: جمع خوادج، وهي التي ألقت ولدها قبل أوانه لغير تمام، جنبوها: شدوها إلى جنب ركابهم، البدن: العظام الأبدان، العقق: جمع عقوق وهي التي عظمت بطونها، أو هي الحوامل، وفي شرح الأعلم هي التي استبان حملها, ولم يرد أن جميع الخيل إناث، ولا أن جميع الإناث عقق، وإنما خص ذكر العقق ليخبر بجهد جميعها، وشدة عنائها وتعبها١:
١٨ يئوب: يرجع مع الليل، شعثًا: مغبرة، معطلة: لا أرسان عليها من الإعياء والجهد، فتمشي بلا أرسان، ومثله قول امرئ القيس٢:
مطوت بهم حتى تكل مطيهم ... وحتى الجياد ما يقدن بأرسان
الدوابر: مآخير الحوافر، والأنساء: عروق في الفخذين، الصفق: جمع صفاق، وهو الجلد الذي دون الجلد الأعلى مما يلي البطن.
١٩ الشأو: الغاية، امرأين: يعني بهما هنا أباه وجده، نالا الملوك: بلغا منزلتهما، وبذَّا: غلبا وفاقا، السوقة: الرعية التي تسوسها الملوك، سموا سوقة، لأن الملوك يسوقونهم، فينساقون لهم، وقيل أوساط الناس، قال نهشل بن حرِّي:٣
ولم تر عيني سوقة مثل مالك ... ولا ملكًا تجبى إليه مرازبه
стр. 250
٢٠ الجواد: هو هرم، على تكاليفه: على مشاقه، فهو يطلب كل ما صنع أبواه.
٢١ مهل: تقدم، ومنه فلان ذو مهل: أي ذو تقدم في الخير، ولا يقال ذلك في الشر، قال ذو الرمة١:
كم فيهم من أشم الأنف ذي مهل ... يأبى الظلامة منه الصيغم الضاري
فأبَوَا الممدوح تقدماه في الشرف، فإن سبقاه بمثل فعلهما، وما قدماه من صالح سعيهما, سبقا من جاراهما.
٢٢ أشم: من الشمم وهو ارتفاع قصبة الأنف في اعتدال، ويكنى به عن العزة والأنفة، فهو سيد ذو أنفة، ومن ذلك قول كعب بن زهير يحذو حذو أبيه:٢
شم العرانين, أبطال, لبوسهم ... من نسج داود في الهيجا سرابيل
أبيض: قد يراد به البياض الحسي، وزهير في وصفه هذا يجري على طبيعة العرب في حبهم لِلَّون الأبيض، وبغضهم للون الأسود، وقد وصفوا كل شيء ممدوح عندهم بالبياض، وقد يراد بالبياض البياض المعنوي، وهو نقاء العرض من الدنس والعيوب، ولذلك يكنون به عن الرفعة وشرف النفس، كقول طرفة في وصف رفاقه على الشراب٣: