← Общие книги

Общие книги · id 11186

دعاوي المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب

عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف

Полный текст (387 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

حلق ناس من أهل تهامة رؤوسهم على ضوء السراج نحو ستمائة رجل في ليلة واحدة، فكيف بالنهار ... ) ١. ويقذع الرافضي اللكنهوري في السب والشتم، فيجعل الخوارج هم سلف الوهابيين، فكان من إفكه أنه قال: (وإن لهم أسوة في من سلف من الخوارج الحرورية، لعنهم الله، حيث كفروا أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب ﵇، وجميع المسلمين من أصحابه وأنصاره بتلفيقات تشبهها أقوال هؤلاء الوهابية واستحلوا بذلك دماءهم وأموالهم. ولو تأملت بصائب النظر في تاريخهم لوجدت الوهابية ممن يحذو حذوهم في العقائد ... ثم إنك لو أمعنت النظر لوجدت شيوخ أولئك الخوارج من أهل نجد) ٢. ويزعم عثمان بن منصور أن نجد اليمامة هي قرن الشيطان، فيقول: (وقد امتنع الرسول ﷺ عن الدعاء لها لما دعا للشام ولليمن والمدينة، لما علم بعلم الله ما يحدث فيها ومنها، وقال فيها "وأولئك منها الزلازل والفتن، ومنها ما يظهر قرن الشيطان") ٣. ويورد شيخ الكذب والبهتان أحمد دحلان، اتهامه لأنصار هذه الدعوة السلفية بفرية التحليق فيقول: (وكانوا يأمرون من اتبعهم أن يحلق رأسه، ولا يتركونه يفارق مجلسهم إذا تبعهم، حتى يحلقوا رأسه، ولم يقع مثل ذلك قط من أحد من الفرق الضالة التي مضت قبلهم، فالحديث صريح فيهم، وكان السيد عبد الرحمن الأهدل مفتي زبيد يقول: لا يحتاج أن يؤلف أحد تأليفا للرد على ابن عبد الوهاب، بل يكفي من الرد عليه قوله ﷺ " سيماهم التحليق " ٤ فإنه لم يفعله أحد من المبتدعة غيرهم) ٥. ويتهم الرافضي محمد حسن الموسوي الوهابيين بأنهم على نهج الخوارج. ثم يقول كاذبا (أن الوهابية أصحاب الزلازل والفتن بنص رسول الله ﷺ ٦. ويدعي النبهاني أن نجد اليمامة هي قرن الشيطان، وأنها من بلاد المشرق التي ذمها الرسول ﷺ يقول النبهاني في رائيته الصغرى:

стр. 177

أشار رسول الله للشرق ذمه ... وهم أهله لا غرو أن اطلع الشرا به يطلع الشيطان ينطح قرنه ... رءوس الهدى والله يكسره كسرا١ وقد حشد الدجوي في مجلته "الأزهر" إحدى عشرة صفة من صفات الخوارج، وحملها ظلما وبغيا على أنصار وأتباع دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله٢. كما زعم الأفاك الأثيم، والكذاب اللئيم الرافضي "العاملي" أن الوهابيين يشبهون الخوارج من ثلاث عشرة جهة٣. ويورد العاملي الأحاديث التي في ذم المشرق، وذم نجد، ليحملها على نجد اليمامة٤. ثم يدافع عن موطنه -العراق-، فيقول نافيا أن تكون العراق هي نجد قرن الشيطان -. (وما يحكى عن بعض الوهابيين من أن المراد من نجد هو العراق؛ لأنها أعلى من الحجاز والنجد في اللغة ما أشرف من الأرض، معلوم الفساد، فإن نجدا حيثما يطلق بلا قيد يراد به بلادهم التي لا تسمى عرفا إلا بهذا الاسم قديما وحديثا..) ٥. ويأتي العاملي بزور آخر، حين يدعي أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب من عشيرة ذي الخويصرة التميمي، وذلك لأن كلاهما من بني تميم، يقول العاملي: (ومن الأخبار المرجح ورودها في الوهابية قوله ﷺ في ذي الخويصرة التميمي أن من ضئضيء هذا قوما يقرأون القرآن ولا يجاوز حناجرهم.. فيكون المراد من ضئضئه أي من أصله وعشيرته، لا من نسله وعقبه؛ لأن عشيرة الرجل هي أصله

стр. 178

ومعدنه، وذو الخويصرة وابن عبد الوهاب. من أصل واحد، من عشيرة واحدة فكلاهما تميمي) ١. ويدعي الزهاوي أن من أعلام نبوة محمد ﷺ إخباره عن هؤلاء الخوارج، يقصد أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀-٢. ويزعم أحمد بن محمد الغماري أن دعوة الشيخ الإمام هي قرن الشيطان، فيقول: (ولما طلع قرن الشيطان بنجد في أواخر القرن الحادي عشر، وانتشرت فتنته، كانوا يحملون الأحاديث عليه وعلى أصحابه) ٣. ويردد أبو زهرة تلك الفرية دون تورع أو تثبت فيقول عن أتباع هذه الدعوة بأنهم: (كانوا يشبهون الخوارج الذين كانوا يكفرون مرتكب الذنب) ٤. كما أن الشيعي محمد جواد مغنية يزعم أن الوهابية لا تختلف عن الخوارج في مسألة التكفير ... ٥. إن هذا الركام من تلك الأكاذيب التي افتراها خصوم الدعوة السلفية ما يلبث أن يتلاشى ويزول، فيكون كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، وذلك عندما نسوق ما سطره بعض أتباع هذه الدعوة السلفية من الحجج الواضحة والأدلة الدامغة في دحض ذلك البهتان. لقد كذب الخصوم على الشيخ الإمام حين زعموا أنه يكفر المسلمين بالذنوب، فإن الشيخ قد أوضح معتقده في هذه المسألة، فقال في رسالته لأهل القصيم: (ولا أكفر أحدا من المسلمين بذنب، ولا أخرجه عن دائرة الإسلام) ٦. ومع أن الإمام الشوكاني- ﵀ في بادئ الأمر لم تبلغه معلومات موثقة عن هذه الدعوة السلفية، إلا أنه لم يصدق تلك الدعاوى الكاذبة، فقال: (وبعض الناس يزعم أنه يعتقد اعتقاد الخوارج، وما أظن ذلك صحيحا) ٧.

стр. 179

(وسئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر- ﵀، فقال السائل: إنكم تكفرون بالمعاصي. فأجاب: ليس هذا قولنا، بل هذا قول الخوارج الذين يكفرون بالذنوب، ولم نكفر أحدا بعمل المعاصي، بل نكفر من فعل المكفرات كالشرك بالله بأن يعبد معه غيره، فيدعو غير الله، أو يذبح له، أو ينذر له، أو يخافه، أو يرجوه، أو يتوكل عليه، فإن هذه الأمور كلها عبادة لله بنص القرآن ... إلى آخر جوابه ﵀ ١. ويفند الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب فرية "التحليق" فيقول: (وأما البحث عن حلق شعر الرأس، وأن بعض البوادي الذي دخلوا في ديننا قاتلوا من لم يحلق رأسه، وقتلوا بسبب الحلق خاصة، وأن من لم يحلق رأسه صار مرتدا، والردة لا تكون إلا بإنكار ما علم بالضرورة من دين الإسلام، وأنواع الكفر والردة من الأقوال والأفعال معلومة عند أهل العلم، وليس عدم الحلق منها، بل ولم نقل إن الحلق مسنون فضلا عن أن يكون واجبا، فضلا عن أن يكون تركه ردة عن الإسلام. ونحن لم نأمر أحدا من الأمراء بقتال من لم يحلق رأسه بل نأمرهم بقتال من أشرك بالله، وأبى عن توحيد الله ... ) ٢. ويوضح الشيخ عبد العزيز بن حمد- سبط الشيخ الإمام- في جواب له، بعضا من أحكام حلق شعر الرأس، ويذكر السبب في حلقه عندهم في بلاد نجد، فقال ﵀: (فالذي تدل عليه الأحاديث، النهي عن حلق بعض وترك بعض، فأما تركه كله فلا بأس به، إذا أكرمه الإنسان كما دلت عليه السنة النبوية. وأما حديث كليب٣ فهو يدل على الأمر بالحلق عند دخوله في الإسلام إن صح الحديث، ولا يدل على أن استمرار حلقه سنة، وأما تعزير من لم يحلق وأخذ ماله فلا يجوز وينهى فاعله عن ذلك؛ لأن ترك الحلق ليس منهيا عنه، وإنما نهى عنه ولي الأمر؛ لأن الحلق هو العادة عندنا، ولا يتركه إلا السفهاء عندنا، فنهى عن ذلك نهي تنزيه لا نهي تحريم سدا للذريعة؛ ولأن كفار زماننا لا يحلقون فصار في عدم الحلق تشبها بهم) ٤.

стр. 180

ويؤكد الشيخ عبد الرحمن بن حسن في رد شافٍ على من احتج بحديث نجد قرن الشيطان أن الذم والمدح يقع على الحال لا على المحل، كما يذكر المراد بنجد قرن الشيطان فقال ﵀: (.. الذم إنما يقع في الحقيقة على الحال لا على المحل، والأحاديث التي وردت في ذم نجد كقوله ﷺ " اللهم بارك لنا في يمننا. اللهم بارك لنا في شامنا " ١ الحديث.. قيل إنه أراد نجد العراق، لأن في بعض ألفاظه: ذكر المشرق، والعراق شرقي المدينة، والواقع يشهد له، لا نجد الحجاز، ذكره العلماء في شرح هذا الحديث، فقد جرى على العراق من الملاحم والفتن، ما لم يجر في نجد الحجاز، يعرف ذلك من له اطلاع على السير والتاريخ، كخروج الخوارج بها، وكمقتل الحسين، وفتنة ابن الأشعث، وفتنة المختار وقد ادعى النبوة ... وما جرى في ولاية الحجاج بن يوسف من القتال، وسفك الدماء وغير ذلك مما يطول عده. وعلى كل حال فالذم إنما يكون في حال دون حال، ووقت دون وقت، بحسب حال الساكن، لأن الذم إنما يكون للحال دون المحل، وإن كانت الأماكن تتفاضل. وقد تقع المداولة فيها، فإن الله يداول بين خلقه، حتى في البقاع، فمحل المعصية في زمن قد يكون محل طاعة في زمن آخر، وبالعكس) ٢. ثم قال ﵀: (فلو ذم نجد بمسيلمة بعد زواله، وزوال من يصدقه، لذم اليمن بخروج الأسود العنسي ودعواه النبوة..، وما ضر المدينة سكنى اليهود بها، وقد صارت مهاجر رسول الله ﷺ وأصحابه، ومعقل الإسلام، وما ذمت مكة بتكذيب أهلها لرسول الله ﷺ وشدة عداوتهم له، بل هي أحب أرض الله إليه..) ٣. ويذكر الشيخ عبد الرحمن بن حسن في الرد على عثمان بن منصور، الذي وصف أهل هذه الدعوة بأنهم خوارج، ونزل الأحاديث التي وردت في شأن الخوارج عليهم- في رده- أن أهل هذه الدعوة من أبعد الناس عن مشابهة الخوارج، يقول: (وأما أهل هذه الدعوة الإسلامية التي أظهرها الله بنجد، وانتشرت واعترف بصحتها كثير من العلماء والعقلاء، وأدحض الله حجة من نازعهم بالشهادة، فهم بحمد الله، يدعون إلى ما بعث الله به رسله من إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له..) ٤.

стр. 181

كما يبين الشيخ عبد الرحمن بن حسن في موضع آخر أن رأيى أهل هذه الدعوة في الخوارج هو رأي الصحابة رضي الله عنهم١. ويقرر الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن المراد بالمشرق ونجد الذي ورد ذمه في الحديث، فقال: (إن المراد بالمشرق ونجد في هذا الحديث وأمثاله هو العراق، لأنه يحاذي المدينة من جهة الشرق، يوضحه أن في بعض طرق هذا الحديث: "وأشار إلى العراق"، قال الخطابي: نجد من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة، كان نجده بادية الشام ونواحيها فهي مشرق أهل المدينة، وأصل نجد ما ارتفع من الأرض، وهو خلاف الغور فإنه ما انخفض منها، وقال الداوودي: إن نجدا من ناحية العراق، ذكر هذا الحافظ ابن حجر، ويشهد له ما في مسلم عن ابن عمر قال: يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم للكبيرة، سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الفتنة تجيء من هاهنا، وأومأ بيده إلى المشرق، فظهر أن هذا الحديث خاص لأهل العراق؛ لأن النبي ﷺ فسر المراد بالإشارة الحسية، وقد جاء صريحا في "المعجم الكبير" للطبراني النص على أنها العراق. وقول ابن عمر وأهل اللغة وشهادة الحال كل هذا يعين المراد..) ٢. ويشير الشيخ عبد اللطيف إلى فضل بني تميم فيقول: (وقد جاء في فضل بعض أهل نجد كتميم، ما رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: أحب تميما لثلاث سمعتهن من رسول الله ﷺ قوله لما جاءت صدقاتهم هذه صدقات قومي، وقوله في الجارية التميمية: اعتقها فإنها من ولد إسماعيل، وقوله: هم أشد أمتي على الدجال.. هذا في المناقب الخاصة، وأما العامة للعرب، فلا شك في عمومها لأهل نجد؛ لأنهم من صميم العرب، وما ورد في تفضيل القبائل والشعوب أدل وأصرح في الفضيلة مما ورد في البقاع والأماكن في الدلالة على فضل الساكن والقاطن.

стр. 182

ومعلوم أن رؤساء عباد القبور الداعين إلى دعائهم وعبادتها لهم حظ وافر مما يأتي به الدجال، وقد تصدى رجال من تميم، وأهل نجد للرد على دجاجلة عباد القبور الدعاة إلى تعظيمها مع الله، وهذا من أعلام نبوته ﷺ إن قلنا إن "ال" في الدجال للجنس لا للعهد، وإن قلنا إنها للعهد كما هو الظاهر، فالرد على جنس الدجال توطئة وتمهيد لجهاده، ورد باطله فتأمله فإنه نفيس جدا) ١. ويجيب الشيخ عبد اللطيف على من عاب الشيخ الإمام بدار مسيلمة، فيقول: (ولا يعيب شيخنا بدار مسيلمة إلا من عاب أئمة الهدى ومصابيح الدجى بما سبق في بلادهم من الشرك والكفر المبين، وطرد هذا القول جرأة على النبيين وأكابر المؤمنين، وهذا المعترض٢ كعنز السوء يبحث عن حتفه بظلفه ولا يدري. وقد قال بعض الأزهريين:٣ مسيلمة الكذاب من خير نجدكم. فقلت وفرعون اللعين رأس مصركم، فبهت، وأين كفر فرعون من كفر مسيلمة لو كانوا يعلمون) ٤. ويرد الشيخ عبد اللطيف على ابن منصور حين طعن في نجد اليمامة؛ لأنها - على حد زعمه- بلد نجدة الحروري والقرمطي، فيقول ﵀: (ثم كون نجدة الحروري والقرمطي من هذه البلاد، كلام كذب وزور على عادته، فإن نجدة ابتلي ببدعته ومروقه بالعراق، وبها استقر وهي وطنه، وأيضا فقد ثبت أنه تاب لما ناظره ابن عباس. والقرمطي بلاده القطيف والخط، وليس من حدود اليمامة، بل ولا من حدود نجد. ثم لو فرض أنه من نجد، ومن اليمامة ومن بلدة الشيخ أي ضرر في ذلك؟ وهل عاب الله ورسوله أحدا من المسلمين أو غيرهم ببلده ووطنه، وكونه فارسيا أو زنجيا أو مصريا من بلاد فرعون، ومحل كفره وسلطته؟ وعكرمة بن أبي جهل

стр. 183

من أفاضل الصحابة، وأبوه فرعون هذه الأمة) ١. وقد تتبع الشيخ السهسواني في "صيانة الإنسان" الروايات في شأن نجد قرن الشيطان، وساق أقوال العلماء في ذلك، ومرادهم بنجد هاهنا٢ ثم قال: (ولا يخفى عليك أن لفظا من ألفاظ هذا الحديث، لا يقتضي أن كل من يولد في المشرق يكون مصداقا لهذا الحديث.. ومجرد وقوع الفتنة لا يستلزم ذم كل من يسكنه، بدليل ما رواه الشيخان عن أسامة بن زيد قال: أشرف النبي ﷺ على أطم من آطام المدينة، فقال: هل ترون ما أرى؟ قالوا: لا قال: فإني لأرى الفتن تقع من خلال بيتكم كوقع المطر) ٣. وذكر المؤلف أحاديث أخرى، ثم قال: (وهذه الأحاديث وغيرها مما ورد في هذا الباب دالة على وقوع الفتن في المدينة النبوية، فلو كان وقوع الفتن في موضع مستلزما لذم ساكنيه لزم ذم سكان المدينة كلهم أجمعين، وهذا لا يقول به أحد، على أن مكة والمدينة كانتا في زمن موضع الشرك والكفر، وأي فتنة أكبر منهما، بل وما من بلد أو قرية إلا وقد كانت في زمن أو ستصير في زمان موضع الفتنة، فكيف يجتريء مؤمن على ذم جميع مسلمي الدنيا؟ وإنما مناط ذم شخص معين كونه مصدرا للفتن من الكفر والشرك والبدع) ٤. كما ساق السهسواني الروايات التي تثبت أن العراق هو المراد في أحاديث الفتن في نجد، وأنه المشرق بالنسبة للمدينة المنورة٥. ويقول السهسواني عن دعوى التحليق: (وهذا كذب صريح وبهتان قبيح) ٦. ويقول علامة العراق محمود شكري الآلوسي عن بلده العراق- والتي هي في الحقيقية نجد قرن الشيطان-:

стр. 184

(ولا بدع فبلاد العراق معدن كل محنة وبلية، ولم يزل أهل الإسلام منها في رزية بعد رزية، فأهل حروراء وما جرى منهم على الإسلام لا يخفى، وفتنة الجهمية الذين أخرجهم كثير من السلف من الإسلام إنما خرجت ونبغت بالعراق، والمعتزلة وما قالوه للحسن البصري وتواتر النقل به ... إنما نبغوا وظهروا بالبصرة، ثم الرافضة والشيعة وما حصل فيهم من الغلو في أهل البيت، والقول الشنيع في الإمام علي، وسائر الأئمة ومسبة أكابر الصحابة..، كل هذا معروف مستفيض) ١. ويعلن الشيخ ابن سحمان براءتهم من الخوارج، فينشد هذه الأبيات: ونبرأ من دين الخوارج إذ غلوا ... بتكفيرهم بالذنب كل موحد وظنوه دينا من سفاهة رأيهم ... وتشديدهم في الدين أي تشدد ومن كل دين خالف الحق والهدى ... وليس على نهج النبي محمد٢ ويرد ابن سحمان إفك الحداد حين وصف أهل نجد بأنهم من ذرية مسيلمة الكذاب، ويؤكد أن العراق موطن الفتن؛ لأنها مشرق المدينة وليست اليمامة، يقول ابن سحمان: (.. وآباء أصحاب رسول الله ﷺ وأسلافهم كانوا على جاهلية، وشرك، وعبادة للأصنام والأحجار وغيرها. ولا يتوجه عيب أحد منهم بأسلافه وقد يخرج الله من أصلاب المشركين، والكفار من هو من خواص أوليائه وأصفيائه ... ) ٣. ويقول: (قد كان بلد الشيخ اليمامة، ولم تكن اليمامة مشرق المدينة، بل مشرق المدينة العراق ونواحيه، فاليمامة ليست مشرق المدينة، ولا هي وسط المشرق بين المدينة والعراق، بل اليمامة شرق مكة المشرفة..) ٤. ويبين عبد الكريم بن فخر الدين الهندي تحريف دحلان، ويرد عليه، ثم ينكر جوابا على دعوى التحليق، فيقول- حين ذكر دحلان أن نجد جزيرة العرب هي قرن الشيطان-: انظر كيف صنيعه وتحريفه كلام الرسول وتضييعه، مع أن شراح الحديث يذكرون في ذيله قتل عثمان ﵁ وواقعة الجمل وصفين، وظهور الخوارج

стр. 185

ونحو ذلك، ولم يعينوا مورده كما عين، مع أن حدوث الشيخ محمد بن عبد الوهاب خارج عن الموارد المذكورة فيما هنالك) ١. ويقول عبد الكريم أيضا: (وأما ما ورد في الخوارج سيماهم التحليق، فلا ينطبق على ما ادعاه فإن ترك الشعر واللمة سنة عند محمد بن عبد الوهاب وأتباعه، فإن كان صحيحا يحمل أمره ذلك، فيمن كان جديد الإسلام كما قال رسول الله ﷺ " ألق عنك شعر الكفر " ٢ ٣) ٤. ويبين ناصر الدين الحجازى في "النفخة" المراد بالشرق وحده- أثناء رده على إفك الاسكندراني- فيقول: (إن الشرق اسم عام نهايته مطلع الشمس، وقد ظهر منه فتن كثيرة كفتنة جنكيزخان، وهولاكو ومن بعده من التتار، واستطال الأمر، وقتلت الألوف المؤلفة من المسلمين، فما الذي حملت على أن تخصه بأولئك المساكين الذين يضربون في الأرض، ليحصلوا قوتهم من حلال ... ) ٥. ويجيب الحجازي عن فرية التحليق فيقول- ﵀: (وأما ما ذكرته عن التحليق فذاك "كلام خرافة يا أم عمرو") ٦. وألف الشيخ حكيم محمد أشرف سندهو ﵀ رسالة مستقلة بعنوان "أكمل البيان في شرح حديث نجد قرن الشيطان"٧ جمع فيها روايات هذا الحديث، وذكر أقوال شراح الحديث في بيان معناه، وكذا أقوال علماء اللغة، والجغرافيين، وأثبت على ضوئها أن المراد بنجد قرن الشيطان هي العراق، ونوجز بعض ما أورده وهو يقول- بعد أن ساق مرويات هذا الحديث-: (مقصود الأحاديث أن البلاد الواقعة في جهة المشرق من المدينة المنورة، هي مبدأ الفتنة والفساد، ومركز الكفر والإلحاد، ومصدر الابتداع والضرر، فانظروا في خريطة العرب بنظر الإمعان، يظهر لكم أن الأرض الواقعة في شرق المدينة إنما

стр. 186

هي أرض العراق فقط موضع الكوفة والبصرة وبغداد) ١. ويقول في موضع آخر: (واتفقت كلمة شراح الحديث وأئمة اللغة ومهرة جغرافية العرب أن النجد ليس اسما لبلد مخصوص، ولا اسما لبلدة بعينها، بل يقال لكل قطعة من الأرض مرتفعة عما حواليها نجد ... ) ٢. وقد رد الشيخ حمود التويجري في كتابه "إيضاح المحجة" على فرية الغماري فكان من رده: (أن الروايات الواردة في طلوع قرن الشيطان من المشرق كلها عن عبد الله بن عمر ﵄، وقد صرح في بعضها أن المراد بالمشرق أرض العراق فبطل بذلك كل ما يتعلق به الملاحدة على أهل الجزيرة العربية) ٣. ولما زعم الغماري أن المراد بطلوع قرن الشيطان بنجد هو ظهور الشيخ أعقبه التويجري برد قال فيه: (وهذا من البهتان والإثم المبين، لكونه وصفهم بصفة ذميمة لم ترد فيهم، وإنما وردت في غيرهم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ ٤ وقد شهد علماء الدين للشيخ بأنه أظهر توحيد الله، وجدد دينه، ودعا إليه، واعترفوا بعلمه وفضله وهدايته، وأثنوا عليه نظما ونثرا) ٥. ويقول العلامة ناصر الدين الألباني- معلقا على حديث " اللهم بارك لنا في شامنا.. "٦ بعد أن ساق طرقه ومروياته: (فيستفاد من مجموع طرق الحديث أن المراد من نجد في رواية البخاري ليس هو الإقليم المعروف اليوم بهذا الاسم، وإنما هو العراق، وبذلك فسره الإمام الخطابي والحافظ ابن حجر العسقلاني ... وقد تحقق ما أنبأ به ﵇، فإن كثيرا من الفتن الكبرى كان مصدرها العراق كالقتال بين سيدنا علي ومعاوية، وبين علي والخوارج، وبين علي وعائشة وغيرها مما هو مذكور في كتب التاريخ. فالحديث

стр. 187

من معجزاته ﷺ وأعلام نبوته..) ١. وينفي د. عبد الباري عبد الباقي أن يكون الوهابيون خوارج، فيقول: (فعلى عكس الخوارج، لم يتبرأ الوهابيون من عثمان وعلي ﵄ ٢. ويدحض القصيمي فرية التحليق- شعار الخوارج كما يقولون..-، وينفي أن تكون منطبقة على الوهابيين، فيقول: (وهذا قول فاسد مردود، وبيان ذلك أن حجته في هذا القول، هي أن النجديين فيهم من يحلقون رءوسهم، وفاتهم أن معنى سيمى القوم، أي علامتهم التي بها يتميزون عن غيرهم، وما به يعرفون ويختصون، وإذا كان الأمر مشتركا بين الناس مشاعا بين أصنافهم، فليس سيمى الطائفة ولا علامة، وكذلك التحليق لا يمكن أن يكون سيمى لأحد اليوم؛ لأن التحليق أمر تفعله أمم كثيرة في أقطار كثيرة من الأقطار الإسلامية، فلا يمكن أن يكون سيمى النجديين يقينا) ٣. ويبطل القصيمي- دعوى الرافضي العاملي- أن الوهابيين خوارج فيقول: (أن الوهابيين يشهدون بحق وصدق أن هؤلاء الذين أكفرهم الخوارج كعلي وعثمان ومعاوية، ومن وافق هؤلاء الصحابة من الصحابة والتابعين من أفضل البشر، وأصدقهم دينا، وإيمانا وسيرة وسريرة..) ٤.

стр. 188

المبحث الثالث: شبهة أن الوهابيين أدخلوا في المكفرات ما ليس فيها نورد في هذا المبحث ما كتبه بعض الخصوم من مخالفات واعتراضات لما قرره علماء الدعوة السلفية، فلقد خالف هؤلاء الخصوم، وادعوا أن الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب وأنصار دعوته قد أدخلوا في نواقض الإسلام ما ليس منها، وادعوا أيضا أن تلك المكفرات التي يؤكد الشيخ محمد بن عبد الوهاب أنها تخرج عن دائرة الإسلام أنها ليست في الحقيقة عندهم مكفرات، بل هي دون ذلك ... ولو تتبعنا أقوال الخصوم في هذا المقام، لطال بنا الحديث وامتد دون حد أو حصر.. ولكن -ومن خلال التأمل في تلك الأقوال والنقول عنهم- لاحظت أن السبب الرئيس لهذا الخلاف، هو الاختلاف في حد الكفر المخرج عن دين الإسلام بين أئمة الدعوة السلفية، وبين هؤلاء الخصوم، فقد قرر أئمة الدعوة نواقض الإسلام وبينوا وميزوا حد الكفر الأكبر من الأصغر، كما جاء هذا التقرير والبيان في نصوص القرآن ونصوص السنة النبوية، وآثار السلف الصالح، أما أولئك المخالفين من الخصوم فقد خالفوا سبيل المؤمنين، فلم يدركوا حد الكفر..، ولم يعرفوا معنى الكفر المخرج من الملة، لذا فإنهم قد حصروا الكفر في حدود ضيقة جدا، فأخرجوا كثيرا من المكفرات -مما جاءت الأدلة والبراهين على إثبات أنها من المكفرات-، وجعلوها غير داخلة في نواقض الإسلام. ولقد وقع الخصوم في اللبس والقصور لحقيقة الكفر، بسبب جهلهم بحقيقة التوحيد، فلما لم يتصوروا حقيقة التوحيد تصورا تاما، ولم يفهموا حقيقة التوحيد فهما سليما، وجهلوا بعض خصائص التوحيد، أدى بهم ذلك إلى التصور المبتور، والجهل بمعرفة ما يناقض حقيقة التوحيد، إضافة إلى أثر العوائد المألوفة والتقليد الأعمى، ومن ثم جهلوا بعض أوصاف الكفر، فوقعوا -أي الخصوم- في بعض المكفرات، وأوقعوا العامة في أدران الشرك ونجاساته١ ثم أنكر الخصوم على من أدرك الحق في ذلك، وخالف هؤلاء الأدعياء في تصور حقيقة التوحيد، وحقيقة ما يناقضه. إن التصور الناقص المبتور لحقيقة التوحيد عند الخصوم هو أنهم يعتقدون أن التوحيد الذي يجب على كل مكلف هو توحيد الربوبية فقط، فمن أقر بأن الله

стр. 189

هو الخالق الرازق المدبر المحيي المميت.. ونحوها من صفات الربوبية، فهو الموحد، وتصوروا -جهلا وتقليدا- أن معنى شهادة لا إله إلا الله هو إثبات أن الله هو الخالق والقادر على الاختراع، وجهلوا -أو تجاهلوا- أن معنى "الإله" بإجماع أهل اللغة وعلماء التفسير والفقهاء هو المعبود، فيكون المراد بكلمة الشهادة: لا معبود بحق إلا الله، أي صرف جميع أنواع العبادات لله وحده، وإثباتها له وحده -سبحانه، ونفيها عما سواه ١. وكأن هؤلاء الأدعياء لا يعلمون أن المصطفى ﷺ قد قاتل مشركي العرب مع إقرارهم بتوحيد الربوبية؛ لأنهم قد أنكروا توحيد العبادة ولم يعترفوا، ولم يقروا بأن الله وحده هو المستحق للعبادة بجميع أنواعها فلا تصرف لمعبوداتهم من الأحجار والأوثان والطواغيت. ومما يدل على أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ كانوا مقرين بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت المدبر.. ونحوها من أفعال الرب سبحانه، ولم يدخلهم ذلك في دين الإسلام قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٢. وهذا التوحيد الذي أقر به مشركوا العرب ولم يدخلهم في الإسلام هو الغاية عند هؤلاء الخصوم. وسنورد نماذج من أقوالهم من كتبهم توضح ما ذكرناه آنفا وتبين أن توحيد الربوبية هو مقصودهم، وأن مخالفة ومناقضة هذا التوحيد هي الكفر فقط، ولو وقع أحدهم في بعض أنواع المكفرات المخرجة عن دين الإسلام، كمن ذبح لغير الله أو نذر لغير الله، أو استغاث ودعا المخلوقين فيما لا يقدر عليه إلا الله، فإنه لا يعتبر بفعلها مرتدا، ما دام أنه يعتقد أن المؤثر في هذا الكون هو الله وحده ... ثم نورد نماذج أخرى من أقوالهم في تجويز تلك المكفرات، أو جعلها معاصي دون الكفر المخرج عن الملة، مثل الذبح لغير الله والنذر لغير الله والدعاء والاستغاثة بغير الله، وإنكارهم على أئمة الدعوة خلاف ذلك. وعقب ذلك، نذكر الرد والبيان من كلام الأئمة الأعلام أتباع هذه الدعوة السلفية على تلك الدعاوى.

стр. 190

يقرر ابن عفالق معنى التوحيد -عندهم- فيقول: (التوحيد إفراد القديم من الحدث، وإفراده بالربوبية والوحدانية، ومباينته تعالى لجميع مخلوقاته ... ) ١. ويذكر القباني إقرار المشركين الأولين بتوحيد الربوبية، لكي يدافع عن مشركي زمانه ممن يستغيث بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، فيقول: (فهل سمعت عن أحد من المستغيثين أنه يعتقد في الرسول ﷺ أو في الولي المستغاث به أنه إله مع الله تعالى يضر وينفع، ويشفع بذاته كما يعتقد المشركون فيمن عبدوه..) ٢. ويدعي محمد بن عبد المجيد نفس الدعوى السابقة، وأن مشركي العرب لم يقروا بربوبية الله، فيقول: (إنما كفر أهل الجاهلية بعبادة الأصنام لتضمنها اعتقادهم ثبوت شيء من صفات الربوبية لها ... -ثم يقول- ومن هذه الحيثية شركهم وكفرهم؛ لأن صفاته تعالى تجب لها الوحدانية بمعنى عدم وجود نظير لها إلا قائم بذاته تعالى ولا بذات أخرى) ٣. فإذا كان مشركو العرب منكرين لشيء من صفات الربوبية -على حد زعمه- (فأين هذا ممن يستغيث من المسلمين بنبي أو ولي معتقدا أنه لا يملك نفعا ولا ضرا) ٤. ويدافع "الحداد" عن أتباعه من عباد القبور، فيقول: (.. هؤلاء مهما عظموا الأنبياء والأولياء فإنهم لا يعتقدون فيهم ما يعتقدون في جناب الحق ﵎ من الخلق الحقيقي التام العام، وإنما يعتقدون الوجاهة لهم عند الله في أمر جزئي، وينسبونه لهم مجازا، ويعتقدون أن الأصل والفعل لله سبحانه) ٥. ويقرر "دحلان" أن الشرك هو اعتقاد التأثير لغير الله، وليس هناك مسلم يعتقد التأثير لغير الله، يقول:

стр. 191

فالذي يوقع في الإشراك هو اعتقاد ألوهية غير الله سبحانه، أو اعتقاد التأثير لغير الله) ١. ثم يقول (ولا يعتقد أحد من المسلمين ألوهية غير الله تعالى، ولا تأثير أحد سوى الله تعالى..) ٢. ويؤكد "الزهاوي" أن المشركين الأولين كانوا يعتقدون لأصنامهم أنها تنفع وتضر بذواتها فيقول: (إن المشركين إنما كفروا بسبب اعتقادهم في الملائكة والأنبياء والأولياء أنهم ألهة مع الله يضرون وينفعون بذواتهم) ٣. ويحاول "العاملي" أن يثبت بلا دليل أن مشركي العرب ينكرون ربوبية الله، وأن يرد على ما قرره الشيخ الإمام -بالأدلة والبراهين في رسالتيه: "كشف الشبهات" و"أربع قواعد"- بأن مشركي العرب معترفون بربوبية الله، فيقول -في دفاع هزيل عن أتباعه المشاركين لهؤلاء المشركين في الإقرار بتوحيد الربوبية فقط-: (لا شيء يدلنا على أنهم -أي مشركي العرب- لا يعتقدون في الأصنام والأوثان ومعبوداتهم. أنه لا تأثير لها في الكون، وأن التأثير وحده لله تعالى وهي شافعة فقط، إذ يجوز أن يعتقدوا أن لها تأثيراً بنفسها بغير ما في الآيات المستشهد بها، فتشفي المرض وتكشف الضر..) ٤. ويقرر الشطي أن الشرك الأكبر هو -فقط-: (عبادة الأوثان والأصنام) ٥ ويذكر حكاية لجده، فقال: (ومرة دخل جدي جامع بني أمية في الشام، فسمع عجوزا تقول: يا سيدي يحيى عاف لي بنتي، فوجد هذا اللفظ بظاهره مشكلا، وغير لائق بالأدب الإلهي، فأمرها بالمعروف، وقال لها: يا أختي قولي بجاه سيدي يحيى عاف لي بنتي، فقالت له: أعرف أعرف، ولكن هو أقرب مني إلى الله تعالى، فأفصحت عن صحة عقيدتها من أن الفعال هو الله تعالى، وإنما صدر هذا القول منها على وجه التوسل والتوسط إلى الله تعالى، بحصول مطلوبها منه..) ٦.

стр. 192

ويبرِّئ الرافضيُّ محمدُ حسين طائفتَه الرافضةَ، ومن سار على نهج ضلالهم من عباد القبور، ويعلن براءتهم من شرك الربوبية فيقول: فهل تحس أن أحدا من زوار القبور يقصد أن القبر الذي يطوف حوله، أو صاحب الملحود فيه هو صانعه وخالقه، أو أنه يقول للغير أو لمن فيه: يا خالقي ويا رازقي ويا معبودي.. كلا ثم كلا.. ما أحسب أن أحدا يخطر على باله شيء من تلك المعاني..) ١. ويسد محمد الطاهر باب الردة، ويلغي نواقض الإسلام حين يهذي فيقول: (إذا وجد في كلام المسلمين إسناد شيء لغير الله يجب حمله على المجاز العقلي، ولا سبيل لتكفير أحد من المسلمين.. فإذا قال العامي من المسلمين: نفعني النبي صلى الله ليه وسلم أو الصحابي أو الولي، فإنما هو يريد الإسناد المجازي، والقرينة على ذلك أنه مسلم موحد لا يعتقد التأثير إلا لله وحده لا لغيره) ٢. بناء على النقول السابقة لهؤلاء الخصوم فليس الذبح لغير الله شركا، وليس النذر لغير الله شركا، وليست الاستغاثة بالأموات شركا، كل ذلك ليس شركا يخرج عن دائرة الإسلام، ما دام أن مرتكبها يعتقد أن الله هو الفاعل وأنه المؤثر وحده.. هكذا فهم هؤلاء البشر وإليك أقوالهم من كتبهم التي تثبت ذلك، وتستنكر بشدة على من خالفهم في ضلالاتهم وانحرافاتهم. يقول ابن عفالق نافيا أن يكون الذبح والنذر لغير الله شركا: (فاجتمعت الأمة على أن الذبح والنذر لغير الله حرام، ومن فعلها فهو عاص لله ورسوله.. والذي منع العلماء من تكفيرهم أنهم لم يفعلوا ذلك باعتقاد أنها أنداد لله..) ٣. ويشنع ابن سحيم على الشيخ الإمام، لأنه كفر من ذبح لغير الله، يقول ابن سحيم: (ومنها أنه يقطع بكفر الذي يذبح الذبيحة ويسمي عليها، ويجعلها لله، لكن يدخل مع ذلك دفع شر الجن ويقول ذلك كفر واللحم حرام..) ٤. ويستنكر سليمان بن عبد الوهاب تكفير من ذبح أو نذر لغير الله، ويستغرب من

стр. 193

تكفير من دعا غير الله فيقول: (من أين لكم أن المسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله إذا دعا غائبا، أو ميتا أو نذر له، أو ذبح لغير الله، أن هذا هو الشرك الأكبر الذي من فعله حبط عمله وحل ماله ودمه) ١. ويقول سليمان: (لم يقل أهل العلم من طلب من غير الله فهو مرتد ولم يقولوا من ذبح لغير الله فهو مرتد..) ٢. ويجوز محمد بن محمد القادري الاستغاثة بغير الله ما دام أن المستغيث بغير الله، لا يعتقد أن غير الله هو الموجد، وأنه لا تأثير إلا لله وحده يقول القادري: (وقول يا سيدي أحمد أو شيخ فلان ليس من الإشراك؛ لأن القصد التوسل والاستغاثة.. ولا يشك في مسلم أنه يعتقد في سيدي أحمد أو غيره من الأولياء أن له إيجاد شيء من قضاء مصلحة أو غيرها إلا بإرادة الله وقدرته..) ٣. ويعتبر الحداد أن منع النذر للأولياء من مفتريات الشيخ، فيقول الحداد: (وأما نص النجدي بمنع النذر مطلقا للأكابر، فمن افترائه على كتب الشريعة وجهله المركب) ٤. ويقول محسن بن عبد الكريم في "لفحات الوجد" أثناء مدحه لأحد خصوم الشيخ: (وألزمهم بعد ذلك أن الشرك في الدعاء ليس بشرك أكبر، فلا يخرج به فاعله من دائرة الإسلام بعد تحقيق دخوله فيه) ٥. وألف عبد الله بن حسين بلفقيه العلوي رسالة في الرد على أئمة الدعوة.. في هذه المسألة، لكي يثبت أن دعاء غير الله ليس شركا أكبر٦. كما أن داود بن جرجيس يزعم أن دعاء الأموات والغائبين والذبح والنذر لغير الله ليس بشرك٧.

стр. 194

ويحتج جعفر النجفي على جواز الذبح لغير الله بأن (أهل الإسلام من قديم الأيام يذبحون للأنبياء والأولياء..) ١. ويدعي الرافضي العاملي جواز الاستغاثة بغير الله، فيقول: (لو قال في دعائه واستغاثته بغير الله: اقض ديني، أو اشف مريضي أو انصرني على عدوي، فليس منه مانع ولا محذور، فضلا عما يوجب الإشراك والتكفير، للعلم بحال المسلم الموحد المعتقد أن من عدا الله تعالى لا يملك لنفسه أو لغيره نفعا ولا ضرا) ٢. ويستنكر الشطي أن تكون الاستغاثة بغير الله شركا -كما هو عليه أئمة الدعوة السلفية-، فيقول حاكيا معتقد الوهابيين في ذلك: (فإنهم يصرحون بأن من يستغيث بالرسول ﵇، أو غيره، في حاجة من حوائجه، أو يطلب منه أو يناديه في مطالبه ومقاصده، ولو بيا رسول الله، أو اعتقد على نبي أو ولي ميت وجعله واسطة بينه وبين الله في حوائجه فهو مشرك حلال الدم والمال..) ٣. ويأتي محمد بن علوي المالكي -في ذيل تلك القافلة المتعثرة- فيدعي: (أنه لا يكفر المستغيث إلا إذا اعتقد الخلق والإيجاد لغير الله) ٤. لكي نجيب على تلك الشبهة، ونزيل اعتراض الخصوم، فإننا نُذكِّر بما قررناه من قبل أن الخصوم قصرت تصوراتهم عن إدراك حقيقة التوحيد فجعلوا توحيد الربوبية هو غاية التوحيد، وأنه الواجب على المكلف.. ومن ثم قصرت تصوراتهم لحقيقة الشرك -الذي يناقض التوحيد-، فحصروا الشرك في الربوبية كمن يعتقد أن الخلق والإيجاد لغير الله، أو النفع والضر لغيره سبحانه ... أما علماء هذه الدعوة وأتباعها فقد تصوروا تصورا تاماً وفهموا فهما شاملا لكل من حقيقة التوحيد، وحقيقة الشرك. ومن المناسب إذن أن نذكر حد الشرك الأكبر وتفسيره الذي يجمع أنواعه وأفراده كما قرره بعض علماء الدعوة.. وهو:

стр. 195

(أن يصرف العبد نوعا أو فردا من أفراد العبادة لغير الله.. فكل اعتقاد أو قول أو عمل ثبت أنه مأمور به من الشارع، فصرفه لله وحده توحيد وإيمان وإخلاص، وصرفه لغيره شرك وكفر) ١. فمثلا أمر الله بالذبح له، وإخلاص ذلك لوجهه، كما هي صريحة بذلك النصوص القرآنية في الصلاة، فقد قرن الله الذبح بالصلاة في عدة مواضع من كتابه، وإذا ثبت أن الذبح لله من أجَلّ العبادات وأكبر الطاعات، فالذبح لغير الله شرك أكبر مخرج عن دائرة الإسلام٢. وكذلك النذر عبادة، مدح الله الموفين به، وأمر النبي صلى الله ليه وسلم بالوفاء بنذر الطاعة، وأمر سبحانه بالاستغاثة به في كل شدة ومشقة، فهذه إخلاصها إيمان وتوحيد وصرفها لغير الله شرك وتنديد٣.وأما دعوى الخصوم أن مشركي العرب يعتقدون النفع والضر لأصنامهم، فنصوص القرآن الكريم ترد تلك الدعوى الخاطئة -كما ذكرنا بعضها من قبل- ويكفي من ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ. قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ ٤. فهؤلاء الذين قاتلهم الرسول ﷺ مقرون بأنه لا ينفع ولا يضر إلا الله وحده، ومقرون أن معبوداتهم -سواء كانت أصناما أو أولياء- لا تدبر ولا تخلق شيئا، وأن النفع والضر من عند الله.. وبهذا يتضح بطلان اعتقاد هؤلاء الجهال -من عباد القبور- ممن يذبح للأولياء أو ينذر لهم القرابين أو يستغيث بالموتى، ويظن أنه مسلم بمجرد اعتقاده أن الله هو المؤثر المتصرف، فإن هذه طريقة مشركي العرب سواء بسواء٥.

стр. 196

ولبيان أن دعاء غير الله والاستغاثة بالأولياء ونحوهم، وكذا الذبح لغير الله، والنذر لغيره ... أن هذه كلها من أنواع الشرك الأكبر الذي يخرج عن دائرة الإسلام، فإننا نذكر بعض ما كتبه أئمة الدعوة في هذا الشأن ردا على شبهة أولئك الخصوم. يورد الشيخ محمد بن عبد الوهاب الجواب الشافي على شبهة ابن سحيم حين ظن أن النذر لغير الله حرام ليس بشرك، فقال الشيخ مجيبا على ذلك ومخاطبا ابن سحيم: (فدليلك قولهم إن النذر لغير الله حرام بالإجماع فاستدللت بقولهم حرام على أنه ليس بشرك، فإن كان هذا قدر عقلك فكيف تدعي المعرفة؟ يا ويلك ما تصنع بقول الله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ ١ فهذا يدل على أن الشرك حرام ليس بكفر يا هذا الجاهل الجهل المركب، ما تصنع بقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَن﴾ ٢ إلى قوله: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً﴾ ٣ هل يدل هذا التحريم على أنه لا يكفر صاحبه؟ يا ويلك في أي كتاب وجدته إذا قيل لك هذا حرام، أنه ليس بكفر، فقولك إن ظاهر كلامهم أنه ليس بكفر، كذب وافتراء على أهل العلم، بل يقال ذكر أنه حرام، وأما كونه كفراً فيحتاج إلى دليل آخر، والدليل عليه أنه مصرح في "الإقناع" أن النذر عبادة، ومعلوم أن لا إله إلا الله معناها لا يعبد إلا الله، فإذا كان النذر عبادة وجعلتها لغيره كيف لا يكون شركا) ٤. ويورد الشيخ الإمام قاعدة مهمة أثناء جوابه على من ادعى أن الذبح للجن منهي عنه فهو معصية وليس ردة.. يقول الشيخ: (قوله: الذبح للجن منهي عنه، فاعرف قاعدة أهملها أهل زمانك، وهي أن لفظ "التحريم" و "الكراهة" وقوله "لا ينبغي" ألفاظ عامة تستعمل في المكفرات، والمحرمات التي هي دون الكفر، وفي كراهة التنزيه التي هي دون الحرام، مثل استعمالها في المكفرات: قولهم لا إله إلا الذي لا تنبغي العبادة إلا له. وقوله ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ ٥ ولفظ التحريم مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ

стр. 197

أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ ١، وكلام العلماء لا ينحصر في قولهم "يحرم كذا" لما صرحوا في مواضع أخر أنه كفر، وقولهم "يكره" كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ ٢ إلى قوله: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾ ٣ وأما كلام الإمام أحمد في قوله: "أكره كذا" فهو عند أصحابه على التحريم، إذا فهمت هذا، فهم صرحوا أن الذبح للجن ردة تخرج وقالوا: الذبيحة حرام ولو سمى عليها..) ٤. ويقرر الشيخ حمد بن ناصر بن معمر حكم الاستغاثة بغير الله فيقول: (ونحن نعلم بالضرورة أن النبي ﷺ لم يشرع لأمته أن يدعوا أحدا من الأموات لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة، ولا بغيرها، بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الأكبر الذي حرمه الله ورسوله قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ٥ ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ ٦) ٧. ثم يقول: (فكل من دعا ميتا من الأنبياء والصالحين أو دعا الملائكة أو الجن، فقد دعا من لا يغيثه، ولا يملك كشف الضر عنه، ولا تحويله) ٨. ويبين الشيخ حمد بن ناصر بن معمر- ﵀ نوعي دعاء غير الله، ثم يرد على بعض الاعتراضات التي أوردها بعض الخصوم، لكي يجيزوا دعاء غير الله ويحسبون أنه ليس بكفر، فكان مما قاله: (اعلم أن دعاء غير الله وسؤاله نوعان، أحدهما: سؤال الحي الحاضر ما يقدر عليه مثل سؤاله أن يدعو له، أو ينصره، أو يعينه، فهذا جائز كما كان الصحابة يستشفعون بالنبي ﷺ في حياته، فيشفع لهم، ويسألونه الدعاء فيدعو لهم. النوع الثاني: سؤال الميت والغائب وغيرهما ما لا يقدر عليه إلا الله مثل سؤال قضاء الحاجات وتفريج الكربات، فهذا من المحرمات المنكرة باتفاق أئمة المسلمين

стр. 198

وهذا مما يعلم بالاضطرار أنه ليس من دين الإسلام) ١. وقال أيضا: (فقول القائل: إن إطلاق الكفر بدعاء غير الله غير مسلم لوجوه: الوجه الأول: عدم النص الصريح على ذلك بخصوصه كلام باطل بل النصوص صريحة في كفر من دعا غير الله، وجعل لله ندا من خلقه يدعوه كما يدعو الله ويرجوه كما يرجو الله، ويتوكل عليه في أموره كلها. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ٢ ٣. ويقول في موضع آخر: (وأيضا فإن كثيرا من المسائل التي ذكرها العلماء في مسائل الردة والكفر وانعقد عليها الإجماع، لم يرد فيها نصوص صريحة بتسميتها كفرا، وإنما يستنبطها العلماء من عمومات النصوص..) ٤. ثم يقول الشيخ حمد بن ناصر بن معمر في رد اعتراض آخر: (وأما قوله الثاني إن نظر فيه من حيثية القول فهو كالحلف بغير الله وقد ورد أنه شرك وكفر ثم أولوه بالأصغر ... فنقول: هذا كلام باطل، وليس يخفى ما بينهما من الفرق، فأي مشابهة بين من وحد الله وعبده، ولم يشرك معه أحدا من خلقه، وأنزل حاجاته كلها بالله واستغاث به في تفريج كربته، لكنه حلف بغير الله يمينا مجردة لم يقصد بها تعظيمه على ربه، ولم يسأله ولم يستغث به، وبين من استغاث بغير الله وسأله جلب الفوائد وكشف الشدائد، فإن هذا صرف مخ العبادة الذي هو لبها وخالصها لغير الله ... ) ٥. ويوضح صاحب "التوضيح" الإشكال عند الخصوم، ويزيل اللبس عندهم في مسألة النذر لغير الله ... فيفصل الفرق بين نذر فعل المعصية، والنذر لأجل غير الله..،

стр. 199

ويبين تحقق الشرك وحصوله في النذر لغير الله.. يقول صاحب "التوضيح": (والنذر غير الجائز قسمان: أحدهما: نذر فعل معصية كشرب الخمر، وقتل معصوم، وصوم يوم عيد فيحرم الوفاء به؛ لقول النبي ﷺ " من نذر أن يعصي الله فلا يعصه " ١ ولأن معصية الله ﵎ لا تباح في حال من الأحوال ... الثاني: النذر لغير الله كالنذر لإبراهيم الخليل أو محمد النبي الأمي ﷺ أو ابن عباس، أو عبد القادر، أو الخضر.. فلا خلاف بين من يعتد به من علماء المسلمين أنه من الشرك الاعتقادي، لأن الناذر لم ينذر هذا النذر الذي لغير الله إلا لاعتقاده في المنذور له أنه يضر وينفع ويعطي ويمنع إما بطبعه، وإما بقوة سببية فيه، ويجلب الخير والبركة، ويدفع الشر والعسرة، والدليل على اعتقاد هؤلاء الناذرين وشركهم حكيهم وقولهم إنهم قد وقعوا في شدائد عظيمة، فنذروا نذرا لفلان وفلان أصحاب القبور من الأنبياء والمشايخ، وللغار الفلاني، والشجرة الفلانية فانكشفت شدائدهم، واستراحت خواطرهم، فقد قام في نفوسهم أن هذه النذور هي السبب في حصول مطلوبهم ودفع مرهوبهم، ومن تأمل القرآن وسنة المبعوث به ﷺ ونظر أحوال السلف الصالح علم أن هذا النذر نظير ما جعلته المشركون لآلهتهم في قوله تعالى: ﴿هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ ٢ ٣. ويرد الشيخ عبد الله أبو بطين شبهة القبوريين حين ظنوا أن دعاءهم الأموات مجاز، وأن الله عزوجل هو المسؤول حقيقة، فيقول: (وأما قول القائل إن دعاء الأموات وسؤالهم قضاء الحاجات مجاز، والله سبحانه هو المسؤول حقيقة، فهذا حقيقة قول المشركين ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٤ ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٥ فهم يسألون الوسائط زاعمين أنهم يشفعون لهم عند الله في قضاء حوائجهم، قال شيخ الإسلام تقي الدين ﵀: فمن جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم كفر إجماعا) ٦.

стр. 200

ويؤكد الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن أن صرف بعض أنواع العبادة لغير الله شرك.. كما قرره الأئمة الأعلام..، وعلى تقريرهم سار علماء هذه الدعوة فيقول الشيخ عبد اللطيف: (وأما تكفير من أجاز دعاء غير الله، والتوكل على سواه، واتخاذ الوسائط بين العباد وبين الله في قضاء حاجاتهم، وتفريج كرباتهم، وإغاثة لهفاتهم، وغير ذلك من أنواع عباداتهم، فكلامهم- أي العلماء- فيه، وفي تكفير من فعله أكثر من أن يحاط به ويحصر، وقد حكى الإجماع عليه غير واحد ممن يقتدى به، ويرجع إليه من مشايخ الإسلام، والأئمة الكرام. ونحن قد جرينا على سنتهم في ذلك وسلكنا منهاجهم فيما هنالك، لم نكفر أحدا إلا من كفره الله ورسوله، وتواترت نصوص أهل العلم على تكفيره ممن أشرك بالله، وعدل به سواه، أو عطل صفات كماله، ونعوت جلاله، أو زعم أن لأرواح المشايخ والصالحين تصرفا وتدبيرا مع الله. تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا) ١. ويتحدث محمود شكري الآلوسي عن حال الناذرين في نذورهم لمن يعتقدون فيه الصلاح، ويذكر أنهم يعتقدون فيمن نذروا له من الأولياء أنه ينفع ويضر، ويعطي ويمنع، ويذكر الآلوسي الدليل على ذلك، فيقول: (والدليل على اعتقادهم هذا، قولهم: وقعنا في شدة فنذرنا لفلان فانكشفت شدتنا، ويقول بعضهم: هاجت علينا الأمواج، فندبت الشيخ فلان، ونذرت له الشيء الفلاني فسلمت سفينتنا، وتراهم إذا هم لم يفوا، وحصلت لهم بعض الآلام، قيل للناذر أَوْفِ بنذرك، وإلا يفعل بك الشيخ كذا وكذا، فيسارع بالوفاء، ولو أنه يستدين في ذمته، ولو كان مديونا أو مضطرا، وربما يموت وهو مديون، كل ذلك خوفا من المنذور له، وطلبا لرضاه. وهل هذا إلا من سوء اعتقاده، وقلة دينه وكساده، وغاية جوابه إذا عذلته أن يقول لك: مقصودي يشفعون لي. والله لا تخطر الشفاعة على قلبه، ولا يعرف إلا أن ذلك المنذور له هو القاضي لحاجته والمهيئ لبغيته) ٢. وسرد الآلوسي أقوال العلماء التي تؤكد وتثبت أن الذبح لغير الله يعتبر شركا أكبر يخرج من الملة، ثم قال: (فقد تبين لك من هذه النقول كلها أن من يقرب لغير الله تقربا إلى ذلك الغير ليدفع عنه ضيرا، أو يجلب له خيرا تعظيما له من الكفر الاعتقادي والشرك الذي

стр. 201

كان عليه الأولون) ١. ومما تضمنه "البيان المفيد" ما نصه: (ونعتقد أن عبادة غير الله شرك أكبر، وأن دعاء غير الله من الأموات والغائبين وحبه كحب الله، وخوفه، ورجاءه، ونحو ذلك شرك أكبر، وسواء دعاه دعاء عبادة، أو دعاء استعانة في شدة أو رخاء، فإن الدعاء مخ العبادة، وأن اعتقاد أن لشيء من الأشياء سلطانا على ما خرج عن قدرة المخلوقين شرك أكبر، وأن من عظم غير الله مستعينا به فيما لا يقدر عليه إلا الله كالاستنصار في الحروب بغير قوة الجيوش.. والاستعانة على السعادة الأخروية أو الدنيوية بغير الطرق والسنن التي شرعها الله لنا، يكون مشركا شركا أكبر) ٢. ونذكر في خاتمة هذا المبحث أن ما قرره أئمة الدعوة السلفية وأنصارها في مسألة نواقض الإسلام، وأنواع المكفرات التي توجب على مرتكبها الخروج والانسلاخ عن دين الإسلام، أن هذا التقرير ليس بدعا من عند أنفسهم، وإنما كان ذلك اتباعا لنصوص القرآن الكريم، ونصوص السنة النبوية الصحيحة، والتزاما بأقوال الصحابة والتابعين وعلماء الأمة المعتبرين من المذاهب الأربعة٣.

стр. 202

المبحث الرابع: شبهة مخالفة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لابن تيمية وابن القيم في مسألة الذبح لغير الله..عرض ثم رد يظن بعض الخصوم لهذه الدعوة السلفية أن ما قرره أئمتها من المكفرات، وعدوه من أنواع الشرك الأكبر، كالذبح لغير الله، والنذر لغير الله، والاستغاثة بغير الله ... وغيره من صرف بعض أنواع العبادة لغير الله، أنهم خالفوا بذلك ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀ وتلميذه ابن القيم- ﵀، فادعى هؤلاء الخصوم أن هذين الشيخين لم يدخلا الذبح لغير الله والنذر لغير الله، والاستغاثة بالأموات ضمن الشرك الأكبر المخرج من الملة. وحاول هؤلاء الخصوم التشبث بكل نص أو قول ينسب لابن تيمية أو لابن القيم يفهمون منه بناء على تصورهم الفاسد، وإدراكهم الخاطئ مخالفة الشيخ الإمام لابن تيمية، وابن القيم في مسألة التكفير، وذلك لكي يقنعوا أنفسهم- ومن تبعهم من سواد الناس- أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب مخالف لسائر الأمة وعلمائها، حتى إنه خالف ابن تيمية وابن القيم، اللذين يكثر ابن عبد الوهاب من إيراد أقوالهما والنقل من كتبهما، ولقد أدت بهم هذه المحاولة الفاشلة إلى تحريف النصوص، وتبديلها، وسوء فهمها كما سيأتي موضحا. وسنورد أقوال هؤلاء الخصوم، وما نقلوه من نصوص للشيخين، محتجين بهما على مخالفة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لهما، ونقتصر على بعض الأمثلة التي أوردوها، ثم نتبعها بالرد والدحض. يسوق ابن عفالق جوابا لابن تيمية في الاستغاثة بالرسول ﷺ ... فكان مما قاله ابن تيمية- بناء على نقله-: (فإن كان الاستغاثة بمعنى أن يطلب من الرسول ﷺ ما هو اللايق لا ينازع فيها مسلم، ومن نازع في هذا المعنى فهو كافر إن أنكر ما يكفر، وإما مخطئ ضال) ١. ثم قال ابن عفالق: (فانظر هذا الكلام النفيس، وتأمل قوله: فإن كان الاستغاثة

стр. 203

إلخ فهذا حال المنكر للتوسل به ﷺ يدور بين الكفر والضلال، فكيف بمن أنكرها، وقال من قال يا رسول الله فهو كافر، ومن لم يكفره فهو كافر ... ) ١. ثم يقول ابن عفالق منفرا عن دعوة الشيخ: (والذي أوقع هذا الرجل في هذه الورطة العظيمة أنه ينظر في كتب ابن القيم فيأخذ منها ما وافق هواه، ويترك ما خالفه، ويأخذ من أول الفصل ويترك آخره ... ) ٢. ويقول ابن عفالق أيضا: (عده- أي الشيخ الإمام- قول البوصيري: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم نوع من الشرك الأكبر، وهو كذب صراح إن كان ينقله عن العلماء، وإلا فهو افتراء منه وبهت، فإن ابن القيم مع تعصبه وخلافه لجميع الأمة في مثل هذا الباب عد هذا من الشرك الأصغر ... انظروا كتبه كـ"شرح المنازل" في باب الشرك الأصغر، و"إغاثة اللهفان") ٣. ونلاحظ أن سليمان بن عبد الوهاب في غالب رسالته في الرد على أخيه الشيخ الإمام، أراد أن يفصح عن مخالفة الشيخ الإمام لما كتبه ابن تيمية وابن القيم، فإن جل رسالته في سرد الأقوال والنقول للشيخين..، ثم يعقب تلك النقول بما يفهمه منها ويتوصل إليه تفكيره، بأن الشيخين لم يكفرا من ذبح أو نذر أو استغاث بغير الله.. يقول سليمان بن عبد الوهاب: (قال تقي الدين: النذر للقبور، ولأهل القبور، كالنذر لإبراهيم الخليل ﵇، أو الشيخ فلان نذر معصية لا يجوز الوفاء به وإن تصدق بما نذر من ذلك على من يستحقه من الفقراء أو الصالحين كان خيرا له عند الله وأنفع. اهـ. فلو كان الناذر كافرا عنده لم يأمره بالصدقة؟ لأن الصدقة لا تقبل من كافر، بل يأمره بتجديد إسلامه، ويقول له خرجت من الإسلام بالنذر لغير الله. قال الشيخ أيضا: من نذر إسراج بئر أو مقبرة أو جبل أو شجرة أو نذر له أو لسكانه لم يجز، ولا يجوز الوفاء به، ويصرف في المصالح ما لم يعرف ربه. اهـ. فلو كان الناذر كافرا لم يأمره برد نذره إليه، بل أمر بقتله، وقال الشيخ أيضا:

стр. 204

من نذر قنديل نقد للنبي ﷺ صرف لجيران النبي ﷺ . اهـ. فانظر كلامه هذا، وتأمله، هل كفر فاعل هذا، أو كفر من لم يكفره، أو عد هذا في المكفرات هو أو غيره من أهل العلم كما قلتم أنتم. كذلك ابن القيم ذكر النذر لغير الله في فصل الشرك الأصغر من "المدارج"، واستدل بالحديث الذي رواه أحمد عن النبي ﷺ "النذر حلفة" ١ وذكر غيره من جميع ما تسمونه شركا وتكفرون به في فصل الشرك الأصغر، وأما الذبح لغير الله، فقد ذكره في المحرمات ولم يذكره في المكفرات، إلا أن ذبح للأصنام، أو لما عبد من دون الله كالشمس والكواكب، وعده الشيخ تقي الدين في المحرمات الملعون صاحبها كمن غير منار الأرض، وقال الشيخ تقي الدين: كما يفعله الجاهلون بمكة شرفها الله تعالى وغيرها من بلاد المسلمين من الذبح للجن، ولذلك نهى النبي ﷺ عن ذبائح للجن. اهـ. ولم يقل الشيخ من فعل هذا فهو كافر، ومن لم يكفره فهو كافر كما قلتم أنتم) ٢. ثم جاء داود بن جرجيس، فحرف في كلام الشيخين، وبدل، وغير؛ من أجل أن يجيز بعض أنواع الشرك بالله ... وقد جمع تلك النقول المتعددة المختلفة وجعلها في كتاب سماه "صلح الإخوان من أهل الإيمان وبيان الدين القيم في تبرئة ابن تيمية وابن القيم". وسنورد بعض نقوله لكلام الشيخين محتجا به على جواز دعاء الموتى، والاستغاثة بهم ... فمن هذه النقول الكثيرة.. ما نقله داود: (النقل الثالث عشر: قال- أي ابن تيمية- ﵀ في كتاب "الفرقان" ونجد كثيرا من هؤلاء عمدتهم في اعتقاد كونه وليا لله أنه صدر منه مكاشفة، أو بعض التصرفات الخارقة للعادة، أو أن بعضهم استغاث به وهو غائب أو ميت فرآه قد جاء، فقضى حاجته، أو يخبر الناس بما سرق لهم، أو بحال غائب لهم أو مريض، وليس شيء من هذه الأمور يدل على أن صاحبها ولي الله، بل اتفق أولياء الله على أن الرجل لو طار في الهواء، ومشى على الماء لم يغتر به، حتى ينظر متابعته لرسول الله ﷺ وموافقته لأمره ونهيه، وكرامات أولياء الله أعظم من هذه الأمور. اهـ نقله.

стр. 205

ثم قال: فانظر إلى كلامه ولاسيما قوله: وإن بعضهم استغاث به وهو غائب أو ميت فرآه قد جاء فقضى حاجته، فإنه تسليم منه بأن هذا الأمر يقع على وجه الكرامة، ويستدل به على ولاية صاحبه، لكن بشرط أن يكون المستغاث به متابعا لأمر رسول الله ﷺ وموافقا له ولنهيه، قال العراقي: فحينئذ تبين أن النبي ﷺ وأصحابه والتابعين ومن بعدهم من أولياء يجوز أن يعتقد فيهم الدلالة بسبب الاستغاثة بهم سواء كانوا غائبين أو ميتين، وأن هذا يقع على وجه الكرامة، وأن كرامات الأولياء يجب اعتقادها كما ذكره الشيخ في "التحفة العراقية"..، ومعلوم أن الكرامة لا تنشأ عن فعل محرم فلو كانت الاستغاثة محرمة لما عدها الشيخ وغيره كرامة، بل حينئذ تكون استدراجا ... ) ١. ويورد العراقي نقولا لابن القيم يحتج بها لضلاله، منها ما كتبه ابن القيم- ﵀ في كتابه "الكبائر"٢ حيث ذكر حكاية خلاصتها: أن أحد الرافضة رفض أن يبيع دقيقا على رجل من أهل السنة، حتى يلعن الصديق والفاروق- ﵄، وراجعه الرافضي مرات، حتى قال السني: لعن الله من يلعنهما، فلطم الرافضي عينه حتى سالت على خده، فانطلق هذا السني مع صاحب له إلى الحجرة النبوية في المسجد النبوي، وقال: السلام عليك يا رسول الله، قد جئناك مظلومين فخذ بثأرنا. فما جاء صباح الغد إلا وعينه صحيحة. ثم قال العراقي: فانظر إلى نقل هذه الحكاية من مثل ابن القيم، ذكرها في مقام الافتخار، والزجر عن الرفض. يدل على أن الاستغاثة برسول الله ﷺ مما لا بأس بها، وأنها غير منكورة ... ) ٣. وقد ذكر الآلوسي في كتابه "فتح المنان" نقولا أخرى لداود، منها ما ذكره ابن تيمية في "الكلم الطيب" وابن القيم في "الوابل الصيب" عن ابن عمر وابن عباس ﵃ أن الإنسان إذا خدرت رجله، فليناد: يا محمد. فإن الخدر يذهب عنه، ثم قال داود: (وهذا ذكره في مقام تعليم المسلم الأذكار، فلو كان نداء الغائب شركا لكان الشيخان وغيرهما بل وأصحابه ﷺ يعلمان الناس الشرك والعياذ بالله ... ) ٤.

стр. 206

ويأتي عثمان بن منصور فيقتدي بداود بن جرجيس في تحريف الكلم عن مواضعه على حسب ما تمليه الأهواء والضلالات، يقول عثمان بن منصور: (قال ابن تيمية بعد كلام سبق من ذكر أنواع العبادة التي لله تعالى، ثم قال: ولكن لغلبة الجهل، وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول ﷺ مما يخالف. فهذا صريح قوله. قال عثمان: وهم جعلوا مجرد تعريفهم حجة فكفروا به، فلا بد أن يتبين للمعرف الحجة، ويتضح له الصواب في نفس الأمر..) ١. وبعد إيراد هذه النقول التي اختارها هؤلاء القوم، وفهموا منها أن الذبح والنذر لغير الله، وأن الاستغاثة بالأموات.. ليست من نواقض الإسلام، كما فهموا منها عدم تكفير المعين..، فإننا بعد ذلك نتبعها بالإيضاح والبيان، وإزالة اللبس والإشكال بشيء من الإيجاز، بناء على ما سجله بعض أئمة الدعوة وأنصارها جوابا على هذه الشبهة. يورد الشيخ الإمام نصا لابن تيمية، يتبين فيه أنه يقرر أن الذبح لغير الله شرك أكبر يخرج عن دين الإسلام، كما يتضح منه أنه يكفر المعين إذا ذبح لغير الله ... فيقول ﵀: (قال أبو العباس رحمه تعالى في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم" في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِه﴾ ٢ ظاهره أنه ما ذبح لغير الله سواء لفظ به أو لم يلفظ، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه النصراني للحم، وقال فيه بسم الله ونحوه، كما أن ما ذبحناه نحن متقربين به إلى الله كان أزكى مما ذبحناه للحم وقلنا عليه بسم الله، فإن عبادة الله سبحانه بالصلاة له والنسك له، أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور، والعبادة لغير الله أعظم كفرا من الاستعانة بغير الله، فلو ذبح لغير الله متقربا به إليه لحرم، وإن قال فيه بسم الله كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبائحهم بحال، ولكن يجتمع في الذبيحة مانعان. ومن هذا ما يفعل بمكة وغيرها من الذبح للجن. اهـ كلام ابن تيمية. وهو الذي ينسب إليه بعض أعداء الدين أنه لا يكفر المعين، فانظر أرشدك الله

стр. 207

إلى تكفيره من ذبح لغير الله من هذه الأمة، وتصريحه أن المنافقين يصير مرتدا بذلك، وهذا في المعين، إذ لا يتصور أن تحرم إلا ذبيحة المعين) ١. ثم يقول الشيخ الإمام: (قال ابن تيمية: أنا من أعظم الناس نهيا عن أن ينسب معين إلى تكفير أو تفسيق أو معصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرا تارة وفاسقا أخرى. اهـ كلامه. وهذه صفة كلامه في المسألة في كل موضع وقفنا عليه من كلامه، لا يذكر عدم تكفير الميت إلا ويصله بما يزيل الإشكال، أن المراد بالتوقف عن تكفيره قبل أن تبلغه الحجة، وإذا بلغته حكم عليه بما تقتضيه تلك المسألة من تكفير أو تفسيق أو معصية. وصرح ﵁ أيضا أن كلامه في غير المسائل الظاهرة، فقال في الرد على المتكلمين لما ذكر أن بعض أئمتهم توجد منه الردة عن الإسلام كثيرا، فقال: هذا إن كان في المقالات الخفية، فقد يقال أنه فيها مخطئ ضال لم تقم عليه الحجة، التي يكفر تاركها، لكن هذا يصدر عنهم في أمور يعلم الخاصة والعامة من المسلمين أن رسول الله ﷺ بعث بها وكفر من خالفها، مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سواه، فإن هذا أظهر شعائر الإسلام ... ثم تجد كثيرا من رؤوسهم وقعوا فيها فكانوا مرتدين، وأبلغ من ذلك منهم من صنف في دين المشركين كما فعل أبو عبد الله الرازي..- يعنى الفخر الرازي- قال: وهذه ردة صريحة باتفاق المسلمين. اهـ كلامه. فتأمل هذا، وتأمل ما فيه من تفصيل الشبهة التي يذكرها أعداء الله، لكن من يرد الله فتنته، فلن تملك له من الله شيئا) ٢. ويورد الشيخ الإمام نصا لابن القيم- ﵀ يؤكد فيه أن النذر للموتى، ودعاءهم شرك أكبر مخرج عن دين الإسلام. وليس كما ظنه الخصوم من أمثال سليمان بن عبد الوهاب وغيره أنه من الشرك الأصغر، وشبهتهم في ذلك أن ابن القيم ﵀ ذكر في "شرح منازل السائرين" الشرك الأكبر، ثم ذكر الشرك الأصغر، وقال بعدها: (ومن أنواع هذا الشرك سجود المريد للشيخ، ومن أنواعه التوبة للشيخ فإنها شرك عظيم، ومن أنواعه النذر لغير الله.. وطلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم ... ) ٣ فنسب هؤلاء الخصوم إلى الشيخ ابن القيم أن ما سبق هو من

стр. 208

الشرك الأصغر؛ لأن ابن القيم بعد ما ذكر الشرك الأكبر ثم الأصغر، قال ومن أنواع الشرك، فظنه هؤلاء الجهلة أنه يقصد الشرك الأصغر، ولكن كما قال الشيخ الإمام: (وأنت رحمك الله تجد الكلام من أوله إلى آخره في الفصل الأول، والثاني صريحا لا يحتمل التأويل ... ) ١. وحتى تكتمل صورة هذا الرد، فإننا نسوق كلام ابن القيم- كما نقله الشيخ الإمام مختصرا. (ومن أنواع هذا الشرك سجود المريد للشيخ، ومن أنواعه التوبة للشيخ فإنها شرك عظيم، ومن أنواعه النذر لغير الله؛ والتوكل على غير الله، والعمل لغير الله والإنابة، والخضوع، والذل لغير الله، وابتغاء الرزق من عند غيره ... ومن أنواعه طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم. وهذا أصل شرك العالم. فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا فضلا لمن استغاث به. بل الميت محتاج إلى من يدعو له كما أوصانا النبي ﷺ إذا زرنا قبور المسلمين أن نترحم عليهم، ونسأل الله لهم العافية والمغفرة. فعكس المشركون هذا، وزاروهم زيارةَ العبادةِ وجعلوا قبورهم أوثانا تعبد، فجمعوا بين الشرك بالمعبود، وتغيير دينه ومعاداة أهل التوحيد ونسبتهم إلى تنقص الأموات، وهم قد تنقصوا الخالق بالشرك، وأولياءه المؤمنين بذمهم ومعاداتهم، وتنقصوا من أشركوا به غاية التنقص إذ ظنوا أنهم راضون منهم بهذا ... وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلا من جرد التوحيد لله وعادى المشركين في الله، وتقرب بمقتهم إلى الله..) ٢. ويورد الشيخ الإمام نصا آخر لابن القيم مستدلا به على تكفير المعين: (وقال ابن القيم في "إغاثة اللهفان" في إنكار تعظيم القبور: "وقد آل الأمر بهؤلاء المشركين إلى أن صنف بعض غلاتهم في ذلك كتابا سماه "مناسك المشاهد" ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام ودخول في دين عباد الأصنام" اهـ. وهذا الذي ذكره ابن القيم رجل من المصنفين يقال له ابن المفيد فقد رأيت ما قال فيه بعينه، فكيف ينكر تكفير المعين) ٣.

стр. 209

ويرد الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين على تلبيس وخلط داود العراقي، فيقول ﵀: (وقد أورد بعضهم أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ذكر كلاما وحكايات تدل على أن دعاء الأموات ليس بشرك، كما ذكر أنه روي أن رجلا جاء إلى قبر النبي ﷺ فشكى إليه الجدب عام الرمادة، فرآه وهو يأمره أن يأتي إلى عمر بن الخطاب فيأمره أن يستسقي بالناس، وغير ذلك من الحكايات) . قال أبو بطين: (هذا تلبيس من الناقل، وكذب على الشيخ ﵀، لأنه إنما قال ذلك في سياق الكلام في بعض البدع، كتحري دعاء الله عند قبر النبي أو غيره) ١. ويكشف محمد بن ناصر التهامي تلاعب ابن جرجيس بنصوص الشيخين: ابن تيمية وابن القيم، فيقول ﵀: (ذكر صاحب الرسالة- أي داود- أن الشيخ تقي الدين وتلميذه ابن القيم رحمهما الله لا يطلقون الكفر، والشرك على من اعتقد في القبور، واستغاث بالأموات، وأنهم قائلون بأن ذلك من باب كفر دون كفر، وقد أورد من كلامهما ما بتره من الأبحاث بنقل بعض ما في مؤلفاتهما مما هو فيه له مستند، ولا يستكمل البحث ... ) ٢. ثم أورد التهامي نقولا للشيخين من كتبهم، منها ما ذكره ابن القيم في "شرح منازل السائرين" في نوعي الشرك: الأكبر والأصغر، ثم ذكر- بعده- قول ابن تيمية في رسالته السنية: "أن كل من غلا في نبي، أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من الإلهية، مثل أن يقول: يا سيدي فلان أغثني، أو انصرني، أو ارزقني، أو اجبرني، أو أنا في حسبك ونحو هذه الأقوال. فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل. فإن الله تعالى إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده ولا يجعل معه إلها آخر ... ،) ٣. ثم قال التهامي بعد إيراد تلك النصوص: (فهذه نصوص ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله قاضية بكفر من اعتقد

стр. 210

النفع والضر في مخلوق ونذر له، أو دعا له، أو استغاث به، وهو صريح في ذلك كفر أكبر يحل الدم والمال، إذا عرفت هذا فقد انتقض على صاحب الرسالة ما طول به، وبذل فيه مجهوده أن أفعال هؤلاء من الشرك الأصغر، زاعما أن ذلك صريح قول ابن القيم وشيخه ابن تيمية الذين قصد الذب عنهم بما هم فيه مصرحون بأنه شرك أكبر، والأدلة القرآنية قاضية بما صرحا به، ولو أراد إنسان أن يجمع ما ورد في هذا المعنى من الكتاب والسنة لكان مجلدا ضخما ... ) ١. ويزيل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن اللبس الذي افتعله داود، وادعى من خلال سياقه لنصوص الشيخين أنها تدل على ما يهواه من الغلو في الأولياء وصرف بعض أنواع العبادات - التي يجب أن تكون لله وحده - للموتى. فيقول الشيخ عبد اللطيف جوابا على ما نقل داود عن ابن تيمية من كتاب "الفرقان"٢. (والجواب أن يقال: سياق الكلام، ومقتضى التقرير في كلام الشيخ الذي نقله العراقي نفي الولاية بهذه المذكورات، ونفي الاستدلال عليها بالمكاشفة، وخوارق العادة، ورؤية المستغاث به من الغائبين والأموات، والإخبار بما سرق وبحال الغائب والمريض، وقرر أن هذا أو نحوه لا يدل على الولاية أصلا، وأن أولياء الله متفقون على أن الرجل لو طار في الهواء ومشى على الماء لم يغتر به حتى يتقيد بمتابعة الرسول وموافقته لأمره ونهيه. وهذا تصريح من الشيخ بنفي الاستدلال بهذا على الولاية وإبطاله، وليس فيه تسليم مجيء المستغاث به الميت أو الغائب إلى المستغيث، وأنه يقضي حاجته وأنه يستدل به على الولاية كما زعم العراقي ... والعراقي صرف العبارة عن مدلولها وصدف عنها، ونسب إلى الشيخ ما لا يحتمله كلامه بوجه من الوجوه فبعدا لقوم لا يؤمنون. قال ﵀: والطلب من النبي ﷺ بعد موته، وفي مغيبه ليس مشروعا قط، ولكن كثير من الناس يدعون الموتى، والغائبين من الشيوخ وغيرهم فتمثل لهم الشياطين تقضي بعض مآربهم لتضلهم عن سبيل الله، كما تفعل الشياطين بعباد الأصنام، وعباد الشمس والقمر وتخاطبهم وتتراءى لهم، وهذا كثير يوجد في زماننا وغير زماننا) ٣. ومما قاله الشيخ عبد اللطيف: (واعتقاد الولاية لا يسوغ ولا يجوز بسبب

стр. 211

الاستغاثة ودعاء غير الله، وصريح كلام الشيخ، وصريح الكتاب والسنة وإجماع الأمة على أن الولاية لا تثبت بسبب من هذه الأسباب التي أنكرها الشيخ، وألزمه إياها العراقي جهلا وظلما، وإنما تثبت بالإيمان بالله واليوم الآخر والكتب والنبيين والقيام بالواجبات الدينية..، ولو كانت الاستغاثة بغير الله سببا للولاية، ودليلا عليها، للزم القول بولاية كل معبود مع الله من الفاسقين والكهان والشياطين بل والأصنام؛ لأن عبادها قد تقضي حوائجهم، ويخاطبون منها كما ذكره الشيخ وغيره ... ) ١. ويجيب الشيخ عبد اللطيف على ما نقله داود عن ابن القيم حين ذكر حكاية٢.. فهم منها داود بغير فكر ولا روية، أنها تدل على جواز الاستغاثة بالرسول.. فكان من جواب الشيخ عبد اللطيف: (والجواب أن يقال ليس في الحكاية جواز الاستغاثة بالرسول ﷺ وفاعل ذلك لا يحتج بفعله بإجماع المسلمين، وإنما سيقت العبارة لتقرير نصر الله لأوليائه، وإثابة من نصرهم، ووالاهم، لا لأجل الاستغاثة، وأنها تجوز بغير الله، وأن ذلك صواب. والاستدلال بالحكاية خروج عن موضوعها، وموضوع الكتاب الذي سيقت فيه، وابن القيم نص في غير موضع أن دعاء الموتى هو أصل شرك العالم وأنه من الشرك الأكبر.. إلى آخر ما قاله- ﵀) ٣. وأما جواب الشيخ محمود شكري الآلوسي علامة العراق على ما نقله داود عن الشيخين ابن تيمية وابن القيم، ثم زعم ابن جرجيس أنهما يجوزان "الاستغاثة بالأموات"، وسماها داود- تلبيسا وتمويها- نداء الغائبين. (والجواب أن يقال: هذا أيضا ليس مما نحن فيه، فإنه ليس نداء بما لا يقدر عليه إلا الله، غاية ما فيه ذكر المحبوب لا طلب شيء منه، ولا استغاثته، وإلا لزم أن كل من ذكر محبوبه قد استغاث به، وبطلانه ظاهر. ولفظ الشفاء: أن ابن عمر خدرت رجله، فقيل له: اذكر أحب الناس إليك فصاح يا محمداه فانتشرت رجله٤. وهذا يقتضي صحة ما جربه الناس، فإن من أصابه الخدر منهم إذا ذكر محبوبه زال بسهولة، لأنه بمسرته تنتعش الحرارة الغريزية، فيندفع الخدر) ٥.

стр. 212

(وأقول: إن هذا كان من مذاهب العرب في الجاهلية، فكان الرجل منهم إذا خدرت رجله، ذكر من يحب أو دعاه فيذهب خدرها- ثم ذكر الآلوسي بعض أشعار العرب التي تدل على ما قاله-) ١. ثم قال الآلوسي: (أفيقال: إن هؤلاء الشعراء لما خدرت أرجلهم استغاثوا بمن يحبونه من امرأة أو غلام لا أرى من يقول بذلك إلا من خدر عقله، وتركب جهله) ٢. وأما ما أورده ابن منصور من نقل عن ابن تيمية، فقد أظهر الشيخ عبد اللطيف ﵀، تحريف ابن منصور لهذا النص، وكثافة جهله فقال: (والجواب أن يقال: قد تصرفت في كلام الشيخ، وأسقطت أوله الذي يستبين به مقصوده، وقد تقدم أن هذه حرفة يهودية صار هذا المعترض على نصيب وافر منها.. وقبل هذا النقل قرر شيخ الإسلام في هذه الرسالة التي يشير إليها المعترض أن دعاء الصالحين مع الله، وطلب ما لا يقدر عليه إلا الله، كمغفرة الذنوب، وهداية القلوب وطلب الرزق من غير جهة معينة.. ونحو ذلك مما يصدر ممن يعبد الأموات ويدعو الصالحين، ويستغيث بهم كفر صريح، وشرك ظاهر يستتاب فاعله فإن تاب وإلا قتل. وبعد تقرير هذا قال: ولكن لغلبة الجهل ... - إلى آخر العبارة التي أوردها المعترض-. ومراد ابن تيمية بهذا الاستدراك أن الحجة إنما تقوم على المكلفين، ويترتب حكمها بعد بلوغ ما جاءت به الرسل من الهدى ودين الحق ... فمن بلغته دعوة الرسل إلى توحيد الله ووجوب الإسلام له، وفقه أن الرسل جاءت بهذا لم يكن له عذر في مخالفتهم، وترك عبادة الله. وهذا هو الذي يجزم بتكفيره إذا عبد غير الله، وجعل معه الأنداد والآلهة. والشيخ وغيره من المسلمين لا يتوقفون في هذا، وشيخنا ﵀ قد قدر هذا وبينه وفاقا لعلماء الأمة واقتداء بهم. ولم يكفر إلا بعد قيام الحجة وظهور الدليل، حتى إنه ﵀ توقف في تكفير الجاهل من عباد القبور إذا لم يتيسر له من ينبهه. ثم يقول الشيخ عبد اللطيف:

стр. 213

(وإذا تبين له ما جاء به الرسول ﷺ وأصر وعاند فهو غير مستجيب، والحجة قائمة عليه، سواء كان إصراره لشبهة مثل النصارى، أو كان ذلك عن عناد واستكبار مثل فرعون وقومه، فالصنفان يحكم بكفرهم إذا قامت الحجة التي يجب اتباعها، ولا يلزم أن يعرف الحق في نفس الأمر كما عرفته اليهود وأمثالهم، بل يكفي في التكفير رد الحجة وعدم قبول ما جاءت به الرسل ... ) ١. وبإيجاز فإن من قرأ ما كتبه الشيخان ابن تيمية وابن القيم- رحمهما الله- في مسألة نواقض الإسلام، فسيجدهما يتفقان مع ما كتبه الشيخ الإمام في تلك المسألة، وأما دعوى المخالفة فلا تكون إلا ممن قصر فهمه، وساء قصده كحال أولئك الخصوم.

стр. 214

المبحث الخامس: شبهة عدم طروء الشرك على هذه الأمة.. عرض ثم رد أراد المناوئون بشبهة عدم طروء الشرك على هذه الأمة، أن ينفوا وقوع الشرك في هذه الأمة المحمدية، وأن ينفوا طروء الشرك على المسلمين، لأنها أمة معصومة من ذلك، ونورد أقوالهم في ذلك من كتبهم أو ممن نقل عنهم ثم نتبعها بالرد والبيان. فنجد أولا ابن عفالق يشنع على الشيخ الإمام في ذلك، فيقول: (وتنقيصه للأمة المعصومة من الضلالة، المحفوظة من الغواية، فيكتم محاسنهم الجميلة ويرميهم بالشرك الأعظم، ويجعل عبادتهم كلها لله عنده هباء منثورا..) ١. ويقول ابن عفالق أيضا: (وقد ثبت بالأدلة والبراهين القاطعة عصمة الأمة، ومن نفى العصمة عنهم إلى الكفر أقرب) ٢. ويورد سليمان بن عبد الوهاب الأدلة على عصمة هذه الأمة، فيقول: (ومما يدل على بطلان قولكم في تكفير من كفرتموه ما روى البخاري في صحيحه عن معاوية بن أبي سفيان ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولا يزال أمر هذه الأمة مستقيما حتى تقوم الساعة، أو يأتي أمر الله تعالى " ٣. وجه الدليل منه: أن النبي ﷺ أخبر أن أمر هذه الأمة لا يزال مستقيما إلى آخر الدهر، ومعلوم أن هذه الأمور.. التي تكفرون بها، مازالت قديما ظاهرة ملأت البلاد فلو كانت هي الأصنام الكبرى، ومن فعل شيئا من تلك الأفاعيل عابد للأوثان، لم يكن أمر هذه الأمة مستقيما، بل منعكسا..) ٤. (ومما يدل على بطلان مذهبكم ما في "الصحيحين" عن عقبة بن عامر أن النبي ﷺ صعد المنبر فقال: " إني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي ولكن أخشى عليكم

стр. 215

الدنيا أن تنافسوا فيها.. " ١ الحديث"، وجه الدلالة منه أن النبي ﷺ أخبر بجميع ما يقع على أمته ... ومما أخبر به في هذا الحديث الصحيح أنه أمن أن أمته تعبد الأوثان، ولم يخافه، وأخبرهم بذلك ... ٢. ويتابع سليمان أدلته فيقول: (ومما يدل على بطلان مذهبكم ما روى مسلم في "صحيحه" عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال: " إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم " ٣ وروي الحاكم وصححه وأبو يعلى والبيهقي عن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ " إن الشيطان قد يئس أن تعبد الأصنام بأرض العرب، ولكن رضي منهم بما دون ذلك بالمحقرات وهي الموبقات " ٤. أقول وجه الدلالة: أن الرسول أخبر أن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، وفي حديث ابن مسعود أيس الشيطان أن تعبد الأصنام بأرض العرب، وهذا بخلاف مذهبكم فإن البصرة وما حولها والعراق من دون الدجلة الموضع الذي فيه قبر علي وقبر الحسين ﵄، وكذلك اليمن كلها والحجاز كل ذلك من أرض العرب، ومذهبكم أن هذه المواضع كلها عبد الشيطان فيها، وعبدت الأصنام، وكلهم كفار ... وهذه الأحاديث ترد مذهبكم) ٥. يقول القباني: (نقول إن الأمة قد أجمعت على تكفير من ضلل هذه الأمة، وممن نقل الإجماع علماء الحنابلة..) ٦. ويقول عبد الرؤوف بن محمد بعد أن ذكر حديث افتراق الأمة: (وليس الافتراق مخرجا عن ملته- أي الملة المحمدية- ... وما حكى خلف عن سلف أن أحدا من الصحابة والتابعين منع أحدا من فرق الإسلام من إتيان المسجد الحرام، ولو كانوا قائلين بكفرهم لمنعوهم من الحج..) ٧. وقد أشار الشيخ عبد الرحمن بن حسن إلى بعض الخصوم الآخرين ممن أورد هذه الشبهة، واعترض بها على الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، يقول الشيخ
следующие страницы →