← Общие книги

Общие книги · id 11186

دعاوي المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب

عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف

Полный текст (387 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الاستغاثة ودعاء غير الله، وصريح كلام الشيخ، وصريح الكتاب والسنة وإجماع الأمة على أن الولاية لا تثبت بسبب من هذه الأسباب التي أنكرها الشيخ، وألزمه إياها العراقي جهلا وظلما، وإنما تثبت بالإيمان بالله واليوم الآخر والكتب والنبيين والقيام بالواجبات الدينية..، ولو كانت الاستغاثة بغير الله سببا للولاية، ودليلا عليها، للزم القول بولاية كل معبود مع الله من الفاسقين والكهان والشياطين بل والأصنام؛ لأن عبادها قد تقضي حوائجهم، ويخاطبون منها كما ذكره الشيخ وغيره ... ) ١. ويجيب الشيخ عبد اللطيف على ما نقله داود عن ابن القيم حين ذكر حكاية٢.. فهم منها داود بغير فكر ولا روية، أنها تدل على جواز الاستغاثة بالرسول.. فكان من جواب الشيخ عبد اللطيف: (والجواب أن يقال ليس في الحكاية جواز الاستغاثة بالرسول ﷺ وفاعل ذلك لا يحتج بفعله بإجماع المسلمين، وإنما سيقت العبارة لتقرير نصر الله لأوليائه، وإثابة من نصرهم، ووالاهم، لا لأجل الاستغاثة، وأنها تجوز بغير الله، وأن ذلك صواب. والاستدلال بالحكاية خروج عن موضوعها، وموضوع الكتاب الذي سيقت فيه، وابن القيم نص في غير موضع أن دعاء الموتى هو أصل شرك العالم وأنه من الشرك الأكبر.. إلى آخر ما قاله- ﵀) ٣. وأما جواب الشيخ محمود شكري الآلوسي علامة العراق على ما نقله داود عن الشيخين ابن تيمية وابن القيم، ثم زعم ابن جرجيس أنهما يجوزان "الاستغاثة بالأموات"، وسماها داود- تلبيسا وتمويها- نداء الغائبين. (والجواب أن يقال: هذا أيضا ليس مما نحن فيه، فإنه ليس نداء بما لا يقدر عليه إلا الله، غاية ما فيه ذكر المحبوب لا طلب شيء منه، ولا استغاثته، وإلا لزم أن كل من ذكر محبوبه قد استغاث به، وبطلانه ظاهر. ولفظ الشفاء: أن ابن عمر خدرت رجله، فقيل له: اذكر أحب الناس إليك فصاح يا محمداه فانتشرت رجله٤. وهذا يقتضي صحة ما جربه الناس، فإن من أصابه الخدر منهم إذا ذكر محبوبه زال بسهولة، لأنه بمسرته تنتعش الحرارة الغريزية، فيندفع الخدر) ٥.

стр. 212

(وأقول: إن هذا كان من مذاهب العرب في الجاهلية، فكان الرجل منهم إذا خدرت رجله، ذكر من يحب أو دعاه فيذهب خدرها- ثم ذكر الآلوسي بعض أشعار العرب التي تدل على ما قاله-) ١. ثم قال الآلوسي: (أفيقال: إن هؤلاء الشعراء لما خدرت أرجلهم استغاثوا بمن يحبونه من امرأة أو غلام لا أرى من يقول بذلك إلا من خدر عقله، وتركب جهله) ٢. وأما ما أورده ابن منصور من نقل عن ابن تيمية، فقد أظهر الشيخ عبد اللطيف ﵀، تحريف ابن منصور لهذا النص، وكثافة جهله فقال: (والجواب أن يقال: قد تصرفت في كلام الشيخ، وأسقطت أوله الذي يستبين به مقصوده، وقد تقدم أن هذه حرفة يهودية صار هذا المعترض على نصيب وافر منها.. وقبل هذا النقل قرر شيخ الإسلام في هذه الرسالة التي يشير إليها المعترض أن دعاء الصالحين مع الله، وطلب ما لا يقدر عليه إلا الله، كمغفرة الذنوب، وهداية القلوب وطلب الرزق من غير جهة معينة.. ونحو ذلك مما يصدر ممن يعبد الأموات ويدعو الصالحين، ويستغيث بهم كفر صريح، وشرك ظاهر يستتاب فاعله فإن تاب وإلا قتل. وبعد تقرير هذا قال: ولكن لغلبة الجهل ... - إلى آخر العبارة التي أوردها المعترض-. ومراد ابن تيمية بهذا الاستدراك أن الحجة إنما تقوم على المكلفين، ويترتب حكمها بعد بلوغ ما جاءت به الرسل من الهدى ودين الحق ... فمن بلغته دعوة الرسل إلى توحيد الله ووجوب الإسلام له، وفقه أن الرسل جاءت بهذا لم يكن له عذر في مخالفتهم، وترك عبادة الله. وهذا هو الذي يجزم بتكفيره إذا عبد غير الله، وجعل معه الأنداد والآلهة. والشيخ وغيره من المسلمين لا يتوقفون في هذا، وشيخنا ﵀ قد قدر هذا وبينه وفاقا لعلماء الأمة واقتداء بهم. ولم يكفر إلا بعد قيام الحجة وظهور الدليل، حتى إنه ﵀ توقف في تكفير الجاهل من عباد القبور إذا لم يتيسر له من ينبهه. ثم يقول الشيخ عبد اللطيف:

стр. 213

(وإذا تبين له ما جاء به الرسول ﷺ وأصر وعاند فهو غير مستجيب، والحجة قائمة عليه، سواء كان إصراره لشبهة مثل النصارى، أو كان ذلك عن عناد واستكبار مثل فرعون وقومه، فالصنفان يحكم بكفرهم إذا قامت الحجة التي يجب اتباعها، ولا يلزم أن يعرف الحق في نفس الأمر كما عرفته اليهود وأمثالهم، بل يكفي في التكفير رد الحجة وعدم قبول ما جاءت به الرسل ... ) ١. وبإيجاز فإن من قرأ ما كتبه الشيخان ابن تيمية وابن القيم- رحمهما الله- في مسألة نواقض الإسلام، فسيجدهما يتفقان مع ما كتبه الشيخ الإمام في تلك المسألة، وأما دعوى المخالفة فلا تكون إلا ممن قصر فهمه، وساء قصده كحال أولئك الخصوم.

стр. 214

المبحث الخامس: شبهة عدم طروء الشرك على هذه الأمة.. عرض ثم رد أراد المناوئون بشبهة عدم طروء الشرك على هذه الأمة، أن ينفوا وقوع الشرك في هذه الأمة المحمدية، وأن ينفوا طروء الشرك على المسلمين، لأنها أمة معصومة من ذلك، ونورد أقوالهم في ذلك من كتبهم أو ممن نقل عنهم ثم نتبعها بالرد والبيان. فنجد أولا ابن عفالق يشنع على الشيخ الإمام في ذلك، فيقول: (وتنقيصه للأمة المعصومة من الضلالة، المحفوظة من الغواية، فيكتم محاسنهم الجميلة ويرميهم بالشرك الأعظم، ويجعل عبادتهم كلها لله عنده هباء منثورا..) ١. ويقول ابن عفالق أيضا: (وقد ثبت بالأدلة والبراهين القاطعة عصمة الأمة، ومن نفى العصمة عنهم إلى الكفر أقرب) ٢. ويورد سليمان بن عبد الوهاب الأدلة على عصمة هذه الأمة، فيقول: (ومما يدل على بطلان قولكم في تكفير من كفرتموه ما روى البخاري في صحيحه عن معاوية بن أبي سفيان ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولا يزال أمر هذه الأمة مستقيما حتى تقوم الساعة، أو يأتي أمر الله تعالى " ٣. وجه الدليل منه: أن النبي ﷺ أخبر أن أمر هذه الأمة لا يزال مستقيما إلى آخر الدهر، ومعلوم أن هذه الأمور.. التي تكفرون بها، مازالت قديما ظاهرة ملأت البلاد فلو كانت هي الأصنام الكبرى، ومن فعل شيئا من تلك الأفاعيل عابد للأوثان، لم يكن أمر هذه الأمة مستقيما، بل منعكسا..) ٤. (ومما يدل على بطلان مذهبكم ما في "الصحيحين" عن عقبة بن عامر أن النبي ﷺ صعد المنبر فقال: " إني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي ولكن أخشى عليكم

стр. 215

الدنيا أن تنافسوا فيها.. " ١ الحديث"، وجه الدلالة منه أن النبي ﷺ أخبر بجميع ما يقع على أمته ... ومما أخبر به في هذا الحديث الصحيح أنه أمن أن أمته تعبد الأوثان، ولم يخافه، وأخبرهم بذلك ... ٢. ويتابع سليمان أدلته فيقول: (ومما يدل على بطلان مذهبكم ما روى مسلم في "صحيحه" عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال: " إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم " ٣ وروي الحاكم وصححه وأبو يعلى والبيهقي عن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ " إن الشيطان قد يئس أن تعبد الأصنام بأرض العرب، ولكن رضي منهم بما دون ذلك بالمحقرات وهي الموبقات " ٤. أقول وجه الدلالة: أن الرسول أخبر أن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، وفي حديث ابن مسعود أيس الشيطان أن تعبد الأصنام بأرض العرب، وهذا بخلاف مذهبكم فإن البصرة وما حولها والعراق من دون الدجلة الموضع الذي فيه قبر علي وقبر الحسين ﵄، وكذلك اليمن كلها والحجاز كل ذلك من أرض العرب، ومذهبكم أن هذه المواضع كلها عبد الشيطان فيها، وعبدت الأصنام، وكلهم كفار ... وهذه الأحاديث ترد مذهبكم) ٥. يقول القباني: (نقول إن الأمة قد أجمعت على تكفير من ضلل هذه الأمة، وممن نقل الإجماع علماء الحنابلة..) ٦. ويقول عبد الرؤوف بن محمد بعد أن ذكر حديث افتراق الأمة: (وليس الافتراق مخرجا عن ملته- أي الملة المحمدية- ... وما حكى خلف عن سلف أن أحدا من الصحابة والتابعين منع أحدا من فرق الإسلام من إتيان المسجد الحرام، ولو كانوا قائلين بكفرهم لمنعوهم من الحج..) ٧. وقد أشار الشيخ عبد الرحمن بن حسن إلى بعض الخصوم الآخرين ممن أورد هذه الشبهة، واعترض بها على الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، يقول الشيخ

стр. 216

عبد الرحمن بن حسن ﵀: (وممن أورد هذه الشبهة عليه عبد الله المويس راعى حرمة، وابن إسماعيل في الوشم، وسليمان بن عبد الوهاب في العارض، وزعموا أن الأمة لا يقع فيها شرك..) ١. وأورد هذه الشبهة رجل من الإحساء- زمن الشيخ عبد الرحمن بن حسن- قائلا: (يا أيها الرجل الجاهل المعجب بنفسه لقد غويت وجهلت باعتقادك في هذه الأمة المحمدية التي قال الله فيها ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاس﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطا﴾ ٣ أي عدلا خيارا) ٤. كما زعم داود بن جرجيس استحالة وقوع الشرك في الأمة المحمدية٥ وردد عثمان بن منصور تلك الدعوى، فهو يرى أن هذه الأمة ليس فيها من يعمل الكفر، وأنها أمة صالحة كلها من أولها إلى آخرها، ليس فيها شرك٦. وإذا انتقلنا إلى مقام الرد والبيان، فإننا نلاحظ أن الشيخ الإمام قد تصدى لتلك الشبهة، فأزال اللبس، وأبان وجه الحق في ذلك، وحشد الأدلة والبراهين التي تثبت وتدل على وقوع الشرك في هذه الأمة، فبوب في كتابه النفيس "كتاب التوحيد" هذا الباب: (باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان) . يقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في مقدمة شرح هذا الباب: (أراد المصنف بهذه الترجمة، الرد على عباد القبور، الذين يفعلون الشرك ويقولون: إنه لا يقع في هذه الأمة المحمدية وهم يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله. فبين في هذا الباب من كلام الله وكلام رسوله ﷺ ما يدل على تنوع الشرك في هذه الأمة، ورجوع كثير منها إلى عبادة الأوثان، وإن كانت طائفة منها لا تزال على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله ﵎ ٧. وليس المقام- هاهنا- مقام تفصيل وإسهاب، حتى نذكر ما سطره الشيخ الإمام

стр. 217

في هذا الباب، من الأدلة والحجج في إبطال تلك الشبهة، لذا فإننا نقتصر على دليل واحد مما ذكره الشيخ الإمام في شرحه لحفيده الشيخ سليمان بن عبد الله ﵏، يقول الشيخ الإمام: (قوله ﷺ فيما زاده البرقاني في صحيحه- " وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتى الأوثان ... " ١٢ الحديث) ٣. يقول الشيخ سليمان- شارحا له-: (وفي رواية لأبي داود: "وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان" ومعناه ظاهر، وهذا هو شاهد الترجمة، ففيه الرد على من قال بخلافه من عباد القبور الذين ينكرون وقوع الشرك، وعبادة الأوثان في هذه الأمة، وفي معنى هذا ما في "الصحيحين" عن أبي هريرة مرفوعا: "لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة.." إلى آخر ما قاله ﵀ ٤. ويرد الشيخ عبد الرحمن بن حسن- ﵀ على استدلال صاحب الإحساء بالآيتين السابقتين ... فيقول: (قلت: فترك من الآيتين ما هو دليل عليه، وذلك أن، الله وصف خير أمة أخرجت للناس بثلاث صفات وهي لأهل الإيمان خاصة، وليس لأهل الكفر والشرك، والنفاق والبدع والفسوق فيها نصيب فقال: "تأمرون بالمعروف وتنهون عن المذكر وتؤمنون بالله، فليس المشركون والمنافقون من خير أمة.. بل هم شرار الأمة"..) ٥. ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: (وكل أهل الملل من اليهود النصارى والمجوس والصابئة من أمته الذين أرسل إليهم، وكلهم من أمة محمد، وهم أمة الدعوة ... ومن لم يؤمن بالنبي ﷺ ولم يتبعه من هذه الملل الخمسة فهو في النار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ

стр. 218

وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ ١ فأخبر تعالى أنهم في النار مع كونهم من هذه الأمة. وأما استدلاله بقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ ٢ فالخطاب للنبي ﷺ وأصحابه، وهم المعنيون بهذه الآية، ومن كان مثلهم من أهل الإيمان لحق بهم، وأما الكفار والمشركون والمنافقون فهم أعداء الأمة الوسط في كل زمان ومكان، ولا يمكن أحد أن يزعم أنهم من الأمة الوسط إلا مثل هذا الجاهل الذي يقول ليس في الأمة كافر ولا مشرك ... ) ٣. ويبين الشيخ عبد الرحمن بن حسن جانبا من البدع والشرك والضلال الذي وقع في هذه الأمة ... مثل المرتدين في عهد الصديق، والخوارج زمن علي بن أبي طالب والقدرية، والجهمية الجبرية، ودولة القرامطة، الذين وصفهم شيخ الإسلام بأنهم أشد الناس كفرا، والبويهيين، والعبيديين وغيرهم٤. وأما استدلال الشيخ سليمان بن عبد الوهاب بحديث " إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب "٥ على عدم وقوع الشرك في جزيرة العرب فقد أجاب على ذلك الاستدلال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين فكان مما قاله ﵀: (قال ابن رجب على الحديث: أنه يئس أن يجتمعوا كلهم على الكفر الأكبر، وأشار ابن كثير إلى هذا المعنى عند تفسيره قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ ٦ قال ابن عباس ﵁ يعني يئسوا أن تراجعوا دينكم. وأيضا ففي الحديث نسبة اليأس إلى الشيطان مبنيا للفاعل لم يقل أيس بالبناء للمفعول، ولو قدر أنه يئس من عبادته في أرض العرب إياسا مستمرا فإنما ذلك ظن منه وتخمين، لا عن علم، لأنه لا يعلم الغيب، وهذا غيب لا يعلمه إلا الله..، كما أن أكثر العرب ارتدوا بعد وفاة النبي ﷺ فكثير منهم رجعوا إلى الكفر وعبادة الأوثان، وكثير صدقوا مسيلمة في دعواه الكاذبة للنبوة، ومن أطاع الشيطان في نوع من أنواع الكفر فقد عبده، لا تختص عبادة الشيطان بنوع من الشرك، كما أن المصطفى ﷺ

стр. 219

أخبر أن هذه الأمة تفعل كما فعلت الأمم قبلها: اليهود والنصارى وفارس والروم ... ) ١. وكان من جواب علامة العراق محمود شكري الآلوسي على الاستدلال بهذا الحديث أنه قال: (.. الحديث لا يدل على عدم وقوع الكفر في جزيرة العرب وانتفاء الإلحاد فيها، فإن الدلالة على ذلك مما لا يحتاج في إبطالها إلى دليل.. فقد ارتد عند وفاة النبي ﷺ بعض قبائل العرب الساكنين في صميم الجزيرة العربية، حتى قاتلهم الصديق ﵁ بعد أن حكم هو والصحابة بكفرهم، ولا يبعد أن يقال مراد النبي ﷺ بقوله: " إن الشيطان.. " ٢ أن الشيطان لا يطمع أن يعبده المؤمنون في جزيرة العرب، وهم المصدقون بما جاء به الرسول من عند ربه المذعنون له، المتمثلون لأوامره، ولا شك أن من كان على هذه الصفة فهو على بصيرة ونور من ربه، فلا يطمع الشيطان أن يعبده ... فوجود مثل هذا في جزيرة العرب لا ينافي الحديث الصحيح، كما لا يخفى على من له قلب سليم وعقل رجيح. وإطلاق لفظ المصلين على المؤمنين كثير في كلام العارفين. ويحتمل أن يراد بالمصلين أناس معلومون بناء على أن تكون "أل" للعهد وأن يراد بهم الكاملون فيها ... وهم خير القرون، يؤيد ذلك قول النبي ﷺ في آخر الحديث-: " ولكن في التحريش بينهم.. "٣ يقول الطيبي: لعل المصطفى ﷺ أخبر بما يكون بعده من التحريش الواقع بين صحبه رضوان الله عليهم أجمعين. أي أيس أن يعبد فيها، ولكن يطمع في التحريش. - إلى أن قال الآلوسي- وأنت تعلم أن الدليل متى طرقه الاحتمال بطل به الاستدلال) ٤. وكما أن المصطفى ﷺ قد أخبر بوقوع الشرك وحدوثه في هذه الأمة، ووقع وحصل هذا الإخبار بما هو مشاهد عيانا، فإنه- أيضا- أخبر بأن الله تكفل لهذه الأمة بحفظها دينها، فقال ﷺ " لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله " ٥ ٦.

стр. 220

وأما دعوى ابن منصور في منع وقوع الشرك في هذه الأمة، فقد أبان الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن تلبيس ابن منصور في ذلك، فكان مما قاله: (وبالجملة فهذا المعترض مموه بلفظ الأمة ملبس. قال تعالى في ذم هذا الصنف من الناس ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١ وهذا من أعظم اللبس والخلط والتمويه، والأمة تطلق ويراد بها عموم أهل الدعوة ويدخل فيها من لم يستجب لله ورسوله. وتطلق أيضا ويراد بها أهل الاستجابة المنقادين لما جاءت به الرسل، ومن لم يفصل ويضع النصوص مواضعها فهو من الجاهلين الملبسين) ٢. ويكشف الشيخ عبد اللطيف عن أصل هذه الشبهة عند ابن منصور، وسبب حدوثها فيقول: (واعلم أن هذا المعترض لم يتصور حقيقة الإسلام والتوحيد، بل ظن أنه مجرد قول بلا معرفة ولا اعتقاد، وإلا فالتصريح بالشهادتين والإتيان بهما ظاهراً هو نفس التصريح بالعداوة، ولأجل عدم تصوره أنكر هذا، ورد إلحاق المشركين في هذه الأزمان بالمشركين الأولين، ومنع إعطاء النظير حكم نظيره، وإجراء الحكم مع علته، واعتقد أن من عبد الصالحين، ودعاهم، وتوكل عليهم وقرب لهم القرابين مسلم من هذه الأمة، لأنه يشهد أن لا إله إلا الله) ٣ ويظهر جهل ابن منصور حين لم يفرق بين أمة الإجابة، وأمة الدعوة، وقد رد الشيخ عبد اللطيف ذلك الاشتباه، فقال: (ليس كل من وصف بأنه من الأمة يكون من أهل الإجابة والقبلة، وفي الحديث " ما من أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن بي إلا كان من أهل النار "٤ رواه ابن ماجه٥. وقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً. يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً﴾ ٦ فدلت هذه الآية على أن هؤلاء الكافرين من الأمة التي يشهد عليهم ﷺ ... والأمة في مقام المدح والوعد يراد بها أهل القبلة وأهل الإجابة. وتطلق في مقام التفرق والذم ويراد بها غيرهم فلكل مقام مقال) ٧. وأما المنع من تكفير هذه الفرق.. فليس لأنهم من الأمة، ولكن كما يقول الشيخ

стр. 221

عبد اللطيف ﵀: (بل لأن التفرق قد يبقى معه أصل الأيمان والتوحيد المانع من الكفر المخرج من الملة. ولذلك وقع النزاع في كثير من هذه الطوائف، فمن كفر بعضهم فهو يحتج بالنصوص المكفرة لهم من الكتاب والسنة، ومن لم يكفر فحجته أن أصل الإسلام الثابت لا يحكم بزواله إلا لحصول مناف لحقيقته..) ١. ونختم هذا المبحث بما ذكره العلامة الشيخ عبد الرحمن السعدي توضيحا لمقصد الشيخ الإمام من إيراد باب (ما جاء أن بعض هذه الأمة تعبد الأوثان) ضمن" كتاب التوحيد". يقول السعدي ﵀: (مقصود هذه الترجمة الحذر من الشرك والخوف منه، وأنه أمر واقع في هذه الأمة لا محالة، والرد على من زعم أن من قال: لا إله إلا الله وتسمى بالإسلام أنه يبقى على إسلامه ولو فعل ما ينافيه من الاستغاثة بالقبور ودعائهم. فإن الوثن اسم جامع لكل ما عبد من دون الله، لا فرق بين الأشجار والأحجار والأبنية، ولا بين الأنبياء والصالحين والطالحين في هذا الموضع، وهو العبادة فإنها حق الله وحده، فمن دعا غير الله، أو عبده، فقد اتخذه وثنا وخرج بذلك عن الدين، ولم ينفعه انتسابه إلى الإسلام، فكم انتسب إلى الإسلام من مشرك وملحد، وكافر، ومنافق. والعبرة بروح الدين وحقيقته، لا بمجرد الأسامي والألفاظ التي لا حقيقة لها) ٢.

стр. 222

المبحث السادس: شبهة تنزيل آيات في المشركين على مسلمين.. عرض ثم رد يفتعل الخصوم شبهة أخرى، هي في حقيقتها لا تختلف عن أختها السابقة، فيدعون أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه من بعده، قد عمدوا إلى آيات من القرآن نزلت في المشركين، وخوطب بها الكفار- آنذاك- فحملها- أي الشيخ وأتباعه كما يدعون- على المسلمين، فجعلوا المسلمين مثل الكفار.. هذه هي شبهتهم، مع ملاحظة أنهم يقصدون بالمسلمين- هاهنا- من يستغيث بالأموات، ويذبح للجن، وينذر للأولياء ... فهم مسلمون- على حد ظنهم- ماداموا يعترفون بأن الله هو المؤثر، والفاعل وبيده النفع والضر..، وهم مسلمون- أيضا- لأنهم ينطقون بالشهادتين، ولو وقعوا في تلك الشركيات. وسنورد شبهتهم في ذلك.. ثم نتبعها بالرد والبيان. يشير سليمان بن عبد الوهاب إلى تلك الشبهة، فيقول- مخاطبا أنصار الدعوة السلفية-: (ولكن ليس هذا بأعجب من استدلالكم بآيات نزلت في الذين ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُون. وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ١ والذين يقال لهم ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى﴾ ٢ والذين يقولون ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً﴾ ٣ ومع هذا يستدلون بهذه الآيات، وينزلونها على الذين يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقولون ما لله من شريك، ويقولون ما أحد يستحق أن يعبد مع الله ... ) ٤. ويورد علوي الحداد تلك الشبهة فيقول: (وأما ما استدل به من الآيات الكريمة على تكفير المسلمين كقوله تعالى ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ٥.

стр. 223

وما بعدها من الآيات فهي إنما نزلت في حق الكفار المنكرين للقرآن والرسول. فأي مناسبة بين المسلم والكافر) ١. ويدعي اللكنهوري تلك الدعوى فيقول: (كما أن الخوارج طبقوا ما ورد في الكفار والمشركين من الآيات على المسلمين المؤمنين، فكذلك هؤلاء الوهابيون يطبقون سائر تلك الآيات الواردة في المشركين على مسلمي العالم..) ٢. ويزيد دحلان عن غيره- كعادته- الأكاذيب والشبهات، فيقول مستكثرا من تلك الشبهة: (وعمدوا إلى آيات كثيرة من آيات القرآن التي نزلت في المشركين فحملوها على المؤمنين..) ٣. ويقول في موضع آخر: (وحملوا الآيات القرآنية التي نزلت في المشركين على خواص المؤمنين وعوامهم. كقوله تعالى: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ٤ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ. وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ٥ حيث حملوها على المؤمنين، وأدخلوهم في عموم هذه الآيات) ٦. ويقول دحلان في موضع ثالث، أثناء ذكره معتقد الشيخ الإمام: (وتمسك في تكفير المسلمين بآيات نزلت في المشركين، فحملها على الموحدين) ٧. وتلقف الزهاوي تلك الشبهة، فرددها- كغيره- قائلا: (وحمل الآيات التي نزلت في الكفار من قريش على أتقياء الأمة) ٨ ثم قالها

стр. 224

مرة أخرى: (فعمد إلى الآيات القرآنية النازلة في المشركين فجعلها شاملة لجميع المسلمين ... ) ١. ويرددها ثالثة فيقول: (حملت الوهابية جميع الآيات القرآنية التي نزلت في المشركين على الموحدين من أمة محمد ﷺ ... ) ٢.. ويسوق محمد نجيب سوقية هذه الشبهة بأسلوبه المعتاد من بذاءة اللسان وكثافة الجهل وانعدام الورع.. فيقول عن الوهابية: (أما كفاها فجورا مما تدعيه، وتموه به على العامة من هذه الأمة بقولها أن جميع ما جاء في آي القرآن مما كان أنزل بحق المشركين والكافرين يحملونه على كافة المسلمين الموحدين، ليتني أدري عنهم هل وجدوا أحدا ينسب التأثير لشيء ما في الوجود إلا لله وحده لا شريك له ... أو يعتقد أن يكون فاعلا غير الله تعالى في هذا العالم ... ) ٣. ويظهر في هذه الشبهة تلبيس الخصوم، وتمويههم على سواد الناس، حيث جعلوا عباد القبور مسلمين موحدين، لأنهم يعترفون بأن الله هو الفاعل دون غيره، ولذا فهم مسلمون- كما صرح بذلك "نجيبهم" سوقية! وقد أشار الشيخ عبد الله أبو بطين إلى خطر مقالة الخصوم، فقال ﵀: (وأما قول من يقول إن الآيات التي نزلت بحكم المشركين الأولين، فلا تتناول من فعل فعلهم، فهذا كفر عظيم، مع أن هذا قول ما يقوله إلا ثور مرتكس في الجهل، فهل يقول إن الحدود المذكورة في القرآن والسنة لأناس كانوا وانقرضوا؟ فلا يحد الزاني اليوم، ولا تقطع يد السارق، ونحو ذلك، مع أن هذا قول يستحي من ذكره، أفيقول هذا إن المخاطبين بالصلاة والزكاة وسائر شرائع الإسلام انقرضوا وبطل حكم القرآن؟) ٤. وقد تحدث الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن عن آثار هذه الشبهة، فكان مما قاله ﵀: (أن من منع تنزيل القرآن، وما دل عليه من الأحكام على الأشخاص والحوادث

стр. 225

التي تدخل تحت العموم اللفظي، فهو من أضل الخلق وأجهلهم بما عليه أهل الإسلام وعلماؤهم قرنا بعد قرن، وجيلا بعد جيل، ومن أعظم الناس تعطيلا للقرآن، وهجرا له وعزلا عن الاستدلال به في موارد النزاع. فنصوص القرآن وأحكامه عامة لا خاصة بخصوص السبب. وما المانع من تكفير من فعل ما فعلت اليهود من الصد عن سبيل الله والكفر به مع معرفته؟) ١. ويذكر الشيخ عبد اللطيف أن تلك الشبهة قد وقع فيها داود بن جرجيس فقال الشيخ عبد اللطيف: (ومن شبهاته قوله في بعض الآيات هذه نزلت فيمن يعبد الأصنام، هذه نزلت في أبي جهل، هذه نزلت في فلان وفلان يريد- قاتله الله- تعطيل القرآن عن أن يتناول أمثالهم وأشباههم ممن يعبد غير الله، ويعدله بربه) ٢. ويبين الشيخ عبد اللطيف أن هذه الشبهة من الأسباب المانعة عن فهم القرآن: (ومن الأسباب المانعة عن فهم كتاب الله أنهم ظنوا أن ما حكى الله عن المشركين، وما حكم عليهم ووصفهم به خاص بقوم مضوا، وأناس سلفوا، وانقرضوا، لم يعقبوا وارثا. وربما سمع بعضهم قول من يقول من المفسرين هذه نزلت "في عباد الأصنام، هذه في النصارى ... ، فيظن الغر أن ذلك مختص بهم، وأن الحكم لا يتعداهم، وهذا من أكبر الأسباب التي تحول بين العبد وبين فهم القرآن والسنة) ٣. ويظهر الشيخ صالح بن محمد الشثري خطورة هذه الشبهة ومدى انحرافها فيقول - ردا على دحلان-: (فيا سبحان الله كيف بلغ اتباع الهوى بصاحبه إلى هذا الجهل العظيم، والتناقض البين، وتحريف معاني آيات الله المحكمات الدالة على السؤال والطلب، ويحتج بها على أنها وردت في المشركين وأن حكمها لا يتعداهم ... مع أن أحكام القرآن متناولة لجميع أمة محمد ﷺ إلى قيام الساعة. قال تعالى: ﴿لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغ﴾ ٤.

стр. 226

وعلى قول هذا المبطل أن حكم القرآن لا يتعدى من نزل فيه، فيقال: قد خاطب الله الصحابة بشرائع الدين كالصلاة والزكاة والصيام والحج، وبآيات المواريث، وبآيات الحدود، فيلزم على قول هذا المبطل أن حكمها لا يتعدى الصحابة. وهذا كفر وضلال، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ... ) ١. ويوضح السهسواني- ﵀ صحة معتقد الشيخ الإمام في تلك المسألة، فقال: (نعم قد استدل الشيخ ﵀ على كفر عباد القبور بعموم آيات نزلت في الكفار، وهذا مما لا محذور فيه، إذ عباد القبور ليسوا بمؤمنين عند أحد من المسلمين ... ، وإنما تمسك الشيخ في تكفير الذين يسمون أنفسهم مسلمين، وهم يرتكبون أموراً مكفرة بعموم آيات نزلت في المشركين، وقد ثبت في علم الأصول أن العبرة لعموم اللفظ، لا لخصوص السبب، وهذا مما لا مجال فيه لأحد) ٢. ومما كتبه الشيخ عبد الكريم بن فخر الدين- ردا على دحلان وغيره ممن وقع في تلك الشبهة- قوله: (إن العبرة بعموم اللفظ لا لخصوص السبب، فحمل آية نزلت في مشرك على مؤمن بتشبيه به شائع ذائع، ولأجل ذلك أجرى الفقهاء حكم الكفر بالتشبه بالكفر، وقد ورد عنه ﷺ "من تشبه بقوم فهو منهم" ٣) ٤. ويقول ابن سحمان: (فمن فعل كما فعل المشركون من الشرك بالله، بصرف خالص حقه لغير الله من الأنبياء والأولياء والصالحين، ودعاهم مع الله، واستغاث بهم كما يستغيث بالله، وطلب منهم ما لا يطلب إلا من الله، فما المانع من تنزيل الآيات على من فعل كما فعل المشركون، وتكفيره، وقد ذكر أهل العلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولكن إذا عميت قلوبهم عن معرفة الحق، وتنزيل ما أنزله الله في حق المشركين على من صنع صنيعهم واحتذى حذوهم فلا حيلة فيه) ٥. ويكشف محمد رشيد رضا عن كثافة جهل أصحاب هذه الشبهة فيقول: (ومن عجائب جهل دحلان وأمثاله أنهم يظنون أن ما بينه القرآن من بطلان شرك

стр. 227

المشركين خاص بهم لذواتهم، وليس بحجة على من يفعل مثل فعلهم كأن من ولد مسلما يباح له الشرك لجنسيته الإسلامية، وإن أشرك بالله في كل ما عده كتاب الله شركا، وعلى هذا لا يتصور وقوع الردة في الإسلام، لأن من سمي مسلما يجب أن يسمى كفره وشركه إسلاما، أو يعد مباحا له أو حراما على الأقل، وقد يعدونه مشروعا بالتأويل) ١. ويرد الشيخ فوزان السابق تلك الدعوى فيقول: (وأما القول بأن الآيات التي نزلت بحق المشركين من العرب لا يجوز تطبيقها على من عمل عملهم ممن يتسمى بالإسلام لأنه يقول: لا إله إلا الله، فهو قول من أغواه الشيطان. فآمن ببعض الكتاب وكفر ببعض، لأن مجرد التلفظ بالشهادة مع مخالفة العمل بما دلت عليه لا تنفع قائلها، وما لم يقم بحق لا إله إلا الله نفيا وإثباتا، وإلا كان قوله لغوا لا فائدة فيه. فالمعترض يريد تعطيل أحكام الكتاب والسنه، وقصرها على من نزلت فيهم، وهذا القول يقتضي رفع التكليف عن آخر هذه الأمة) ٢. ونختم هذه الأجوبة، بما سطره القصيمي ردا على هذه الشبهة، يقول: (وما زال المسلمون والعلماء والأئمه الأعلام، يستدلون بالآيات العامة النازله في الكفار على ما يفتون به المسلمين ... ومازالوا يأخذون من تلك العموميات الحجج والدلالات على معتقداتهم وإيمانهم، ولا خلاف عندهم أن القرآن إذا ما نهى اليهود، والنصارى، أو المجوس عن أمر من الأمور، أو أخبر أن ذلك كفر فيهم، أنهم هم أيضا منهيون عن ذلك الأمر، وأنه كفر فيهم. وقد عقد الإمام الشاطبي في أول كتابه الاعتصام فصلا مبسوطا رد به على البدع والمبتدعين، محتجا بعموم الآيات النازلة في أهل الكتاب، وذكر فيها أقاويل كثيرة عن السلف من صحابة وتابعين ومن بعدهم، قد احتجوا فيها بالآيات المطلقة النازلة أصلا في طوائف الشرك، وأهل الكتاب على إثم البدعة، وخطأ المبتدعين من المسلمين) ٣.

стр. 228

المبحث السابع: شبهة خروج الشيخ على دولة الخلافة ادعى بعض خصوم الدعوة السلفية أن الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب قد خرج على دولة الخلافة العثمانية، ففارق بذلك الجماعة، وشق عصا السمع والطاعة. فيصف ابن عفالق التوحيد الذي عليه أتباع الدعوة السلفية، فيقول: (وأما توحيدكم الذي مضمونه الخروج على المسلمين ... فهذا إلحاد لا توحيد) ١. وينعتهم عمر المحجوب مخاطباً لهم: (ووقعتم في شق العصا) ٢ ونلاحظ أن ابن عابدين في حاشيته- كما سبق ذكره- قد وصف أتباع هذه الدعوة بأنهم خوارج، وذلك ضمن باب البغاة، وهم الخارجون عن طاعة الإمام بلا حق٣ ويدعي دحلان أن أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب (فارقوا الجماعة والسواد الأعظم) ٤ كما يدعي الزهاوي أنهم عرفوا (بالمروق عن طاعة أمير المؤمنين) ٥ وإن كثيرا من الخصوم قد وصفوا الشيخ الإمام وأتباعه بأنهم خوارج، لأن من صفات الخوارج الخروج على إمام المسلمين، وشق عصا الطاعة بمجرد وقوعه في المعاصي التي دون الكفر الأكبر ... ونوضح ذلك بما ادعاه العاملي حيث يقول: (الخوارج استحلوا قتال ملوك المسلمين والخروج عليهم.. وكذلك الوهابيون) ٦. ويذكر صاحب كتاب "خلاصة تاريخ العرب" مبحثا بعنوان: (المبحث السادس: في خروج الوهابية عن الطاعة) ٧. ويدعي عبد القديم زلوم أن الوهابيين بظهور دعوتهم قد كانوا سبباً في سقوط دولة الخلافة.

стр. 229

يقول: (وكان قد وجد الوهابيون كياناً داخل الدولة الإسلامية بزعامة محمد بن سعود ثم ابنه عبد العزيز، فأمدتهم انجلترا بالسلاح والمال، واندفعوا على أساس مذهبي للاستيلاء على البلاد الإسلامية الخاضعة لسلطان الخلافة أي رفعوا السيف في وجه الخليفة، وقاتلوا الجيش الإسلامي جيش أمير المؤمنين بتحريض من الإنجليز وإمداد منهم) ١. وقبل أن نورد الجواب على شبهة خروج الشيخ محمد بن عبد الوهاب على دولة الخلافة، فإنه من المناسب أن نذكر ما كان عليه الشيخ الإمام من اعتقاد وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برهم وفاجرهم، ما لم يأمروا بمعصية الله، لأن الطاعة إنما تكون في المعروف. يقول الشيخ الإمام في رسالته لأهل القصيم: (وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله، ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به، وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته، وحرم الخروج عليه) ٢. ويقول أيضا: (الأصل الثالث: أن من تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمر علينا، ولو كان عبدا حبشياً، فبين الله له هذا بيانا شائعا كافيا بوجوه من أنواع البيان شرعا وقدرا. ثم صار هذا الأصل لا يعرف عند كثير من يدعي العلم، فكيف العمل به) ٣. وصرح الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ﵀ باعتقادهم في هذه المسألة فقال: (ونرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية) ٤. وبعد هذا التقرير الموجز الذي أبان ما كان عليه الشيخ من وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله.

стр. 230

فإننا نشير إلى مسألة مهمة جواباً عن تلك الشبهة، فهناك سؤال مهم هو: هل كانت نجد موطن هذه الدعوة ومحل نشأتها تحت سيطرة دولة الخلافة العثمانية؟ يجيب الدكتور صالح العبود على هذا السؤال فيقول: (لم تشهد نجد على العموم نفوذاً للدولة العثمانية، فما امتد إليها سلطانها، ولا أتى إليها ولاه عثمانيون، ولا جابت خلال ديارها حامية تركية في الزمان الذي سبق ظهور دعوة الشيخ محمد ابن عبد الوهاب ﵀، ومما يدل على هذه الحقيقة التاريخية استقراء تقسيمات الدولة العثمانية الإدارية، فمن خلال رسالة تركية عنوانها "قوانين آل عثمان مضامين دفتر الديوان" يعني قوانين آل عثمان في ما يتضمنه دفتر الديوان، ألفها يمين علي أفندي الذي كان أمينا للدفتر الخاقاني سنة ١٠١٨هـ الموافقة لسنة ١٦٠٩م من خلال هذه الرسالة يتبين أنه منذ أوائل القرن الحادي عشر الهجري، كانت دولة آل عثمان تنقسم إلى اثنتين وثلاثين ايالة، منها أربع عشرة ايالة عربية، وبلاد نجد ليست منها ماعدا الإحساء إن اعتبرناه من نجد ... ) ١. ويقول الدكتور عبد الله العثيمين: (ومهما يكن فإن نجدا لم تشهد نفوذاً مباشراً للعثمانيين عليها قبل ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، كما أنها لم تشهد نفوذاً قوياً يفرض وجوده على سير الحوادث داخلها لأية جهة كانت، فلا نفوذ بني جبر، أو بني خالد في بعض جهاتها، ولا نفوذ الأشراف في بعض جهاتها الأخرى أحدث نوعا من الاستقرار السياسي، فالحروب بين البلدان النجدية ظلت قائمة، والصراع بين قبائلها المختلفة استمر حاداً عنيفاً) ٢. يقول الدكتور عجيل النشمي: (إن نجداً وما جاورها لم تعرها دولة الخلافة أهمية تذكر، وربما كانت سياستها هذه تجاه بلاد نجد لسعة أراضيها، وترامي أطرافها، هذا من جانب، ولتمكن التوزيع

стр. 231

القبلي والعشائري من جانب آخر ... ) ١. ويقول أمين سعيد في هذا الشأن: (ولقد حاولنا كثيرا في خلال دراستنا لتاريخ الدولتين الأموية والعباسية، وتاريخ الأيوبيين، والمماليك في مصر، ثم تاريخ العثمانيين الذين جاءوا بعدهم وورثوهم، أن نعثر على اسم وال، أو حاكم أرسله هؤلاء، أو أولئك أو أحدهم إلى نجد أو إحدى مقاطعتها الوسطى، أو الشمالية، أو الغربية أو الجنوبية، فلم نقع على شيء، مما يدل على مزيد من الإهمال تحمل تبعته هذه الدول.. على أن الذي استنتجناه في النهاية هو أنهم تركوا أمر مقاطعات نجد الوسطى والغربية إلى الأشراف الهاشميين حكام الحجاز الذين جروا على أن يشرفوا على قبائلها إشرافا جزئياً) ٢. ويقول أيضاً: (وكان كل شيخ أو أمير في نجد مستقلاً استقلالاً تاما في إدارة بلاده وما كان يعرف الترك، ولا الترك يعرفونه) ٣. ويبين حسين خزعل حال نجد زمن العصر العثماني فيقول: (ولما حلت سنة ٩٢٣ هـ، وظهرت الدولة العثمانية على المسرح السياسي في جزيرة العرب، - وإن كانت الجزيرة العربية لم تشتمل بالحكم العثماني المركزي المباشر، بل اكتفت الدولة العثمانية بالسلطة الاسمية عليها-، كان كل قطر من أقطار الجزيرة العربية مستقلا بذاته، ولاسيما نجد، فقد كانت العصبيات فيها قائمة على قدم وساق، لكل عشيرة دولة، ولكل حاكم من أولئك الحكام حوزته الخاصة يحكمها حكماً

стр. 232

مطلقا) ١. ويقول جاكلين بيرين في ذلك: (ولكن شبه الجزيرة العربية ظلت ممتنعة على الفتح التركي بفضل صحرائها التي هلكت فيها عطشا الجيوش التي وجهها السلطان سليمان سنة ١٥٥٠م) ٢. فإذا كانت نجد- محل ظهور وانطلاق هذه الدعوة - ليست تحت سيطرة العثمانيين، فكيف ترد هذه الشبهة ويظن أن الشيخ قد خرج على دولة الخلافة؟. واستكمالا لهذا المبحث نذكر بعض جواب سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله ابن باز على ذلك الاعتراض، يقول الشيخ عبد العزيز: (لم يخرج الشيخ محمد بن عبد الوهاب على دولة الخلافة العثمانية- فيما أعلم وأعتقد-، فلم يكن في نجد رئاسة ولا إمارة للأتراك، بل كانت نجد إمارات صغيرة وقرى متناثرة، وعلى كل بلدة أو قرية - مهما صغرت- أمير مستقل ... وهي إمارات بينها قتال وحروب ومشاجرات، والشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يخرج على دولة الخلافة، وإنما خرج على أوضاع فاسدة في بلده، فجاهد في الله حق جهاده وصابر وثابر حتى امتد نور هذه الدعوة إلى البلاد الأخرى ... ) ٣. ويجيب الشيخ محمد نسيب الرفاعي على من ادعى أن هذه الدعوة حركة انقلابية المراد منها خلع الخليفة العثماني، وإعادة الخلافة إلى العرب، فكان مما قاله: (لم يكن ليخطر على بال الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن ينقلب على خليفة المسلمين، ولا مر بخاطره ذلك.. ولكن الملتفين حول الخليفة إذ ذاك من الطرقيين المتصوفة قلبوا له الأخبار، وشوهوها، ليوغروا صدر الخليفة عليهم، وحرضوه عليهم بحجة أنهم أهل حركة انقلابية على الخليفة نفسه، تقصد إرجاع الخلافة إلى العرب.. مع أن من صميم عقيدة الشيخ ﵀ التي هي العقيدة الإسلامية الحقة أنه لا تنقض الأيدي من طاعة الخليفة القائم إلا أن يروا فيه كفرا بواحا صراحا، ولم ير الشيخ شيئا من هذا حتى يدعو الناس إلى خلع الخليفة، حتى ولو كان الخليفة فاسقا في ذاته، إن لم يصل فسقه إلى درجة الكفر البواح الصراح، فلا يجوز الانقلاب عليه،

стр. 233

ولا الانتقاض على حكمه، وأن الشرع يخالف القيام على السلطان إلا في حالات الكفر البواح الصراح، حتى وإن الحركة- من أولها إلى آخرها- لم يكن للخليفة والخلافة أي علاقة في الدعوة ألبتة، حتى ولما استتب لهم الأمر في نجد والحجاز، أنهم انتقضوا على الخليفة، ولم يكن للخليفة ذكر قط في مراحل الدعوة....) ١. يتبين من خلال النصين السابقين جانب من موقف الشيخ من دولة الخلافة فليس هناك عداء أو خصومة لدولة الخلافة. ولذا يقول الدكتور عجيل النشمي: (نستطيع القول باطمئنان إن كتابات الشيخ محمد بن عبد الوهاب ليس فيها تصريح بموقف عدائي ضد دولة الخلافة. - ويقول أيضا: ولم نعثر على أي فتوى له تكفر الدولة العثمانية بل حصر افتاءاته في البوادي القريبة منه التي كان على علم بأنها على شرك ... ) ٢. بل- كما يقول النشمي- أن موقفه من دولة الخلافة هو موقف الناصح الآمر بالمعروف، المنكر لما يخالف الشرع دون أن يتعداه إلى الصدام المسلح، بل كان يتجنبه ويتحاشاه، كما هو واضح في موقفه من الأشراف الذين يحكمون الحجاز باسم دولة الخلافة. ويذكر النشمي بعض الأحداث التاريخية- في زمن الشيخ- التي تثبت ما كان عليه الشيخ الإمام من نبل الموقف، وتقدير الدولة العثمانية وإجلالها٣. ونورد خلاصة ما كتبه النشمي في هذا الموضوع، حيث يقول: (فكانت سياسة الشيخ وموقفه تجاه بلاد الحجاز أنه لم يؤثر عنه طوال حياته تحريض، أو استعداء أو دعوة لحربها، أو الاستيلاء عليها لشعوره أن ذلك الفعل قد يفسر على أنه خروج على دولة الخلافة. لم تحرك دولة الخلافة ساكناً، ولم تبدر منها أية مبادرة امتعاض، أو خلاف يذكر رغم توالي أربعة من سلاطين آل عثمان في حياة الشيخ ... ) ٤.

стр. 234

إذا كان- ما سبق- يعكس تصور الشيخ لدولة الخلافة، فكيف كانت صورة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لدى دولة الخلافة؟ يقول د. عجيل النشمي مجيباً على هذا السؤال: (لقد كانت صورة حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لدى دولة الخلافة صورة قد بلغت من التشويه والتشويش مداه، فلم تطلع دولة الخلافة إلا على الوجه المعادي لحركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، سواء عن طريق التقارير التي يرسلها ولاتها في الحجاز، أو بغداد، أو غيرهما.. أو عن طريق بعض الأفراد الذين يصلون إلى الأستانة يحملون الأخبار) ١. وساق النشمي بعضا من الأمثلة التي تظهر مدى التشويه وقلب الحقائق الذي ضمته تلك التقارير، أو نقله بعض الأفراد. ولازالت آثار هذا التشويش، وتبديل الحقائق وتزويرها ظاهرا جليا فيما كتب عن تاريخ العثمانيين، ونورد مثالا على ذلك: يقول المؤرخ التركي سليمان بن خليل العزي: (إن المراسلات التي وصلت إلى القسطنطينية من الشريف مسعود بن سعيد شريف مكة تبين أن ملحدا لا دينيا باسم محمد بن عبد الوهاب، قد ظهر من الشرق، قام بضرب وإجبار سكان تلك المنطقة لإخضاعهم لنفسه عن طريق اجتهاد زائف..) ٢. وأما دعوى "زلوم" أن دعوة الشيخ أحد أسباب سقوط الخلافة، وأن الإنكليز ساعدوا الوهابيين على إسقاطها. فيقول محمود مهدي الاستانبولي جواباً على هذه الدعوى العريضة: (قد كان من واجب هذا الكاتب أن يدعم رأيه بأدلة وإثباتات، وقديما قال الشاعر: وإذا الدعاوى لم تقم بدليلها ... بالنص فهي على السفاه دليل مع العلم أن التاريخ يذكر أن هؤلاء الإنكليز وقفوا ضد هذه الدعوة، منذ قيامها

стр. 235

خشية يقظة العالم الإسلامي) ١. ويقول الاستانبولي: (والغريب المضحك والمبكي معاً أن يتهم هذا الأستاذ حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بأنها من عوامل هدم الخلافة العثمانية، مع العلم أن هذه الحركة قامت حوالي عام ١٨١١م، والخلافة هدمت حوالي ١٩٢٢م) ٢. ومما يدل على أن الإنكليز ضد الحركة الوهابية، أنهم أرسلوا الكابتن فورستر سادلير ليهنئ إبراهيم باشا على النجاح الذي حققه ضد الوهابيين- إبان حرب إبراهيم باشا للدرعية-، وليؤكد له أيضا مدى ميله إلى التعاون مع الحركة البريطانية لتخفيض- ما أسموه بأعمال القرصنة الوهابية في الخليج العربي٣. بل صرحت هذه الرسالة بالرغبة في إقامة الاتفاق بين الحكومة البريطانية، وبين إبراهيم باشا، بهدف سحق نفوذ الوهابيين بشكل كامل٤.ويقول الشيخ محمد بن منظور النعماني: (لقد استغل الإنجليز الوضع المعاكس في الهند للشيخ محمد بن عبد الوهاب، ورموا كل من عارضهم ووقف في طريقهم، ورأوه خطراً على كيانهم بالوهابية، ودعوهم وهابيين ... ، وكذلك دعا الإنجليز علماء ديوبند- في الهند- بالوهابيين من أجل معارضتهم السافرة للإنجليز، وتضييقهم الخناق عليهم..) وبهذه النقول المتنوعة ينكشف زيف هذه الشبهة، وتهافتها أمام البراهين العلمية الواضحة من رسائل الشيخ الإمام ومؤلفاته، كما يظهر زيف الشبهة أمام الحقائق التاريخية التي كتبها المنصفون.

стр. 236

الفصل الثاني: تحريم التوسل.. عرض ثم رد ادعى كثير من خصوم الدعوة السلفية أن الشيخ الإمام وأتباعه من بعده وأنصار دعوته.. أنهم يحرمون التوسل.. وحشد الخصوم لإثبات صحة دعواهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. وسنتحدث بشيء من الإطناب عن تلك الشبهة، نظرا لكثرة الخصوم وتعددهم، ممن رموا الشيخ الإمام وأنصار دعوته السلفية بتلك الشبهة دون تبيين أو تفصيل لدعواهم. لقد ادعى هؤلاء الخصوم جواز التوسل بالأموات مثلما جاز التوسل بالأحياء، لأنه لا فرق بينهما- على حد زعمهم-، ومما يدل على أهمية هذه الشبهة وخطورتها أن الخصوم قد اتخذوا لفظ "التوسل" مطية يتوصلون بها إلى إثبات ما تهواه أنفسهم من جواز بعض الشركيات، والكفريات مثل: الاستغاثة بالأموات، والاستعانة بهم في قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، لأن هؤلاء الجهلة يزعمون أنه لا فرق بين لفظ التوسل، ولفظ الاستغاثة، فخلطوا بينهما. ونظرا لكثرة أقوال الخصوم وتنوعها في هذه المسألة فإنه يمكن حصر أقوالهم بعد استقرائها في هذين العنصرين الأساسيين التاليين: العنصر الأول: جواز التوسل بذوات المخلوقين أحياء وأمواتاً، وأشرفهم محمد ﷺ فيجوز التوسل به في حياته، وبعد وفاته، ويوم البعث، بل يجوز التوسل به قبل وجوده، وجواز الإقسام على الله بكريم عليه، وأنه حيث جاز التوسل بالأعمال الصالحة وهي أعراض، فجواز التوسل بالذوات الفاضلة وهي أعيان من باب أولى. ويورد هؤلاء القوم ما عندهم من الأدلة والنصوص التي تثبت دعواهم. العنصر الثاني: جواز التوسل بالأموات كما جاز التوسل بالأحياء، لأنه لا فرق بينهما، فليس للحي تأثير كما أنه ليس للميت تأثير؛ لأن المؤثر والفاعل هو الله وحده،

стр. 237

إضافة إلى أن الميت حي في قبره، كما أن له حياة قبل موته ... وحيث جاز التوسل بالأموات والأحياء جميعاً بلا فرق، فإنه لا فرق أيضا بين معنى التوسل ومعنى الاستغاثة ومعنى الالتجاء.. ونحوها؛ لأن المعنى واحد. وسنورد أقوال الخصوم كما جاءت مسطورة في كتبهم في بيان هذين العنصرين، ونشرع في سرد أقوالهم في بيان العنصر الأول على النسق الآتي: يدعي ابن عفالق جواز التوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته فيقول- مخاطبا الوهابيين-: (فإن كنتم تنكرون التوسل والتشفع به ﷺ مطلقا فالكلام ساقط معكم، والخطاب مستد بيننا وبينكم، وإن كنتم تقولون يجوز ذلك في حياته، وفي عرصات يوم القيامة إظهارا لعظيم شأنه وتنويهاً برفيع مقامه، وتقولون بعدم ذلك بعد وفاته، فأي دليل قام لكم على ذلك، وأي أمر أسقط عظيم جاهه بعد وفاته ... ومن المعلوم أن ما أقره ﵇ في حياته فهو شرع بعد وفاته) ١. ويقرر محمد سليمان الكردي مشروعية التوسل بالأنبياء والصالحين فيقول: (وأما التوسل بالأنبياء والصالحين فهو أمر محبوب ثابت في الأحاديث الصحيحة وغيرها، وقد أطبقوا على طلبه، واستدلوا بأمور يطول شرحها.. بل ثبت في الأحاديث الصحيحة التوسل بالأعمال الصالحة وهي أعراض. فالبذوات أولى) ٢. ويؤكد عمر المحجوب كثرة الأدلة التي تثبت دعواه في جواز التوسل بذوات الخلق فيقول: (.. فإن التوسل بالمخلوق مشروع ووارد في السنة ليس بمحظور ولا ممنوع، ومشارع الحديث الشريف بذلك مفعمة، وأدلته كثيرة محكمة، تضيق المهارق عن استقصائها، ويكل اليراع إذا كلف بإحصائها. ويكفي منها توسل الصحابة والتابعين في خلافة عمر بن الخطاب أمير المؤمنين واستسقاؤهم عام الرمادة بالعباس ... ) ٣. ويردد الحداد نفس المقالة السابقة فكان مما قاله: (وثبت في الأحاديث الصحيحة أن التوسل بالأنبياء والصلحاء أمر محبوب، وقد أطبقوا على طلبه، واستدلوا بأمور يطول شرحها ... ) ٤.

стр. 238

ويجوز إسماعيل التميمي التوسل بذوات المخلوقين، ويدعي الإجماع على جواز التوسل بالمصطفى ﷺ ... فيقول: (وإذا جاز التوسل بالأعمال الصالحة وهي أعراض جاز التوسل بالذوات الفاضلة بعد موتها من باب أولى) ١. ويقول أيضا: (إن التوسل بالنبي ﷺ أمر مجمع عليه لا خلاف فيه.. وإن التوسل بغيره أكثر على المشروعية ... ) ٢. وكذلك يجوز عبد الرؤوف بن محمد بن عبد الله التوسل بذوات المخلوقين فيقول مستغرباً: (كيف جاز التوسل بأعراض المفضولين- أي الأعمال الصالحة-، ولم يجز بأعيان الفاضلين، مع كون العين أفضل من العرض، والفاضل، أفضل من المفضول) ٣. ويجوز عبد الرؤوف أيضا الإقسام على الله بما أقسم به، فيقول: (الإقسام على الله بما أقسم به ليس حلفا بغير الله حتى تحرمه، والذي يحكم بالتحريم لا بد له من إقامة الدليل، ومع فقد الدليل ليس إلى المنع سبيل ... ) ٤. ومما ذكره النجفي في تجويز التوسل بكل معظم قوله: (إن من توسل إلى الله بمعظم من قرآن، أو نبي، أو عبد صالح، أو مكان شريف، أو بغير ذلك فلا بأس عليه، بل كان آتياً بما هو أفضل وأولى....) ٥. وسرد أحمد دحلان أدلتهم في مشروعية التوسل بذات المصطفى ﷺ بعد وفاته، فكان مما ذكره من الأدلة (ما رواه الطبراني والبيهقي أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان ابن عفان ﵁ في زمن خلافته في حاجة، فكان لا يلتفت إليه، ولا ينظر إليه في حاجته، فشكا ذلك لعثمان بن حنيف فقال: ائت الميضأة فتوضأ، ثم ائت المسجد فصل ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك لتقضي حاجتي وتذكر حاجتك فانطلق الرجل فصنع ذلك، ثم أتى

стр. 239

بباب عثمان ﵁ فجاء البواب فأخذ بيده، فأدخله على عثمان ﵁ فأجلسه معه، قال له: اذكر حاجتك، فذكر حاجته فقضاها ... ) . قال دحلان: (فهذا توسل ونداء بعد وفاته ﷺ ١. ومما استدل به: حديث توسل آدم بالنبي ﷺ حين اقترف آدم الخطيئة فقال: يا رب أسألك بحق محمد إلا ما غفر لي ... فغفر له. فهذا دليل على جواز التوسل بمحمد قبل وجوده- كما يقول دحلان-٢. واستدل على جواز التوسل بالأنبياء بقول النبي ﷺ "اغفر لأمي فاطمة بنت أسيد، ووسع عليها مدخلها بحق نبيك، والأنبياء الذين من قبلي" ٣. كما استدل على جواز التوسل بالأحياء بحديث استسقاء عمر بالعباس- ﵄-٤. ويذكر السمنودي دليلاً آخر على جواز التوسل بالنبي ﷺ مع ندائه بعد وفاته وهو مرثية صفية ﵄ عمة الرسول فإنها رثته بأبيات فيها قوله: ألا يا رسول الله أنت رجاؤنا ... وكنت بنا برا ولم تك جافيا ثم يقول السمنودي: (ففي ذلك النداء بعد وفاته مع قولها أنت رجاءنا، وقد سمع تلك المرثية الصحابة رضوان الله عليهم فلم ينكر عليها أحد منهم..) ٥. ومما كتبه محمد بن محمد القادري، مكذباً الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود في مسألة التوسل قوله: (والحاصل أن قوله لا يجوز التوسل بالأنبياء والأولياء فهذا كذب وافتراء، وقد نص الأئمة على أنه يجوز التوسل بأهل الخير والصلاح) ٦. ويدعي الكسم اختصاص المصطفى ﷺ بجواز أن يقسم على الله به، فقال: (واختص ﷺ بجواز أن يقسم على الله به، وفي المواهب اللدنية: قال ابن عبد السلام: وهذا ينبغي أن يكون مقصورا على النبي ﷺ لأنه سيد ولد آدم، وأن لا يقسم على الله بغيره.. وخالف في ذلك بعضهم فجوز القسم على الله تعالى بكل نبي ... ) .

стр. 240

ويذكر الدجوي أن التوسل بذوات الصالحين هو توسل بأعمالهم الصالحة فيقول - مخاطبا الوهابيين-: (لماذا لا تجعلون التوسل بالولي أو النبي توسلا بعمله الصالح، فإنك تتوسل بالولي من حيث هو ولي مقرب إلى الله، وما تقرب إليه بما أحبه من صالح الأعمال، وسؤال الله بالأعمال الصالحة مجمع على جوازه منا ومنكم) ١. ويقول العاملي في تجويز الإقسام على الله بكل ما هو صالح، وأن ذلك توسل مستحب: (الإقسام على الله بكريم عليه من نبي، أو ولي، أو عبد صالح، أو عمل صالح، أو غير ذلك نوع من التوسل.. وهو محبوب لله تعالى، وأنه تعالى يحب أن يتوسل إليه عبده بأنواع الوسائل) ٢. ويزعم الطباطبائي أن التوسل بالأموات كالتوسل بالأحياء في الحكم، فيقول: (إن التوسل بالميت نظير التوسل بالحي، وسؤاله قضاء الحوائج بواسطة دعائه من الله تعالى.. فأحد التوسلين كالآخر بجامع السؤال من المخلوق، فإذا جاز بالنسبة إلى الأحياء، جاز مطلقا) ٣. ويورد الشطي بعض النصوص القرآنية التي استدل بها على دعواهم من جواز التوسل بالأموات، نذكر من أدلته قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ ٤. وقوله عزوجل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٥ ٦. ويجمع خزبك خلاصة دعواهم فيقول: (وخلاصة القول أن مذهب أهل السنة والجماعة صحة التوسل وجوازه بالنبي ﷺ في حياته وبعد وفاته، وكذلك بغيره من الأنبياء والمرسلين والعلماء والصالحين كما دلت عليه الأحاديث الثابتة المتواترة) ٧.

стр. 241

ويجوز السيامي - كأسلافه - التوسلَ بالأنبياء والصالحين ويجعله مستحبا، فيقول: (إن التوسل بالأنبياء والصالحين ... جائز، بل مستحب ومطلوب ... ) ١. ويدعى "الجبالي" أن التوسل بالجاه هو من باب التبرك ... فيقول: (وليس التوسل بجاههم إلى المولى لتقضى له حاجته إلا تبركا بمن كرمهم الله، وجعل لهم منزلة عنده ... ) ٢. ويفسر المالكي لفظ "الوسيلة" في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ ٣ فيقول: (لفظ الوسيلة عام في الآية كما ترى فهو شامل للتوسل بالذوات الفاضلة من الأنبياء والصالحين، في الحياة وبعد الممات، وبالإتيان بالأعمال الصالحة على الوجه المأمور به، وللتوسل بها بعد وقوعها) ٤. يظهر من هذه النقول السابقة عن كتب المناوئين لهذه الدعوة السلفية- والتي أوردناها بإيجاز أنها تجوز التوسل البدعي المحظور، فتجوز التوسل بذوات المخلوقين وأشخاصهم أحياء كانوا أم أمواتا، وتجوز أيضا التوسل بجاه الأولياء ومنزلتهم عند الله، كما تجوز الإقسام على الله بكل صالح أو فاضل، ويورد هؤلاء الخصوم نصوصا من القرآن، ونصوصا من السنة يستدلون بها على دعواهم، كما سبق ذكر بعضها. وأما أقوالهم التي يتضمنها العنصر الثاني، فنسردها على النحو الآتي: يدعي القباني عدم الفرق بين لفظ التوسل، ولفظ الاستغاثة، ولفظ التشفع فيقول: (جواز التوسل والتشفع والإستغاثة بالرسول ﷺ وبغيره من الأنبياء والأولياء ... ولا فرق في ذلك بين التعبير بالتوسل، أو الاستغاثة، أو التشفع، أو التوجه به ﷺ في الحاجة ... ) ٥. ويذكر معنى الاستغاثة، حين تكون مرادفة لمعنى التوسل، فيقول: (فالمستغاث به في الحقيقة هو الله تعالى، والنبي ﷺ واسطة بينه وبين المستغيث؛

стр. 242

فهو تعالى مستغاث، والغوث منه خلقاً وإيجاداً، والنبي ﷺ مستغاث، والغوث منه تسببا وكسباً) ١. ويؤكد صاحب "إزهاق الباطل" عدم الفرق في التعبير بين لفظ الاستغاثة أو التوسل أو التشفع بالنبي ﷺ ثم يقرر جواز التوسل أو الاستغاثة بالنبي، مادام أن المتوسل أو المستغيث يعتقد أن الله هو المتصرف في الأمور، فيقول: (لا فرق أن يعبر بلفظ الاستغاثة، أو التوسل، أو التشفع، أو التوجه.. فكل من الاستغاثة والتوسل والتوجه والتشفع بالنبي ﷺ كما ذكره في "تحقيق النصرة"، و"مصباح الظلام "، و"المواهب اللدنية" للقسطلاني واقع في كل حال قبل خلقه، وبعد خلقه في مدة حياته في الدنيا، وبعد موته في مدة البرزخ، وبعد البعث في عرصات القيامة....) ٢. ثم يقول، بعد كلام طويل: (ولا ينبغي أن يستريب أحد في جوازه، كيف والقائل معتقد بأن الله هو الشافي والكاشف للضر، وأن الأمور ترجع إليه) ٣. ويقول أيضا: (إن كان يعتقد- أي المتوسل والمستغيث بغير الله- أن المتصرف في الأمور هو الله والطلب في الحقيقة، ونفس الأمر منه، وغيره لا يملك شيئا من الضر والنفع والوضع والرفع، ولكن مع ذلك يتوجه الخطاب، والطلب إلى الوجيه المقرب لدى الرب ... فالطلب في الحقيقة منه تعالى لا من سواه، وان كان في الظاهر متوجهاً إلى غيره فلا بأس به في المعنى....) ٤. فالتوسل والاستغاثة بالأموات جائزة- عند صاحب "إزهاق الباطل"- مادام أن المتوسل والمستغيث بالموتى يعترف بأن الله هو المتصرف في الأمور. ويؤكد محسن بن عبد الكريم هذا المعنى الذي قرره سلفه، فيقول: (والمتوسل بالنبي، أو الولي لا يعتقد أنه يفعل ما يريد، وأنه إن شاء الضر فعله، وإن لم يأذن به الله، وإن شاء النفع فعله، وإن لم يأذن به الله. ولو كان معتقدا لذلك لما جعله- أي الولي أو النبي- وسيلة إلى الله، ولوجه العبادة إليه من أول الأمر) ٥.

стр. 243

ويبين محمد بن مصطفى الحسني جواز التوسل والاستغاثة بغير الله، لعدم اعتقاد هؤلاء المستغيثين والمتوسلين التأثيرَ لغير الله، ولا يكتفي الحسني بذلك، بل يقرر انتفاء التأثير وسقوط الأسباب، فليست النار سببا في الاحتراق وإنما اقترنت النار بالإحراق فقط ... يقول: (والمسلمون لم يعتقد أحد منهم التأثير في الواسطة المتوسل بها إلى الله، كيف وصغار الولدان منهم يعرف ذلك ضرورة لقراءته كلام الله كل حين، وقد نفوا التأثير عما يحكم عليه بالعادة أنه مؤثر بحاسة العيان كالنار مثلاً، فإن إحراق ما مسته لا دلالة للعادة عليه أصلا، وإنما غاية ما دلت عليه العادة الاقتران فقط بين الأمرين ... ) ١. ويجعل دحلان كلاً من التوسل والتشفع والاستغاثة بالأموات بمعنى واحد هو التبرك فقط ... ثم يدعي أنهم أسباب يرحم الله بهم، لكن الله هو المؤثر وحده، ولكن أيضاً هؤلاء الأموات سبب عادي لا تأثير له!! يقول دحلان: (فالتوسل والتشفع والاستغاثة كلها بمعنى واحد، وليس لها في قلوب المؤمنين معنى إلا التبرك بذكر أحباء الله تعالى، لما ثبت أن الله يرحم العباد بسببهم سواء كانوا أحياء أو أمواتاً، فالمؤثر والموجد حقيقة هو الله تعالى، وذكر هؤلاء الأخيار سبب عادي في ذلك التأثير، وذلك مثل الكسب العادي فإنه لا تأثير له) ٢. ويورد دحلان قولاً آخر يدعي فيه مساواة الحي بالميت، لأن كلاً منهما لا تأثير له في شيء، ومن اعتقد أن الحي يقدر على بعض الأشياء، فقد اعتقد اعتقاداً باطلا، يقول: (الحي والميت مستويان في أن كلاً منهما لا تأثيرله في شيء.. واعتقادكم أن الحي قادر على بعض الأشياء يستلزم اعتقادهم أن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية، وهذا اعتقاد فاسد ومذهب باطل، فإن اعتقاد أهل السنة والجماعة أن الخالق للعباد وأفعالهم هو الله وحده لا شريك له، والعبد ليس له إلا الكسب الظاهري.. فيستوي الحي والميت في أن كلاً منهما لا خلق له ولا تأثير، والمؤثر هو الله تعالى وحده ... ) ٣. ويدعي السمنودي- كأسلافه السابقين- عدم التفريق في التوسل بين أن يكون

стр. 244

بلفظ التوسل، أو الاستغاثة، أو التوجه.. مادام أن الاستغاثة بالأنبياء، والصالحين ليس لها معنى إلا طلب الغوث حقيقة من الله، ومجازا بالتسبب العادي١. ويطنب الدجوي في هذه المسألة، فيجوز التوسل والاستغاثة بالأموات إذا كان من فعلها يسند الخلق إلى الله وحده ... ولو أسند شيئا لغير الله فإن ذلك يحمل على الإسناد المجازي لا الحقيقي..، فلا تفرقة إذن بين الأحياء والأموات في هذا المقام، بل إن حصر التوسل في الحي دون الميت أقرب إلى وقوع الناس في الشرك يقول الدجوي: (لا أدري كيف يكفرون من يقول: إن الله خالق كل شيء، وبيده ملكوت كل شيء وإليه يرجع الأمر كله، والمتوسل ناطق بهذا في توسله فإن المتوسل إلى الله بأحد أصفيائه قائل إنه لا فاعل إلا الله، ولم ينسب إلى من توسل به فعلا ولا خلقا، وإنما أثبت له القربة والمنزلة عند الله.. حتى إننا لو رأيناه أسند شيئاً لغير الله تعالى، علمنا بمقتضى إيمانه أنه من الإسناد المجازي، لا الحقيقي كقولهم أنبت الربيع البقل) ٢. ويقول في موضع آخر: (ولست أدري هل يأخذ هؤلاء بالظواهر أم بالمقصود منها؟ فإن كان التعويل عندهم على الظواهر، كان قول القائل "أنبت الربيع البقل، وأرواني الماء وأشبعني الخبز" شركا وكفرا. وإن كانت العبرة بالمقاصد والتعويل على ما في القلوب التي تعتقد أنه لا خالق إلا الله، وأن الإسناد لغيره إنما هو لكونه كاسباً له، أو سبباً فيه، لا لكونه في التفرقة بين الحي والميت على نحو ما يقولونه "كأن الحي يصح أن يكون شريكا لله دون الميت") ٣. ثم يقول: (فالتفرقة بين الأحياء والأموات في هذا المقام غير صحيحة، فإن الطلب من الله، والفعل لله لا من المستغاث به) ٤. ويهاجم الدجوي مخالفيهم فيقول: (إن تخصيص جواز التوسل بالحي دون الميت أقرب إلى إيقاع الناس في

стр. 245

الشرك، فإنه يوهم أن للحي فعلا يستقل به دون الميت، فأين هذا من قولنا أن الفعل في الحقيقة لا للحي ولا للميت؟ ومن أمعن النظر في كلامهم لم يفهم منه إلا مذهب المعتزلة في الأحياء ومذهب الذين يئسوا من أصحاب القبور في الأموات) ١. ويقرر العاملي أن: (الأخبار صرحت بعدم الفرق بين الحي والميت بل -وكذا- الموجود والمعدوم) ٢. ويدعي العاملي -أيضا- أن: (التفرقة بين التوسل بالأحياء والأموات تحكم محض وجمود بحت) ٣. ويذكر الزهاوي مقالة أسلافه، فيدعي أن التوسل والتشفع والاستغاثة بمآل واحد؛ لأن القصد منها التبرك بالأموات الذين بسببهم يرحم الله عباده، ولكنهم أسباب عادية لا تأثير لهم؛ لأن الموجد حقيقة هو الله٤. ويقول الزهاوي: (المراد من الاستغاثة بالأنبياء والصالحين والتوسل بهم هو أنهم أسباب ووسائل لنيل المقصود، وأن الله هو الفاعل.. لا أنهم هم الفاعلون كما هو المعتقد الحق في سائر الأفعال، فإن السكين لا يقطع بنفسه بل القاطع هو الله، والسكين سبب عادي خلقَ الله تعالى القطعَ عنده) ٥. فليست السكين -على حد زعم الزهاوي- سببا في القطع وإنما خلق الله القطع عند اقترانه بالسكين.. ويدعي الزهاوي -بناء على ما قرره- عدم التفريق في التوسل بذوات المخلوقين أحياء أو أمواتا، فليس لهم تأثير في شيء٦. ويزعم الطباطبائي أن الميت كالحي إدراكا وشعورا، بل يزيد الميت على الحي، فيقول: (أما عدم كون نداء الأموات توجيها للخطاب نحو المعدوم، فلأن للميت من الإدراك والشعور، والالتفات مثل ما له في الحياة، بل أزيد لإجماع المسلمين عليه

стр. 246

بعد الكتاب والسنة) ١. ويذكر خزبك عدم الفرق في التوسل بين الأحياء والأموات؛ لأن الله وحده هو المؤثر والأحياء والأموات ليس لهم تأثير في شيء٢. ويورد حسن الشطي شبهة لمن خالفهم، ويرد عليهم، فيقول: (فإن قلت شبهة من منع التوسل رؤيتهم بعض العوام يطلبون من الصالحين أحياء وأمواتا أشياء لا تطلب إلا من الله، ويجدونهم يقولون للولي افعل لي كذا وكذا، فهذه الألفاظ الصادرة منهم توهم التأثير لغير الله. أجيب بأن الألفاظ الموهمة محمولة على المجاز العقلي، والقرينة عليه صدوره من موحد، ولذا إذا سئل العامي عن صحة معتقده بذلك فيجيبك بأن الله هو الفعال وحده لا شريك له، وإنما الطلب من هؤلاء الأكابر عند الله تعالى المقربين لديه على سبيل التوسط بحصول المقصود.. ولا يصح لنا أن نمنعهم من التوسل والاستغاثة مطلقا..) ٣. ويورد سوقية معتقدهم في الأفعال، فكان مما أورده أنه قال: (واعتقاد أهل السنة والجماعة أن الفاعل في هذه العوالم هو الله وحده لا شريك له، لا تأثير لشيء من الأشياء كبر أو صغر، شديدا كان أو ضعيفا، والشيء يوجد عنده لا به.. مثل قول الموحد أنبت الربيع البقل، فإسناد الإنبات إلى الربيع إسناد مجازي، للعلم بأن المنبت حقيقة هو الله وحده لا يشاركه فيه غيره..) ٤. ويذكر محمد عاشق الرحمن -بعد أن ساق حديث توسل آدم بمحمد قبل وجوده- عدم الفرق بين لفظ التوسل ولفظ الاستعانة ولفظ الالتجاء، فيقول: (ولا فرق في هذا المعنى بين أن يعبر عنه بلفظ الترسل، أو الاستعانة، أو التشفع، أو الالتجاء، والداعي بالدعاء المذكور وما في معناه متوسل بالنبي ﷺ ؛ لأنه جعله وسيلة لإجابة الله دعاءه ومستغيث به) ٥. ويقول محمد الطاهر يوسف -في شأن التوسل بالموتى -:

стр. 247

(بالنسبة للمتوسل بهم، فلا فرق بين أنهم أحياء أو أموات؛ لأن المتولي لأمورهم هو الله، وهو حي لا يموت، ومن اعتقد أن الولي ينفع في حياته دون مماته، وهو رأي الفرق المعتزلة -يعني الوهابيين- فقد ضل عن السبيل..) ١. ويجيء المالكي أحد أفراخ أولئك الخصوم، فيردد ما قاله أشياخه، فيقول: (إن الاستغاثة، والتوسل إن كان المصحح لطلبها هو الحياة كما يقولون فالأنبياء أحياء في قبورهم وغيرهم من عباد الله المرضيين، ولو لم يكن للفقيه من الدليل على صحة التوسل والاستغاثة به ﷺ إلا قياسه على التوسل والاستغاثة به في حياته الدنيا لكفى، فإنه حيي الدارين، دائم العناية بأمته متصرف بإذن الله في شئونها..) ٢. ويقول أيضا: (أما دعوى أن الميت لا يقدر على شيء فهي باطلة..) ٣. ويدعي المالكي (أن الأرواح لها من الإطلاق والحرية ما يمكنها من أن تجيب من يناديها، وتغيث من يستغيث بها كالأحياء سواء بسواء، بل أشد وأعظم) ٤. وهكذا يتضح العنصر الثاني من خلال تلك النقول التي سبق إيرادها عن كتب المناوئين، فظهر أن الخصوم يعتقدون أن التوسل إلى الله بالأموات بمعنى الاستغاثة بهم فلا فرق بين المعنيين. وتبين أنه لا فرق عندهم في التوسل والاستغاثة بين الحي وبين الميت، لأنه ليس للميت ولا للحي تأثير، فالمؤثر والفاعل هو الله وحده، ولو وُجد في بعض "الألفاظ الموهمة" -كما يسمونها- ما يتوهم منه إسناد الفعل إلى الأموات، فلا حرج في ذلك؛ لأن هذا الإسناد إسناد مجازي لا حقيقي ... وكذلك لا فرق عندهم بين الأحياء والأموات في التوسل، والاستغاثة؛ لأن الأموات أحياء في قبورهم، بل إن حياتهم، وإدراكهم أتم وأكمل ممن كان في الدنيا. وسنورد الرد والبيان الشافي على تلك الشبهة من خلال ما سطره بعض أئمة الدعوة السلفية، وأنصارها.

стр. 248

وقبل أن نورد الرد والبيان -بشيء من التفصيل- لما تضمنته شبه تحريم التوسل بكلا عنصريها، نرى أن يسبق ذلك إشارة لما يحتويه لفظ "التوسل" من الإجمال والاشتراك الذي يحتاج إلى تفصيل وتمييز. ولقد بين علماء الدعوة ذلك، فأوضحوا ما يحمله مصطلح "التوسل" من الإجمال الذي لا بد من تفصيله، وما يتضمنه من الإطلاق الذي لا بد من تقييده. يقول صاحب كتاب "التوضيح": (إن التوسل فيه إجمال واشتراك بحسب الاصطلاح، فمعناه في لغة الصحابة والتابعين طلب الدعاء من النبي أو الصالح، أو التوجه بدعائه ... وأما معناه في لغة المعاندين فهو أن يسأل الله عزوجل بذات ذلك المخلوق، ويقسم عليه تعالى به، أو يسأل ذلك المخلوق نفسه على معنى أنه وسيلة من وسائل الله يتقرب بذاته ويسأل منه شفاعته..) ١. ويوضح الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ما يحتويه لفظ "التوسل" من الاشتراك، فيقول: (إن لفظ التوسل صار مشتركا، فعباد القبور يطلقون التوسل على الاستغاثة بغير الله، ودعائه رغبا ورهبا، والذبح والنذر، والتعظيم بما لم يشرع في حق مخلوق. وأهل العلم يطلقونه على المتابعة والأخذ بالسنة فيتوسلون إلى الله بما شرعه لهم من العبادات، وبما جاء به عبده ورسوله محمد ﷺ وهذا هو التوسل في عرف القرآن والسنة ... ومنهم من يطلقه على سؤال الله ودعائه بجاه نبيه أو بحق عبده الصالح أو بعباده الصالحين، وهذا هو الغالب عند الإطلاق في كلام المتأخرين كالسبكي والقسطلاني وابن حجر -أي الهيتمي-) ٢. وكذا ذكر الآلوسي ما تضمنه لفظ التوسل من إجمال، فقال ﵀: (إن لفظ التوسل صار مشتركا على ما يقرب إلى الله من الأعمال الصالحة التي يحبها الرب ويرضاها، ويطلق على التوسل بذوات الصالحين ودعائهم واستغفارهم، ويطلق في عرف عبّاد القبور على التوجه إلى الصالحين ودعائهم مع الله في الحاجات والملمّات) ٣.

стр. 249

لقد استغل الخصوم هذا الإجمال والاشتراك في لفظ التوسل، فقلبوا الحقائق، وأجازوا دعاء الموتى، والاستغاثة بهم باسم التوسل، ثم زعموا أن الشيخ الإمام يكفر من توسل بالأنبياء والصالحين. فزعم ابن سحيم أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب يكفر من توسل بالصالحين١. وحرف ابن منصور الكلم عن مواضعه، فادعى أن الشيخ الإمام يكفر من توسل بذوات الصالحين٢ وافترى دحلان حيث قال: (كان محمد بن عبد الوهاب يخطب للجمعة في مسجد الدرعية ويقول في كل خطبة: ومن توسل بالنبي فقد كفر) ٣. ويزيد العاملي كذبا وزورا على سلفه، فيقول: (والتوسل بأنواعه مما منعه الوهابية وجعلوه شركا) ٤. إن الشيخ الإمام كفر من استغاث بالأموات سواء كانوا أنبياء أو أولياء ولو سميت تلك الاستغاثة توسلا، فالعبرة بالحقائق والمعاني وليست بالأسماء والمباني، فالتوسل عند عبّاد القبور يطلقونه على الاستغاثة بالموتى وطلب الحاجات منهم كما تقدم. وأما دعوى أن الشيخ كفر من توسل بالصالحين، بمعنى سؤال الله بجاه هؤلاء الصالحين فقد أجاب الشيخ الإمام على تلك الدعوى ردا على ابن سحيم، فقال: (فالمسائل التي شنع بها، منها ما هو من البهتان الظاهر -وذكر الشيخ الإمام منها- قوله: إني أكفر من توسل بالصالحين، وجوابي أن أقول سبحانك هذا بهتان عظيم) ٥. وفي المقابل نجد أن خصوما فهموا أن الشيخ لا ينكر الاستغاثة بالموتى، وطلب الحاجات منهم، واحتجوا بجواب كتبه الشيخ الإمام في حكم التوسل إلى الله بالصالحين ذكر فيه أنه لا ينكر من توسل بالصالحين؛ لأنها من مسائل الفقه، ولا إنكار في مسائل الاجتهاد، مع أن الشيخ الإمام صرح، ووضح في نفس الجواب الفرق بين التوسل بذوات الصالحين بمعنى سؤال الله بذواتهم، وبين سؤال الصالحين ودعائهم والاستغاثة

стр. 250

بهم -فيما لا يقدر عليه إلا الله-، فكان مما قاله ﵀: (ولكن إنكارنا على من دعا المخلوق أعظم مما يطلب منه تفريج الكربات، وإعطاء الرغبات، فأين هذا ممن يدعو الله مخلصا له الدين لا يدعو مع الله أحدا، ولكن يقول في دعائه: أسألك بنبيك، أو بالمرسلين، أو بعبادك الصالحين، أو غيره يدعو عنده، لكن لا يدعو إلا الله مخلصا له الدين) ١. فاحتجوا بهذا النص الذي هو حجة دامغة عليهم، وادعوا به جواز الاستغاثة بالموتى الصالحين باسم التوسل، مع أن كلام الشيخ دليل عليهم لا لهم، ورد على خطئهم وانحرافهم٢. وعقب هذه الإشارة التي أوضحت ما يتضمنه لفظ التوسل من الإجمال والاشتراك، فإننا نورد بيانا موجزا للتوسل الشرعي -كما بينه وقرره علماء الدعوة- تمييزا له عن التوسل البدعي.. إن التوسل الشرعي إما أن يكون بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى وإما أن يكون التوسل بالأعمال الصالحة، وإما أن يكون التوسل بدعاء الرجل الصالح. وقد أشار الشيخ حمد بن ناصر بن معمر إلى هذه الأنواع الثلاثة التي تشمل التوسل الشرعي فقال: (.. الذي فعله الصحابة ﵃ هو التوسل إلى الله بالأسماء والصفات والتوحيد، والتوسل بما أمر الله به من الإيمان بالرسول ومحبته وطاعته ونحو ذلك، وكذلك توسلوا بدعاء النبي ﷺ وشفاعته في حياته، وتوسلوا بدعاء العباس وبيزيد..) ٣. ويذكر الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الحصين بعض أنواع التوسل المشروع فيقول: (فلم يبق إلا التوسل بالأعمال الصالحة كتوسل المؤمنين بإيمانهم في قولهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ﴾ ٤ وكتوسل أصحاب الصخرة المنطبقة
следующие страницы →