بعد الكتاب والسنة) ١.
ويذكر خزبك عدم الفرق في التوسل بين الأحياء والأموات؛ لأن الله وحده هو المؤثر والأحياء والأموات ليس لهم تأثير في شيء٢.
ويورد حسن الشطي شبهة لمن خالفهم، ويرد عليهم، فيقول:
(فإن قلت شبهة من منع التوسل رؤيتهم بعض العوام يطلبون من الصالحين أحياء وأمواتا أشياء لا تطلب إلا من الله، ويجدونهم يقولون للولي افعل لي كذا وكذا، فهذه الألفاظ الصادرة منهم توهم التأثير لغير الله.
أجيب بأن الألفاظ الموهمة محمولة على المجاز العقلي، والقرينة عليه صدوره من موحد، ولذا إذا سئل العامي عن صحة معتقده بذلك فيجيبك بأن الله هو الفعال وحده لا شريك له، وإنما الطلب من هؤلاء الأكابر عند الله تعالى المقربين لديه على سبيل التوسط بحصول المقصود.. ولا يصح لنا أن نمنعهم من التوسل والاستغاثة مطلقا..) ٣.
ويورد سوقية معتقدهم في الأفعال، فكان مما أورده أنه قال:
(واعتقاد أهل السنة والجماعة أن الفاعل في هذه العوالم هو الله وحده لا شريك له، لا تأثير لشيء من الأشياء كبر أو صغر، شديدا كان أو ضعيفا، والشيء يوجد عنده لا به.. مثل قول الموحد أنبت الربيع البقل، فإسناد الإنبات إلى الربيع إسناد مجازي، للعلم بأن المنبت حقيقة هو الله وحده لا يشاركه فيه غيره..) ٤.
ويذكر محمد عاشق الرحمن -بعد أن ساق حديث توسل آدم بمحمد قبل وجوده- عدم الفرق بين لفظ التوسل ولفظ الاستعانة ولفظ الالتجاء، فيقول:
(ولا فرق في هذا المعنى بين أن يعبر عنه بلفظ الترسل، أو الاستعانة، أو التشفع، أو الالتجاء، والداعي بالدعاء المذكور وما في معناه متوسل بالنبي ﷺ ؛ لأنه جعله وسيلة لإجابة الله دعاءه ومستغيث به) ٥.
ويقول محمد الطاهر يوسف -في شأن التوسل بالموتى -:
стр. 247
(بالنسبة للمتوسل بهم، فلا فرق بين أنهم أحياء أو أموات؛ لأن المتولي لأمورهم هو الله، وهو حي لا يموت، ومن اعتقد أن الولي ينفع في حياته دون مماته، وهو رأي الفرق المعتزلة -يعني الوهابيين- فقد ضل عن السبيل..) ١.
ويجيء المالكي أحد أفراخ أولئك الخصوم، فيردد ما قاله أشياخه، فيقول:
(إن الاستغاثة، والتوسل إن كان المصحح لطلبها هو الحياة كما يقولون فالأنبياء أحياء في قبورهم وغيرهم من عباد الله المرضيين، ولو لم يكن للفقيه من الدليل على صحة التوسل والاستغاثة به ﷺ إلا قياسه على التوسل والاستغاثة به في حياته الدنيا لكفى، فإنه حيي الدارين، دائم العناية بأمته متصرف بإذن الله في شئونها..) ٢. ويقول أيضا:
(أما دعوى أن الميت لا يقدر على شيء فهي باطلة..) ٣.
ويدعي المالكي (أن الأرواح لها من الإطلاق والحرية ما يمكنها من أن تجيب من يناديها، وتغيث من يستغيث بها كالأحياء سواء بسواء، بل أشد وأعظم) ٤.
وهكذا يتضح العنصر الثاني من خلال تلك النقول التي سبق إيرادها عن كتب المناوئين، فظهر أن الخصوم يعتقدون أن التوسل إلى الله بالأموات بمعنى الاستغاثة بهم فلا فرق بين المعنيين.
وتبين أنه لا فرق عندهم في التوسل والاستغاثة بين الحي وبين الميت، لأنه ليس للميت ولا للحي تأثير، فالمؤثر والفاعل هو الله وحده، ولو وُجد في بعض "الألفاظ الموهمة" -كما يسمونها- ما يتوهم منه إسناد الفعل إلى الأموات، فلا حرج في ذلك؛ لأن هذا الإسناد إسناد مجازي لا حقيقي ...
وكذلك لا فرق عندهم بين الأحياء والأموات في التوسل، والاستغاثة؛ لأن الأموات أحياء في قبورهم، بل إن حياتهم، وإدراكهم أتم وأكمل ممن كان في الدنيا.
وسنورد الرد والبيان الشافي على تلك الشبهة من خلال ما سطره بعض أئمة الدعوة السلفية، وأنصارها.
стр. 248
وقبل أن نورد الرد والبيان -بشيء من التفصيل- لما تضمنته شبه تحريم التوسل بكلا عنصريها، نرى أن يسبق ذلك إشارة لما يحتويه لفظ "التوسل" من الإجمال والاشتراك الذي يحتاج إلى تفصيل وتمييز.
ولقد بين علماء الدعوة ذلك، فأوضحوا ما يحمله مصطلح "التوسل" من الإجمال الذي لا بد من تفصيله، وما يتضمنه من الإطلاق الذي لا بد من تقييده.
يقول صاحب كتاب "التوضيح":
(إن التوسل فيه إجمال واشتراك بحسب الاصطلاح، فمعناه في لغة الصحابة والتابعين طلب الدعاء من النبي أو الصالح، أو التوجه بدعائه ...
وأما معناه في لغة المعاندين فهو أن يسأل الله عزوجل بذات ذلك المخلوق، ويقسم عليه تعالى به، أو يسأل ذلك المخلوق نفسه على معنى أنه وسيلة من وسائل الله يتقرب بذاته ويسأل منه شفاعته..) ١.
ويوضح الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ما يحتويه لفظ "التوسل" من الاشتراك، فيقول:
(إن لفظ التوسل صار مشتركا، فعباد القبور يطلقون التوسل على الاستغاثة بغير الله، ودعائه رغبا ورهبا، والذبح والنذر، والتعظيم بما لم يشرع في حق مخلوق.
وأهل العلم يطلقونه على المتابعة والأخذ بالسنة فيتوسلون إلى الله بما شرعه لهم من العبادات، وبما جاء به عبده ورسوله محمد ﷺ وهذا هو التوسل في عرف القرآن والسنة ... ومنهم من يطلقه على سؤال الله ودعائه بجاه نبيه أو بحق عبده الصالح أو بعباده الصالحين، وهذا هو الغالب عند الإطلاق في كلام المتأخرين كالسبكي والقسطلاني وابن حجر -أي الهيتمي-) ٢.
وكذا ذكر الآلوسي ما تضمنه لفظ التوسل من إجمال، فقال ﵀:
(إن لفظ التوسل صار مشتركا على ما يقرب إلى الله من الأعمال الصالحة التي يحبها الرب ويرضاها، ويطلق على التوسل بذوات الصالحين ودعائهم واستغفارهم، ويطلق في عرف عبّاد القبور على التوجه إلى الصالحين ودعائهم مع الله في الحاجات والملمّات) ٣.
стр. 249
لقد استغل الخصوم هذا الإجمال والاشتراك في لفظ التوسل، فقلبوا الحقائق، وأجازوا دعاء الموتى، والاستغاثة بهم باسم التوسل، ثم زعموا أن الشيخ الإمام يكفر من توسل بالأنبياء والصالحين.
فزعم ابن سحيم أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب يكفر من توسل بالصالحين١. وحرف ابن منصور الكلم عن مواضعه، فادعى أن الشيخ الإمام يكفر من توسل بذوات الصالحين٢ وافترى دحلان حيث قال: (كان محمد بن عبد الوهاب يخطب للجمعة في مسجد الدرعية ويقول في كل خطبة: ومن توسل بالنبي فقد كفر) ٣.
ويزيد العاملي كذبا وزورا على سلفه، فيقول: (والتوسل بأنواعه مما منعه الوهابية وجعلوه شركا) ٤.
إن الشيخ الإمام كفر من استغاث بالأموات سواء كانوا أنبياء أو أولياء ولو سميت تلك الاستغاثة توسلا، فالعبرة بالحقائق والمعاني وليست بالأسماء والمباني، فالتوسل عند عبّاد القبور يطلقونه على الاستغاثة بالموتى وطلب الحاجات منهم كما تقدم.
وأما دعوى أن الشيخ كفر من توسل بالصالحين، بمعنى سؤال الله بجاه هؤلاء الصالحين فقد أجاب الشيخ الإمام على تلك الدعوى ردا على ابن سحيم، فقال:
(فالمسائل التي شنع بها، منها ما هو من البهتان الظاهر -وذكر الشيخ الإمام منها- قوله: إني أكفر من توسل بالصالحين، وجوابي أن أقول سبحانك هذا بهتان عظيم) ٥.
وفي المقابل نجد أن خصوما فهموا أن الشيخ لا ينكر الاستغاثة بالموتى، وطلب الحاجات منهم، واحتجوا بجواب كتبه الشيخ الإمام في حكم التوسل إلى الله بالصالحين ذكر فيه أنه لا ينكر من توسل بالصالحين؛ لأنها من مسائل الفقه، ولا إنكار في مسائل الاجتهاد، مع أن الشيخ الإمام صرح، ووضح في نفس الجواب الفرق بين التوسل بذوات الصالحين بمعنى سؤال الله بذواتهم، وبين سؤال الصالحين ودعائهم والاستغاثة
стр. 250
بهم -فيما لا يقدر عليه إلا الله-، فكان مما قاله ﵀: (ولكن إنكارنا على من دعا المخلوق أعظم مما يطلب منه تفريج الكربات، وإعطاء الرغبات، فأين هذا ممن يدعو الله مخلصا له الدين لا يدعو مع الله أحدا، ولكن يقول في دعائه: أسألك بنبيك، أو بالمرسلين، أو بعبادك الصالحين، أو غيره يدعو عنده، لكن لا يدعو إلا الله مخلصا له الدين) ١.
فاحتجوا بهذا النص الذي هو حجة دامغة عليهم، وادعوا به جواز الاستغاثة بالموتى الصالحين باسم التوسل، مع أن كلام الشيخ دليل عليهم لا لهم، ورد على خطئهم وانحرافهم٢.
وعقب هذه الإشارة التي أوضحت ما يتضمنه لفظ التوسل من الإجمال والاشتراك، فإننا نورد بيانا موجزا للتوسل الشرعي -كما بينه وقرره علماء الدعوة- تمييزا له عن التوسل البدعي..
إن التوسل الشرعي إما أن يكون بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى وإما أن يكون التوسل بالأعمال الصالحة، وإما أن يكون التوسل بدعاء الرجل الصالح.
وقد أشار الشيخ حمد بن ناصر بن معمر إلى هذه الأنواع الثلاثة التي تشمل التوسل الشرعي فقال:
(.. الذي فعله الصحابة ﵃ هو التوسل إلى الله بالأسماء والصفات والتوحيد، والتوسل بما أمر الله به من الإيمان بالرسول ومحبته وطاعته ونحو ذلك، وكذلك توسلوا بدعاء النبي ﷺ وشفاعته في حياته، وتوسلوا بدعاء العباس وبيزيد..) ٣.
ويذكر الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الحصين بعض أنواع التوسل المشروع فيقول:
(فلم يبق إلا التوسل بالأعمال الصالحة كتوسل المؤمنين بإيمانهم في قولهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ﴾ ٤ وكتوسل أصحاب الصخرة المنطبقة
стр. 251
عليهم١ وكسؤاله تعالى بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ ٢ فإنها القربة التي تقرب إلى الله وتقرب فاعلها منه، وهي الأعمال الصالحة) ٣.
ويوجز الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب أنواع التوسل المشروع بقوله:
(التوسل المشروع الذى جاء به الكتاب والسنة هو التوسل إلى الله بالأعمال الصالحات، والأسماء والصفات اللائقة بجلال رب البريات، وكذلك التوسل إلى الله بدعاء النبي ﷺ وشفاعته في حياته، وبدعاء غيره من الأنبياء والصالحين في حياتهم) ٤.
ويبين الشيخ سليمان بن سحمان الترسل المشروع، وأنه ما كان في عرف الصحابة والتابعين فيقول:
(التوسل في عرف الصحابة والتابعين هو طلب الدعاء من الرسول في حياته كما كانوا يتوسلون به عند القحط، فيدعو الله ويستسقيه، فيسقيهم الله، ثم بعد مماته توسل عمر بدعاء عمه.. فهذا "من" التوسل المشروع، والشيخ -أي محمد بن عبد الوهاب- لا يمنع من هذا ولا ينكره) ٥.
فالتوسل الشرعي معلوم ومفهوم بأدلته وأنواعه، وكما قال أبو السمح: (وأما التوسل إلى الله تعالى فقد أمر تعالى به إجمالا وتفصيلا، وبينه رسوله ﷺ قولا وعملا حتى أصبح من فلق الصبح..) ٦.
وقد فصّل القصيمي أنواع التوسل المشروع، فجعلها أحد عشر نوعا.. وهي في الحقيقة كلها مندرجة ضمن الأنواع الثلاثة من التوسل المشروع٧.
وهذا التوسل المشروع قد أقر به الشيخ ﵀، وكذا أتباعه، امتثالا لما شرعه الله تعالى لعباده من الوسائل التي تقربهم إليه.
стр. 252
لذا يقول محمد بن نسيب الرفاعي:
(فإن أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب يقرون بالتوسل المشروع، ويدعون إليه.. فهل الإنصاف يا ناس أن نتهم دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بأنها تنكر التوسل، ونقيم الدنيا عليها ونقعدها بالباطل، بينما هي تقر بالتوسل على ما يحب الله ورسوله، وتحض المسلمين عليه) ١.
وبعد هذه العجالة التي أوضحنا فيها المراد بالتوسل المشروع وأنواعه، وبعض أدلته، وإقرار وإيمان أئمة الدعوة السلفية بهذا التوسل الذي شرعه الله تعالى، وبينه رسوله ﷺ ، ننتقل إلى الرد والبيان لما تضمنه العنصر الأول من شبهة تحريم التوسل، ونعرض لأنواع التوسل البدعي بالرد والمناقشة، ثم نتحدث عن أدلتهم ومدى صحتها سنداً، ومدى صحة الاستدلال بها متنا.
نقصد بالتوسل البدعي، التوسل إلى الله بذوات المخلوقين وأشخاصهم، والتوسل إلى الله بجاه الصالحين ومنزلتهم عند الله، الإقسام على الله بالمتوسل به -كما ذكره خصوم الدعوة السلفية -.
وينبغي أن يعلم ابتداء أن حكم هذه الأنواع الثلاثة لا يصل إلى درجة الشرك الأكبر الذي يخرج عن الملة، وإنما هي بدع قد تصل إلى درجة التحريم، أو دونه، لأن من توسل إلى الله بهؤلاء الصالحين، أو جاههم، فهو يدعو الله مخلصا له الدين، ولكن يقول: أسألك بهؤلاء الصالحين٢.
ولعلنا إذا أوردنا الآن الردود على تلك الأنواع من التوسل البدعي يتضح الحكم، ويزول اللبس والإشكال.
وقد تحدث الشيخ حمد بن ناصر بن معمر عن ذلك التوسل فقال:
(وأما التوسل بالذات فيقال: ما الدليل على جواز سؤال الله بذوات المخلوقين ومن قال هذا من الصحابة والتابعين. وأما التوسل بالذات بعد الممات فلا دليل عليه، ولا قاله أحد من السلف، بل المنقول عنهم يناقض ذلك وقد نص غير واحد من العلماء على أن هذا لا يجوز،
стр. 253
ونقل عن بعضهم جوازه، وهذه المسألة وغيرها من المسائل إذا وقع فيها النزاع بين العلماء، فالواجب رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، ومعلوم أن هذا لم يكن منقولا عن النبي ﷺ ولا مشهودا بين السلف، وأكثر النهي عنه.
ولا ريب أن الأنبياء والصالحين لهم الجاه عند الله، لكن الذين لهم عند الله من الجاه والمنازل والدرجات أمر يعود نفعه إليهم، ونحن ننتفع من ذلك باتباعنا لهم ومحبتنا، فإذا توسلنا إلى الله بإيماننا بنبيه ﷺ ومحبته وطاعته واتباع سنته كان هذا من أعظم الوسائل وأما التوسل بنفس ذاته مع عدم التوسل بالإيمان به وطاعته، فلا يكون وسيلة، فالمتوسل بالمخلوق إذا لم يتوسل بما مر من التوسل به من الدعاء للمتوسل وبمحبته واتباعه، فبأي شيء يتوسل به الإنسان إذا توسل إلى غيره بوسيلة، فإما أن يطلب من الوسيلة الشفاعة له عند ذلك، مثل أن يقول لأبي الرجل أو صديقه أو من يكرم عليه اشفع لنا عند فلان، وهذا جائز، وإما أن يقسم عليه فلا يجوز الإقسام بالمخلوق، كما أنه لا يجوز أن يقسم على الله بالمخلوقين، فالتوسل إلى الله بذات خلقه بدعة مكروهة، لم يفعلها السلف من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان) ١.
ويوجز الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب الجواب على أنواع هذا التوسل، فيقول:
(وأما التوسل، وهو أن يقال: اللهم إني أتوسل إليك بجاه نبيك محمد ﷺ أو بحق نبيك، أو بجاه عبادك الصالحين، أو بحق عبدك فلان، فهذا من أقسام البدع المذمومة ولم يرد بذلك نص) ٢.
ويبين الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب حكم سؤال الله بالموتى فقال:
(وهذا يفعله كثير من المتأخرين، وهو من البدع المحدثة في الإسلام، ولكن بعض العلماء يرخص فيه، وبعضهم ينهى عنه ويكرهه.. لكنه لا يوصله إلى الشرك الأكبر..) ٣.
وأما التوسل إلى الله في الدعاء بغير النبي ﷺ فيقول عنه الشيخ عبد الله: (لا نعلم أحدا من السلف فعله، ولا روي فيه أثر) ٤.
стр. 254
ويذكر الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الحصين حكم الإقسام على الله بمخلوق فقال:
(وأما الإقسام على الله بمخلوق فهو منهي عنه باتفاق العلماء، وهل هو منهي عنه نهي تنزيه أو تحريم؟ على قولين أصحهما أنه كراهة تحريم) ١.
ومما أجاب به الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب لمن سأله عن التوسل بجاه النبي ﷺ أو غيره من الأنبياء والمرسلين، قوله ﵀:
(وأما التوسل بجاه المخلوقين كمن يقول: اللهم إني أسألك بنبيك محمد ﷺ ونحو ذلك بعد موتهم، فهذا لم ينقل عن النبي ﷺ وأكثر العلماء على النهي عنه. وحكى ابن القيم رحمه الله تعالى أنه بدعة إجماعا. ولو كان الأنبياء والصالحون لهم جاه عند الله فلا يقتضي ذلك جواز التوسل بذواتهم وجاههم؛ لأن الذي لهم من الجاه والدرجات أمر يعود نفعه إليهم، ولا ننتفع من ذلك بشيء إلا باتباعنا لهم ومحبتنا لهم) ٢.
ويوضح الشيخ عبد الرحمن بن حسن أن سؤاله الله بالرجل الصالح ليس في الشريعة ما يدل على جوازه فيقول:
(ولو جاز "سؤال الله بالرجل الصالح"، لما ترك الصحابة السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ﵃ التوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته، كما كانوا يتوسلون بدعائه في حياته إذا قحطوا. وثبت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه خرج بالعباس بن عبد المطلب عام الرمادة بمحضر من السابقين الأولين يستسقون فقال عمر: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، ثم قال ارفع يديك يا عباس فرفع يده، يسأل الله تعالى، ولم يسأله بجاه النبي ﷺ ولا بغيره، ولو كان هذا التوسل حقا، كانوا إليه أسبق، وعليه أحرص) ٣.
ونورد بعض جواب الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن في مسألة سؤال الله بالمخلوق، والإقسام على الله به، حيث قال ﵀:
(وإذا تقرر هذا، فقد عرفت سلمك الله كلام الناس في مسألة سؤال الله بمخلوق،
стр. 255
والإقسام على الله به، وقد ذاكرتك فيها بأن الذي نعتقده أنا لا نكفر بها أحدا، بل نقول هي بدعة شنيعة نهى عنها السلف..) ١.
ويسوق السهسواني جوابا حول السؤال بحق فلان فيقول:
(فالقول الفصل في ذلك: أن السؤال بحق فلان إن ثبت بحديث صحيح، أو حسن فلا وجه للمنع، وإن لم يثبت فهو بدعة، وقد عرفت فيما سلف أن كل حديث ورد في هذا الباب لا يخلو من مقال ووهن، فالأحوط ترك هذه الألفاظ، وقد جعل الله في الأمر سعة، وعلمنا النبي ﷺ التوسل المشروع على هيئات متعددة، فلا ملجئ إلى الوقوع في مضيق الشبهات..) ٢.
ويقول الشيخ صالح بن أحمد:
(وأما التوسل بذوات الأشخاص فغير جائز، وهو من البدع المحدثة وأمر لم يشرعه الله ولا رسوله ﷺ وإن اجتلبوا له أحاديث لا أصل لها، ودندنوا حولها، وحملوا بعض الآيات على غير محملها لهواهم، وليس كل قول قيل بالقبول يقابل، إلا ما جاء في كتاب الله، وصح عن رسول الله ﷺ جل ذلك عن الرد) ٣.
ولعل تصور أنواع التوسل البدعي الثلاثة يكون أكثر وضوحا وبيانا، وكذلك حكمها، عندما ننتقل إلى رد وبيان العنصر الثاني من شبهة هذا الفصل.
ومن المناسب في هذا المقام أن نذكر كلمة جامعة لشيخ الإسلام ابن تيمية في مسألة التوسل بالصالحين حيث يقول ﵀:
(وما زلت أبحث، وأكشف ما أمكنني من كلام السلف والأئمة والعلماء، هل جوّز أحد منهم التوسل بالصالحين في الدعاء، أو فعل ذلك أحد منهم، فما وجدته، ثم وقفت على فتيا للفقيه أبي محمد بن عبد السلام أفتى بأنه لا يجوز التوسل بغير النبي ﷺ ، وأما النبي ﷺ ?فجوّز التوسل به إن صح الحديث في ذلك) ٤.
وأما ما أورده القوم من الأدلة القرآنية واستدلالهم بها، وكذا أحاديثهم..، فنذكر أمثلة من إجابات أنصار هذه الدعوة السلفية على تلك الأدلة.
فأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ
стр. 256
الْوَسِيلَةَ﴾ ١،
فيقول الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين:
(الوسيلة هي القربة والتوسل إلى الله التقرب إليه بطاعته، واتباع رسوله، والاقتداء به، وهذا هو الوسيلة المأمور بها في قوله سبحانه ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ . ومن الوسيلة دعاؤه لهم ﷺ وطلبهم ذلك منه في حياته كما كانوا يطلبون منه أن يدعو لهم ويستسقي لهم كقول عمر: اللهم كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، فهذا من الوسيلة المأمور بها) ٢.
ويبين الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن المراد بالوسيلة في الآية، فيقول:
(إن الوسيلة في شرع الله الذي شرعه على ألسن جميع رسله هي عبادته وحده لا شريك له، والإيمان به، وبرسله، والأعمال الصالحة التي يحبها ويرضاها) ٣.
وقد ساق القصيمي الجواب على استدلالهم بهذه الآية من ثمان وجوه كلها على طريق الإلزام والجدل ٤.
كما أورد القصيمي سبعة وجوه جوابا على استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّه ... ﴾ الآية ٥، نختار وجها واحدا منها حيث قال:
(وهي واقعة معينة لا تفيد العموم بمعناها، ولا لفظها، وقعت في حياته ﷺ ، فمن أين أخذت التعميم في الحياة والممات؟ مع أن لفظها لا يفيد، ومعناها لا يريده، وأما كون الوقائع المعينة تكون عامة لغير صاحب الواقعة فمن أدلة أخرى دلت عليه) ٦.
وأما استدلالهم ببعض الأحاديث، فالجواب عليها ما يلي:
فأما حديث توسل آدم بحق محمد، فقد أجاب عليه الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب فكان مما قاله ﵀:
стр. 257
(فأما حديث توسل آدم بحق محمد فالجواب أن هذا الحديث ساقط، لأن عبد الرحمن بن زيد ضعيف بالاتفاق ضعّفه مالك، وأحمد، وابن معين، وابن المديني، وأبو زرعة، وأبو داود، وابن سعد، وابن أبي حاتم، وابن خزيمة، وابن حبان، قال ابن الجوزي: أجمعوا على ضعفه، فهذا كما ترى تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو من هو. وقال الحافظ الذهبي في "تلخيص المستدرك" لما ذكر الحاكم هذا الحديث، فقال: هذا صحيح.
قال الذهبي: أظنه موضوعًا ثم هو مخالف للقرآن؛ لأن الله ذكر قصة آدم ﵇، وتوبته وتوسله، ولم يذكر الله أنه توسل بالنبي ﷺ ١.
ويوضح الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن المعنى الصحيح لحديث "أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي ... " -وهو في السنن- حيث استدلوا به على سؤال الله بخلقه فقال الشيخ ﵀ في بيان معناه:
(وأما ما ورد في السنن "بحق السائلين عليك" وبحق ممشى الذاهب إلى المسجد ونحو ذلك، فالله جعل على نفسه حقا تفضلا منه وإحسانا إلى عباده، فهو توسل إليه بوعده، وإحسانه، وما جعله لعباده المؤمنين على نفسه حقا تفضلا منه، وإحسانا إلى عباده، فليس هذا من الباب أعني باب مسألة الله بخلقه، وقد منعه فقهاء الحنفية، كما حدثني به محمد بن محمود الجزائري الحنفي ٢ ﵀ بداره بالاسكندرية، وذكر أنهم قالوا: لا حق لمخلوق على الخالق.
ويشهد لهذا ما يروى أن داود قال: "اللهم إني أسألك بحق آبائي عليك، فأوحى الله إليه: أي حق لآبائك عليّ" أو نحو هذا. والحق المشار إليه بالنفي هذا غير ما تقدم إثباته. فإن المثبت بمعنى الوعد الصادق وما جعله الله للماشي إلى الصلاة، وللسائلين من الإجابة، والإنابة فضلا منه وإحسانا، والمنفي هنا هو الحق الثابت بالمعارضة، والمقابلة على الإيمان والأعمال الصالحة. فالأول يرجع ويعود إلى التوسل بصفاته الفعلية والذاتية، والثاني يرجع إلى التوسل بذوات المخلوقين، فتأمله فإنه نفيس جدا) ٣.
стр. 258
وأما استدلالهم بحديث "يا عباد الله أعينوني"، وحديث "يا عباد الله احبسوا" فأجاب عنه الشيخ محمد بن ناصر الحازمي فقال: (والحديثان لا يصحان. أما الأول: فرواه الطبراني في الكبير بإسناد منقطع، والثاني: ففي إسناده معروف بن حسان، قال ابن عدي: منكر الحديث..) ١.
وكتب الشيخ أحمد بن عيسى جوابًا على استدلالهم بحديث الأعمى، فكان مما كتبه:
(قد قرر جمع من العلماء ما قرره شيخ الإسلام في معنى حديث الأعمى، وبيّنوا أنه ليس فيه إلا طلب الدعاء من النبي ﷺ ، وأنه لا دلالة فيه على التوسل بالذات، كالعلامة السويدي وابنه، والشيخ نعمان بن محمود أفندي الآلوسي..) ٢.
وقد أفاض الشيخ السهسواني في الرد على ما استدلوا به من أحاديث، وتعقبها بالرد والنقد، فكان مما قاله ﵀ جوابا على استدلالهم بحديث فاطمة بنت أسيد على جواز التوسل بالأنبياء-:
(وفيه -أي حديث فاطمة بنت أسيد- روح بن صلاح، وثقه ابن حبان والحاكم، وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح. وقال الذهبي في "الميزان ": روح بن صلاح المصري يقال له ابن سبابة ضعفه ابن عدي، يكنى أبا الحارث، وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحاكم ثقة مأمون. ا. هـ.
فقد علم بذلك أن في سنده روح بن صلاح المصري وهو ضعيف ضعفه ابن عدي، وهو داخل في القسم المعتدل من أقسام من تكلم في الرجال كما في "فتح المغيث " للسخاوي ولا اعتداد بذكر ابن حبان له في الثقات، فإن قاعدته معروفة من الاحتجاج بمن لا يعرف كما في "الميزان".
وكذلك لا اعتداد بتوثيق الحاكم وتصحيحه فإنه داخل في القسم المتسمح كما قال السخاوي) ٣.
стр. 259
ويقول الشيخ عبد الرحمن الدوسري في حاشية الجواب السابق:
(هذا الحديث -أي حديث فاطمة بنت أسيد- لا يصح دراية، إذ صيغة متنه وركاكة ألفاظه وما فيه من المبالغة مما يدل على عدم ثبوته. زيادة على غرابته، وما في سنده من الضعف الذي تكلم عليه المؤلف) ١وأما استدلالهم بحديث عثمان بن حنيف، فقال السهسواني عن هذا الحديث:
(في سنده أبو جعفر، فإن كان هو عيسى بن أبي عيسى ماهان أبو جعفر الرازى التميمي- كما ظنه الحافظ ابن حجر في "التقريب"- فالأكثرون على ضعفه.. قال عنه الحافظ في "التقريب": صدوق سيئ الحفظ، وقال أبو زرعة: يهم كثيرًا، وقال الفلاس: سيئ الحفظ، وقال النسائي: ليس بالقوى.
وإن كان أبا جعفر المدني كما في سنن ابن ماجه فهو مجهول..) ٢.
وأما استدلالهم بحديث "أسألك بحق السائلين إليك"، فقد تكلم السهسواني على سنده فقال:
(ففي سنده عطية العوفي فإن جارحيه أكثر من معدليه، ووجه ضعفه كونه شيعيا مدلسا، وكذا عدم الضبط وكثرة الخطأ.. كما أن في سنده فضيل بن مرزوق، وهو ممن اختلف فيه.. وكذا في سنده الفضل بن موفق أبو الجهم ضعفه أبو حاتم، والأشبه أن هذا الحديث موقوف كما قال أبو حاتم) ٣.
هذه بعض الردود على استدلال الخصوم في إثبات التوسل البدعي، ولم نقصد بتلك الردود الإحاطة والتفصيل، وإنما قصدنا مجرد التنبيه والتمثيل، فلقد ألفت -ولله الحمد- كتب عرضت لهذه الأدلة بالرد والنقد التفصيلي٤، فأغنى ذلك عن ذكره. وننتقل إلى الرد على ما جاء في العنصر الثاني من هذه الشبهة ونشرع في الرد عليها
стр. 260
- أولا- فيما ادعوه بأن التوسل إلى الله بالموتى بمعنى الاستغاثة بهم، فقد أورد صاحب كتاب "التوضيح" هذه الدعوى ثم أبطلها من عدة وجوه، فكان مما قاله ﵀:
(فإن قيل يجوز أن يكون لفظ الاستغاثة بغير الله بمعنى التوسل، فمعنى قول المستغيث أستغيث برسول الله، وبفلان الولي أي أتوسل برسول الله أو بالولي الصالح، ويصح حينئذ أن يقال تجوز الاستغاثة في كل ما يطلب من الله بالأنبياء والصالحين بمعنى أنه يجوز التوسل بهم في ذلك ويصح لفظا ومعنى. الجواب أن هذا باطل من وجوه:
أحدها: أن لفظ الاستغاثة في الكتاب والسنة وكلام العرب، إنما هو مستعمل بمعنى الطلب من المستغاث به لا بمعنى التوسل، وقد اتفق من يعتد به من أهل العلم على أن الاستغاثة لا تجوز بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، وقول القائل أستغيث به بمعنى توسلت بجاهه، هذا كلام لم ينطق به أحد من الأمم لا حقيقة ولا مجازا، ولم يقل أحد مثل هذا، ولا معناه لا مسلم ولا كافر.
الثاني: أنه لا يقال استغثت إليك يا فلان بفلان أن تفعل بي كذا، وإنما يقال أستغيث بفلان أن يفعل بي كذا، فأهل اللغة يجعلون فاعل المطلوب هو المستغاث به، ولا يجعلون المستغاث به واحدا والمطلوب آخر، فالاستغاثة طلب منه لا به.
الثالث: أن من سأل الشيء، أو توسل به، لا يكون مخاطبا له ولا مستغيثا به؛ لأن قول السائل: أتوسل إليك يا إلهي بفلان، إنما هو خطاب لله، لا لذلك المتوسل به بخلاف المستغاث به، فإنه مخاطب مسئول منه الغوث فيما سأل من الله فحصلت المشاركة في سؤال ما لا يقدر عليه إلا الله، وكل دعاء شرعي لا بد أن يكون الله هو المدعو فيه.
الرابع: أن لفظ التوسل والتوجه ومعناهما يراد به أن يتوسل إلى الله ويتوجه إليه بدعاء الأنبياء والصالحين وشفاعتهم عند خالقهم في حال دعائهم إياه، فهذا هو الذي جاء في بعض ألفاظ السلف من الصحابة رضوان الله عليهم.. وهذا هو الذي عناه الفقهاء في كتاب الاستسقاء في قولهم ويستحب أن يستسقى بالصالحين..)
.ويوضح الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب الفرق بين التوسل والاستغاثة فيقول:
стр. 261
(وبينهما فرق عظيم أبعد ما بين المشرق والمغرب.. فالعامة الذين يتوسلون في أدعيتهم بالأنبياء والصالحين كقول أحدهم أتوسل إليك بنبيك أو بملائكتك أو بالصالحين أو بحق فلان وغير ذلك مما يقولونه في أدعيتهم يعلمون أنهم لا يستغيثون بهذه الأمور ولا يسألونها وينادونها فإن المستغيث بالشيء طالب منه سائل له، والمتوسل به لا يدعو ولا يطلب منه، ولا يسأل وإنما يطلب به، وكل أحد يفرق بين المدعو به وبين المدعو والمستغاث، ولا يعرف في لغة أحد من بني آدم أن من قال أتوسل إليك برسولك، أو أتوجه إليك برسولك فقد استغاث به حقيقة فإنهم يعلمون أن المستغاث به مسئول مدعو فيفرقون بين المسئول وبين المسئول به، سواء استغاث بالخالق أو بالمخلوق) ١.
كما يوضح الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب الفرق بينهما فيقول:
(واعلم أن التوسل بذات المخلوق أو بجاهه غير سؤاله ودعائه، فالتوسل بذاته أو بجاهه أن يقول: اللهم اغفر لي وارحمني، وأدخلني الجنة بنبيك محمد ﷺ ، أو بجاه نبيك محمد ﷺ ، ونحو ذلك فهذا بدعة ليس شركاً، وسؤاله ودعاؤه هو أن يقول: يا رسول الله أسألك الشفاعة وأنا في كرب شديد، فرّج عني، واستجرت بك من فلان فأجرني ونحو ذلك، فهذا كفر وشرك أكبر ينقل صاحبه من الملة؛ لأنه صرف حق الله لغيره؛ لأن الدعاء عبادة لا يصلح إلا لله، فمن دعاه فقد عبده، ومن عبد غير الله فقد أشرك، والأدلة على هذا أكثر من أن تحصر، وكثير من الناس لا يميز ولا يفرق بين التوسل بالمخلوق أو بجاهه، وبين دعائه وسؤاله فافهم ذلك) ٢.
ويرد الشيخ عبد الرحمن بن حسن على هؤلاء المجوّزين للشرك باسم التوسل، فيقول:
(وليس عند هؤلاء الملاحدة ما يصدون به العامة عن أدلة الكتاب والسنة التي فيها النهي عن الشرك في العبادة إلا قولهم قال أحمد بن حجر الهيتمي، قال فلان، وقال فلان يجوز التوسل بالصالحين ونحو ذلك من العبارات الفاسدة. فنقول هذا وأمثاله ليسوا بحجة تنفع عند الله وتخلصكم من عذابه، بل الحجة ما في كتاب الله وسنة رسوله الثابتة عنه، وما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها، وما أحسن ما قال الإمام مالك ﵀: أَوَكلما جاءنا رجل أجدل من رجل نترك ما نزل به جبريل على محمد
стр. 262
صلى الله عليه وسلم لجدله. إذا عرف ذلك فالتوسل يطلق على شيئين فإن كان ابن حجر وأمثاله أرادوا سؤال الله بالرجل الصالح فهذا ليس في الشريعة ما يدل على جوازه، فإن كان أرادوا بالتوسل دعاء الميت والاستشفاع به فهذا هو شرك المشركين بعينه، والأدلة على بطلانه في القرآن كثيرة جدا) ١.
ويبين الشيخ عبد الرحمن بن حسن ضلال داود بن جرجيس حيث خلط بين التوسل إلى الله بالموتى وبين الاستغاثة بالموتى، فكان مما قاله الشيخ ﵀:
(فدخل عليه الضلال والخطأ من وجوه: منها أنها جعل المتوسل به بعد موته في دعاء الله مستغيثا به، وهذا لا يعرف في لغة أحد من الأمم لا حقيقة ولا مجازا مع دعواه الإجماع على ذلك، فإن المستغاث هو المسئول المطلوب منه لا المسئول به) ٢.
ويوضح الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن الفرق بين مسألة الله بجاه الخلق، ومسألة الخلق ما لا يقدر عليه إلا الله، فيقول:
(فاعلم أن مسئلة الله بجاه الخلق نوع، ومسئلة الخلق ما لا يقدر عليه إلا الله نوع آخر، فمسئلة الله بجاه عباده منعها أهل العلم، ولم يجزها أحد ممن يعتد به، ويقتدى به كالأئمة الأربعة، وأمثالهم من أهل العلم والحديث، إلا أن ابن عبد السلام أجاز ذلك بالنبي ﷺ خاصة، وقيّده بثبوت صحة الحديث الذي جاء في ذلك وهو حديث الأعمى الذي جاء إلى النبي ﷺ وقال: ادع الله يا محمد.. الحديث. قال ابن عبد السلام إن صح الحديث فيجوز بالنبي ﷺ خاصة، والحديث في سنده من لا يحتج به عند أهل العلم كما لا يخفى على أهل الصناعة. - إلى أن قال الشيخ عبد اللطيف: وبالجملة فهذه المسألة نوع، ولا يخرج بها الإنسان عن مسئلة الله، وإنما الكلام في سؤال العباد وقصدهم من دون الله، فسؤال العباد والاستعانة بهم فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك جلي، ولو قال يا ولي الله اشفع لي فإن نفس السؤال محرم، وطلب الشفاعة منهم يشبه فول النصارى يا والدة الإله اشفعي لنا إلى الإله) ٣.
ويشير الشيخ السويدي ٤ إلى الفرقة بينهما فيقول:
стр. 263
(وهذا التوسل الذي ذكر فيه الخلاف فيما إذا كان الداعي يتوجه إلى ربه، متوسلا إليه بغيره مثل أن يقول أسألك بجاه فلان عندك، أو بحرمته، أو بحقه، وأما إذا توجه إلى ذلك الغير وطلب منه فهو شرك كما تحقق) ١.
ويبين الشيخ سليمان بن سحمان أنواع التوسل جملة، موضحا الفرق بينها فيقول: (والتوسل له أقسام، فقسم مشروع وهو التوسل بالأعمال الصالحة، وبدعاء النبي ﷺ في حياته وطلب الاستغفار منه، وبدعاء الصالحين وأهل الفضل والعلم، وكذلك بالأعمال الصالحة، وقسم محرم، وبدعة مذمومة، وهو التوسل بحق العبد وجاهه وحرمته نبيا كان ذلك، أو وليا، أو صالحا؛ لأن ذلك لم يرد به نص عن رسول الله ﷺ ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين.. وأما قصد هؤلاء من التوسل فهو دعاء الأنبياء، والأولياء، والصالحين، وكشف الكربات، وإغاثة اللهفات. فمن صرف شيئا من هذه الأنواع لغير الله فهو كافر مشرك بإجماع المسلمين ... ) ٢.
وبهذا يعلم أن هناك توسلا شرعيا، وتوسلا بدعيا محرما، وأن التوسل عند عبّاد القبور هو بمعنى دعاء الموتى والاستغاثة بهم. وكذلك ندرك خطأ ما ذكره هؤلاء الخصوم بأن لفظ التوسل بمعنى الاستغاثة، وكذلك بمعنى الالتجاء، وغيرها من الألفاظ التي أوردوها بقصد التمويه والتلبيس، وتزيين الشرك بأسماء ينخدع بها عامة الناس، لذا يقول أبو بطين ﵀:
(ولما علم الشيطان أن كل من قرأ القرآن، أو سمعه ينفر من الشرك، ومن عبادة غير الله، ألقى في قلوب الجهال أن هذا توسل، وتشفع بهم، والتجاء إليهم ونحو ذلك فسلب العبادة والشرك اسمهما من قلوبهم، وكساهما أسماء لا تنفر عنها القلوب) ٣.
ولكن تغيير الأسماء لا يغير الحقائق، فالحكم يدور مع الحقيقة وجودا وعدما، وليس مع الأسماء والألفاظ، لذا قال الشيخ ابن سحمان ﵀:
(فإنه من المعلوم عند كل عاقل أن حقائق الأشياء لا تتغير بتغير أسمائها، فلا تزول هذه المفاسد بتغير أسمائها، كتسمية عبادة غير الله توسلا وتشفعا، أو تبركا وتعظيما للصالحين وتوقيرا، فإن الاعتبار بحقائق الأمور، لا بالأسماء والاصطلاحات والحكم يدور مع الحقيقة، وجودا وعدما لا مع الأسماء..) ٤.
стр. 264
وأما دعواهم بعدم الفرق بين التوسل والاستغاثة بالأحياء، وبين التوسل والاستغاثة بالأموات؛ لأنه ليس للميت ولا للحي تأثير أو فعل؛ لأن الفاعل -حقيقة- هو الله وحده، وإن وجد في كلام العامة بعض "الألفاظ الموهمة" التي توهم إسناد الفعل إلى الأموات، فلا جناح عليهم؛ لأن هذا الإسناد إسناد مجازي لا حقيقي، هذه هي دعواهم، فأما الرد عليهم فيكون على النحو التالي:
يبين الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين بطلان دعواهم بأن الطلب من الأموات من باب التسبب١ فيقول:
(نحن لا ننكر إضافة الأشياء إلى أسبابها، ولكن الله سبحانه هو خالق الأسباب والمسببات، ولا يلزم من ذلك أن نعتمد على الأسباب، فضلا عن أن نسألها ونرغب إليها وهي مخلوقة، بل يتعين على العباد أن يعتمدوا على خالق الأسباب ويرغبوا إليه، ويستعينوا به ويعبدوه وحده، إياك نعبد وإياك نستعين) .
ثم يقول: (فطرد هذا الأصل الباطل -أي دعاء الأموات كأسباب- أن يجوز ذلك في جميع الأسباب، وقد قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً﴾ ٢ فيلزمه أن يجوز للناس أن يطلبوا من الريح أن تسير لهم سحابا ماطرا، وقال تعالى في حق نبيه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ ٣ والمراد بالظلمات ظلمات الجهل والكفر والشك إلى نور العلم والإيمان، فيجوز على أصل هذا أن يقال يا رسول الله أخرجنا من الظلمات إلى النور) ٤.
ويكشف الشيخ صالح الشثري بطلان دعوى دحلان -ومن معه- حين جوّز التوسل والاستغاثة بالأموات، ما دام أن المتوسل والمستغيث بهم يعتقد أن التأثير والإيجاد لله وحده، وأنه ليس للحي ولا للميت فعل أو تأثير، يقول الشثري ﵀:
(وعلى معتقد هذا الملحد أن رسول الله ﷺ أخطأ وظلم في قتال المشركين؛ لأنهم لا يعتقدون تأثيرا، ولا إيجادا لغير الله، مع أن هذا الملحد قد نقض أصله في نفس تعريفه بقوله: فالمستغيث يطلب ممن استغاث به أن يحصل له الغوث من غيره، فهل التحصيل إلا فعل قائم بالواسطة الذي طلب منه، وقد سلك في معتقده هذا مع تناقضه مذهب القدرية المجبرة.. القائلين بأن العبد مجبور لا فعل له حقيقة، بل إسناد
стр. 265
الفعل إليه مجاز، فكأنه لم يسمع قول الله : ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ ١ فأثبت سبحانه فعل الظلم لهم فعاقبهم عليه، وقال تعالى: ﴿َمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ﴾ ٢ الآية، أيظن من له أدنى رائحة من عقل أن الله قصد نسبة مكر المشركين إليهم مجازاً، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا) ٣.
ويرد الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن على دعوى ابن جرجيس حين ادعى أن من اعتقد أن الأسباب العالية فاعلة من غير استنادها إلى الله فهو كافر إجماعا، فيقول:
(إذا كان إسناد الفعل إليها استقلالا يكفر فاعله إجماعا، وهي من الأسباب العادية التي أودع الله فيها قوة فاعلة، فكيف لا يكفر من أسند ما لا يقدر عليه إلا الله من إغاثة اللهفات، وتفريج الكربات إلى غير الله من الصالحين ونحوهم، وزعم أنها وسائل، أو أن الله وكل إليهم التدبير كرامة لهم، هذا أولى بالكفر وأحق به ممن قبله.
ويقال للعراقي أنت لا ترضى تكفير أهل القبور لاحتمال العذر والشبهة وأنه شرك أصغر يثاب من أخطأ فيه، فكيف جزمت بكفر من أسند القطع للسكين من غير استناد إلى الله، وما الفرق بين من عذرته وجزمت بإثباته، وبين من كفرته وجزمت بعقابه، ليست إحدى المسألتين بأظهر من الأخرى، وما يقال من الجواب فيما أثبته من الكفر يقال فيما نفيته..
ويقال جمهور العقلاء على الفرق بين الأسباب العادية وغيرها، فالشبع والري والدفء أسباب عادية فاعلة، وإنما يكفر من أنكر خلق الله لهذه الأسباب، وقال بفعلها دون مدبر عليم حكيم، وهذا البحث يتعلق بتوحيد الربوبية، وأما جعل الأموات أسبابا يستغاث بها وتدعى وترجى، وتعظم على أنها وسائط فهذا دين عبّاد الأصنام، يكفر فاعله بمجرد اعتقاده وفعله، وإن لم يعتقد الاستقلال كما نص عليه القرآن في غير موضع) ٤.
ويورد الشيخ السهسواني ما في دعوى دحلان من البطلان، حين ادعى أن المتوسلين والمستغيثين بالأموات لا يعتقدون التأثير إلا لله وحده، فيقول السهسواني ﵀:
стр. 266
. أقول: فيه كلام من وجوه:
الأول: أنه يعتقد كثير من العوام، وبعض الخواص في أهل القبور، وفي المعروفين بالصلاح من الأحياء أنهم يقدرون على ما لا يقدر عليه إلا الله..
الثاني: أن مجرد عدم اعتقاد التأثير والخلق والإيجاد والإعدام.. لا يبرئ من الشرك فإن المشركين الذين بعث الله الرسل إليهم أيضا كانوا مقرين بأن الله هو الخالق الرازق، بل لا بد فيه من إخلاص توحيده وإفراده..
الثالث: أن مجرد كون الأحياء والأموات شركاء في أنهم لا يخلقون شيئا وليس لهم تأثير في شيء، لا يقتضي أن يكون الأحياء والأموات متساوين في جميع الأحكام، حتى يلزم من جواز التوسل بالأحياء جواز التوسل بالأموات، وكيف وليس معنى التوسل بالأحياء إلا التوسل بدعائهم، وهو ثابت بالأحاديث الصحيحة، وأما التوسل بدعاء الأموات فلم يثبت بحديث صحيح ولا حسن ... ) ١.
ويسوق الشيخ عبد الكريم بن فخر الدين حجة في الرد على دعوى دحلان -ومن سار على نهجه- حين زعم أن ذكر الصالحين في الاستغاثة والتوسل إنما هو سبب عادي لا تأثير له، فقال الشيخ عبد الكريم مجيبا:
(فإن كان كما زعم، فينبغي أن لا يكون التأثير والخلق والإيجاد لله القدير بدون ذكر الأخيار عادة، فإنه سبب عادي على قوله، فيلزم منه أنه لا يشبع بطن أحد بمجرد أكله إلا إذا ذكر هؤلاء الأخيار، فإن الأكل سبب عادي للشبع، وذكر الأخيار سبب عادي ثاني، وأن لا يسرج سراج بالفتيلة والزيت إلا بذكر الأخيار، وقس على ذلك كل شيء من غير انحصار) ٢.
وأما دعوى بعضهم أنه يجوز الاستغاثة بالأموات والأحياء؛ لأن لهم قدرة كسبية وتسببية، فيجيب الآلوسي عن هذه الدعوى فيقول:
(وما أورد على الجواب من أن للمستغاث بهم قدرة كسبية وتسببية، فتنسب الإغاثة إليهم بهذا المعنى سواء أكانوا أحياء أم أمواتا، وسواء كانت الاستغاثة بما يقدر عليه المستغاث به أم لا، مدفوع بأن كون العبد له قدرة كسبية لا يخرج بها عن مشيئة رب البرية، لا يستغاث به فيما لا يقدر عليه إلا الله، ولا يستغاث به، ولا يتوكل عليه، ولا يلتجأ في ذلك إليه، فلا يقال لأحد حي، أو ميت قريب، أو بعيد ارزقني، أو أمتني،
стр. 267
أو أحيي ميتي، أو اشف مريضي إلى غير ذلك مما هو من الأفعال الخاصة بالواحد الفرد الصمد. بل يقال لمن له قدرة كسبية قد جرت العادة بحصولها ممن أهله الله لها، أعني في حمل متاعي أو غير ذلك، والقرآن ناطق بحظر دعاء كل أحد، لا من الأحياء، ولا من الأموات سواء كانوا أنبياء، أو صالحين، أو غيرهم، وسواء كان الدعاء بلفظ الاستغاثة، أو بغيرها، فإن الأمور غير المقدورة للعباد لا تطلب إلا من خالق القدر ومنشئ البشر، كيف والدعاء عبادة وهي مختصة به سبحانه) ١.
ويرد الشيخ ابن سحمان على ما زعمه الخصوم حين ظنوا أن السكين لا يقطع بنفسه، وإنما القاطع هو الله تعالى، والسكين سبب عادي خلق الله تعالى القطع عنده، فيقول ﵀:
(فالجواب أن يقال: هذا القول من أقوال أهل البدع والأهواء، وليس هو من كلام أهل السنة والجماعة. قال شيخ الإسلام: وهؤلاء هم الاقترانية الذين يقولون إن الله يخلق عند السبب، لا بالسبب ومن نحا نحوهم من المتصوفة القائلين بإسقاط الأسباب الظاهرة، وذلك لأن عندهم ليس في الوجود شيء يكون سببا لشيء أصلا، ولا شيء جعل لشيء ولا يكون شيء لشيء، فالشبع عندهم لا يكون بالأكل.. ولا الطاعات عندهم سبب الثواب، ولا المعاصي سبب للعقاب) ٢.
ويبطل القصيمي دعواهم بالمجاز العقلي في هذه الشبهة، فيقول:
(إذا كان إدخال المجاز جائزا لديكم في الأدعية وفي النداء، وفي كل الأقوال المعبرة عن الاعتقاديات، وعن الديانات فهل ترون أن هذا جائز بلا قيد ولا شرط في هذه المسائل بحيث إدخال المجاز في كل قول وفي كل دعاء ما دام مقبولا في قانون البلاغة وعلوم المجازات؟ أم أنتم لا تدعون هذه الدعوى ولا تذهبون هذا المذهب، فلا تطلقون جواز المجاز في جميع أقوال العبادات.. إنه لا فرار لكم من اختيار أحد المذهبين، وأيا اخترتم فقد خصمتم، ولا ريب فإنكم إذا اخترتم الرأي الأول، وزعمتم أن المجاز جائز مطلقا بلا قيد ولا شرط في كل كلام ومقال، قيل لكم هذا باطل بالإجماع والضرورة فإنه لو كان صحيحا حقا لما استطعنا أن نخطئ، ولا أن نعارض من قال مثلا عيسى هو ابن الله، أو قال علي بن أبي طالب هو خالق محمد ﵇ ... وذلك أن هنالك مجاز الحذف، فيرد بقوله عيسى هو ابن الله أي ابن أمة الله ... وبقوله علي خالق محمد أنه مختار خالق محمد وبهذا التأويل تصبح
стр. 268
هذه الأقاويل من أقاويل المؤمنين الصحيحة المقبولة، التي لا اعتراض عليها ولا فند فيها، وهذا يقضي بألا يؤخذ قائل بمقال، ولا متكلم بكلام ... وأما إن قلتم بالرأي الثاني، أي قلتم أنه ليس كل ما صح مجازا صح دينا بل من المجازات ما هو ضلالات، ومنه ما الذهاب إليه إثم كبير، وذنب لا يجوز للمسلم اقتحامه، قيل لكم إذن لعل هذا المجاز الذي زعمتموه وأجريتموه.. هو إثم وباطل) ١.
ويقول أيضا في الرد على الدعوى السابقة:
(هنالك فرق بين دعوة الميتين وبين قول الناس أنبت الربيع البقل والماء العشب، ذلك أن الأول طلب والثاني خبر، وبين الأمرين فرق حقيقي عظيم معروف، وليس كل ما جاز إخبارا، جاز طلبا، والدليل على هذا الفرق الواضح أنه صح أن يقال أنبت الربيع البقل والماء العشب ولم يصح أن يقال: يا ربيع أنبت البقل، ويا ماء أنبت العشب) ٢.
وأما دعواهم بأن هؤلاء المستغيثين بالأموات لا يعتقدون التأثير إلا لله وحده، وليس قصدهم من تلك الاستغاثات إلا التبرك، ولو وقع منهم بعض "الألفاظ الموهمة" التي توهم إسنادهم التأثير لغير الله، فإن واقع أولئك المستغيثين بغير الله، يبطل تلك الدعوى ويسقطها، لذا قال الشيخ حسين النعمي٣ معقبا على تلك الدعوى:
(إن من يتكلم بهذا لا يدري ما فشى في العامة.. وما صار هجيراهم عند الأموات، ومصارع الرفات من دعائهم، والاستغاثة بهم، والعكوف حول أجداثهم، ورفع الأصوات بالخوار، وإظهار الفاقة، والاضطرار، واللجأ في ظلمات البحر، والسفر نحوها بالأزواج والأطفال) ٤.
ويرد ابن سحمان تلك الدعوى الخاطئة، فكان مما قاله: (والألفاظ التي يقولها العوام، وينطقون بها دالة دلالة مطابقة على اعتقاد التأثير
стр. 269
من غير الله فما معنى الشبهة؟) ١.
وأما الرد على دعواهم بأنه لا فرق بين الحي والميت؛ لأن الميت له حياة في قبره، وله إدراك وشعور، فإذا كان لا فرق بينهما. فيجوز التوسل، والاستغاثة بالأموات، والأحياء دون تفريق، فإن الرد على تلك الدعوى يكون على النحو التالي:
يوضح الشيخ أبو بطين بطلان دعواهم، وتناقضهم فيها، مع بيان الحق في تلك المسألة، فيقول:
(فمن سوى بين الحي والميت بقوله يطلب من الميت ما يطلب من الحي، فقد سوى بين ما فرق الله والناس بينهما، حتى المجانين يعرفون الفرق بين الحي والميت) ٢.
(ويقال لهذا المساوي بين الأحياء والأموات، من المعلوم أن أهل الدنيا يستقضون حوائج بعضهم من بعض، برهم وفاجرهم، مسلمهم وكافرهم وقد استعار النبي ﷺ أدرعاً من صفوان بن أمية وهو مشرك، وما زال المسلمون يستقضون حوائجهم من المسلم، والذمي، والبر، والفاجر، فيلزم المساوي بين الأحياء والأموات أن يساوي بين أموات المذكورين كما كانوا في الدنيا كذلك، فإن قال طلب الحاجات مختص بموتى الصالحين، فلا يجوز طلبها من موتى الكفار والفساق قيل له نقضت أصلك، حيث فرقت بين أحياء هؤلاء، وأمواتهم. فإن قال موتى الصالحين أحياء في قبورهم كما زعم، فهو كاذب في ذلك، ولم يرد في ذلك حديث إلا ما أخبر الله عن حياة الشهداء مع أن حياتهم لا تدرك بالحس، ولا بالعقل فالله سبحانه أعلم بحقيقتها، وأما سوى الشهداء غير الأنبياء، فلم يأت خبر عن الرسول أنهم أحياء في قبورهم، وإنما هو افتراء وكذب ... فإن قال: أن صالحي الأموات ينعمون في البرزخ، قيل له وضدهم يعذبون فيدركون العذاب كما يدرك الصالح النعيم. وهذا إدراك، وإحساس لا يعلم حقيقته إلا الله) ٣.
ويؤكد الشيخ صالح الشثري بداهة الفرق بين الطلب من الحي وبين الطلب من الميت، فقال:
(من المعلوم بالفطرة السليمة، وإن كان جاهلا يفرق بين الطلب من الحي الحاضر
стр. 270
مما في يده أو دعائه له، وبين الطلب من الميت والغائب، ولا يسوي بين الحي والميت، إلا من اختالته الشياطين عن الفطرة التي فطره الله عليها، أو إنسان أعماه الهوى والتقليد..) ١.
وقد أورد السهسواني كثيرا من الحجج في إبطال التسوية بين الحي والميت، فكان مما قاله:
(إن قدرة الحي على بعض الأشياء دون الميت ثابت بالكتاب والسنة ... -منها- قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ٢ ٣ - ومن الأحاديث- قوله ﷺ " إذا مات الإنسان، انقطع عنه عمله ... "٤) .
كما أن إثبات الكسب ولو باطنيا للميت مخالف للنص الصريح هو قوله ﷺ " إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله "٥ فلا يعبأ به، على أن قدرة الحي على الكسب يعلم حدها بالمشاهدة، مثلا نعلم أن الحي يقدر على حمل الحجر، وعلى أن يحول بينه، وبين عدوه الكافر، أو يدفع عنه سبعا صائلا، أو لصا، أو يدعو له، أو نحو ذلك، وأما قدرة الميت على الكسب فعلى تقدير تسليمها لا تعلم حدها بالمشاهدة فما طريق العلم بها؟ وهل هي مساوية لقدرة الحي أو زائدة عليها أو ناقصة عنها؛ فلا بد من بيانه حتى يطلب منه على حسبه، ودونه لا معنى لهذه الدعوى العمياء) ٦.
ويصف أحد العلماء قياس الأموات على الأحياء بهذا الوصف:
(قياس الأموات من الأنبياء، والصالحين في الأمور التى لا يقدر عليها إلا الله، على الأحياء القادرين على الأسباب العالية المقدور عليها من أفسد القياس، وأبطل إبطال، وأمحل المحال؛ لأن الله فرق بين الأحياء والأموات ولم يسو بينهما بقوله ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ﴾ ٧) ٨.
ويتحدث علامة العراق الآلوسي عن مسألة سماع الأموات فيقول:
(لا يشك أحد من أهل العلم أن في مسألة السماع قولين، أحدهما: أن الأموات يسمعون، ومع ذلك لا يستمد منهم ولا يستغاث بهم في قضاء الحاجات، ولا يلجأ
стр. 271
إليهم، لعدم ورود ذلك في الشريعة.
والآخر: أنهم لا يسمعون، وإلى كل قول من هذين القولين ذهب جم غفير من أهل العلم، وكل منهما أورد أدلة على مدعاه لا يمكن إنكارها، وليس هذا الاختلاف في متأخري الأمة، بل إن السلف كانوا مختلفين في ذلك. فإنكار السماع رأسا، وإثباته مطلقا لا شك في أنه مكابرة محضة. فالراجح قصر السماع على ما ورد وهذا الوجه يجمع بين الروايات المختلفة) ١.
ولكن -كما يذكر الآلوسي- من يقول بسماع الأموات لا يقول بأنهم يسمعون كل كلام، ومن أي محل كان قريب أو بعيد ... فإن هذا باطل بإجماع المسلمين) ٢.
وأخيرا نكتفي بما أوردناه من نقول موجزة لأئمة الدعوة وأنصارها في إزالة اللبس في هذه الشبهة، ثم ردها، ومن أراد المزيد والتفصيل فعليه بما كتب السلف قديما، وأتباعهم من أهل هذه الدعوة وغيرهم.
стр. 272
الفصل الثالث: منع الاستشفاع بالنبي ﷺ ١
أطلق الخصوم على الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، وأنصار دعوته شبهة منع الاستشفاع بمحمد ﷺ فادعوا أن الشيخ الإمام وأتباعه من بعده يمنعون طلب الشفاعة من المصطفى ﷺ وكذلك يمنعون طلبها من الأنبياء والصالحين.
وقبل الشروع في عرض هذه الشبهة ثم ردها، ينبغي أن ننبه إلى أن موضوع الشفاعة يرتبط -إلى حد كبير- بموضوع التوسل، لذا فهناك تداخل كبير بين هذا الفصل، وبين الفصل السابق -كما سيتضح أثناء عرض هذا الفصل-، إلا أنه مع هذا التداخل فهناك بعض المسائل التي يستقل بها موضوع الشفاعة عن موضوع التوسل، مما ناسب إفراده بهذا الفصل.
وقد تحدث خصوم هذه الدعوة عن شبهة منع الاستشفاع بالنبي ﷺ فادعوا أن الشيخ الإمام، وأتباعه من بعده يمنعون طلب الشفاعة من النبي محمد ﷺ وكذا سائر الأنبياء، والأولياء، وذكر الخصوم حجتهم في هذه المسألة، وسنورد أقوالهم -من خلال كتبهم-، وحججهم في هذا المقام.
يدعي القباني الفرق بين المشركين الذين اتخذوا الأصنام شفعاء لهم عند الله لتقربهم إليه زلفى، وبين المسلمين -كما زعم القباني- الذين يطلبون الشفاعة من الأنبياء والأولياء.
فليس سبب كفر مشركي العرب هو اتخاذ الأولياء شفعاء تقربهم عند الله زلفى، وإنما كان كفرهم بسبب اعتقادهم أن الملائكة والأولياء بنات وأبناء الله على حد دعوى
стр. 273
القباني، لذا يقول القباني:
(العلة التي وجبت كفر المشركين هي اعتقادهم في الأنبياء، والأولياء، والملائكة أنهم أبناء الله، وبنات الله، تعالى الله عن ذلك..) ١.
ويقول أيضا: (إن عبادة المشركين للأنبياء، والأولياء إنما هي بالسجود لتماثيلهم، ليتقربوا إليهم ... ) ٢.
ويستنكر القباني أن يكفر من قال: يا رسول الله اشفع لي، فيقول بكل قبح ووقاحة مخاطبا الشيخ الإمام:
(أما أنهم كفروا بمجرد قولهم يا رسول الله اشفع لي، أو أغثني، وأنها مساواة لقول المشرك واعتقاده أن المسيح هو الله، ولعبادة تمثاله من السجود والذبح كما ادعيت ذلك، وجزمت به. فما أقمت على ذلك الدليل والبرهان يا طويل الآذان) ٣.
ويجوز ابن داود الهمداني طلب الشفاعة من الأنبياء والأولياء، فلا يحتاج إلى إذن من الله؛ لأن الله أذن لهم في الشفاعة، يقول ابن داود:
(إن الله تعالى أذن لنا أن نطلب منهم -أي الأنبياء والأولياء- الشفاعة، وليعلم أولا أن طلب الشفاعة منهم لا يحتاج إلى ورود إذن من الله في ذلك، فإنا بعد أن علمنا أن لهم جاها وجيها عنده تعالى، بحيث إذا شفعوا قبلت شفاعتهم، فعلمنا مع ذلك أن الله تعالى أذن لهم في الشفاعة، ساغ لنا أن نطلبها منهم، ونجعلهم شفعاء عنده، ونقول لهم اشفعوا لنا عند الله في قضاء حوائجنا، فإن لكم عند الله جاها وجيها، وشفاعة مقبولة كما يسوغ لأحدنا أن يقول لآخر توسط لي عند السلطان، واشفع لي لدى فلان) ٤.
ويرد ابن داود على الشيخ الإمام في تلك المسألة، فيقول:
(وقول الزنديق الحجازي: إن الله أعطاه الشفاعة، ونهاك عن طلبها منه كما قال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ٥ غلط، فإن الدعاء المنهي عنه هنا بمعنى العبادة، وطالب الشفاعة لا يعبد الشفيع، بل يطلب منه أن يشفعه عند الله، كما
стр. 274
أن يوسف بدعائه لأحد صاحبي السجن لم يكن عابدا له ولا كافرا، وقوله١ "فإن الشفاعة التي أعطاها غير النبي، فصح أن الملائكة يشفعون، والأولياء يشفعون. أتقول إن الله أعطاهم الشفاعة، فاطلبها منهم. فإن قلت هذا، فقد عبدتم" غلط أيضا، لما قلنا من أن طلب الشفاعة ممن أعطيها سواء كان نبيا، أو كان وليا، أو وصيا، أو ملكا، أو مؤمنا ليس عبادة له، فيصح لنا أن نطلب الشفاعة من الأوصياء، والأولياء، والملائكة، والصلحاء، وليس في ذلك شرك) ٢.
ويسوي ابن داود بين قول: اللهم شفع محمدا فينا، وبين قول: يا محمد اشفع لي، فيقول:
(وإذا ثبت أن لهم -محمد ﷺ وعترته- الشفاعة المقبولة، وأنهم مأذونون في الشفاعة، ونحن مأمورون بطلبها، كان لنا الخيار في الدعاء. فإن شئنا طلبناها، وقلنا اللهم شفعهم فينا، أو لا تحرمنا شفاعتهم، أو تقبل شفاعته فينا، وإن شئنا طلبناها منهم وقلنا يا أولياء الله اشفعوا لنا عند الله، واستغفروا ذنوبنا إلى غير ذلك) ٣.
ويفسر محمد بن عبد المجيد معنى الإذن -أحد شرطي قبول الشفاعة- فيقول:
(والذي يظهر -والله أعلم- تفسير الإذن بلازمه، من الرضى والاختيار، والمعنى: لا أحد يشفع عنده شفاعة نافعة، إلا برضاه، واختياره تعالى، إذ لا ينفذ لأحد مراد لم يرده الله تعالى ... ) ٤.
وبناء على ذلك، فإن محمد بن عبد المجيد لا يشترط الإذن للشافع، لذا يقول:
(والمتحصل من هذا أن الشفاعة لا تتوقف على إذن خاص، بمعنى إطلاقها وإباحتها للشافع، ولكن يتوقف نفعها على رضاه تعالى أن يقبلها، واختياره لذلك ... ) ٥.
ويدافع محمد بن عبد المجيد عن المستغيثين بالموتى والذين يسألونهم الشفاعة فيقول:
(والمشركون كانوا يعتقدون في أصنامهم أنها تنفع وتضر ... فأين هذا ممن
стр. 275
يستغيث من المسلمين بنبي، أو ولي، ويسأله الشفاعة، معتقدا أنه لا يملك نفعا ولا ضرا ... ) ١.
ويرد محمد بن عبد المجيد على اعتراض لما قرره، فيقول:
(وأما تمسكه -أي الإمام سعود بن عبد العزيز- في منع استشفاعهم إلى الله بقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ ٢ قلنا مسلم، ولا ينافي طلبنا منهم الشفاعة في مآرب الدنيا والآخرة؛ لأن شفاعتهم لنا من بعد إذنه تعالى لهم بإلهام، أو غيره مما يعلمونه أولا، ولأن شفاعتهم مجرد دعائه لله تعالى، وطلب وابتهال، كما يدعو المؤمن لأخيه بظهر الغيب. ومعنى توقفها على الإذن توقف قبولها على رضاه تعالى، واختياره الإجابة، لا كما زعم المشركون أن معبوداتهم تشفع لهم عنده، وجزموا بذلك، ولم يلتفتوا إلى توقف نفع شفاعتها على قبوله تعالى، ورضاه، حتى كأنهم لا بجوزون رد شفاعتها..) ٣.
ويدعي الحداد أن سبب كفر مشركي العرب هو نسبتهم الولد لله تعالى، وليس لأنهم جعلوا الأصنام، أو الأولياء شفعاء تقربهم عند الله زلفى. فيقول:
(وقوله تعالى في سورة الزمر: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٤ فإن بعدها قوله تعالى ردا على من نسب له الولد، تعالى الله ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ٥ وقولهم ليقربونا معتقدين أنهم آلهة وأنهم شركاء، كما حكى عنهم سبحانه في قوله: ﴿هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ ٦ الآية، ولو أنهم آمنوا بالله وحده، وأقروا برسالة نبيه، وما جاء به، واعتقدوا في الحجر أنه من خلقه، وأنه لا ذنب له، نفعهم، لقوله ﵇ " لو اعتقد أحدكم في حجر لنفعه " ٧ لاعتقاده أنه لا يضر ولا ينفع خلق من خلقه إلا بإذنه) ٨.
стр. 276
ويدعي عمر المحجوب أن الوهابيين ينكرون الكثير من الشفاعة فيقول:
(ولعلك من المبتدعة الذين ينكرون أنواعا كثيرة من الشفاعة) ١.
ويذكر إسماعيل التميمي أن الاستشفاع بمحمد ﷺ ليس عبادة له؛ لأنها في ملكه.. يقول: (وليست -أي مسألة الاستشفاع بمحمد ﷺ عبادة للمطلوب -أي محمد-، لأنه لا يعظم طالبها كتعظيم المعبود..) ٢.
(أما مسألة طلب الشفاعة من رسول الله ﷺ .. فإن هذا الطلب ليس عبادة، فإن الله لما وعده بها، وبالإذن فيها صارت في يده، فطلبها منه كطلب حاجة من يد قادر على إعطائها..) ٣.
ويورد جعفر النجفي كلاما حول الشفاعة، كان مما قاله:
(إن الشفاعة إن كانت من قبيل الدعاء، فيرجع طلبها إلى التماس الدعاء من الأنبياء والأولياء، فتكون عبارة عن دعاء مخصوص لنجاة الغير، أو قضاء حاجته في أمور الدنيا والآخرة. فلا كلام، ولا بحث في جواز طلبها من كل أحد كما لو سألت إخوانك الدعاء ... ولا ريب أن المستشفع بالنبي، والأولياء في دار الدنيا يريد هذا المعنى) ٤.
ويسوق دحلان ما قرره علماء الدعوة من اشتراط إذن الله في قبول الشفاعة، ثم ذكر رده، فيقول:
(ومما يعتقده المنكرون للزيارة، والتوسل منع طلب الشفاعة من النبي ﷺ ويقولون أن الله تعالى قد قال في كتابه العزيز: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِه﴾ ٥ وقال
стр. 277
تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ١ فالطالب للشفاعة لا يعلم حصول الإذن للنبي ﷺ بالشفاعة للمؤمنين.
وقد صحت الأحاديث بأنه ﷺ يشفع لمن قال بعد الأذان:"اللهم رب هذه الدعوة التامة.." ٢ إلى آخر الدعاء المشهور، ولمن صلى على النبي ﷺ يوم الجمعة، ولمن زار قبره ﷺ .. فالطالب للشفاعة كأنه يتوسل إلى الله تعالى بالنبي ﷺ أن يحفظ عليه الإيمان إلى أن يتوفاه الله، فيدخل في شفاعة النبي ﷺ ويكون من أهلها) ٣.
ويذكر السمنودي ما اشترطه علماء الدعوة لقبول الشفاعة، من الإذن للشافع أن يشفع، والرضا عن المشفوع له، ثم يرد ذلك بقوله:
(وأقول إن منعهم المذكور، واحتجاجهم هذا عليه مردود عليهم، وباطل بالأحاديث الصحيحة الصريحة في حصول الإذن للنبي ﷺ بالشفاعة للمؤمنين، لكونهم ممن ارتضى الله تعالى أن يشفع له، وبما صح متواترا من طلب بعض الصحابة الشفاعة لله من النبي ﷺ ٤.
ويورد السمنودي النصوص التي تثبت الشفاعة، ثم يقول:
(وهذه الآيات، والأحاديث وما ماثلها على عمومها، ولم يخصصها أحد بحال الحياة دون الممات) ٥. ويدعي السمنودي أن طلب الشفاعة من باب التسبب فقال:
(والشفاعة وإن كانت في الحقيقة بإذن الله..، ولكن على المسلم أن يباشر السبب، وأمر الإذن في القضاء إلى الله تعالى إن شاء، وإن لم يشأ، لم يكن. هذا هو اعتقاد المسلمين لا يعتقدون غيره، فمقصودهم بطلبهم الشفاعة من الأنبياء، والصالحين إنما هو التسبب) ٦.
ويذكر الطباطبائي أن الوهابيين يثبتون الشفاعة، ولكن يمنعون طلبها في الدنيا من أصحابها، ثم يرد على هذا المعتقد فيقول:
стр. 278
(قالت الوهابية إن الشفاعة للأنبياء، والأولياء منقطعة في الدنيا، وإنما هي ثابتة لهم في الآخرة، فلو جعل العبد بينه وبين الله وسائط من عباده يسألهم الشفاعة كان ذلك شركا وعبادة لغير الله، فاللازم أن يوجه العبد دعاءه إلى ربه ويقول: اللهم اجعلنا ممن تناله شفاعة محمد ﷺ ولا يجوز له أن يقول يا محمد اشفع لي عند الله) -ثم ذكر أدلتهم على ذلك-.
ثم قال: (وقالت الإمامية إن الشفاعة ثابتة للنبي ﷺ وصالح المؤمنين، والملائكة المقربين، فيجوز الاستشفاع بهم إلى الله تعالى لنهوض الكتاب والسنة عليه ...
وقول ابن عبد الوهاب: إن الله أعطى نبيه الشفاعة، ولكن نهاك عن الاستشفاع به ... كلام شعري مبناه الخيال، فإنه مثل أن يقول إن الله تعالى أعطى نبيه ﵌ يوم القيامة سقاية الحوض، ولكن نهى الناس عن الورود عليه، والاستسقاء منه.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ ١ دلت على جواز وقوع الشفاعة الحسنة من المؤمنين، بعضهم في حق بعض، ومتى جاز، جاز التوسل بالشفيع ولو كان ذلك شركا لما صح الإذن في الشفاعة لا عقلا ولا سمعا مع أنها مأذون فيها ومرغب إليها بقوله سبحانه: ﴿يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ ٢ ٣.
ويجوز عبد الرءوف الرافضي الاستشفاع بمحمد ﷺ إلى الله فيقول:
(وقد جوز الشرع الاستشفاع به إلى الله، وليس فيه شرك ولا هو دين المشركين أصلا، ونوضح المقال بضرب من المثال ونقول:
ولا شك أن السجود لغير الله شرك، وقد أمر الله تعالى ملائكته المقربين أجمعين أن يسجدوا لآدم، فانقادوا كلهم أجمعون، فصار سجودهم لغير الله الذي كان كفرا وشركا لولا أمر الله، طاعة مقبولة عند الله، وخاتم الأنبياء خير من فاتح الأنبياء، بل من سائر الأنبياء، والاستشفاع به أيسر من السجود..) ٤.
ويدعي العاملي جواز طلب الشفاعة من كل مؤمن حيا أو ميتا، لأنه كطلب الدعاء فيقول:
(فطلب الشفاعة من الغير، كطلب الدعاء منه. وقد ثبت جواز طلب الدعاء من
стр. 279
أي مؤمن كان ... ويجوز طلب الشفاعة إلى الله تعالى من كل مؤمن فضلا عن الأنبياء والصالحين، وفضلا عن سيد المرسلين) ١.
ويدعي العاملي -أيضا- أن اتخاذ الأصنام، أو الأولياء شفعاء عند الله، ليس سببا في شرك عباد الأصنام والأولياء، يقول:
(والمشركون لم يعلم أن هذا سبب في شركهم؛ لأنه لم يصدر منهم وحده، بل صدر معه ما هو كاف في الشرك، والكفر من إنكار الرسل، والشرائع، والعبادة للأصنام) ٢.
ويستنكر العاملي طلب الشفاعة من الله وحده في الدنيا، فيقول:
(أما قولهم فالشفاعة حق، ولا تطلب في دار الدنيا إلا من الله. فإذا كانت حقا فما المانع من طلبها؟ أفيجعل الله طلب الحق باطلا وشركا؟ تعالى الله عن ذلك، فطلب الحق لا يكون إلا حقا، وطلب الباطل لا يكون إلا باطلا، والتقييد بقولهم في دار الدنيا دال على جواز طلبها في الآخرة، كما يدل عليه حديث تشفع الناس بالأنبياء، واعتذار كل منهم ثم تشفعهم بمحمد ﷺ ...
وهل منع الناس من الشرك في الدنيا، وأبيح لهم الشرك في الآخرة) ٣.
ثم يورد العاملي دليلا له، ويرد عليه:
(وأما قوله: إن الله أعطاه الشفاعة، ونهاك أن تطلبها منه وقال: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ٤ فقول فاسد؛ لأن الدعاء المنهي عنه في الآية لا يشمل طلب الشفاعة، كما لا يشمل طلب الدعاء التي هي نوع منه، ولا يمكن أن يكون شاملا لذلك، إذ يكون محصله أن الله تعالى أباح لك أن تطلب من كل أحد ما أعطاه الله إياه إلا الشفاعة) ٥.
وادعى فضل الرسول البركاتي هذه المقالة:
(والنجدية خالفوا أهل السنة والجماعة في الشفاعة، وخلطوا مع الاعتزال أنواعا من الخبط والشناعة، قالوا إن الشفاعة بالوجاهة غير ممكنة واعتقادها كفر) ٦.
стр. 280
ويبيح الاوردبادي الاستشفاع بالأولياء بقوله:
(وأما الاستشفاع بهم، فلم يكن إلا لأن الله أثبت الشفاعة لعباده المكرمين في قوله تعالى: ﴿إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ١ وأذن بشفاعتهم في قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّّّّّّّ بِإِذْنِه﴾ ٢ فيتوسل عند الله، ويتوجه، ويستشفع إليه بأوليائه من عباده) ٣.
يتبين من خلال هذه النقول أن هؤلاء الخصوم يدعون أن العلة التي أوجبت كفر المشركين، هي اعتقادهم في الأنبياء، والملائكة أنهم أبناء الله وبناته- تعالى الله عن ذلك-، أو اعتقادهم أن الأصنام تنفع وتضر، وليست علة كفرهم اتخاذهم الأصنام، أو الأولياء شفعاء كي تقربهم عند الله زلفى.
كما أن المناوئين يجوزون طلب الشفاعة من الأنبياء، والأولياء في دار الدنيا؛ لأن الله أذن لهم في الشفاعة، وبعضهم يفسر الإذن بمعنى الرضا والاختيار. ونلاحظ أنهم ينفون أن يكون طلب الشفاعة من الأنبياء، أو الأولياء عبادة لهم، بل هو كدعاء المسلم لأخيه، كما أن طلب الشفاعة منهم عام لا فرق في ذلك بين الأحياء منهم والأموات.
ويدعي الخصوم أن الشفاعة حين تطلب في الدنيا من الأونبياء فلأنها في ملكهم وحوزتهم.
لقد أفاض علماء هذه الدعوة السلفية الحديث عن ما يتعلق بهذه. المسألة فوضوحها غاية الوضوح، وأوردوا الأدلة والبراهين عليها، وذكروا شبهات الخصوم، واعتراضهم، ثم أعقبوها بالرد والمناقشة.
وقد تحدث الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب عن هذه المسألة في أكثر من موضع وأطال في بيانها وإظهارها.
فيبين الشيخ محمد بن عبد الوهاب مشابهة هؤلاء الذين اتخذوا الصالحين شفعاء، ووسائط بينهم وبين الله ويدعونهم، ويرجونهم، بحال المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ ممن اتخذ الأصنام، أو الأولياء شفعاء تقربهم عند الله زلفى، مع اعتقاد أن النفع والضر من عند الله، ويورد الاعتراضات في ذلك فيقول:
(إن أعداء الله لهم اعتراضات كثيرة على دين الرسل، يصدون بها الناس عنه، منها قولهم: نحن لا نشرك بالله، بل نشهد أنه لا يخلق ولا يرزق، ولا ينفع ولا يضر
стр. 281
إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا ﷺ لا يملك لنفسه نفعا، ولا ضرا، فضلا عن عبد القادر أو غيره، ولكن أنا مذنب والصالحون لهم جاه عند الله وأطلب من الله بهم.
فجوابه هو أن الذين قاتلهم رسول الله ﷺ مقرون بما ذكرت، ومقرون أن أوثانهم لا تدبر شيئا، وإنما أرادوا الجاه، والشفاعة، كما في القرآن. فإن قال هؤلاء الآيات إنما نزلت فيمن يعبد الأصنام. كيف تجعلون الصالحين مثل الأصنام؟ أم كيف تجعلون الأنبياء أصناما فجاوبه بما تقدم ... فإنه إذا أقر أن الكفار يشهدون بالربوبية كلها، وأنهم ما أرادوا ممن قصدوا إلا الشفاعة، ولكن أراد أن يفرق بين فعله، وفعلهم بما ذكر- فاذكر له أن الكفار منهم من يدعو الأصنام، ومنهم من يدعو الأولياء الذين قال الله فيهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ ١ ويدعون عيسى ابن مريم وأمه، ويدعون الملائكة..
فقل له: أعرفت أن الله كفر من قصد الأصنام، وكفر أيضا من قصد الصالحين وقاتلهم رسول الله ﷺ . فإن قال: الكفار يريدون منهم وأنا أشهد أن الله هو النافع الضار المدبر، لا أريد إلا منه، والصالحون ليس لهم من الأمر شيء، ولكن أقصدهم أرجو من الله شفاعتهم. فالجواب أن هذا قول الكفار سواء بسواء، واقرأ عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٣ واعلم أن هذه الشبهة أكبر ما عندهم) ٤.
ويقرر الشيخ الشفاعة، ويثبتها، ويذكر شرطي الشفاعة، ثم يرد على من قال إن الله أعطى الشفاعة محمدا فأطلبها منه، يقول ﵀:
(فإن قال أتنكر شفاعة رسول الله ﷺ وتبرأ منها؟ فقل لا أنكرها ولا أتبرأ منها، بل هو ﷺ الشافع المشفع، وأرجو شفاعته، ولكن الشفاعة كلها لله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ ٥ ولا تكون إلا من بعد إذن الله كما قال عزوجل: ﴿مَنْ
стр. 282
ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِه﴾ ١ ولا يشفع في أحد إلا من بعد أن يأذن الله فيه كما قال عزوجل ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ٢ فإذا كانت الشفاعة كلها لله، ولا تكون إلا من بعد إذنه، ولا يشفع النبي ﷺ ولا غيره في أحد حتى يأذن الله فيها، ولا يأذن إلا لأهل التوحيد، تبين لك أن الشفاعة كلها لله فاطلبها منه، وقل: اللهم لا تحرمني شفاعته، اللهم شفعه في وأمثال هذا. فإن قال النبي ﷺ أعطي الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله.
فالجواب: أن الله أعطاه الشفاعة، ونهاك عن هذا فقال: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ٣ فإن كنت تدعو الله أن يشفع نبيه فيك، فأطعه في قوله: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ٤ وأيضا فإن الشفاعة أعطيها غير النبي ﷺ فصح أن الملائكة يشفعون، والأولياء يشفعون، والأفراط يشفعون، أتقول إن الله أعطاهم الشفاعة فأطلبها منهم. فإن قلت هذا، رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكر الله في كتابه، وإن قلت: لا، بطل قولك: أعطاه الله الشفاعة، وأنا أطلبه مما أعطاه) ٥.
ويرد الشيخ الإمام على من ألصق بهم فرية إنكار شفاعة الرسول ﷺ فيقول: (يزعمون أننا ننكر شفاعة الرسول ﷺ فنقول سبحانك هذا بهتان عظيم، بل نشهد أن رسول الله ﷺ الشافع المشفع، صاحب المقام المحمود، نسأل الله رب العرش العظيم أن يشفعه فينا، وأن يحشرنا تحت لوائه. هذا اعتقادنا وهذا الذي مشى عليه السلف الصالح، وهم أحب الناس لنبيهم، وأعظمهم في اتباع شرعه) ٦.
ويؤكد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ أن الشفاعة لا تطلب في الدنيا إلا من الله، فلا تطلب من الأنبياء، أو الأولياء بعد موتهم، يقول ﵀:
(والشفاعة حق ولا تطلب في دار الدنيا إلا من الله تعالى كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ٧ وقال ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٨ فإذا كان الرسول ﷺ وهو سيد الشفعاء، وآدم فمن دونه تحت لوائه لا يشفع إلا بإذن الله لا يشفع ابتداء بل " يأتي فيخر
стр. 283
ساجدا فيحمده بمحامد يعلمه إياها، ثم يقال ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع، ثم يحد لهم حدا فيدخلهم الجنة " ١ فكيف بغيره من الأنبياء والأولياء؟ وهذا الذي ذكرناه، لا يخالف فيه أحد من علماء المسلمين. بل قد أجمع عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم..) ٢.
وعلى ضوء ذلك، فلا تطلب الشفاعة من المصطفى ﷺ بعد موته، ولأنه أيضا ليس هناك دليل على طلبها منه بعد موته، لذا قال الشيخ الإمام:
(القائل إنه يطلب الشفاعة بعد موته يورد علينا الدليل من كتاب الله، أو من سنة رسول الله، أو من اجتماع الأمة. والحق أحق أن يتبع) ٣.
ويؤكد الشيخ الإمام أن طلب الشفاعة من موتى الصالحين يضاد توحيد العبادة وينافيه، فيقول: (إن أهل الجاهلية يتعبدون بإشراك الصالحين في دعاء الله، وعبادته. يريدون شفاعتهم، لظنهم أن الله يحب ذلك، وأن الصالحين يحبونه كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٥ وهذه أعظم مسألة خالفهم فيها رسول الله ﷺ فأتى بالإخلاص، وأخبر أنه دين الله الذي أرسل به جميع الرسل، وأنه لا يقبل من الأعمال إلا الخالص..) ٦. ويرد الإمام عبد العزيز الأول على من ادعى عدم شرط الإذن من الله في مسألة الشفاعة، فيبين أن من شفع عند غيره بغير إذنه فهو شريك له في حصول ذلك المطلوب.. يقول ﵀:
(ولهذا حسم جل وعلا مادة الشفاعة عن كل أحد بغير إذن الإله وحده، فلا يشفع أحد عنده إلا بإذنه لا ملك ولا نبي ولا غيرهما؛ لأن من شفع عند غيره بغير إذنه فهو شريك له في حصول ذلك المطلوب لتأثيره فيه بشفاعته، ولاسيما إن كانت من غير إذنه، فجعله يفعل ما طلب منه، والله تعالى لا شريك له بوجه من الوجوه، وكل
стр. 284
من أعان غيره على أمر فقد شفعه فيه، والله تعالى وتر لا يشفعه أحد بوجه من الوجوه، ولهذا قال عز من قال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ ١) ٢.وتبدو أهمية هذه المسألة ومدى قيمتها، من خلال ما كتبه الإمام عبد العزيز الأول، حين تحدث عن حال أولئك المستشفعين بالموتى، ثم أشار إلى فائدة مهمة وهي أن الشفاعة ثابتة بالوصف، لا بالشخص.. يقول:
(وما حجتهم علينا إلا أن المدعو يكون شفيعا ووسيلة، ونحن نقول: هؤلاء الداعون الهاتفون بذكره، المعتقدون في الأحياء الغائبين المدعوين، والأموات يطلبون كشف شدتهم، وتفريج كربتهم، وإبراء مريضهم وتكثير رزقهم.. لم يكفهم الاقتصار على مسألة الشفاعة والوسيلة، وهما من أعظم المخاصمة الجارية علينا مما قاتلنا وبدعنا، وجعل اليهود والنصارى أخف شرا منا ومن أتباعنا.
وحقيقة قولنا أن الشفاعة وإن كانت حقا في الآخرة فلها أنواع مذكورة في محلها، ووجب على كل مسلم الإيمان بشفاعته ﷺ بل وغيره من الشفعاء، فهي ثابتة بالوصف لا بالشخص، ماعدا الشفاعة العظمى فإنها لأهل الموقف عامة وليس منها ما يقصدون، فالوصف من مات لا يشرك بالله شيئا كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " لكل نبي دعوة مستجابة وأني خبأت دعوتي شفاعة لأمتي، وهي نائلة منكم إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئا " ٣ ٤) ٥.
ويقرر الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب معتقدهم في مسألة الشفاعة فيقول:
(ونثبت الشفاعة لنبينا محمد ﷺ يوم القيامة حسب ما ورد، وكذا نثبتها لسائر الأنبياء، والملائكة، والأولياء، والأطفال حسب ما ورد أيضا، ونسألها من المالك لها، والآذان فيها لمن يشاء من الموحدين الذين هم أسعد الناس بها كما ورد، بأن يقول أحدنا متضرعا إلى الله تعالى: اللهم شفع نبينا محمداً ﷺ فينا يوم القيامة، أو اللهم شفع فينا عبادك الصالحين، أو ملائكتك، أو نحو ذلك مما يطلب من الله لا منهم. فلا يقال يا رسول الله، أو يا ولي الله، أسألك الشفاعة، أو غيرها، كأدركني، أو أغثني،
стр. 285
أو اشفعني، أو انصرني على عدوي، ونحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى) ١.
ويبين الشيخ حمد بن ناصر بن معمر أن الشفاعة كلها لله وحده، وأنها لا تكون إلا بشرطيها: الإذن للشافع أن يشفع، والرضا عن المشفوع له، فيقول ﵀:
(وبيان أن الشفاعة كلها لله، ليس لأحد فيها شيء، وأنه لا شفاعة إلا بعد إذن الله تعالى، وأنه تعالى لا يأذن إلا لمن رضي قوله وعمله، وأنه لا يرضى إلا التوحيد، ومعلوم أن أعلى الخلق، وأفضلهم، وأكرمهم عند الله الرسل والملائكة المقربون، وهم عبيد محض لا يسبقونه بالقول، ولا يتقدمون بين يديه ولا يفعلون شيئا إلا بعد إذنه لهم وأمره، فيأذن سبحانه لمن يشاء أن يشفع فيه فصارت الشفاعة في الحقيقة إنما هي له تعالى، والذي شفع عنده إنما شفع بإذنه له، وأمره بعد شفاعته سبحانه إلى نفسه، وهي إرادته أن يرحم عبيده) ٢.
ويسوق صاحب كتاب "التوضيح" شرط رضا الله عن المشفوع له، وشرط الإذن للشافع، مما يقضي وجوب التجرد، والتوجه لله وحده، فيقول:
(ومسألة الشفاعة لم ينفها الله سبحانه، لكن أخبر أنها لا تكون ولا تنفع إلا لمن أذن له، فالشفاعة بعد رضائه تعالى عن المشفوع فيه وهذا بخلاف الشفعاء للمخلوقين، فإنهم قد يشفعون لمن لم يؤذن لهم في الشفاعة وقبل استئذان المشفوع إليه، وهذا كقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِه﴾ ٣.
وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَِّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ٤ وقال: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ٥ وقال ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ٦ وهذا يوجب انقطاع تعلق القلوب بغيره، ولو كان نبيا، أو ملكا. فكيف بالمشايخ، والعلماء، والملوك. فإن غاية الراجي لهم المعتقد أن يقول هم يشفعون لي، فقد أخبر سبحانه أنه ما من شفيع إلا من بعد إذنه، وأنكر أن يشفع أحد إلا بإذنه وأخبر أن الشفاعة لا تنفع إلا