إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا ﷺ لا يملك لنفسه نفعا، ولا ضرا، فضلا عن عبد القادر أو غيره، ولكن أنا مذنب والصالحون لهم جاه عند الله وأطلب من الله بهم.
فجوابه هو أن الذين قاتلهم رسول الله ﷺ مقرون بما ذكرت، ومقرون أن أوثانهم لا تدبر شيئا، وإنما أرادوا الجاه، والشفاعة، كما في القرآن. فإن قال هؤلاء الآيات إنما نزلت فيمن يعبد الأصنام. كيف تجعلون الصالحين مثل الأصنام؟ أم كيف تجعلون الأنبياء أصناما فجاوبه بما تقدم ... فإنه إذا أقر أن الكفار يشهدون بالربوبية كلها، وأنهم ما أرادوا ممن قصدوا إلا الشفاعة، ولكن أراد أن يفرق بين فعله، وفعلهم بما ذكر- فاذكر له أن الكفار منهم من يدعو الأصنام، ومنهم من يدعو الأولياء الذين قال الله فيهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ ١ ويدعون عيسى ابن مريم وأمه، ويدعون الملائكة..
فقل له: أعرفت أن الله كفر من قصد الأصنام، وكفر أيضا من قصد الصالحين وقاتلهم رسول الله ﷺ . فإن قال: الكفار يريدون منهم وأنا أشهد أن الله هو النافع الضار المدبر، لا أريد إلا منه، والصالحون ليس لهم من الأمر شيء، ولكن أقصدهم أرجو من الله شفاعتهم. فالجواب أن هذا قول الكفار سواء بسواء، واقرأ عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٣ واعلم أن هذه الشبهة أكبر ما عندهم) ٤.
ويقرر الشيخ الشفاعة، ويثبتها، ويذكر شرطي الشفاعة، ثم يرد على من قال إن الله أعطى الشفاعة محمدا فأطلبها منه، يقول ﵀:
(فإن قال أتنكر شفاعة رسول الله ﷺ وتبرأ منها؟ فقل لا أنكرها ولا أتبرأ منها، بل هو ﷺ الشافع المشفع، وأرجو شفاعته، ولكن الشفاعة كلها لله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ ٥ ولا تكون إلا من بعد إذن الله كما قال عزوجل: ﴿مَنْ
стр. 282
ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِه﴾ ١ ولا يشفع في أحد إلا من بعد أن يأذن الله فيه كما قال عزوجل ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ٢ فإذا كانت الشفاعة كلها لله، ولا تكون إلا من بعد إذنه، ولا يشفع النبي ﷺ ولا غيره في أحد حتى يأذن الله فيها، ولا يأذن إلا لأهل التوحيد، تبين لك أن الشفاعة كلها لله فاطلبها منه، وقل: اللهم لا تحرمني شفاعته، اللهم شفعه في وأمثال هذا. فإن قال النبي ﷺ أعطي الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله.
فالجواب: أن الله أعطاه الشفاعة، ونهاك عن هذا فقال: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ٣ فإن كنت تدعو الله أن يشفع نبيه فيك، فأطعه في قوله: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ٤ وأيضا فإن الشفاعة أعطيها غير النبي ﷺ فصح أن الملائكة يشفعون، والأولياء يشفعون، والأفراط يشفعون، أتقول إن الله أعطاهم الشفاعة فأطلبها منهم. فإن قلت هذا، رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكر الله في كتابه، وإن قلت: لا، بطل قولك: أعطاه الله الشفاعة، وأنا أطلبه مما أعطاه) ٥.
ويرد الشيخ الإمام على من ألصق بهم فرية إنكار شفاعة الرسول ﷺ فيقول: (يزعمون أننا ننكر شفاعة الرسول ﷺ فنقول سبحانك هذا بهتان عظيم، بل نشهد أن رسول الله ﷺ الشافع المشفع، صاحب المقام المحمود، نسأل الله رب العرش العظيم أن يشفعه فينا، وأن يحشرنا تحت لوائه. هذا اعتقادنا وهذا الذي مشى عليه السلف الصالح، وهم أحب الناس لنبيهم، وأعظمهم في اتباع شرعه) ٦.
ويؤكد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ أن الشفاعة لا تطلب في الدنيا إلا من الله، فلا تطلب من الأنبياء، أو الأولياء بعد موتهم، يقول ﵀:
(والشفاعة حق ولا تطلب في دار الدنيا إلا من الله تعالى كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ٧ وقال ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٨ فإذا كان الرسول ﷺ وهو سيد الشفعاء، وآدم فمن دونه تحت لوائه لا يشفع إلا بإذن الله لا يشفع ابتداء بل " يأتي فيخر
стр. 283
ساجدا فيحمده بمحامد يعلمه إياها، ثم يقال ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع، ثم يحد لهم حدا فيدخلهم الجنة " ١ فكيف بغيره من الأنبياء والأولياء؟ وهذا الذي ذكرناه، لا يخالف فيه أحد من علماء المسلمين. بل قد أجمع عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم..) ٢.
وعلى ضوء ذلك، فلا تطلب الشفاعة من المصطفى ﷺ بعد موته، ولأنه أيضا ليس هناك دليل على طلبها منه بعد موته، لذا قال الشيخ الإمام:
(القائل إنه يطلب الشفاعة بعد موته يورد علينا الدليل من كتاب الله، أو من سنة رسول الله، أو من اجتماع الأمة. والحق أحق أن يتبع) ٣.
ويؤكد الشيخ الإمام أن طلب الشفاعة من موتى الصالحين يضاد توحيد العبادة وينافيه، فيقول: (إن أهل الجاهلية يتعبدون بإشراك الصالحين في دعاء الله، وعبادته. يريدون شفاعتهم، لظنهم أن الله يحب ذلك، وأن الصالحين يحبونه كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٥ وهذه أعظم مسألة خالفهم فيها رسول الله ﷺ فأتى بالإخلاص، وأخبر أنه دين الله الذي أرسل به جميع الرسل، وأنه لا يقبل من الأعمال إلا الخالص..) ٦. ويرد الإمام عبد العزيز الأول على من ادعى عدم شرط الإذن من الله في مسألة الشفاعة، فيبين أن من شفع عند غيره بغير إذنه فهو شريك له في حصول ذلك المطلوب.. يقول ﵀:
(ولهذا حسم جل وعلا مادة الشفاعة عن كل أحد بغير إذن الإله وحده، فلا يشفع أحد عنده إلا بإذنه لا ملك ولا نبي ولا غيرهما؛ لأن من شفع عند غيره بغير إذنه فهو شريك له في حصول ذلك المطلوب لتأثيره فيه بشفاعته، ولاسيما إن كانت من غير إذنه، فجعله يفعل ما طلب منه، والله تعالى لا شريك له بوجه من الوجوه، وكل
стр. 284
من أعان غيره على أمر فقد شفعه فيه، والله تعالى وتر لا يشفعه أحد بوجه من الوجوه، ولهذا قال عز من قال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ ١) ٢.وتبدو أهمية هذه المسألة ومدى قيمتها، من خلال ما كتبه الإمام عبد العزيز الأول، حين تحدث عن حال أولئك المستشفعين بالموتى، ثم أشار إلى فائدة مهمة وهي أن الشفاعة ثابتة بالوصف، لا بالشخص.. يقول:
(وما حجتهم علينا إلا أن المدعو يكون شفيعا ووسيلة، ونحن نقول: هؤلاء الداعون الهاتفون بذكره، المعتقدون في الأحياء الغائبين المدعوين، والأموات يطلبون كشف شدتهم، وتفريج كربتهم، وإبراء مريضهم وتكثير رزقهم.. لم يكفهم الاقتصار على مسألة الشفاعة والوسيلة، وهما من أعظم المخاصمة الجارية علينا مما قاتلنا وبدعنا، وجعل اليهود والنصارى أخف شرا منا ومن أتباعنا.
وحقيقة قولنا أن الشفاعة وإن كانت حقا في الآخرة فلها أنواع مذكورة في محلها، ووجب على كل مسلم الإيمان بشفاعته ﷺ بل وغيره من الشفعاء، فهي ثابتة بالوصف لا بالشخص، ماعدا الشفاعة العظمى فإنها لأهل الموقف عامة وليس منها ما يقصدون، فالوصف من مات لا يشرك بالله شيئا كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " لكل نبي دعوة مستجابة وأني خبأت دعوتي شفاعة لأمتي، وهي نائلة منكم إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئا " ٣ ٤) ٥.
ويقرر الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب معتقدهم في مسألة الشفاعة فيقول:
(ونثبت الشفاعة لنبينا محمد ﷺ يوم القيامة حسب ما ورد، وكذا نثبتها لسائر الأنبياء، والملائكة، والأولياء، والأطفال حسب ما ورد أيضا، ونسألها من المالك لها، والآذان فيها لمن يشاء من الموحدين الذين هم أسعد الناس بها كما ورد، بأن يقول أحدنا متضرعا إلى الله تعالى: اللهم شفع نبينا محمداً ﷺ فينا يوم القيامة، أو اللهم شفع فينا عبادك الصالحين، أو ملائكتك، أو نحو ذلك مما يطلب من الله لا منهم. فلا يقال يا رسول الله، أو يا ولي الله، أسألك الشفاعة، أو غيرها، كأدركني، أو أغثني،
стр. 285
أو اشفعني، أو انصرني على عدوي، ونحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى) ١.
ويبين الشيخ حمد بن ناصر بن معمر أن الشفاعة كلها لله وحده، وأنها لا تكون إلا بشرطيها: الإذن للشافع أن يشفع، والرضا عن المشفوع له، فيقول ﵀:
(وبيان أن الشفاعة كلها لله، ليس لأحد فيها شيء، وأنه لا شفاعة إلا بعد إذن الله تعالى، وأنه تعالى لا يأذن إلا لمن رضي قوله وعمله، وأنه لا يرضى إلا التوحيد، ومعلوم أن أعلى الخلق، وأفضلهم، وأكرمهم عند الله الرسل والملائكة المقربون، وهم عبيد محض لا يسبقونه بالقول، ولا يتقدمون بين يديه ولا يفعلون شيئا إلا بعد إذنه لهم وأمره، فيأذن سبحانه لمن يشاء أن يشفع فيه فصارت الشفاعة في الحقيقة إنما هي له تعالى، والذي شفع عنده إنما شفع بإذنه له، وأمره بعد شفاعته سبحانه إلى نفسه، وهي إرادته أن يرحم عبيده) ٢.
ويسوق صاحب كتاب "التوضيح" شرط رضا الله عن المشفوع له، وشرط الإذن للشافع، مما يقضي وجوب التجرد، والتوجه لله وحده، فيقول:
(ومسألة الشفاعة لم ينفها الله سبحانه، لكن أخبر أنها لا تكون ولا تنفع إلا لمن أذن له، فالشفاعة بعد رضائه تعالى عن المشفوع فيه وهذا بخلاف الشفعاء للمخلوقين، فإنهم قد يشفعون لمن لم يؤذن لهم في الشفاعة وقبل استئذان المشفوع إليه، وهذا كقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِه﴾ ٣.
وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَِّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ٤ وقال: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ٥ وقال ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ٦ وهذا يوجب انقطاع تعلق القلوب بغيره، ولو كان نبيا، أو ملكا. فكيف بالمشايخ، والعلماء، والملوك. فإن غاية الراجي لهم المعتقد أن يقول هم يشفعون لي، فقد أخبر سبحانه أنه ما من شفيع إلا من بعد إذنه، وأنكر أن يشفع أحد إلا بإذنه وأخبر أن الشفاعة لا تنفع إلا
стр. 286
لمن أذن له) ١.
ويبين الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب مناسبة إيراد الشيخ محمد بن عبد الوهاب لباب (الشفاعة) ضمن أبواب "كتاب التوحيد"، فيقول:
(لما كان المشركون في قديم الزمان وحديثه، إنما وقعوا في الشرك لتعلقهم بأذيال الشفاعة. كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٢ وكذلك قطع الله أطماع المشركين منها، وأخبر أنه شرك، ونزه نفسه عنه، ونفى أن يكون للخلق من دونه ولي أو شفيع، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ٣ أراد المصنف -الشيخ الإمام- في هذا الباب، إقامة الحجج على أن ذلك هو عين الشرك، وأن الشفاعة التي يظنها من دعا غير الله ليشفع له، كما يشفع الوزير عند الملك منتفية دنيا وأخرى، وأنها لله، هو الذي يأذن للشافع ابتداء، لا يشفع ابتداء كما يظنه أعداء الله) ٤.
ويرد الشيخ سليمان على دعوى الخصوم بأن طلب الشفاعة من الموتى ليست عبادة لهم، لأنه دعاهم للشفاعة فقط، فيقول ﵀:
(فإن قلت: إنما حكم بالشرك على من عبد الشفعاء، أما من دعاهم للشفاعة فقط، فهو لم يعبدهم، فلا يكون ذلك شركا.
قيل: مجرد اتخاذ الشفعاء ملزوم للشرك، والشرك لازم له، كما أن الشرك ملزوم لتنقص الرب ، والتنقص لازم له ضرورة، شاء المشرك أم أبى. وعلى هذا فالسؤال باطل من أصله لا وجود له في الخارج، وإنما هو شيء قدره المشركون في أذهانهم، فإن الدعاء عبادة، بل هو مخ العبادة، فإذا دعاهم للشفاعة، فقد عبدهم، وأشرك في عبادة الله شاء أم أبى) ٥.
ويكشف الشيخ سليمان بن عبد الله عما يتضمنه اتخاذ الشفعاء من دون الله من التنقص لعظمة الإلهية، والهضم لحق الربوبية، وسوء الظن برب العالمين، فيقول:
стр. 287
(إن المتخذ للشفعاء والأنداد، إما أن يظن أن الله سبحانه يحتاج إلى من يدبر أمر العالم معه من وزير أو ظهير، وهذا أعظم التنقص لمن هو غني عن كل ما سواه بذاته، وكل ما سواه فقير إليه بذاته، وإما أن يظن أن الله سبحانه إنما تتم قدرته بقدرة الشفيع، وإما أن يظن أنه لا يعلم حتى يعلمه الشفيع، أو لا يرحم حتى يجعله الشفيع فيرحم، أو لا يجيب دعاء عباده حتى يسألوا الشفيع أن يرفع حاجتهم إليه كما هو حال ملوك الدنيا ... وهذا أصل شرك الخلق، وكله تنقص للربوبية وهضم لحقها، ولهذه الأمور وغيرها أخبر أن ذلك شرك، ونزه نفسه عنه فقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١) ٢.
ويجمل الشيخ سليمان بن عبد الله حقيقة أمر الشفاعة فيقول:
(وحقيقة أمر الشفاعة، أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ليكرمه، وينال المقام المحمود، فهذا هو حقيقة الشفاعة، لا كما يظن المشركون والجهال أن الشفاعة هي كون الشفيع يشفع ابتداء فيمن شاء، فيدخله الجنة، وينجيه من النار. ولهذا يسألونها من الأموات وغيرهم إذا زاروهم..) ٣.
ويتحدث الشيخ عبد الرحمن بن حسن عن امتناع طلب الشفاعة من النبي ﷺ بعد وفاته، فيسوق الأدلة النقلية التي تثبت هذا المنع ثم أورد دليلا عقلياً في منع ذلك فقال:
(وأما دليله من العقل، فالعقل الصريح يقضي، ويحكم بما يوافق النقل بأن النجاة والسعادة والفلاح وأسباب ذلك كله لا تحصل إلا بالتوجه إلى الله تعالى وحده، وإخلاص الدعاء، والالتجاء له؛ لأن الخير كله بيده، وأما المخلوق فليس في يده من هذا شيء كما قال تعالى: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ ٤ فتسوية المخلوق بالخالق خلاف العقل كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ٥ فالذي له الخلق، والأمر، والنعم كلها منه، وكل مخلوق فقير إليه لا يستغني عنه طرفة عين، هو الذي يستحق أن يدعى ويرجى ويرغب إليه ويرهب منه..) ٦.
стр. 288
ويرد الشيخ عبد الرحمن بن حسن على من كذب وادعى فرية الإجماع على طلب الشفاعة من النبي ﷺ بعد موته، فيقول:
(الله أكبر ما أعظمها من فرية على الله، وعلى كتابه وعلى رسوله ﷺ وعلى السلف، وأئمة الدين. فانظر إلى هذه الجرأة العظيمة، جعل ما أجمع عليه الرسل، والكتب، والسلف، والمسلمون من تحريم دعاء غير الله، وتشديد النهي عنه، وعن اتخاذ الشفعاء، جعل ذلك المحرم أشد التحريم مجمعا على جوازه..) ١.
ويوضح الشيخ عبد الرحمن بن حسن شناعة اتخاذ الشفعاء من دون الله، وما يتضمنه من الطامات.. فكان مما قاله:
(ولا ريب أن اتخاذ الشفعاء والتوجه إليهم بالقلب واللسان ينافي إسلام القلب والوجه لله وحده، وقد قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ ٢ أخبر تعالى أن النذارة بالقرآن لا ينتفع بها إلا من تخلى عن الشفعاء في دار العمل، وعلق رغبته، ورهبته وسؤاله وطلبه بمن له الملك كله، وله الحمد كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله..) ٣.
ويقول أيضا: (ولا ريب أن الاستشفاع بالموتى يتضمن أنواعا من العبادة: سؤال غير الله، وإنزال الحوائج به من دون الله، ورجائه، والرغبة إليه، والإقبال عليه بالقلب والوجه والجوارح واللسان.. وهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله) ٤. ويظهر الشيخ عبد الرحمن بن حسن المراد بالاستشفاع بالمصطفى في حياته فيقول:
(وأما الاستشفاع بالرسول ﷺ في حياته فالمراد به استجلاب دعائه، وليس خاصا به ﷺ بل كل حي صالح يرجى أن يستجاب له، فلا بأس أن يطلب منه، وأن يدعو للسائل بالمطالب الخاصة والعامة..) ٥.
ويفرق الشيخ أبو بطين بين أن تطلب من الشافع أن يشفع، وبين أن تطلبه يقضي حوائجك، كما فرق القرآن بينهما ... يقول أبو بطين:
стр. 289
(وقد فرق القرآن بينهما في قول صاحب يس ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ﴾ ١ فالإنقاذ هو بالنصرة والمظاهرة، والشفاعة بالجاه والمكانة) ٢.
وينبه الشيخ أبو بطين على ما يقع اللبس فيه، من إطلاق القول بأن الله ملك المؤمنين الشفاعة، فيقول ﵀:
(إطلاق القول بأن الله ملك المؤمنين الشفاعة، خطأ، بل الشفاعة كلها لله وحده ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ ٣ وأثبت سبحانه الشفاعة بإذنه، وأخبر النبي ﷺ أن الأنبياء يشفعون، والصالحين يشفعون، وعلى هذا فمن أذن الله له في الشفاعة، يصح أن يقال إنه ملك ما أذن له فيه فقط، لا ما لم يؤذن له فيه، فهو تمليك معلق على الإذن والرضا لا تمليك مطلق كما يزعمه هذا الضال٤ وسيد الشفعاء صلوات الله وسلامه عليه لا يشفع حتى يقال له ارفع رأسك، وقل يسمع واشفع تشفع..) ٥.
ويؤكد الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن على هذا التنبيه، ويزيده بيانا ووضوحا بقوله:
(وليس قولهم: إنه أعطي الشفاعة بمعنى ملكها وحازها كسائر العطايا والأملاك التي يعطاها البشر، وأيضا فإن الله يعطي رسله وأولياءه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، أفيقال إن الله أعطاهم ذلك، وملكهم إياه، فيطلب منهم ويرغب إليهم فيه؟ فإن كان ذلك مشروعا وسائغا، فالشفاعة قيدت بقيود لم تقيد بها هذه العطايا والمواهب السنية، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٦ وقد قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ٧ وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ ٨) ٩.
стр. 290
ويقرر الشيخ عبد اللطيف مشابهة من طلب الشفاعة من الأولياء الموتى، بحال النصارى فيقول:
(ولو قال يا ولي الله اشفع لي، فإن نفس السؤال محرم، وطلب الشفاعة منهم يشبه قول النصارى، يا والدة الإلهة اشفعي لنا إلى الإله. وقد أجمع المسلمون أن هذا شرك، وإذا سألهم معتقدا تأثيرهم من دونه فهو أكبر وأطم) ١. ويتحدث الحازمي عن الشفاعة، فيؤكد على شرط الإذن للشافع أن يشفع فيقول:
(وأما الشفاعة فإن الله تعالى يقول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِه﴾ ٢ ورسول الله ﷺ لا يشفع يوم القيامة، حتى يأذن الله به بالشفاعة، ثم إن هؤلاء الذين اعتقدهم الخلق، ونصبوا على قبورهم الأعواد المنقوشة، ووضعوا في محلاتهم الفرش النفيسة، ونحروا عند قبورهم، لا يدرى هل لهم شفاعة أم لا؟ قال الله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ﴾ ٣ وقال تعالى في الملائكة الكرام: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ ٤ ولما قال ﷺ لجبريل ﵇: " ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا فنزلت ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية "٥ أخرجه البخاري، فإذا كان نزول جبريل ﵇ لزيارة خير الأنام لا يكون إلا بأمر ذي الجلال والإكرام، فكيف يطلب منه شيء وبالأولى من ليس بأمين وحي رب العالمين) ٦.
ويذكر الشيخ صالح الشثرى ما وقع فيه المبتدعة من قلب الحقائق فكان مما ذكره:
(فإذا كنا على جنازة ميت، ندعو له لا ندعوا به، ونشفع له لا نستشفع به، فبعد الدفن أولى وأحرى، فبدل أهل الشرك والبدع قولا غير الذي قيل لهم، بدلوا الدعاء له بدعاء نفسه، والشفاعة له بالاستشفاع به..) ٧.
ومما ذكره السهسواني -أثناء رده على دحلان- قوله:
(وجملة القول أن طلب الشفاعة منه ﷺ في حياته ثابت بلا شك، وكذلك طلب الشفاعة منه ﷺ يوم القيامة، وهذا لا ينكره أحد) ٨.
стр. 291
ويقول ﵀: (ثبوت الشفاعة، وحصول الإذن يوم القيامة مسلم لا ينكره أحد من أهل السنة والجماعة، وأما حصول الإذن الآن بالشفاعة التي تكون يوم القيامة فثبوته غير مسلم) ١.
ويشير الشيخ أحمد بن عيسى إلى أن صرف طلب الشفاعة إلى غير الله من الموتى ونحوهم شرك عظيم.. يقول ﵀:
(قد أخبر تعالى أن الشفاعة جميعها له، فمن طلبها من غير الله، فقد طلبها ممن لا يملكها، ولا يسمع ولا يستجيب، وفي غير الوقت الذي تقع فيه، ولا قدرة له عليها إلا برضا ممن هي له، وإذنه فيها وقبوله، فطلبها ممن هي له في دار العمل عبادة من جملة العبادات، وصرف ذلك الطلب لغيره شرك عظيم، ومن تدبر آيات الشفاعة حق التدبر، علم علما يقينيا أنها لا تقع إلا لمن أخلص أعماله كلها لله، واتبع ما جاء به الرسول ﷺ من توحيده وشرائع دينه، فليس لله من عمل عبده إلا الإخلاص) ٢.
ويوضح الشيخ ابن سحمان ﵀ الحكم في الاستشفاع بالنبي ﷺ فيقول أثناء رده على الزهاوي:
(قوله ثم إن الوهابية عدوا الاستشفاع إلى الله تعالى بالنبي ﷺ بعد موته كفرا مع أن الإجماع منعقد على جوازه. فأقول إن كان أراد بالاستشفاع بالنبي ﷺ كأن يقول القائل: اللهم إني أسألك بجاه محمد، أو بحقه، أو حرمته، فهذا القول بدعة محدثة محرمة ولا يكفر الوهابية أحدا بهذا، وإن أراد بالاستشفاع بالنبي بأن يدعوه ويستغيث به كأن يقول رسول الله أغثني، وأدركني، وأنا في حسبك، أو يسأله، أو يطلب منه ما لا يقدرعليه إلا الله، ويتوكل عليه، ويلجأ إليه في جميع. مهماته.. فإن كان أراد هذا فقد ذكر في "الإقناع" من كتب الحنابلة أن من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم كفر إجماعا..
وأما دعوى انعقاد الإجماع على جوازه فدعوى مجردة، اللهم إلا إجماع عباد القبور، وأولئك ليسوا من أهل الإسلام، فضلا عن أن يجمعوا على الأحكام) ٣.
ومما اتفق عليه علماء مكة وعلماء نجد في "البيان المفيد" ما نصه:
("ونعتقد" أن الشفاعة ملك لله وحده ولا تكون إلا لمن أذن الله له ﴿وَلا يَشْفَعُونَ
стр. 292
إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ١
ولا يرضى الله إلا عمن اتبع رسله، فنطلبها من الله مالكها، فنقول: اللهم شفع فينا نبيك مثلا، ولا نقول: يا رسول الله اشفع لنا، فذلك لم يرد به كتاب، ولا سنة، ولا عمل سلف، ولا صدر ممن يوثق به من المسلمين، فنبرأ إلى الله أن نتخذ واسطة تقربنا إلى الله، أو تشفع لنا عنده، فنكون ممن قال الله فيهم وقد أقروا بربوبيته، وأشركوا بعبادته ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٢ ٣.
وقد ساق القصيمي الدلائل على بطلان الاستشفاع بالموتى، نختار منها قوله:
(المستشفعون بالموتى لا بد أن يعتقدوا أنهم قد أعطوا من كمال السمع، والإحاطة بالغيب ما لم يكن لهم، وما لم يكن إلا لله وحده، ولا بد أن يعتقدوا فيهم أيضا أنهم يعلمون الغيوب، ويحيطون علما بالقريب والبعيد.. ولهذا يدعو النبي والولي في الوقت الواحد منهم الداعون الكثيرون المختلفون لغات، ولهجات، وحاجات، ثم لا يشكون أن ذلك النبي، أو الولي يسمع دعاءهم، واستشفاعهم. فإذا كان الاستشفاع بالموتى يلزمه نحلهم هذه الصفات التي لا يمكن أن تعدو رب العالمين، أو نحل بعضها فلا ريب في بطلان هذا الاستشفاع، وفساد عقائد القائلين به) ٤.
ثم يقول القصيمي:
(كما أن الله قد ذكر في كتابه إنكار شفاعات المشركين، ونعى عليهم أنواع استشفاعاتهم، فنفى شفاعاتهم جملة، ونعى عليهم استشفاعهم أيضا جملة، وأخبر أن من جملة ضلال القوم، وفساد عقائدهم، ومن جملة شركهم بالله، واستحقاقهم النقمة والمقت، اتخاذهم الشفعاء إليه، وطلبهم الشفاعة من معبوديهم..) ٥.
ويقول القصيمي أيضا: (ولا يمكن أيضا أن يقال: إن هذا الاستشفاع المنكر على المشركين هو الاستشفاع المقرون باعتقاد صاحبه بأن ذلك المستشفع به المرجو للشفاعة قديم مع الله مساو له في القدرة والسلطان، وذلك لأن المشركين كانوا مقرين بأن الله وحده هو خالق الخلق وخالق العالم وخالق أصنامهم وشفعائهم وما يعبدون ويدعون من دون الله.
стр. 293
ولا يمكن أيضا أن يحمل هذا الاستشفاع الذي يعتقد صاحبه أن من استشفع به يشفع بدون إذن الله، وبدون رضاه، بل يشفع قهرا وقسرا؛ لأن المشركين كانوا مقرين بخضوع أصنامهم وخضوع كل شيء لله لا ينازعون في هذا ولا يمحالون، ولهذا يتخذون أصنامهم شفعاء لديه تعالى، ويقولون إنها تقربهم إلى الله زلفى، ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله، ولا ريب أنه لا بد أن يكون الشافع والمشفوع له خاضعين دائنين لسلطانه وقهره؛ لأنهم لو كانوا يعتقدون أن الأصنام مستقلة عن الله، قادرة على منح الخير، والفلاح، والسعادة من دون الله، وبدون إذنه ورضاه، لما احتاجوا إلى جعلهم شفعاء لديه سبحانه) ١.
فإذا كان الأمر كذلك، فإن هؤلاء المستشفعين بالموتى قد شابهوا المشركين الأولين في اتخاذهم الأصنام شفعاء، ووسائط تقربهم إلى الله زلفى.
ثم يتحدث عما يجره إلاستشفاع بالموتى من المحرمات، فكان مما قاله:
(إن تجويز الاستشفاع بالموتى يلزمه أنواع كثيرة من أنواع المحرمات المحظورة في الدين، وفي العقول، فإن الميت إذا استشفع به، وقصد للشفاعة، فلا بد أن يعكف على قبره، وأن يطاف به، وأن يستلم، ويقصد، ويحج من كل مكان ... ومما يدل على هذا التلازم الواقع والعادة..) ٢.
ويرد القصيمي على دعوى العاملي بأن الله أعطى الصالحين الشفاعة، فلا مانع من سؤالهم ما أعطوا، فكان من ردوده أنه قال:
(قد أعطى الله الملائكة الشفاعة على ما ذكر في الآية، ولا يجوز طلبها منهم، ولا الاستشفاع بهم بالضرورة، بل لقد أعطي الجماد الشفاعة كما قال: إنه أعطاها الحجر الأسود، وأخبر أنه يشفع ويشفع يوم القيامة. وهل يجرأ المخالف الرافضي أن يدعي أنه يجوز طلب الشفاعة من الجماد ومن الحجر الأسود، وأنه يجوز الاستشفاع به؟ بل لقد جاء وصح أن القرآن يشفع، وأن الأطفال يشفعون لآبائهم وأقاربهم. فهل يزعم الرافضي أن الاستشفاع بالقرآن، والقرآن عندهم مخلوق، وبالأطفال جائز مطلوب ودين يتقرب إلى الله به؟) ٣.
ثم أورد جوابا آخر على دعوى العاملي السابقة، يقول القصيمي:
стр. 294
(ثم من ذا الذي قال بأن كل من أعطي شيئا جاز طلبه منه؟ وأي دليل على هذا القول إذا قيل؟ وهل يجوز للناس جميعا أن يسألوا الأغنياء الأموال والأشياء التي أعطاها الله إياها؟ وهل يجوز لكل مسلم أن يسأل كل مخلوق ما أعطاه الله وما ملكه إياه من أنواع الأموال والأعطيات بحجة أن الله أعطاه ذلك، وبحجة أن لا مانع من سؤال الخلق ما أعطوا؛ لأن طلب الحق لا يكون باطلا) ١.
ونختم هذا الفصل بسؤال وجه إلى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، ونص هذا السؤال:
هل الوهابية ينكرون شفاعة الرسول ﵊؟
فأجاب سماحته بما يلي:
(لا يخفى على كل عاقل درس سيرة الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه أنهم براء من هذا القول لأن الإمام- ﵀ قد أثبت في مؤلفاته، لا سيما في كتابيه "التوحيد"، و"كشف الشبهات" شفاعة الرسول ﷺ لأمته يوم القيامة، ومن هنا يعلم أن الشيخ ﵀ وأتباعه لا ينكرون شفاعته ﵊، وشفاعة غيره من الأنبياء والملائكة والمؤمنين، بل يثبتونها كما أثبتها الله، ورسوله، ودرج على ذلك سلفنا الصالح عملا بالأدلة من الكتاب والسنة، وبهذا يتضح أن ما نقل عن الشيخ وأتباعه من إنكار شفاعة النبي ﷺ من أبطل الباطل، ومن الصد عن سبيل الله، والكذب على الدعاة إليه، وإنما أنكر الشيخ ﵀ وأتباعه طلبها من الأموات ونحوهم..) ٢.
يظهر من خلال هذه النقول المتعددة ما كان عليه أئمة هذه الدعوة السلفية من الفهم العميق، والمعتقد الصحيح لمسألة الشفاعة، وطلبها، وشروطها، وما يتعلق بها..، ومن ثم استطاعوا أن يردوا شبهات الخصوم ودعاويهم بأقوى الأدلة وأوجزها.
стр. 295
الباب الثالث: فيما اعترض عليه من قضايا الدعوة مع المناقشة
الفصل الأول: هدم الأبنية على القبور والنهي عن شد الرحال لزيارتها
...
الباب الثالث: فيما اعترض عليه من قضايا الدعوة مع المناقشة
نورد في هذا الباب ما سطره الخصوم من كتابات تتضمن وصف هذه الدعوة السلفية وأنصارها بما هو حق وصدق، ولكنهم ساقوا هذه الجوانب من قضايا الدعوة السلفية في مقام الاعتراض والاستنكار، وليس من أجل الإقرار بها والإنصاف، ولذا فإن هذه الاعتراضات على هذه الدعوة السلفية لا تخلو من كذب وتحامل كما سيظهر جليا في فصول هذا الباب.
وسيكون مسلكنا في هذا الباب هو إيراد اعتراض الخصوم بما فيه من حق وصدق، وما زادوا عليه من إفك وكذب، ثم مناقشة هذا الاعتراض، وسيتضح بالأدلة والبراهين ما كان عليه أئمة الدعوة السلفية من موافقة الحق والصواب في تلك المسائل، كما تكشف حال أولئك الخصوم وما كانوا فيه من ضلال وزيغ وانحراف، أثناء إيرادهم تلك الاعتراضات.
стр. 296
الفصل الأول: هدم الأبنية على القبور والنهي عن شد الرحال لزيارتها
اعترض خصوم الدعوة السلفية على الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه من بعده بأنهم يهدمون الأبنية على القبور، كما يهدمون القباب التي على الأضرحة والمشاهد، ويمنعون تجصيص القبور وكسوتها وتزيينها، ويرون النهي عن شد الرحال لزيارة القبور ... ونحو تلك الأمور.
وبالفعل فقد كان الشيخ ﵀ وأتباعه من بعده يعتقدون تلك الأمور قولا وعملا، ولكن هؤلاء الخصوم ساقوا تلك الأمور من هدم القباب ومنع كسوة القبور وتزيينها والنهي عن شد الرحال لزيارة المشاهد وغيرها، ساقوها في مقام الاعتراض، وأوردوها بقصد التحامل والتشنيع على هذه الدعوة السلفية، ولذا فإنها لا تخلو غالبا من الكذب والافتراء.
ومن أوائل المعترضين في هذا الفصل سليمان بن سحيم، حين ذكر ذلك في رسالته التي بعثها إلى الأمصار فقال:
(فمن بدعه وضلالاته أنه عمد إلى شهداء أصحاب رسول الله ﷺ الكائنين في الجبيلة، زيد بن الخطاب والصحابة، وهدم قبورها وبعثرها؛ لأجل أنهم في حجارة، ولا يقدرون أن يحفروا لهم، فطووا على أضرحتهم قدر ذراع ليمنعوا الرايحة والسباع، والدافن لهم خالد وأصحاب رسول الله ﷺ وعمد أيضا إلى مسجد في ذلك وهدمه..) ١. ويستعظم المحجوب هدم القباب، فيقول- مخاطبا الإمام عبد العزيز الأول-: (وأما ما جنحت إليه من هدم ما يبنى على مشاهد الأولياء من القباب من غير
стр. 297
تفرقة بين العامر، والخراب، فهي الداهية الدهياء، والعظيمة العظمى) ١.
وجعل علوي الحداد في كتابه "مصباح الأنام" فصلا في صحة بناء القباب على الأولياء والعلماء، فضلا عن الأنبياء، ثم عقد فصلا في القبة وندبها، وأنها قربة، حيث طعن الحداد في الوهابيين حين هدموا القباب وأزالوها٢.
ووصف الحداد الوهابيين بأنهم (يهدمون القبب المبنية عليهم- أي على القبور-) ٣.
ويستدل إسماعيل التميمي على جواز اتخاذ القبور مساجد، بما جاء في قصة أصحاب الكهف في قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾ ٤ يقول إسماعيل:
(.. فإن الله تعالى لما حكى بناء المسجد هاهنا، ولم يسقه مساق الذم، ولا تعقبه بإبطال، دل على أن اتخاذ المسجد على الميت لا بأس به) ٥.
وأورد هذا التميمي مبحثا في البناء على القبور، جوز فيه البناء على القبور، مستدلا على ذلك ببعض النقول لبعض المنتسبين للعلم، ومؤولا النصوص الشرعية حسب تجويزه..٦.
ويورد الرافضي "اللكهنوري" معتقد الشيخ الإمام في زيارة قبر المصطفى ﷺ فيقول:
(وأنه يحرم شد الرحال إلى زيارة قبره.. ومستنده إلى حديث رووه قال رسول الله ﷺ " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد " ٧ والاستدلال به على مرادهم غلط ظاهر، فإن مفهوم الحديث كما يظهر على من له أدنى إلمام بالعربية هو أنه لا تشد الرحال من المساجد إلا إلى ثلاثة مساجد، فإن المستثنى منه يجب أن يكون من جنس المستثنى ... وأين من ذلك النهي عن شد الرحال لزيارة قبر النبي ﷺ . ولم يزل المسلمون وعلماؤهم يتعاهدون زيارة قبر النبي ﷺ وما أنكر قط منكر. فقد ثبت
стр. 298
إجماع المسلمين) ١. ثم ينكر مذهب الشيخ الإمام في حكم البناء على القبور، فيقول: (اعلم رحمك الله أن مذهبه في القبور أنه يحرم عمارتها. والبناء حولها، وتعاهدها، والدعاء والصلاة عندها، بل يجب هدمها وطمس آثارها..) ٢.
ويدعي اللكنهوري (أن هذه المشاهد تقلع أصول الشرك والعدوان وتجتاح جراثيم الكفر والطغيان ... ) ٣ ويورد اللكنهوري الأدلة على جواز عمارة القبور، فيقول:
(وثبت ذلك في الكتاب في قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾ ٤ حيث قال المسلمون لما مات أهل الكهف نحن نبني عليهم مسجدا يصلي فيه، فحكى سبحانه مقالة المسلمين من غير رد عليهم ولا إنكار. والعجب من شارح كتاب "التوحيد" لابن عبد الوهاب حيث قال بعد ذكر هذه الآية: هذا دليل على أن الذين غلبوا هم الكفار إذ لو كانوا مؤمنين ما أرادوا أن يتخذوا على قبور الصالحين مسجدا؛ لأن النبي ﷺ لعن فاعل ذلك) ٥.
ويذكر إجماع قومه من الإمامية الرافضة في ذلك، فيقول:
(وأما الإجماع عند أصحابنا الإمامية فهو أيضا متحقق في هذا المقام فإن علماءنا ﵃ من صدر الإسلام إلى هذا العصر لم يزالوا مطبقين على استحسان مشاهد الأئمة وتعظيمها، وتعاهدها، وتجديدها، على ذلك مضت القرون، ونسلت الأزمنة من غير خلاف أحد) ٦.
ويحمل اللكنهوري حديث أبي الهياج٧ (بأنه وارد في قبور الكفار التي لا فائدة في بقائها، ولا حرمة لها عند الله تعالى) ٨.
(وأن المراد بالقبر المشرف هو المرتفع مثل قبور النصارى المرتفعة من
стр. 299
الأرض، وأما إذا كان نفس القبر مسطحا، ولكن بني حوله قبة عالية، فلا يصدق عليه أنه القبر المشرف) ١.
ويدعي اللكنهوري أن (تقبيل القبر بعد الموت كتقبيل اليد في الحياة لوجود الملاك، وهو التعظيم فيهما على السواء) ٢.
ويذكر اللكنهوري أن الوهابيين سنة ١٢٢٣هـ (هدموا القباب، فهدموا قبة سيدتنا خديجة ﵂ ... وهدموا قبة مولد النبي ﷺ ومولد أبي بكر ... ) ٣. ويعقد جعفر النجفي بابا في بناء قبور الأنبياء والأولياء، ويجعل ذلك أمراً مشروعا، بحجة أن في بنائها سببا لزيارة القبور وإدراك فضل الزيارة، وأنه علامة للمزار٤.
ويثبت دحلان مشروعية شد الرحال لزيارة قبر النبي ﷺ فيقول:
(وإذا كانت كل زيارة- أي للقبر- قربة، كان كل سفر إليها قربة، وقد صح خروجه ﷺ لزيارة قبور أصحابه بالبقيع وأحد، فإذا ثبت مشروعية الانتقال لزيارة قبر غيره ﷺ فقبره الشريف أولى وأحرى، والقاعدة المتفق عليها أن وسيلة القربة المتوقفة عليها قربة أي من حيث إيصالها إليها) ٥.
ويرد دحلان على من قال: إن منع شد الرحال من باب المحافظة على التوحيد فيقول: (إن هذا تخيل باطل؛ لأن المؤدي إلى الشرك إنما هو اتخاذ القبور مساجد، أو العكوف عليها، وتصوير الصور فيها..)
ويجيب دحلان عن حديث "لا تشد الرحال.." بقوله:
وأما قوله " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى " ٦ فمعناه أن لا تشد الرحال إلى مسجد لأجل تعظيمه والصلاة
стр. 300
فيه إلا إلى المساجد الثلاثة، فإنها تشد الرحال إليها لتعظيمها والصلاة فيها، وهذا التقدير لا بد منه، ولو لم يكن التقدير هكذا، لاقتضى منع شد الرحال للحج، والهجرة من دار الكفر، ولطلب العلم، وتجارة الدنيا وغير ذلك. ولا يقول بذلك أحد) ١.
وذكر دحلان الأحاديث في وجوب زيارة القبر النبوي، حيث نقلها عن ابن حجر الهيتمي من كتابه "الجوهر المنظم في زيارة قبر النبي المكرم"، يقول دحلان:
" من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني " رواه ابن عدي بسند يحتج به.
" من زار قبري وجبت له شفاعتي " رواه الدارقطني ".
" من حج فزارني في مسجدي بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي ".
" من زارني بعد موتي، فكأنما زارني في حياتي ".
ثم قال: فتلك الأحاديث كلها في تأكيد زيارته ﷺ حيا وميتا، والزيارة شاملة للسفر؛ لأنها تستدعي الانتقال من مكان الزائر إلى مكان المزور، وإذا كانت كل زيارة قربة، كان كل سفر إليها قربة..) ٢.
وخصص السمنودي باباً في الكلام على إثبات مشروعية، التمسح بالقبور، وتقبيلها وكسوتها، وجعل توابيت أو قباب أو عمائم لها، وأعمال المولد للأنبياء، والأولياء. وغير ذلك٣.
وقد تحدث السمنودي عن البناء على القبور، فأشار إلى حديث أبي الهياج "أن لا أدع قبرا مشرفا إلا سويته " قائلا:
(لم يرد تسويته بالأرض، وإنما أراد تسطيحه جمعا بين الأخبار ... كما أن ذلك كان في قبور عظماء المشركين محوا لآثار ما كانت تفعله الجاهلية.. فلا حجة فيه للوهابية، وإلا لكان التسنيم والتسطيح ممنوعين، وقد علمت أنهما مشروعان) ٤.
ولما أجاب علماء المدينة المنورة على استفتاء قدمه الشيخ عبد الله بن بليهد رئيس
стр. 301
القضاة في الحجاز، إليهم حول البناء على القبور..، وكان جوابهم على الاستفتاء في اليوم الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة أربع وأربعين وثلاثمائة وألف (٢٥ رمضان ١٣٤٤هـ) ، ومما جاء في هذا الجواب ما نصه:
(أما البناء على القبور فهو ممنوع إجماعا لصحة الأحاديث الواردة في منعه ولهذا أفتى كثير من العلماء بوجوب هدمه مستندين على ذلك بحديث علي ﵁ أنه قال لأبي الهياج: " ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبراً مشرفا إلا سويته "١ رواه مسلم.
وأما اتخاذ القبور مساجد، والصلاة فيها فهو ممنوع مطلقا، وإيقاد السرج عليها أيضاً لحديث ابن عباس لعن رسول الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج رواه أهل السنن، وأما ما يفعله الجهال عند الضرائح من التمسح بها، والتقرب لهم بالذبح والنذر ودعاء أهلها مع الله فهو حرام ممنوع شرعاً لا يجوز فعله أصلا. وأما التوجه إلى حجرة النبي ﷺ عند الدعاء فالأولى منعه كما هو معروف من معتبرات كتب المذهب؛ ولأن أفضل الجهات جهة القبلة، وأما الطواف بها والتمسح وتقبيلها فهو ممنوع مطلقا) ٢.
فلما كتبوا هذا الجواب قام ناس لذلك، وقعدوا، وضجوا وصالوا وقالوا وحرروا بذلك المقالات والكتب، وقد تولى كبر هذا الضجيج والصياح علماء الرافضة، فكان مما كتبوه، ما ذكره العاملي ردا على الوهابية، يقول العاملي معترضاً عليهم:
(إن بناء القبور، وتجصيصها، وعقد القباب فوقها، وعمل الصندوق والخلعة لها مما حرمه الوهابية. وأوجبوا هدم القبور والقباب التي عليها والبناء الذي حولها، وزعم الوهابيون أن البناء على القبور بدعة حدثت بعد عصر التابعين..) ٣.
ويذكر العاملي بعض أعمال الوهابيين فيقول:
(هدم الوهابية المسجد الذي عند قبر سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ﵁ بأحد، بعدما هدموا القبة التي على القبر. وأزالوا تلك الآثار الجليلة، ومحوا ذلك المسجد العظيم الواسع فلا يرى الزائر لقبر حمزة اليوم إلا أثر قبر على تل من التراب..) ٤.
стр. 302
ويذكر العاملي أيضا عنهم:
(ومنع الوهابية تعظيم القبور، وأصحابها، والتبرك بها من لمس، وتقبيل لها، ولأعتاب مشاهدها، وتمسح بها، وطواف حولها، ونحو ذلك) ١.
ويحكي العاملي عن الوهابيين فيقول:
(ومنعت الوهابية اتخاذ الخدمة، والسدنة لقبور الأنبياء، والأولياء والصلحاء، واتخاذها عيداً) ٢.
(ومنعوا أيضا تزيين المشاهد بالذهب، والفضة، والمعلقات والحلي والكسوة ونحو ذلك) ٣.
ويذكر العاملي حال الوهابيين بالنسبة إلى شد الرحال لزيارة القبر النبوي، فيقول:
(وقد منع الوهابية من شد الرحال إلى زيارة النبي ﵌، فضلا عن غيره، وقد عرفت أن ابن تيمية في مقام تشنيعه على الإمامية قال: إنهم يحجون إلى المشاهد كما يحج الحاج إلى البيت العتيق، وما هو حجهم إلا قصدهم زيارتها فسماه حجا لزيادة التهويل والتشنيع) ٤.
وقد أورد العاملي ما فعله أتباع هذه الدعوة السلفية من هدم القباب والأبنية على القبور في عهد الإمام سعود بن عبد العزيز سنة ١٢١٨هـ٥ كما ذكر هدمهم للقباب كذلك في عهد الملك عبد العزيز سنة ١٣٤٣هـ، فقال عنه:
(لما دخل الوهابيون إلى الطائف هدموا قبة ابن عباس كما فعلوا في المرة الأولى، ولما دخلوا مكة المكرمة هدموا قبة عبد المطلب جد النبي ﷺ وأبي طالب عمه، وخديجة أم المؤمنين، وخربوا مولد النبي ﷺ ومولد فاطمة الزهراء، ولما دخلوا جدة هدموا قبة حواء، وخربوا قبرها، كما خربوا قبور من ذكر أيضا، وهدموا جميع ما بمكة ونواحيها والطائف ونواحيها من القباب، والمزارات، والأمكنة التي يتبرك بها) ٦.
وينادي محمد علي الأوردبادي بالويل والثبور حين يقول:
стр. 303
(طرقت الإسلام تلك الداهية الفادحة، والفاجعة المبرحة، مفرقة الكلمة، ومضعضعة أركان الجامعة، ومشوشة أمر الأمة، ومضيعة الحرمة، ألا وهي فادحة هدم القباب ... ) ١.
ويدعي الأوردبادي أن معنى اتخاذ القبور مساجد هو السجود على القبور فقط لأن المسلمين لم يتخذوا القبور كالمساجد الشرعية٢.
ويتعجب الأوردبادي فيقول:
(ويا للعجب فإن العدوان بهدم القباب الشرعية لم يكن إلا على رسول الله ﷺ في حرمه المدينة المنورة) ٣.
ويقول:
(وهل يستطيع مسلم أن ينكر المقام العظيم في الإسلام لهؤلاء الذين هتكت حرمتهم بهدم القباب التي بناها المسلمون، معاونة لزوارهم على البر، واستدامة لزيارتهم، واستكثاراً من تلاوة القرآن، وذكر الله عند مراقدهم..) ٤) .
ويكتب الرافضي محمد حسين رسالة "في نقض فتاوى الوهابية" جوابا على فتوى علماء المدينة- التي سبق ذكرها-، مؤكداً ومقرراً أن التسوية في حديث أبي الهياج "ولا قبراً مشرفاً إلا سويته" بمعنى عدلته وسطحته، لا بمعنى ساويته وهدمته٥.
ويقول محمد حسين:
(والأخبار ناطقة بمشروعية بنائها، وإشادتها، وأنها من تعظيم شعائر الله، ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) ٦.
ويحتج حسن صدر الدين الكاظمي على ضوء علماء المدينة، بوجود القباب والمشاهد، فوجودها دليل على جواز البناء على القبور، يقول:
(ماذا ينكرون وهذه القباب العالية، والبنايات الشامخة القائمة حول مراقد الأنبياء، والأئمة، والأولياء من الصحابة والتابعين، ومراقد العلماء والصالحين قد حشيت بها
стр. 304
بطون الأقطار والأمصار. بل إن في الآثار القائمة حول قبور الأنبياء السابقين كقبر دانيال، وقبر هود، وصالح، وذي الكفل، ويوشع في بابل، وكقبور الأنبياء المدفونين عند البيت المقدس، بل في بناء الحجر على قبر إسماعيل، وأمه هاجر لأكبر دليل على اهتمام الأمم السالفة في تعظيم مراقد أنبيائهم، وليس بأقل من اهتمام المسلمين في تعظيم مرقد نبيهم، ومراقد أوليائهم) ١.
وينتقد الطباطبائي الوهابيين ويمدح قومه الإمامية فيقول:
(قالت الوهابية: لا يجوز بناء القبور وتشييدها.
وقالت الإمامية: يجوز بناء القبور للأنبياء والأولياء، وتشييدها وحفظها) ٢ ويستدل الطباطبائي على ذلك بأن البناء على القبور من باب تعظيم شعائر الله؛ لأن المشاهد المتضمنة لأجساد النبيين، وأئمة المسلمين من معالم الدين الواجب حفظها، وصونها عن الاندراس. والمشاهد من البيوت التي أذن الله أن ترفع، ويذكر فيها اسمه، فإن المراد من البيت هو بيت الطاعة، وكل محل أعد للعبادة، فيعم المساجد، والمشاهد لكونها من المعابد) ٣. ويشنع الطبطبائي على الوهابيين، فيقول عنهم:
(واجتراؤهم على الله ورسوله بهدم القباب الطاهرة لأئمة البقيع الذين أذهب الله عنهم الرجس، وطهرهم تطهيراً. وأن ذلك منهم إنكار لمودة ذي القربى التي هي من الضروريات الثابتة بالكتاب والسنة) ٤. ويطعن حسن خزبك في الشيخ الإمام فيقول:
(وكذا تنقيصه الرسل، والأنبياء، والأولياء، وهدم قببهم، بل ونبش قبورهم) ٥.
ويورد محمد الطاهر يوسف دليلا لهم على شد الرحال لزيارة القبور، فيقول:
стр. 305
(نحن نستدل على شد الرحال على سبيل الوجوب، أو الندب لأماكن دون المساجد الثلاثة بشد الرحال للتجارة الشرعية، وطلب العلم الشرعي، والمقابر، وللإخوان المؤمنين أحياء وأمواتا، ولا سيما قبر نبينا ﷺ . وجميع الأنبياء والرسل والصحابة والأولياء والصالحين والشهداء..) ١.
لقد اهتم علماء الدعوة- كعادتهم- بمسألة البناء على القبور ولعلنا في هذه الأوراق المعدودة نكشف جانبا من هذا الاهتمام والحرص. ولا غرو في هذا، فإن البناء على القبور، وتشييدها، وشد الرحال إليها قد اشتمل- قديما وحديثا- على الكثير من البدع والمنكرات، عدا ما يترتب، وترتب عليه من إحياء الوثنية، وإعادة مظاهر الشرك المتنوعة، وأن التاريخ والواقع أكبر برهان على ذلك والله المستعان.
وقبل أن نورد بعضا من أجوبة أئمة الدعوة وأنصارها، ومناقشتهم على هذا الاعتراض، نرى مناسبة أن يسبق ذلك شيئا مما كتبه الشيخ حسين بن مهدي النعمي ردا على من زعم أن هدم القباب والمشاهد أذية لأولياء الله، يقول ﵀:
(وليت شعرى، كيف يكون أمرهم إذا لم يرعهم إلا نزول الإمام الأطهر صاحب السبق الأشهر، علي ﵁ ونضر، بساحتهم يقول: " بعثني رسول الله ﷺ أن لا أدع قبراً مشرفا إلا سويته، ولا تمثالا إلا طمسته "٢.
فعلى الذي يشاهد من حالهم، كأن لهم وقد ثاروا ذلك المثار، وأخذوا لتلك المعاقل بالثار، وأرجعوا عليا القهقرى، وتركوه زاحفا على الوراء وقالوا: أذية لأولياء الله ...
ثم كيف الخطب لديهم في هذه الأبنية على الأموات المعدة للتلاوة، والصلوات المشتملة على المحاريب، والفرش، والسرج وسائر الآلات إذا أتاهم في شأنها رسول صاحب الوحي المنزل، والهدي السوي الأعدل، يقول: بعثني لإزالة ما قد تقدم إليكم بالنهي عنه من اتخاذ القبور مساجد.
وهذا كله بالنظر إلى نفس البناء على القبر، لا إلى ما ترتب عليه من الوثنية والشرك، وعلى إحياء هذه المشاهد من كلم الإسلام وفقء عين شريعة المختار ﵊، وما يقع في الزيارات من أنواع الشرك بدعاء المقبورين، والطواف بتلك الأنصاب، والعكوف عندها، والنذر والتقرب لها بأنواع القربات. وما ترتب على ذلك من المفاسد، والمنكرات كترك الصلاة المكتوبة، وما يقولون من أقاويلهم المفتراة المكذوبة، قد حملوا الولي أو حملها عنهم، واختلاط الرجال بالنساء وأرباب الملاهي،
стр. 306
واتخاذ الزينات والمجاهرات بالبدع والمعاصي ... ) ١.
ثم تحدث النعمي عن المفاسد والمنكرات التي تحدث بسبب البناء على القبور من أنواع المفاسد الوثنية، كما صارت هذه الأبنية معتكف كل طامة، ومناخ فجور أهل الفسوق والعقوق من العامة٢.
ويرد النعمي على هؤلاء المبتدعة قولهم: (من المعلوم أن ﷺ له قبة، وأولياء المدينة وأولياء سائر البلدان وأنها تزار كل وقت..) .
أقول: (الأمر كذلك، فكان ماذا؟ بعد أن حذر ﷺ وأنذر، وبرأ جانبه المقدس الأطهر ﷺ فصنعتم عين ما نهى عنه..، أفلا كان هذا كافيا لكم عن أن تجعلوا أيضا مخالفتكم عن أمره حجة عليه، وتقدما بين يديه. فهل أشار بشيء من هذا أو رضيه، أو لم ينه عنه؟) ٣.
ويقول النعمي حاكيا حال عباد القبور: (تأمل دين عباد القبور اليوم، خصوصا الغالين منهم فيها، إذا مسهم الضر أنابوا إليها، ويروون قاتلهم الله أنى يؤفكون إذا دهمتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور، ثم يذوقون الرحمة من الله مع كفرهم هذا. فيقولون كرامة الشيخ وبرهانه، وإذا خفق سعيهم يقولون هو غائب أو ساخط) ٤.
وأما ما أورده الخصوم من الاعتراض على هدم الشيخ للقباب، والأبنية التي على القبور، والنهي عن شد الرحال لزيارة القبور، فنجد أن الشيخ حسين بن غنام- ﵀ من أوائل من بين ووضح صواب هذا الاعتراض، فقد بين ذلك في جوابه على رسالة ابن سحيم، مع رده على ما زاد ابن سحيم من الكذب والبهتان، يقول ﵀:
(فهذا الكلام ذكر فيه ما هو حق وصدق، وذكر فيه ما هو كذب وزور وبهتان، فالذي جرى من الشيخ ﵀ وأتباعه أنه هدم البناء الذي على القبور، والمسجد المجعول في المقبرة على القبر الذي يزعمون أنه قبر زيد بن الخطاب رضي الله
стр. 307
عنه، وذلك كذب ظاهر، فإن قبر زيد ﵁ ومن معه من الشهداء لا يعرف أين موضعه بل المعروف أن الشهداء من أصحاب رسول الله ﷺ قتلوا في أيام مسيلمة في هذا الوادي، ولا يعرف أين موضع قبورهم من قبور غيرهم، ولا يعرف قبر زيد من قبر غيره، وإنما كذب ذلك بعض الشياطين وقال للناس: هذا قبر زيد، فافتتنوا به، وصاروا يأتون إليه من جميع البلاد بالزيارة، ويجتمع عنده جمع كثير ويسألونه قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، فلأجل ذلك هدم الشيخ ذلك البناء الذي على قبره، وذلك المسجد المبني على المقبرة اتباعا لما أمر الله به ورسوله من تسوية القبور، والنهي الغليظ الشديد في بناء المساجد عليها، كما يعرف ذلك من له أدنى ملكة من المعرفة والعلم.
وقوله١ "وبعثرها لأجل أنهم في حجارة ولا يقدرون أن يحفروا لهم فطووا على أضرحتهم قدر ذراع، ليمنعوا الرائحة والسباع. فكل هذا كذب وزور وتشنيع على الشيخ عند الناس بالباطل والفجور، وكلامه هذا تكذبه المشاهدة، فإن الموضع الذي فيه تلك القبور موضع سهل لين الحفر، وأهل العيينة والجبيلة وغيرهما من بلدان العارض يدفنون موتاهم في تلك المقبرة، وهي أرض سهلة لا حجارة فيها) ٢.
وذكر ابن غنام ما فعله الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ مع عثمان بن معمر أمير العيينة- في بادئ دعوته- من هدم القباب وأبنية القبور، يقول:
(فخرج الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومعه عثمان بن معمر وكثير من جماعتهم، إلى الأماكن التي فيها الأشجار التي يعظمها عامة الناس والقباب وأبنية القبور، فقطعوا الأشجار، وهدموا المشاهد والقبور، وعدلوها على السنة، وكان الشيخ هو الذي هدم قبة قبر زيد بن الخطاب بيده، وكذلك قطع شجرة الذيب مع بعض أصحابه، وقطع شجرة قريوة: ثنيان بن سعود ومشاري بن سعود، وأحمد بن سويلم، وجماعة سواهم) ٣.
ويؤكد ابن غنام أن ما فعله الشيخ الإمام هو عين الحق والصواب الذي عليه أهل العلم من كل المذاهب ... يقول ﵀:
(ولقد كان العلماء ﵃ من قديم الزمان ينكرون هذا الذي حدث في هذه الأمة، من تعظيم القبور، وبنائها، وبناء المشاهد عليها، ودعائها، وسؤال أهلها قضاء الحاجات، وتفريج الكربات. وقد بينوا للناس أن هذا خلاف دين الإسلام.
стр. 308
فليس هذا الذي بينه للناس الشيخ محمد بن عبد الوهاب- ﵀ في النهي عن دعوة أهل القبور والتبرك بالأشجار والأحجار، فهمه من تلقاء نفسه دون أن يفهمه أحد من علماء هذه الأمة. بل إن العلماء كلهم من جميع المذاهب مطبقون على النهي عنه، والإنكار، والتغليظ على من فعله من الجهال وهم مجمعون على وجوب تغيير ما قدروا عليه من ذلك) ١.
ويبين الإمام عبد العزيز الأول معنى حديث "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد" فيقول:
(وهو حديث ثابت باتفاق أهل العلم يتلقى بالقبول عنهم، وهو إن كان معناه لا تشدوا الرحال إلى مسجد من المساجد إلا إلى الثلاثة التي قد ذكرت، فالسفر إلى هذه المساجد الثلاثة إنما هو للصلاة، والدعاء، والذكر، وقراءة القرآن، والاعتكاف الذي هو من الأعمال الصالحة، وما سوى هذه المساجد لا يشرع السفر إليه باتفاق أهل العلم، حتى مسجد قباء يستحب قصده من المكان القريب كالمدينة، ولا يشرع شد الرحال إليه من بعيد، ولذلك كان النبي ﷺ يأتي إليه كل سبت ماشيا وراكبا، وكان ابن عمر يفعله كما في الصحيح.
وإذا كان السفر المشروع لقصد مسجد النبي ﷺ للصلاة فيه، ودخلت زيارة القبر تبعا؛ لأنها غير مقصودة استقلالا، فحينئذ فالزيارة مشروعة مجمع على استحبابها بشرط عدم فعل محذور عند القبر.
واتخاذ قبور الأنبياء، والأولياء مساجد هو الموقع لكثير من الأمم إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك، فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم كود وسواع ويغوث، وتماثيل طلاسم الكواكب، ونحو ذلك) ٢.
ويذكر الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ما فعلوه أثناء دخولهم مكة المكرمة سنة ثمان وعشر ومائتين وألف من الهجرة (١٢١٨هـ) ، فكان مما قاله:
(فبعد ذلك أزلنا جميع ما كان يعبد بالتعظيم والاعتقاد فيه، ورجاء النفع، ودفع
стр. 309
الضر بسببه من جميع البناء على القبور وغيرها، حتى لم يبق في البقعة المطهرة طاغوت يعبد، فالحمد لله على ذلك) ١.
ويعلل الشيخ عبد الله الدافع لهذا الهدم فيقول:
(وإنما هدمنا بيت السيدة خديجة، وقبة المولد، وبعض الزوايا المنسوبة لبعض الأولياء حسما لذرائع الشرك، وتنفيرا من الإشراك بالله ما أمكن لعظم شأنه فإنه لا يغفر) ٢.
ويشير الشيخ عبد الله إلى أن بناء القباب على القبور من علامات الكفر فيقول: (أما بناء القباب على القبور فهو من علامات الكفر، وشعائره؛ لأن الله أرسل محمدا ﷺ بهدم الأوثان، ولو كانت على قبر رجل صالح؛ لأن اللات رجل صالح، فلما مات عكفوا على قبره، وبنوا عليه بنية وعظموها، فلما أسلم أهل الطائف، وطلبوا منه أن يترك هدم اللات شهرا، لئلا يروعوا نساءهم وصبيانهم حتى يدخلوهم الدين فأبى ذلك عليهم وأرسل معهم المغيرة بن شعبة وأبا سفيان بن حرب، وأمرهما بهدمها) ٣.
ولما سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: هل يجوز البناء على القبور؟، كان مما أجاب به ﵀:
(ثبت في الصحيحين والسنن عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن البناء على القبور وأمر بهدمها، كما رواه مسلم في صحيحه عن أبي الهياج الأسدي قال: قال علي: " ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته "٤
كما أخرج مسلم عن جابر ﵁ قال: " نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر وأن يبنى عليه وأن يكتب عليه. .. "٥) ٦.
وذكر الشيخ حمد أحاديث أخرى، ثم أورد أقوال العلماء في ذلك، ثم قال:
(ومن جمع بين سنة رسول الله ﷺ في القبور، وما أمر به وما نهى عنه، وما كان عليه أصحابه، وبين ما أنتم عليه من فعلكم مع قبر أبي طالب، والمحجوب وغيرهما، وجد أحدهما مضاداً للآخر مناقضاً له، بحيث لا يجتمعان أبداً، فنهى رسول
стр. 310
الله ﷺ عن البناء على القبور.. وأنتم تبنون عليها القباب العظيمة، والذي رأيته في المعلاة أكثر من عشرين قبة، ونهى رسول الله ﷺ أن يزاد عليها غير ترابها، وأنتم تزيدون عليها غير التراب، التابوت الذي عليه، ولباس الجوخ، ومن فوق ذلك القبة العظيمة المبنية بالأحجار والجص) ١. ويبين صاحب "التوضيح" بعضا مما يجب تجاه القبور فيقول:
(وأما تعظيم القبور بمعنى احترامها، فإن كانت للمسلمين فواجب لا يجوز تبول، ولا تغوط، ولا جلوس ووطوء عليها لما في صحيح مسلم عن أبي مرثد الغنوي أن النبي ﷺ قال: " لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها " ٢ وفيه أيضا أن النبي ﷺ رأى رجلا قد اتكأ على قبر فقال: " لا تؤذوا صاحب القبر " وفيه أيضا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ " لئن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه، فتخلص إلى جلده، خير له من أن يجلس على قبر مسلم " ٣.
وأما تعظيمها بمعنى عبادتها فهو أكبر الكبائر عند الخاص والعام، وأصل فتنة عباد الأصنام كما قاله السلف من الصحابة، والتابعين والأئمة المجتهدين) ٤.
ثم ذكر صاحب "التوضيح" الأحاديث في النهي عن اتخاذ القبور مساجد منها حديث عائشة وابن عباس قالا: لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة كانت على وجهه، فإذا اغتّم كشفها، فقال وهو كذلك: " لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر أمته ما صنعوا " ٥ متفق عليه ثم يقول صاحب "التوضيح"- بعد هذه الأحاديث- مشيراً إلى حال عباد القبور:
(وهذا حال من سجد لله عند قبر، فكيف بمن يسجد للقبر نفسه، أو دعاه، وعدل عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع الجهال والطغام وضعوها لأنفسهم بتلبيس إبليس عليهم، فسهلت لهم، وطابت بها قلوبهم من تعظيم القبور، وإكرامها، والتوكل عليها، والنذر لها، وكتب الرقاع فيها، وخطاب الموتى بالحوائج يا سيدي يا مولاي افعل بي كذا وكذا، وأخذ تربتها، والخرق التي عليها تبركا، وإيقاد السرج عليها، وتقبيلها، وتخليقها وشد الرحال إليها) ٦.
стр. 311
وأورد صاحب "التوضيح" الكثير مما يحدث عند القبور من الشركيات والبدع والمحدثات١.
ثم يبين صاحب "التوضيح" الزيارة الشرعية لقبر نبينا ﷺ فيقول:
(فأما المشروع من زيارة قبر نبينا محمد ﷺ فهو ما قاله الإمام مالك وأحمد بن حنبل والشافعي وأبو حنيفة وغيرهم من المجتهدين كلهم قالوا: إن من كان حاضراً في المدينة، فيشرع في حقه أن يأتي إلى القبر، فيصلي، ويسلم على النبي ﷺ وعلى صاحبيه رضوان الله عليهما. قالوا: ولا يكثر من المجيء عليه، ولا يكرره في اليوم مرات احتراما له، ولأنه لم يفعله الصحابة ولا التابعون، وأن من قدم من سفر، أو خرج إليه فيقف على قبر النبي ﷺ فيصلي، ويسلم عليه، وعلى صاحبيه بعد أن يصلي لله في المسجد ركعتين) ٢.
ثم يتبعه ببيان الزيارة البدعية للقبر النبوي فيقول:
(وأما غير المشروع فهو قصده للدعاء واتخاذه عيداً بالاجتماع عنده، والسفر إليه، لما في "الصحيحين" وغيرهما من المسانيد والسنن أنه ﷺ نهى أن يتخذ فبره مسجداً وقال: " اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ٣ بعد قوله: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد " ٤ فإنه ﷺ لم ينه عن الصلاة عند القبور واتخاذها مساجد استهانة بأهلها، بل لما يخاف على القاصدين لها من الفتنة بدعائها، أو الدعاء عندها) ٥.
ويبين صاحب "التوضيح" بطلان ما استدلوا به من أحاديث في مشروعية شد الرحال لزيارة قبر المصطفى ﷺ وسائر القبور٦ فيذكر أوجه البطلان فيها:
أحدهما: أن هذه الأحاديث كلها مكذوبة موضوعة باتفاق غالب أهل العلم، ولم يجعلها في درجة الضعيف إلا القليل.
الثاني: أنه لم يثبت عن النبي ﷺ حديث واحد في زيارة قبر مخصوص، ولا روي في ذلك شيء لأهل الصحيح، ولا السنن، ولا الأئمة المصنفين في المسانيد كالإمام أحمد وغيره.
стр. 312
الثالث: نهيه ﷺ عن اتخاذ قبره عيدا كما ثبت عنه من غير وجه رواه أبو داود من حديث أبي هريرة، ورواه سعيد بن منصور في سننه من حديث أبي سعيد المهري وغيرهما.
فكيف يقول لا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم ثم يقول: من حج ولم يزرني فقد جفاني، أو يقول من زار قبري وجبت له شفاعتي، ونحوها من المختلقات، وكيف يسأل ربه أن لا يجعل قبره وثنا يعبد ثم يأمر بشد الرحال إليه، وأنه للدعاء عنده يقصد.
الرابع: أن متأخري الفقهاء القائلين بزيارة القبور من الشافعية، وغيرهم حتى ابن حجر الهيتمي صرح في الإمداد الذي شرح به الإرشاد، كلهم قالوا ينوي الزائر مع زيارته التقرب بالسفر إلى مسجده ﷺ وشد الرحل إليه، والصلاة فيه لتكون زيارة القبور تابعة له..) ١.
ويتحدث الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب عن حال عباد القبور فيقول: (فإن عباد القبور لا يقتصرون على بعض من يعتقدون فيه الضر والنفع، بل كل من ظنوا فيه ذلك بالغوا في مدحه، وأنزلوه منزلة الربوبية، وصرفوا له خالص العبودية، حتى أنهم إذا جاءهم رجل وادعى أنه رأى رؤيا مضمونها أنه دفن في المحل الفلاني رجل صالح، بادروا إلى المحل وبنوا عليه قبة وزخرفوها بأنواع الزخارف، وعبدوها بأنواع من العبادة، وأما القبور المعروفة أو المتوهمة فأفعالهم معها، وعندها لا يمكن حصره. فكثير منهم إذا رأوا القباب التي يقصدونها، كشفوا الرءوس، فنزلوا عن الأكوار، فإذا أتوها طافوا بها، واستلموا أركانها، وتمسحوا بها، وصلوا عندها ركعتين) ٢. ويجيب الشيخ عبد الرحمن بن حسن على من سأله عن حكم شد الرحال إلى المكانات المشرفة للأنبياء والأولياء، فيقول:
(فالجواب لا ريب أن هذا مما نهى عنه رسول الله ﷺ بقوله: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد" ٣ فإذا كان تبركا للمحل المزور فهو من الشرك؛ لأنهم قصدوا بذلك تعظيم المزور كقصد النبي ﷺ أو الولي لتعود بركته بزعمهم. وهذه حال عباد الأصنام سواء كما فعله المشركون باللات، والعزى ومناة، فإنهم يقصدونها لحصول
стр. 313
البركة بزيارتهم لها، وإتيانهم إليها..) ١.
ويوجز الشيخ عبد الرحمن بن حسن الجواب في مسألة شد الرحال إلى قبر النبي ﷺ فقال:
(إن بعض العلماء قد قال يجوز السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين، وهذا القول لصاحب "المغني"، وبعض المتأخرين من الحنابلة والشافعية، وهؤلاء يحتجون بقوله "فزوروها" وأما ما يحتج به بعض من لا يعرف الحديث من قوله "من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي" فهذا الحديث لا تقوم به حجة عند من له معرفة بعلل الحديث.
ويقول ابن تيمية ﵀: والصحيح ما ذهب إليه المتقدمون كأبي عبد الله بن بطة، وأبي الوفاء بن عقيل، وطوائف من المتقدمين من أن هذا السفر منهي عنه لا تقصر فيه الصلاة، وهو قول مالك والشافعي وأحمد، وحجتهم ما في "الصحيحين" عن النبي ﷺ أنه قال: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد " ٢ وهذا الحديث اتفق الأئمة على صحته والعمل به في الجملة. فلو نذر الرجل أن يصلي في مسجد، أو مشهد، أو يعتكف فيه أو يسافر إليه غير هذه الثلاثة، لم يجب عليه ذلك باتفاق العلماء ولو نذر أن يأتي مسجد النبي ﷺ أو المسجد الأقصى لصلاة أو اعتكاف وجب عليه الوفاء بهذا النذر عند مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى، كما نص عليه شيخ الإسلام..) ٣.
ويعلق الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن على ما يردده عباد القبور من قول: الدعاء عند قبر فلان ترياق مجرب، فيقول ﵀:
(وهذه العبارة وهي قولهم الدعاء عند قبر فلان ترياق مجرب، قد تنازعها عباد القبور والمتبركون بها، فمنهم من يدعي ذلك لقبر أبي حنيفة ومنهم من يدعيه لقبر معروف الكرخي، وعبّاد عبد القادر وأحمد البدوي والحسين عندهم ما هو أعظم من ذلك وأطم، وبعضهم يفضل الدعاء عندها على الدعاء في المساجد التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وبهذا وأمثاله عمرت المشاهد، وعطلت المساجد وبنيت القباب، وأرخيت الستور على التبوابيت بمضاهاتها لبيت الله ... ) ٤.
стр. 314
ولقد أفاض الشيخ عبد اللطيف في الحديث عن حال بلاد المسلمين قبيل ظهور دعوة الشيخ الإمام، وما كانت عليه تلك البلاد من الفتنة بالقبور، والغلو في المشاهد، وما عم فيها وطمّ من مظاهر الوثنية.. فكان مما قاله ﵀:
(وفي بندر جدة، ما قد بلغ من الضلال حده، وهو القبر الذي يزعمون أنه قبر حواء، وصنعه لهم بعض الشياطين، وأكثروا في شأنه الإفك المبين، وجعلوا له السدنة والخدام، وبالغوا في مخالفة ما جاء به محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، من النهي عن تعظيم القبور، والفتنة بمن فيها من الصالحين والكرام، وكذلك مشهد العلوي بالغوا في تعظيمه، وتوقيره، وخوفه، ورجائه.
وكذلك الموصل، وبلاد الأكراد ظهر فيها من أصناف الشرك والفجور والفساد ... فعندهم المشهد الحسيني قد اتخذه الرافضة وثنا بل ربا مدبراً، وخالقا ميسرا، وأعادوا به المجوسية وأحيوا به معاهد اللات والعزى، وما كان عليه أهل الجاهلية الأولى، وكذلك مشهد العباس، ومشهد علي، ومشهد أبى حنيفة، ومعروف الكرخي والشيخ عبد القادر فإنهم قد افتتنوا بهذه المشاهد رافضتهم وسنتهم.
والرافضة يصلون لتلك المشاهد، ويركعون ويسجدون لمن في تلك المعاهد، وقد صرفوا من الأموال والنذور لسكان تلك الأجداث والقبور ما لا يصرف عشر معشاره للملك العلي القدير..) ١.
وهذه البدع والشركيات قد أنكرها أهل العلم، وليس إنكار الشيخ الإمام بدعا في هذا الأمر.. يقول الشيخ عبد اللطيف مبينا ذلك:
(وهذه الحوادث المذكورة والكفريات المشهورة والبدع المزبورة قد أنكرها أهل العلم والإيمان، واشتد نكيرهم، حتى حكموا على فاعلها بخلع ربقة الإسلام والإيمان، ولكن لما كان الغلبة للجهال والطغام انتقض عرى الدين وانثلمت أركانه.
فليس إنكار الحوادث من خصائص هذا الشيخ، بل له سلف صالح من أئمة العلم والهدى، قاموا بالنكير والرد على من ضل وغوى، وصرف خالص العبادة إلى من تحت أطباق الثرى..) ٢.
ومن المناسب أن ننقل ما سطره المؤرخ الشهير ابن بشر ﵀ عن بعض
стр. 315
الأعمال التي قام بها الإمام سعود بن عبد العزيز في هذا المقام.
(ففي حوادث سنة ١٢١٦هـ حين توجه سعود بالجيوش إلى كربلاء، فهدم القبة الموضوعة على قبر الحسين) ١. (وفي حوادث سنة ١٢١٧هـ حين دخل سعود مكة، وطاف وسعى، فرّق جيوشه يهدمون القباب التي بنيت على القبور والمشاهد الشركية، وكان في مكة هن هذا النوع شيء كثير في أسفلها، وأعلاها، ووسطها، وبيوتها) . ثم يقول ابن بشر:
(فأقام فيها أكثر من عشرين يوما، ولبث المسلمون في تلك القباب بضعة عشر يوما يهدمون، يباكرون إلى هدمها كل يوم، وللواحد الأحد يتقربون، حتى لم يبق في مكة شيء من تلك المشاهد، والقباب إلا أعدموها، وجعلوها ترابا) ٢. ويصف الشيخ الشثري شد الرحال إلى المشاهد بأنه من محدثات الأمور.. فيقول:
(قد علم بالضرورة من دين الإسلام أن شد الرحال إلى المشاهد، وإلى قبور الأنبياء، والصالحين، لأجل تعظيمهم ليس من عمل المصطفى، ولا من عمل الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان، بل هو مبتدع محدث مردود على صاحبه بحديث رسول الله ﷺ " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " ٣) ٤.
ويفند السهسواني دعاوى دحلان، ويكشف الصواب في هذا المقام فيقول ﵀:
(قوله- أي دحلان-: والزيارة شاملة للسفر؛ لأنها تستدعي الانتقال من مكان الزائر إلى مكان المزور كلفظ المجيء الذي نصت عليه الآية الكريمة) ٥.
أقول: هب أن الزيارة مطلقة شاملة للسفر، ولكن قوله ﷺ " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى " ٦ مقيد لذلك
стр. 316
الإطلاق، على أن لفظ الزيارة مجمل كالصلاة والزكاة والربا. فإن كل زيارة قبر ليست قربة بالإجماع للقطع بأن الزيارة الشركية والبدعية غير جائزة، فلما زار النبي ﷺ القبور وقع ذلك الفعل بيانا لمجمل الزيارة، ولا يثبت السفر من فعله ﷺ مع أن الخروج إلى مطلق المسجد أيضا شامل للسفر وهو قربة..، فيكون السفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة أيضا قربة، والخصم أيضا لا يقول به، وكذلك الصلاة والذكر شاملان لجميع الصلوات المبتدعة والأذكار المبتدعة، فلو سوغ الاستدلال بمثل تلك الإطلاقات، للزم جواز تلك الصلوات المبتدعة والأذكار المحدثة) ١.
ثم يرد السهسواني قول دحلان: (وقد صح خروجه ﷺ لزيارة قبور أصحابه بالبقيع، وبأحد، فإذا ثبت مشروعية الانتقال لزيارة قبر غير قبره ﷺ فقبره الشريف أولى) . فيقول السهسواني مجيبا:
(أقول: الثابت بالحديث المذكور إنما هو مشروعية الانتقال الذي هو دون السفر للزيارة، ولم ينكر أحد، والانتقال الذي تنكر مشروعيته هو السفر، وهو ليس بثابت) ٢.
ثم يبطل السهسواني قاعدة دحلان: أن وسيلة القربة المتوقف عليها قربة.. لكي يجوز دحلان من خلالها شد الرحال لزيارة القبور ... فأبطلها السهسواني من عدة أوجه، نذكر منها ما يلي:
الأول: أن هذه القاعدة في أي كتاب من كتب الأصول والفقه؟ وما الدليل عليها من الكتاب والسنة؟ ولا بد من نقل الإجماع عليها.
الثاني: أن هذه القاعدة منقوضة بأن إتيان مسجد قباء والصلاة فيه ركعتين قربة. لما روى الشيخان عن ابن عمر ﵄ قال: كان النبي ﷺ يأتي مسجد قباء كل سبت ماشيا وراكبا ويصلي فيه ركعتين. مع أن السفر إلى قباء ليس بقربة، فإنه سفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال.
الثالث: أنا لا نسلم أن مطلق زيارة قبر النبي ﷺ بل القربة هي الزيارة التي لا يقع فيها شد رحل بدليل حديث "لا تشد الرحال ... ".
الرابع: أنه لو سلم كون مطلق زيارة قبر النبي ﷺ قربة، فلا نسلم كونها متوقفة
стр. 317
على السفر للزيارة، لجواز أن يسافر لزيارة المسجد النبوي، أو أمر آخر من التجارة وغيرها.
الخامس: أنه لو سلمت هذه القاعدة فهي إنما هي وسيلة لم ينه الشرع عنها، والسفر للزيارة قد نهى الشارع عنه بدليل "لا تشد الرحال..") ١.
ويذكر الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ﵏، جانبا من معتقدهم في مسألة البناء على القبور فيقول:
(فنحن نذكر الغلو في أهل القبور والإطراء والتعظيم، ونهدم البنايات التي على قبور الأموات لما فيها من الغلو والتعظيم الذي هو أعظم وسائل الشرك بالله..) ٢.
ويرد مسعود الندوي على فرية كاذبة.. فيقول:
(ومما افتراه الأعداء من التهم المكذوبة أن سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود كان هدم القبة المبنية على القبر النبوي. والغريب أن المؤرخين الأوربيين يتلذذون بذكر هذه الأسطورة الكاذبة) ٣.
ومما كتبه ابن سحمان في الرد على الحداد، ما قاله ﵀:
(لم يعهد في زمن من الأزمنة، إطباق جميع الناس خاصتهم وعامتهم على جواز البناء على القبور، واتخاذها مساجد، وإسراجها، وخدمتها وسدانتها والعكوف عندها، بل كان أهل العلم بالله وبدينه في كل زمان ومكان ينهون عن البناء عليها، وعن إسراجها، والعكوف عندها، وعن شد الرحال إليها للزيارة) ٤.
ويقول: (وأما هدم القباب فنعم، فإن الشيخ فعل ذلك، وقد اتبع في ذلك أئمة الإسلام من سادات الحنابلة وغيرهم من العلماء، فبناء القبور إنما أحدثه الرافضة، فهم سلف الحداد وأشباهه من عباد القبور) ٥. ويجيب ابن سحمان على اعتراض الطبطبائي قائلاً:
(وأما ما ذكره من منع الوهابية لزيارة قبور الأئمة، فنعم منعوا زيارة المشاهد التي تعبد من دون الله، وشرعوا فيها من الأمور التي لم يأذن بها الله، ولا كان عليه
стр. 318
هدي رسول الله ﷺ ولا هدي أصحابه، ولا من بعدهم من الأئمة المهتدين..) ١.
ويقول أيضا:
(نعم امتثلت الوهابية أمر رسول الله ﷺ في هدم القباب التي بنيت على أهل البقيع من أهل البيت وغيرهم؛ لأن ذلك سنة رسول الله ﷺ وسنة أصحابه، ومن بعدهم من الأئمة المهتدين، ولا يعيب على الوهابية بهدمهم القباب التي بنيت على ضرائح الأموات إلا من أعمى الله بصيرة قلبه) ٢.
ويبين أحمد الكتلاني أن اتخاذ القبور مساجد من المحدثات الشركية فيقول: (لم يثبت قطعا عن رسول الله ﷺ ولا عن أصحابه بطريق صحيح ولا ضعيف، أنهم اتخذوا القباب والمشاهد، وأوقدوا فيها السرج، ولثموا ترابها، وركبوا عليها التوابيت، وكسوها بالورود والديباج إلى غير ذلك من أنواع البدع التي يفعلها الخارجون عن وفق الشريعة وهديه الذي كان عليه وأصحابه. بل الثابت الصحيح أنه جاء بهدمها وإبطالها كقوله ﷺ في حديث عمرو بن عبسة " بعثت بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله لا يشرك به شيئا "٣.
وأجمع سلف الأمة وأئمتها على أن كل عمل جار تحت أحكام الشريعة فما كان موافقا لها فهو مقبول، وما كان خارجا عن ذلك فهو مردود، وإن كان تقاضته الطباع، وتحالته النفوس) ٤.
وينقل محمد رشيد رضا بعض أقوال أهل العلم في البناء على القبور، فكان من قوله: (ذكر الإمام الشافعي في "الأم" أن ولاة مكة كانوا يهدمون ما بني في مقبرتها من القبور، ولا يعترض عليهم الفقهاء، ونقله عنه النووي في "شرح مسلم" عند شرح ما ورد في هذا المعنى من الأحاديث، وفي "الزواجر" لابن حجر الهيتمي أن اتخاذ القبور مساجد وإيقاد السرج عليها واتخاذها أوثانا والطواف بها، واستلامها والصلاة إليها كلها من كبائر الذنوب..) ٥.
ويورد عبد الكريم بن فخر الدين بعض العلماء المانعين شد الرحال لزيارة القبور، فيقول: (ومن المانعين عن السفر لزيارة قبور الأولياء، القاضي الحسين من
стр. 319
الشافعية، وابن عقيل، وابن بطة وابن تيمية، وابن القيم وابن عبد الهادي من الحنابلة) ١.
ويصف الشيخ محمد بن عثمان الشاوي ما شاهده من الأعمال القبورية في مكة المكرمة حين دخلها مع أتباع هذه الدعوة السلفية سنة ١٣٤٣هـ، وما فعلوه من هدم قباب الشرك، يقول ﵀:
(وبعد أن فرغنا من أعمال العمرة، وبادرنا إلى هدم القباب، وجدنا في القبة المبنية على قبر أم المؤمنين خديجة ﵂ ما لا تستطاع حكايته، من ذلك أنا وجدنا رقاعا مكتوبا فيها: يا خديجة يا أم المؤمنين جئناك زائرين، وعلى بابك واقفين، فلا تردينا خائبين فاشفعي لنا إلى محمد يشفع لنا إلى جبرائيل، ويشفع لنا جبرائيل إلى الله، ووجدنا عندها كبشا قد جاء به صاحبه ليقربه إليها ... ووجدنا عند باب القبة عجوزاً شوهاء من سدنتها، ولقد حدثني غير واحد أنهم سألوها ما حالك، فقالت: هي خادمة لسيدتها المتصرفة في الكون منذ عدة سنين، ولا تصوم، ولا تصلي، ومع ذلك يتمسح بها الزوار، وعند القبة من الشمع والسرج والآلات ما لا يحصى، وعندها من أنواع الطيب، ما لم نجد مثله عند البيت الحرام والحجر الأسود، وأمثال هذا كثير معلوم، فلهذا استعنا بالله تعالى على إزالة تلك القباب ... وأما ما هناك من القباب والأبنية على القبور والكتابة وأنواع الزخرفة فذلك شيء لا يعده عاد، لكن الذي نعتقد أن مجرد البناء على القبر من غير صرف شيء من أنواع العبادة لها ذلك بدعة محرمة؛ لأنها من أكبر الوسائل إلى تعظيم أرباب القبور وعبادتهم من دون الله ... ) ٢.
ويفصح الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم بن عبد اللطيف٣ (ت ١٣٨٦هـ عن موقفهم من المشاهد والقباب على القبور، وذلك في قصيدة يرد بها على من سمى نفسه بـ "فتى البطحاء" حين استنكر ذلك الفتى، ما فعلته جيوش الموحدين أثناء دخولها مكة من هدم القباب، والأبنية على القبور ... يقول الشيخ عبد اللطيف:
وقولنا أننا قد هدمنا مشاهدا ... لخير نبي أو لأفضل صاحب
نعم أننا والحمد لله وحده ... الشرك من كل جانب
стр. 320
ونكسر أوثانا ونهدم ما بني ... على أثر أو بقعة للأطايب١
وقد تضمن "البيان المفيد" الذي اتفق فيه علماء الحجاز ونجد أن البناء على القبور بدعة؛ لأن الرسول ﷺ أرسل عليا، فأمره أن لا يدع قبراً مشرفا إلا سواه بالأرض٢.
ولما سأل الشيخ عبد الله بن بليهد علماء المدينة عن البناء على القبور سنة ١٣٤٤هـ، وكتبوا جوابا مطابقا للسؤال جار على الأصول الشرعية والقوانين المرعية من ذكر الحكم بدليله، وقام بعض المبتدعة وقعدوا وضجوا على تلك الفتوى كما سبق بيانه، لما حدث كل ذلك، كتب الشيخ عبد الله بن بليهد ﵀ مقالة نورد منها قوله:
(وهذه الكتب من جميع المذاهب الأربعة قد ثبت فيها أحكام القبور، ونحن لم نخرج عما قالوه، فأفيدونا من شرع البناء علىالقبور، ومن أول من بنى عليها، وغير خاف على من له أدنى ممارسة لعلوم الحديث والتفسير والتاريخ أنه في زمن رسول الله ﷺ ما دفن أحد في قبر إلا في التراب، ولم يجصص، ولم يبن عليه، وكذلك من مات من الصحابة بالمدينة المنورة، وفي مكة المكرمة، وغيرها من البلاد البعيدة، وكل من مات منهم دفنوا هنالك، ولم تجصص قبورهم، ولم يبن عليها..) ٣.
ويذكر الشيخ فوزان السابق جانبا من تلبيس عتاد القبور، فيقول عنهم:
(إنهم يتعلقون بالأسماء، ويغيرون الحقائق من نصوص الكتاب والسنة ويحرفونها عن مواضعها، ويعارضونها بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، محتجين بها على فتح أبواب شركهم وضلالهم، الذي أضلوا به كثيرا من جهلة هذه الأمة مقتفين في ذلك أثر من حذرهم نبيهم ﷺ عن سلوك سبيلهم، وذلك فيما جاء عنه ﷺ من الأحاديث الصحيحة في لعن متخذي القبور مساجد، لأنه من الغلو الذي نهى الله تعالى عنه، وهو أصل عبادة الأصنام، ولذلك قالت عائشة ﵂: " ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا "٤) ٥.