← Общие книги

Общие книги · id 11186

دعاوي المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب

عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف

Полный текст (387 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الإطلاق، على أن لفظ الزيارة مجمل كالصلاة والزكاة والربا. فإن كل زيارة قبر ليست قربة بالإجماع للقطع بأن الزيارة الشركية والبدعية غير جائزة، فلما زار النبي ﷺ القبور وقع ذلك الفعل بيانا لمجمل الزيارة، ولا يثبت السفر من فعله ﷺ مع أن الخروج إلى مطلق المسجد أيضا شامل للسفر وهو قربة..، فيكون السفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة أيضا قربة، والخصم أيضا لا يقول به، وكذلك الصلاة والذكر شاملان لجميع الصلوات المبتدعة والأذكار المبتدعة، فلو سوغ الاستدلال بمثل تلك الإطلاقات، للزم جواز تلك الصلوات المبتدعة والأذكار المحدثة) ١. ثم يرد السهسواني قول دحلان: (وقد صح خروجه ﷺ لزيارة قبور أصحابه بالبقيع، وبأحد، فإذا ثبت مشروعية الانتقال لزيارة قبر غير قبره ﷺ فقبره الشريف أولى) . فيقول السهسواني مجيبا: (أقول: الثابت بالحديث المذكور إنما هو مشروعية الانتقال الذي هو دون السفر للزيارة، ولم ينكر أحد، والانتقال الذي تنكر مشروعيته هو السفر، وهو ليس بثابت) ٢. ثم يبطل السهسواني قاعدة دحلان: أن وسيلة القربة المتوقف عليها قربة.. لكي يجوز دحلان من خلالها شد الرحال لزيارة القبور ... فأبطلها السهسواني من عدة أوجه، نذكر منها ما يلي: الأول: أن هذه القاعدة في أي كتاب من كتب الأصول والفقه؟ وما الدليل عليها من الكتاب والسنة؟ ولا بد من نقل الإجماع عليها. الثاني: أن هذه القاعدة منقوضة بأن إتيان مسجد قباء والصلاة فيه ركعتين قربة. لما روى الشيخان عن ابن عمر ﵄ قال: كان النبي ﷺ يأتي مسجد قباء كل سبت ماشيا وراكبا ويصلي فيه ركعتين. مع أن السفر إلى قباء ليس بقربة، فإنه سفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال. الثالث: أنا لا نسلم أن مطلق زيارة قبر النبي ﷺ بل القربة هي الزيارة التي لا يقع فيها شد رحل بدليل حديث "لا تشد الرحال ... ". الرابع: أنه لو سلم كون مطلق زيارة قبر النبي ﷺ قربة، فلا نسلم كونها متوقفة

стр. 317

على السفر للزيارة، لجواز أن يسافر لزيارة المسجد النبوي، أو أمر آخر من التجارة وغيرها. الخامس: أنه لو سلمت هذه القاعدة فهي إنما هي وسيلة لم ينه الشرع عنها، والسفر للزيارة قد نهى الشارع عنه بدليل "لا تشد الرحال..") ١. ويذكر الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ﵏، جانبا من معتقدهم في مسألة البناء على القبور فيقول: (فنحن نذكر الغلو في أهل القبور والإطراء والتعظيم، ونهدم البنايات التي على قبور الأموات لما فيها من الغلو والتعظيم الذي هو أعظم وسائل الشرك بالله..) ٢. ويرد مسعود الندوي على فرية كاذبة.. فيقول: (ومما افتراه الأعداء من التهم المكذوبة أن سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود كان هدم القبة المبنية على القبر النبوي. والغريب أن المؤرخين الأوربيين يتلذذون بذكر هذه الأسطورة الكاذبة) ٣. ومما كتبه ابن سحمان في الرد على الحداد، ما قاله ﵀: (لم يعهد في زمن من الأزمنة، إطباق جميع الناس خاصتهم وعامتهم على جواز البناء على القبور، واتخاذها مساجد، وإسراجها، وخدمتها وسدانتها والعكوف عندها، بل كان أهل العلم بالله وبدينه في كل زمان ومكان ينهون عن البناء عليها، وعن إسراجها، والعكوف عندها، وعن شد الرحال إليها للزيارة) ٤. ويقول: (وأما هدم القباب فنعم، فإن الشيخ فعل ذلك، وقد اتبع في ذلك أئمة الإسلام من سادات الحنابلة وغيرهم من العلماء، فبناء القبور إنما أحدثه الرافضة، فهم سلف الحداد وأشباهه من عباد القبور) ٥. ويجيب ابن سحمان على اعتراض الطبطبائي قائلاً: (وأما ما ذكره من منع الوهابية لزيارة قبور الأئمة، فنعم منعوا زيارة المشاهد التي تعبد من دون الله، وشرعوا فيها من الأمور التي لم يأذن بها الله، ولا كان عليه

стр. 318

هدي رسول الله ﷺ ولا هدي أصحابه، ولا من بعدهم من الأئمة المهتدين..) ١. ويقول أيضا: (نعم امتثلت الوهابية أمر رسول الله ﷺ في هدم القباب التي بنيت على أهل البقيع من أهل البيت وغيرهم؛ لأن ذلك سنة رسول الله ﷺ وسنة أصحابه، ومن بعدهم من الأئمة المهتدين، ولا يعيب على الوهابية بهدمهم القباب التي بنيت على ضرائح الأموات إلا من أعمى الله بصيرة قلبه) ٢. ويبين أحمد الكتلاني أن اتخاذ القبور مساجد من المحدثات الشركية فيقول: (لم يثبت قطعا عن رسول الله ﷺ ولا عن أصحابه بطريق صحيح ولا ضعيف، أنهم اتخذوا القباب والمشاهد، وأوقدوا فيها السرج، ولثموا ترابها، وركبوا عليها التوابيت، وكسوها بالورود والديباج إلى غير ذلك من أنواع البدع التي يفعلها الخارجون عن وفق الشريعة وهديه الذي كان عليه وأصحابه. بل الثابت الصحيح أنه جاء بهدمها وإبطالها كقوله ﷺ في حديث عمرو بن عبسة " بعثت بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله لا يشرك به شيئا "٣. وأجمع سلف الأمة وأئمتها على أن كل عمل جار تحت أحكام الشريعة فما كان موافقا لها فهو مقبول، وما كان خارجا عن ذلك فهو مردود، وإن كان تقاضته الطباع، وتحالته النفوس) ٤. وينقل محمد رشيد رضا بعض أقوال أهل العلم في البناء على القبور، فكان من قوله: (ذكر الإمام الشافعي في "الأم" أن ولاة مكة كانوا يهدمون ما بني في مقبرتها من القبور، ولا يعترض عليهم الفقهاء، ونقله عنه النووي في "شرح مسلم" عند شرح ما ورد في هذا المعنى من الأحاديث، وفي "الزواجر" لابن حجر الهيتمي أن اتخاذ القبور مساجد وإيقاد السرج عليها واتخاذها أوثانا والطواف بها، واستلامها والصلاة إليها كلها من كبائر الذنوب..) ٥. ويورد عبد الكريم بن فخر الدين بعض العلماء المانعين شد الرحال لزيارة القبور، فيقول: (ومن المانعين عن السفر لزيارة قبور الأولياء، القاضي الحسين من

стр. 319

الشافعية، وابن عقيل، وابن بطة وابن تيمية، وابن القيم وابن عبد الهادي من الحنابلة) ١. ويصف الشيخ محمد بن عثمان الشاوي ما شاهده من الأعمال القبورية في مكة المكرمة حين دخلها مع أتباع هذه الدعوة السلفية سنة ١٣٤٣هـ، وما فعلوه من هدم قباب الشرك، يقول ﵀: (وبعد أن فرغنا من أعمال العمرة، وبادرنا إلى هدم القباب، وجدنا في القبة المبنية على قبر أم المؤمنين خديجة ﵂ ما لا تستطاع حكايته، من ذلك أنا وجدنا رقاعا مكتوبا فيها: يا خديجة يا أم المؤمنين جئناك زائرين، وعلى بابك واقفين، فلا تردينا خائبين فاشفعي لنا إلى محمد يشفع لنا إلى جبرائيل، ويشفع لنا جبرائيل إلى الله، ووجدنا عندها كبشا قد جاء به صاحبه ليقربه إليها ... ووجدنا عند باب القبة عجوزاً شوهاء من سدنتها، ولقد حدثني غير واحد أنهم سألوها ما حالك، فقالت: هي خادمة لسيدتها المتصرفة في الكون منذ عدة سنين، ولا تصوم، ولا تصلي، ومع ذلك يتمسح بها الزوار، وعند القبة من الشمع والسرج والآلات ما لا يحصى، وعندها من أنواع الطيب، ما لم نجد مثله عند البيت الحرام والحجر الأسود، وأمثال هذا كثير معلوم، فلهذا استعنا بالله تعالى على إزالة تلك القباب ... وأما ما هناك من القباب والأبنية على القبور والكتابة وأنواع الزخرفة فذلك شيء لا يعده عاد، لكن الذي نعتقد أن مجرد البناء على القبر من غير صرف شيء من أنواع العبادة لها ذلك بدعة محرمة؛ لأنها من أكبر الوسائل إلى تعظيم أرباب القبور وعبادتهم من دون الله ... ) ٢. ويفصح الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم بن عبد اللطيف٣ (ت ١٣٨٦هـ عن موقفهم من المشاهد والقباب على القبور، وذلك في قصيدة يرد بها على من سمى نفسه بـ "فتى البطحاء" حين استنكر ذلك الفتى، ما فعلته جيوش الموحدين أثناء دخولها مكة من هدم القباب، والأبنية على القبور ... يقول الشيخ عبد اللطيف: وقولنا أننا قد هدمنا مشاهدا ... لخير نبي أو لأفضل صاحب نعم أننا والحمد لله وحده ... الشرك من كل جانب

стр. 320

ونكسر أوثانا ونهدم ما بني ... على أثر أو بقعة للأطايب١ وقد تضمن "البيان المفيد" الذي اتفق فيه علماء الحجاز ونجد أن البناء على القبور بدعة؛ لأن الرسول ﷺ أرسل عليا، فأمره أن لا يدع قبراً مشرفا إلا سواه بالأرض٢. ولما سأل الشيخ عبد الله بن بليهد علماء المدينة عن البناء على القبور سنة ١٣٤٤هـ، وكتبوا جوابا مطابقا للسؤال جار على الأصول الشرعية والقوانين المرعية من ذكر الحكم بدليله، وقام بعض المبتدعة وقعدوا وضجوا على تلك الفتوى كما سبق بيانه، لما حدث كل ذلك، كتب الشيخ عبد الله بن بليهد ﵀ مقالة نورد منها قوله: (وهذه الكتب من جميع المذاهب الأربعة قد ثبت فيها أحكام القبور، ونحن لم نخرج عما قالوه، فأفيدونا من شرع البناء علىالقبور، ومن أول من بنى عليها، وغير خاف على من له أدنى ممارسة لعلوم الحديث والتفسير والتاريخ أنه في زمن رسول الله ﷺ ما دفن أحد في قبر إلا في التراب، ولم يجصص، ولم يبن عليه، وكذلك من مات من الصحابة بالمدينة المنورة، وفي مكة المكرمة، وغيرها من البلاد البعيدة، وكل من مات منهم دفنوا هنالك، ولم تجصص قبورهم، ولم يبن عليها..) ٣. ويذكر الشيخ فوزان السابق جانبا من تلبيس عتاد القبور، فيقول عنهم: (إنهم يتعلقون بالأسماء، ويغيرون الحقائق من نصوص الكتاب والسنة ويحرفونها عن مواضعها، ويعارضونها بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، محتجين بها على فتح أبواب شركهم وضلالهم، الذي أضلوا به كثيرا من جهلة هذه الأمة مقتفين في ذلك أثر من حذرهم نبيهم ﷺ عن سلوك سبيلهم، وذلك فيما جاء عنه ﷺ من الأحاديث الصحيحة في لعن متخذي القبور مساجد، لأنه من الغلو الذي نهى الله تعالى عنه، وهو أصل عبادة الأصنام، ولذلك قالت عائشة ﵂: " ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا "٤) ٥.

стр. 321

والتأمل فيما نقلناه من موقف بعض أئمة الدعوة قولا وفعلا نحو أبنية القبور، واتخاذ القباب والافتتان بها، يظهر أن قولهم وفعلهم هو عين الحق والصواب الذي تشهد له الأدلة، وتثبته البراهين، وتعضده أقوال أهل العلم والدين، ومن ثم ظهر ما كان عليه الخصوم من الضلال والبعد عن جادة الصواب حين خالفوا ذلك الحق، وزاغوا عن الصدق، فظنوا الحق باطلا، واعترضوا على الشيخ الإمام وأتباعه من بعده فيما جاء به من الصواب. وأدركنا ما كان عليه أئمة الدعوة من البصيرة والفقه لواقعهم وبيئتهم فيما حكوه من الطامات الشركية والمصائب الكفرية والحوادث البدعية التي نزلت ووقعت في بلاد المسلمين بسبب الافتتان بالقبور وتزيينها.

стр. 322

الفصل الثاني: تقسيم التوحيد إلى توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية أورد خصوم الدعوة السلفية اعتراضا آخر على إحدى قضايا الدعوة، فادعوا أن الشيخ الإمام ابتدع أمراً جديداً، واستحدث شأنا منكرا، حين جعل التوحيد قسمين: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وفرق بين معانيهما. وقد ساق الخصوم هذا التقسيم والتفريق بين التوحيدين في مقام الاعتراض والمخالفة للشيخ الإمام وأتباع دعوته، ولذا فإن اعتراضهم لا يخلو من تلبيس وتمويه وتزوير. ويظهر أن سبب هذا الاعتراض من قبل الخصوم، هو اعتقادهم أن الإقرار بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت المدبر، بيده النفع والضر.. هو غاية التوحيد، فتوحيد الربوبية هو الواجب على المكلف، وليس معنى كلمة التوحيد لا إله إلا الله عندهم إلا بأن الله وحده هو القادر على الاختراع، فإذا كان توحيد الربوبية هو غاية التوحيد، وهو المطلوب من كل مكلف، فلا اعتبار إلى غيره، ولا نظر إلى ما عداه، ومن ثم رفض هؤلاء القوم هذا التقسيم واستنكروه، واعترضوا على الشيخ الإمام في ذلك. ونورد اعتراضهم كما جاء مسطورا في كتبهم، ثم نتبعها بالمناقشة التي تكشف عن صحة ما قصده الشيخ الإمام وأتباعه من إيراد هذا التقسيم والتفريق، وأن تقسيم التوحيد إلى توحيد ربوبية وألوهية هو تقسيم تثبته النصوص القرآنية، والأحاديث الصحيحة، وآثار السلف الصالح. يسوق علوي الحداد هذا الاعتراض فيقول: (توحيد الألوهية داخل في عموم توحيد الربوبية، بدليل أن الله تعالى لما أخذ الميثاق على ذرية آدم، خاطبهم الله تعالى بقوله ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ ١ ولم يقل بإلهكم،

стр. 323

فاكتفى منهم بتوحيد الربوبية، ومن المعلوم أن من أقر له بالربوبية فقد أقر له بالألوهية، إذ ليس الرب غير الإله بل هو الإله بعينه. ومن العجب العجاب قول المدعي الكذاب لمن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله من أهل القبلة أنت لم تعرف، التوحيد نوعان: توحيد الربوبية الذي أقرت به المشركون والكفار، وتوحيد الألوهية الذي أقرت به الحنفاء وهو الذي يدخلك في دين الإسلام. وأما توحيد الربوبية فلا، فيا عجبا هل للكافر توحيد صحيح، فإنه لو كان توحيده صحيحا لأخرجه من النار، إذ لا يبقى فيها موحد كما صرحت به الأحاديث) ١. ويورد محسن بن عبد الكريم قول أحد أسلافه، وهو عبد الله بن عيسى حيث يقول معترضا على هذا التقسيم: (ثم إن المخالف- يعني ابن عبد الوهاب- جعل التوحيد توحيدين توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، فقال: إن الأول اعترف به المشركون، وأما الثاني فلم يعترفوا به، وجعل توحيد الإلهية راجعا إلى العبادة، ولا نعلم سلفاً له في هذا، ونحن لا نسلم الفرق، بل توحيد الربوبية هو توحيد الألوهية، إذ الصفة لا تزول عن الموصوف، فرب السماوات والأرض إلههما ... ) ٢. ثم ينكر ابن عيسى إقرار مشركي العرب بتوحيد الربوبية مستدلا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً﴾ ٣. ثم قال ابن عيسى: (فلم يكن مشركوا العرب مقرين بالأحدية والربوبية كما زعم..) ٤. ويقول داود بن جرجيس حول هذا التقسيم: (إن هذه الشبهة هي التي غرّ بها إبليس هؤلاء وأشباههم، فإذا رأيت جوانها سقطت، وتبين المؤمن من الكافر، والموحد من المشرك، فاعلم أن الكفار كانوا مشركين بالله تعالى أصنامهم في الربوبية والعبادة.. فمن قال أن الكفار كانوا يوحدون الله

стр. 324

توحيد الربوبية أخذاً من ظاهر بعض الآيات، فقد أخطأ، وما أصاب، ولا تدبر السنة ولا الكتاب، فإن الربوبية والألوهية متلازمان الرب والإله معناهما واحد، لأن الذي يستحق أن يعبد لا بد أن يكون ربا) ١. ويدعي السمنودي أن مشركي العرب وقعوا في الكفر بسبب اتخاذهم ربا من دون الله، وعلى ذلك فهم غير مقرين بتوحيد الربوبية، يقول السمنودي: (لقد جاء مشركوا العرب الكفر من جهة اعتقادهم استحقاق العبادة لغير الله، واتخاذه رباً من دون الله، وأما المسلمون فإنهم بحمد الله بريئون من ذلك، إذ لا يعتقدون شيئا يستحق الألوهية والعبادة غير الله تعالى، فهذا هو الفرق بين الحالين. وأما هؤلاء الجاهلون المكفرون للمسلمين، فإنهم لم يعرفوا الفرق بين الحالين، تخبطوا وقالوا إن التوحيد نوعان: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية) ٢. ويقول السمنودي في موضع آخر: (وأما المشركون الذين نزلت فيهم الآيات القرآنية، فكانوا يعتقدون استحقاق أصنامهم الألوهية والعبادة، ويعظمونها تعظيم الربوبية، وإن كانوا يعتقدون أنها لا تخلق شيئا) ٣. ويورد أحمد دحلان تقسيم التوحيد إلى توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية ويستنكر هذا التقسيم، ثم يذكر أدلته على إبطاله، يقول دحلان: (وقالوا إن التوحيد نوعان توحيد الربوبية، وهو الذي أقر به المشركون، وتوحيد الألوهية وهو الذي أقر به الموحدون، وهو الذي يدخلك في دين الإسلام، وأما توحيد الربوبية فلا يكفي، وكلامهم باطل.. فإن توحيد الربوبية هو توحيد الألوهية. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ ٤ ولم يقل ألست بإلهكم، فاكتفى منهم بتوحيد الربوبية، ومن المعلوم أن من أقر لله بالربوبية فقد أقر له بالألوهية، إذ ليس الرب غير الإله، بل هو الإله بعينه. وفي الحديث "إن الملكين يسألان في قبره فيقولان له: من ربك؟ " ٥ ولم يقولا:

стр. 325

من إلهك، فدل على أن توحيد الربوبية هو توحيد الألوهية. - ثم قال- وهل للكافر توحيد صحيح؟ فإنه لو كان للكافر توحيد صحيح لأخرجه من النار، إذ لا يبقى فيها موحد. فهل سمع المسلمون في الأحاديث والسير أن رسول الله ﷺ إذا قدمت عليه أجلاف العرب ليسلموا على يده، يفضل لهم توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، ويخبرهم أن توحيد الألوهية هو الذي يدخلهم في دين الإسلام، أو يكتفي منهم بمجرد الشهادتين، وظاهر اللفظ، ويحكم بإسلامهم، فما هذا الافتراء والزور على الله ورسوله، فإن من وحد الرب فقد وحد الإله، ومن أشرك بالرب فقد أشرك بالإله، فليس للمسلمين إله غير الرب، فإذا قالوا لا إله إلا الله، إنما يعتقدون أنه هو ربهم، فينفون الألوهية عن غيره، كما ينفون الربوبية عن غيره) ١. وقد تحدث يوسف الدجوي عن هذا الاعتراض فأطال، فاستنكر التقسيم السابق وذكر أدلته وحججه، فقال: (فقولهم إن التوحيد ينقسم إلى توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية تقسيم غير معروف لأحد قبل ابن تيمية..، وغير معقول، وما كان رسول الله ﷺ يقول لأحد دخل في الإسلام أن هناك توحيدين، وأنك لا تكون مسلما حنى توحد توحيد الألوهية، ولا أشار إلى ذلك بكلمة واحدة، ولا سمع ذلك عن أحد من السلف الذين يتبجحون باتباعهم في كل شيء، ولا معنى لهذا التقسيم، فإن الإله الحق هو الرب الحق، والإله الباطل هو الرب الباطل، ولا يستحق العبادة والتأليه إلا من كان ربا، ولا معنى لأن نعبد من لا نعتقد فيه أنه رب ينفع ويضر..) ٢. ثم ساق الدجوي أدلته واستدلاله فقال: (يقول تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً﴾ ٣ فصرح بتعدد الأرباب عندهم، وعلى الرغم من تصريح القرآن بأنهم جعلوا الملائكة أربابا، يقول ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب: أنهم موحدون توحيد الربوبية، وليس عندهم إلا رب واحد، وإنما أشركوا في توحيد الألوهية. ويقول يوسف ﵇ لصاحبي السجن وهو يدعوهما إلى التوحيد ﴿أَأَرْبَابٌ

стр. 326

مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ١ ويقول الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي﴾ ٢ وأما هم- أي مشركوا العرب- فلم يجعلوه ربا، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ ٣ خطابا لمن أنكر ربوبيته تعالى) . - إلى أن قال الدجوي-: (فليس عند هؤلاء الكفار توحيد الربوبية، كما قال ابن تيمية، وما كان يوسف ﵇ يدعوهم إلا إلى توحيد الربوبية؛ لأنه ليس هناك شيء يسمى توحيد الربوبية، وشيء آخر يسمى توحيد الألوهية عند يوسف ﵇. فهل هم أعرف بالتوحيد منه أم يجعلونه مخطئا في التعبير بالأرباب دون الآلهة. ويقول الله تعالى في أخذ الميثاق: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ ٤ فلو كان الإقرار بالربوبية غير كاف، وكان متحققاً عند المشركين، ولكنه لا ينفعهم كما يقول ابن تيمية، ما صح أن يؤخذ عليهم الميثاق بهذا، ولا صح أن يقولوا يوم القيامة: ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ ٥ وكان الواجب أن يغير الله عبارة الميثاق إلى ما يوجب اعترافهم بتوحيد الألوهية، حيث إن توحيد الربوبية غير كاف كما يقول هؤلاء إلى آخر ما يمكننا أن نتوسع فيه، وهو لا يخفى عليك، وعلى كل حال فقد اكتفى منهم بتوحيد الربوبية، ولو لم يكونا متلازمين لطلب إقرارهم بتوحيد الألوهية أيضا) ٦. ثم يقول: (فهل ترى للمشركين توحيدا بعد ذلك يصح أن يقال فيه أنه عقيدة؟ أما التيميون٧ فيقولون بعد هذا كله إنهم موحدون توحيد الربوبية، وأن الرسل لم يقاتلوهم إلا على توحيد الألوهية الذي لم يكفروا إلا بتركه، ولا أدري ما معنى هذا الحصر مع أنهم كذبوا الأنبياء وردوا ما أنزل عليهم، واستحلوا المحرمات وأنكروا البعث واليوم الآخر، وزعموا أن لله صاحبة وولدا.. إلخ، وذلك كله لم يقاتلهم عليه الرسل في رأي هؤلاء، وإنما قاتلوهم على عدم توحيد الألوهية كما يزعمون) ٨.

стр. 327

ويتعجب الدجوي مرة أخرى من هذا التفريق فيقول: (وإني أعجب لتفريقهم بين توحيد الألوهية والربوبية، وجعل المشركين موحدين توحيد الربوبية مع قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ١ وهل المراد من الأرباب إلا المعبودون؟) ٢. ويسوق العاملي تقسيم التوحيد في مقام الاعتراض حيث يقول: (وقسموا التوحيد إلى توحيد الربوبية، وهو الاعتقاد بأن الخالق الرازق المدبر للأمر هو الله، وتوحيد العبادة وهو صرف العبادة كلها إلى الله قالوا: ولا ينفع الأول بدون الثاني؛ لأن مشركي قريش كانوا يعتقدون بالأول فلم ينفعهم لعدم إقرارهم بالثاني، كذلك المسلمون لا ينفعهم الإقرار بتوحيد الربوبية، لعبادتهم الأنبياء والصالحين وقبورهم بنفس الأشياء التي كان المشركون يعبدون أصنامهم بها) ٣. ويورد حسن خزبك عنوانا في كتابه المقالات الوفية باسم: "العقيدة المستحدثة التفريق بين توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية" كان مما قاله فيه: (وعقيدتهم الجديدة هي التفريق بين توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، فقالوا إن الكفار وحدوا توحيد الربوبية، ولم يوحدوا توحيد الألوهية؛ لأنهم مع اعترافهم بأن الله هو الخالق الرازق عبدوا الأصنام..) ٤ - ثم نقل حسن خزبك كلام دحلان-. فأنكر هؤلاء الخصوم تقسيم التوحيد إلى توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، ولم يفرقوا بينهما، وجعلوا توحيد الربوبية هو الغاية والمطلوب من المكلف، وادعوا أن مشركي والعرب الذين قاتلهم رسول الله ﷺ لم يكونوا مقربين بأن الله هو الرب الخالق الرازق المدبر المحيي المميت.. ونحوها من صفات الربوبية- كما هو ظاهر كلام الخصوم-. لذا يقول الطباطبائي: (ثم إنه سبحانه حكم بشركهم لاتخاذهم تلك الأصنام شريكا لله في خلق وتدبير العالم، وجوزوا عبادتها خلافا لله تعالى فيما نهاهم عنه على لسان أنبيائه بقوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً﴾ ٥ وأين هذا ممن لا يعتقد في الأنبياء، والصلحاء الخلق

стр. 328

والتدبير ولا يعتقد عبادتهم) ١. وترتب على ما سبق بيانه، أن الخصوم فهموا أن العبادة لله هي مجرد الخضوع للرب، والاعتراف بأفعال الرب مثل الرزق والإحياء والإماتة والنفع والضر. لذا يقول أحدهم- وهو محمد بن عبد المجيد- في تعريف العبادة: (فالعبادة شرعا غاية التذلل والخضوع لمن يعتقد له الخاضع بعض صفات الربوبية، كما ينبئ عنه مواقع استعمالها في الشرع. فغاية الخضوع لا تكون عبادة بمجردها بل حتى تكون على وجه خاص، وهو اعتقاد الخاضع ثبوت صفة من صفات الربوبية للمخضوع له) ٢. وإذا انتقلنا إلى مجال المناقشة والجواب على الاعتراض السابق، فنجد أن الشيخ الإمام ﵀ قد اعتنى بهذا التقسيم، والتفريق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، فقد قرر ﵀ الفرق بينهما في أكثر من موضع، وبين أن مشركي العرب مقرون بتوحيد الربوبية- كما سيأتي موضحا بالنصوص القرآنية، ولكنهم أنكروا توحيد العبادة، وقالوا - كما حكى القرآن عنهم- ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٣. يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب- ﵀: (فإذا تحققت أنهم مقرون بهذا، ولم يدخلهم في التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله ﷺ وعرفت أن التوحيد الذي جحدوه هو توحيد العبادة، وعرفت أن رسول الله ﷺ قاتلهم على هذا الشرك، ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله وحده، كما قال تعالى: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ٤. فإقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام، وإن قصدهم الملائكة والأنبياء، والأولياء، يريدون شفاعتهم، والتقرب إلى الله بذلك هو الذي أحل دماءهم وأموالهم ... وهذا التوحيد هو معنى قولك لا إله إلا الله) ٥. ويبين الشيخ الإمام الفرق بين التوحيدين فيقول:

стр. 329

(فإذا قيل لك ما الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية؟ فقل: توحيد الربوبية فعل الرب مثل الخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، وإنزال المطر، وإنبات النبات، وتدبير الأمور. وتوحيد الإلهية فعلك أيها العبد مثل: الدعاء، والرجاء، والخوف، والتوكل، والإنابة، والرغبة، والرهبة، والنذر، والاستغاثة، وغير ذلك من أنواع العبادة) ١. ويوضح الشيخ ﵀ اجتماع الربوبية والألوهية، وافتراقهما فيقول: (اعلم أن الربوبية والألوهية يجتمعان، ويفترقان كما في قوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ. مَلِكِ النَّاسِ. إِلَهِ النَّاسِ﴾ ٢ وكما يقال رب العالمين وإله المرسلين، وعند الإفراد يجتمعان كما في قول القائل: من ربك، مثاله الفقير والمسكين نوعان في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ ٣ ونوع واحد في قوله ﷺ "افترض عليهم صدقة توخذ من أغنيائهم فترد إلى فقرائهم" ٤ إذا ثبت هذا فقول الملكين للرجل في القبر: من ربك؟ معناه من إلهك، لأن الربوبية التي أقر بها المشركون ما يمتحن أحد بها وكذلك قوله: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ ٥ وقوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً﴾ ٦ وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ ٧ فالربوبية في هذا هي الألوهية ليست قسيمة لها، كما تكون قسيمة لها عند الاقتران فينبغي التفطن لهذه المسألة) ٨. وفي هذه المقالة السابقة التي سطرها الشيخ الإمام جواب على كثير من الأدلة التي استدل بها أولئك الخصوم في إبطال هذا التقسيم، حين أظهر الشيخ وفصل متى يجتمع توحيد الربوبية والألوهية، ومتى يفترقان مما أثبت صواب هذا التقسيم والتفريق، وأن نصوص القرآن والسنة تثبته وتدل عليه.

стр. 330

ويرد صاحب "التوضيح" على من ادعى أن الألوهية هي القدرة على الاختراع فيذكر مقالته ثم يجيب عليها: (معنى الألوهية أنها القدرة على اختراع الخلق والتدبير، فمن قال لا إله إلا الله واعتقد أنه لا يقدر على اختراع الخلق والتدبير إلا الله فلا شريك له في ذلك، كان ذلك هو معنى لا إله إلا الله. ولم يعلم أن مشركي العرب كانوا مقرين بهذا المعنى معترفين، فلم يقولوا أن العالم له خالقان، أو مدبران بل الخالق والمدبر واحد، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ١. فهذا التوحيد من الواجب على العبيد، ولكن لا يحصل به التوحيد لإله كل العبيد، ولا يخلص بمجرده عن الشرك الذي هو أكبر الكبائر، ولا يغفره الله يوم تبلى السرائر، بل لا بد أن يخلص الدين كله لله فلا يتأله بقلبه غير الله، ولا يعبد إلا إياه مخلصا له الدين) ٢. ويرد صاحب "التوضيح" على من زعم أن مشركي العرب يعتقدون النفع والضر لغير الله فيقول: (زعمه أن المشركين الأولين كانوا يعتقدون النفع والضر، والعطاء والمنع من غير رب العالمين، ويرد هذا صريح قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ ٣ وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ٤) ٥. ويذكر الحازمي الغاية من إرسال الرسل، فيشير إلى الفرق بين التوحيدين حيث يقول: (اعلم أن الله تعالى لم يبعث رسله ﵈ وينزل كتبه ليعرف خلقه بأنه هو الخالق لهم، الرازق ونحو ذلك، فإن هذا يقر به كل مشرك قبل بعثة الرسل، قال

стр. 331

الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ١ - وذكر الحازمي آيات كثيرة تدل على ما قال- ... بل بعث رسله، وأنزل كتبه، لإخلاص توحيده، وإفراده بالعبادة لا يتم إلا بأن الدعاء كله لله والنداء والاستغاثة، والاستعانة، والرجا، واستجلاب الخير، واستدفاع الشر له ومنه، لا لغيره، ولا من غيره، ولا يدعى مع الله أحد ... وقد تقرر أن شرك المشركين الذين بعث الله تعالى إليهم خاتم رسله ﷺ لم يكن إلا باعتقادهم أن الأنداد التي اتخذوها تنفعهم، وتقربهم إلى الله زلفى، وتشفع لهم عنده مع اعترافهم بأن الله سبحانه هو خالقها، وخالقهم، ورازقها، ورازقهم، ومحييها ومحييهم ومميتها ومميتهم..) ٢. ثم يقول الحازمي مبينا وجه الشبه بين المشركين الأولين وبين عباد القبور: (فإن قلت إن هؤلاء القبوريين يعتقدون أن الله تعالى هو الضار النافع، والخير والشر بيده، وإنما استغاثوا بالأموات قصدا لإنجازه ما يطلبونه من الله . قلت: وهكذا كانت الجاهلية فإنهم يعلمون أن الله سبحانه هو الضار النافع، وأن الخير والشر بيده، وإنما عبدوا الأصنام لتقربهم إلى الله زلفى كما حكاه الله عنهم في كتابه العزيز) ٣. ويورد الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين هذا التقسيم، ويسوق بعض أقوال أهل العلم التي توضح ذلك التقسيم وتقرره، فيقول ﵀: (وأما الإقرار بتوحيد الربوبية وهو أن الله سبحانه خالق كل شيء ومليكه ومدبره. فهذا يقر به المسلم والكافر ولا بد منه، لكن لا يصير الإنسان به مسلما حتى يأتي بتوحيد الإلهية الذي دعت إليه الرسل، وأبى عن الإقرار به المشركون، وبه يتميز المسلم من المشرك، وأهل الجنة من أهل النار، فقد أخبر سبحانه في مواضع من كتابه عن المشركين أنهم يقرون بتوحيد الربوبية، ويحتج عليه سبحانه بإقرارهم بتوحيد الربوبية على إشراكهم في توحيد الألوهية. قال سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ ٤ الآية.

стр. 332

قال البكري الشافعي في تفسيره على هذه الآية: إذا قلت إذا أقروا بذلك فكيف عبدوا الأصنام؟ قلت: كلهم كانوا يعتقدون بعبادتهم الأصنام عبادة الله، والتقرب إليه، لكن في طرق مختلفة، ففرقة قالت: ليس لنا أهلية عبادة الله بلا واسطة لعظمته، فعبدناها لتقربنا إليه زلفى. وفرقة قالت: الملائكة ذو وجاهة عند الله، اتخذناها أصناما على هيئة الملائكة لتقربنا إلى الله زلفى، وقالت: جعلنا الأصنام قبلة لنا في العبادة كما أن الكعبة قبلة في عبادته. وفرقة اعتقدت أن لكل صنم شيطانا متوكلا بأمر الله، فمن عبد الصنم حق عبادته قضى الشيطان حوائجه بأمر الله، وإلا أصابه الشيطان بنكبة بأمر الله. وقال ابن كثير عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ١ إنما يحملهم على عبادتهم أنهم عبدوا الأصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين في زعمهم، فعبدوا تلك الصور تنزيلاً لذلك منزلة عبادتهم الملائكة ليشفعوا لهم عند الله في نصرهم، ورزقهم وما ينوبهم من أمر الدنيا. وقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ٢ قال ابن عباس وغيره: إذا سألتهم من خلق السماوات والأرض قالوا الله، وهم يعبدون معه غيره. ففسروا الإيمان في هذه الآية بإقرارهم بتوحيد الربوبية، والشرك بعبادتهم غير الله وهو توحيد الألوهية) ٣. ويبين الشيخ الشثري الفرق بين التوحيدين من خلال إقرار المشركين بتوحيد الربوبية دون توحيد الألوهية، فيقول ﵀: (توحيد الربوبية لم ينكره المشركون، بل أقروا به، فلو أشرك أحد فيما يختص بالرب من ذلك، لكان شركا في توحيد الربوبية لا يغفر، والرب سبحانه يأمر نبيه في كتابه العزيز بأن يحتج على المشركين في شركهم في توحيد الألوهية بإقرارهم بتوحيد الربوبية. قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ ٥ - وغيرها من الآيات التي ذكرها

стр. 333

المؤلف- ثم قال الشثري: (أتراهم مشركين في ربوبيته التي أقروا بها أم شركهم في توحيد الألهية بجعل معبوديهم وسائط بينهم وبين الله؟) ١. ويقول أيضا- موضحا شرك كفار العرب الأولين-: (فإذا عرفت أنهم لم يعتقدوا فيمن عبدوهم صفات الربوبية، وإنما جعلوهم وسائط بينهم وبين الله يحبونهم كحب الله، يدعونهم ويتذللون لهم، ويتضرعون إليهم لطلب الحاجات، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، بزعمهم أن رتبتهم قصرت عن التأهل لسؤال رب الأرض والسماوات قال تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّّّّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ٢) ٣. ومما أورده السهسواني في الجواب على اعتراض دحلان، قوله ﵀: (لا مرية في أننا مأمورون باعتقاد أن الله وحده هو ربنا ليس لنا رب غيره وباعتقاد أن الله وحده هو معبود ليس لنا معبود غيره، وأن لا نعبد إلا إياه، والأمر الأول هو الذي يقال له توحيد الربوبية، والأمر الثاني هو الذي يقال له توحيد الألوهية..) ٤ ثم ذكر السهسواني الآيات الدالة على كلا الأمرين٥ - إلى أن قال ﵀: (ولا أظنك شاكا في أن مفهوم الرب، ومفهوم الإله متغايران، وإن كان مصداقهما في نفس الأمر، وفي اعتقاد المسلمين الخالص واحدا. وذلك يقتضي تغاير مفهومي التوحيد، فيمكن أن يعتقد أحد من الضالين توحيد "الرب" ولا يعتقد توحيد الإله، وأن يشرك واحد من المبطلين في الإلهية، ولا يشرك في الربوبية، وإن كان هذا باطلا في نفس الأمر، ألا ترى أن مصداق الرازق، ومالك السمع والأبصار، والمحي والمميت، ومدبر الأمر، ورب السماوات السبع، ورب العرش العظيم، ومن بيده ملكوت كل شيء والخالق، ومسخر الشمس والقمر، ومنزل الماء من السماء، ومصداق الإله واحد؟ ومع ذلك كان مشركو العرب يقرون بتوحيد الرازق ومالك السمع والأبصار وغيرهما ويشركون في الألوهية والعبادة) ٦.

стр. 334

ويكشف السهسواني عن تنبيه مفيد، وهو أن كون مصداق الرب عين مصداق الإله في نفس الأمر، وعند المسلمين المخلصين، لا يقتضي اتحاد مفهوم توحيد الربوبية والألوهية، ولا اتحاد مصداق الرب والإله عند المشركين. يقول ﵀: (فعباد القبور يقرون بتوحيد الرازق، والمحي والمميت، والخالق والمؤثر، والمدبر والرب، ومع ذلك يدعون غير الله من الأموات خوفا وطمعا، ويذبحون لهم، ويطوفون لهم، ويحلقون لهم، ويخرجون من أموالهم جزءا لهم، وكون مصداق الرب عين مصداق الإله في نفس الأمر، وعند المسلمين المخلصين، لا يقتضي اتحاد مفهوم توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، ولا اتحاد مصداق الرب والإله عند المشركين من الأمم الماضية، وهذه الأمة. أما نعقل أن لفظ توحيد الربوبية، ولفظ توحيد الألوهية كلاهما مركبان إضافيان، والمضاف في كليهما كلي، وهذا غني عن البيان، وكذلك المضاف إليه في كليهما، فإن الربوبية والألوهية منتزعان من الرب والإله، وهم كليان. أما الرب فلأن معناه المالك والسيد والمتصرف للإصلاح والمصلح والمدبر، والمربي، والجابر، والقائم والمعبود، وكل واحد مما ذكر معنى كلي. وأما الإله فلأن معناه المعبود بحق أو باطل، وهو معنى كلي، فالمنتزع منهما أيضا يكون معنى كليا، فتوحيد الربوبية اعتقاد أن الرب واحد سواء كان ذلك الرب عين الإله أو غيره، وتوحيد الألوهية اعتقاد أن الإله واحد سواء كان ذلك الإله عين الرب أو غيره. وإذا تقرر هذا فنقول: يمكن أن يوجد في مادة توحيد الربوبية ولا يوجد توحيد الألوهية لمن يعتقد أن الرب واحد، ولا يعتقد أن الإله واحد، بل يعبد آلهة كثيرة. ويمكن أن يوجد في مادة توحيد الألوهية ولا يوجد توحيد الربوبية لمن يعتقد أن المستحق للعبادة واحد، ولا يعتقد وحدانية الرب، بل يقول إن الأرباب كثيرة متفرقة، ويمكن أن يجتمعا في مادة واحدة كمن يعتقد أن الرب والإله واحد، فثبت أن مفهوم توحيد الربوبية مغاير لمفهوم توحيد الألوهية. نعم توحيد الربوبية من حيث إن الرب مصداقه إنما هو الله تعالى لا غير يستلزم توحيد الألوهية، من حيث إن الإله مصداقه إنما هو الله تعالى لا غير، لكن هاتين الحقيقتين زائدتان على نفس مفهومي التوحيدين، ثابتان بالبرهان العقلي والنقلي) ١.

стр. 335

ثم يقول السهسواني: (على أنا لو قطعنا النظر عن بحث تغاير مفهومي التوحيدين، فمطلوبنا حاصل أيضا، فإن توحيد الألوهية لا يتأتى إنكاره من أحد من المسلمين. وهو كاف لإثبات إشراك عباد القبور، فإنهم إذا دعوا غير الله رغبة ورهبة، وطلبوا منهم ما لا يقدر عليه إلا الله، ونحروا لهم، ونذروا لهم، وطافوا لهم، وحلقوا لهم، وصنعوا غير تلك من العبادات فقد عبدوا غير الله، واتخذوهم آلهة من دون الله) ١. ثم يسوق السهسواني ما استدل به دحلان على اتحاد توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية ويعقبه بالمناقشة والجواب، فلما ادعى دحلان أن قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ ٢ دليل على أن الله اكتفى من البشر بتوحيد الربوبية، لأنه لم يقل ألست بإلهكم، فكان جواب السهسواني على هذا الاستدل بما يلي: (إن غاية ما يثبت من الآية أن الله تعالى لم يذكر في هذه الآية توحيد الألوهية، وهذا لا دلالة له بشيء من الدلالات على اتحادهما، فرب حكم يذكر في آية دون أخرى، وتوحيد الألوهية وإن لم يذكر في هذه الآية فهو مذكور في آيات أخرى، وتوجيه الاكتفاء بتوحيد الربوبية ليس منحصرا في أنهما لما كانا متحدين اكتفى بذكر أحدهما، بل هناك احتمالات أخر: الأول: أن الإقرار بتوحيد الربوبية مع لحاظ قضية بديهية، وهي أن غير الرب لا يستحق العبادة يقتضي الإقرار بتوحيد الألوهية عند من له عقل سليم وفهم مستقيم، قال ابن كثير تحت قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ﴾ ٣ الآية، يحتج تعالى على المشركين باعترافهم بوحدانية ربوبيته على وحدانية ألوهيته. الاحتمال الثاني: أن في الآية اختصارا والمقصود: ألست بربكم وإلهكم؟ يدل عليه أثر ابن عباس: إن الله مسح صلب آدم فاستخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، فأخذ منهم الميثاق أن يعبدون ولا يشركوا به شيئا، وتكفل لهم بالأرزاق.. الحديث.

стр. 336

الاحتمال الثالث: أن المراد بالرب المعبود، قال القرطبي: الرب المعبود، وعن عكرمة في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ١ قال يسجد بعضنا لبعض، كذا قال الحافظ ابن كثير في تفسيره وغيره، وقال الله تعالى في سورة التوبة: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢ فالمراد بالأرباب في تلك الآية هم المعبودون) ٣. ويرد الشيخ ابن سحمان دعاوى الحداد في اعتراضه على ذلك التقسيم فيقول ﵀: (وأما قوله- أي الحداد-: فيا عجبا هل للكافر توحيد صحيح؟ فإنه لو كان توحيده صحيحا لأخرجه من النار.. إلخ. والجواب: لم يقل الشيخ إن للكافر المشرك توحيدا صحيحا، ولكن أخبر أن مشركي العرب كانوا مقرين بأن الله وحده خالق كل شيء، وكانوا مع هذا مشركين، قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ٤ قال طائفة من السلف: تسألهم من خلق السماوات والأرض فيقولون الله وهم مع ذلك يعبدون غيره، فإيمانهم هو إقرارهم بتوحيد الربوبية، وهذا الإيمان بتوحيد الربوبية لا يدخلهم في الإسلام وهم يعبدون غير الله، أي يشركون به في توحيد الألوهية) ٥. ويؤكد عبد الكريم بن فخر الدين على ضرورة التفريق بين نوعي التوحيد، فيقول: (أقول قال الله سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٦ وقال عز من قائل: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ

стр. 337

يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ١ الآية، فتبين لك أن المشركين من العرب الأول كانوا يقرون بربوبية الله تعالى، وينكرون وحدانيته تعالى في الألوهية أي العبودية، ويقولون إنكارا منهم ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٢ الآية.. فلأجل ذلك تنوع التوحيد بنوعين توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، فإنكار هذا إنكار الحس) ٣. وقد أجاب القصيمي على دعاوى الدجوي، وتتبعها بالرد والنقاش، ثم أعقبها بالبراهين الدالة على خلاف تلك الدعوى ... فلما زعم الدجوي أن المشركين كانوا ينكرون وجود الله مستدلا بما فهمه من الآيات القرآنية، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ ٤ فأجاب القصيمي على هذا الاستدلال بعدة أوجه نذكر منها: (الأول: ليس في الآية الكريمة إنكار للرحمن، وإنما فيها استفهام عنه "بما" التي يسأل بها عن حقيقة الشىء، والمصدق بوجود الأمر يسأل عنه، لا خلاف بين اللغويين في ذلك، فهم يقولون: ما الروح؟ كما قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ ٥ وهم يؤمنون بها.. فالسؤال عن الأمر ليس إنكارا له. الثاني: نقول هب ذلك جحودا، ولكن هل هو جحود لذاته تعالى؟ أم جحود لتسميته بالرحمن؟ هو لم يدلل على ما قال، وقد سمع العربي لفظ عقار وخندريس وكميت، من أسماء الخمر، فيقول ما العقار وما الخندريس وما الكميت؟ وهو مؤمن بها، وقد يكون شربها، ولكن يجحد تسميتها بهذا الاسم، أو يجهلها، فالاسم غير المسمى، والمدلول غير الدال. الثالث: في خبر صلح الحديبية لما أمر رسول الله ﷺ بكتابة "بسم الله الرحمن الرحيم" فقال سهيل بن عمرو نائب المشركين في الصلح: أما الرحمن فلا نعرفه، ولكن اكتب باسمك اللهم، فقول سهيل: لا نعرف الرحمن، ولكن اكتب باسمك اللهم. يدل على أمرين، على أنهم مؤمنون بالله، وأنهم يستعينون به في أمورهم، وعلى أن الذي ينكرونه هو وصفه بالرحمن، ولو كانوا ينكرون ذاته لعارض باسم اللهم، ولأنكر لفظ الجلالة، ولفظ الرحيم المذكورين فهذا يفسر الآية، ويوضح قولهم ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ ٦.

стр. 338

الرابع: المفسرون قاطبة يفسرون الآية بإنكار المشركين لهذا الاسم لا لذاته، وقد أجمعوا على هذا التفسير. الخامس: هذه الآية على فهمهم مخالفة لتسمية العرب مشركين بالله والناس قاطبة يقولون أنهم مشركون بالله، فلو كانوا جاحديه لما كانوا مشركين به، فتسميتهم مشركين بالله يدل على أنهم مؤمنون بوجوده، ولكن عبدوا معه غيره) ١. وقد ذكر القصيمي أجوبة أخرى ... فنكتفي بما ذكرناه٢. ثم رد القصيمي مقالة الدجوي بأن الرسول لم يذكر الفرق بين التوحيدين فقال القصيمي: (نقول: إما أن يريد أنهم لم يذكروه باللفظ المذكور، وإما أن يريد أنهم لم يذكروه ولا بالمعنى، ولم يفهموا من دخل في الدين أن هناك توحيدين، إن أراد الأول فلا يضرنا ولا ينفعنا..، وإن أراد الثاني نازعناه، وقلنا إنك لم تقم دليلا عليه، بل نقول إن الرسول وأصحابه أعلموا الداخلين في الدين أن هناك توحيد ألوهية وربوبية بقولهم لهم قولوا لا إله إلا الله، ولا تعبدوا إلا الله ولا تدعوا إلا إياه، مع قولهم لا خالق ولا رازق إلا الله، وهؤلاء يريدون أن يكون كلام رسول الله ﷺ بأن يقول: ينقسم التوحيد إلى قسمين ... ) ٣. ثم ذكر القصيمي البراهين على الفرق بين توحيد الألوهية، والربوبية فكان مما قاله: البرهان الأول: فرقت كتب اللغة والتفسير بين معنى كلمة الإله، وبين معنى كلمه الرب، فالإله بمعنى المعبود، والرب بمعنى المالك للشيء وصاحبه. البرهان الثائي: قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ. مَلِكِ النَّاسِ. إِلَهِ النَّاسِ﴾ ٤ ذكر الرب ثم المالك ثم الإله، فلو كان الرب والإله شيئا واحدا. لكان في الآية تكرار ينبو بها عن حد البلاغة. البرهان الثالث: باتفاق أهل اللغة أن إلها بمعنى مألوه ككتاب أي مكتوب، وأن

стр. 339

ربا بمعنى راب أي اسم فاعل، لأنه يقال رب الناس أي ملكهم، فلا يصح تفسير اسم الفاعل باسم المفعول. البرهان الرابع: أخبر القرآن أن الكفار كان يسمون أصنامهم آلهة قالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِك﴾ ١ ولم يخبر في آية أنهم قالوا لها أربابا، فلو كان لا فرق بين اللفظين لسموها أربابا كما سموها آلهة. البرهان الخامس: الذي يحقن دم المشرك أن ينطق بكلمة الإخلاص على- ألا يأتي بما بنقضها- وهذه الكلمة التي تحقن الدم هي لا إله إلا الله باتفاق المسلمين. ولا يعصمه أن يقول لا خالق إلا الله بإجماع المذاهب، ولو كان معنى الإله والرب واحدا لما عصم دمه أحد اللفظين دون الآخر) ٢. وهكذا يظهر- عبر تلك النقول لأئمة الدعوة وأنصارها- أن تقسيم التوحيد إلى توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، والتفريق بينهما، أن ذلك تقسيم وتفريق تثبته الأدلة، وتقرره النصوص، ويشهد له أئمة العلم والهدى. فليس تقسيما مبتدعا- كما ادعاه أولئك الناس- استحدثه ابن تيمية أو ابن عبد الوهاب، بل الصواب والحق في هذا التقسيم والتفريق، والزيغ والضلال في الإعراض عنه، والاعتراض عليه، ومن ثم ظهر ما كان عليه الخصوم من الجهل بحقيقة التوحيد، وقصر التوحيد على توحيد الربوبية، حتى ظنوا أن مشركي العرب قد أنكروا توحيد الربوبية، الذي يعتبرونه - هؤلاء الخصوم- غاية التوحيد. ومن المناسب في نهاية هذا الفصل أن نذكر ما كتبه حسين بن مهدي النعمي ﵀ حول إقرار مشركي العرب بتوحيد الربوبية، دون الإقرار بتوحيد العبادة، يقول: (ولقد تتبعنا في كتاب الله فصول تراكيبه، وأصول أساليبه، فلم نجده تعالى حكى عن المشركين أن عقيدتهم في آلهتهم وشركائهم التي عبدوها من دونه، أنها تخلق، وترزق، وتحيي، وتميت، وتنزل من السماء ماء، وتخرج الحي من الميت، والميت من الحي ... بل إذا ضاق عليهم الأمر واشتدت بهم الكرب، فزعوا إلى الله وحده، فإذا سئلوا عن حقيقة دينهم هل هو شرك في الربوبية؟ دانوا وأذعنوا للرب وحده بالاختصاص بكل ذلك والانفراد، وهذا واضح لمن ألقى السمع للقرآن فيما حكى عنهم

стр. 340

بقوله: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ. قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ١ الآيات. فهذا شرك القوم واتخاذهم الآلهة الذي كان سببا أن سجل عليهم ربهم القاهر فوق عباده بالشرك والغي والضلال والكفر والظلم والجهلة) ٢. ويقول النعمي في موضع آخر: (ومن أمعن النظر في آيات الكتاب وما قص من محاورات الرسل مع أممهم وجد أن أس الشأن، ومحط رحال القصد شيوعا، وكثرة وانتشارا وشهرة، هو دعاء الله وحده، وإخلاص العبادة له، وأن الغافلين كانوا بنقيض هذه الصفة من دون أن يضيفوا لما عبدوا شيئا من صفات الربوبية كخلق ورزق وغيرهما، أو يجعلوا لها من ذواتها وصفاتها مقتضيا وملزما للعبادة، بل أعربوا عن اتخاذها آلهة لتقريبهم إلى الله وشفاعتها عنده..) ٣.

стр. 341

الفصل الثالث: إنكار دعاء الموتى ساق خصوم الدعوة السلفية اعتراضا ثالثا على دعوة الشيخ الإمام، فذكروا أن الشيخ الإمام ينكر دعاء الموتى، وينكر الاستغاثة بهم، بل ويكفر من دعا الأموات واستغاث بهم. وقبل أن نورد هذا الاعتراض بشيء من البيان والتوضيح، وما تضمنه من استدلالات الخصوم في جواز دعاء الموتى والاستغاثة بهم، فإن من المناسب أن نذكر بأن هذا الفصل يتداخل مع فصل تحريم التوسل، فهناك علاقة وارتباط بينهما، حيث إن مسألة الدعاء والاستغاثة تتصل بمسألة التوسل كما هو ظاهر في فصل تحريم التوسل. ولذا فإن بعض المسائل والأفكار التي سبق ذكرها هناك- في فصل تحريم التوسل- ولها صلة بهذا الفصل، فإننا هاهنا نسوقها بإيجاز وإجمال، لكي يكتمل عرض أفكار هذا الفصل بصورة شمولية، وقد نضيف إليه ما يزيده بيانا ووضوحا. وأفردت مسألة دعاء الموتى بهذا الفصل، نظرا لأهمية عبادة الدعاء ووجوب صرفها لله وحده، فالدعاء كما هو معلوم من أفضل الطاعات وآكد العبادات، وأعظمها شأنا، وأعلاها قدرا، وقد دل على هذا الكثير من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية. ويقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في هذا المقام: (الدعاء عبادة من أجل العبادات، بل هو أكرمها على الله.. فإن لم يكن الإشراك فيه شركا، فليس في الأرض شرك، وإن كان في الأرض شرك، فالشرك في الدعاء أولى أن يكون شركا من الإشراك في غيره من أنواع العبادة، بل الإشراك في الدعاء هو أكبر شرك المشركين الذين بعث إليهم رسول الله رسول الله ﷺ فإنهم يدعون الأنبياء والصالحين والملائكة ليشفعوا لهم عند الله، ولهذا يخلصون في الشدائد لله، وينسون

стр. 342

ما يشركون) ١. ومع أهمية هذه العبادة، ووجوب صرفها لله وحده، وإخلاص الدعاء له سبحانه في السراء والضراء، حيث أن تجريد الدعاء لله وحده إيمان وتوحيد، ودعاء غيره- مهما كان- كفر وإشراك، ومع كل ذلك، فإن الكثير قد اتخذوا من الموتى ملجأ وملاذا يلوذون بهم، فيسألونهم تفريج الكربات، وقضاء الحاجات، وربما زادوا على تلك فسألوهم دخول الجنان، والنجاة من النيران. ولم يقفوا عند هذا الحد، بل تجاوزوا ذلك، فأنكروا على من أخلص الدعاء لله وحده، واعترضوا عليه وخالفوه، كما فعل أولئك الخصوم مع أتباع هذه الدعوة السلفية. ومما يجدر ذكره أن الخصوم قد يعترضون على الشيخ الإمام في إنكاره دعاء الموتى والاستغاثة بهم، ولكن لا يسمونه دعاء، فقد يسمونه توسلا- أحيانا- وربما أطلقوا عليه استمدادا، وربما جعلوه تشفعا، وربما زينوا دعاء الموتى وصيروه نداء لا دعاء، وكل ذلك يفعله أولئك الخصوم لكي يزينوا للعوام ذلك الشرك بأسماء لا ينفرون منها ... وقصدهم ومرادهم من تلك الأسماء هو سؤال الموتى، وطلب الحاجات منهم، وطلب حصول الغوث منهم، وسؤال المدد، وشفاء المرض وغيره من الأمور التي لا تسأل ولا تطلب إلا من الله وحده. ويورد الخصوم اعتراضهم على إنكار دعاء الموتى، فيستغربون ويستنكرون المنع من سؤال الموتى، والاستغاثة بهم، ثم يوردون ما عندهم من الاستدلالات في إثبات وتجويز دعاء الأموات، فيدعون أن سؤال الموتى ودعاءهم جائز، كما جاز سؤال الأحياء وطلب عونهم، ووجه المساواة بين الموتى والأحياء هو أن الأموات كالأحياء في الحياة، فلهم حياة برزخية يدركون فيها ويشعرون، ويتصرفون كالأحياء، وأيضا فالأموات مثل الأحياء في السؤال وطلب الحاجات؛ لأن من سأل ودعا ميتا معتقدا أن الله هو المؤثر والفاعل، فهذا جائز، مثل سؤال الأحياء، فلا فرق بين الأحياء والأموات؛ لأن الفاعل حقيقة هو الله، ويدعي أولئك الخصوم أن سؤال الموتى ليس دعاء لهم، بل هو نداء كنداء الغائب، وليس كل نداء دعاء، فيجوز نداء الموتى ما دام أن الذي يناديهم لا يعتقد التأثير لهم، بل يجعل الله هو المؤثر وحده.

стр. 343

وبهذا يظهر ما تضمنه اعتراض الخصوم في هذا الفصل إجمالا، وسنذكره الآن بشيء من التفصيل مدعما بأقوال الخصوم من خلال كتبهم: يقول القباني معترضا: (وأما ما ادعاه بأن الاستغاثة هي عبادة لغير الله تعالى، وأنها شرك أكبر من شرك الكفار، فلم يقم على ذلك الدليل والبرهان..) ١. ويجوز القباني الاستغاثة بغير الله فيقول: (جواز التوسل والتشفع والاستغاثة برسول الله ﷺ وبغيره من الأنبياء والأولياء) ٢. ويدعي القباني أن منع الاستغاثة بالأموات قول محدث فيقول: (قد قلدت ابن تيمية في عدم جواز التشفع والاستغاثة بمخلوق ميت أو غائب) ٣. ويؤكد الحداد جواز الاستغاثة بالأنبياء، والمرسلين وبالعلماء الصالحين بعد موتهم ... ويعلل ذلك بقوله: (لأن معجزات الأنبياء، وكرامات الأولياء لا تنقطع بموتهم، أما الأنبياء فلأنهم أحياء في قبورهم يأكلون، ويشربون، ويصلون، ويحجون بل وينكحون كما وردت بذلك الأخبار. والشهداء أيضا أحياء عند ربهم شوهدوا نهارا، وجهارا يقاتلون الكفار في العالم المحسوس في الحياة وبعد الممات) ٤. ويدعي الحداد أن إنكار الاستغاثة بالأموات من هفوات الشيخ الإمام، فيقول: (ومن هفوات النجدي إنكار التوسل والاستغاثة والمناداة بأسمائهم أي الأموات..) ٥. ثم يقول محتجا: (.. كيف ساغ له أن ينكر على الأكابر، بل يسميهم مشركين

стр. 344

لما استغاثوا بالأموات) ١. ويسوق محسن بن عبد الكريم أقوال أسلافه ممن عارض هذه الدعوة، فأنكروا أن يوجد الشرك في دعاء غير الله، فيقول: (وألزمهم- أي ألزم يوسف بن إبراهيم الأمير الوهابيين- أن الشرك في الدعاء ليس بشرك أكبر، فلا يخرج به فاعله من دائرة الإسلام بعد تحقق دخوله فيه، وعرفهم أن للدعاء في الآيات والحديث التي تمسكوا بها معنى غير النداء لطلب الحاجات) ٢. ويقول محسن: (وأما المولى عبد الله بن عيسى في كتابه "السيف الهندي"، فإنه لم يساعدهم من أول الأمر على تسمية دعا الأولياء والتوسل بهم معصية فضلا عن أن يكون شركا أصغر. فكيف يكون شركا أكبر مخرجا عن الإسلام) ٣. ويدعي ابن جرجيس أن الواقع لمنع الوهابيين من الاستغاثة بالأنبياء والأولياء بعد موتهم هو عدم إيمانهم بالحياة البرزخية٤ وابن جرجيس بدعواه تلك قد افترى عليهم بهتانا عظيما.. ويدعي ابن جرجيس أن حياة الأنبياء ﵈ في قبورهم حياة حقيقية ويجعل باباً في سماع الموتى يقول فيه: (ولما كان الميت لا يرد ردا متعارفا، بل ردا نؤمن به ولا نسمعه غالبا لم يحصل حقيقة التكلم.. لا لأن الميت لا يسمع. وهذا ظاهر) ٥. ويقول أيضا: (وكان بعض من يدعي العلم في زعمه، يقول كيف يعلم الأنبياء والأولياء، بمن يستشفع بهم ويناديهم، فقلت لهم هم مكشوف لهم في الدنيا، وهم على ما هم عليه بعد موتهم) ٦.

стр. 345

ويدعي ابن جرجيس أن الأولياء حياتهم حقيقية، فلا مانع من الطلب منهم فلا إثم في ذلك، مادام أن الطالب منهم يعتقد أن الفعل لله وحده، ثم يزيد في كذبه وافترائه، ويدعي إجماع العلماء على جواز الطلب من الموتى. يقول ابن جرجيس: (إن الأنبياء والأولياء المنقولين بسيف المجاهدة لله كالشهداء الوارد فيهم النص القرآني في حياتهم الحقيقية. كيف يستغرب طلب التسبب منهم والتشفع.. فهل إذا عامل أحد هؤلاء الذين هذا حالهم معاملة الأحياء يلام على ذلك. أو يعاب، أو يؤثم ... مع اعتقاده أن الفعل لله وحده خلقا وإيجادا لا شريك له، وأنه يكون من أهل القبور من الأنبياء والأولياء تسببا وكسبا) ١. ثم يقول: (فالأحاديث الواردة في الطلب من الموتى، وأجمع عليها العلماء، مبني أمرها على هذا الأصل..) ويجوز ابن داود الهمداني الاستغاثة بالموتى، ويعلل ذلك أن المستغيث بهم يعتقد أن المتصرف في الأمور هو الله، وأنه وحده يملك الضر والنفع، ولكن مع ذلك يوجه الخطاب والطلب إلى المقرب. فالطلب في الحقيقة منه تعالى لا من سواه، وإن كان في الظاهر متوجها إلى غيره٢. ويجوز ابن داود الاستغاثة بالموتى؛ لأنه لا فرق بين الأحياء والأموات فيقول: (فإنه لا فرق بين الميت والحي، إلا أن الروح مفارق عن البدن العنصري في الميت، وحال في الحي، ومتعلق التعظيم، والاستغاثة والمخاطبة والاستجارة ونحوها إنما هو الروح وليس للبدن) ٣. ويدعي دحلان كذلك عدم الفرق بين الأحياء والأموات؛ لأنهم لا يخلقون شيئا، والمؤثر والخالق هو الله وحده.. كما أن المستغاث به حقيقة هو الله، وأما النبي أو الولي فهو واسطة بينه وبين المستغيث، فالغوث من الله خلقا وإيجادا، والغوث من المخلوق تكسبا وتسببا٤.

стр. 346

ويرد دحلان على من جعل دعاء غير الله شركا، ويسمى دحلان هذا الدعاء ندا، فيقول: (وشبهتهم التي يتمسكون بها أنهم يزعمون أن النداء دعاء، وكل دعاء عبادة، بل الدعاء مخ العبادة. وحاصل الرد عليهم أن النداء قد يسمى دعاء كما في قوله تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ ١ لكنه لا يسمى عبادة، فليس كل دعاء عبادة، ولو كان كل نداء دعاء، وكل دعاء عبادة، لشمل ذلك نداء الأحياء والأموات، فيكون كل نداء ممنوعا مطلقا سواء كان للأحياء والأموات، أم للحيوانات والجمادات. وليس الأمر كذلك، وإنما النداء الذي يكون عبادة هو نداء من يعتقد ألوهيته، واستحقاقه للعبادة فيخضعون بين يديه، فالذي يوقع في الإشراك هو اعتقاد ألوهية غير الله تعالى، أو اعتقاد التأثير لغير الله تعالى، وأما مجرد النداء لمن لا يعتقدون ألوهيته وتأثيره، فإنه ليس عبادة ولو كان ميتا أو غائبا) ٢. ويورد السمنودي إنكار أئمة الدعوة السلفية الاستغاثة بالموتى في مقام الاعتراض والمخالفة، فيقول عنهم: (أنكروا جواز الاستغاثة بالنبي ﷺ وكذا بغيره من الأنبياء والصالحين والأولياء. بل تجاوزوا الحد فزعموا أن الاستغاثة بالنبي ﷺ وكذا بغيره ممن ذكروا شرك أكبر ... ) ٣. ويقرر السمنودي أن حياة الموتى في قبورهم حياة حقيقية، فبعد أن ساق حديث حمل الجنازة والإسراع بها، وأنها إن كانت صالحة قالت قدموني ... الحديث، قال السمنودي بعد إيراد هذا الحديث: (فهذا يدل على أن الميت يتكلم حقيقة بلسان المقال بحروف وأصواتٍ يخلقها الله تعالى فيه، وأسند الفعل إلى الجنازة وأراد الميت) ٤. ويجوز الطباطبائي الاستغاثة بالموتى، وأنها ليست بشرك فيقول:

стр. 347

(وأما عدم كون التوسل بالميت إلى الله شركا، فلأنه نظير التوسل بالحي وسؤاله قضاء الحوائج بواسطة دعائه من الله تعالى، فكما أنه ليس من الشرك، كذلك التوسل بالميت، فيجعل أحد التوسلين كالآخر، بجامع السؤال من المخلوق، إذ لا وجه لتوهم كونه شركا، إلا كونه دعاء لغير الله تعالى، فإذا جاز بالنسبة إلى الأحياء جاز مطلقا.. وذلك لوقوع نداء المخلوق والدعاء، والالتماس له في الكتاب لقوله سبحانه ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ ١ وسؤال قوم موسى منه الاستسقاء، وقال سبحانه حكاية عن يوسف ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ٢ فلو جازت هذه الأسئلة ولم تكن شركا، جاز سؤال الأنبياء والأولياء عند الوقوف على قبورهم، أو من مكان بعيد إجابة للمضطر) ٣. ويدعي الطباطبائي عدم التفريق بين الحي وبين الميت؛ لأن للميت من الإدراك والشعور مثل ما له حال الحياة، بل يدعي أن الميت يزيد على الحي في الإدراك، وأن الكتاب، والسنة والإجماع قد دل على ذلك٤. ويزعم الطباطبائي أن الأنبياء قد استعانوا بغير الله، فيقول: (فالأنبياء مع أنهم معصومون، استعانوا بغير الله تعالى، حتى نزل في حق محمد ﷺ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٥ فكيف تنكر الوهابية جواز الاستمداد بالمخلوق) ٦. ويذكر الطباطبائي مقالة الوهابيين في شأن دعاء غير الله، ثم يردها.. فيقول: (وثالثها قول الوهابية: أن الدعاء مخ العبادة، والعبادة لا تجوز لغير الله تعالى، لأنها شرك. والجواب عنه: المنع عن أن مطلق الدعاء عبادة فضلا عن أين يكون روح العبادة، وإنما الدعاء من الدعوة، ومنها قوله تعالى: ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا﴾ ٧ - وذكر الطباطبائي آيات أخرى، إلى أن قال-: فإن المراد من الدعاء فيها النداء، وليس كل

стр. 348

نداء دعاء، وكل دعاء عبادة، بل ولا دعاء الله عبادة لمحض ندائه ومجرد خطابه..) ١. وعقد النبهاني في كتابه "شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق" بابا يتكون من أربعة فصول لتقرير مشروعية الاستغاثة بالنبي ﷺ وغيره من الأنبياء والأولياء- أحياء وأمواتا٢. ويدعي النبهاني أن هؤلاء المستغيثين بالموتى يعترفون بأن الله وحده هو الفعال، فلا حرج عليهم في ذلك ... يقول: (وأنت إذا نظرت إلى كل فرد من أفراد المسلمين عامتهم وخاصتهم، لا تجد في نفس أحد منهم غير مجرد التقرب إلى الله لقضاء حاجاتهم الدنيوية والأخروية بالاستغاثات. مع علمهم بأن الله هو الفعال المطلق المستحق للتعظيم بالأصالة وحده لا شريك له) ٣. ويدعي الزهاوي تجويز العلماء الأجلاء الاستغاثة بالرسول ﷺ فيقول: (وقد جوّز العلماء الاستغاثة والتوسل بالنبي ﷺ فإطلاق لفظ الاستغاثة على من يحصل منه غوث ولو تسببا وكسبا أمر نطقت به اللغة، وجوزه الشرع..) ٤. ويجوز الزهاوي الاستغاثة بالموتى، لأن الموتى لهم حياة وسماع مثل الأحياء، فيقول: (لا يقال إن حياة الأنبياء والشهداء غير الحياة الدنيوية، فلا تنطبق هذه على تلك، لأنا نقول لو سلمنا أن تلك الحياة ليست من نوع الحياة الدنيوية، فمجرد ثبوت الحياة لهم أي حياة كانت، كاف لثبوت السماع لهم وتجويز التوسل والاستغاثة بهم..) ٥. ويبيح الدجوي الاستغاثة بغير الله من الموتى والغائبين، ويذكر المسوغات لتجويز دعواه فيقول: (فالمستغيث لا يعتقد أن المستغاث به من الخلق مستقل في أمر من الأمور غير مستمد من الله تعالى، أو راجع إليه. وذلك شيء مفروغ منه، ولا فرق في ذلك بين

стр. 349

الأحياء والأموات، فإن الله خالق كل شيء..) ١. كما يدعي الدجوي أيضا عدم الفرق بين الأحياء، والأموات، لأن الأموات لهم حياة مثل الأحياء، فيقول: (لا فرق بين الحي والميت، فإن منزلته ميتا كمنزلته حيا، لأن الفاعل حقيقة هو الله. كما أن الأرواح بعد موتها باقية مدركة فاهمة على نحو ما كانت عليه في حياتها أو أشد، ولذلك يتساءلون عن الأحياء، ويفرحون، ويحزنون بما يكون منهم..) . ويسوغ محمد حسنين مخلوف الاستغاثة بالرسول فيقول: (الدعاء بنحو أغثني أو أعني يا رسول الله ليس توسلا ممنوعا بل هو جائز سائغ، فإن الاستغاثة طلب الغوث والتخلص من البلية. وهذا كما يسند إلى الله تعالى، يسنده إلى غيره.. وكذلك الاستعانة فإنها طلب المعونة من الغير، وهي من الله تعالى خلق الفعل في العبد، ومن العباد المشاركة في الفعل ليسهل..) ٢. ويقول مخلوف: (أن الاستغاثة تستعمل تارة في طلب الإغاثة بمعنى خلق التخلص من البلية وهذا مختص به تعالى، وتارة في طلب الإغاثة بمعنى السعي في التخلص من الشدة وهذا المعنى يصح إسناده إلى العباد) ٣. ويجوز حسن الشطي الاستغاثة بالأنبياء، والأولياء والصالحين حال حياتهم، وبعد مماتهم بحجة أن: (الاستغاثة والطلب في حقيقة الأمر من الله تعالى لا من غيره فلا يصح القول بمنعها) ٤. ويسوق العاملي ما ذكره الشيخ الإمام في حكم من استغاث بغير الله، ذلك في مقام الاعتراض عليه، والإنكار لمقالته، فيقول العاملي: (وصرح محمد بن عبد الوهاب بأن دعاء غير الله، والاستغاثة بغير الله موجب

стр. 350

للارتداد عن الدين، والدخول في عداد المشركين) ١. ويرد العاملي على الوهابيين في منعهم من الاستغاثة بالمصطفى بعد وفاته وسائر الأنبياء، فيقول: (فإن كان منعه لأنه خطاب غير قادر على سماع الكلام فالنبي محمد وسائر الأنبياء أحياء بعد الموت) ٢. ويجوز العاملي دعاء الأنبياء مادام أن الداعي لا يعتقد استقلالاهم بقضاء الحاجات، فيقول: (فدعاء الأنبياء والصالحين ليس دعاءهم بالذات بأن يحسبوا كافين في قضاء الحاجة، وإنجاح المأمور.. وأما الذين يحسبهم كفاة مستقلين في دفع مكروه أو جلب نفع واستغنى بذلك عن دعوة الله فنحن أيضا نحكم بكفره وشركه) ٣. ويسوق سوقية دليلا على حياة الموتى فيقول: (فالحياة ثابتة قطعا لا يشك فيها مؤمن.. خلافا لهذه الفرقة المغرورة الشاذة، بل إن علماء أوربا يقولون بخلود الأرواح وقد توصلت لاستحضارها ومخاطبتها بالنوم ... مما يدل دلالة قاطعة على الحياة بعد الموت) ٤. ويزعم محمد بن أحمد نور- فيما نقله عنه الشيخ صالح بن أحمد- أن تفسير قوله تعالى- في شأن الشهداء- ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ٥ هو: (أن الشهداء أحياء، ولكن لا تشعرون ما هم فيه من الحال من تنعيم وفرح وسرور واستبشار) ٦.

стр. 351

ويجوز محمد الطاهر يوسف الاستغاثة بالأموات، ويعلل ذلك (بأن استناد الإغاثة إلى الله استناد حقيقي، واستنادها إلى الخلق مجازي، ولا فرق بين الحي والميت؛ لأن المتولي لأمورهم في الدارين هو الله الذي أكرمهم بفضله) ١. وبعد إيراد اعتراض أولئك الخصوم على إنكار أئمة الدعوة السلفية الاستغاثة بالموتى ودعائهم، وما تضمنه هذا الإيراد من بيان بعض استدلالاتهم وحججهم في ذلك، بعد ذلك نسوق بعض ما كتبه أئمة الدعوة السلفية وأنصارها في تقرير وتأكيد أن الدعاء عبادة يجب صرفها لله وحده، وأن من دعا غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو مشرك كافر. وسيتضح هذا جليا من خلال أجوبتهم ومناقشتهم لأقوال الخصوم. لقد ركز الشيخ الإمام على عبادة الدعاء، وبين وجوب صرفها لله وحده سواء كان الدعاء دعاء مسألة، أو دعاء عبادة، وعقد بابا في كتابه "كتاب التوحيد" بعنوان: "باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره"٢. وألف الشيخ الإمام ﵀ رسالة موجزة في مسائل مستنبطة من قول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ٣ فقال ﵀ فيها عشر درجات.. نختار منها قوله: الأولى: تصديق القلب أن دعوة غير الله باطلة، وقد خالف فيها من خالف. الثانية: أنها منكر يجب فيها البغض، وقد خالف فيها من خالف. الثالثة: أنها من الكبائر والعظائم المستحقة للمقت والمفارقة وقد خالف فيها من خالف. الرابعة: أن هذا هو الشرك بالله الذي لا يغفره، وقد خالف فيها من خالف. الخامسة: أن الداعي لغير الله لا تقبل منه الجزية كما تقبل من اليهود، ولا تنكح نساؤهم كما تنكح نساء اليهود، لأنه أغلظ كفرا) ٤. ولما دخلت جيوش الموحدين مكة سنة ١٢١٨هـ، كان مما حدث مع علماء مكة ما سطره الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب:

стр. 352

(عرفناهم أنا دائرون مع الحق أينما دار، وتابعون للدليل الجلي الواضح، ولا نبالي حينئذ بمخالفة ما سلف عليه من قبلنا، فلم ينقموا علينا أمرا، فألحينا عليهم في مسألة طلب الحاجات من الأموات إن بقي لديهم شبهة، فذكر بعضهم شبهة أو شبهتين، فرددناها بالدلائل القاطعة من الكتاب والسنة حتى أذعنوا، ولم يبق عندهم أحد منهم شك ولا ارتياب فيما قاتلنا الناس عليه، أنه الحق الجلي الذي لا غبار عليه، وحلفوا لنا الأيمان المعقدة من دون استحلاف على انشراح صدورهم، وجزم ضمائرهم، أنه لم يبق لديهم شك في من قال: يا رسول الله أو قال ابن عباس، أو يا عبد القادر، أو غيرهم من المخلوقين طالبا بذلك دفع شر أو جلب خير في كل ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى من شفاء المريض، والنصر على العدو، ونحو ذلك أنه مشرك الشرك الأكبر الذي يهدر دمه ويبيح ماله، وإن كان يعتقد أن الفاعل المؤثر في تصريف الكون هو الله وحده، لكنه قصد المخلوقين بالدعاء متقربا لهم لقضاء حاجته) ١. وقد سبق في فصل تحريم التوسل بيان بطلان أن تكون الاستغاثة بالأنبياء وغيرهم بمعنى التوسل من عدة أوجه، كما قرر ذلك في كتاب "التوضيح" فأغنى عن إعادته وتكراره٢. ويبين الشيخ حمد بن ناصر بن معمر- ﵀ بطلان دعاء الموتى فيقول: (نحن نعلم بالضرورة أن النبي ﷺ لم يشرع لأمته أن يدعوا أحدا من الأموات، لا الأنبياء، ولا الصالحين، ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور وأن ذلك من الشرك الأكبر الذي حرمه الله ورسوله ... يقول تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً. أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ ٣ فهذه الآية خطاب لكل من دعا من دون الله مدعوا، وذلك المدعو٤ يبتغي إلى الله الوسيلة ويرجو رحمته ويخاف عذابه، فكل من دعا ميتا أو غائبا من الأنبياء والصالحين، فقد تناولته هذه الآية، وقد دعا من لا يغيثه ولا يملك كشف الضر عنه ولا تحويله ... ) ٥.

стр. 353

ويوضح الشيخ حمد حكم من دعا ميتا، أو غائبا فيقول: (من دعا ميتا أو غائبا فقال يا سيدي فلان أغثني، أو انصرني، أو ارحمني، أو اكشف عني شدتي، ونحو ذلك فهو كافر مشرك، يستتاب فإن تاب وإلا قتل. وهذا مما لا خلاف فيه بين العلماء، فإن هذا هو شرك المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ فإنهم لم يكونوا يقولون: إنها تخلق، وترزق وتدبر أمر من دعاها، بل كانوا يعلمون أن ذلك لله وحده كما حكاه عنهم في غير موضع في كتابه، وإنما كانوا يفعلون عندها ما يفعله إخوانهم من المشركين اليوم من دعائها والاستغاثة بها..) ١. ويسوق الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب- ﵀ إجماع العلماء في حكم من صرف الدعاء لغير الله فيقول: (اعلم أن العلماء أجمعوا على أن من صرف شيئا من نوعي الدعاء- أي دعاء العبادة ودعاء المسألة- لغير الله فهو مشرك، ولو قال لا إله إلا الله محمد رسول الله وصلى وصام. إذ شرط الإسلام مع التلفظ بالشهادتين أن لا يعبد إلا الله، فمن أتى بالشهادتين وعبد غير الله، فما أتى بهما حقيقة وإن تلفظ بهما كاليهود الذين يقولون لا إله إلا الله وهم مشركون) ٢. ومما أورده الشيخ سليمان في شرحه للآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ٣ - أثناء شرحه لباب (من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره) من "كتاب التوحيد"- يقول ﵀: (حاصل كلام المفسرين أن الله تعالى حكم بأنه لا أضل ممن يدعو من دون الله لا دعاء عبادة، ولا دعاء مسألة، واستغاثة من هذه حاله، ومعنى الاستفهام في إنكار أن يكون الضلال كلهم أبلغ ضلالا ممن عبد غير الله ودعاه، حيث يتركون دعاء السميع المجيب القادر على تحصيل كل بغية ومرام، ويدعون من دونه من لا يستجيب

стр. 354

لهم، ولا قدرة به على استجابة أحد منهم مادام في الدنيا، وإلى أن تقوم القيامة) ١. ولما سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن عن حكم الاستغاثة بالموتى، كان مما قاله ﵀: (وأما مسألة استغاثة الأحياء بالموتى في طلب الجاه والسعة والرزق والأولاد، فالجواب هذه من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، وهذا شرك في الربوبية، والألوهية، وقد كان شرك المشركين في جاهليتهم بطلب الشفاعة والقربة، وأما طلب الرزق، والأولاد وشفاء المرضى فقد أقروا بأن آلهتهم لا تقدر على ذلك كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٢ ٣. ويقول الشيخ أيضا في مسألة سماع الموتى: (ومن قال إن الميت يسمع، ويستجيب، فقد كذب على الله، وكذب بالصدق إذ جاءه.. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ ٤ ٥.ويبين الشيخ عبد الرحمن خطورة دعاء الموتى والتعلق بهم، ثم يبطله فيقول: (إن التعلق بالأموات والالتجاء والرغبة إليهم هو أصل دين المشركين. ويترتب على ذلك من أنواع العبادة جلها، ومعظمها، كالمحبة والدعاء، والتوكل والرجاء ونحو ذلك، وكل هذا عبادة لا يصلح منه شيء لغير الله أبدا. ولو جاز التعلق بالأموات، لجاز أن يستظهر العبد بالحفظة من الملائكة الذين هم لا يفارقونه بيقين، وهم كما وصف الله: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُون. لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ٦ وهذا لا يقوله مسلم أصلا، بل لو فعله أحد لكان مشركا بالله، فإذا لم يجز ذلك في حق الملائكة الحاضرين، فإنه لا يجوز في حق أرواح أموات قد فارقت أجسادها لا يعلم مستقرها إلا الله من باب أولى، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ

стр. 355

لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ. أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ١ ٢ ويوضح الشيخ عبد الرحمن بن حسن كيف كان الاستمداد بالأموات شركا أكبر فيقول: إن الاستمداد بالأموات والغائبين هو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، فإن الاستمداد عبادة، والعبادة لا يجوز أن يصرف منها شيء لغير الله وذلك أن الاستمداد نتيجته الاعتماد، والاعتماد هو معنى التوكل الذي هو من خصائص الإلهية وأجمعها لأعمال القلوب. كما أن مورد العبادة القلب واللسان والأركان، والمستمد لا يكون إلا داعيا، وراغبا، وراهبا، وخاشعا، ومتدخلا، ومستعينا. فإن الاستمداد طلب المدد بالقلب، واللسان، والأركان ولا بد، وهذه الأعمال هي أنواع العبادة، فإذا كانت لله وحده، فقد ألهه العبد، فإذا صرف لغير الله تعالى صار مألوها له٣. ويرد الشيخ عبد الرحمن دعواهم في التفريق بين الدعاء والنداء، ويثبت أنهما مترادفان، ويذكر الأدلة القرآنية التي تدل على أنهما بمعنى واحد ومنها ما قاله ﵀: (قال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ ٤ فعطف النداء على الدعاء عطف مرادف. ومما يوضح ترادف النداء والدعاء وأنهما بمعنى واحد، ما أخبر الله تعالى عن نوح ﵇ بقوله: ﴿وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ ٥ فأخلص القصد لله بندائه في كربه وشدته فاستجاب الله له. وقال في الآية الأخرى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ ٦ فسماه تعالى دعاء) ٧. ومما كتبه الشيخ أبو بطين- ﵀ في شأن الحياة البرزخية للشهداء، والحياة البرزخية للمصطفى ﷺ أنه قال:
следующие страницы →