Полный текст (2 854 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
- ﷺ أنه قال: «الزعيم غارم» رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن. وروى البخاري عن سلمة بن الأكوع أن النبي ﷺ أتى برجل ليصلي عليه، فقال: «هل عليه دين؟» قالوا: نعم، ديناران. قال: «هل ترك لهما وفاءً؟» قالوا: لا، فتأخر، فقيل: لِمَ لا تصلي عليه؟ فقال: «ما تنفعه صلاتي وذمته مرهونة، إلا أن قام أحدكم فضمنه»، فقام أبو قتادة، فقال: هما علي يا رسول الله، فصلى عليه النبي ﷺ ، وأجمع المسلمون على جواز الضمان في الجملة.
والوثائق المعتبرة شرعًا أربع: الرهن، والضمان، والكفالة، والشهادة، وقد جمعتها في بيت:
وثائقنا شرعًا لدى العد أربع … ضمان فرهن فالكفالة فاشهد
فالضمان يكون للدين، والكفالة لإحضار بدن الغريم وفائدتها إلزام الضامن بالوفاء، مع إلزام صاحب الحق، فيتعلق الحق بذمة كل واحد منهما؛ وأما الشهادة: فيثبت بها الحق، وهي أوسع الوثائق دائرة، وأعظمها مصلحة، وأقطع للنزاع، وهي تثبت الحقوق في الذمم، وتسقط ما ثبت بوفاء أو إبراء أو نحو ذلك، والحق لا يستوفي منها، وإنما هي آلة وسلاح للاستيفاء ممن عليه الحق، ورد الظالم عن ظلمه؛ وأما الرهن: فهو وثيقة يطمئن إليه، ويأمن من غدر صاحبه، وليستوفي منه الحق إذا تعذر الوفاء من
الغريم.
стр. 1297
الألفاظ التي يصح بها الضمان والتي لا يصح
س ٨٧: تكلم بوضوح عن الضمان، وما الألفاظ التي يصح بها؟ وما مثال ما لا يصح بها؟ ومن الذي يصح منه الضمان، والذي لا يصح منه؟ وهل يصح ضمان الأخرس بالإشارة، أو الكتابة، ومن الذي يطالبه صاحب الحق؟ وفصل لما يحتاج إلى تفصيل ومثل لما يحتاج إلى تمثيل، واذكر الدليل والتعليل.
ج: تقدم لنا بعض الكلام على الضمان، وأنه التزام من يصح تبرعه، وهو الحر غير المحجور عليه، أو التزام مفلس برضاهما ما وجب على غيره أو ما يجب على غيره مع بقاء ما وجب، أو يجب على الغير غير ضمان مسلم أو كافر جزية، فلا يصح ولو بعد الحول؛ لأنها إذا أخذت من الضامن فات الصغار المضمون عنه، وغير كفالته، أي: كفالة مسلم، وكذا كفالة كافر من الجزية عليه، فلا تصح الكفالة ولو بعد الحول، لفوات الصغار إذا استوفيت من الكفيل، فلا يصح الضمان ولا الكفالة في جزية وجبت، ولا جزية ستجب، كما تقدم.
ويصح الضمان بلفظ: أنا ضمين، وكفيل، وقبيل، وحميل، وصبير، وزعيم بما عليه. ويصح الضمان أيضًا بلفظ: ضمنت دينك أو تحملته،
وضمنت إيصاله، أو: دينك علي، ونحوه من كل ما يؤدي معنى التزام ما عليه؛ فإن قال شخص: أنا أؤدي ما عليه، أو: أنا أحضر ما عليه،
стр. 1298
لم يصر ضامنًا بذلك؛ لأنه وعد وليس بالتزام، وقال الشيخ: قياس المذهب يصح بكل لفظ فهم منه الضمان عرفًا، مثل قوله: زوجه، وأنا أؤدي الصداق، أو قال: بعه، وأنا أعطيك الثمن. أو قال: اتركه ولا تطالبه، وأنا أعطيك ما عليه، ونحو ذلك مما يؤدي هذا المعنى؛ لأن الشرع لم يحد ذلك بحد، فرجع إلى العرف كالحرز والقبض.
وإن ضمن إنسان وهو مريض مرضًا غير مخوف، كصداع وحمى يسيرين، ولو صارت مخوفًا ومات به، أو وهو مريض مرضًا مخوفًا، ولم يتصل به الموت، فهو كالصحيح، وإن كان الضامن وقت الضمان مريضًا مرض الموت المخوف، حسب ما ضمنه من ثلثه؛ لأنه تبرع وكالوصية.
ويصح ضمان من أخرس بإشارة مفهومة كسائر تصرفاته؛ لأنها كاللفظ في الدلالة على المراد، ولا يثبت الضمان بكتابة الأخرس حال كونها منفردة عن إشارة يفهم بها عنه أن قصد الضمان؛ لأنه قد يكتب عبثًا أو تجربة قلم، فلا يكون ضامنًا بالاحتمال، ومن لا تفهم إشارته لا يصح ضمانه ولو بكتابة،
وكالضمان سائر تصرفاته، فتصح بإشارة مفهومة لا بكتابة مفردة عن إشارة يفهم بها المقصود، ولا ممن ليس له إشارة مفهومة. ولصاحب الحق مطالبة من شاء منهما؛ فإن أراد
стр. 1299
مطالبة الضامن، وإن أراد مطالبة المضمون عنه، لثبوت الحق في ذمتيهما جميعًا، لصحة هبته لهما؛ وأن الكفيل لو قال: تكفلت بالمطالبة دون أصل الدين، لم يصح اتفاقًا. ولصاحب الحق مطالبة الضامن والمضمون عنه معًا في الحياة والموت، ولو كان المضمون عنه مليئًا باذلاً للدين، لما تقدم، وقوله ﷺ : «الزعيم غارم».
إذا أحال رب الحق أو أحيل
س ٨٨: تكلم بوضوح عما يلي: إذا أحال رب الحق أو أحيل، أو زال عقد أو ورث الحق، وعما إذا أحال رب دين ثالثًا على اثنين، كل منهما ضامن الآخر، أو أبرئ أحدهما من الكل، أو برئ مديون، أو لحق ضامن بدار حرب، أو تعدد ضامن، أو ضمن أحد الضامنين الآخر، وهل يبرأ مدين ببراءة ضامه؟ وإذا قال رب دين لضامن: برئت إلي، أو: أبرأتك فما الحكم؟
ج: إن أحال رب الحق على مضمون أو راهن، أو أحيل رب الحق بدينه المضمون له أو الذي به الرهن، أو زال عقد وجب به
الدين بتقايل أو غيره، برئ ضامن وكفيل، وبطل رهن؛ لأن الحوالة كالتسليم لفوات المحل، ولا يبرأ ضامن وكفيل، ولا يبطل رهن إن وَرث الحق؛ لأنها حقوق للميت، فتورث كسائر حقوقه؛
стр. 1300
لكن لو أحال ربد دين على اثنين مدينين له، وكل منهما ضامن على الآخر ثالثًا، ليقبض المحال من أيهما شاء؛ لأنه لا فضل هنا في نوع ولا أجل ولا عدد، وإنما هو زيادة استيثاق، وكذا إن لم يكن كل منهما ضامن الآخر، وأحاله عليهما؛ لأنه إذا كان له أن يستوفي الحق من واحد، جاز أن يستوفيه من اثنين، وإن أحاله في الأولى على أحدهما بعينه، صح، لاستقرار الدين على كل منهما؛ لكن من لم يحل عليه، فالظاهر براءة ذمته من المحيل، لانتقال حقه عنه؛ لأن الحوالة استيفاء ينتقل الدين إلى المحال عليه؛ لأنه في المعنى كأنه قد استوفى منه؛ ولكن لا يطالب الآخر حتى يؤدي كما في ضمان الضامن، قاله ابن نصر الله.
ويصح إبراء المضمون قبل أداء الدين، لإبراء محتال له، وإن أبرئ أحدهما بأن أبرأه رب الدين من الكل؛ برئ مما عليه أصالة وضمانًا، وبقي ما على الآخر أصالة؛ لأن الإبراء لم يصادفه، وأما ما كان عليه كفاة، فقد برئ بإبراء الأصيل. وإن برئ مديون بوفاء أو إبراء أو حوالة، برئ ضامنه؛ لأنه تبع له، والضمان وثيقة،
فإذا برئ الأصيل زالت الوثيقة كالرهن، ولا يبرأ مدين ببراءة ضامنه، لعدم تبعيته له.
وإن تعدد ضامن لم يبرأ أحدهم بإبراء غيره سواء ضمن كل واحد
стр. 1301
منهم جميع الدين أو جزءًا منه، ويبرؤون بإبراء مضمون، ولا يصح أن يضمن أحد الضامنين الآخر، لثبوت الحق في ذمته بضمانه الأصلي، فهو أصل، فلا يصح أن يصير فرعًا، بخلاف الكفالة؛ لأنها ببدنه، فلو سلمه أحدهما، برئ وبرئ كفيله به، لأمن إحضار مكفول به. وإذا لحق ضامن بدار حرب مرتدًا، أو كان كافرًا أصليًا، فضمن ولحق بدار حرب مرتدًا، أو كان كافرًا أصليًا، فضمن ولحق بدار حرب، لم يبرأ من الضمان كالدين الأصلي. وإن قال رب دين لضامن: برئتَ إلي من الدين، فقد أقر بقبضه الدين؛ لأنه إخبار بفعل الضامن، والبراءة لا تكون ممن عليه الحق إلا بأدائه، ولا يكون قوله له: أبرأتك من الدين، أو: برئت منه، إقرارًا بقبضه؛ أما في: أبرأتك، فظاهر؛ وأما في: برئت منه؛ فلان البراءة قد تضاف إلى ما لا يتصور الفعل منه، كبرِئت ذمتُك، فهو أعم من أن تكون البراءة بفعل الضامن أو المضمون له، فلا دلالة فيه على القبض.
стр. 1302
إذا وهب رب الدين للضامن الدين
س ٨٩: إذا قال رب دين لضامن: وهبتكه، أو ضمن ذمي عن ذمي خمرًا، فأسلم مضمون له، أو أسلم مضمون عنه، أو أسلم ضامن في خمر، فما الحكم؟ ومن الذي يعتبر رضاه، والذي لا يعتبر رضاه؟ وما حكم معرفة الضامن للمضمون له أو عنه؟ وهل يعتبر وجوب الحق أو العلم من الضامن بالحق؟ وإذا قال: ضمنت لزيد على بكر، أو ضمنت ما يلزم التاجر من دين، أو ما يقبضه من عين، أو ضمن دين ضامن، أو ضمن دين ميت أو مفلس مجنون، أو نقص صنجة أو نقص كيل، أو ادعى قابض نقصًا، فما حكم ذلك؟ واذكر الدليل والتعليل، والخلاف والترجيح.
ج: إذا قال رب دين لضامن: وهبتك الدين، فهو تمليك للضامن، فيرجع به على مضمون عنه، كما لو دفعه عنه، أو وهبه إياه. ولو ضمن ذمي عن ذمي خمرًا، فأسلم مضمون له، برئ مضمون عنه كضامنه؛ لأن مالية الخمر بطلت في حقه، فلم يملك المطالبة بها، أو أسلم مضمون عنه، برئ المضمون عنه؛ لأنه صار مسلمًا، ولا يجوز وجوب الخمر على المسلم، والضامن فرعه. وإن أسلم ضامن في خمر وحده، برئ؛ لأنه لا يجوز طلب مسلم بخمر، ولا يبرأ الأصل ببراءته، ويُتبر لصحة ضمان رضا ضامن؛ لأن الضمان تبرع بالتزام الحق، فاعتبر له الرضى كالتبرع بالأعيان، ولا يُعتبر رضى من ضمن، وهو المضمون عنه؛ لأن أبا قتادة ضمن الميت في الدينارين، وأقره
стр. 1303
الشارع. رواه البخاري. ولصحة قضاء دينه بغير إذنه، فأولى ضمانه. ولا يُعتبر رضا من ضُمِنَ له؛ لأنه وثيقة لا يعتبر لها قبض، فلم يعتبر لها رضى كالشهادة، ولا يعتبر لضامن أن يعرف المضمون له، والمضمون عنه ضامنٌ؛ لأنه لا يعتبر رضاهما، فكذا معرفتهما، ولا يعتبر العلم من الضامن بالحق؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] وهو غير معلوم؛ لأنه يختلف، ولا يعتبر وجوب الحق إن آل إلى العلم به في المسألة الأولى، وإلى الوجوب في الثانية للآية؛ لأن حمل البعير فيهما يؤول إلى الوجوب؛ فإن قيل: الضمان ضم ذمة إلى ذمة، فإذا لم يكن على المضمون حق فلا ضم، أجيب بأنه قد ضم ذمته إلى ذمة المضمون عنه في أنه يلزمه ما يلزمه، وهذا كاف، فيصح: ضمنت لزيد ما على بكر، وإن جهله الضامن. ويصح: أنا ضامن لك ما لك على فلان، أو ما يُقضى به عليه، أو ما تقوم به البينة، أو ما يقر به لك، أو ما يخرجُ في روز مَانِجك. وبهذا قال أبو حنيفة ومالك، وقال الثوري والليث وابن أبي ليلى والشافعي وابن المنذر: لا يصح؛ لأنه التزام مال، فلم يصح مجهولاً كالثمن، ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ
стр. 1304
بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢].
ولأنه التزام حق في الذمة من غير معاوضة، فصح في المجهول كالنذر والإقرار، ولأنه يصح تعليقه بضرر وخطر، وهو ضمان العهدة. وإذا قال: ألق متاعك في البحر، وعلي ضمانه، أو قال: ادفع ثيابك إلى هذا الوفاء، وعلي ضمانها، فصحَّ المجهول كالعتق والطلاق. ولضامن ما لم يجب إبطال الضمان قبل وجوب الحق؛ لأنه إنما يلزم بالوجوب، فيؤخذ منه أنه يبطل بموت ضامن، ومن ضمان ما يؤول إلى الوجوب ضمان السوق، وهو أن يضمن ما يلزم التاجر من دين، وما يقبضه من عين مضمون، قاله الشيخ.
وقال الشيخ: تجوز كتابته والشهادة به لمن لم ير جوازه؛ لأنه محل اجتهاد. وقال: وأما الشهادة على العقود المحرمة على وجه الإعانة عليها، فحرام. واختار الشيخ صحّضة ضمان حارس ونحوه، وتجار حرب ما يذهب من البلد أو البحر، وأنه غايته ضمان ما لم يجب. وضمان المجهول كضمان السوق، وهو أن يضمن الضامن ما يجب على التجار للناس من الديون، وهو جائز عند أكثر العلماء، كمالك وأبي حنيفة وأحمد. وقال الشيخ أيضًا: الطائفة الواحدة الممتنعة من أهل الحرب التي ينصر بعضهم بعضًا تجري مجرى الشخص الواحد في معاهداتهم. وإذا شورطوا
على أن تجارهم يدخلون دار الإسلام بشرط أن لا يأخذوا
стр. 1305
للمسلمين شيئًا، وما أخذوه كانوا ضامنين له، والمضمون يؤخذ من أموال التجار، جاز ذلك، ويجب على ولي الأمر إذا أخذوا مالاً لتجار المسلمين أن يطالبهم بما ضمنوه، ويحسهم على ذلك كسائر الحقوق الواجبة. انتهى.
وإن قال: ما أعطيته فهو علي ولا قرينة، فقيل: هو لما وجب ماضيًا، جزم به في «الإقناع» وصوب في «الإنصاف» أنه للماضي والمستقبل، ومعناه للزركشي، ويصح ضمان ما صح أخذ رهن به من دين وعين لا عكسه، لصحة ضمان العهدة دون أخذ الرهن بها، ويصح ضمان دين ضامن، بأنه يضمن ضامن آخر، وكذا ضامن الضامن فأكثر؛ لأنه دين لازم في ذمة الضامنن فصح ضمانه كسائر الديون، فيثبت الحق في ذمة الجميع أيهم قضاه برئ، وإن برئ المدين برئ الكل، وإن أبرأ مضمون له أحدهم برئ ومن بعده لا من قبله.
ويصح ضَمَانُ دَيْنِ ميِّت وإن لم يحلف وفاء؛ لحديث سلمة بن الأكوع أن النبي ﷺ أتي برجل ليصلي عليه، فقال: «هل عليه دين؟» فقالوا: نعم، ديناران، قال: «هل ترك لهما وفاء؟» قالوا: لا، فتأخر، فقالوا: لم لا تصلي عليه؟ فقال: «ما تنفعه صلاتي وذمته مرهونة، وألا قام أحدُكم فَضَمَنُه!» فقام أبو قتادة، فقال: هما
стр. 1306
علي يا رسول الله، فصلى عليه النبي ﷺ ، ولأنه دين ثابت، فصح ضمانه، ودليل ثبوته أنه لو تبرع رجل بقضاء دينه، جاز لصاحب الحق اقتضاؤه؛ ولو ضمنه حيًا ثم مات، لم يبرأ منه الضامن، ولو برئت ذمة المضمون عنه برئت ذمة الضامن، وفي هذا انفصال عما ذكروه. قاله في «الشرح» وبهذا قال أكثر العلماء، وقال أبو حنيفة: لا يصح ضمن دين الميت، إلا أن يُخَلِّف وفاء؛ فإن خلف بعض الوفاء، صح ضمانه بقدر ما خلف؛ لأنه دين ساقط فلم يصح ضمانه، كما لو سقط بالإبراء؛ ولأن ذمته قد خربت خرابًا لا يعمر بعد، فلم يبق فيه دين، والضمان ضم ذمة إلى ذمة، ولا تبرأ ذمة الميت قبل قضاء دينه؛ لقول النبي ﷺ : «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه» ولأن النبي ﷺ سأل أبا قتادة عن الدينارين اللذين ضمنهما، فقال: قد قضيتهما، فقال: «الآن بردت عليه جلدته» رواه أحمد. ولأنه وثيقة بدين أشبه الرهن، وكالحي. والرواية الثانية: أنه يبرأ بمجرد الضمان؛ لما روى أبو سعيد ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في جنازة، فلما وضعت قال: «هل على صاحبكم من دين؟» قالوا: درهمان، فقال: «صلوا على صاحبكم»، فقال عَليٌّ: هما عَليَّ يا رسول الله، وأنا لهما ضامن، فقام فصلى عليه، ثم أقبل على عَليٍ، فقال: «جزاك الله عن الإسلام خيرًا، وفكَ رهانَك كما فككت
стр. 1307
رهان أخيك» رواه الدارقطني. فدل على أن المضمون عنه برئ بالضامن، ولذلك صلى عليه رسول الله ﷺ . وروى الإمام أحمد في «المسند» عن جابر قال: توفي صاحب لنا، فأتينا به النبي ﷺ ليصلي عيه، فخطا خطوة، ثم قال: «أعليه دين؟» قلنا: ديناران، فانصرف، فتحملهما أبو قتادة، فقال: الديناران علي، فقال رسول الله ﷺ : «وجب حق الغريم، وبرئ الميت منهما» قال: نعم، فصلى عليه، ثم قال بعد ذلك بيوم: «ما فعل الديناران؟» قال: إنما مات أمس، قال: فعاد إليه من الغد، فقال: قد قضيتهما، فقال رسول الله ﷺ : «الآن بردت جلدته» وهذا صريح في براءة المضمون عنه؛ لقوله ﷺ : «وبرئ الميت منهما» ولأنه دين واحد، فإذا صار في ذمة ثابتة برئت الأولى منه كالمحال به؛ لأن الدين الواحد لا يحل في محلين. وقال أهل القول الأول: وأما صلاة النبي ﷺ على المضمون عنه؛ فلأنه بالضمان صار له وفاء، وإنما كان ﵊ يمتنع من الصلاة على مدين لم يخلف وفاء، وأما قوله لعلي: «فك الله رهانك كما فككت رهان أخيك»؛ فإنه كان بحالة لا يصلي عليه النبي ﷺ ، فلما ضمنه فكه من ذلك، أو ما في معناه. قوله: «برئ الميت منهما» أي: صرت أنت المطالب بهما، وهذا على وجه التأكيد لثبوت الحق في ذمته، ووجوب الأداء عنه، بدليل قوله حين أخبره
стр. 1308
بالقضاء: «الآن بردت عليه جلدته».
وفارق الضمان الحوالة؛ فإن الضمان مشتق من الضم بين الذمتين في تعلق الحق بهما وثبوته فيهما، والحوالة: من التحول، فيقتضي تحول الحق عن محله إلى ذمة المحال عليه، وقولهم: إن الدين الواحد لا يحل في محلين، قلنا: يجوز تعلقه في محلين على سبيل الاستيثاق، كتعلق دين الرهن به وبذمة الراهن، كذلك هذا. انتهى من «الشرح الكبير». والقول الثاني: هو الذي تميل إليه النفس، والله أعلم.
ويصح ضمان دين مفلس مجنون؛ لعموم: «الزعيم غارم»، وكالميت ويصح ضمان نقص صنجة، أو نقص كيل، أي: مكيال في بذل واجب أو مآله إليه ما لم يكن دين سلم؛ لأن النقص باق في ذمة باذل، فيصح ضمانه كسائر الديون؛ ولأن غايته أنه ضمان معلق على شرط، فصح كضمان العهدة، ويرجع قابض بقوله مع يمينه في قدر نقص؛ لأنه منكر لما ادَّعاه باذل، والأصل بقاء اشتغال ذمة باذل، ولرب الحق طلب ضامن به للزومه ما يلزم المضمون.
стр. 1309
ضمان العهدة وألفاظه وصورته
وضمان العين وغيرها
س ٩٠: ما هي العهدة؟ وما حكم ضمان العهدة؟ وما ألفاظ ضمانها؟ وما صورة ضمان العهدة؟ وما الذي يدخل في ضمانها؟ ولِمَ يدخل فيها؟ وما حكم ضمان العين المضمونة، والعارية، والمقبوض على وجه السوم، وضمان أحد دينيه وضمان دين الكتابة والأمانات، والتعدي فيها؟ وإذا باع شيئًا بشرط ضمان دركه، أو شرط خيارًا في ضمان، أو كفالة، أو قال: ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه، أو ألق متاعك في البحر، فألقاه، أو قال: ألقه في البحر، وأنا ضامنه، أو: وأنا وركبان السفينة ضامنون، أو: وكل منا ضامن لك متاعك، أو قيمته؟
ج: عهدة المبيع لغة: الصك يكتب فيه الابتياع. واصطلاحًا: ضمان الثمن ويصح ضمان العهدة لدعاء الحاجة إلى الوثيقة، والوثائق قيل: إنها أربع كما تقدم، وقيل: ثلاثة: الشهادة، والرهن والضمان؛ والشهادة لا يستوفي منها الحق، والرهن لا يجوز فيه إجماعًا، لما تقدم، فلم يبق غير الضمان فلو لم يصح لامتنعت المعاملات مع من لم يعرف، وفيه ضرر عظيم. وألفاظ ضمان العهدة: ضمنت عهدته، أو ثمنه، أو دركه أو يقول لمشتر: ضمنت خلاصك منه، أو: متى خرج المبيع مستحقًا، فقد ضمنت لك
الثمن.
стр. 1310
وصورة ضمان العهدة: أن يضمن عن بائع لمشتر، بأن يضمن الضامن عن البائع الثمن ولو قبل قبضه؛ أنه يؤول إلى الوجوب إن استحق المبيع، بأن ظهر مستحقًا لغير بائع، أو رد المبيع على بائع بعيب أو غيره، أو يضمن أرشه إن اختار مشتر إمساكه مع عيب، ويكون ضمان عن مشتر لبائع بأن يضمن الضامن الثمن الواجب في البيع قبل تسليمه، أو إن ظهر به عيب، أو ظهر الثمن مستحقًا، فضمان العهدة في الموضعين هو ضمان الثمن، أو جزء منه عن أحدهما للآخر. ولو بنى مشتر في مبيع، ثم بان مستحقًا فهدمه مستحق، فالأنقاض لمشتر؛ لأنه ملكه ولم يزل عنها، ويرجع مشتر بقيمة تالف من ثمن ماء ورماد وطين وجص ونورة ونحوه على بائع؛ لأنه غره، وكذا أجرة مبيع مدة وضع يده عليه، ويدخل ذلك في ضمان العهدة، فلمشتر رجوع به على ضامنها؛ لأنه من درك المبيع، ويصح ضمان عين مضمونة، كغصب وعارية ومقبوض على وجه السوم، وولد المقبوض على وجه سوم؛ لأنه تبع له في الضمان في بيع وإجارة؛ لأن هذه الأعيان يضمنها من هي بيده لو تلفت، فصح ضمانها كعهدة المبيع، وإنما يضمن المقبوض على وجه السوم إن ساومه وقطع ثمنه أو أجرته، أو ساومه بلا قطع ثمن أو أجرة، ليريه أهله إن رضوه، وإلا رده، فهو في حكم المقبوض بعقد فاسد؛ لأنه قبضه على وجه
стр. 1311
البدل والعوض، ولا ضمان على آخذه إن أخذه ليريه أهله بلا مساومة ولا قطع ثمن؛ لأنه لا سوم فيه، فلا يصح ضمانه. ومعنى ضمان غصب ونحوه ضمان استنقاذه، والتزام تحصيله أو قيمته عند تلفه، فهو كعهدة المبيع، ولا ضمان بعض لم يقدر من دين لجهالته حالاً ومآلاً، وكذا لو ضمن أحد دينيه.
ولا يصح ضمان دين كتابة؛ لأنه ليس بلازم ولا مآله إلى اللزوم؛ لأن للمكاتب تعجيز نفسه والامتناع من الأداء، فإذا لم يلزم الأصل فالضامن أولى، وهو قول الشافعي، وأكثر أهل العلم، والأخرى: يصح؛ لأنه دين على مكاتب، فصح ضمانه كسائر ديونه. ولا يصح ضمان الأمانات، كالوديعة، والعين المؤجرة، والشركة، والمضاربة، والعين المدفوعة إلى الخياط والقصار؛ لأنها غير مضمونة على صاحب اليد، فكذا على ضامنه.
ويصح ضمان التعدي في الأمانات؛ لأنها إذن مضمونة على من هي بيده، أشبهت المغصوب.
ولا يصح ضمان الدلالين فيما يعطونه لبيعه إلا أن يضمن تعديهم فيه أو هربهم ونحوه، ومن باع شيئًا بشرط ضمان دركه إلا من زيد، لم يصح بيعه له؛ لأن استثناء زيد من ضمان دركه يدل علىحق له في المبيع، وأنه لم يأذن له في بيعه، فيكون باطلاً، ثم إن
стр. 1312
ضمن دركه منه أيضًا، لم يعد البيع صحيحًا؛ لأن الفاسد لا ينقلب صحيحًا، وإن شُرطَ خيارٌ في ضمان أو في كفالة، بأن قال: أنا ضمين بما عليه، أو كفيل ببدنه، ولي الخيار ثلاثة أيام مثلاً، فسد الضمان والكفالة، لمنافاته لهما. ويصح قول جائز التصرف لمثله: ألق متاعك في البحر، وعلي ضمانه، لصحة ضمان ما لم يجب، فيضمنه القائل. وإن قال: ألقه في البحر وأنا ضامنه، ضمن الآمر به الجميعَ وحده؛ لأن ضمان مَا لم يجب صحيح. وإن قال: ألقه في البحر وأنا وركبان السفينة ضامنون، وأطلق ضمن الآمر وحده بالحصة؛ لأنه لم يضمن الجميع، وإنما ضمن حصته، وأخبر عن سائر ركبان السفينة بضمان سائره، فلزمته حصته، ولم يسر قوله على الباقين، وإن قال: ألقه في البحر، وكلُّ واحدٍ منا ضامن لك متاعك أو قيمته، ضمن القائل وحده ضمان الجميع، سواء سمع الباقون فسكتوا، أو قالوا: لا نفعل، أو لم يسمعوا؛ لأن سكوتهم لا يلزمهم به حق، وإن رضوا بما قال لزمهم الغرم، ويوزع على عددهم لاشتراكهم في الضمان، ولو خيف من غرق السفينة، فألقى بعض من فيها متاعَه في البحر لتخفَّ، لم يرجع بمتاعِه على أحدٍ، ولو نوى الرجوع؛ لأن أتلف مال نفسه باختياره من غيرضمان، ويجب إلقاء ما لا روح فيه من السفينة إن
стр. 1313
خيف تلف الركاب بالغرق؛ لأن حرمة ذي الروح آكد؛ فإن خيف الغرق بعد ذلك، ألقي الحيوان غير الآدمي؛ لأن حرمته آكد.
قضاء الضامن الدين وإذا ضمن الحال مؤجلاً
س ٩١: تكلم بوضوح عما إذا قضى الدين ضامن بإذن أو بغير إذن، وبِمَ يرجع؟ وعما إذا أدى الإنسان عن غيره دينًا واجبًا، أو زكاة، ووضح ما في ذلك من تفصيل؟ وإذا أنكر مقضي القضاء فعلى من يرجع؟ وإذا اعترف مضمون له بالقضاء، وأنكر مضمون عنه، أو أرسل إنسان آخر إلى من له عنده مالآ لأخذ دينار، فأخذ أكثر من دينار، أو ضمن الحال مؤجلاً أو بالعكس. أو مات مضمون عنه قبل حلول دين، أو مات ضامن أو ضمن إنسان شخصًا أو كفله، ثم قال: لم يكن عليه حق، فما حكم ذلك؟ واذكر ما لذلك من دليل أو تعليل أو خلاف أو ترجيح؟
ج: إذا قضى الدين ضامن، أو أحال ضامن رب دين به، ولم ينو ضامن رجوعًا على مضمون عنه بما قضاه؛ لم يرجع؛ لأنه متطوع، سواء ضمن بإذنه أو لا. وإن نوى الرجوع؛ ففي ذلك أربع مسائل: إحداهما: أن يضمن بإذنه ويقضي بإذنه، فيرجع بلا نزاع. الثانية: أن
يضمن بإذنه ويقضي بغير إذنه، فيرجع أيضًا بلا نزاع. الثالثة: أن يضمن بغير إذنه، ويقضي بإذنه، فيرجع على الصحيح من المذهب،
стр. 1314
وعليه الأصحاب. الرابعة: أن يضمن بغير إذنه، ويقضي بغير إذنه. فهذه فيها الروايتان، إحداهما: يرجع، وهو المذهب.
قال في «الفائق»: واختاره الشيخ تقي الدين. والرواية الثانية: لا يرجع بشيء، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وابن المنذر، بدليل حديث علي وأبي قتادة؛ فإنهما لو كانا يستحقان الرجوع على الميت صار الدين لهما، فكانت ذمة الميت مشغولة بدينهما، كاشتغالها بدين المضمون لهن ولم يصل عليه النبي ﷺ لأنه تبرع بذلك، أشبه ما لو أعلف دوابه، وأطعم عبيده بغير أمره. ووجه الأولى أنه قضاء مبرئ من دين واجب، فكان من ضمان منَ هو عليه، كالحاكم إذا قضى عنه عند امتناعه، فأما عليٌ وأبو قتادةَ، فإنهما تبرعا بالقضاء والضمان، فإنهما قضيا دينه قصدًا لتبرئة ذمته ليصلي عليه ﷺ ، مع علمهما أنه لم يترك وفاء، والمتبرع لا يرجع بشيء، وإنما الخلاف في المحتسب في الرجوع. قاله في «الشرح» وحيث رجع ضامن فبالأقل مما قضى ضامنٌ، ولو كان ما قضاه به قيمةَ عرضٍ عوضه الضامن به أو قدر الدين، فلو كان الدين عشرة، فوفاه عنه ثمانية، أو عوضه عنه عرضًا قيمته ثمانية أو بالعكس، رجع بالثمانية؛ لأنه إن كان المقضي أقل، فإنما يرجع بما غرم،
ولهذا لو أبرأه غريمه لم يرجع بشيء، وإن كان الأقل الدين فالزائد غير لازم للمضمون، فالضامن متبرع به. وكذا في الرجوع
стр. 1315
وعدم كفيلٌ وكلٌ مؤد عن غيره دينًا واجبًا، فيرجع إن نوى الرجوع، وإلا فلا، ولا يرجع مؤدٍ عن غيره زكاة ونحوها؛ لأنها تحتاج إلى نية من صاحبها أو توكيل ولم يوجد ذلك، ولهذا لم تقع الموقع؛ لكن يرجع ضامن الضامن على الضامن وجوبًا؛ لأنه إنما قصد الدفع عن الذي ضمنه دون الأصيل، والضامن للأصيل يرجع على الأصيل المضمون عنه، وإن أحال رب الدين به على الضامن، توجه أن يقال: للضامن طلب مضمون عنه بمجرد الحوالة؛ أنها كالاستيفاء منه؛ فإن مات الضامن قبل أداء المحتال عليه، ولم يخلف تركة، وطالب الضمان ورثته؛ فلهم أن يطلبوا من الأصيل ويدفعوا، ولهم الدفع عن أنفسهم، لعدم لزوم الدين لهم، فيرفع المحتال الأمر للحاكم ليأخذ من الأصيل، ويدفع للمحتال، ولا يقال: يسقط حق المحتال لعدم التركة؛ لأن الضامن له تركة بالنسبة إلى هذا الدين، وهو ما يستحقه في ذمة الأصيل، وكذا إذا أدى ضامن الضامن، ومات الضامن قبل أدائه إلى ضامنه، ولم يترك شيئًا. ذكره ابن نصر الله بحثًا.
وإن أنكر مَقْضِي القضاء، أي: أنكر رب الدين أخذه من نحو ضامن، وحلف رب الحق، لم يرجع مدعي القضاء على مدين، لعدم
براءته بهذا القضاء، ولو صدقه مدين على دفع الدين؛ لأن عدم الرجوع لتفريط الضامن ونحوه بعدم الإشهاد، فلا فرق بين تصديقه
стр. 1316
وتكذيبه، إلا إن ثبت القضاء بينة، أو حَضَر القضاء مضمون عنه؛ لأنه المفرط بترك الإشهاد، أو شهد دافع الدين ومات شهوده، أو غاب شهوده وصدق الدافع مدين على حضوره أو غيبة شهوده أو موتهم؛ لأنه لم يفرط، وليس الموت أو الغيبة من فعله؛ فإن لم يصدقه مدين على أنه حظر، أو أنه أشهد من مات أو غاب؛ فقول مدين؛ لأن الأصل معه، ومتى أنكر مقضي القضاء، وحلف ورجع، فاستوفى من الضامن ثانية، رجع على مضمون بما قضاه عنه ثانيًا؛ لبراءة ذمته به ظاهرًا، وإن اعترف مضمون له بالقضاء، وأنكر مضمون عنه، لم يسمع إنكاره، لاعتراف رب الحق بأن الذي له صار للضامن، فوجب قبول قوله؛ لأنه إقرار على نفسه.
ومَن أرسل آخر إلى من له عنده مال لأخذ دينار من المال، فأخذ الرسول من المرسل إليه أكثر من دينار، ضمن المأخوذ مُرْسِلٌ؛ لأنه المسلط للرسول، ورجع مرسل بالمأخوذ على رسوله لتعديه بأخذه.
وإذا ضمن الدين الحال مؤجلاً صح، ويكون حالاً على المضمون، مؤجلاً على الضامن، يملك مطالبة المضمون عنه دون
الضامن، وبه قال الشافعي.
قال أحمد في رجل ضمن ما على فلان أنه يؤديه في
стр. 1317
ثلاث سنين: فهو عليه، ويؤديه كما ضمن، ووجه ذلك ما روى ابن عباس أن رجلاً لزم غريمًا له بعشرة دنانير على عهد رسول ﷺ ، فقال: ما عندي شيء أعطيكه، فقال: والله لا أفارقك حتى تعطيني، أو تأتيني بحميل، فجره إلى النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : «كم تستنظره؟» فقال: شهرًا، فقال رسول الله ﷺ : «فأنا أحمل» فجاء به في الوقت الذي قال النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : «من أين أصبت هذا؟» قال: من معدن. قال: «لا خير فيها» وقضاها عنه. رواه ابن ماجه. ولأنه ضمن مالاً بعقد مؤجل، فكان مؤجلاً كالبيع، ولا يقال: الحال لا يتأجل، وكيف يثبت في ذمتيهما مختلفًا؛ لأن الحق يتأجل في ابتداء ثبوته بعقد، وهنا كذلك؛ لأنه لم يكن ثابتًا عليه حالاً، ويجوز تخالف ما في الذمتين، وإن ضمن الدين المؤجل حالاً، لم يلزمه أداه قبل أجله؛ لأنه فرع المضمون عنه، فلا يلزمه ما لا يلزم المضمون عنه، كما أن المضمون لو ألزم نفسه تعجيل المؤجل، لم يلزم تعجيله، وإن عجل المؤجل ضامن لم يرجع ضامن على مضمون عنه حتى يحل الدين؛ لأن ضمانه لا يغيره عن تأجيله، وإن أذنه مضمون عنه بتعجيله ففعله، فله الرجوع عليه؛ لأنه أدخل
الضرر على نفسه، ولا يحل دين مؤجل بموت مضمون عنه، ولا بموت ضامن؛ لأن التأجيل من حقوق الميت، فلم يبطل بموته كسائر
стр. 1318
حقوقه، ومحله إن وثق الورثة. قاله في «شرحه».
ومن ضمن أو كفل شخصًا، ثم قال: لم يكن عليه حق المضمون أو المكفول له، صدق خصمه، وهو المضمون أو المكفول له، لادعائه الصحة بيمينه، لاحتمال صدق دعواه؛ فإن نكل مضمون أو مكفول له قضي عليه ببراءة الضمين والأصيل.
من النظم فيما يتعلق بالضمان
وملتزم حقًا وما سيؤول عن … فتى ضامن لم يبر قبل التنفد
سوى مفلس ميت ضمنت بأبعد … فتبرأ منه ذمة بالمجود
وذو الدين يستوفيه ممن يشاؤه … ومن إرثه إن مات غير مبعد
وما صح إلا من صحيح تبرع … وذي حجر إفلاس وفي غير ارشد
وعبد بلا إذن مقال وكلهم … به بعد فك الحجر عنه ليقصد
وفي نفس مأذون الرقيق ضمانهم … وعن أحمد قول بذمة سيد
وقولان في تصحيحه من مميز … ومن أخرس صححه مع فهم مقصد
ومن ناطق من مفهم أنا ضامن … زعيم كفيل أو قبيل ليعقد
وإن يبرأ المضمون عنه فد برئ … الزعيم بلا عكس بغير تردد
стр. 1319
وأيهما يقضيه أو إن يحل به … فقد برآ منه لفقد التعدد
وتسقط عمن أسلم الخمر أوله … فينقطع التطلاب لا بتقيد
ولابد فيه من رضا ضامن فقط … ولا يشترط علم الخصوم بأوطد
وقيل بلى بل علم ذي الدين وحده … وليس مضرًا جهل دين مؤكد
إذا آل للإيجاب والعلم أمره … ويرجع قبل الدين إن شا بأوكد
وقولك ما أعطيته أنا ضامن … لما آل في الأقوى أوان التجردِ
ووجهان إن يضمن مكاتبه ولو … بإذن ومن ثلث ضمان المجهد
وكل الديون اضمن ولو دين ضامن … سوى سلم أو دين من كوتب اعضد
وينفذ في أعيان كل مضمن … كعارية والغصب والسوم في اليد
وفي عهدة المبتاع عن كل عاقد … في الأقوى أجز لا مبهم في معددِ
وليس على حر يقر برقه … فيبتاعه من عهدة مطلقًا طد
وليس صحيحًا في الأمانات كلها … سوى ضامن فيها تعدي مفسد
وصحح ضمان الحل صاح مؤجلاً … كعكس في الأقوى ثم أجل بأجود
وما للضمين الاقتضا قبل يقتضي … في الأقوى وبعد الدفع من إذن اطهدِ
стр. 1320
ومن يقض عنه أو يحل بيع عوده … يعد مثل قول اضمنه عني وانقد
وعن أحمد لا يرجعنَّ بما قضى … بلا الإذن في فرد كقاض مجود
وإن يقض عن دين عروضًا ليرجعن … بأدناهما في القدر لا بالمزيد
وإن يقض ذا التأجيل قبل حلوله … فلا يرجعن حتى يحل فقيد
وإن أنكر الخصمان إيفاء ضامن … لغا وبتصديق الموفَّى بمبعد
وإن أنكر استحلف ومن شاء بينهما … يطالب فإن يقضيه من ضامن صدي
فليس على المضمون عنه لضامن … سوى أحد المالين خذ مع تردد
وإن صدق المديون وفاه ما قضى … بمرآه في الأقوى كقاض بشهد
وليس له شيء بتكذيبه ولا … بتصديقه إن فرطن بأوكد
ووجهان هل يرجع لإشهاد فسق … خفوا ولمن فيه اختلاف كأعيد
وليس يحل الدين مع موت واحد … ولا موت كل منهما في المؤكد
وأيهما يحلل عليه فليس ذا … بموجب تحليل على الآخر اشهد
وقول بري منه إلي لضامن … كقبض وإن يفقد إليَّ تردد
وما لضمين والكفيل الخيار وألزم … الأب يضمن مهر زوجة فوهد
стр. 1321
وإن قال شخص ألق في اليم مثقلاً … سفينتنا إضمن فألقى لينقد
وإن لم يقل إضمن فألقى فمهدر … وإن قال يضمن وحده الزم بأجود
فصل في الكفالة
س ٩٢: ما هي الكفالة؟ وبم تنعقد؟ ومن الذي تصح منه؟ وما هي الألفاظ التي تنعقد بها الكفالة؟ وإذا ضمن معرفة شخص، أو قال: ضمنت لك حضوره متى أردت، أو عجز عن إحضاره. أو قال: أعط فلانًا ألفًا، ففعل، فما حكم ذلك؟ وبم تصح الكفالة، وما الذي لا تصح به؟ وهل يكتفي بذكر الاسم والمكان؟ وما الفرق بينها، وبين الضمان؟ وما الحكم فيما إذا قال: أبرئ الكفيل وأنا كفيل؟ أو قال: كلفت هذا الدين على أن تبرئني من الكفالة بفلان، أو ضمنت لك هذا الدين شرط أن تبرئني من ضمان الدين الآخر؟ أو شرط في كفالة أو ضمان أن يتكفل له أو به بآخر، فما الحكم؟ واذكر الدليل والتعليل، والتفصيل والخلاف؟
ج: الكفالة شرعًا: التزام رشيد إحضار من عليه حق مالي إلى ربه، والجمهور على جوزها، قال الله تعالى حاكيًا عن يعقوب قال: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِّنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [يوسف: ٦٦].
وعن ابن عباس ﵄ أن رجلاً لزم غريمًا له حتى يقضيه،
стр. 1322
أو يأتيه بجميل، فقال: كم تستنظره؟ قال: شهرًا، قال رسول الله ﷺ : «فأنا أحمل» رواه أبو داود والترمذي وغيرهما. ومعنى قوله: «جميل» أي: كفيل، وقوله: «أحمل» أي: أكفل. وفيه: فقضاها رسول الله ﷺ ، فدل على صحة الكفالة؛ ولعموم حديث: «الزعيم غارم» ولدعاء الحاجة إلى الاستيثاق بضمان المال والبدن، وكثير من الناس يمتنع من ضمان المال، فلو لم تجز الكفالة لأدى إلى الحرج وتعطل المعاملات المحتاج إليها.
وتنعقد الكفالة بلفظ ينعقد به ضمان؛ لأنها نوع منه، فانعقدت بما ينعقد به، فيؤخذ به صحتها ممن يصح منه الضمان، وصحتها ببدن من يصح ضمانه، وإن ضمن رشيد معرفته أخذ به، فلو جاء إنسان يستدين من آخر، فقال: أنا لا أعرفك، فلا أعطيك، فضمن آخر معرفته لمن يريد أن يداينه، فداينه، وغاب مستدين أو توارى، أخذ ضامن المعرفة به، كأنه قال: ضمنت لك حضوره متى أردت، لأنك لا تعرفه، ولا يمكنك إحضار من لا تعرفه، فهو كقوله: كفلت ببدنه، فيطالبه به؛ فإن عجز عن إحضاره مع حياته، لزمه ما عليه لمن ضمن معرفته له، ولا يكفي أن يعرف رب المال اسمه ومكانه. وقال الشيخ تقي الدين في «شرح المحرر»: ضمان المعرفة معناه: إني أعرفك من هو وأين هو، وفي «الغاية». ومن ضمن معرفة
стр. 1323
شخص أخذ بتعريفه لا بحضوره خلافًا لـ «المنتهى» وكلامه في «الغاية» موافق لكلام شيخ الإسلام؛ وأما لو قال: أعط فلانًا ألفًا، ففعل، لم يرجع على الآمر، ولم يكن ذلك كفالة ولا ضمانًا إلا أن يقول: أعطه عني. وتصح الكفالة ببدن من عنده عين مضمونة كعارية وغصب، أو عليه دين كالضمان، فتصح ببدن كل من يلزمه الحضور لمجلس الحكم بدين لازم ولو مالاً، فتحص بصبي ومجنون؛ لأنه قد يجب إحضارهما لمجلس الحكم للشهادة عليهما بالإتلاف وببدن محبوس وغائب.
ولا تصح ببدن من عليه حد الله تعالى؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: «لا كفالة في حدٍ» ولأن مبناها على الإسقاط والدرء بالشبهة، فلا يدخله الإستيثاق، ولا يمكن استيفاؤه من غير الجاني، وسواء كان حقًا لله تعالى كحد الزنا والسرقة، أو لآدمي كحد القذف والقصاص. قال في «المغني»: وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم شريح والحسن، وبه قال إسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الرأي، وبه قال الشافعي في حدود الله تعالى، واختلف قوله في حدود الآدمي، وقال الشيخ تقي الدين ﵀: تصح كفالة من عليه حد أو قصاص، واختاره في «الفائق»، وكون من عليه حد أو قصاص لا تصح كفالته من «مفردات المذهب» قال ناظمها:
ومن عليه الحد ليس بكفل
стр. 1324
ولا تصح بزوجة لزوجها في حق الزوجية له عليها، ولا بشاهد؛ لأن الحق عليهما لا يمكن استيفاؤه من الكفيل، ولا تصح الكفالة بمكاتب لدين كتابة؛ لأن الحضور لا يلزمه إذ له تعجيز نفسه، ولا تصح الكفالة إلى أجل مجهول أو بشخص مجهول؛ أما عدم صحتها إلى أجل مجهول؛ فلأن المكفول ليس له وقت يستحق المطالبة فيه؛ وأما عدم صحتها بشخص، فلأنه غير معلوم في الحال ولا في المآل، فلا يمكن تسيلمه، بخلاف ضمان دين مجهول يؤول إلى العلم، ولو في ضمان كإلى مجيء المطر ونحوه، أو قال: ضمنت أحد هذين، فلا يصح الضمان لما تقدم.
وإن كفل رشيد بجزءٍ شائع، كثلث من عليه حق أو رُبُعِهِ، أو كفل بعضو منه ظاهر كرأسه ويده، أو باطن كقلبه وكبده، صح؛ لأنه لا يمكن إحضاره إلا بإحضار الكل، أو تكفل بشخصٍ على أنه إن جاء بالكفيل، قد برئن وإلا يجيء به فهو كفيل بآخر معين، أو فهو ضامن ما عليه من المال، صح؛ لصحة تعليق الكفالة والضمان على شرط كضمان العهدة.
وإذا قال: إذا قدم الحاج، فأنا كفيل بزيد شهرًا، صح؛ لجمعه تعليقًا وتوقيتًا، وكلاهما صحيح. ويبرأ من كفل شهرًا أو نحوه إن لم يطالبه مكفول له بإحضاره في الشهر ونحوه؛
стр. 1325
لأنه بمضيه لا يكون كفيلاً، وإن قال رشيد لرب دين: أبرئ الكفيل، وأنا كفيل، فسد الشرط، وهو قوله: أبرئ الكفيل؛ لأنه لا يلزم الوفاء به، فيفسد عقد الكفالة؛ لأنه معلق عليه. ولو قال: كفلتُ هذا الدين على أن تبرئني من الكفالة بفلان، أو ضمنت لك هذا الشرط بشرط أن تبرئني من ضمان الدين الآخر، لم يصح؛ لأنه فسخ عقد في عقد، كالبيع بشرط فسخ بيع آخر، وكذا لو شرط في كفالة ضمان أن يتكفل له أو به بآخر، أو يضمن دينًا عليه، أو يبيعه شيئًا، أو يؤجره داره، لم يصح.
ما يعتبر لصحة الكفالة
س ٩٣: ما الذي يعتبر لصحة كفالة؟ وإذا سلم كفيل مكفولاً به، أو سلم مكفول نفسه، أو مات مكفول، أو تلِفتَ العين التي تكفل ببدن من هي عليه، فما الحكم؟ وإذا تعذر إحضار مكفول على الكفيل، أو غاب، أو مضى زمن عينه كفيل لإحضار المكفول، أو شرط البراءة منه، أو ثبت موت المكفول الغائب ونحوه، أو هرب المحبوس من السجان، واذكر الدليل والتعليل والخلاف.
ج: يعتبر لصحة كفالة رضى كفيل لا مكفول به ولا مكفول له كضمان، ومتى سلم كفيل مكفولاً به لمكفول له بمحل عقد، وقد
стр. 1326
حل أجل الكفالة إن كانت الكفالة مؤجلة؛ برئ الكفيل؛ لأن الكفالة عقد على عمل، فبرئ منه بعمله كالإجارة، وسواء كان عليه فيه ضرر أو لا؛ فإن سلمه في غير محل العقد، أو غير موضع شرطه، أو لكون الدين مؤجلاً لا يمكن اقتضاؤه منه، لم يبرأ؛ لأن رب الحق قد لا يقدر على إثبات الحجة فيه لنحو غيبة شهوده، وإن سلمه، ولم يحل الأجل، ولا ضرر على مكفول له في قبض المكفول، برئ الكفيل؛ لأنه زاده خيرًا بتعجيل حقه؛ فإن كان فيه ضرر لغيبه حجته، أو لم يكن يوم مجلس الحكم، لم يبرأ الكفيل.
ومحل براءة الكفيل بتسليمه ما لم تكن هناك يد حائلة ظالمة تمنعه منه؛ فإن كانت لم يبرأ الكفيل؛ لأنه كلا تسليم.
وإن سلم مكفول نفسه لرب الحق بمحل عقد برئ الكفيل؛ لأن الأصيل أدى ما عليه، كما لو قضى مضمون عنه الدين، أو مات المكفول برئ الكفيل، سواء توانى الكفيل في تسليمه حتى مات أو لا، لسقوط الحضور عنه بموته، وبه قال شريح والشعبي وأبو حنيفة والشافعي.
وقيل: لا يبرأ مطلقًا، فيلزمه الدين، وهو قول الحكم والليث، واختاره الشيخ تقي الدين، ذكره عنه في «الفائق». لأن الكفيل وثيقة بحق، فإذا تعذرت من جهة من عليه الدين استوفى من الوثيقة كالرهن، ومحل
стр. 1327
الخلاف إذا لم يشترط، فإذا شرط الكفيل أنه لا شيء عليه إن مات، برئ بموته قولاً واحدًا؛ وأما إذا تلفت العين التي تكفل بدن من عنده بفعل الله تعالى قبل طلب، برئ كفيل؛ لأنه بمنزلة موت المكفول، ولا يبرأ بتلفها بعد طلبه بها، ولا بتلفها بفعل آدمي، ولا بغصبها؛ فإن تلفت بفعل آدمي، فعلى المتلف بدلها، ولو قال كفيل: إن عَجَزتُ عن إحضاره، أو: متى عَجَزت عن إحضاره، كان علي القيام بما أقر به، فقال ابن نصر الله: لم يبرأ بموت المكفول، ويلزمه ما عليه.
ولا يبرأ كفيل إن مات هو أو مات مكفوله؛ لأن الكفالة أحد نوعي الضمان، فلم تطبل بموت كفيل ولا مكفول له كضمان، وإن تعذر إحضار المكفول على الكفيل مع بقائه، أو غاب ومضى زمن يمكن رده فيه، أوعيته لإحضاره، ضمن ما عليه؛ لعموم قوله ﷺ : «الزعيم غارم»؛ ولأنها أحد نوعي الضمان، فوجب الغرم بها كالكفالة. وقال ابن عقيل: قياس المذهب لا يلزمه إن امتنع بسلطان، وألحق به معسرًا أو محبوسًا ونحوهما لاستواء المعنى، وكون الكفيل يضمن ما على المكفول به إذا لم يسلمه من «مفردات المذهب»، قال ناظمها:
إن لم يُسلِم كافلٌ من كَفَلا … يضمن ما على الأصيل أصلاً
سواء المطلق والمؤجل
стр. 1328
ولا يضمن كفيل ما على مكفول تعذر عليه إحضاره إذا شرط البراءة من المال عند تعذر إحضاره عليه؛ لحديث: «المسلمون عند شروطهم»؛ ولأنه التزام إحضاره على هذا الوجه، فلا يلزمه غير ما التزمه، وإن ثبت موت المكفول الغائب ونحوه ببينة أو إقرار مكفول له، قبل غرم الكفيل المال، لانقطاع خبره، استرد ما غرمه كفيل لتبين براءة الكفيل بموت المكفول، فلا يستحق الأخذ منه، وإن قدر على المكفول بعد أدائه عنه ما لزمه، فقال في «شرح المنتهى»: فظاهر كلامهم أنه في رجوعه كضامن، وأنه لا يسلمه إلى المكفول له، ثم يسترد ما أداه، بخلاف مغصوب تعذر إحضاره مع بقائه لامتناع بيعه، قاله في «الفروع» اهـ.
والسجان كالكفيل، عليه إحضار الخصم؛ فإن تعذر إحضاره، ضمن ما علين، قاله الشيخ تقي الدين، واقتصر عليه في «الفروع». وقال ابن نصر الله: الأظهر أنه كالوكيل يجعل في حفظ الغريم، إن هرب منه بتفريطه، لزمه إحضاره، وإلا فلا. وقال الشيخ: وإذا لم يكن الوالد ضامنًا لولده؛ ولا له عنده مال، لم يجز لمن له على الولد حق أن يطالب والده بما عليه؛ لكن إن أمكن الوالد معاونة صاحب على إحضاره ولده بالتعريف بمكانه ونحوه، لزمه التعريف بمكانه ونحوه؛ لأن من قبيل نصحه له.
стр. 1329
إذا طالب كفيل مكفولاً به أن يحضره معه
س ٩٤: تكلم بوضوح عما يلي: إذا طالب كفيل مكفولاً به أن يحضره معه، أو ضامن مضمونًا بتخليصه. من كفله اثنان، فسلمه أحدهما أو سلم نفسه. إذا كفل كل واحد من الكفيلين الآخر، فأحضر المكفول به. من كفل الاثنين، فأبرأه أحدهما من الكفالة، أو كفل الكفيل آخر والآخر آخر. أو ضمن اثنان واحدًا، وقال كل لرب الحق: ضمنت لك الدين، أو قالاك ضمنا لك الدين، أو قال شخص لآخر: اضمن فلانًا، أو قال: اكفل فلانًا، أو: اضمن عن فلان، أو اكفل عنه، ففعل فما حكم ذلك؟
ج: إذا طالب كفيل مكفولاً به أن يحضر معه ليسلمه لغريمه ويبرأ منه، لزمه الحضور بشرطه، أو طالب ضامن مضمونًا بتخليصه من ضمانه بتوفية الحق إلى ربه، لزمه إن كفل أو ضمن بإذن المكفول أو المضمون، وطولب كفيل وضامن بذلك؛ لأنه شغل ذمته من أجله بإذنه، فلزمه تخليصها، كما لو استعار عبده فرهنه بإذنه، ثم طلبه سيده بفكه، ويكفي في لزوم الحضور في مسألته الكفالة الإذن أو مطالبة رب الدين الكفيل؛ أما مع الإذن فلما تقدم؛ وأما مع المطالبة فلأن حضور المكفول حق للمكفول له، وقد استناب الكفيل في ذلك بمطالبته به، أشبه ما لو صرح بالوكالة.
стр. 1330
ومن كفله اثنان معًا أولاً، فسلمه أحدهما، ولم يبرأ الآخر بذلك؛ لأن إحدى الوثيقتين انحلت من غير استيفاء، فلا تنحل الأخرى، كما لو أبرأ أحدهما، أو انفك أحد الرهنين بلا قضاء. وإن سلم مكفول نفسه برئ هو ومن تكفل به من الكفيلين؛ لأدائه ما عليهما، كما لو سلم من تكفل به دون الكفيل الثاني وكفيله.
وإن تكفل ثلاثة بواحد، وكل منهم كفيل بصاحبه، صح، ومتى سلمه أحدهم، برئ هو وصاحباه من كفالتهما به خاصة؛ لأنه أصل لهما وهما فرعان ويبقى على كل واحد منهما الكفالة بالمدين؛ لأنهما أصلان فيها. ومن كفل لاثنين فأبرأه أحدهما من الكفالة، وسلم المكفول به لأحدهما، لم يبرأ الآخر، لبقاء حقه، كما لو ضمن دينًا لاثنين، فوفى أحدهما، وإن كفل الكفيل شخص آخر، وكفل الآخر آخر، وهكذا برئ كل من الكفلاء ببراءة من قبله، فيبرأ الثاني ببراءة الأول، والثالث ببراءة الثاني، وهكذا لأنه فرعه ولا عكس، فلا يبرأ واحد ببراءة من بعده؛ لأنه أصله كضمان. ومتى سلم أحدهم المكفول برئ الجميع؛ لأن أدى ما عليهم، كما لو سلم مكفول به نفسه.
ولو ضمن اثنان واحدًا في مال، وقال كل لرب الحق: ضمنت لك الدين، فهو ضمان اشتراك في التزام في انفراد بالطلب، فكل واحد
стр. 1331
منهما ضامن لجميع الدين على إنفراده، فلرب الدين طلب كل منهما بالدين كله لالتزامه به، وإن قال الاثنان: ضمنا لك الدين، فهو بينهما بالحصص على كل منهما نصف، وإن كانوا ثلاثة، فعلى كل واحد ثلث.
وإن قال أحدهم: أنا وهذان ضامنون لك الألف مثلاً، فسكت الآخران، فعليه ثلث الألف، ولا شيء عليهما، أو قال شخص لآخر: اضمن فلانًا، أو قال: اكفل فلانًا، أو اضمن عن فلان، أو اكفل عنه ففعل، لزم الضمان أو الكفالة المباشر لا الآمر؛ لأنه كفيل باختيار نفسه، وإنما الآمر للإرشاد فلا يلزمه به شيء.
من النظم فيما يتعلق بالكفالة
وإن يلتزم إحضار مضمون أعين … ومديونها يلزم وقيل إذا قد
وإن صح لم يلزمه معكم الحضور بل … متى تدعي أو يأذن الزمه واطهد
ومن فيه حدُّ أو قصاص فلا تجز … كفالته أو مبهم العين تعتدي
وإن كان عن مال الديات وأخذها … عليه من الأموال من سُرَّق طد
وكافل وجه الشخص كافله كذا … سوى الوجه أو جزءٍ سيتبع بأجود
ومن قال أبرئ ذا الكفيل وما به … تكفَّل عن زيد عليَّ به اشهد
стр. 1332
فوجهان في تصحيحه وفساده … وتعليق ذا بالشرط والوقت جود
كذلك تعليق الضمان وقيل لا … تجز بسوى أسباب حق مؤكد
وأفسده القاضي وصحح مطلقًا … أبو جعفر والكلوذانيُّ فاقتد
ومن قال إني كافل لك خالدًا … متى لم أسلمه كفلت بمَخْلَدِ
وإني ضمنينٌ ما على مَخْلَد … فصحح والزم فيهما في المجود
وتبرأ مما قد كفلت به متى … تسلَّمه ذو الحق دون تقيد
وألزمه بالقاضي السليم وإن أبى … وأشهد لفقد القاضي تبرأ وترشد
ولو جاءه من نفسه قبل وقته … وإن ضر قبل الوقت لم يجبر اشهد
كذا بتلاف العين من فعل ربنا … وموت الفتى المكفول تبرأ بأوطد
ولابد من تعيين وقت حضوره … وكالسلم احكم في المكان تسدد
وإن عينا عند الكفالة موضعًا … تعين وإلا موضع العقد أورد
ويبرئه التسليم في كل موضع … به حاكم مع شاهديه بأجود
وإن يتعذر مع بقاء حضوره … أو اجتاز وقتًا عيناه لِينْقُد
المبقَّى على المكفول أو قيمة الذي … كفلت من الأعيان لما يصرد
كذا إن مضى وقت يوافيك رده … ولم تشترط منه البراءة فارفد
فإن يرددن العين بعد ضمانها … ليرجع إليه ماله ويردد
ومن يَشْتَرِطْ وقْتَ التَّكَفٌّل بَراءَةً … مِن المالِ يَبْرأ مُطلقًا لا تَرَدَّدِ
стр. 1333
ومَن يكتَفِلْ بالنفس والمال إن يَمُتْ … غريمٌ بَري منه وللمال فليد
ومن كفل الشخصين أو كفلاه إن … بري من فتى تبقى كفالة مفرد
وبعد لزوم الحق إن مات كافل … فدين وقيل إن مات يبرأ فَقَيُدِ
وليس بإقرار يقبض برئت يا … كفيل العلى مما كفلت بأجود
وإن قلت قد أبرأته من كفالتي … بري هو ولم تقرر بغير تردد
ومن قال عن ذا اضمن أو أقرضه ألفًا أو … تكفل به لا عَيَّنَ الفاعل افرد
باب الحوالة
س ٩٥: ما معنى الحوالة لغةً واصطلاحًا؟ ومن أين اشتقاقها؟ ولم أتبعها الفقهاء بالضمان؟ وبأي شيء ثبتت، وهل هي بيع؟ فإن قلت: لا فما وجه ذلك؟ وما هي الألفاظ التي تنعقد بها؟ وما مقتضاها؟ وما شروطها؟ وما أركانها؟ وما الذي تصح عليه، والذي لا تصح عليه؟ وضحهما باستقصاء، واذكر الدليل والتعليل والتفصيل، ومثل لما يحتاج إلى تمثيل.
ج: الحوالة -بفتح الحاء وكسرها-: مأخوذة من التحول، يقال:
حول الشيء من مكانه: نقله منه إلى مكان آخر، وحول وجهه: لفته، وقال في «المغني»: واشتقاقها من تحويل الحق من ذمة إلى ذمة. اهـ.
стр. 1334
ولما كان الضمان والحوالة متشابهين، لما بينهما من حمالة الدين، اعقبَ بها، وهي ثابتة بالسُّنة والإجماع، فمنها ما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «مَطل الغني ظلم، وإذا أحيل أحدكم على مليء فليتبع»، وفي لفظ: «من أحيل بحقه على مليء فليحتل» وهي عقد إرفاق منفرد بنفسه، ليس محولاً على غيره ولا خيار فيها، وليست بيعًا؛ لأنها لو كانت بيعًا لكانت بيع دين بدين، ولما جاز التفرق قبل القبض؛ لأنها بيع مال بجنسه، ولجازت بلفظ البيع، وبين جنسين كالبيع كله؛ ولأن لفظها يشعر بالتحول، وليست بمعنى البيع، لعدم العين فيها، بل الحوالة: انتقال مال من ذمة إلى ذمة.
والألفاظ التي تنعقد بها لفظ الحوالة كأحلتك بدينك، أو بمعناها الخاص، كأتبعتك بدينك على زيد ونحوه، ومقتضى إلزام المحال عليه بالدين مطلقًا، وشُرِط لحوالة خمسة شروط:
أحدها: رضى محيل؛ أن الحق عليه، فلا يلزمه أداؤه من جهة الدين على المحال عليه.
والثاني: إمكان المقاصة، بأن يتفق الحقان جنسًا وصفة، وحلولاً
وأجلاً وقدرًا، فلا تصح بدنانير على دراهم، ولا بصحاح على مكسرة، ولا بحال على مؤجل، ولا مع اختلاف أجل؛ لأنها عقد إرفاق
стр. 1335
كالقرض، فلو جوزت مع الاختلاف لصار المطلوب منها الفضل فتخرج عن موضوعها.
والثالث: علم المال المحال به وعليه لاعتبار التسليم، والجهالة تمنع منه.
والرابع: استقرار المحال عليه، كبدل قرض، وثمن مبيع بعد لزوم بيع؛ أن غير المستقر عرضة للسقوط. ومقتضى الحوالة إلزام المحال عليه بالدين مطلقًا، فلا تصح على مال سلم، أو على رأس مال سلم بعد فسخ؛ لأنه لا مقاصة فيه، وتقدم الكلام في «باب السلم».
ولا تصح على صداق قبل دخول ونحوه مما يقر الصداق، لعدم استقراره، ولا تصح الحوالة على مال كتابة؛ لأنه ليس بمستقر، ولا على أجرة قبل استيفاء منفعة فيما إذا كانت الإجارة لعمل، أو قبل فراغ مدة إن كانت الإجارة إلى مدة، لعدم استقرارها. ولا تصح الحوالة على ثمن مبيع على مشتر في مدة خيار مجلس أو شرط، ولا تصح الحوالة على عين من نحو وديعة، ولا استحقاق في وقف أو على ناظره، أو على ناظر بيت المال، لعدم الاستقرار في كُلٍّ، فلو أحال ناظر وقف ونحوه بعض المستحقين في الوقف على جهة من جهات
الوقف، لم تصح الحوالة؛ لكن ذلك وكالة كالحوالة على ماله في الديوان، وتصح إن أحال مكاتب سيده بمال كتابته، أو أحال زوج
следующие страницы →