Полный текст (2 854 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
طوافه أتى الصفا فعلا عليه حتى نظر إلى البيت، ورفع يديه فجعل يدعو بما شاء أن يدعو» رواه مسلم.
ولا يلبي لعدم نفله، ثم ينزل من الصفا فيمشي حتى يبقى بينه وبين العلم ستة أذرع فيسعى ماشيًا سعيًا شديدًا إلى العلم الآخر، ثم يمشي حتى يرقى المروة، فيقول مستقبل القبلة كما قاله في الصفا من تكبير وتهليل ودعاء، ويجب استيعاب ما بين الصفا والمروة، فيلصق عقبه بأصلهما أي الصفا والمروة بابتدائه في كل منهما، والراكب يفعل ذلك في دابته فمن ترك شيئًا مما بينهما لم يجزئه سعيه، ثم ينزل من المروة فيمشي في موضع مشيه ويسعى في موضع سعيه إلى الصفا يفعله سبعًا ذهابه سَعْيَةَ ورجوعه سَعْيَةً يفتتح بالصفا ويختم بالمروة للخبر؛ فإن بدأ بالمروة سقط الشوط الأول، فلا يحتسب به ويكثر من الدعاء والذكر فيما بين ذلك.
قال أحمد: كان ابن مسعود إذا سعى بين الصفا والمروة قال: رب اغفر وارحم واعف عما تعلم وأنت الأعز الأكرم.
وقال ﵊: «إنما جعل رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة؛ لإقامة ذكر الله » قال الترمذي: حسن صحيح.
س ٢٤٤: بين شروط السعي واذكر أدلتها؟ وتعرض للخلاف مع الترجيح؟ وتكلم عما يُسن في حق المعتمر؟ وعن المتمتع الذي لم يسق هديًا والمعتمر غير المتمتع؟ وما الحكم فيما إذا ترك الحلق أو التقصير في عمرته ووطئ قبله؟ ومتى يقطع التلبية المتمتع والمعتمر؟ وهل يلبي في الطواف؟
ج: شروط صحته - أي السعي، ثمانية: النية، والإسلام، والعقل لما تقدم، والرابع: المولااة؛ لأنه ﷺ والى بَيْنَه، وقال: «خذوا عني مناسككم» وقياسًا على الطواف.
стр. 597
قال في «الشرح الكبير»: والموالاة في السعي غير مشترطة في ظاهر كلام أحمد ﵀؛ فإنه قال في رجل كان بين الصفا والمروة فلقيه قادم بعرفة يقف يسلم عليه ويسأله قال: نعم، أمر الصفا سهل إنما كان يكره الوقوف في الطواف بالبيت؛ فأما بين الصفا والمروة فلا بأس، وقال القاضي: تشترط الموالاة قياسًا على الطواف.
وحكى رواية عن أحمد والأول أصح؛ فإنه نسك لا يتعلق البيت فلم تشترط له الموالاة كالرمي والحلاق.
قد روى الأثرم أن سودة بنت عبد الله بن عمر امرأة عروة بن الزبير سَعَت بين الصفا والمروة فَقَضَتْ طوافها في ثلاثة أيام وكانت ضخمة، وكان عطاء لا يرى بأسًا أن يستريح بينهما، ولا يصح قياسه على الطواف؛ لأن الطواف يتعلق بالبيت وهو صلاة وتشترط له الطهارة والستارة، فاشترط له الموالاة بخلاف السعي. انتهى (٣/ ٤٠٨).
والذي يترجح عندي وأرى أنه الأحوط اشتراط الموالاة لمولاته ﷺ له، وقوله: «خذوا عني مناسككم». والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
والخامس: المشي مع المقدرة، قال في «الشرح الكبير»: ويجزئ السعي راكبًا ومحمولاً ولو لغير عذر، وفي «الكافي»: يُسن أن يمشي؛ فإن ركب جاز؛ لأن النبي ﷺ سعى راكبًا.
السادس: كونه بعد طواف ولو مسنونًا كطواف القدوم؛ لأن النبي ﷺ إنما سعى بعد الطواف، وقال: «خذوا عني مناسككم».
والسابع: تكميل السبع يبدأ بالصفا ويختم بالمروة؛ لما في حديث جابر.
الثامن: استيعاب ما بين الصفا والمروة ليتيقن الوصول إليهما في كل
стр. 598
شوط، والمرأة لا ترقى الصفا والمروة؛ لأنها عورة، ولا تسعى سعيًا شديدًا؛ لأنه لإظهارِ الجَلد ولا يقصد ذلك في حقها، بل المقصود منها السَّتر وذلك تعرض للانكشاف.
قال في «الشرح الكبير»: لا يُسن للمرأة أن ترقى على المروة لئلا تزاحم الرجال؛ ولأن ذلك أستر لها ولا يُسن لها الرمل.
قال ابن المنذر: أجمع كل من تحفظ عنه من أهل العلم على أنه لا رَمَل على النساء حول البيت ولا بين الصفا والمروة، وذلك لأن الأصل في ذلك إظهار الجلد ولا يقصد ذلك في حقهنّ؛ ولأن النساء يقصد منهن الستر، وفي ذلك تعرض للانكشاف فلم يُستحب لهن (٣/ ٤٠٨).
وتُسن مبادرة معتمر بالطواف والسعي لفعله ﵊، وسنّ تقصير المتمتع إذا لم يكن معه هدي ليحلق شعره بالحج ويتحلل متمتع لم يسق هديًا ولو لبَّد رأسه؛ لأن عمرته تمت بالطواف والسعي والتقصير؛ لحديث ابن عمر: تمتع الناس مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج، فلما قدم رسول الله ﷺ مكة، قال: «من كان معه هدي؛ فإنه لا يحل من شيء أحرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن معه هدي، فليطف بالصفا والمروة، وليُقَصِّر وليحلل» متفق عليه.
ومن معه هدي أدخل الحج على العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا والمعتمر غير المتمتع يحل سواء كان معه هدي أو لا في أشهر الحج أو غيرها وإن ترك الحلق أو التقصير في عمرته ووطئ قبله فعليه دم وعمرته صحيحة.
وروي أن ابن عباس سُئل عن امرأة معتمرة وقع بها زوجها قبل أن تقصر؟ قال: من ترك من مناسكه شيئًا أو نسيه فليهرق دمًا قِيلَ فإنها موسرة، قال: فلتنْحَر ناقةً، ويقطع التلبية متمتع ومعتمر إذا شرع في الطواف؛
стр. 599
لحديث ابن عباس مرفوعًا: «كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر».
قال الترمذي: حسن صحيح، وقال النووي: الصحيح أنه لا يلبي في الطواف ولا في السعي؛ لأن لها أذكارًا مخصوصة، ومن أجازها كره الجهر بها لئلا يخلط على الطائفين. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
س ٢٤٥: اذكر ما تستحضره من سنن السعي وآدابه؟
ج: من سننه الطهارة من الحدث والنجس، فلو سعى مُحْدِثًا أو نجسًا أجزأه؛ لأنها عبادة لا تتعلق بالبيت أشبهت الوقوف بعرفة.
ومنها ستر العورة فلو سعى عريانًا أجزأه ذلك في قول أكثر أهل العلم؛ لكن ستر العورة واجب مطلقًا، ومن سننه: الموالاة بينه وبين الطواف بأن لا يفرق بينهما طويلاً، وقال عطاء: لا بأس أن يطوف أول النهار ويسعى في آخره.
ومن سننه: السعي شديد بين الميلين، وهو سُّنة في حق الرجل القَادِر عليه.
ومن سننه: الوقوف على الصفا والمروة للدعاء فوقهما.
ومن سننه: الدعاء على كل من الصفا والمروة في كل شوط من الأشواط السبعة.
ومن سننه: قول «الله أكبر» ثلاثًا عند رقيِّه على الصفا والمروة في كل شوط، وكذا قول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده»، ويقول: «لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، اللهم اعصمني بدينك وطواعيتك وطواعية
стр. 600
رسولك، اللهم جنبني حدودك، اللهم اجعلني ممن يحبك ويحب ملائكتك وأنبيائك ورسلك وعبادك الصالحين، اللهم حببني إليك وإلى ملائكتك ورسلك وإلى عبادك الصالحين، اللهم يسِّرني لليسرى وجنبني للعسرى، واغفر لي في الآخر والأولى، واجعلني من أئمة المتقين واجعلني من ورثة جنة النعيم، واغفر لي خطيئتي يوم الدين، اللهم إنك قلت إدعوني أستجب لكم وإنك لا تخلف الميعاد، اللهم إذ هديتني للإسلام فلا تنزعني منه، ولا تنزعه مني حتى تتوفاني على الإسلام، اللهم لا تقدمني للعذاب، ولا تؤخرني لسوء الفتن» هذا دعاء عبد الله بن عمر، قال أحمد: يدعو به، قال نافع بعده: ويدعو دعاءً كثيرًا حتى إنه ليملّنا ونحن شباب.
ومما يَنبغي للساعي أن يغض بصرهِ عن المحارم وأن يكُفَّ لسانه عن المآثم وأن لا يؤذي أحدًا من الساعين أو غيرهم بقول أو فعل، وأن يستحضر في نفسه ذلَّه وفقره وحاجته إلى الله في هداية قلبه وإصلاح حاله ونفسه وغفران ذنوبه. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
стр. 601
٣٤ - صفة الحج والعمرة وما يتعلق بذلك
س ٢٤٦: تكلم بوضوح عما يلي: متى يُسن لمحل بمكة وقربها ومتمتع حل من عمرته إحرام بحج؟ متى يُسن الخروج إلى منى؟ متى السير إلى عرفة؟ وما الذي تتَضمَّنه الخطبة بنمرة؟ وإذا فرغ من الخطبة فماذا يعمل؟ واذكر ما تستحضره من الدعاء في يوم عرفة؟
ج: يُسن لمحل بمكة وقربها ومتمتع حل من عمرته إحرام بحج في ثامن ذي الحجة وهو يوم التروية؛ لقول جابر في صفة حج النبي ﷺ فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي ﷺ ومَن كان معه هدي، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج سمي الثامن بذلك؛ لأنهم كانوا يرتوون فيه الماء لما بعده إلا من لم يجد هديًا وصام فيستحب له أن يحرم في سابع ذي الحجة ليصوم الثلاثة أيام في إحرام الحج.
ويُسن لمن أحرم من مكة أو قربها أن يكون إحرامه بعد فعل ما يفعله في إحرامه من الميقات من الغسل والتنظيف والتطيب في بدنه وتجرده من المخيط في إزار ورداء أبيضين نظيفين ونعلين وبعد طواف وصلاة ركعتين ولا يطوف بعده لوداعه؛ لعدم دخول وقته فلو طاف وسعى بعده لم يجزئه سعيه لحجه ويحرم ندبًا من مسكنه؛ لأن أصحاب النبي ﷺ أقاموا بالأبطح وأحرموا بالحج منه يوم التروية عن أمره ﷺ ، ولم يأمرهم النبي ﷺ أن يذهبوا إلى البيت فيحرموا عنده أو عند الميزاب ولو كان ذلك مشروعًا لعلمهم إياه والخير كله في اتباع النبي ﷺ وأصحابه ﵃ وجاز وصح إحرامه من خارج الحرم ولا دم عليه ثم يخرج إلى منى قبل الزوال ندبًا فيصلي بها الظهر مع الإمام ثم يقيم بها إلى الفجر ويصلي مع الإمام؛ لحديث جابر وَرَكب رسول الله ﷺ إلى منى فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلاً
стр. 602
حتى طلعت الشمس، فإذا طلعت الشمس يوم عرفة سار من منى، فأقام بنمرة إلى الزوال فيخطب بها الإمام أو نائبه خطبة قصيرة مفتتحة بالتكبير يعلمهم فيها الوقوف ووقته والدفع منه والمبيت بمزدلفة؛ لحديث جابر: «إذا جاء عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها حتى إذا زالت الشمس أمر بالقصواء فرَحِلتْ له فأتى بطن الوادي، فخطب الناس ثم يجمع من يجوز له الجمع لمن بعرفة من مكيّ وغيره» قاله في الشرح.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الإمام يجمع بين الظهر والعصر بعرفة وكذلك كل من صلى مع الإمام، وذكر أصحابنا أنه لا يجوز الجمع إلا لمن بينه وبين وطنه ستة عشر فرسخًا إلحاقًا له بالقصر والصحيح الأول؛ فإن النبي ﷺ جمع معه من حضر من المكيين وغيرهم فلم يأمرهم بترك الجمع كما أمرهم بترك القصر حين قال: «أتموا، فإنا سفر» ولو حرم لبينه لهم؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ولا يقرّ النبي ﷺ على الخطأ، وقد كان عثمان ﵁ يتم الصلاة؛ لأنه اتخذ أهلاً ولم يترك الجمع، وروى نحو ذلك عن ابن الزبير وكان عمر بن عبد العزيز والي مكة، فخرج فجمع بين الصلاتين، ولم يبلغنا عن أحد من المتقدمين الخلاف في الجمع بعرفة ومزدلفة، بل وافق عليه من لا يرى الجمع في غيره، والحق فيما أجمعوا عليه فلا يعرِّج على غيره؛ فأما قصر الصلاة فلا يجوز لأهل مكة، وبه قال عطاء ومجاهد والزهري وابن جريج والثوري ويحيى القطان والشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر، وقال القاسم بن محمد سالم، ومالك والأوزاعي لهم القصر؛ لأن لم الجمع فكان لهم القصر كغيرهم، وفي «مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية» في (٢٦/ ١٢٩): ويسيرون منها إلى نمرة على طريق ضب من يمين الطريق ونمرة كانت قرية خارجة من عرفات من جهة اليمين فيقيمون بها إلى الزوال، كما فعل النبي ﷺ ، ثم يسيرون منها إلى بطن الوادي وهو موضع النبي ﷺ الذي صلى فيه الظهر والعصر وخطب وهو في حدود عرفة ببطن
стр. 603
عرنة، وهناك مسجد يقال له: مسجد إبراهيم؛ وإنما بني في أول دولة بني العباس، فيصلي هناك الظهر والعصر قصرًا، كما فعل النبي ﷺ ويصلي خلفه جميع الحاج أهل مكة وغيرهم قصرًا وجمعًا، يخطب بهم الإمام كما خطب النبي ﷺ على بعيره ثم إذا قضى الخطبة أذن المؤذن وأقام ثم يصلي كما جاءت بذلك السُّنة ويصلي بعرفة ومزدلفة ومنى قصرًا ويقصر أهل مكة وكذلك يجمعون للصلاة بعرفة ومزدلفة ومنى، كما كان أهل مكة يفعلون خلف النبي ﷺ بعرفة ومزدلفة ومنى، وكذلك كانوا يفعلون خلف أبي بكر وعمر ﵄ ولم يأمر النبي ﷺ ولا خلفاؤه أحدًا من أهل مكة أن يتموا الصلاة ولا قالوا لهم بعرفة ومزدلفة ومنى، أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر.
ومن حكى ذلك عنهم فقد أخطأ؛ ولكن المنقول عن النبي ﷺ أنه قال ذلك في غزوة الفتح لما صلى بهم بمكة.
وأما في حجه؛ فإنه لم ينزل بمكة؛ ولكن كان نازلاً خارج مكة وهناك كان يصلي بأصحابه. وفي (ص ١٦٨) قال: ومن سُّنة رسول الله ﷺ أنه جمع بالمسلمين جميعهم بعرفة بين الظهر والعصر وبمزدلفة بين المغرب والعشاء وكان معه خلق كثير ممن منزله دون مسافة القصر من أهل مكة وما حولها ولم يأمر حاضري المسجد الحرام بتفريق كل صلاة في وقتها ولا أن يعتزل المكيون ونحوهم فلم يصلوا معه العصر وأن ينفردوا فيصلوها في أثناء الوقت دون سائر المسلمين؛ فإن هذا مما يعلم بالاضطرار لمن تتبع الأحاديث أنه لم يكنُ وهو قول مالك وطائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وعليه يدل كلام أحمد. انتهى.
ويعجل لحديث جابر: «ثم أذَّن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئًا»، وقال سالم للحجاج بن يوسف يوم عرفة: إن كنت تريد أن تصيب السُّنة فقصر الخطبة، وعجل الصلاة، فقال عمر: «صدق» رواه البخاري. ثم يأتي عرفة وكلها موقف؛ لقوله ﵊: «فقد وقفت هاهنا
стр. 604
وعرفة كلها موقف» رواه أبو داود وابن ماجه إلا بطن عُرَنة؛ لحديث: «كل عرفة موقف، وارفعوا عن بطن عُرَنة» رواه ابن ماجه فلا يجزي وقوفه فيه؛ لأنه ليس من عرفة كمزدلفة وعرفة من الجبل المشرف على عرنة إلى الجبال المقابلة له إلى ما يلي حوائط بني عامر، وسن وقوفه راكبًا لفعله ﵊ وقف على راحلته بخلاف سائر المناسك فيفعلها غير راكب.
وسن وقوفه مستقبل القبلة عند الصخرات وجبل الرحمة ولا يشرع صعوده ويرفع يديه واقفًا بعرفة ندبًا ويكثر الدعاء والاستغفار والتضرع وإظهار الضعف والافتقار، ويلح في الدعاء ولا يستبطئ الإجابة ويحاسب نفسه ويجدد توبة نصوحًا؛ لأن هذا يوم عظيم ومجمع كبير يجود الله فيه على عباده ويباهي بهم ملائكته.
عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟» أخرجه مسلم والنسائي، وقال: عبدًا أو أمة من النار.
وعن طلحة بن عبد الله بن كريز أن رسول الله ﷺ قال: «ما رُئي الشيطان يومًا هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لِمَا يرى من تنزَّل الرَّحَمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام، إلا ما رُئي يوم بدر»، قيل: وما رُئي يوم بدر؟ قال: «أما أنه رأى جبريل يزع الملائكة» أخرجه مالك. ويجتهد في أن يقطر من عينه قطرات من الدموع، ويكرر الاستغفار، والتلفظ بالتوبة من جميع المخالفات، ويسأل الله أن يعتقه من النار؛ لأنه يوم يكثر فيه العتقاء من النار، وما رُئي الشيطان في يوم هو أدحر ولا أصغر منه في يوم عرفة إلا ما رُئي يوم بدر. وذلك لما يرى من وجود الله على عباده وإحسانه إليهم وكثرة عتقه ومغفرته.
стр. 605
ويكرر الدعاء ويكثر من قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له يحيى ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، اللهم اجعل في قلي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، ويسر لي أمري؛ لحديث: «أفضل الدعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له» رواه مالك في «الموطأ».
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: «كان أكثر دعاء النبي ﷺ يوم عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، بيده الخير وهو على كل شيء قدير».
وعن الزبير بن العوام قال: «سمعت رسول الله ﷺ وهو بعرفة يقرأ هذه الآية: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا العِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ وأنا على ذلك من الشاهدين يارب». أخرجهما أحمد في «المسند».
وعن علي ﵇ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أكثر من كان قبلي من الأنبياء ودعائي يوم عرفة أن أقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم اجعل في بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، وفي قلبي نورًا، اللهم اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، اللهم إني أعوذ بك من وسواس الصدر وشتات الأمر، وشر فتنة ما يلج في الليل، وشر ما يلج في النهار، وشر ما تهب به الرياح، وشر بوائق الدهر» أخرجه البيهقي.
وعن طلحة بن عبد الله بن كريز قال: قال رسول الله ﷺ : «أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله
стр. 606
إلا الله وحده لا شريك له» أخرجه مالك وأخرجه البيهقي في كتاب «الدعوات الكبير» هكذا مرسلاً مبتورًا.
وعن سالم بن عبد الله أنه كان يقول بالموقف: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله إلهًا واحدًا ونحن له مسلمون، لا إله إلا الله ولو كره المشركون، لا إله إلا الله ربنا ورب آبائنا الأولين، ولم يزل يقول ذلك حتى غابت الشمس، ثم التفت إلى بكير بن عتيق، فقال: قد رأيت لو ذانَكَ بي اليوم، ثم قال: حدثني أبي عن أبه عمر بن الخطاب، عن النبي ﷺ قال: «يقول الله: من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» أخرجه أبو ذر.
س ٢٤٧: تكلم عن وقت الوقوف؟ وماذا يلزم من وقف نهارًا ودفع قبل الغروب مع ذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف؟
ج: وقت الوقوف بعرفة من فجر يوم عرفة إلى فجر يوم النحر؛ لقول جابر: «لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جمع»، قال أبو الزبير، فقلت له: أقال رسول الله ﷺ ذلك؟ قال: نعم. وعن عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لام الطائي قال: أتيت رسول الله ﷺ بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة، فقلت: يا رسول الله، إني جئت من جبل طيء أكللت راحتي وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل ي من حج، فقال رسول الله ﷺ : «من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهارًا، فقد تم حجه، وقضى تفثه» رواه الخمسة، وصححه الترمذي.
وعن عبد الرحمن بن يعمر أن ناسًا من أهل نجد أتوا رسول الله ﷺ وهو واقف بعرة، فسألوه، فأمر مناديًا فنادى: «الحج عرفة من جاء ليلة جمع قبل الطلوع الفجر، فقد أدرك» الحديث رواه الخمسة.
стр. 607
ودخول وقت الوقوف بعرفة من طلوع الفجر يوم عرفة (من المفردات) قال ناظم المفردات:
وقت الوقوف عندنا فيدخلُ … في يوم تعريف بفجر نقلوا
وقال مالك والشافعي وغيرهما: أول وقته زوال الشمس يوم عرفة واختاره أبو حفص العكبري، وحكاه بعضهم إجماعًا؛ لأن النبي ﷺ إنما وقف بعد الزوال، وقد قال: «خذوا عني مناسككم» واختاره الشيخ تقي الدين.
ووجه الدلالة للقول الأول: ظاهر قوله ﷺ : «فمن وقف بعرفة ساعَةً من ليل أو نهار، فقد تم حجه» ولأنه من يوم عرفة فكان وقتًا للوقوف كبعد العشاء، وإنما وقفوا في وقت الفضيلة ولم يستوعبوا جميع وقت الوقوف، قاله في «المغني»، والقول الأول هو الذي يترجح عندي، وأن ابتداءه من فجر يوم عرفة. والله أعلم.
فمن حصل في هذا الوقت بعرفة ولو لحظة، وهو أهل ولو مارًا أو نائمًا أو حائضًا أو جاهلاً أنها عرفة صح حجه؛ لعموم حديث عروة بن مضرس، وتقدم لا إن كان سكرانًا أو مغمى عليه؛ لعدم العقل إلا أن يفيقوا وهم بها قبل خروج وقت الوقوف، وكذا لو أفاقوا بعد الدفع منها وعادوا فوقفوا بها في الوقت.
ومن فاته الوقوف بعرفة بأن طلع فجر يوم النحر ولم يقف بها فاته الحج، ويجب أن يجمع في الوقوف بين الليل والنهار من وقف نهارًا؛ لفعله ﷺ مع قوله: «خذوا عني مناسككم». فإن دفع قبل غروب الشمس ولم يعد بعد الغروب من ليلة النحر إلى عرفة أو عاد إليها قبل الغرُوب ولم يقع الغرُوب وهو بعرفة فعليه دم لتركه واجبًا؛ فإن عاد إليها ليلة النحر فلا دم عليه؛ لأنه أتى بالواجب وهو الوقوف في النهار والليل، كمن تجاوز الميقات بلا إحرام ثم عاد إليه فأحرم منه.
стр. 608
ومن وقف ليلاً فقط فلا دم عليه؛ لحديث من أدرَكَ عرفات بليل فقد أدرك الحج؛ ولأنه لم يدرك جزءًا من النهار فأشبه مَن منزله دون الميقات إذا أحرم منه.
ووقفة الجمعة في آخر يومها ساعة الإجابة، عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: «التمسوا الساعة التي ترجى في يوم الجمعة بعد صلاة العصر إلى غيبوبة الشمس» رواه الترمذي.
وعن جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ : «يوم الجمعة إثنتي عشرة ساعة لا يوجد عبد مسلم يسأل الله شيئًا إلا آتاه إياه فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر» رواه أبو داود والنسائي، واللفظ له، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم.
قال ابن القيم في «الهدي»: وأما ما استفاض على ألسنة العوام من أنها تعدل إثنتين وسبعين حجة باطل لا أصل له.
س ٢٤٨: بيِّن حدود مزدلفة؟ ولم سميت بذلك؟ ومتى وقت الدّفع إليها وما صفته؟ وماذا يعمل إذا بلغ مزدلفة؟ ومتى وقت الدفع من مزدلفة؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو تفصيل أو خلاف؟
ج: يدفع بعد الغروب من عرفة إلى مزدلفة وحدها ما بين المأزمين ووادي محسّر، وسميت بذلك من الزّلف وهو التقرُّب؛ لأن الحاج إذا أفاضوا من عرفات ازدلفوا إليها، أي تقربوا ومضوا إليها، وتسمى أيضًا: جمعًا، لاجتماع الناس بها.
ويُسن كون دفعه بسكينة؛ لقول جابر ودفع رسول الله ﷺ وقد شنق القصواء بالزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك وحله، ويقول بيده اليمنى: أيها الناس، السكينة السكينة ويسرع في الفجوة؛ لحديث أسامة بن زيد: «كان رسول الله ﷺ يسير العنق؛ فإذا وجد فجوة نصّ أي أسرع»، فإذا بلغ مزدلفة جمع العشاءين
стр. 609
بها من يجوز له الجمع قبل حط رحله؛ لحديث أسامة بن زيد قال: «دفع النبي ﷺ من عرفة حتى إذا كان بالشعب نزل، فبال ثم توضأ، فقلت له: الصلاة يا رسول الله، فقال: «الصلاة أمامك» فركب، فلما جاء مزدلفة، نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ثم أقيمت الصلاة، فصلى العشاء، ولم يصل بينهما» متفق عليه. وإن صلى المغرب بالطريق ترك السُّنة وأجزأه؛ لأن كل صلاتين جاز الجمع بينهما، جاز التفريق بينهما كالظهر والعصر بعرفة، وفعله ﵊ محمول على الأفضل.
ومن فاتته الصلاة مع الإمام بعرفة أو مزدلفة جمع وحده لفعل ابن عمر ثم يبيت بمزدلفة وجوبًا؛ لأنه ﵊ بات بها، وقال: «خذوا عني مناسككم» وليس بركن لحديث: «الحج عرفة، فمن جاء قبل ليلة جمع، فقد تم حجه» أي جاء عرفة.
وللحاج الدفع من مزدلفة قبل الإمام بعد نصف الليل؛ لحديث ابن عباس: «كنت فيمن قدم النبي ﷺ في ضعفة أهله من مزدلفة إلى منى» متفق عليه.
وعن عائشة قالت: «أرسل رسول الله ﷺ بأم سلمة ليلة النحر فزمَتَ قبل الفجر، ثم مضت، فأفاضت» رواه أبو داود.
وعن أم حبيبة: أن النبي ﷺ بعث بها من جمع بليل.
وعن عائشة: كانت سودة امرأة ثبطة، فاستأذنت رسول الله ﷺ أن تفيض من جمع بليل، فأذن لها، قالت عائشة: «فليتني استأذنت رسول الله ﷺ كما استأذنته سودة» وكانت عائشة لا تَفيضُ إلا مع الإمام، أخرجه الشيخان.
والأولى أن لا يخرج من مزدلفة قبل الفجر إلا الضعفة من النساء والصبيان ونحوهم؛ فإنه يجوز لهم الخروج منها ليلاً إذا غاب القمر.
стр. 610
أما الدليل على أن الإذن بالدفع قبل الفجر يختص بالضعفة، فحديث ابن عباس؛ ولما ورد عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ أذن لضعفة الناس أن يدفعوا من المزدلفة بليل. أخرجه أحمد.
وعند أنه كان يقدم نساءه وصبيانه من المزدلفة إلى منى حتى يصلوا الصبح بمنى ويرموا قبل أن يأتي الناس. أخرجه مالك والبغوي في «شرحه».
وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أنه كان يقدم أزواج النبي ﷺ وضعفة أهله من جمع بليل إلى منى قبل الفجر، وفي رواية: «أن عبد الرحمن كان يصلي بأمهات المؤمنين الصبح بمنى» أخرجه سعيد بن منصور.
وعن طلحة بن عبيد أنه كان يقدم أهله من المزدلفة حتى يصلوا الصبح بمنى، أخرجه مالك وسعيد بن منصور.
وأما الدليل على أنه إذا غاب القمر، فلما ورد عن عبد الله مولى أسماء قال: قالت أسماء عند دار المزدلفة: هل غاب القمر؟ قلت: لا، فصلت ساعة، ثم قالت لي: هل غاب القمر؟ قلت: نعم، قالت: ارتحل، فارتحنا حتى رمت الجمرة، ثم صلت في منزلها، فقلت لها: أي هَنْتَاهْ، لقد غسلنا، فقالت: كلا إن رسول الله ﷺ أذن للظُّعْن، ومن طريق آخر: أذن للضعفة. أخرجه الشيخان. والله أعلم.
س ٢٤٩: تكلم بوضوح عن الدفع من مزدلفة قبل نصف الليل؟ وهل يجب على من دفع قبله شيء؟ وما هو الذي يقال عند المشعر الحرام؟ وما الحكمة في التبكير في صلاة الصبح إذا أصبح بها ومتى يسير منها؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل؟
ج: وفي الدفع من مزدلفة قبل نصف الليل على يغر رعاة وغير سقاة زمزم دمٌ مَا لمْ يَعُدْ إليها قبل الفجر؛ فإن عاد إليها قبله فلا دم عليه، ومَن أصبح بمزدلفة صلى الصبح بغلس؛ لحديث جابر الذي رواه مسلم وأبو داود،
стр. 611
وفيه: «ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر، وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب» الحديث. وقال ابن مسعود: «ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة إلا لميقاتها، إلا صلاتين صلاة المغرب والعشاء، وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها» رواه الثلاثة. وليتسع وقت وقوفه بالمشعر الحرام فرقي عليه إن سهل أو وقف عنده وحمد الله وهلَّل وكبر ودعا، فقال: اللهم كما وقَّفْتَنا فيه وأريتنا إياه، فَوفَّقْنا لذكرك، كما هديتنا واغفر لنا وارحمنا، كما وعدتنا بقولك وقولك الحق: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِّنْ عَرَفَاتٍ﴾ الآيتين إلى ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ يكرره إلى الإسفار؛ لحديث جابر مرفوعًا: «لم يزل واقفًا عن المشعر الحرام حتى أسفر جدًّا، فإذا أسفَرَ جدًّا سار قبل طلوع الشمس»، قال عمر: كان أهل الجاهلية لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس، ويقولون: أشرق ثبير كيما نغير، وإن رسول الله ﷺ خالفهم، فأفاض قبل أن تطلع الشمس. رواه البخاري.
ويسير إذا دفع من المزدلفة وعليه السكينة لحديث ابن عباس ثم أردف رسول الله ﷺ الفضل بن عباس ثم قال: «أيها الناس إن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل فعليكم السكينة» فإذا بلغ محسر أسرع رمية حجر إن كان ماشيا وإلا حرك دابته لقول جابر حتى أتى محسرًا فحرك قليلاً، وعن ابن عمر أنه كان يجهد ناقته إذا مر بمحسر أخرجه سعيد بن منصور.
س ٢٥٠: تكلم عن حصى الجمار بوضوح؟ مبيِّنًا ما يجزي الرمي به، ومقداره؟ وما لا يجزي الرمي به وعدده؟ وحُدُودَ منى وبأي الجمار يبدأ؟ وما الذي يشترط للرَّمي؟ وما صفة الرمي؟ وما الذكر الذي يُقال مع كل حصاة؟ ومتى وقت الرمي؟ وماذا يعمل بعد الرمي؟ ومتى يحل؟
ج: يأخذ حصى الجمار من حيث شاء وعدده سبعون حصاة أكبر من الحمص ودون البندق كحصى الخَذْف؛ لحديث ابن عباس: قال رسول الله ﷺ غداة
стр. 612
العقبة: «الْقطْ لي حَصىَ» فَلَقَطتُ له سبعَ حصيات من حصى الخذف فجعل يقبضهنَّ في كفه، ويقول: «أمثال هؤلاء فارموا»، ثم قال: «أيها الناس، إياكم والغلوَّ في الدين؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلوَّ في الدين» رواه ابن ماجه. وكان ذلك بمنى، قاله في «الشرح الكبير».
ولا يُسنَّ غسل الحصَى، قال أحمد: لم يبلغنا أن النبي ﷺ فعله، ولا يرمي بحَصىَ قد رُميَ به، والسُّنة التقاطُ سبع في اليوم الذي يرمي به جمرة العقبة اقتداءً بالنبي ﷺ ؛ أما الأيام الثلاثة فيلتقط كل يوم إحدى وعشرين حصاة يرمي بها الجمار الثلاثة.
ولا تجزي صغيرة جدًا أو كبيرة، ولا بغير الحصى كجوهر وزمرد وياقوت وذهب؛ لأن النبي ﷺ رمى بالحصى، وقال: «خذوا عني مناسككم»، فإذا وصل منى وهو ما بين وادي محسَّر وجمرة العقبة بَدأ بها فرماها راكبًا أو ماشيًا كيفما شاء؛ لأن النبي ﷺ رماها على راحلته، رواه جابر وابن عمر وأمَّ أبي الأحوص وغيرهم.
وقال جابر: رأيت النبي ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر، ويقول: «خذوا عني مناسككم، فإني لا أدري لعَلي لا أحج بعد حجتي هذه» رواه مسلم.
وقال نافع: وكان ابن عمر يرمي جمرة العقبة على دابته يوم النحر، وكان لا يأتي سائرها بعد ذلك إلا ماشيًا ذاهبًا وراجعًا، رواه أحمد في «المسند».
ويرميها بسبع واحدة بعد أخرى؛ لحديث جابر حتى إذا أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها، ويشترط الرمي للخبر، فلا يجزي الوضع في المرمى؛ لأنه ليس برمي، ويجزي طرحها، ويشترك كون الرمي واحدة بعد واحد، فلو رمى أكثر من حصاة دفعة واحدة لم يجزئه إلا عن حصاة واحدة؛ لأن النبي ﷺ رمى سبع رميات،
стр. 613
وقال: «خذوا عني مناسككم» ويشترط عِلْمُهُ بحصولها في المرمى في جمرة العقبة، وفي سائره الجمرات؛ لأن الأصل بقاء الرمي في ذمّته فلا يزول بالظن ولا بالشك فيه، ووقت الرمي من نصف ليلة النحر لمن وقف قبله؛ لحديث عائشة مرفوعًا: «أمَرَ أمَّ سَلمَةَ ليلة النحر فرمت جمرة العَقبة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت» رواه أبو داود.
وروي أنه أمرها أن تعجل الإفاضة وتوافي مكة مع صلاة الفجر احتج به أحمد؛ ولأنه وقت للدفع من مزدلفة أشبه ما بعد طلوع الشمس.
وقال في «المغني»: وَلرَمي هذه الجمرة وقتان وقت فضيلة ووقت إجزاء؛ فأما وقت الفضيلة فبعد طلوع الشمس.
قال ابن عبد البر: أجمع علماء المسلمين على أن رسول الله ﷺ إنما رماها ضحى ذلك اليوم.
وقال جابر: «رأيت رسول الله ﷺ يرمي الجمرة ضحى يوم النحر وحده، ورمى بعد ذلك بعد زوال الشمس» أخرجه مسلم.
وقال ابن عباس: قدمنا على رسول الله ﷺ أُغَيْلمَةَ بني عبد المطلب على أحْمِرَاتٍ لنا من جمع، فجعل يلطخ أفخاذنا، ويقول: «يا بني عبد المطلب، لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس» رواه ابن ماجه، وكان رميها بعد طلوع الشمس يجزئ بالإجماع وكان أولى.
وأما وقت الجواز، فأوله نصف الليل من ليلة النحر، وبذلك قال عطاء وابن أبي ليلى عكرمة بن خالد والشافعي، وعن أحمد أنه يجزي بعد الفجر قبل طلوع الشمس وهو قول مالك وأصحاب الرأي، وإسحاق، وابن المنذر.
وقال مجاهد والثوري والنخعي: لا يرميها إلا بعد طلوع الشمس؛ لما روينا من الحديث، انتهى. فإن غربت شمس يوم النحر قبل الرمي؛ فإنه يرمي تلك
стр. 614
الجمرة من غد بعد الزوال؛ لقول ابن عمر: من فاته الرمي حتى تغيب الشمس فلا يرمي حتى تزول الشمس من الغد، ويستحب أن يكبر مع كل حصاة؛ لما في حديث جابر: «يكبر مع كل حصاة منها، وأن يقول مع كل حصاة: اللهم اجعله حجًا مبرورًا وذنبًا مغفورًا وسعيًا مشكورًا».
لما روى حنبل عن زيد بن أسلم قال: رأيت سالم بن عبد الله استبطن الوادي بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة الله أكبر الله أكبر، ثم قال: اللهم اجعله حجًا مبرورًا فذكره، فسألته عما صنع، فقال: حدثني أبي أن النبي ﷺ رمى جمرة العقبة من هذا المكان ويقول: كلما رمى مثل ذلك ويستحب أن يرميها من بطن الوادي ويجعل في حالة الرمي البيت عن يساره ومنى عن يمينه؛ لما ورد عن عبد الله بن مسعود أنه انتهى إلى الجمرة الكبرى فجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه، ورمى بسبع، وقال: «هكذا رمى الذي أُنزلت عليه سورة البقرة» متفق عليه.
ولمسلم في رواية جمرة العقبة، وفي رواية لأحمد: أنه انتهى إلى الجمرة فرماها من بطن الوادي بسبع حصيات وهو راكب يكبر مع كل حصاة، وقال: «اللهم اجعله حجًا مبرورًا وذنبًا مغفورًا»، ثم قال: «هاهنا كان الذي أُنزلت عليه سورة البقرة» ويرفع يمناه إذا رمى حتى يرى بياض إبطه؛ لأنه معونة على الرمي ولا يقف عندها.
لما أخرجه البخاري عن الزهري قال: سمعت سالمًا يحدث عن أبيه، عن النبي ﷺ «أنه كان إذا رمى الجمرة رماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ثم ينحدر أمامها فيقف مستقبل القبلة رافعًا يديه ويدعو، وكان يطيل الوقوف، ويأتي الجمرة الثانية فيرميها بسبع حصيات ويكبر كلما رمى بحصاة، ثم ينحدر ذات اليسار مما يلي الوادي فيقف مستقبل البيت رافعًا يديه يدعو، ثم يأتي الجمرة التي عند العقبة فيرميها بسبع حصيات يكبر كلما رماها بحصاة، ثم ينصرف ولا يقف عندها».
стр. 615
وروى ابن عباس «أن النبي ﷺ كان إذا رمى جمرة العقبة انصرف ولم يقف» رواه ابن ماجه، ولضيق المكان، وله رمي جمرة العقبة من فوقها لفعل عمر لما رأى من الزحام عندها.
ويقطع التلبية بأول الرمي؛ لحديث ابن عباس أن أسامة كان ردف النبي ﷺ من عرفة إلى المزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى، وكلاهما قال: «لم يزل النبي ﷺ يلبي حتى رمى جمرة العقبة»، وفي بعض ألفاظه: حتى رمى جمرة العقبة قطع عند أول حصاة، رواه حنبل في «المناسك».
ثم ينحر هديًا معه واجبًا كان أو تطوعًا؛ لقول جابر: «ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثًا وستين بدنة بيده، ثم أعطى عليًا فنحر ما غبر وأشركه في هديه»؛ فإن لم يكن معه هدي وعليه واجب اشتراه، وإذا نحرها فرقها لمساكين الحرم أو أطلقها لهم.
ثم يحلق؛ لقوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ وسّنَّ اسِتقبالُ محلوِق رأسه للقبلة كسائر المناسك، وسن بداءة بشقه الأيمن؛ لما ورد عن أنس أن النبي ﷺ أتى منى فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر نسكه، ثم دعا بالحلاق وناوله الخالق شقه الأيمن، ثم دعا أبا طلحة الأنصاري فأعطاه إياه، ثم ناول الشق الأيسر، فقال: «احلق»، فحلقه، فأعطاه أبا طلحة، فقال: «اقسمه بين الناس». متفق عليه. وكان ﷺ يعجبه التيامن في شأنه كله.
ويُسن أن يبلغ بالحلق العظم الذي عند مقطع الصدغ من الوجه؛ لأن ابن عمر كان يقول للحالق: أبلغ العظمين، أفصل الرأس من اللحية، وكان عطاء يقول: من السُّنة إذا حلق أن يبلغ العظمين، قال جماعة: ويدعو، قال الموفق وغيره: ويكبر وقت الحلق؛ لأنه نسك، وإن قصَّر فمن جميع شعر رأسه
стр. 616
لا من كل شعرة بعينها؛ لأن ذلك لا يعلم إلا بحلقه، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ وهو عام في جميع شعر الرأس، وقد حلق ﷺ جميع رأسه فكان ذلك تفسيرًا لمطلق الأمر بالحلق أو التقصير، فيجب الرجوع إليه.
والمرأة تقصر من شعرها قدر أنملة، فأقل من روس الضفائر؛ لحديث ابن عباس مرفوعًا: «ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير» رواه أبو داود؛ ولأنه مثلة في حقهن.
ويُسن أخذ أظفاره وشاربه وعانته وإبطه، قال ابن المنذر: ثبت أن رسول الله ﷺ لما حلق رأسه قلَّم أظفاره، وكان ابن عمر يأخذ من شاربه وأظفاره ثم قد حلِّ له كل شيء من الطيب وغيره، إلا النساء؛ لحديث عائشة مرفوعًا قال: «إذا رَمَيتم وحلقتم فقد حلَّ لكم الطيب والثياب وكل شيء إلا النساء» رواه سعيد، وقالت عائشة: «طيبت رسول الله ﷺ لإحرامه حين أحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت» متفق عليه.
س ٢٥١: تكلم عما يلي: ترك الحلق والتقصيرظ تأخيرهما عن أيام منى؟ تقديم الحلق على الرمي أو الحلق على النحر أو النحر قبل الرمي أو طاف للزيارة قبل الرمي، وبأي شيء يحصل التحلل الأول؟ وبأي يحصل التحلل الثاني؟ ومتى وقت خطبة الإمام بمنى؟ وما موضوعها؟ وما دليلها؟
ج: والحلق والتقصير نسك في حج وعمرة في تركهما معًا دم؛ لأنه تعالى وصفهم بذلك، وامتن عليهم به فدل على أنه من العبادة ولأمره ﵊ بقوله: «فليقصر ثم ليحلل»، ولو لم يكن نسكًا لم يتوقف الحل عليه، ودعا ﵊ للمقصرين والمحلقين وفاضل بينهم، فلولا أنه نسك لما استحقوا لأجله الدعاء؛ ولما وقع التفاضل فيه إذ لا مفاضلة في المباح،
стр. 617
ولا دم عليه إن أخر الحلق أو التقصير عن أيام منى؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾.
فبيَّن أول وقته دون آخره فمتى أتى به أجزأه كالطواف؛ لكن لابد من نيَّتِهِ نسكًا كالطواف، وإن قدم للحلق على الرمي أو على النحر أو طاف للزيارة قبل رميه أو نحر قبل رميه جاهلاً أو ناسيًا فلا شيء عليه، وكذا لو كان عالمًا؛ لما ورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ وقف في حجة الوداع، فجعلوا يسألونه، فقال رجل: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح، قال: «اذبح، ولا حَرَج»، وجاء آخر، فقال: لم أشعر، فنحرت قبل أن أرم، قال: «ارم ولا حرج» متفق عليه. وعن ابن عباس: أن النبي ﷺ قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير، فقال: «لا حرج» متفق عليه.
ويحصل التحلل الأول بإثنين من ثلاثة: رمي لجمرة العقبة، وحلق أو تقصير وطواف إفاضة، ويحصل التحلل الثاني بما بقي منها مع السعي من متمتع مطلقًا ومفرد وقارن لم يسعيا مع طواف قدوم؛ لأنه ركن.
ثم يخطب الإمام أو نائبه بمنى يوم النحر خطبة يفتتحها بالتكبير يعلمهم فيها النحر والإفاضة والرمي للجمرات؛ لحديث ابن عباس مرفوعًا: «خطب الناس يوم النحر -يعني بمنى» أخرجه البخاري، وقال أبو أمامة: سمعت خطبة النبي ﷺ بمنى يوم النحر، رواه أبو داود.
وعن أبي بكرة قال: خطبنا النبي ﷺ يوم النحر، فقال: «أتدرون أي يوم هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت، حتى ظننا أنه سَيُسَمِّيه بغير إسمه، قال: «أليس يوم النحر؟» قلنا: بلى، قال: «أي شهر هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سَيُسَمِّيه بغير
стр. 618
اسمه. فقال: «أليس ذو الحجة؟» قلنا: بلى، قال: «أيُّ بَلدٍ هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سَيُسَمِّيه بغير إسمه، فقال: «أليست البلدة؟» قلنا: بلى، قال: «فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلغت؟».
قالوا: نعم، قال: «اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» رواه البخاري وأحمد.
ومن مختصر النظم مما يتعلق بصفة الحج والعمرة
وفي الثامن الإحرام من متمتع … بحج كحلال الحريم المجددِ
وإحرامه في الحل صح ولا دم … وأفضله من بطن مكة فاقتدِ
فسيستقبلون الظهر والعصر في منى … وباتوا وساروا مطلع الشمس في غد
إلى عرفات مجمع الوفد كلهم … وكل سوى الإحرام سُّنة مرشدٍ
ويجمعُ بين الظهر والعصر أهله … بتأذين فرض والإقامة عدد
وفي يومهم باتوا إلى عرفاتهم … وفي الصخرات الفرض أرض التغمد
فيا عرفات الخير كلك موقف … ويا عرَنيًا ليس يجزيك فاصعدِ
وقف راكبًا أولى وقد قيل عكسه … وهلِّل وأكثر من دعائك واجهد
ولبِّ وحمِّد وأكثر الذكر واقفًا … وبعد غروب الشمس فادفع تحمد
وركن وقوف المرء في عرفاته … بأيسر وقت كان من حين يبتدى
مؤخر فجر يوم تعريفه إلى … مؤخِّر فجري عيد نحر المقلد
وليس لسكران ومغمى عليه من … وقوف ومجنون لفقد التقصُّد
ومن سار منها قبل مغرب شمسه … عليه دم ما لم يعد قبل فاشهد
وبعد غروب الشمس يدفع طالبًا … لجمعٍ وسرْ سيْرَ السكينةِ تقتدي
стр. 619
وسر في سبيل المأزمين فإن تجد … إذًا فرجةٍ أسرع ولا تَتأوّدِ
فإن جئتها صلَّ العشاءين جامعًا … ولو مُفردًا للنَّدب لا الحتم فاقتد
وبت ثم صل الصبح أول وقتها … وأوجب لنصف الليل بيتوتة قد
ومَن جاء بعد الفجر يلزمه دم … كذا الدفع قبل النصف في المتأطّد
وقف أوتر فوق أشرف مشعرٍ … وكبّر وسل تعط الرغائب وأحمد
إلى غاية الإسفار ثم قبيل أن … تلوح ذكا فادفع ولا تتردد
فسر مسرعًا إن جئت وادي محسِّر … كرميك في الصحراء يومًا يجلد
وخذ من رُبَى جمع حصى الرمي أو من … الطريق وسيعين أقدر الكل واعدد
وبادر منى نحو العقيبة راميًا … بسبع على الترتيب مُنتَصبَ اليدِ
بواحدة من بعد أخرى ارم يا فتى … وإن ترْمِ سَبعًا دُفَعةً فكَمُفْرَدِ
بمثل حصاة الخذف فارمِ ولا تقف … ولا تجزئُ الكبرى وصغرى بل اقتدي
ولا يجزئ المرمي به مرةً ولا … بغير الحصا من فضة أو زبرجد
وكبر مع رفع الحصاة ودع إذا … بدأت برمي قول لبِّيك ترشد
ومن بعد نصف الليل رميك مجزئ … وبين طلوع الشمس والميل جوِّد
ولا تقفن والأفضل الرمي ماشيًا … ومن بعد ذا نحر الهدايا لتقصد
وبعد احلقن أو قصّر الشعر كله … وعنه اجتزئ بالبعض كالمسح تهتد
وللنسوة التقصير فرض معين … بأنملة من كله في المؤكد
ومن بعد ذا غير النساء محلل … وعنه سوى وطء الفروج استبح قد
وللحلق والتقصير نسك ويحصل الـ … ـتحلل به والرمي أو طوف مقتدي
стр. 620
ففي يوم عيد النحر فعل لسُّنة … وقوفهمو في المشعر المتمجد
وقصد منى والرمي والنحر بعده … وحلق النواصي والطواف المؤكد
فمن لم يرتِّبها فلا دم مطلقًا … وفيه مقال آخر في التعَمُّدِ
ويخطب يوم النحر في المتأكد … لنحر ورمي والإفاضة أرشد
ومن بعد هذا فاقصد البيت طائفًا … بنية طوف الفرض شرك مؤكد
وهذا هو الركن المثنى مكمل … لحجك فاحلل كل حلّك واحمد
ومن بعد نصف ليل النحر أول وقته … وفي يومه أولى وإن شئتَ بعد
س ٢٥٢: تكلم بوضوح عما يلي: متى أول وقت طواف الإفاضة؟ ومتى وقت الأفضلية؟ وهل يلزم تعيينه؟ وتكلم عن الشرب من ماء زمزم؟ وما ينبغي قوله لمن شرب منها؟
ج: ثم يفيض إلى مكة؛ لقول عائشة ﵂ حججنا مع النبي ﷺ فأفضنا يوم النحر، فحاضت صفيّة، فأراد النبي ﷺ منها ما يريد الرجل من أهله، فقلت: يا رسول الله، إنها أفاضت يوم النحر، قال: «أخرجوا». متفق عليه.
ويطوف القارن والمفرد بنيّة الفريضة طواف الزيارة، ويقال: طواف الإفاضة ويعيِّنه بالنية؛ لعموم: «إنما الأعمال بالنيات».
ولأن النبي ﷺ سمى الطواف بالبيت صلاة، وهي لا تصح بدونها ويكون بعد وقوفه بعرفة؛ لأنه ﵊ طاف كذلك، وقال: «خذوا عني مناسككم» وهو ركن لا يتم الحج إلا به إجماعًا، قاله ابن عبد البر؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ﴾.
وكذا المتمتع يطوف للزيارة فقط، كمن دخل المسجد وأقيمت الصلاة؛ فإنه يكتفي بها عن تحية المسجد وأول وقته بعد نصف ليلة النحر، لمن وقف قبل ذلك بعرفة وإلا فبعد الوقوف، والأفضل فعله يوم النحر؛ لحديث ابن عمر: «أفاض
стр. 621
رسول الله ﷺ يوم النحر» متفق عليه. (وتقدم الكلام على أول وقت الرمي في جواب سؤال ٢٥٠).
ويستحب أن يدخل البيت، فيكبر في نواحيه، ويصلي فيه ركعتين بين العمودين تلقاء وجهه، ويدعو الله ؛ لحديث ابن عمر قال: دخل رسول الله ﷺ البيت، وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة، فأغلقوا عليهم، فلما فتحوا كنت أول مَن ولج، فلقيت بلالاً، فسألته: هل صلى النبي ﷺ في الكعبة، قال: ركعتين بين الساريتين عن يسارك إذا دخلت، ثم خرج فصلى في وجه الكعبة ركعتين. رواه الشيخان، ولفظه للبخاري.
وأما ما رواه الشيخان عن أسامة أيضًا، والبخاري عن ابن عباس: أن النبي ﷺ لم يصل في الكعبة فجوابه أن الدخول كان مرتين، فلم يصل في الأولى، وصلى في الثانية، كذا رواه أحمد في «مسنده».
وذكر ابن حبان في «صحيحه»، وإن أخَّر طواف الزيارة عن أيام منى، جاز؛ لأنه لا آخر لوقته عند أحمد والشافعي، وعند أبي حنيفة أيام التشريق، ومالك ذي الحجة، والتعجيل أفضل عن أيام منى.
وقال الشيخ تقي الدين: ينبغي أن يكون في أيام التشريق؛ فإن تأخر ذلك فيه نزاع، والذي يترجح عندي قول من يقول بعدم جواز تأخيره عن أيام التشريف؛ لأنه لم ينقل فيما بلغني عن النبي ﷺ ولا عن أحد من أصحابه أنهم أخروه. والله أعلم.
قال في «الإنصاف»، وقال في الواضح: عليه دم إذا أخره عن يوم النحر لغير عذر، وخرَّج القاضي وغيره رواية بوجوب الدم إذا أخَّره عن أيام منى ولا شيء عليه كتأخير السعي.
ثم يسعى متمتع بحجه؛ لأن سعيه الأول لعمرته؛ لحديث ابن عباس ﵄ أنه سُئل عن متعة الحج، فقال: أهَلَّ المهاجرون والأنصار وأزواج النبي ﷺ في حجة الوداع وأهللنا، فلما قدمنا مكة، قال رسول الله ﷺ : «اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي» فطفنا بالبيت والمروة، وأتينا النساء
стр. 622
ولبسنا الثياب، وقال: «من قلد الهدي؛ فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله»، ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج؛ فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وهو صريح في سعي المتمتع مرتين، وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنه يكفيه سعي عمرته الذي بعد طوافه.
قال في «الاختيارات الفقهية»: والمتمتع يكفيه سعي واحد بين الصفا والمروة وهو إحدى الروايتين عن أحمد نقلها عبد الله عن أبيه، ويسعى من لم يسع مع طواف القدوم من مفرد وقارن، ومن سعى منهما لم يعده.
عن عائشة أنها حاضت بسرف فتطهرت بعرفة، فقال لها رسول الله: «يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك» رواه مسلم.
عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرن بين حجه وعمرته أجزأه لهما طواف واحد» رواه وابن ماجه، وفي لفظ: «من أحرم بالحج والعمرة أجزأ طواف واحد وسعي واحد منهما حتى يحل منهما جميعًا» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب؛ ولأنه لا يستحب التطوع به كسائر الأنساك إلا الطواف؛ فإنه كصلاة.
ثم يشرب من ماء زمزم لما أحب، ويتضلع منه ويرش على بدنه وثوبه، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، قال: كنت عند ابن عباس جالسًا، فجاء رجل، فقال: من أين جئت؟ قال: من زمزم، قال: فشربت منها كما ينبغي؟، قال: وكيف؟ قال: شربت منها فاستقبل الكعبة وذكر إسم الله عز جل؛ فإن رسول الله ﷺ قال: «إن آية ما بيننا وبين المنافقين لا يتضلعون من زمزم» أخرجه ابن ماجه والدارقطني، واللفظ لابن ماجه، ويقول: «بسم الله، اللهم اجعله لنا علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وريًّا وشبعًا وشفاءً من كل داء واغسل به قلبي واملأه من خشيتك»، زاد بعضهم: «وحكمتك»؛ لما ورد عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ماء زمزم لما شُرب
стр. 623
له» رواه ابن ماجه، وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ماء زمزم لما شرب له، إن شربته تستشفي به شفاك الله، وإن شربته يشبعك أشبعك الله به، وإن شربته لقَطْع ظمئك قطعه الله، وهو عزمة جبريل وسقيا الله إسماعيل» رواه الدارقطني.
س ٢٥٣: ماذا يفعل بعد طواف الإفاضة والسعي ممن عليه سعي؟ وتكلم عن صفة رمي الجمرات الثلاث؟ وبأيها يبدأ؟ وحكم ترتيبها؟ وحكم ما إذا أخل بحصاة من الأولى، أو جهل من أيها تركت؟ ومتى وقت رميها؟ واذكر ما تستحضره من دليل؟
ج: ثم يرجع فيصلي ظهر يوم النحر بمنى؛ لحديث ابن عمر مرفوعًا: «أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى» متفق عليه. ويبيتُ بمنى ثلاث ليال إن لم يتعجل وإلَّا فليلتين ويرمي الجمرات الثلاث بمنى أيام التشريق إن لم يتعجل كل جمرة منها بسبع حصيات واحدة بعد أخرى، ولا يجزي رَميُ غير سقاة ورعاة إلّا نهارًا بعد الزوال؛ فإن رمى ليلاً أو قبل الزوال لم يجزئه؛ لحديث جابر: رأيت رسول اله ﷺ يرمي الجمرة ضحى يوم النحر، ورمى بعد ذلك بعد زوال الشمس، وقال: «خذوا عني مناسككم».
وعن ابن عمر قال: كنا نتَحَيَّنَ فإذا زالت الشمس رمينا، رواه البخاري وأبو داود.
وعن ابن عباس قال: رمى رسول الله ﷺ الجمار حين زالت الشمس، رواه أحمد وابن ماجه والترمذي.
وسن رميه قبل الصلاة، أي صلاة الظهر؛ لحديث ابن عباس مرفوعًا: «كان يرمي الجمار إذا زالت الشمس قدر ما إذا فرغ من رميه صلى الظهر» رواه ابن ماجه.
стр. 624
ويستحب أن لا يدع الصلاة مع الإمام في مسجد منى، وهو مسجد الخيف؛ لفعله ﷺ وفعل أصحابه يبدأ بالجمرة الأولى وهي أبعدهن من مكة وتلي مسجد الخيف فيجعلها عن يساره ويرميها بسبع ثم يتقدم عنها قليلاً بحيث لا يصيبه الحصى، فيقف يدعو ويطيل رافعًا يديه مستقبل القبلة.
ثم يأتي الجمرة الوسطى فيجعلها عن يمينه ويرميها بسبع ويقف عندها ويستقبل القبلة ويدعو رافعًا يديه ويطيل، ثم يأتي جمرة العقَبَة فيرميها بسبع ولا يقف عندها لضيق المكان؛ لحديث عائشة قالت: «أفاض الرسول من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى، فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات ويكبر مع كل حصاة ويقف عند الأولى والثانية ويتضرع، ويرمي الثالثة ولا يقف عندها» رواه أبو داود.
وعن ابن عمر ﵄ «أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر على إثر كل حصاه ثم يتقدم، ثم يسهل، فيقوم فيستقبل القبلة، ثم يدعو ويرفع يديه ويقوم طويلاً، ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال فيسهل ويقوم مستقبل القبلة، ثم يدعو فيرفع يديه ويقوم طويلاً، ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها ثم ينصرف»، فيقول: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعله. رواه البخاري.
وترتيبها شرط؛ لأنه ﵊ رماها كذلك، وقال: «خذوا عني مناسككم» كالعدد؛ لأنه ﵊ رمى كلاً منها بسبع كما مر؛ فإن أخل بحصاه من الأولى لم يصح رمي الثانية ولا الثالثة، وإن أخل بحصاة من الثانية لم يصح رمي الثالثة لإخلاله بالترتيب؛ فإن ترك حصاة فأكثر وجهل من أيها تركت الحصاة بنى على اليقين، فيجعلها من الأولى فيتمها، ثم
стр. 625
يرمي الأخيرتين مرتبًا لِتَبْرَأ ذمته بيقين، وكذا إن جهل أمن الثاني أو الثالثة فيجعلها من الثانية.
س ٢٥٤: تكلم عن حكم تأخير الرمي وترتيبه، وترك المبيت،
وترك حصاة؟ وترك حصاتين؟ ومَن الذي يس عليهم مبيت بمنى، وإذا غربت الشمس وهم فيها فمَن يلزمهم المبيت؟ وهل له أن ينوب من يرمي عنه؟
ج: وإن أخر رمي يوم ولو كان يوم النحر إلى غده أو أكثر أجزأه أو أخر رمي الكل إلى آخر أيام التشريق ورماها بعد الزوال أجزأ رميه أداء؛ لأن أيام التشريق كلها وقت للرمي؛ فإذا أخره عن أول وقته إلى آخره أجزأه كتأخير الوقوف بعرفة إلى آخر وقته.
ويجب ترتيب الرمي بالنية كمجموعتين وفوائت الصلوات؛ فإذا أخر الكل مثلاً بدأ بجمرة العقبة فنوى رميها ليوم النحر، ثم يأتي الأولى، ثم الوسطى، ثم العقبة ناويًا عن أول يوم التشريق، ثم يعود فيبدأ من الأولى حتى يأتي على الأخيرة ناويًا عن الثاني، وهكذا عن الثالث.
وفي تأخيره عن أيام التشريق كلها دم لفوات وقت الرمي فيستقر الفداء؛ لقول ابن عباس: من ترك نسكًا أو نسيه فليهرق دمًا كترك مبيت ليلة غير الثالثة لمن تعجل فيجب به دم، وكذا لو ترك المبيت لياليها كلها، وفي ترك حصاة واحدة ما في إزالة شعرة طعام مسكين، وفي ترك حصاتين ما في إزالة شعرتين مثلاً ذلك، وهذا إنما يتصور في آخر جمرة من آخر يوم وإلا لم يصح رمي ما بعدها، وفي أكثر من حصاتين دم، ومَن له عذر من نحو مرض وحبس جاز أن يستنيب من يرمي عنه، والأولى أن يشهد إن قدر.
стр. 626
ولا مَبيتَ على سُقاة ورعاة؛ لحديث ابن عمر: «أن العباس استأذَن النبي ﷺ أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، فأذن له» متفق عليه؛ ولحديث مالك: رخص رسول الله ﷺ لرعاة الإبل في البيوتة أن يرموا يوم النحر، يجمعوا رمي يومين بعد النحر يرمونه في أحدهما، قال مالك: «ظننت أنه قال في أول يوم منها ثم يرمون يوم النفر» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، والمريض ومن له مال يخاف عليه ونحوه كغيره؛ فإن غربت الشمس والرعاة والسقاة بمنى لزم الرعاة المبيتُ فقط دون السقاة، لفوات وقت الرعي بالغروب بخلاف السقي، وقيل: أهل الأعذار من غير الرعاة كالمرضى، ومن له مال يخاف ضياعه ونحوه، حكمهم حكم الرعاة في ترك البيتوتة، وهذا القول قوي فيما أرى. والله أعلم.
س ٢٥٥: تكلم عن خطبة الإمام ثاني أيام التشريق؟ وإذا غربت الشمس ومُربدُ التعجل فيهما، فما الحكم؟ وما حكم رمي اليوم الثالث عن المتعجل؟ وهل له أن يرجع إلى منى بعد حصول الرخصة؟ وإذا أراد الخروج من مكة، فما يعمل؟
ج: يُستحب خطبة إمام أو نائبه في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد الزوال يعلمهم فيها حكم التعجل والتأخير، وحكم توديعهم؛ لحديث أبي داود عن رجلين من بني بكر قالا: رأينا رسول الله ﷺ يخطب بين أوْسَطِ أيام التشريق، ونحن عند راحلته.
وعن أبي نضرة قال: حدثني مَن سمع خطبة النبي ﷺ في أوسط أيام التشريق، فقال: «يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا عجمي على عربي ولا أحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى! أبلغتُ؟» قالوا: بَلَّغَ رسول الله ﷺ ، رواه أحمد. ولحاجة الناس إلى بيان الأحكام المذكورات.
стр. 627
ولغير الإمام المقيم للمناسك التعجيل في ثاني أيام التشريق بعد الزوال والرمي وقبل الغروب؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
ولحديث رواه أبو داود وابن ماجه: «أيام منى ثلاثة» وذكر الآية وأهل مكة وغيرهم فيه سواء؛ فإن غربت الشمس ومُرْيدُ التعجل بمنى لزمه المبيت والرمي من الغد بعد الزوال.
قال ابن المنذر: ثبت أن عمر قال: من أدرك المساء في اليوم الثاني فليقم إلى الغد حتى ينفر مع الناس؛ ولأنه بعد إدراكه الليل لم يتعجل في يومين، ويسقط رمي اليوم الثالث عن متعجل لظاهر الآية والخبر، وكذا مبيت الثالثة ولا يضر رجوعه إلى منى لحصول الرخصة، فإذا أتى مكة لم يخرج حتى يطوف للوداع إذا فرغ من جميع أموره؛ لقول ابن عباس: أمِرَ الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت طوافًا، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض، متفق عليه.
س ٢٥٦: تكلم عن ما يلي: ماذا يعمل بعد طواف الوداع، إذا ودَّعَ ثم اشتغل بشيء أو أقام بعد الوداع؟ مَن أخَّر طواف الزيارة أو القدوم فطافه عند الخروج فهل يجزي عن الوداع؟ إذا خرج قبل الوداع فهل يرجع إليه؟ وماذا يعمل بعد وداعه؟
ج: يُسنّ بعد طواف الوداع تقبيل الحجر الأسود وركعتان كغيره؛ فإن وَدَّعَ ثم اشتغل بشيء غير شدِّ رحل ونحوه كقضاء حاجة في طريقه أو شراء زاد أو شيء لنفسه أو أقام بعده أعاد طواف الوداع؛ لأنه إنما يكون عند خروجه ليكون آخر عهده بالبيت، ومَن أخَّر طواف الزيارة ونصه أو القدوم فطافه عند الخروج أجزأ عن طواف الوداع؛ لأن المأمور أن يكون آخر عهده بالبيت، وقد فعل؛ ولأنها عبادتان من جنس فأجزأت إحداهما
стр. 628
عن الأخرى كغسل الجنابة عن غسل الجمعة وعكسه؛ فإن خرج قبل الوداع رجع إليه وجوبًا، بل إحرام إن لم يبعد عن مكة؛ لأنه لإتمام نسك مأمور به كما يرجع لطواف الزيارة ويحرم بعمرة إن بُعد عن مكة، ثم يطوف ويسعى ويحلق أو يقصر ثم يودع عند خروجه؛ فإن شق رجوع من بَعدَ ولم يبلغ المسافة أو بَعُد عنها مسافة قصر، فعليه دم؛ لقول ابن عباس: من ترك نسكًا فعليه دم بلا رجوع دفعًا للحرج.
ولا وداع على حائض؛ لحديث ابن عباس: إلا أنه خفَّف عن المرأة الحائض، متفق عليه.
ولما ورد عن عائشة ﵂ قالت: حاضت صفية بنت حيي بعد ما أفاضت، قالت: فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: «أحابستنا هي؟» قلت: يا رسول الله، إنها قد أفاضت وطافت بالبيت، ثم حاضت بعد الإفاضة، قال: «فلتنفر إذًا» متفق عليه.
والنفساء في معنى الحائض لا وداع عليها، إلا أن تطهر الحائض والنفساء قبل مفارقة بنيان مكة، فيلزمها العود؛ لأنها في حكم المقيم، بدليل أنها لا تستبيح الرخص قبل المفارقة؛ فإن لم تعُدْ لِعُذرٍ أو غيره فعليها دم.
ثم بعد وداعه يقف في الملتزم وهو أربعة أذرع بين الركن وباب الكعبة ملصقًا بالملتزم جميعه بأن يلصق به وجهه وصدره وذراعيه وكفيه مبسوطتين؛ لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: طفت مع عبد الله، فلما جاء دبر الكعبة، قلت: ألا تتعوذ؟ قال: تعوذ بالله من النار، ثم مضى حتى استلم الحجر، فقام بين الركن والباب فوضع صدره وذراعيه وكفيه وبسطهما بسطًا، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل، رواه أبو داود.
стр. 629
وعن مجاهد إذا أردت أن تنفر فأدخل المسجد وطف بالبيت سبعًا، ثم ائت المقام فصل ركعتين، ثم اشرب من ماء زمزم، ثم ائت ما بين الحجر والباب، فالصق صدرك وبطنك بالبيت وادع الله ، واسأل ما أردت، ثم عد إلى الحجر فاستلمه ثم انفر.
وعن إبراهيم، قيل له: بأي شيء يكون آخر عهده بالبيت؟ قال: بالحجر، أخرجهما سعيد بن منصور، ويقول إذا وقف في الملتزم: اللهم هذا بيتك وأنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك، وسَيْرتني في بلادك حتى بلغتني بنعمتك إلى بيتك، وأعنتني على أداء نُسكي؛ فإن كنت رضيت عني فأزدد عني رضا، وإلا فمن الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري، فهذا أوان إنصرافي إن أذنت لي غير مستبدل بك ولا بيتك ولا راغب عنك ولا عن بيتك، اللهم فاصحبني العافية في بدني والصحة في جسمي والعصمة في ديني وأحسن منقلبي وارزقني طاعتك ما أبقيتني، وأجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير، ويدعو بعد ذلك بما أحب، ويصلي على النبي ﷺ ، ويأتي الحطيم وهو تحت الميزاب، فيدعو ثم يشرب من ماء زمزم. قال الشيخ تقي الدين: ويستلم الحجر ويقبله.
стр. 630
ومن النظم في أحكام المناسك
ومن زمزم فاشرب لما شئت ممنعًا … وسم وسل ما تبتغي وتزودِ
وبعد طواف للزيارة لا تبت … بمكة إن تبغي المنى فمنى اقصد
وفي الغد خذ إحدى وعشرين فارمها … لذي جمرات تطف جمرة موقد
فتبدأ في الأولى بسبع وقف بها … مطيل الدعاء وَقف المشوق بمعهد
وتفعل في الوسطى كذا ولجمرة … العقيبة بالسبع إرم ثم تبعّد
وتجعل أولاها يسارًا وغيرها … يمينك فاستقبل وقف وادع واجهد
ويفعله بعد الزوال ثلاثةً … ومَن يتعجّل يرم يومين يرشد
ومن يمس حتى تغرب الشمس فليبت … فليرميها بعد الزوال من الغد
وقبل زوال رميهم غير مجزئ … وفي ثالث الأيام قولين أسند
وليس بمجز رمي ثانية متى … تركت من الأوُلى حصاة لنردد
وخذ بيقين إن شككت ومُرجئٌ … إلى آخر التشريق رمى المعدد
أجزْه بلا شيء وقد فات سُّنة … وفي الرمي رتبه بنية مقصد
وإن لم تبت في الأولين على منى … أو أرجأت عن أيامها الرمي فاقتد
وليس على أهل السقاية والرّعا … مَيْتٌ ورمى الليل جوّز لهم قد
وإما تغب شمس بها قليبت بها … رعاء ورب السقى أطلق يقيد
وإن أخر الرمي الرعاء بأول … ليقضوه في الثاني فصَوّبْ وسَدد
وفي ثاني التشريق يخطب خطبة … لتعلم مَا يحتاجه والترشُّد
وندبٌ له أن يدخل البيت حافيًا … ويكثر من نفل به وتعُّبد
وعند خروج طف طواف مودع … وقف بعدُ بين الركن والباب ترشد
وناد كريمًا قد دعا وفده إلى … جوائزة في بيته فادع واجهد
وقل يا إلهي قد أتيناك نرتجي … مواعيد صدق من كريم معود
стр. 631
وهذا مقام المستخيرين من لظى … بعفوك يا منِّان يا ذا التّغمد
بعفوك جئنا فوق كل مُسَخّر … فجد بالرضا يا رب قبل التبعد
فذا أوان السير عن بيتك الذي … نفارقه كرهًا متى شئت تعتدي
فراق اضطرار لا فراق زهادة … ولا رغبة عنه ولا عنك سيدي
وليس لنا والحمد لله رغبة … سواك فأصحبنا بمغني التزُّود
ولا تجعلنه آخر العهد بيننا … وهوّن علينا السير في كل فَدفد
وسل كُلَّ ما تبغي من الدين والدنا … تنله متى تَدْعو بصدق تقصد
وذاكر تطواف الزيارة ساعة الوداع … كفاه عن طواف الترود
ومن ترك التوديع أو عاد بعده … لشغل يعد وليهد إن لم يردد
وليس على ذات النفاس وحائض … وداع ولا هدي عليها له اشهد
ولكن لها ندب وقوف مؤمل … على الباب فلندع الكريم وتجْهدِ
س ٢٥٧: تكلم عن زيارة مسجد النبي ﷺ واذكر ما تستحضره من دليل، وتكلم عما يتعلق بهذا المقام بوضوح هذه الأدلة؟
ج: تُسنَّ زيارة المسجد النبوي، وهي في مواسم الحج وفي غيره سواه؛ لما ورد عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» رواه مسلم والنسائي وابن ماجه، وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» رواه البخاري. واللفظ له ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه، وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» متفق عليه. وعن عبد الله بن الزبير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه
стр. 632
إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي هذا» أخرجه أحمد وابن خزيمة وابن حبان، وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف فيما سواه» أخرجه أحمد وابن ماجه.
فإذا وصل الزائر إلى المسجد النبوي استحب له أن يقدم رجله اليمنى، ويقول: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، اللهم افتح لي أبواب رحمتك، كما يقول ذلك إذا دخل سائر المساجد، ثم يصلي ركعتين تحية المسجد، والأولّى أن يصليها في الروضة الشريفة؛ لما ورد عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي» أخرجاه، وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما بين منبري إلى حجرتي روضة من رياض الجنة، وإن منبري على ترعة من ترع الجنة»، وفي رواية من حديث عبد الله بن زيد: «ما بين هذه البيوت -يعني بيوته- إلى منبري روضة من رياض الجنة» أخرجهما أحمد، وعن أم سلمة ﵂ عن النبي ﷺ قال: «قواعد منبري رواتب في الجنة» أخرجه أحمد، ثم بعد فراغ الإنسان من تحية المسجد يزور قبر النبي ﷺ وقبري صاحبية أبي بكر وعمر فيقف قبالة وجهه بأدب وخفض صوت، ثم يسلم ﵊، قائلاً: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته؛ لما ورد عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ما من أحد يسلم علي إلّا ردّ الله علي روحي حتى أرد عليه» رواه أبو داود.
قال ابن القيم ﵀:
стр. 633
فإذا أتينا المسجد النبوي … صَلّيْنا التحية أولاً ثِنتان
بتمام أركان لها وخشوعها … وحضور قلب فعل ذي إحسان
ثم الثنينا للزيارة نقصد القبر … الشريف ولو على الأجفان
فتقوم دون القبر وقفة خاضع … متذلل في السرَّ والإعلان
فكأنه في القبر حي ناطق … فالواقفون نواكس الأذقان
ملكتهُمو تلك المهابة فاعترت … تلك القوائم كثرة الرجفان
وتفجّرت تلك العيون بمائها … ولطالمَا غاضت على الأزمان
وأتى المسلم بالسلام بهَيْبةٍ … ووقار ذي علم وذي إيمان
لم يرفع الأصوات حول ضريحه … كلا ولم يسجد على الأذقان
كلا ولم ير طائفًا بالقبر … أسبوعًا كأن القبر بيتٌ ثان
ثم أنثنى بدعائه متوجهًا … لله نحو البيت والأركان
هذه زيارة من غدا متمسكًا … بشريعة الإسلام والإيمان
ثم يتقدم قليلاً فيسلم على أبي بكر، ثم يتقدم فيسلم على عمر ﵄، وقد روي عن ابن عمر ﵄ أنه كان يقول: السلام عليك يا أبتاه، وهذه الزيارة تشرع للرجال خاصة، أما النساء فلا؛ لما ورد عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لعن زّورات القبور» أخرجه الترمذي؛ وأما قصد المدينة للصلاة في مسجد رسول الله ﷺ والدعاء فيه ونحوه مما يشرع في سائر المساجد فهو مشروع في حق الجميع، ويحرم الطواف بالحجرة النبوية، ولا يجوز لأحد أن يتمسح بها أو يقبلها.
قال الشيخ تقي الدين: اتفقوا على أنه لا يقبّله ولا يتمسح به؛ فإنه من الشرك وكذا مسَّ القبر أو حائطه ولصق صدره به وتقبيله، وليست زيارة قبر النبي ﷺ بواجبة ولا شرطًا في الحج، كما يظنه بعض الجهال، بل هي مسنونة في حق من زار مسجد النبي ﷺ أو كان قريبًا
стр. 634
منه؛ أما البعيد له شد الرحيل لقصد زيارة القبر؛ للحديث المتقدم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد»، ولو كان شد الرحل لقصد قبره ﵇ أو قبر غيره مشروعًا لدلّ الأمّة عليه وأرشدهم إلى فضله؛ لأنه أنصح الناس وأعلمهم بالله، وأشدهم له خشية وقد بلّغ البلاغ المبين ودل أمته على كل خير وحذرهم من كل شر.
ويُستحب لزائر المدينة أن يزور مسجد قباء ويصلي فيه؛ لما في «الصحيحين» من حديث ابن عمر قال: «كان النبي ﷺ يزور مسجد قباء راكبًا وماشيًا ويصلي فيه ركعتين»، وعن سهل بن حنيف ﵁، قال رسول الله ﷺ : «من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء، فصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة» رواه أحمد والنسائي وابن ماجه، واللفظ له والحاكم.
ويُسن لزائر المدينة أن يزور قبور البقيع وقبور الشهداء، وقبرة حمزة ﵁؛ لأن النبي ﷺ كان يزورهم ويدعو لهم؛ ولقوله: «زوروا القبور؛ فإنها تذكركم الآخرة» أخرجه مسلم، وتقدم ما يُسن قوله: إذا زار القبور في آخر كتاب الجنائز، ويُسن أن يقول عند منصرفه من حجه متوجهًا إلى بلده: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده؛ لما في البخاري عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض، ثم يقول: فذكره، ولا بأس أن يقال للحاج إذا قدم: تقبل الله نسكك وأعظم أجرك وأخلف نفقتك، رواه سعيد عن ابن عمر.
قال في «المستوعب»: وكانوا يغتنمون أدعية الحاج قبل أن يتلطخوا بالذنوب. انتهى.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج» رواه البزار، والطبراني في «الصغير»، وابن خزيمة
стр. 635
في «صحيحه»، والحاكم، ولفظهما قال: اللهم اغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الحجاج والعّمار وفد الله إن دعوه أجابهم، وإن استغفروه غفر لهم» رواه النسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان، ولفظهما قال: «وفد الله ثلاثة الحاج والمعتمر والغازي». والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
وقد نظم بعضهم من لا يرد دعاؤهم، فقال:
وسَبْعةٌ لا يَرُد اللهُ دَعْوَتُهم … مَظلومُ والدُ ذو صَوْم وذو مَرضِ
ودَعوةٌ لأخ بالغَيْبِ ثُم نبي … لأمّةٍ ثم ذو حَجٍّ بذاك قضِى
س ٢٥٨: تكلم بوضوح عن صفة العمرة من المكي وغيره؟ وبين من أين يحرم لها؟ وحكم تكرارها ومتى يحل منها؟ وهل الأفضل العمرة في رمضان أو في أشهر الحج؟ وهل تجزي عمرة القارن وعمرة التنعيم عن عمرة الإسلام، واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف؟
ج: من أراد العمرة وهو بالحرم مكيًّا أو غيره خرج فأحرم من الحل وجوبًا؛ لأنه ميقاته ليجمع بين الحل والحرم، والأفضل إحرامه من التنعيم لأمره ﷺ عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة من التنعيم، وقال ابن سيرين: بلغني أن النبي ﷺ وقَّت لأهل مكة التنعيم فيلي التنعيم الجعرَّانة فالحديبية فأبعد عن مكة، وحرام إحرام بعمرة من الحرم لتركه ميقاته، وينعقد إحرامه وعليه دم، ثم يطوف ويسعى لعمرته، ولا يحل منها حتى يحلق أو يقصّر، ولا بأس بها في السُّنة مرارًا. روي عن علي وابن عمر وابن عباس وأنس وعائشة، واعتمرت عائشة مرتين، وقال ﷺ : «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما» متفق عليه.
следующие страницы →