← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 11199

أصول النحو 1 - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (308 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

كُلف من عنائه وشقوته ... بنت ثماني عشرة من حجته وموضع الشاهد قوله: "بنت ثماني عشرة"؛ حيث أضاف الشاعر لفظ النيف وهو "ثماني" إلى العشرة، فلم يجد الأنباري في هذا البيت حجة للكوفيين؛ فقال في (الإنصاف): "أما ما أنشدوه -أي: الكوفيون- فلا يُعرف قائله، ولا يُؤخذ به"، ومما ردَّه لعدم العلم بقائله أيضًا ما جاء في مسألة توكيد النكرة توكيدًا معنويًّا؛ إذ ذهب الكوفيون إلى جوازه مستدلين بعدة أبيات من الشعر، منها قول الراجز: قد صرتِ البكرةُ يوما أجمعا فأكد يومًا بأجمع، فاستدلَّ الكوفيون به على جوازه، وردَّه الأنباري بقوله في (الإنصاف): "هذا البيت مجهول لا يعرف قائله فلا يجوز الاحتجاج به". ومن ذلك أيضًا: ما جاء في مسألة إظهار أن المصدرية بعد كي، فقد ذهب الكوفيون إلى جوازه محتجين بقول الشاعر: أردت لكيما أن تطير بقربتي ... فتتركها شنًّا ببيداء بلقع فقد ظهرت أن المصدرية بعد كي، وردَّه الأنباري بقوله في (الإنصاف): "هذا البيت غير معروف، ولا يُعرف قائله؛ فلا يكون فيه حجة". ومما ردَّه لعدم العلم بقائله كذلك ما جاء في مسألة مد المقصور في الشعر، فلقد ذهب الكوفيون إلى جوازه مستدلين بقول الراجز: قد علمت أم أبي السعلاء ... وعلمت ذاك مع الجراء أن نعم مأكولًا على الخواء ... يا لك من تمر ومن شيشاء ينشب في المسعل واللهاء ... ....................... والسعلاء -بكسر السين وسكون العين- أصله: السعلاة، والخواء واللهاء كلها مقصورة في الأصل؛ إنما مُدَّت لضرورة الشعر؛ فجاز عند الكوفيين لذلك مد

стр. 107

المقصور للضرورة مستشهدين بهذا الرجز، ولم يرتض ذلك أبو البركات الأبناري؛ فقال في كتابه (الإنصاف): "أما قول الشاعر: قد علمت أم أبي السعلاء ... ........................... ... الأبيات إلى آخرها، فلا حجة فيها؛ لأنها لا تُعرف ولا يُعرف قائلها، ولا يجوز الاحتجاج بها، ولو كانت صحيحة لتأوَّلناها على غير الوجه الذي صاروا إليه" انتهى. وهكذا تعدَّدت الأبيات التي يردُّ أبو البركات الأنباري الاحتجاج بها، لماذا؟ لأنها مجهولة القائل، وقد ذكر السيوطي أن أبا البركات الأنباري قد ردَّ على الكوفيون استشهادهم بقول القائل: ................................... ... ولكنني من حبها لعميد على جواز دخول اللام في خبر لكن لعدم العلم به، ونقل عنه أنه قال عن هذا البيت: "هذا البيت لا يُعرف قائله، ولا أوله، ولم يذكر منه إلا هذا، ولم يُنشده أحد ممن وثق في اللغة، ولا عزي إلى مشهور بالضبط والإتقان" انتهى. والحق أن أبا البركات قد علَّق على هذا البيت، أو على هذا الجزء من البيت بقوله في (الإنصاف): "هو شاذّ لا يُؤخذ به لقلته، وشذوذه، ولهذا لا يكاد يُعرف له نظير في كلام العرب وأشعارهم" انتهى. ومن كلام الأنباري يُفهم أنه ردَّ الاستشهاد بهذا البيت لا لعدم العلم به فحسب، كما ذكر السيوطي، وإنما ردَّ الاستشهاد به؛ لأنه أيضًا شاذّ لا يُقاس عليه. وقد ذهب بعض الدارسين المحدثين إلى أن هذا الأصل كان مضطربًا في ذهن أبي البركات الأنباري؛ لأنه وضع في أصول النحو كتابين وهما: (لمع الأدلة)، و (الإغراب في جدل الإعراب)، ولم يشر إلى هذا الأصل فيما ضمنه الكتابين من أصول.

стр. 108

وهذا يدل على أن ما فعله في كتاب (الإنصاف) لم يكن غير استجابة لطبيعة الجدل والمناظرة، واضطرب المتأخرون في فهم هذا الأصل واعتمده، فابن هشام الأنصاري المتوفى سنة إحدى وستين وسبعمائة من الهجرة يذكر في تعاليقه على الألفية، كما ذكر السيوطي أنه لا يجوز الاحتجاج بكلام مجهول قائله، ويردُّ على الكوفيين استدلالهم بالأبيات الخمسة المجهولة القائل السابقة على جواز مد المقصور في الشعر، ويقول: "الجواب عندنا أنه لا يُعلم قائله فلا حجة فيه"، ثم يستنكر رفض الاحتجاج بالبيت المجهول قائله فيقول -يعني في شرحه المختصر لشواهد الألفية الشعرية المسمى (تخليص الشواهد وتلخيص والفوائد) -: طعن عبد الواحد الطواح في كتابه (بغية الآمل ومنية السائل) في الاستشهاد بقوله: ........................... ... لا تكثرن إني عسيت صائمًا وقال: "هو بيت مجهول لم ينسبه الشراح إلى أحد، فسقط الاحتجاج به، ولو صح ما قاله لسقط الاحتجاج بخمسين بيتًا من كتاب سيبويه، فإن فيه ألف بيت قد عُرف قائلوها وخمسين مجهولة القائلين" انتهى كلام ابن هشام. وهذا الاضطراب الذي وقع فيه ابن هشام يدل على ضعف هذا الأصل عنده، كما يدل على ضعفه أيضًا أن النحاة القدامى كانوا يستدلون بأقوال أعراب مجهولين لا يسمونهم، وينقلون عنهم أقوالًا نثرية، ولم يعترض ذلك معترض من النحاة. ولا بد من الإشارة إلى أن العلماء كانوا يقبلون ما يذكره الثقة من النحاة كسيبويه، فإنهم قبلوا ما جاء في كتابه وإن لم يعلموا قائله؛ اعتمادًا على أنه ثقة، وفي ذلك يقول البغدادي في (خزانة الأدب الجزء): "الشاهد المجهول قائله وتتمته إن صدر عن ثقة يعتمد عليه؛ قبل، وإلا فلا، ولهذا كانت أبيات سيبويه أصح الشواهد، اعتمد عليها خلف بعد سلف، مع أن فيها أبيات عديدة جهل قائلوها وما عيب بها ناقلوها" انتهى.

стр. 109

ونعود إلى كلام ابن هشام حول قضية الأبيات الخمسين في كتاب سيبويه، فنذكر أن أول من أشار إليها هو أبو عمر الجرمي المتوفى سنة خمس وعشرين ومائتين من الهجرة في قوله: "نظرت في كتاب سيبويه فإذا فيه ألف وخمسون بيتًا، فأما الألف فقد عرفت أسماء قائليها فأثبتها، وأما الخمسون فلم أعرف أسماء قائليها" انتهى. وقال أبو جعفر النحاس في (مقدمة شرح أبيات سيبويه): "جملة أبيات كتاب سيبويه ألف وخمسون بيتًا منها خمسون غير معروفة" انتهى. وينبغي أن نفرق بين أمرين: الجهل بالقائل، وعدم نسبة البيت إلى قائل معين، فإن سيبويه لم يكن يحرص على نسبة لجميع الأبيات إلى قائليها؛ لأنه كان واثقًا من صدق الذين أخذها عنهم، وكان واثقًا أيضًا من دقتهم وتثبتهم، فذكر كثيرًا من الشواهد دون اعتداد بذكر قائليها، وقد بلغ عدد الشواهد المنسوبة في (الكتاب) إلى قائليها سبعمائة وتسعة وثلاثين شاهدًا نصَّ فيها سيبويه على اسم الشاعر، كما أن سيبويه استشهد بأبيات أخرى لم يذكر أسماء الشعراء فيها، وإنما ذكر أسماء القبائل التي يُنسب إليها هؤلاء الشعراء، وعدد هذا القسم من الشواهد يبلغ سبعة وأربعين شاهدًا. وإذا صح ما روي عن أبي عمر الجرمي كان المراد منه أن في الكتاب خمسين بيتًا قد جهل الجرمي نسبتها إلى قائليها، ولا يلزم منه أن يكون في الكتاب خمسون بيتًا يسقط الاحتجاج بها؛ لأن الواجب كون الشاهد معروف القائل حال الاستشهاد به، وطروُّ الجهالة بقائله بعد ذلك لا يضر في ثبوت ما ثبت به حال معرفته، فسيبويه ما استدلَّ إلا بما كان معروفًا مشهور القائل في ذلك الوقت، وما قامت حجته على مخالفيه بتلك الشواهد إلا وهي معروفة القائلين لديهم، مشهورة فيما بينهم.

стр. 110

وقد قال أحد الباحثين المعاصرين: "المتصفح لكتاب سيبويه يلاحظ أن معظم شواهد الشعر فيه كانت معروفة لدى شيوخ سيبويه، وبخاصة الخليل بن أحمد ويونس بن حبيب، ويبدو أن تلك الشواهد كانت متداولة في مجالس العلم حيث ذاك، والظاهر أن سيبويه كان لا يترك شاهدًا سمعه من شاعر، أو من راوٍ، أو من عالم، أو من طالب علم دون أن يعرض ذلك الشاهد على من يثق به من العلماء، وبخاصة شيخاه الخليل ويونس، فعدد كبير من الشواهد التي لا ينصّ سيبويه صراحة على سماعه لها من العرب، أو من أحد العلماء نجده يعرضها من خلال رأي لأحد العلماء بصورة تدل دلالة قاطعة على أن هذا العالم، أو ذاك كان على معرفة بتلك الشواهد ورواياتها، وما يدور حولها من مشكلات لغوية". هل يُقبل قولُ القائل: "حدثني الثقة "؟ إن اللغة تؤخذ سماعًا من الرواة الثقات ذوي الصدق والأمانة، والأصل في الكلام أن يكون معزوًّا إلى قائله منسوبًا إليه باسمه، وقد يُعدل عن هذا الأصل فيقول النحوي أو اللغوي: حدثني ثقة. ولا يذكر اسمه. وقد اختلف في حكمه؛ فقيل: يقبل قوله، وقيل: لا يقبل، وقد وقع هذا القول كثيرًا من سيبويه في كتابه، فكان يقول: حدثني ثقة. يريد به شيخه الخليل وغيره. وقد ذكر السيوطي في كتابه (المزهر) نماذج مما قال فيه النحوي: حدثني ثقة؛ منها قول أبي زيد: "كل ما قال سيبويه في كتابه حدثني ثقة فأنا أخبرته"، ومنها قول أبي زيد أيضًا: "كان سيبويه يأتي مجلسي فإذا سمعته يقول: وحدثني من أثق بعربيته، فإنما يريدني"، ومنها أيضًا ما رواه ثعلب في أماليه قال: "كان يونس يقول: حدثني الثقة عن العرب، فقيل له: من الثقة؟ قال: أبو زيد، قيل: فلم لا تسميه؟ قال: هو حي بعدُ فأنا لا أسميه" انتهى. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 111

الدرس: ٩ طرح الشاذ، متى يكون التأويل سائغا؟ والاحتمال يسقط الاستدلال، ورواية الأبيات بأوجه مختلفة

стр. 112

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس التاسع (طرح الشاذ، متى يكون التأويل سائغًا؟ والاحتمال يسقط الاستدلال، ورواية الأبيات بأوجه مختلفة) طرح الشاذ، وعدم الاهتمام به الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فالشَّاذ في اللغة: مأخوذ من شَذَذَ، وأصل هذه المادة هو الانفراد والتفرق يقال: شذَّ الرجل إذا انفرد عن أصحابه، ويقال: شُذَّاذ الناس أي: متفرقوهم، ويُطلق الشاذ في اصطلاح العلماء على ما فارق ما عليه بابه، وانفرد عن ذلك إلى غيره كما يطلق على ما خالف القياس، أو خرج عن القواعد النحوية أو الصرفية. وقد بين السيوطي حكم الشاذ فقال: "يُطرح طرحًا ولا يُهتم بتأويله" انتهى. فقوله: "يطرح طرحًا" معناه: يلغى ويرمى ولا يلتفت إليه؛ لأنه من سخط المتاع. وقوله: "ولا يهتم بتأويله" معناه: لا يعتنى بشأنه، ولا ينظر إليه؛ لأنه خرج عن الأصول المجمع عليها، ومعنى كلام السيوطي: أن الشاذ لا يجوز القياس عليه وما ذكره السيوطي هو مذهب جمهور البصريين؛ إذ ذهبوا إلى أن الشّاذ يُطرح ولا يُقاس عليه، ولا تنقض به القواعد المطردة، يقول سيبويه في (الكتاب): "لا ينبغي لك أن تقيس على الشاذ المنكر". ويقول ابن السراج في (الأصول): "ينبغي أن تعلم أن القياس إذا اطرد في جميع الباب لم يُعنَى بالحرف الذي يشذّ منه". ويقول الزجاجي في (الإيضاح في علل النحو): "إن الشيء إذا اطرد عليه باب فصح في القياس، وقام في المعقول، ثم اعترض عليه شيء شاذّ نذر قليل لعلَّة تلحقه، لم يكن ذلك مبطلًا للأصل والمتفق عليه في القياس المطرد". ويقول أبو البركات الأنباري في (لمع الأدلة): "الشواذ لا تُورد نقدًا على القواعد المطردة، ألا ترى أن الأصل في كل واو تحركت وانفتح ما قبلها أن تُقلب ألفًا نحو: باب، ودار، وعصًا، وقفًا. والأصل فيه: بوب ودور وعصو وقفو، فلما تحركت الواو وانفتح ما قبلها؛ قُلبت ألفًا، ولا يجوز أن يُورد القَوَد والحَوَكة نقدًا لشذوذه في بابه". انتهى.

стр. 113

والمراد بالقود القصاص، والمراد بالحوكة جمع حائك، وهو الذي ينسج الثياب، وقد ذكر السيوطي في موضع آخر من (الاقتراح) من شروط المقيس عليه: ألا يكون شاذًّا خارجًا عن سنن القياس، فإن كان كذلك لم يجز القياس عليه. وإنما لم يجز القياس على الشَّاذ؛ لأنه لو قيس عليه لكثر الشذوذ، واضطربت القواعد. ومن الشاذ الذي يجب طرحه، ولا يُجوز أن يقاس عليه نُدبة الأسماء الموصولة، فقد استدل الكوفيون على جواز ندبة الأسماء الموصولة بما حَكَوه من قولهم: "وامَن حفر بئر زمزماه" وردَّه الأنباري في (الإنصاف): "لأنه من الشاذ الذي لا يُقاس عليه". ومن الشاذ الذي يجب طرحه إضافة لبي إلى الاسم الظاهر في قول الراجز: دعوت لما نابني مسورًا ... فلبَّى فلَبَّي يدي مسور أو إضافته إلى ضمير الغائب في قول الآخر: "لقلت لبيه لمن يدعوني"؛ إذ الأصل في لبَّي أن يلزم الأضافة إلى ضمير المخاطب بأن يقال: لبيك. ومما يجب طرحه أيضًا لشذوذه بناء أفعل التفضيل من الألوان كما في قول الراجز: يا ليتني مثلك في البياض ... أبيض من أخت بني أباض فقد استدلَّ به الكوفيون على جواز التفضيل من لفظ البياض، وردَّه ابن السراج بقوله: "هذا معمول على فساد، وليس البيت الشاذ، والكلام المحفوظ بأدنى إسناد حجة على الأصل المجتمع عليه في كلام، ولا نحو، ولا فقه، وإنما يركن إلى هذا ضَعَفَة أهل النحو، ومن لا حجة معه، وتأويل هذا وما أشبهه في الإعراب كتأويل ضَعَفة أهل الحديث، وأتباع القصاص في الفقه". انتهى. ونلحظ في كلام ابن السراج -الذي نقله السيوطي-: أنه يصف مَن يقيس على الشاذ بالضعف في العربية، وقوله: "وتأويل هذا" الإشارة فيه لمن ذكر من ضَعَفة

стр. 114

أهل النحو، والمعنى: تأويل الضعيف في العربية السالك هذه المسالك الخارجة عن الأصول كتأويل ضَعَفة أهل الحديث، وأتباع القُصَّاص الذين يذكرون الأخبار الماضية، ويحكون عن القرون السابقة والأمم الهالكة، دون الاعتماد على السند الصحيح، فكما تُطرح الأحاديثُ التي لا تعتمد على سند قوي يُطرح ما انفرد عن بابه من الكلام. متى يكون التأويل مستساغًا، ومتى لا يكون ؟ لقد وصلت إلينا نصوص عربية فصيحة مخالفة للأقيسة والقواعد التي وضعها النحويون، وقد نظر النحويون في هذه النصوص المخالفة للأقيسة، وحرصوا على توجيهها توجيهًا يتفق مع القواعد، وقد عُرف هذا باسم التأويل. فالتأويل كما عرَّفه أحد الباحثين المعاصرين: هو النظر فيما نُقل من فصيح الكلام مخالفًا للأقيسة والقواعد المستنبطة من النصوص الصحيحة، والعمل على تخريجها وتوجيهها لتوافق هذه الأقيسة والقواعد، على ألا يؤدِّي هذا التوجيه إلى تغير القواعد، أو زحزحة صحتها واطرادها. وإذا كان النحاة قد اتخذوا التأويل منهجًا في تعاملهم مع النصوص التي وصلت إلينا مخالفة لأقيستهم؛ فليس كل ما خالف الأقيسة يجوز تأويلُه، وإنما وضع العلماء ضابطًا لِمَا يجوز تأويله ولما لا يجوز، فقال أبو حيان: "التأويل إنما يسوغ إذا كانت الجادَّة على شيء، ثم جاء شيء يخالف الجادة، فيُتؤل". والمراد بالجادة: معظم الطريق، أو الطريقة المسلوكة الواضحة، ومعنى ما قاله أبو حيان ونقله السيوطي: أنه إذا كانت الطريقة التي يسلكها المتكلمون الفصحاء قد جاءت على شيء ثم جاء ما يُخالفها؛ ساغ تأويل هذا المخالف؛ لأنه لا يمكن ردُّه.

стр. 115

ولم يذكر السيوطي مثالًا لما جاءت به الطريقة المسلوكة ثم جاء ما يخالفها، ومثال ذلك: تنكير الحال، فالجادة أن يكون الحال نكرة؛ لأنه خبر من الأخبار، فألزموه التنكير؛ لئلا يُتوهَّم كونه نعتًا لا حالًا؛ ولأن الحال فضلة فلم يستحق أن يُعرف؛ إذ لا فائدة لتعريفه، وقد جاء ما يخالف هذه الجادة، فورد الحال معرفةً في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ (الزمر: ٤٥) ونحو قولهم: ادخلوا الأول فالأول، ونحو: أرسلها العراك. فلما كانت الحال معرفة فيما سبق وهو مخالف لأقيسة النحويين؛ وجب تأويلها بالنكرة، ففي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ (الزمر: ٤٥) يكون التأويل: وإذا ذُكر الله منفردًا، وقولهم: ادخلوا الأول فالأول، على تأويل: ادخلوا مرتبين، وقولهم: أرسلها العراك على تأويل: أرسلها معتركة أي: أرسل الإبل، أو الخيل، أو الأُتُن للشرب مزدحمة على الماء. وإنما ساغ تأويل في هذه الأمثلة ونحوها؛ لأنه لا يمكن ردُّها لورودها عن الفصيح المحتج بكلامه، ولا يجوز نقدُ القواعد بها؛ لأن القواعد لا تُنقد بمجرَّد ما يُسمع، وقد يكون الشيء المخالف للجادة لغة لقوم من العرب، وله حينئذٍ حكم آخر بيَّنه أبو حيان بقوله: "أما إذا كان لغة طائفة من العرب لم تتكلم إلا بها، فلا تأويلَ" انتهى. فقوله: "إذا كان" يريد به إذا كان ما ثبت عن العرب، وكان مخالفًا للقواعد؛ فلا يجوز تأويله. هذا هو الحكم الذي ذكره أبو حيان، ونقله عنه السيوطي، وهو حكم عام في جميع ما خالف الجادة، وكان لغة لطائفة من العرب. والتحقيق: أنه إذا كان الكلام المخالف للجادة لغةً لطائفة من العرب؛ فله حكمان بالنظر إلى مَن سُمع منه، فإن سُمع مِن أصحاب هذه اللغة لم يجز تأويله، وإن سمع من غيرهم جاز تأويله.

стр. 116

ومن الأمثلة الدالة على هذا الأمر: ما جاء في لغة المطابقة بين الفعل والفاعل إفرادًا وتثنيةً وجمعًا، فمن المعروف أن اللغة الشائعة عند العرب هي إفراد الفعل دائمًا حتى ولو كان الفاعل مثنًى أو مجموعًا، وهي اللغة العالية التي نزل بها القرآن قال تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾ (المائدة: ٢٣)، وقال سبحانه: ﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾ (الإسراء: ٩٩)، ونقل العلماء عن طائفة من العرب أنهم يطابقون بين الفعل وفاعله في العدد، فيثنُّون الفعل إذا كان الفاعل مثنًى، ويجمعون الفعل إذا كان الفاعل جمعًا، ونُسبت هذه اللغة إلى طيئ وأزدشنوءة وغيرهما، فيقولون: ضرباني أخواك، وضربوني قومك. وقد ذكر العلماء في تخريج ما جاء على هذه اللغة ثلاثة أقول؛ وهي: أن تكون الألف علامة للتثنية والواو علامة للجمع، فهما حرفان، ويكون الاسم الظاهر بعدهما هو الفاعل. والقول الثاني: أن تكون الألف فاعلًا وكذلك الواو، والاسم الظاهر بعدهما يُعرب بدلًا منهما. والثالث: أن تكون الألف فاعلًا وكذلك الواو، والجملة خبرًا مقدمًا، والاسم الظاهر بعدهما يكون مبتدأً مؤخرًا. فالتخريج الأول لا تأويل فيه، والتخريجان الأخيران فيهما تأويل. وقد وصف ابن مالك في (شرح التسهيل) تأويل ما جاء على هذه اللغة بأنه غير ممتنع إن كان من سُمع ذلك منه من أهل غير اللغة المذكورة، فإن ورد شيء من هذه اللغة على ألسنة الناطقين بها؛ لم يجز تأويله، بل تكون الألف علامةَ تثنية

стр. 117

في نحو: ضربان أخواك، وتكون الواو علامة جمع في نحو: ضربوني قومك، وإلى هذا أشار سيبويه بقوله في (الكتاب): "واعلم أن من العرب من يقول: ضربوني قومك، وضرباني أخواك؛ فشبهوا هذا بالتاء التي يُظهرونها في: قالت فلانة، وكأنهم أرادوا أن يجعلوا للجمع علامةً كما جعلوا للمؤنث". انتهى. وواضح مما ذكره سيبويه أنه لم يؤوّل ما جاء على هذه اللغة؛ لأنها لغة لقوم مخصوصين من العرب، وقد بين ذلك الدسوقي في (حاشيته على المغني) فقال: "إن تواطؤ أهل هذه اللغة على الإتيان بالواو والألف يُبعد جعلهم لها فاعلات، بل الغرض إنما أرادوا العلامات". انتهى. ونخلص مما سبق إلى أن ما كان لغة لقوم من العرب لا يجوز تأويله، ومما لا يجوز تأويله فيه؛ لأنه لغة لبعض العرب قولهم: ليس الطيب إلا المسك، بالرفع، فإن لغة الحجازيين نصب الخبر ولغة بني تميم رفعه؛ لأنهم يجرون "ليس" مجرى "ما"، فيهملونها إذا انتقد النفي بـ"إلا"، كما تُهمل ما في نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ (آل عمران: ١٤٤)، ولما كان رفع لغة لبعض العرب قال جمهور النحويين: الطيب مبتدأ والمسك خبره، بلا تأويل، وخالف في ذلك بعض النحاة، منهم أبو عليٍّ الفارسي وابنُ مالك، فذهبوا إلى التأويل. وحاصل ما ذكروه من أوجه في تأويل هذا القول أربعة أوجه: أولها: أن يكون في ليس ضمير الشأن، و"الطيب" مبتدأ، و"المسك" الخبر، وتقدر "إلا" حينئذٍ داخلة على الجملة، فيكون التقدير: ليس إلا الطيب المسك. وثانيها: أن يكون "الطيبُ" اسمَ ليس، والخبرُ محذوفًا، و"إلا المسك" بدل منه، والتقدير: ليس الطيب في الوجود إلا المسك. والثالث: أن يكون "الطيب" اسم ليس، و"إلا المسك" نعت له، والخبر محذوفًا. والتقدير: ليس الطيب الذي هو غير المسك طيبًا في الوجود.

стр. 118

والرابع: أن يكون "الطيب" اسم ليس، و"المسك" مبتدأً، وخبره محذوف، والتقدير: ليس الطيب إلا المسك أفخره، والجملة في موضع خبر ليس. وهذه التأويلات كلها مردودة والذي يردُّها ويبطلها ما نقله أبو عمرو بن العلاء، من أن الرفع لغة لقوم من العرب، إذ قال: "ليس في الأرض حجازي إلا وهو ينصب، ولا تميمي إلا وهو يرفع، فما جاء لغةً لبعض العرب كان التأويل فيه غير مستساغ". الاحتمالُ يسقط الاستدلال إن الدليل هو ما يُستدلُّ به على إثبات قاعدة ما، والمراد به هنا الشواهد السماعية التي يذكرها النحاة دليلًا على صحة القواعد التي يقعدونها، والمذاهب التي ينتمون إليها. وقد حرص النحاة على أن يذكروا لكل قاعدة دليلًا من الكلام الفصيح؛ تأييدًا لها، ويُشترط في الشاهد شروط متعددة؛ منها: أن يكون البيت معلومَ القائل أو مرويًّا عن ثقة كسيبويه، وأن يكون قائله من الذين يُحتج بكلامهم، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك. ومنها: أن يكون البيت نصًّا في القاعدة لا يحتمل وجهًا آخرَ، فإن احتمل البيت وجهًا آخر كان الاستدلال به ساقطًا. وقد نقل السيوطي عن أبي حيان قوله: "إذا دخل الدليل الاحتمال سقط به الاستدلال". والمعنى: أن النحوي إذا استدلَّ بشاهد ما على قاعدة ما نُظر في هذا الشاهد، فإن كان لا يحتمل إلا الوجهَ الذي من أجله ساقه هذا النحوي؛ كان دليلًا مقبولًا يصح الاستشهاد به، وإن كان يحتمل الوجه الذي من أجله ساقه النحوي ويحتمل غيره؛ كان الاستدلال به

стр. 119

ساقطًا غيرَ مقبول؛ لأن الاحتمال إذا دخل دليلًا من الأدلة أكسبه ثوب الإجمال، فأضعفه عن مقام الاستدلال، كما ذكر شُرَّاح (الاقتراح). وتُعَدّ هذه القاعدة من أكثر القواعد التي يستخدمها النحاة في الرَّدِّ على ما لا يرتضونه من الآراء والأقوال. والأمثلة على استخدام هذه القاعدة كثيرة جدًّا، وهي مبثوثة في كتب العربية، ونكتفي هنا بذكر أربعة أمثلة ذكر السيوطي أحدها في (الاقتراح): المثال الأول: ذكر العلماء من اللغات في الأخ لغة القصر، والمراد بها إلزامه الألف دائمًا في حالات الرفع والنصب والجر، فيقال: هذا أخاك، ورأيت أخاك، ومررت بأخاك، ومنه قولهم: مُكره أخاك لا بطل. والقياس أن يكون بالواو، وما قاله العلماء في هذا الشأن مسلَّم؛ فالقصر إحدى اللغات الثلاث الواردة في الأخ من الأسماء الستة، وقد أراد ابن مالك الاستدلال على هذه اللغة، فاستدل بقول الشاعر: أخاك الذي إن تَدْعُهُ لِمُلِمَّة ... يجبك بما تبغي ويكفيك من يبغي والظاهر وجه استدلال ابن مالك بالبيت وقوع أخاك فيه مبتدأ، ومجيؤه على لغة القصر بالألف، وما ذكره ابن مالك من كونه في البيت المذكور مبتدأً على لغة القصر لا يتعيَّن؛ لأنه يمكن أن يكون جاريًا على اللغة الفاشية، وأن يكون منصوبًا بإضمار فعل، والتقدير: الزم أخاك يعني: أنه أسلوب إغراء، ولذلك أسقط أبو حيان هذا الدليل فقال: "ولا دليل فيه؛ لأنه يحتمل أن يجوز أن يكون منصوبًا بإضمار فعل والتقدير: الزم أخاك، وإذا دخل الدليل الاحتمال سقط به الاستدلال". انتهى. والمثال الثاني ذهب جمهور النحويين إلى أن اسم الفعل لا يجوز أن يتقدَّم معموله عليه، فلا يقال: زيدًا عليك، وإن جاز أن يتقدَّم معمول الفعل عليه فيقال: زيدًا

стр. 120

الزم؛ لأن اسم الفاعل فرع عن الفعل في العمل، والفروع أبدًا تنحطُّ عن درجات الأصول، وزعم بعضهم جواز ذلك مستدلِّين بقول الشاعر: يا أيها المائح دلوي دونك ... إني رأيت الناس يحمدونك المائح: هو الذي ينزل البئر عند قلَّة مائها؛ ليملأ منها الإناء، ووجه الاستدلال بالبيت إعراب دلوي معمولًا لاسم الفعل دونك، وقد تقدَّم المعمول عليه مما يدلّ على جواز أن يتقدم معمول اسم الفعل عليه، لكن الجمهور أبطلوا الاستدلال بهذا البيت على ذلك لماذا؟ لأنه ليس نصًّا في جواز إعمال اسم الفاعل متأخرًا؛ إذ إنه يحتمل أوجهًا أخرى غير الوجه الذي ذكره المستدلّ به، فيحتمل أن يجوز أن يكون دلوي: مبتدأ، ودونك: يكون اسم فعل فاعله مستتر فيه وجوبًا، والجملة في محل رفع خبر، ووقوع الخبر جملة طلبية سائغ، ويحتمل أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف، والتقدير: هذه دلوي، ويحتمل أن يكون معمولًا لفعل محذوف، والتقدير: خذ دلوي. فلما كان البيت محتملًا هذه الأوجه الظاهرة؛ لم يكن فيه دليل على أن معمول اسم الفعل يتقدم عليه. والمثال الثالث: ذهب جمهور النحويين إلى أنه لا يجوز إبدال الظاهر من ضمير الحاضر، وخالف الأخفش في ذلك، فأجاز أن يُبدَل الظاهر من ضمير الحاضر مستدلًّا بقول الشاعر: أنا سيف العشيرة فاعرفوني ... حميدًا قد تدرجت السنام فأعرب حُميدًا بدلًا من الياء في: فاعرفوني، ولا حجة في البيت؛ لاحتمال أن يكون "حُميدًا" منصوبًا بإضمار فعل على المدح، كأنه قال: أعني حميدًا، أو أمدحُ حميدًا. وتدرجت السنام: بمعنى: علوت السنام، وهو من الذروة -أو الذروة بالكسر والضم-.

стр. 121

والمثال الرابع: ذهب جمهور النحويين إلى أنه لا يجوز استعمال أسماء الإشارة موصولات، وخالف في ذلك الفرَّاء وبعض البصريين، فأجازوا استعمالها موصولات مستدلِّين بقول القائل: عدس ما لعباد عليك إمارة ... نجوت وهذا تحملين طليقُ فزعموا أن هذا اسم موصول، وأن التقدير: والذي تحملينه طليق. ولا دليل في هذا البيت على جواز استعمال أسماء الإشارة موصولات؛ لأن البيت يحتمل أوجهًا أخرى من التخريج، وهي: أن يكون اسم الإشارة على أصله، وأن يكون قوله: "تحملين" جملة في موضع الحال، والتقدير: وهذا محمولًا -أي: حالة كونه محمولًا- طليق. وأن يكون الاسم الموصول محذوفًا للضرورة والتقدير: وهذا الذي تحملين طليق. وأن يكون قوله تحملين صفة لموصوف محذوف تقديره: وهذا رجل تحملين طليق. وقوله: عدس: اسم لزجر البغل ليسرع. ومما سبق يتبيَّن أنه لا يجوز الاستدلال بدليل من الأدلة إلا إذا كان نصًّا على القاعدة لا يحتمل توجيهًا آخر. رواية الأبيات بأوجه مختلفة إن تعدُّد الروايات في البيت الواحد من الظواهر الشائعة في كتب النحو، وهو أثر من آثار الرواية الشفهية، فقد يكون للبيت الواحد روايتان فأكثر، وربما لا يكون لهذا الاختلاف أثرٌ في إثبات القاعدة النحوية أو نفيها، كما في قول الشاعر: ألا عِمْ صَبَاحًا أيها الطلل البالي ... وهل يعي من كان في العصر الخالي

стр. 122

فقد استشهد النحاة بهذا البيت على أن "مَنْ" اسم موصول استُعمل لغير العاقل، وهو الطلل، وفي البيت رواية أخرى وهي: "وهل ينعمن"، ولا أثر لهذا الاختلاف على الشاهد، فالشاهد ما زال كما هو. ونظير ذلك قول الشاعر: عدس ما لي عباد عليك إمارة ... نجوتُ وهذا تحملين طليق فقد استشهد بعض النحاة بهذا البيت على أن اسم الإشارة هذا يُستعمل اسمًا موصولًا -كما سبق- ورُوي أول عجز هذا البيت بلفظه: نجوت، كما روي بلفظ: أمنت، ولا أثرَ لهذا الاختلاف بين الروايتين في موضع الشاهد الذي من أجله سِيقَ هذا البيت في كُتب النحاة. وقد يكون الاختلاف بين روايتي البيت مؤثرًا في إثبات القاعدة، أو في تأييد مذهب نحوي وردِّ مذهب آخر -كما سيجيء بيانه-. ويعنينا الآن أن نقف على أسباب التعدد في رواية الأبيات؛ إذ ذكر السيوطي أن لهذا التغيير سببين -عندما سُئل عن ذلك قديمًا- فأجاب: "باحتمال أن يكون الشاعر أنشد مرة هكذا، ومرة هكذا"، ثم رأى السيوطي ابن هشام ذكر في كتابه المسمى (تخليص الشواهد)، الذي شرح فيه شواهد شرح (الألفية) أن عَجُزَ قوله: فلا مزنة وَدَقَتْ ودقها ... ولا أرض أَبْقَلَ إبقالها روي بالتذكير يعني: بتذكير الفعل أبقل، ورُوي أيضًا بالتأنيث مع نقل حركة همزة إبقالها إلى تاء التأنيث وإسقاط الهمزة أي: برواية: ولا أرض أبقلت إبقالها. وذكر ابن هشام أنه إن صح أن القائل بالتأنيث هو القائل بالتذكير؛ صح الاستشهاد به على الجواز من غير الضرورة، وإلا فقد كانت العرب يُنشد بعضُهم شعرَ بعضٍ، وكلٌّ يتكلم على مقتضى سجيته التي فُطر عليها، ومن هنا تكثَّرت الرواية في بعض الأبيات. انتهى.

стр. 123

وخلاصة كلام السيوطي: أن هناك سببين لتعدُّد الروايات: أحدهما: أن يكون الشاعر المنسوب إليه هذا البيت أو ذاك، هو الذي غيَّر في شعره وبدَّل بأن ذكر البيت أولًا برواية، وذكره مرةً أخرى برواية ثانية، ولا يضيره ذلك؛ لأن الشاعر بفصاحته يتلاعب بمقولاته، فينشدها كيف أراد، وهذا هو السبب الذي تَبادر إلى ذهن السيوطي حين سُئل عن ذلك، وهو أيضًا السبب الذي ذكره ابن هشام احتمالًا. والآخر: أن يكون التغيير من صنع الرواة لا من صنع الشعراء؛ لأن العرب كان يُنشد بعضُهم بعضًا، فتعدَّدت الروايات بتعدُّد الرواة؛ لأن كل الرواة كانوا من الفصحاء، ولا تقدح رواية في رواية، أي: لا ترد الرواية الرواية الأخرى. ونلحظ في كلام السيوطي: أنه يميل إلى ما ذكره ابن هشام، وهو أن التغيير من صنع الرواة لا من صنع الشعراء، وهذا هو السبب الأقرب إلى القَبول لقول ابن ولَّاد في ردِّه على المبرد: "الرواة قد تغير البيتَ على لغتها، وترويه على مذاهبها مما يوافق لغة الشاعر ويخالفها، ولذلك كثرت الروايات في البيت الواحد". فحصل ابن ولَّاد السبب في أمر واحد، وهو تصرف الرواة. وهناك سبب ثالث لم يذكره السيوطي أدَّى إلى تعدُّد الروايات في البيت الواحد، وهو أن يكون هذا التعدد لا من صنع الشعراء ولا من صنع الرواة، وإنما من صنع المشتغلين بدراسة البيت من النحويين وغيرهم، وقد عُرف المبرد بتغيير الروايات حتى قال عنه علي بن حمزة البصري: "واستشهاره بتغيير الروايات يغنينا عن التماس الحجج عليه". انتهى.

стр. 124

وقد أشار السيوطي إلى أن البيت إذا رُوي بروايات مختلفة فربما يكون الشاهد في بعض هذه الروايات دون بعضها، ولم يذكر السيوطي مثالًا لذلك، ونذكر هنا ثلاثة أمثلة تدلُّ على أن الشاهد قد يكون في بعض الروايات دون بعضها الآخر: المثال الأول: ذكر النحويين أن الأصل في "كان" إذا كان معمولاها معرفة ونكرة؛ فالمعرفة هو الاسم، والنكرة هو الخبر، ولا يجوز العكس أي: لا يجوز أن يكون الاسم هو النكرة والخبر هو المعرفة، إلا في ضرورة الشعر، ومنه قول الشاعر: قفي قبل التفرق يا ضباع ... ولا يك موقف منك الوداع فاسم يك نكرة وهو موقف، والخبر معرفة وهو الوداع؛ لضرورة الشعر. وفي البيت رواية أخرى وهي: ................................ ... ولا يك موقفي منك الوداع ولا شاهدَ في البيت على هذه الرواية؛ لأن موقفي معرفة بإضافته إلى الضمير، كما أن الخبر معرفة أيضًا. والمثال الثاني: اختلف النحويون في تقديم التمييز على عامله المتصرف، فمذهب الكوفيين -واختاره المازني والمبرد- أنه يجوز أن يتقدم التمييز على عامله المتصرف فيقال: نفسًا طابَ زيد، ويستدلون على ذلك بقول الشاعر: أتهجر ليلى بالفراق حبيبها ... وما كان نفسًا بالفراق تطيب فنفسًا تمييز، وقد تقدم على عامله المتصرف تطيب، على هذه الرواية، ومذهب البصريين -عدا المبرد-: أنه لا يجوز أن يتقدم التمييز على عامله المتصرف، ويرْوُون هذا البيت برواية أخرى، إذ يقول الزجاج الرواية: ................................. ... وما كان نفسي بالفراق تطيب

стр. 125

ولا شاهدَ في البيت على هذه الرواية. والمثال الثالث: يذكر بعض النحاة أن لعل يكون حرف جر في لغة عقيل، ويستشهدون بقول الشاعر: فقلت ادعو أخرى وارفع الصوت جهرة ... لعل أبي المِغوار منك قريب بجر أبي المغوار، وفي البيت رواية أخرى وهي: .................................. ... لعل أبا المغوار منك قريب أبا: اسم من الأسماء الستة منصوب بالألف على الرواية الأخيرة، فكأن لعل على بابها، فهي أخت من أخوات إن تنصب المبتدأ وترفع الخبرَ. وقد وصف أبو زيد الأنصاري هذه الروايةَ بأنها الرواية المشهورة التي لا خلافَ فيها، ولا شاهد في البيت على هذه الرواية -أي: الأخيرة-. ونختم بأن نُشير إلى أنه إذا تعارضت روايتان لبيت واحد بأن كانت إحداهما تثبت حُكمًا نحويًّا، والأخرى تنفي هذا الحكمَ؛ فإن ابن جني ﵀ قد دعا إلى تحكيم القياس بين هاتين الروايتين، فقال: "فرواية برواية، والقياس بعدُ حاكم". والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 126

الدرس: ١٠ حكم معرفة اللغة والنحو والتصريف، والتواتر والآحاد والرواة، والنقل عن النفي، وأدلة النحو عند الأنباري

стр. 127

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس العاشر (حكم معرفة اللغة والنحو والتصريف ، والتواتر والآحاد والرواة، والنقل عن النفي، وأدلة النحو عند الأنباري) حكم معرفة اللغة والنحو والتصريف الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإن أولى العلوم بالرعاية وأحقها بالاهتمام علم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ومعرفة أحكام الشرع الحنيف، ولقد نشأت علوم اللغة العربية جميعها من أجل الوصول إلى معاني القرآن الكريم، والحديث الشريف؛ فعلوم اللغة هي الأداة الموصلة إلى فهم الكتاب والسنة، ومعرفة الأحكام الشرعية. وبيان ذلك: أن الكتاب والسنة قد ورد بلغة العرب، ولا سبيل لفهم الكتاب والسنة إلا بمعرفة اللسان العربي. ومن ثم نقل السيوطي عن كتاب (المحصول) للإمام فخر الدين الرازي المتوفى سنة ست وستمائة من الهجرة قوله: "اعلم أن معرفة اللغة والنحو والتصريف فرضُ كفاية؛ لأن معرفة الأحكام الشرعية واجبة بالإجماع، ومعرفة الأحكام بدون معرفة أدلتها مستحيل، فلا بد من معرفة أدلتها، والأدلة راجعة إلى الكتاب والسنة، وهما واردان بلغة العرب ونحوهم وتصريفهم. فإذًا توقف العلم بالأحكام على الأدلة، ومعرفة الأدلة تتوقَّف على معرفة اللغة والنحو والتصريف، وما يتوقف على الواجب المطلق وهو مقدور للمكلَّف فهو واجبٌ. فإذًا معرفة اللغة والنحو والتصريف واجبة" انتهى. فقوله: "معرفة اللغة والنحو والتصريف" لا يُراد به هذه العلوم وحدها، وإنما يراد غيرها من العلوم العربية التي تتوقَّف عليها الأحكام الشرعية. وقوله: "فرض كفاية" المراد منه أنه لا يلزم جميع الناس أن يقوموا به، وإنما يلزم بعضهم، فإذا قام به بعض الناس سقط عن الباقين. ومعنى ما ذكره السيوطي نقلًا عن الإمام فخر الدين الرازي: أن هذه العلوم العربية ليست غاية في ذاتها، وإنما هي وسيلة يتوصل بها إلى هدف سامٍ، وغاية

стр. 128

نبيلة، وهي معرفة الأحكام الشرعية؛ إذ إن معرفة الأحكام الشرعية من الواجبات، ولا تتمّ هذه المعرفة إلا بمعرفة الأدلة، والأدلة راجعة إلى الكتاب والسنة، والمراد بالكتاب: القرآن الكريم، والمراد بالسنة: أقوال النبي ﷺ وأفعاله، وأحواله، وتقريراته، وقد نزل القرآن بلسان عربي مبين، وجاءت أقوال النبي ﷺ كذلك بلسان عربي، فلا سبيل إلى معرفة الأدلة إلا بمعرفة اللغة والنحو والتصريف. ومن هنا كانت معرفة هذه العلوم واجبة؛ لأن الوسائل لها حكم المقاصد، وما لا يتمّ الواجب إلا به فحكمه الوجوب. وقوله: "ومعرفة الأدلة" فيه إظهار في موقع الإضمار، فقد كان يمكنه أن يقول: ومعرفتها. ولكنه اتجه إلى الإظهار؛ لئلا يتوهَّم متوهم أن الضمير يعود إلى الأحكام فأعاد ذكر الأدلة؛ لأنها المقصودة، فمعرفة الأدلة هي التي تتوقف على معرفة اللغة والنحو والتصريف. والمراد بالأدلة: الأدلة الأصلية، وهي الكتاب والسنة. التواترِ والآحاد والرُّواةِ بعد أن نقل السيوطي عن الإمام فخر الدين حكم معرفة اللغة والنحو والتصريف، نقل عنه أيضًا الطريق إلى معرفة اللغة: "وأكثر اللغة إنما يُعرف عن طريق النقل المحض -أي: النقل الخالص الذي لا شائبة للعقل فيه، ولا مجال له أصلًا، وبعض اللغة يكون طريقه النقل والعقل معًا -أي: مجموعهما- ولا يكون العقل وحده طريقًا إلى معرفة اللغة. هذا، والنقل المحض قسمان: متواتر، وآحاد، ومعنى هذا القول أن اللغة قد وصلت إلينا منقولة إما نقلًا متواترًا يرويه الجماعة التي يستحيل عليهم الاتفاق

стр. 129

على الكذب دون غيرهم عن الجماعة التي يستحيل عليهم الاتفاق على الكذب كذلك. وإما نقل آحاد بأن يتفرَّد بالنقل واحد ولم يوجد به شرط التواتر". وقد أورد الفخر الرازي إشكالات على المتواتر والآحاد، وهذه الإشكالات تجعل من المتعذِّر في الظاهر قبول اللغة بالنقل، لكنه ردَّ عليها بما يُزيل إشكالها. أولًا: الإشكالات على المتواتر: يَرِدُ على المتواتر ثلاثة إشكالات: الإشكال الأول: اختلاف الناس في معاني الألفاظ التي هي أكثر الألفاظ تداولًا ودورانًا على ألسنة المسلمين، كاختلافهم في لفظة "الله"، فزعم بعضهم أنها عبرية، وقال قوم: إنها سريانية. واللذين ذهبوا إلى أنها عربية اختلفوا هل هي مشتقَّة أو لا؟ والقائلون بالاشتقاق اختلفوا اختلافًا شديدًا في الأصل المشتقة منه، ومن تأمَّل أدلتهم في تعيين مدلول هذا اللفظ الكريم، علم أنها متعارضة وأن شيئًا منها لا يفيد الظن الغالب فضلًا عن اليقين. وكذلك اختلفوا في لفظ "الإيمان" وهو مصدر الفعل: آمن؛ هل همزته للتعدية؛ أو هي للصيرورة؟ وهل مسماه التصديق الجناني؛ أو النطق اللساني؛ أو هما معًا؟ واختلفوا كذلك في لفظ الكفر هل هو بمعنى الجحد؛ أو بمعنى الستر؟ وكذلك اختلفوا في لفظ "الصلاة" هل هي مصدر أو اسم مصدر؛ وهل معناه الدعاء أو الرحمة أو العطف أو الحنو؟ وهكذا يقع الاختلاف في معاني الكلمات التي كثرت دورانها وتداولها على ألسنة الناس مما يُظهر أن دعوى التواتر في اللغة متعذِّر. وقد أجاب الفخر عن هذا الإشكال بأنه إن لم يمكن دعوى التواتر في معانيها على سبيل التفصيل؛ فإنا نعلم معانيها في الجملة؛ فنعلم أن لفظ "الله" عَلَم على الإله

стр. 130

المعبود بحق؛ وإن كنَّا لا نعلم مسمى هذا اللفظ أذاته أي: فيكون اسمًا للذات بناء على أنه مرتجل غير مشتقّ؛ أو كونه معبودًا أي: بناء على أنه مشتقّ من أله إلهة كعبد عبادة؛ أم كونه قادرًا على الاختراع؛ أم كونه ملجأ للخلق؛ أم كونه بحيث تتحيَّر العقول في إدراكه ... إلى غير ذلك من المعاني المذكورة لهذا اللفظ؛ وكذلك القول في سائر الألفاظ. والإشكال الثاني: الجهل بشرط التواتر؛ لأنا لا نعلم حصول شرط التواتر فيما سبق من أزمنة؛ وشرط التواتر: هو استواء الطرفين والواسطة، وقد جهلنا هذا الشرط، والجهل بالشرط جهل بالتواتر نفسه، وللرَّد على هذا الإشكال نقول: إن الغاية القصوى في راوي اللغة أن يُسند ما يرويه إلى كتاب صحيح، أو إلى أستاذ متقن. والإشكال الثالث: أخذ اللغة عن علماء ليسوا معصومين ولا بالغين حد التواتر، وإذا كان كذلك لم يحصل القطع واليقين بقولهم، وللرّدّ على هذا الإشكال نقول: إن عدم عصمتهم لا يستلزم وقوع النقل والتغيير. ثانيًا: الإشكال على الآحاد: وقد أورد الفخر الرازي إشكالًا على الآحاد، وحاصله: أن الرواة المجرَّحون لم يسلموا من القدح؛ فقد قدح الكوفيون والمبرد في كتاب سيبويه، كما قدح كثير من أهل اللغة في كتاب (العين) للخليل، وأفرد ابن جني في كتاب (الخصائص) بابًا في قدح أكابر الأدباء بعضهم في بعض، وبابًا آخر غرضه القدح في الكوفيين، ومثل هذا كثير. وللرّدّ عن هذا الإشكال نقول: إن القدح لا يلزم منه عدم القبول، فإن المبرد الذي قدح في كتاب سيبويه قد رجع عن أقواله في الكتاب، وإن العلماء الذين

стр. 131

قدحوا في (العين) لم يكن قدحهم فيه سببًا يصرف الناس عن الكتاب وعن الإفادة منه. وقد أجاب الفخر عن الإشكالات كلها بقوله: "والجواب عن الإشكالات كلها: أن اللغة والنحو والتصريف تنقسم قسمين؛ قسم منه متواتر والعلم الضروري حاصل به، أو حاصل بأنه كان في الأزمنة الماضية موضوعًا لهذه المعاني، فإنا نجد أنفسنا جازمة بأن السماء والأرض -يعني: لفظتيهما- كانتا متسعملتين في زمنه ﷺ في معناهم المعروف، وكذلك الماء والهواء والنار وأمثالها. وكذلك لم يزل الفاعل مرفوعًا، والمفعول منصوبًا، والمضاف إليه مجرورًا. وقسم منه مظنون وهو الألفاظ الغريبة، والطريق إلى معرفتها الآحاد، وأكثر ألفاظ القرآن ونحوه وتصريفه من القسم الأول والثاني قليل جدًّا، فلا يتمسَّك به في القطعيات، ويتمسك به في الظنيات" انتهى. وحاصل هذا الكلام أن الطريق إلى معرفة اللغة هو النقل بشقيه: المتواتر والآحاد، وأن القدح فيهما وإيراد الإشكالات عليهما لا يمنع من كونهما طريق معرفة اللغة. النقلِ عن النفي إن المراد بالنقل عن النفي هو أن يقول القائل: لم أره، أو لم أقف عليه، أو لم أجده، أو نحو ذلك من العبارات التي تدل على نفي الشيء وعدم وجوده، وذلك بخلاف قوله: لا أعرفه، أو لا أذكره، فليس في هذين القولين ونحوهما دليلٌ على نفي الشيء. والسؤال الذي يطرحه هذا العنصر هو: هل في نفي المتكلم العلم بالشيء دليل على عدم وجود الشيء؟

стр. 132

لقد نقل السيوطي عن بهاء الدين بن النحاس أنه لا دليل فيه؛ فقال: "قال الشيخ بهاء الدين بن النحاس في (التعليقة): النقل عن النفي فيه شيء؛ لأن حاصله أنني لم أسمع هذا، وهذا لا يدل على أنه لم يكن" انتهى قول ابن النحاس. وقوله: "فيه شيء" أي: فيه بحث ومناقشة، وقوله: "لا يدل على أنه لم يكن" أي: أن نفي العلم لا يدل على نفي الوجود. ولم يعلق السيوطي ﵀ على القول الذي نقله؛ مما يرجح أنه يرى الرأي نفسه ولا يخالفه. وتحقيق الأمر في هذه المسألة أن يُنظر في حال القائل، فإن لم يكن واسع الاطلاع غزير المعرفة؛ لم يكن في كلامه دليل على نفي الوجود، بل كان كلامه دليلًا على عدم معرفته هو، وعدم اطلاعه على ما ذُكر، ربما يكون غيره ممن اتسعت روايتهم، وكثر اطّلاعهم قد عرف ما غاب عن صاحبه. أما إذا صدر هذا القول عن إمام نحرير متتبع لكلام العرب، واسع الاطلاع؛ كان قوله بمنزلة التصريح بعدم ورود ذلك. نظير ذلك ما قاله المحدثون في مثله، فإنهم قد صرَّحوا بأنه إذا قال الحافظ النقاد في حديث ما: لا أعرفه، فمعناه: لا أصل له. ولأبي الأسود الدؤلي كلام صريح في هذا الأمر ذكره ابن فارس: أنه بلغه عن أبي الأسود أن امرأ كلَّمه ببعض ما أنكره أبو الأسود، فسأله أبو الأسود عنه فقال: هذه لغة لم تبلغك. فقال له: يا ابن أخي إنه لا خير لك في ما لم يبلغني. فعرفه بلفطف أن الذي تكلم به مختلق، ومعنى ما ذكره أبو الأسود أن العالم المتتبع لكلام العرب إن نفى شيئًا كان نفيه دليلًا على عدم وجوده.

стр. 133

أدلة النحو عند الأنباري إن الأنباري له في علم أصول النحو كتابان هما: (لمع الأدلة)، و (الإغراب في جدل الإعراب)، والإغراب بالعين المهملة، أو بالغين المعجمة. وقد أشار السيوطي في مقدمة (الاقتراح) إلى أنه لم يقرأ كتابَي الأنباري إلا بعد فراغه من كتابه (الاقتراح)، كما أشار هنا إلى أنه رأى كلام الأنباري بعد أن حرَّر كتاب السماع بفصوله وفروعه، فقال: "بعد أن حررت هذا الكتاب بفروعه، وجدت ابن الأنباري قال في أصوله: أدلة النحو ثلاثة: نقل، وقياس، واستصحاب حال" انتهى. وقد ذكر الأنباري هذه الأدلة الثلاثة أيضًا في كتابه (الإغراب في جدل الإعراب) فقال: "أدلة صناعة الإعراب ثلاثة: نقل، وقياس، واستصحاب حال" انتهى. وهذه هي الأدلة الغالبة. ويُضاف إليها دليل رابع وهو الإجماع الذي ذكره الأنباري في (لمع الأدلة)، وبذلك تكون أصول النحو الغالبة عند الأنباري أربعة أصول، وهي: النقل، والقياس، والإجماع، واستصحاب الحال؛ فالنقل هو الأصل الأول من أصول النحو، ويراد به المنقول، وهو الذي ذكره السيوطي تحت عنوان السماع. وقد عرَّف الأنباري النقل بقوله: "الكلام العربي الفصيح المنقول النقل الصحيح، الخارج عن حدّ القلة إلى حد الكثرة"، وقد اشترط الأنباري في النقل الذي يُحتج به ثلاثة شروط: الأول: أن يكون الكلام عربيًّا فصيحًا ينتمي إلى إحدى القبائل المأخوذ عنها، كما ينتمي إلى زمن الاحتجاج، وعليه يخرج ما جاء من كلام المولدين والمحدثين.

стр. 134

والثاني: أن يكون الكلام خارجًا عن حدِّ القلة إلى حدِّ الكثرة. ولم يذكر السيوطي هذا الشرط الأخير، وإنما عرف السماع: بأنه كلام من يُوثق بفصاحته، ولعل الذي دفع الأنباري إلى وضع هذا الشرط أنه كان معنيًّا بمسألة القياس، وهو يرى أنه لا يجوز القياس على الشاذ والقليل؛ فالشاذ لا يجوز القياس عليه في نحو: الجزم بـ"لن" في قول كثير عزة: أيادي سبا يا عزة ما كنت بعدكم ... فلن يَحْل للعينين بعدك منظر فجزم الفعل الفعل المضارع "يحلى" بـ"لن"، ومثله قول الآخر: لَنْ يخِبِ الآنَ مِنْ رَجَائكَ مَنْ ... حَرَّكَ مِنْ دُونِ بَابِكَ الحَلَقَه فجزم الفعل المضارع بـ"لن"، ونظير ذلك النصب بـ"لم" في قول الراجز: في أي يومي من الموت أفر ... أيوم لم يُقْدر أم يوم قُدِر؟ فنصب الفعل المضارع بـ"لم". والشرط الثالث: أن يكون الكلام الفصيح منقولًا نقلًا صحيحًا، وقد عقد الأنباري في (لمع الأدلة) عدَّة فصول لخصها السيوطي في (الاقتراح)، ولنوجزها هنا في أربعة نقاط، وهي: النقطة الأولى: أقسام النقل، وحكم كل قسم، وما يُشترط فيه: ذكر الأنباري أن النقل ينقسم إلى تواتر وآحاد: فالقسم الأول وهو: التواتر، والمراد به لغة القرآن الكريم، أي: ما عدا القراءات الشاذة؛ إذ القراءات الشاذة لا خلاف في أنها روايات آحاد، وليست متواترة، والمراد بالتواتر أيضًا: ما تواتر من السنة وكلام العرب، وهذا القسم دليل قطعي من أدلة النحو يُفيد العلم عند جمهور العلماء، وقد اشترط الأنباري للتواتر

стр. 135

شرطًا، وهو أن يبلغ عددُ النقلة حدًّا لا يجوز فيه على مثلهم الاتفاق على الكذب أي: لا يتصوَّر هذا الاتفاق، كنقلة لغة القرآن الكريم وما تواتر من السنة الشريفة، وكلام العرب، فإنهم انتهوا إلى حدِّ يستحيل على مثلهم الاتفاق على الكذب. القسم الثاني: الآحاد، وهو ما تفرَّد بنقله بعض أهل اللغة، ولم يوجد فيه شرط التواتر، ومعنى أنه لم يوجد فيه شرط التواتر: أنه لم يجتمع على القول به عدد يستحيل على مثلهم الاتفاق على الكذب. وذكر أبو البركات الأنباري أن ما تفرَّد به بعض أهل اللغة يُعدُّ من أدلة الاحتجاج؛ فقال: "هو دليل مأخوذ به"، واختلفوا في إفادته، فذهب الأكثرون إلى أنه يُفيد الظن، وذهب بعضهم إلى أنه يفيد العلم، واختار الأنباري الأول، وهو أن خبر الآحاد يُفيد الظن. وقد عقد الأنباري فصلًا لبيان شرط نقل الآحاد ذكر فيه أنه يُشترط أن يكون ناقل اللغة عدلًا، رجلًا كان أو امرأة، حرًّا كان أو عبدًا، كما يُشترط في ناقل الحديث الشريف عن النبي ﷺ لأن باللغة معرفة تفسيره وتأويله، فاشترط في نقلها ما اشترط في نقله، ومعنى كلام الأنباري أن العدالة شرطٌ في راوي اللغة كي نضمن أنه يروي اللغة في دقة، ودون تحريف ظواهر اللغة وخصائصها. ثانيًا: ونلاحظ في كلام الأنباري أنه اشترط العدالة في راوية اللغة، كما اشترطها في راوية الحديث، ولا يعني ذلك أن الأنباري يسوِّي بين اللغة الحديث في الفضل، وقد نبَّه على ذلك بقوله: "وإن لم تكن في الفضيلة من شكله" أي: وأن لم تكن اللغة تساوي الحديث في فضله ومنزلته ومكانته، إلا أنه يُشترط في نقلها ما يشترط في نقله. ورفض الأنباري رواية ناقل اللغة إن كان فاسقًا، فذكر أنه إن كان ناقل اللغة فاسقًا لن تُقبل روايته، والعلة في ذلك أن فسقه ربما يدفعه دفعًا إلى الكذب والادّعاء، ولأنه قد ارتكب محذور دينه مع علمه بتحريمه، أي: مع علمه

стр. 136

بأنه محرم عليه، فلم يُؤمَن مع ذلك أن يكذب مع علمه بتحريمه، أي: مع علمه بأن الكذب محرم عليه أيضًا". وبعد أن بين أبو البركات الأنباري أن نقل العدل الواحد مقبول بيَّن أنه لا يشترط أن يوافقه غيره؛ فقال: "ويُقبل نقل العدل الواحد، ولا يشترط أن يوافقه في النقل غيره؛ لأن الموافقة لا تخلو إما أن تُشترط لحصول العلم أو لغلبة الظن، بطل أن تكون لحصول العلم؛ لأن العلم لا يحصل بنقل اثنين، فوجب أن تكون لغلبة الظن، وغلبة الظن قد حصلت بخبر الواحد من غير موافقة" انتهى. ومعنى كلام الأنباري: أنه لا يُشترط في قبول العدل الواحد أن يُوافقه غيره. والنقطة الثانية: قبول نقل أهل الأهواء: والمراد بأهل الأهواء: أصحاب الأهواء الفاسدة، والآراء الضالة من المبتدعة كالمعتزلة والرافضة ونحوهم، والأهواء في اللغة جمع: هوى، وهو العشق والحب، ثم أطلقوه إذا أرادوا الشيء المستقبح. وقد عقد أبو البركات الأبناري الفصل السابع من فصول كتابه (لمع الأدلة) في قبول نقل أهل الأهواء، ولخصه السيوطي في (الاقتراح) في جملة واحدة؛ إذ قال: "ويقبل نقل العدل الواحد، وأهل الأهواء إلا أن يكونوا ممن يتديَّنون بالكذب" انتهى ما قاله السيوطي. ومعنى ما قاله السيوطي: أنه يُقبل نقل أهل الأهواء إلا إذا كانوا ممن يتخذون الكذب دينًا كالخطّابية من الروافض، وما ذكره السيوطي هو من كلام الأنباري في (لمع الأدلة) إذ قال ﵀: "اعلم أن نقل أهل الأهواء مقبول في اللغة وغيرها، إلا أن يكونوا ممن يتديَّن بالكذب كالخطابية من الرافضة" انتهى. وليس هذا القول موضع إجماع العلماء، فمن العلماء من ذهب إلى أن نقل أهل الأهواء لا يُقبل، وقد أشار الأنباري إلى هذا الرأي بقوله: "وزعم بعضهم أنه لا

стр. 137

يُقبل نقل أهل الأهواء؛ لأنه إذا رُدَّت رواية الفاسق لفسقه، فلأن لا تُقبل رواية المبتدع لبدعته كان ذلك أولى" انتهى. وفي هذا الكلام إشارة إلى أن فريقًا من العلماء لم يَقبل رواية أهل الأهواء والبدع؛ حملًا على رواية الفاسق التي ذكر الأنباري أنه لا يجوز قبولها، بل يجب ردُّها، ولم يرتضِ الأنباري هذا القول، فوصفه في بداية كلامه بأنه زعم، ثم وصفه بأنه ليس بصحيح. وفرق الأنباري بين الفاسق وصاحب البدع؛ فالفاسق قد يدفعه فسقه إلى الكذب، أما المبتدع فلا تحمله بدعته على الكذب؛ فصحَّ عنده أن يقبل نقل المبتدع دون نقل الفاسق، وأما المبتدع فما ارتكب محذور دينه مع العلم بالتحريم، وليست بدعته حاملة له على الكذب؛ فوجب أن يقبل" انتهى. ونلحظ فيما ذكره الأنباري في هذه النقطة أن المعيار عنده هو التزام الصدق، فمن ظهرت صدقه قُبلت روايته، وإن كان من أهل الأهواء، ومن تدين بالكذب لم تُقبل روايته. والنقطة الثالثة: في حكم قبول المرسل والمجهول: وقد عقد الأنباري الفصل الثامن من كتابه (لمع الأدلة) في قبول المرسل والمجهول، وعرف المرسل: بأنه هو الذي انقطع سنده نحو: أن يروي أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد المولود سنة ثلاثة وعشرين ومائتين من الهجرة، والمتوفى سنة إحدى وثلاثين ومائتين عن أبي زيد الأنصاري المولود سنة تسع عشرة ومائة من الهجرة، والمتوفى سنة خمس عشرة ومائتين، فابن دريد لم يدرك أبا زيد، فبينهما راوٍ أو أكثر، وهذا هو المراد من انقطاع السند؛ فالانقطاع يعني: عدم الاتصال بين الراوي والمروي عنه.

стр. 138

وقد ذكر السيوطي في كتابه (المزهر) أمثلة للمرسل منها ما في (الجمهرة) لابن دريد يقال: "فسأت الثوب أفسأه فسأً أي: مدته حتى تفزر، أي: تشقق". وأخبر الأصمعي عن يونس قال: "رآني أعرابي محتبيًا بطيلسان، والطيلسان: هو ضرب من الأوشحة يُلبس على الكتب، أو يحيط بالبدن، وهو خالٍ عن التفصيل والخياطة. فقال: علام تفسؤه؟ " والشاهد في هذا المثال: أن ابن دريد لم يدرك الأصمعي؛ لأن ابن دريد قد وُلد سنة ثلاثة وعشرين ومائتين، والأصمعي قد توفي سنة ست عشرة أو خمس عشرة ومائتين، فبينهما راوٍ أو أكثر. أما المجهول فقد عرفه بقوله: "والمجهول هو الذي لم يُعرف ناقله نحو: أن يقول أبو بكر الأنباري حدثني رجل عن ابن الأعرابي، ولم يذكر اسم هذا الرجل، وقد جمع الأنباري بين المرسل والمجهول، وحكم عليهما بحكم واحد، وهو الرّدّ وعدم القبول، فقال: وكل واحد من المرسل والمجهول غير مقبول، وإنما لم يقبل الأنباري المرسل والمجهول للشرط الذي اشترطه من قبل، من وجوب العدالة في قبول النقل، وانقطاع السند، وكذلك الجهل بالناقل يُفهم منهما عدم معرفة حقيقة الناقل إن كان عدلًا، أو غير عدل، ولأن العدالة شرط في قبول النقل؛ فقد رفض الأنباري المرسل والمجهول. وقال: وكل واحد من المرسل والمجهول غير مقبول؛ لأن العدالة شرط في قبول النقل. والجهل بالنقل وانقطاع سند الناقل يُوجبان الجهل بالعدالة، فإن من لم يذكر اسمه، أو ذكر اسمه ولم يعرف؛ لم تعرف عدالته، فلا يقبل نقله". وما ذكره الأنباري هو أحد رأيين في المسألة، وفيها رأي آخر وهو قبول المرسل والمجهول، فقد أجازهما قوم محتجِّين بأن المرسل لو صدر عن عالم اتصل سنده؛ لوجب قبوله، وكذلك المجهول لو صدر عن عالم لا يُتهم في نقله لوجب قبوله أيضًا، ومعنى هذا الكلام أن من قبل المرسل والمجهول قد حملهما على المتصل

стр. 139

السند والمعلوم باعتبار أن الإرسال صدر ممن لو أسند؛ لقبل ولم يتهم في إسناده. فعدم الاتهام في الإسناد يعني: وجوب الأخذ بالمرسل، وعدم الاتهام في المعلوم يعني: وجوب الأخذ بالمجهول. وردَّ الأنباري هذا الكلام وقال: "وهذا ليس بصحيح، وقولهم: "إن الإرسال صدر ممن لو أسند لقُبل ولم يتهم في إسناده فكذلك في إرساله"؛ قلنا هذا اعتبار فاسد، لأن المسند قد صرَّح فيه باسم الناقل، وأمكن الوقوف على حاله بخلاف المرسل، أي: فليس فيه تصريح باسم الناقل، وكذلك أيضًا النقل عن المجهول لم يُصرح أيضًا فيه باسم الناقل، ولا يمكن الوقوف على حقيقة حاله؛ بخلاف ما إذا صُرّح باسم الناقل، فبان بهذا أنه لا يلزم من قبول المسند قبول المرسل، ولا من قبول المعروف قبول المجهول" انتهى. ونختم بأن نشير إلى أن السيوطي نقل كلام الأنباري مختصرًا في كتابه (الاقتراح)، ولم يذكر جواب الأنباري عن الرأي القائل بقبول المرسل والمجهول، وقد نبَّه على ذلك شُرّاح (الاقتراح)، فأخذوا على السيوطي أنه لم يذكر الجوابين. والنقطة الرابعة: حكم الإجازة: ويُعدُّ الحديث عن حكم الإجازة أثرًا من آثار علوم الحديث وانتقالها إلى أصول النحو؛ لأن الإجازة في الأصل مصطلح من مصطلحات علم الحديث، والمراد بها أن يُجيز المحدِّث لمعيِّن في شيء معين، كأن يقول المحدث: أجزت لفلان الكتاب الفلاني، فيجوز حينئذٍ أن يرويه عن شيخه، وأن يُحدِّث به، وأئمة الحديث على جوازها؛ إبقاء للتبرك بالانخراط في سلسلة الإسناد، والمراد بالإجازة هنا رواية الكتب والأشعار المدونة. وقد عقد الأنباري الفصل التاسع من

стр. 140

(لمع الأدلة) لذكر اختلاف علماء اللغة في جوازها فقال: "اعلم أن العلماء اختلفوا في جواز الإجازة، فذهب قوم إلى جوازها وذهب آخرون إلى أنها غير جائزة" انتهى. ففي المسألة إذًا رأيان: أحدهما: الجواز، والآخر: المنع، وحجة من أجاز أن النبي -صلوات الله وسلامه عليه- كتب إلى ملوك؛ فنزل ذلك منزلة قوله وخطابه، وكتب صحيفة الزكاة والديات، ثم صار الناس يُخبرون بها عنهم، ولم يكن هذا إلا بطريق المناولة والإجازة. والمراد بالمناولة أن يناول العالم التلميذ كتابًا ليروي عنه ما فيه؛ فكان ما فعله الرسول ﷺ دليلًا على جواز الإجازة، وهو الرأي الذي ذهب إليه أبو البركات الأنباري ووافقه فيه السيوطي، وذهبت طائفة قليلة وُصفت بأنها شرذمة -أي: جماعة قليلة- إلى عدم جواز الإجازة، وحجتهم في ذلك أن المتكلم يقول: أخبرني فلان، ولم يحدث إخبار، وقد ردَّ أبو البركات الأنباري هذا القول، ووصفه بأنه غير صحيح فقال: "وليس بصحيح، فإنه يجوز لمن كتب له إنسان كتابًا ذكر فيه أشياءً أن يقول: أخبرني فلان في كتابه بكذا، ولا يكون كاذبًا" انتهى. وخلاصة القول: أن الإجازة جائزة، بل هي إحدى الوسائل التي ينتقل بها العلم من العالم إلى تلميذه، ولا عبرة بقول من منعها". والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 141

الدرس: ١١ الإجماع

стр. 142

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الحادي عشر (الإجماع) حجيةُ إجماع النحاة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: الإجماع في اللغة مصدر الفعل الرباعي أجمع، وله معنيان: أحدهما: العزم، يقال: أجمعت على الأمر، أي: عزمت عليه عزمًا لا يلحقه توانٍ ولا نقص. والآخر: الاتفاق، يقال: أجمع القوم على كذا، أي: اتفقوا عليه وتواطئوا. ويرجع تعريف الإجماع في الاصطلاح إلى المعنى الثاني، وهو الاتفاق. وقبل تعريف الإجماع في اصطلاح النحويين لا بد من الإشارة إلى أمرين: أحدهما: أن هذا المصطلح مصطلح فقهي اعتمده الفقهاء أصلًا من أصول الشريعة ودليلًا من أدلتها، وقد عرفوه بأنه: اتفاق المجتهدين من أمة محمد ﷺ بعد زمانه في عصر على حكم شرعي، ثم انتقل هذا المصطلح من الفقه إلى النحو؛ فكان الأصل الثاني من أصول النحو عند ابن جني الذي جعل أصول النحو ثلاثة كما ذكر السيوطي، وهي: السماع، والإجماع، والقياس. والأمر الآخر: أن الإجماع إما أن يراد به إجماع النحاة؛ وإما أن يراد به إجماع العرب، والغالب أن يكون المراد به إجماع النحاة على حكم ما. ومن هنا كان تعريف الإجماع في الاصطلاح هو: اتفاق نحاة البلدين -البصرة والكوفة- على حكم نحوي أو على أمر يتصل بالصناعة النحوية. وقال السيوطي: المراد به: إجماع نحاة البلدين البصرة والكوفة. وإنما قيد التعريف بنحاة البصرة والكوفة؛ لأنهم -كما قال- الجماعة التي طال بحثها وتقدم نظرها:

стр. 143

فالبصريون هم الذين وضعوا علم النحو وتعهدوه بالرعاية؛ فالبصرة صاحبة الفضل في وضعه وتعهده في نشأته. والكوفيون نهضوا بهذا الفن ونافسوا في الظفر بشرفه؛ فكان منهم علماء تلاقوا مع علماء البصرة؛ فوثب هذا العلم على أيديهم جميعًا وثبة حيي بها حياة بعد. وقد ذكر السيوطي في أول (الاقتراح) أن الإجماع هو أحد أصول النحو الثلاثة عند ابن جني وهي: السماع، والقياس، والإجماع، غير أن الإجماع لم يحظَ عند ابن جني بما حظي به السماع والقياس؛ فهما أصلان معتمدان مطلقًا؛ أما الإجماع فلا يكون حجة إلا إذا لم يخالف المنصوص والمقيس على المنصوص. ومن هنا وجدنا ابن جني يعقد في (الخصائص) بابًا عنوانه: القول على إجماع أهل العربية متى يكون حجة. وعنه نقل السيوطي غير أنه اختصر الكلام اختصارًا غير مخلٍ، ونحن نذكر هنا كلام ابن جني كله إكمالًا للنفع وإتمامًا للفائدة: قال ﵀: "اعلم أن إجماع أهل البلدين إنما يكون حجة إذا أعطاك خصمك يده ألا يخالف المنصوص والمقيس على المنصوص". فقوله: "إجماع أهل البلدين"، معناه: إجماع أهل البصرة والكوفة؛ لأن عليهما الاعتماد في الأحكام النحوية. وقوله: "إنما يكون حجة إذا أعطاك خصمك يده ألا يخالف المنصوص والمقيس على المنصوص"، معناه: أن الإجماع إذا خالف المنصوص أو المقيس عليه لم يكن حجة بل يجب تقديم النص عليه، وقد أراد ابن جني بكلامه هذا أن يفرق بين الإجماع عند النحاة والإجماع عند الفقهاء.

стр. 144

فالإجماع عند الفقهاء ملزم يجب قبوله ولا يجوز رده؛ بل قال بعض الفقهاء: إن الإجماع أقوى من النص؛ لأن النص قد يلحقه التغيير حين يتطرق إليه النسخ، والإجماع يسلم من أن يتطرق إليه النسخ. ومن هنا كان إجماع المجتهدين من الفقهاء حجة، ومعنى كونه حجة: وجوب العمل به مقدمًا على باقي الأدلة. أما إجماع النحاة؛ فلا يعد ملزمًا عند ابن جني، وقد أقره السيوطي على ذلك. وإنما كان إجماع النحاة غير ملزم عند ابن جني لأمرين اثنين: أحدهما: إمكان وقوع الخطأ من علماء البصرة والكوفة مجتمعين؛ فالنحاة لا يدخلون تحت قوله ﷺ : ((لا تجتمع أمتي على ضلالة))؛ إذ لم يرد في قرآن ولا سنة أن علماء النحو من البصرة والكوفة لا يجتمعون على الخطأ. والأمر الآخر: طبيعة هذا العلم؛ فعلم النحو -كما وصفه ابن جني- علم منتزع من استقراء هذه اللغة؛ فكل من فرق له عن علة صحيحة وطريقة نهجة كان خليل نفسه وأبا عمرو فكره ... انتهى. ومعنى ما ذكره ابن جني ونقله السيوطي: أن كل من كُشف وأُبين له عن علة صحيحة أو طريقة واضحة وتمرس في دراسة هذا العلم تمرسًا طويلًا حتى أحس في نفسه القدرة على التمكن من مسائله والإحاطة بقضاياه؛ قام في نفسه دليل قاطع يغنيه عن الخليل بن أحمد، وثبت لديه من فكره برهان ساطع يكيفه عن أبي عمرو بن العلاء؛ فمن اتصف بهذه الصفات؛ جاز له أن يخالف إجماع أهل البلدين. ولكن هذه المخالفة مشروطة بطول البحث والتقصي والبعد عن نزوات الفكر؛ كما أنها مشروطة أيضًا بإجلال السلف؛ لأنهم القوم الذين لا نشك في أن الله

стр. 145

-سبحانه وتقدست أسماؤه- قد هداهم لهذا العلم الكبير وأراهم وجه الحكمة في الترجيب له والتعظيم، وجعله -ببركاتهم وعلى أيدي طاعاتهم- خادمًا للكتاب المنزل وكلام نبيه المرسل، وعونًا على فهمهما، ومعرفة ما أمر به أو نهي عنه الثقلان منهما ... انتهى. ونلحظ في كلام ابن جني إجلاله للسابقين من أهل العلم وتوقيره لهم، ويدل على تقديره إياهم أنه، مع إباحته مخالفتهم لمن تمرس بهذا العلم وعرف أصوله وقضاياه؛ إلا أن الأولى عنده موافقة الإجماع؛ إذ ذكر أننا -مع ذلك- لا نسمح له بالإقدام على مخالفة الجماعة التي طال بحثها وتقدم نظرها إلا بعد إمعان وإتقان. ومعنى كلام ابن جني: أن من كان خليل نفسه وأبا عمرو فكره لا يجوز له خرق إجماع أهل الكوفة والبصرة، والجرأة على مخالفة ما أجمع عليه الفريقان إلا بعد إمعان وإتقان. وقد خرق ابن جني نفسه إجماع النحاة في مسألتين ذكر السيوطي إحداهما ولم يذكر الأخرى، وسنذكرها: أما المسألة الأولى التي خرق فيها ابن جني إجماع النحاة: فالجر على الجوار في نحو قولهم: "هذا جحرُ ضبٍّ خربٍ"؛ فـ"خربٍ" صفة لجحرُ؛ فكان حقه الرفع؛ لأن الأصل في الصفة أن تكون تابعة للموصوف، وقد جاء قولهم: "خربٍ" مجرورًا؛ لأنه جاور مجرورًا، وأجمع العلماء على أنه من الشاذ الذي لا يقاس عليه ولا يجوز رد غيره إليه، وعلى هذا أجمع النحويون. وخالفهم ابن جني وذهب إلى أن "خربٍ" صفة لـ"ضبٍّ"، على أن الأصل: خربٍ جحرُه؛ فـ"خربٍ" نعت سببي لـ"ضبٍّ"؛ كما هو شأن النعت السببي.
следующие страницы →