Полный текст (308 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
الدرس: ١١ الإجماع
стр. 142
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الحادي عشر
(الإجماع)
حجيةُ إجماع النحاة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
الإجماع في اللغة مصدر الفعل الرباعي أجمع، وله معنيان:
أحدهما: العزم، يقال: أجمعت على الأمر، أي: عزمت عليه عزمًا لا يلحقه توانٍ ولا نقص.
والآخر: الاتفاق، يقال: أجمع القوم على كذا، أي: اتفقوا عليه وتواطئوا.
ويرجع تعريف الإجماع في الاصطلاح إلى المعنى الثاني، وهو الاتفاق.
وقبل تعريف الإجماع في اصطلاح النحويين لا بد من الإشارة إلى أمرين:
أحدهما: أن هذا المصطلح مصطلح فقهي اعتمده الفقهاء أصلًا من أصول الشريعة ودليلًا من أدلتها، وقد عرفوه بأنه: اتفاق المجتهدين من أمة محمد ﷺ بعد زمانه في عصر على حكم شرعي، ثم انتقل هذا المصطلح من الفقه إلى النحو؛ فكان الأصل الثاني من أصول النحو عند ابن جني الذي جعل أصول النحو ثلاثة كما ذكر السيوطي، وهي: السماع، والإجماع، والقياس.
والأمر الآخر: أن الإجماع إما أن يراد به إجماع النحاة؛ وإما أن يراد به إجماع العرب، والغالب أن يكون المراد به إجماع النحاة على حكم ما.
ومن هنا كان تعريف الإجماع في الاصطلاح هو: اتفاق نحاة البلدين -البصرة والكوفة- على حكم نحوي أو على أمر يتصل بالصناعة النحوية.
وقال السيوطي: المراد به: إجماع نحاة البلدين البصرة والكوفة.
وإنما قيد التعريف بنحاة البصرة والكوفة؛ لأنهم -كما قال- الجماعة التي طال بحثها وتقدم نظرها:
стр. 143
فالبصريون هم الذين وضعوا علم النحو وتعهدوه بالرعاية؛ فالبصرة صاحبة الفضل في وضعه وتعهده في نشأته.
والكوفيون نهضوا بهذا الفن ونافسوا في الظفر بشرفه؛ فكان منهم علماء تلاقوا مع علماء البصرة؛ فوثب هذا العلم على أيديهم جميعًا وثبة حيي بها حياة بعد.
وقد ذكر السيوطي في أول (الاقتراح) أن الإجماع هو أحد أصول النحو الثلاثة عند ابن جني وهي: السماع، والقياس، والإجماع، غير أن الإجماع لم يحظَ عند ابن جني بما حظي به السماع والقياس؛ فهما أصلان معتمدان مطلقًا؛ أما الإجماع فلا يكون حجة إلا إذا لم يخالف المنصوص والمقيس على المنصوص.
ومن هنا وجدنا ابن جني يعقد في (الخصائص) بابًا عنوانه: القول على إجماع أهل العربية متى يكون حجة.
وعنه نقل السيوطي غير أنه اختصر الكلام اختصارًا غير مخلٍ، ونحن نذكر هنا كلام ابن جني كله إكمالًا للنفع وإتمامًا للفائدة:
قال ﵀: "اعلم أن إجماع أهل البلدين إنما يكون حجة إذا أعطاك خصمك يده ألا يخالف المنصوص والمقيس على المنصوص".
فقوله: "إجماع أهل البلدين"، معناه: إجماع أهل البصرة والكوفة؛ لأن عليهما الاعتماد في الأحكام النحوية.
وقوله: "إنما يكون حجة إذا أعطاك خصمك يده ألا يخالف المنصوص والمقيس على المنصوص"، معناه: أن الإجماع إذا خالف المنصوص أو المقيس عليه لم يكن حجة بل يجب تقديم النص عليه، وقد أراد ابن جني بكلامه هذا أن يفرق بين الإجماع عند النحاة والإجماع عند الفقهاء.
стр. 144
فالإجماع عند الفقهاء ملزم يجب قبوله ولا يجوز رده؛ بل قال بعض الفقهاء: إن الإجماع أقوى من النص؛ لأن النص قد يلحقه التغيير حين يتطرق إليه النسخ، والإجماع يسلم من أن يتطرق إليه النسخ.
ومن هنا كان إجماع المجتهدين من الفقهاء حجة، ومعنى كونه حجة: وجوب العمل به مقدمًا على باقي الأدلة.
أما إجماع النحاة؛ فلا يعد ملزمًا عند ابن جني، وقد أقره السيوطي على ذلك.
وإنما كان إجماع النحاة غير ملزم عند ابن جني لأمرين اثنين:
أحدهما: إمكان وقوع الخطأ من علماء البصرة والكوفة مجتمعين؛ فالنحاة لا يدخلون تحت قوله ﷺ : ((لا تجتمع أمتي على ضلالة))؛ إذ لم يرد في قرآن ولا سنة أن علماء النحو من البصرة والكوفة لا يجتمعون على الخطأ.
والأمر الآخر: طبيعة هذا العلم؛ فعلم النحو -كما وصفه ابن جني- علم منتزع من استقراء هذه اللغة؛ فكل من فرق له عن علة صحيحة وطريقة نهجة كان خليل نفسه وأبا عمرو فكره ... انتهى.
ومعنى ما ذكره ابن جني ونقله السيوطي: أن كل من كُشف وأُبين له عن علة صحيحة أو طريقة واضحة وتمرس في دراسة هذا العلم تمرسًا طويلًا حتى أحس في نفسه القدرة على التمكن من مسائله والإحاطة بقضاياه؛ قام في نفسه دليل قاطع يغنيه عن الخليل بن أحمد، وثبت لديه من فكره برهان ساطع يكيفه عن أبي عمرو بن العلاء؛ فمن اتصف بهذه الصفات؛ جاز له أن يخالف إجماع أهل البلدين.
ولكن هذه المخالفة مشروطة بطول البحث والتقصي والبعد عن نزوات الفكر؛ كما أنها مشروطة أيضًا بإجلال السلف؛ لأنهم القوم الذين لا نشك في أن الله
стр. 145
-سبحانه وتقدست أسماؤه- قد هداهم لهذا العلم الكبير وأراهم وجه الحكمة في الترجيب له والتعظيم، وجعله -ببركاتهم وعلى أيدي طاعاتهم- خادمًا للكتاب المنزل وكلام نبيه المرسل، وعونًا على فهمهما، ومعرفة ما أمر به أو نهي عنه الثقلان منهما ... انتهى.
ونلحظ في كلام ابن جني إجلاله للسابقين من أهل العلم وتوقيره لهم، ويدل على تقديره إياهم أنه، مع إباحته مخالفتهم لمن تمرس بهذا العلم وعرف أصوله وقضاياه؛ إلا أن الأولى عنده موافقة الإجماع؛ إذ ذكر أننا -مع ذلك- لا نسمح له بالإقدام على مخالفة الجماعة التي طال بحثها وتقدم نظرها إلا بعد إمعان وإتقان.
ومعنى كلام ابن جني: أن من كان خليل نفسه وأبا عمرو فكره لا يجوز له خرق إجماع أهل الكوفة والبصرة، والجرأة على مخالفة ما أجمع عليه الفريقان إلا بعد إمعان وإتقان.
وقد خرق ابن جني نفسه إجماع النحاة في مسألتين ذكر السيوطي إحداهما ولم يذكر الأخرى، وسنذكرها:
أما المسألة الأولى التي خرق فيها ابن جني إجماع النحاة: فالجر على الجوار في نحو قولهم: "هذا جحرُ ضبٍّ خربٍ"؛ فـ"خربٍ" صفة لجحرُ؛ فكان حقه الرفع؛ لأن الأصل في الصفة أن تكون تابعة للموصوف، وقد جاء قولهم: "خربٍ" مجرورًا؛ لأنه جاور مجرورًا، وأجمع العلماء على أنه من الشاذ الذي لا يقاس عليه ولا يجوز رد غيره إليه، وعلى هذا أجمع النحويون.
وخالفهم ابن جني وذهب إلى أن "خربٍ" صفة لـ"ضبٍّ"، على أن الأصل: خربٍ جحرُه؛ فـ"خربٍ" نعت سببي لـ"ضبٍّ"؛ كما هو شأن النعت السببي.
стр. 146
ولم يرتضِ المتأخرون ما ذهب إليه ابن جني؛ فوصف بعضهم ما قال ابن جني بأنه مسلك ظاهر على وجهه التكلف غير محتاج لما ارتكبه ابن جني في تخريجه من التعسف.
والمسألة الثانية التي خالف ابن جني الإجماع: ما يعود عليه الضمير في قول الشاعر:
جزى ربُّه عني عديَّ بن حاتم ... جزاءَ الكلابِ العاوياتِ وقد فعل
فقد ذهب جمهور النحويين إلى أن الضمير في ربُّه عائد على متقدم، وهذا المتقدم هو المصدر الذي دل عليه قوله جزى؛ فالتقدير: جزى ربُّ الجزاءِ عني عديَّ بن حاتم، ومنع النحويون عود الضمير إلى "عديَّ"؛ حتى لا يعود الضمير على متأخر عليه في اللفظ والرتبة.
وخرق ابن جني إجماع النحاة؛ فأجاز أن يكون الضمير المتصل بالفاعل عائدًا إلى "عدي" الواقع مفعولًا به فقال: أجمعوا على أن ليس بجائز: "ضرب غلامُه زيدًا"؛ لتقدم المضمر على مظهره لفظًا ومعنى، وقالوا في قول النابغة:
جزى ربُّه عني عديَّ بن حاتم ... ............................
........ البيت: إن الهاء عائدة على مذكور متقدم؛ كل ذلك لئلا يتقدم ضمير المفعول مضافًا إلى الفعل فيكون مقدمًا عليه لفظًا ومعنًى؛ وأما أنا -والكلام لابن جني- فأجيز أن تكون الهاء في قوله:
جزى ربُّه عني عديَّ بن حاتم ... ............................
عائدة على "عديَّ" خلافًا على الجماعة" انتهى.
ونلحظ في كلام ابن جني أنه لا يرى بأسًا بمخالفة ما أجمع عليه النحويون؛ بل يرى مخالفة الإجماع جائزة؛ لأن للإنسان أن يرتجل من المذاهب ما يدعو إليه القياس ما لم يلوِ بنص أو ينتهك حرمة شرع.
стр. 147
ومراده بالإلواء بالنص: المخالفة بالنص عن جهته وقصده، وإذا كان الإجماع عند ابن جني يجوز خرقه ومخالفته؛ فإن هناك رأيًا آخر، وهو: أن إجماع النحاة حجة ولا تجوز مخالفته.
وقد سبق إلى القول بهذا الرأي أبو العباس المبرد؛ فقد ذكر في (المقتضب): أنه لا يجوز أن يقال: جاءني الغلامُ زيدٍ، بالإضافة؛ وكذلك لا يجوز: هذه الدارُ عبدِ الله، ولا: أخذتُ الثوبَ زيدٍ.
وقد بين علة امتناع ذلك بقوله: وقد أجمع النحويون على أن هذا لا يجوز، وإجماعهم حجة على من خالفه منهم، واختار المتأخرون ما ذهب إليه المبرد؛ فعدوا الإجماع أصلًا من أصول النحو المعتبرة، ولم يجيزوا خرقه أو مخالفته أو الخروج عليه؛ ولذلك قال السيوطي بعد أن نقل كلام ابن جني: وقال غيره: إجماع النحاة على الأمور اللغوية معتبر؛ خلافًا لمن تردد فيه، وخرقه ممنوع ومن ثم رد. انتهى.
فقوله: "وقال غيره" يعني به: غير ابن جني؛ للذي تقدم من أن ابن جني يجيز خرق الإجماع ومخالفته.
وقوله: "إجماع النحاة" يقصد به نحاة البصرة والكوفة؛ لأنهم هم المعنيون في باب الإجماع.
وقوله: "معتبر" أي: معمول به لا يجوز لأحد خرقه ولا عبرة بمن تردد فيه.
وقد أحسن الشاطبي ﵀ حين قال في (المقاصد الشافية شرح الخلاصة الكافية): "ومخالفة إجماع النحويين كمخالفة إجماع الفقهاء وإجماع الأصوليين وإجماع المحدثين، وكل علم اجتمع أربابه على مسألة منه فإجماعهم حجة ومخالفهم مخطئ". انتهى.
стр. 148
وقد ضرب السيوطي مثلًا يُستدل به على عدم جواز خرق الإجماع؛ فنقل عن ابن الخشاب قوله: "لو قيل: إن "مَن" في الشرط لا موضع لها من الإعراب لكان قولًا؛ إجراء لها مجرى إن الشرطية، وتلك لا موضع لها من الإعراب؛ لكن مخالفة المتقدمين لا تجوز". انتهى.
ومعنى ما قاله ابن الخشاب: أن هناك من الآراء ما يكون صحيحًا مستقيمًا عند النظر؛ ولكن يحول بينه وبين قبوله ما فيه من مخالفة المتقدمين، ومن أمثلة ذلك: "مَن" الشرطية؛ فإن لها في الإعراب محلًّا، ولو أن قائلًا قال: بأن ليس لها محل من الإعراب حملًا لها على "إنْ" الشرطية لكان قوله مستقيمًا؛ فمن القواعد المقررة في علم النحو جواز حمل الشيء على الشيء إذا أشبهه في لفظه أو معناه أو فيهما معًا، وقد أشبهت "مَن" الشرطية "إنْ" الشرطية في معناها، ومع استقامة هذا القول من جهة النظر؛ فإنه لا يجوز القول به لما فيه من مخالفة المتقدمين وخرق إجماعهم، ولما كان الإجماع معتبرًا عند غير ابن جني؛ فإنهم لم يلتفتوا لمن خالف ذلك منهم؛ بل رد المتأخرون كل ما فيه خرق لإجماع النحويين، والأمثلة على هذا الرد كثيرة نجتزئ منها بأربعة أمثلة تكشف لنا عن عناية المتأخرين بالإجماع وعده أصلًا من الأصول المعتبرة التي يعول عليها وردهم قول من خرقه أو خالفه.
ونلحظ في الأمثلة الآتية أنها تختلف عن المثال الذي ذكره ابن الخشاب في (المرتجل) ونقله عنه السيوطي في (الاقتراح)؛ لأن ما ذكره ابن الخشاب لم يقل به أحد من النحويين؛ وإنما افترضه افتراضًا؛ ليدل به على وجوب احترام ما أجمع عليه النحويون.
أما الأمثلة الآتية؛ فقد وقع فيها بالفعل خرق لإجماع النحويين:
стр. 149
المثال الأول: انقسام الكلمة إلى اسم وفعل وحرف:
أجمع العلماء على انحصار أقسام الكلمة في هذه الأقسام الثلاثة: وهي الاسم، والفعل، والحرف، وزاد أبو جعفر بن صابر قسمًا رابعًا سماه: الخالفة -وهو اسم الفعل- ولا عبرة بقوله ولا اعتداد بخلافه؛ لما فيه من خرق إجماع النحويين؛ ولذا قال السيوطي في (الأشباه والنظائر): أجمعوا -إلا من لا يعتد بخلافه- على انحصار أقسام الكلمة في ثلاثة: الاسم، والفعل، والحرف. انتهى.
والمثال الثاني: النداء بالهمزة و"يا":
ذهب جمهور النحويين إلى أن الهمزة: حرف موضوع لنداء القريب مسافة أو حكمًا، وأن "يا": حرف موضوع لنداء البعيد وإن كان يمكن أن ينادى به القريب لكثرة استعماله، ونقل ابن الخباز -المتوفى سنة سبع وثلاثين وستمائة من الهجرة- عن شيخه عمر بن أحمد بن أبي بكر -المتوفى سنة ثلاث عشرة وستمائة من الهجرة- أن الهمزة لنداء المتوسط وأن "يا" لنداء القريب.
وهذا المنقول فيه خرق لإجماع النحويين من وجهين:
الأول: دعوى أن الهمزة للمتوسط؛ وإنما هي عندهم لنداء القريب فقط.
والثاني: كون القريب لم يوضع لندائه غير "يا".
والمثال الثالث: الإخبار بالزمان عن الذات:
أجمع النحويون على أنه لا يجوز أن يكون ظرف الزمان خبرًا عن الذات؛ بل يجوز أن يكون خبرًا عن الحدث؛ فيجوز أن تقول: القيامُ يومَ الجمعة، ولا يجوز: زيدٌ يومَ الجمعة، ولم يخالف في ذلك إلا ابن الطراوة.
والمثال الرابع: المخالفة بين عطف البيان ومتبوعه:
стр. 150
أجمع النحويون على وجوب التطابق بين عطف البيان ومتبوعه، وقد أشار المتأخرون -ومنهم ابن مالك والمرادي- إلى هذا الإجماع؛ فقالوا: لا خلاف في موافقة عطف البيان متبوعه في الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث، ويتوافقان أيضًا في التعريف والتنكير، وتخالفُهُما في التعريف والتنكير ممتنع.
وقد خرق الزمخشري إجماع النحويين؛ فأجاز أن يكون عطف البيان معرفة ومتبوعه نكرة، وخرج عليه قوله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ (آل عمران: ٩٧)، فقال في (الكشاف): ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ عطف بيان لقوله: ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ ولم يرتضِ جمهور النحويين ما ذهب إليه الزمخشري، ووصفوه بمخالفة الإجماع والسهو والغلط، وبأنه لا يُلتفَت إليه.
حجيةُ إجماع العرب
سبق أن أشرنا إلى أن الإجماع في اصطلاح النحويين يراد به أحد أمرين:
أحدهما: إجماع النحاة من البصريين والكوفيين، وقد سبق الحديث عنه.
والآخر: إجماع العرب.
وإذا كان الخلاف قد وقع بين العلماء في حجية إجماع النحاة؛ فإنه ليس بين العلماء خلاف في حجية إجماع العرب؛ فإجماعهم حجة عند الجميع؛ لأن الله تعالى صان ألسنتهم عن الخطأ في التعبير وصانهم عن الإقرار على الخطأ والتغيير.
يقول السيوطي: وإجماع العرب أيضًا حجة".
وقوله: "أيضًا" معناه: أنه يرى أن إجماع النحويين حجة خلافًا لمن أسقطه من أدلة الاحتجاج، ويدل على أن هذا هو رأيه قوله في أول (الاقتراح): "وقد تحصل
стр. 151
مما ذكراه -يعني: مما ذكره ابن جني والأنباري- أربعة، وقد عقدت لها أربعة كتب". انتهى.
وقد استبعد السيوطي وقوع هذا الإجماع من العرب؛ فقال: أنى لنا بالوقوف عليه.
ومعنى ما قاله السيوطي: أن حصول إجماع العرب والظفر به شيء مستبعد؛ لا يوصل إليه إلا بمشقة عظيمة.
ومن صور إجماع العرب: ما يعرف بالإجماع السكوتي، وهو الذي عرفه السيوطي بقوله: أن يتكلم العربي بشيء ويبلغهم ويسكتون عليه، أي: وهم يسكتون عليه. انتهى.
ففي سكوت العرب عما بلغهم إجماع منهم على جوازه، وهو الإجماع المعروف عند الفقهاء بالإجماع السكوتي، وقد عده كثير من الفقهاء معتبرًا كالإجماع القولي، وقد أراد السيوطي ﵀ إثبات الإجماع السكوتي في اللغة؛ فنقل عن ابن مالك قوله في (شرح التسهيل): "استدل على جواز توسيط خبر "ما" الحجازية ونصبه بقوله الفرزدق:
فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم ... إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر
ورد المانعون بأن الفرزدق تميمي تكلم بهذا معتقدًا جوازه عند الحجازيين؛ فلم يصب.
ويجاب: بأن الفرزدق كان له أضداد من الحجازيين والتميميين، ومن مناهم أن يظفروا له بزلة يشنعون بها عليه؛ مبادرين لتخطئته، ولو جرى شيء من ذلك لنقل؛ لتوافر الدواعي على التحدث بمثل ذلك إذا اتفق؛ ففي عدم نقل ذلك عنه دليل على إجماع أضداد الحجازيين والتميميين على تصويب قوله". انتهى كلام ابن مالك.
стр. 152
ونقف في هذا النص على قضيتين تتعلق إحداهما بعلم النحو وتتعلق الأخرى بأصول النحو:
أما الأولى: فهي نصب خبر "ما" الحجازية إذا تقدم على اسمها؛ فمن المقرر في علم النحو: أنه يشترط في إعمال "ما" عمل "ليس" في لغة أهل الحجاز شروط؛ منها: بقاء الترتيب بين الناسخ واسمه وخبره بألا يتقدم خبرها على اسمها نحو: ما زيدٌ قائمًا؛ فإن تقدم الخبر على الاسم بطل إعمال "ما"؛ فيقال: ما قائمٌ زيدٌ، بالرفع، وقد أعمل الفرزدق -وهو تميمي- "ما" عمل "ليس" مع توسط الخبر بين الناسخ واسمه، وهو أمر لا يكاد يعرف -كما قال سيبويه في (الكتاب).
وتسلمنا هذه القضية النحوية إلى القضية الثانية الأصولية: وهي أن العرب الذين سمعوا الفرزدق لم ينكروا عليه هذا القول؛ فأخذ من إقرار سامعيه وعدم إنكارهم عليه أنه إجماع سكوتي تقوم به الحجة على جواز مثل هذا التركيب، وذكر بعض النحاة أنه ليس في كلام الفرزدق دليل على جواز هذا التركيب؛ لأن الفرزدق من بني تميم وهم يهملون "ما" مطلقًا، وقد أراد أن يتكلم بلغة الحجازيين -أي: بإعمال "ما"- فغفل عن شرط عملها -وهو مراعاة الترتيب- فأخطأ في التعبير، فما في كلامه خطأ لا يستدل به.
هذا حاصل ما ذكره المانعون، وقد رده ابن مالك بما سبق ذكره.
وقد ساق السيوطي كلام ابن مالك ﵀ ليستدل به على إثبات الإجماع السكوتي، وتحقيق الأمر: أن ليس فيما ذكر دليل على هذا الإجماع؛ إذ لا يلزم من سكوتهم جواز ما ذكر؛ لأن في البيت تخريجات أخرى يحسن بنا أن نذكرها إتمامًا للفائدة، وردًّا على السيوطي في دعواه:
إن قول الفرزدق: "وإذا ما مثلَهم بشر" ذكر فيه العلماء توجيهات متعددة:
стр. 153
منها: أنه لا يكاد يعرف -وهو قول سيبويه كما سبقت الإشارة إليه.
ومنها: أن "بشر" خبر و"مثلَهم" مبتدأ؛ ولكنه بني على الفتح لإبهامه مع إضافته إلى المبني؛ فهو نظير قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُون﴾ (الذاريات: ٢٣).
ومنها: أن يكون الأصل: "ما في الوجود بشرٌ مثلُهم"؛ فـ"مثلَهم" في الأصل نعت لـ"بشرٌ" و"بشرٌ" مبتدأ، والخبر محذوف وهو الجار والمجرور، ثم قدم النعت على المنعوت ونعت النكرة إذا تقدم عليها انتصب على الحال فـ"مثلَهم" حال.
وخلاصة ما سبق: أن ما ذكره ابن مالك ليس فيه دليل على إجماع العرب.
تركيبُ المذاهب
إن الحديث عن تركيب المذاهب أثر من آثار الدراسات الفقهية التي اقتبسها النحاة وأدخلوها في علم النحو، وتركيب المذاهب يشبه في أصول الفقه إحداث قول ثالث في مسألة فيها قولان، والمراد بتركيب المذاهب هنا: أن يعمد النحوي إلى الجمع بين مذهبين ليخرج مذهبًا ثالثًا.
وقد عقد له ابن جني بابًا في (الخصائص) وشبهه بتداخل اللغات.
ومن أمثلة تركيب المذاهب ما صنعه المازني في تصغير "يضع" إذا جعل علمًا لرجل؛ فمذهب يونس رد الحرف المحذوف؛ لأن الأصل فيه "يوضِع" على وزن "يفعل"؛ فحذفت الفاء لما وقعت بين عدوتيها الياء والكسرة؛ وفتحت العين لأن اللام حرف حلقي؛ فإذا أريد تصغير "يضع" علمًا؛ فإن يونس يرد الحرف المحذوف؛ إذ التصغير يرد الأشياء إلى أصولها؛ فيقول: "يويْضع"، ومذهب سيبويه عدم رد الحرف المحذوف؛ لأن الاسم استوفى ثلاثة أحرف؛ فينظر إليه سيبويه على أنه اسم ثلاثي فيقول في تصغيره: "يُضيْع".
стр. 154
ومذهب يونس في "جوارٍ" وهو في الأصل جمع "جارية" إذا جُعل علمًا لرجل منع صرفه؛ لأنه على صيغة منتهى الجموع عنده؛ فيبقيه يونس على أصله استصحابًا للأصل، وإبقاء لما كان على ما كان، وسيبويه يصرفه؛ لأن المنع إنما كان لصيغة منتهى الجموع، وقد فقدت هذه الصيغة بتصييره علمًا.
وقد ركب المازني من المذهبين -مذهب يونس ومذهب سيبويه- مذهبًا ثالثا، وهو: الصرف على مذهب سيبويه والرد على مذهب يونس؛ فاختار في تصغيره "يضع" علمًا رد المحذوف وهو مذهب يونس واختار الصرف وهو مذهب سيبويه؛ فجمع بينهما؛ فتحصل له مذهب ثالث مركب من مذهبي الرجلين.
فإذا أراد المازني تصغير "يرى" علمًا لرجل قال: رأيت "يُرَئِيًا"؛ فيرد الهمزة المحذوفة؛ لأن الأصل: "يَرأيُ"، وينونه، فرد المحذوف مذهب يونس، والصرف -أي: التنوين- مذهب سيبويه، ولو أراد يونس أن يصغر هذا الاسم لقال: "رأيت يُرئِيَ" برد الهمزة فقط وعدم التنوين؛ لأن مذهبه عدم الصرف؛ ولو أراد سيبويه أن يصغر هذا الاسم لقال: رأيت "يريًّا"، بإدغام ياء التصغير في الياء المنقلبة عن الألف وبتنوينه؛ لأن مذهبه الصرف؛ فقد عرف تركب مذهب المازني من مذهبي الرجلين.
الإجماع السكوتي وإحداث قول ثالث
إن هذا العنصر شديد الاتصال بالذي قبله؛ إذ يتناول سكوت النحاة عن أمر بلغه فلم ينكروه؛ كما يتناول إحداث قول ثالث مأخوذ من قولين.
تعريف الإجماع السكوتي:
إن الإجماع السكوتي مصطلح من مصطلحات أصول الفقه، ويراد به: أن ينطق بعض المجتهدين بحكم ويسكت الباقون عنه بعد علمهم به؛ لأن سكوتهم مجرد
стр. 155
عن الاستنكار موافقة وإن لم يصرحوا بها، وهو أحد الأدلة المعتبرة عند الفقهاء؛ فكثير من المحققين اعتبره وأجراه مجرى الإجماع القولي.
وقد انتقل هذا المصطلح من أصول الفقه إلى أصول النحو، ولم يكن أبو البقاء العكبري يعتد بالإجماع السكوتي من النحاة، ومن ثم فقد أحدث قولًا ثالثًا في مسألة نقلها عنه السيوطي ونسبها إلى كتابه (التبيين) وليس في كتاب (التبيين) المطبوع بين أيدينا شيء مما نقله السيوطي عنه؛ فلعله نقل ذلك عن نسخة خطية أخرى من الكتاب لم تصل إلينا.
وخلاصة القول في هذه المسألة: أن أبا البقاء العكبري يرى أن الضمير المتصل بـ"لولا" في نحو: لولاك، ولولاي، يجوز فيه وجهان لم يذكرهما الجمهور:
أحدهما: ألا يكون للضمير موضع من الإعراب.
والآخر: أن يكون هذا الضمير في موضع نصب.
وهذان القولان لم يسبق إليهما أحد من النحويين؛ وإنما النحويون في هذا الضمير وجهين وهما:
- أن يكون في موضع جر لأن "لولا" جارة، وهو قول جمهور البصريين.
- وذهب الأخفش والكوفيون إلى أن الضمير في موضع رفع على الأصل؛ لأن "لولا" إنما يليها المبتدأ ولا عمل لها أصلًا.
أما أبو البقاء العكبري؛ فقد أداه الاجتهاد إلى القولين الذين سبق ذكرهما، ثم أورد العكبري على نفسه سؤالًا حاصله: أن ما ذهب إليه خلاف الإجماع، والقول بما يخالف الإجماع مردود بناء على ما هو التحقيق من أنه لا يجوز خرق إجماع علماء العربية.
стр. 156
وقد أجاب العكبري عن هذا بقوله: الجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أن هذا إجماع مستفاد من السكوت؛ وذلك أنهم لم يصرحوا بالمنع من قول ثالث؛ وإنما سكتوا عنه، والإجماع: هو الإجماع على حكم الحادثة -أي: النازلة- التي يقع البحث فيها قولًا -أي: مقولًا- منصوصًا مصرحًا به.
والثاني: أن أهل العصر الواحد إذا اختلفوا على قولين جاز لمن بعدهم إحداث قول ثالث. هذا معلوم من أصول الشريعة، وأصول اللغة محمولة على أصول الشريعة. انتهى.
ومعنى ما ذكره أبو البقاء: أن الإجماع المعتد به عنده، والذي لا يجوز خرقه لا تجوز مخالفته: هو الإجماع القولي الذي لا يكتفي فيه العلماء بالسكوت؛ وإنما يكون بالقول الصريح؛ كما يفهم من كلامه أن جواز إحداث قول ثالث في مسألة ذكر العلماء فيها قولين.
وقوله: "جاز لمن بعدهم" يريد من بلغ منزلة المتقدمين ووصل إلى رتبتهم في النظر والاجتهاد؛ كأبي علي الفارسي المتوفى سنة سبع وسبعين وثلاثمائة؛ فإنه قد بلغ من الاجتهاد في علوم العربية مبلغًا عظيمًا سوغ له أن يستنبط، ومن ذلك: ما جوَّزه من إدخال الألف واللام على لفظة "كل" مع منع السابقين لذلك.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 157
الدرس: ١٢ القياس (١)
стр. 158
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثاني عشر
(القياس (١))
معنى القياس، وبيانُ مدى اعتماد النحو عليه، وعدمُ إمكانِ إنكارِه
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
معنى القياس:
عرفه أبو البركات الأنباري في كتابه (لمع الأدلة) بأن معناه في اللغة: التقدير، وهو مصدر قايست الشيء بالشيء مقايسة وقياسًا، أي: قدرته، ومنه المقياس، أي: المقدار، وقيس رمح، أي: قدر رمح، وقال: وهو في عرف العلماء -أي: في اصطلاحهم- عبارة عن: تقدير الفرع بحكم الأصل، وقيل: هو حمل فرع على أصل بعلة وإجراء حكم الأصل على الفرع، وقيل: هو إلحاق الفرع بالأصل بجامع، وقيل: هو اعتبار الشيء بالشيء بجامع، وهذه الحدود كلها متقاربة. انتهى.
وعرفه في كتابه المسمى (الإغراب في جدل الإعراب) بأنه يعني في الاصطلاح: هو حمل غير المنقول على المنقول إذا كان في معناه، كما أوضح المراد بالنقل والمنقول فقال: فأما النقل: فالكلام العربي الفصيح المنقول النقل الصحيح الخارج عن حد القلة إلى حد الكثرة. انتهى.
وأشار السيوطي إلى مكانة القياس وأهميته بالنسبة لبقية أدلة النحو فقال: وهو معظم أدلة النحو والمعول في غالب مسائله عليه؛ كما قيل: "إنما النحو قياس يُتبع"؛ فاستشهد السيوطي هنا بصدر بيت من بحر الرمل اقتطعه من قصيدة للكسائي أورد منها السيوطي في كتابه (بغية الوعاة) أحد عشر بيتًا، وهي:
أيها الطالب علمًا نافعًا ... اطلب النحو ودع عنك الطمع
إنما النحو قياس يُتبع ... وبه في كل علم يُنتفع
стр. 159
وإذا أبصر النحوَ فتًى ... مر في المنطق مرًّا فاتسع
فاتقاه كلُّ من جالسه ... من جليس ناطق أو مستمع
وإذا لم يبصر النحوَ الفتى ... هاب أن ينطق جبنًا فانقطع
فتراه ينصب الرفع وما ... كان من نصب ومن خفض رفع
يقرأ القرآن لا يعرف ما ... صرف الإعراب فيه وصنع
والذي يعرفه يقرؤه ... وإذا ما شك في حرف رجع
ناظرًا فيه وفي إعرابه ... فإذا ما عرف اللحن صدع
فهما فيه سواء عندكم ... ليست السنة منا كالبدع
كم وضيع رفع النحوُ وكم ... من شريف قد رأيناه وضع
قال السيوطي: ولهذا -يريد ولمكانة القياس في علم النحو- قيل في حده -يعني: في حد النحو-: إنه علم بمقاييس مستنبطة من استقراء كلام العرب، وقال صاحب (المستودع): كل علم فبعضه مأخوذ بالسماع والنصوص وبعضه بالاستنباط والقياس وبعضه بالانتزاع من علم آخر؛ فالفقه بعضه بالنصوص الواردة في الكتاب والسنة وبعضه بالاستنباط والقياس، والطب بعضه مستفاد من التجربة وبعضه من علوم أخر، والهيئة بعضها من علم التقدير وبعضها تجربة يشهد بها الرصد، والموسيقى جلها منتزع من علم الحساب، والنحو بعضه مسموع مأخوذ من العرب وبعضه مستنبط بالفكر والروية -وهو التعليلات- وبعضه يؤخذ من صناعة أخرى؛ كقولهم: الحرف الذي تختلس حركته في حكم المتحرك لا الساكن؛ فإنه مأخوذ من علم العروض؛ وكقولهم: الحركات أنواع: صاعد عالٍ، ومنحدر سافل، ومتوسط بينهما؛ فإنه مأخوذ من صناعة الموسيقى. انتهى ما نقله السيوطي عن صاحب كتاب (المستوفى) وهو ابن الفرخان.
стр. 160
وقبل أن نتابع السيوطي في استطراده للرد على من أنكر القياس نورد تفسيرًا لمصطلحات بعض العلوم والألفاظ المنقولة عن (المستوفى) مع التنبيه على أن السيوطي متصرف في النقل عنه:
فالهيئة: هي علم يعرف به أحوال الكواكب وجريانها ومنازلها، وعلم التقدير: هو العلم المعروف الآن بالهندسة، والرصد: هو تتبع حركات الكواكب، والاختلاس: هو الإتيان بحركة هاء الغائب كاملة من غير صلة -أي: من غير إشباع- إجراءً للوصل مجرى الوقف للضرورة الشعرية، ومن أمثلته قول مالك بن خريم الهمداني:
فإنْ يكُ غَثًّا أو سَمينا فإنَّنِي ... سَأَجعَلُ عيْنَيْهي لنفسهِ مقْنَعَا
أراد: "لنفسهي"؛ فحذف الياء ضرورة في الوصل تشبيهًا لها بها في الوقف عليها إذا قال: لنفسه، والشاعر في بيته وصف ضيفًا؛ فيقول: إنه يقدم إليه ما عنده من القراءة ويحكمه فيه ليختار أفضل ما تقع عليه عيناه؛ فيقنع بذلك.
أما الحرف الصاعد العالي فكفتحة "دعا"، والمنحدر السافل فككسرة "يرمي"، والمتوسط بينهما فكالمختلس كحرف الهاء في البيت السابق.
الردُّ على من أنكرَ القياس
اعتمد السيوطي في هذا الرد على ما ذكره أبو البركات الأنباري في كتابه (لمع الأدلة)، ومجمل هذا الرد أنه لا سبيل إلى إنكار القياس في النحو؛ لأن النحو كله قياس؛ كما تجلى في تعريف أبي علي الفارسي له ومن بعده تعريف ابن عصفور وغيرهما، بأن النحو: علم بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب؛ فمن أنكر القياس في النحو فقد أنكر النحو كله.
стр. 161
ونوضح هذا الرد في النقاط الآتية:
أولًا: إنكار القياس في النحو جريًا على إنكار جماعة له في الفقه كالظاهرية أمر محال؛ لأن إنكاره يؤدي إلى المحال؛ ولذلك لا يُعلم أحد من العلماء أنكر القياس في النحو؛ وذلك لثبوته بالدلالة القاطعة التي لا يرقى إليها شك أو تشكيك؛ فالعلماء أجمعوا على أنه إذا قال العربي: كتب زيدٌ؛ فإنه يجوز قياسًا على قوله أن يسند الفعل "كتب" إلى كل اسم مسمى تصح منه الكتابة، عربيًّا كان كعمرو وبشر، أو أعجميًّا كأزدشير، وهو اسم فارسي وممن سمي به أزدشير بن هرمز -أحد ملوك الفرس- وإلى ما لا يدخل تحت الحصر، وإثبات ما لا يدخل تحت الحصر بطريق النقل محال عادة، وإذا استحال النقل فيما ذكر كان قياسًا لا نصًّا على كل فرد فرد من تلك التراكيب غير المنحصرة في الوجود.
ثانيًا: كذلك العوامل الداخلة على الأسماء والأفعال، وهي الرافعة والناصبة والجارة للأسماء، والرافعة والناصبة والجازمة للأفعال؛ فإنه يجوز إدخال كل منها على ما لا يدخل تحت الحصر.
ونقل المسموع من ذلك عن العرب أمر متعذر؛ فإنه يتعذر في النقل دخول كل عامل من العوامل على كل ما يجوز أن يكون معمولًا له؛ ألا ترى أنه يتعذر أن يُنقل بعد عامل الرفع كل ما يجوز أن يكون مرفوعًا به، وبعد عامل النصب كل ما يجوز أن يكون منصوبًا به، وبعد عامل الجر كل ما يجوز أن يكون مجرورًا به، وبعد عامل الجزم كل ما يجوز أن يكون مجزومًا به؟! فلو لم يجز القياس واقتُصر على ما ورد في النقل من الاستعمال لبقي كثير من المعاني لا يمكن التعبير عنها لعدم النقل؛ وذلك منافٍ لحكمة وضع الألفاظ؛ فوجب أن يوضع -أي: النحو- وضعًا قياسيًّا عقليًّا -أي: مقتصرًا فيه على معرفة الأنواع دون الأفراد-
стр. 162
لا نقليًّا -أي: لا مقتصرًا فيه على التراكيب المنقولة عن العرب- لتعذر ذلك بخلاف اللغة -يعني: مفردات الألفاظ- فإنها وضعت وضعًا نقليًّا لا عقليًّا، أي: ولذلك قال ابن فارس اللغوي: وليس لنا اليوم أن نخترع، ولا أن نقول غير ما قالوه، ولا أن نقيس قياسًا لم يقيسوه؛ لأن في ذلك فساد اللغة وبطلان حقائقها. انتهى.
ومن ثم لا يجوز القياس في اللغة؛ بل يقتصر على ما ورد به النقل؛ ألا ترى أن القارورة -وهي: وعاء من الزجاج تحفظ فيه السوائل- سمي بذلك لاستقرار الشيء فيها، ولا يسمى كل مستقر فيه قارورة؛ وكذلك سميت الدار دارًا لاستدارتها، ولا يسمى كل مستدير دارًا.
وختم الأنباري هذا الرد بقوله: فلو قلنا إن النحو ثبت نقلًا لا قياسًا وعقلًا؛ لأدى ذلك إلى رفع الفرق بين اللغة والنحو، وإلى التسوية بين المقيس والمنقول، وذلك مخالف للعقول. انتهى.
حلُّ شُبَهٍ تُوردُ على القياس
ذكر أبو البركات الأنباري تحت هذا العنوان في الفصل الثاني عشر من (لمع الأدلة) ثلاث شبه واعتراضات لإمكان ورودها من المنكر للقياس، وأتبعها بذكر الجواب عليها، وقد صدر هذا الفصل بقوله: اعلم أن لمنكر القياس أن يقول: الاعتراض على ما ذكرتموه من القياس من ثلاثة أوجه:
أما مضمون الوجه الأول من الاعتراضات أو الشبه في ضوء ما ذكره أبو البركات الأنباري: فهو لو جاز حمل الشيء على الشيء بحكم الشبه -يعني: كما هو مقتضى القياس- لما كان حمل أحدهما على الآخر بأولى من صاحبه.
ومثل لذلك بمثالين يتضح من خلالهما مفهوم هذا الاعتراض:
стр. 163
أولهما: أنه ليس حمل الاسم المبني لشبه الحرف على الحرف في البناء بأولى من حمل الحرف لشبه الاسم على الاسم في الإعراب، يعني: أنكم تقولون: إن الاسم بني لشبهه بالحرف؛ فجعلتم الحرف هو الأصل في البناء وحملتم عليه الاسم بحكم ما أوردتموه من أوجه الشبه، ومع إقراركم بوجود هذه الأوجه بينهما لم تكملوا المعادلة ليكون الحرف معرَبًا حملًا له على الأصل في الإعراب وهو الاسم بحكم الشبه؛ لمنافاة ذلك للواقع اللغوي؛ فقياسكم إذًا غير مطرد.
والمثال الثاني: ليس منع الاسم من الصرف -أي: من التنوين- حملًا له على الفعل لشبهه به بأولى من تنوين الفعل حملًا له على الاسم بحكم هذا الشبه؛ ومع ذلك لا ينون الفعل مما يدل على بطلان قياسكم الاسم على الفعل.
والوجه الثاني من الاعتراضات على القياس: أنه إذا كان القياس حمل الشيء على الشيء بضرب من الشبه؛ فما من شيء يشبه شيئًا من وجه إلا يفارقه من وجه آخر؛ فإن كان وجه المشابهة يوجب الجمع -يعني: يوجب الجمع بين المقيس والمقيس عليه في الحكم ومد حكم المقيس عليه إلى المقيس- فوجه المفارقة يوجب المنع -أي: يوجب منع مد الحكم من المقيس عليه إلى المقيس- وليس مراعاة ما يوجب الجمع لوجود المشابهة بأولى من مراعاة ما يوجب المنع لوجود المفارقة.
ومن أمثلة ذلك: ما لم يسمَّ فاعله؛ فإنه وإن أشبه الفاعل من وجه فقد خالفه وفارقه من وجه آخر فإن كان وجه المشابهة يوجب القياس -أي: قياس ما لم يسمَّ فاعله على الفاعل في الأحكام التي كانت للفاعل- فإن وجه المفارقة يوجب منع القياس.
والوجه الثالث من الاعتراضات: أنهم قالوا: لو كان القياس جائزًا؛ لكان ذلك يؤدي إلى اختلاف الأحكام؛ لأن الفرع قد يأخذ شبهًا من أصلين مختلفين إذا حُمل على كل واحد
стр. 164
منهما وجد التناقض في الحكم، وذلك لا يجوز؛ مثال ذلك: "أنْ" الخفيفة المصدرية تشبه أصلين مختلفين تشبه "أنَّ" المشددة من وجه وتشبه ما المصدرية من وجه، و"أنَّ" المشددة معملة؛ فهي تنصب المبتدأ وترفع الخبر و"ما" المصدرية غير معملة؛ فلو حملنا "أنْ" الخفيفة المصدرية على "أنَّ" المشددة في العمل وعلى "ما" المصدرية في ترك العمل؛ لأدى ذلك إلى أن يكون الحرف الواحد معملًا وغير معمل في حال واحدة، وذلك محال.
وبعد انتهائه من الاعتراضات الثلاثة السابقة أورد الأجوبة عليها على النحو الآتي:
أما قولهم في الوجه الأول: "إنه لو جاز حمل الشيء على الشيء بحكم الشبه؛ لما كان حمل أحدهما على الآخر بأولى من صاحبه"؛ فظاهر الفساد؛ وذلك لأن الاعتبار في كون أحدهما محمولًا على الآخر أن يكون المحمول خارجًا عن أصله إلى شبه المحمول عليه، أي: أن يكون المقيس خارجًا عما هو الأصل في بابه إلى شبه المقيس عليه؛ فالمحمول -وهو المقيس- صار أضعف لخروجه عن أصل بابه إلى شبه المحمول عليه وهو المقيس عليه؛ والمحمول عليه أقوى؛ لأنه باقٍ على أصله ولم يخرج إلى شبه المحمول؛ فلما وجب حمل أحدهما على الآخر كان حمل الأضعف على الأقوى أولى من حمل الأقوى على الأضعف.
وعلى هذا الاعتبار يخرج ما ذكرتموه من حمل الاسم على الحرف في البناء دون حمل الحرف على الاسم في الإعراب.
وبيان ذلك: أن الاسم لما خرج عما هو الأصل في بابه وهو الإعراب ضعُف في بابه؛ في حين أن الحرف لم يخرج عما هو الأصل في بابه -وهو البناء- فلم يضعف؛ فكان حمل الاسم على الحرف في البناء لضعفه في بابه ونقله عن أصله
стр. 165
أولى من حمل الحرف على الاسم في الإعراب؛ لقوته في بابه وعدم نقله عن أصله.
وينطبق هذا الاعتبار كذلك على ما لا ينصرف؛ فالاسم لما خرج عن أصله إلى شبه الفعل لوجود علتين فيه من العلل التسع التي يجمعها بيتان من الشعر، وهما:
جمع ووصف وتأنيث ومعرفة ... وعُجمة ثم عدل ثم تركيبُ
والنون زائدةٌ من قبلها ألفٌ ... ووزنُ فعلٍ وهذا القول تقريبُ
وهاتان العلتان إحداهما ترجع إلى اللفظ والأخرى ترجع إلى المعنى؛ أو لوجود علة واحدة تقوم مقام العلتين، لما خرج الاسم عن أصله وأشبه الفعل في ذلك؛ ضعُف في بابه، والفعل لما لم يخرج عن أصله قوي في بابه؛ فلما وجب حمل أحدهما على الآخر كان حمل الاسم على الفعل في عدم التنوين لضعفه في بابه وخروجه عن أصله أولى من حمل الفعل على الاسم في دخول التنوين؛ لقوته في بابه وعدم نقله عن أصله.
ولا خلاف في أنه ليس الأصل في الاسم أن يكون فيه علة من هذه العلل التسع؛ لأنها كلها فروع كما أن الفعل فرع، فإذا اجتمع منها علتان في اسم؛ علمنا أنه قد خرج إلى شبه الفعل.
وقد أوضح الأنباري في كتابه (أسرار العربية) معنى كون العلل التسع المذكورة فرعًا فقال: فإن قيل: ومن أين كانت هذه العلل فروعًا؟ قيل: لأن وزن الفعل فرع على وزن الاسم، والوصف فرع على الموصوف، والتأنيث فرع على التذكير، والألف والنون الزائدتان فرع؛ لأنهما تجريان مجرى علامة التأنيث في امتناع دخول علامة التأنيث عليهما، والتعريف فرع على التنكير، والعجمة فرع
стр. 166
على العربية، والجمع فرع على الواحد والعدل فرع؛ لأنه متعلق بالمعدول عنه، والتركيب فرع على الإفراد؛ فهذا وجه كونها فروعًا. انتهى.
قال الأنباري في (لمع الأدلة) رادًّا على الاعتراض الثاني: وأما قولكم في الوجه الثاني: إن القياس حمل الشيء على الشيء بضرب من الشبه وما من شيء يشبه شيئًا من وجه إلا يفارقه من وجه آخر؛ فإن كان وجه المشابهة يوجب الجمع فوجه المفارقة يوجب المنع؛ فظاهر الفساد أيضًا.
وأوضح الأنباري سبب فساد هذا الاعتراض: وهو أنه إنما يجب القياس عند اجتماع المقيس مع المقيس عليه في معنًى خاصٍّ -وهو معنى الحكم أو ما يوجب غلبة الظن- والافتراق في ما عدا ذلك لا يؤثر في جواز الجمع، وبناء عليه؛ يخرَّج ما مثلتم به وهو قياس ما لم يسمَّ فاعله على الفاعل في الرفع؛ فإنه وإن كان يشابهه من وجه ويفارقه من وجه؛ إلا أن الوجه الذي يوجب القياس من المشابهة أولى من الوجه الذي يمنع من جواز القياس من المفارقة؛ لأن المعنى الموجب للقياس من المشابهة: هو الإسناد، وهو المعنى الخاص الذي هو معنى الحكم في الأصل، وأما المعنى الموجب لمنع القياس من المفارقة؛ فليس بمعنى الحكم ولا أثر له فيه بحال؛ فلهذا كان القياس أولى من منعه.
وأبطل الأنباري الاعتراض الثالث الذي يتضمن تأدية القياس إلى تناقض الأحكام بأنه ظاهر الفساد كسابقيه؛ لأن المقيس لا يلحق بكلا المشبه بهما المختلفين، وإنما يلحق بأقواهما وأكثرهما شبهًا، ومن هنا؛ فإن "أنْ" الخفيفة المصدرية تلحق بـ"أنَّ" المشددة المصدرية لا بـ"ما" المصدرية؛ لأن الأولى أكثر شبهًا بها من الثانية لمشابهتها لها لفظًا ومعنًى دون الثانية التي تشبهها معنى فقط.
стр. 167
أركانُه القياس وشروطه
الركن الأول من أركان القياس الأربعة: الأصل المقيس عليه، ومن شرطه ألا يكون شاذًّا:
ذكر السيوطي أن للقياس أربعة أركان: وهي أصل -وهو المقيس عليه- وفرع -وهو المقيس- وحكم، وعلة جامعة.
ومثل لذلك بمثال نقله عن أبي البركات الأنباري: وهو أن تركب قياسًا في الدلالة على رفع ما لم يسمَّ فاعله -أي: الدلالة على رفع نائب الفاعل- فتقول: اسم أسند الفعل إليه مقدمًا عليه؛ فوجب أن يكون مرفوعًا، قياسًا على الفاعل؛ فالأصل المقيس عليه هو الفاعل، والفرع المقيس هو ما لم يسمَّ فاعله -أي: نائب الفاعل- والحكم الذي امتد من الأصل إلى الفرع هو الرفع، والعلة الجامعة هي الإسناد، والأصل في الحكم -وهو الرفع هنا-: أن يكون للأصل الذي هو في هذه المسألة الفاعل؛ وإنما أجري على الفرع الذي هو نائبه، أي: امتد إليه بالعلة الجامعة التي هي الإسناد.
وقد عقد السيوطي لهذه الأركان الأربعة أربعة فصول أولها: في الأصل المقيس عليه، وذكر أن من شرط المقيس عليه ألا يكون شاذًّا -أي: خارجًا- عن سنن القياس -أي: عن طريقه ونهجه- فإن خرج عن نهج القياس؛ فإنه لا يقاس عليه وإن لم يكن مردودًا في نفسه عند البلغاء لورود السماع به؛ فهو يُحفظ ولا يقاس عليه، ومن أمثلة هذا الشاذ تصحيح عين الأفعال: استحوذ، واستصوب، واستنوق، مع استحقاقها بمقتضى القياس أن تُعل -أعني: أن تغير، كما سبق بيانه- وكحذف نون التوكيد في قول الشاعر:
стр. 168
اضرب عنك الهمومَ طارقَها ... ضربك بالسوط قونَسَ الفرسِ
قونس الفرس: هو العظم الناتئ بين أذني الفرس، وأصل الكلام: اضربن عنك -بنون توكيد خفيفة ساكنة- وفعل الأمر يبنى مع نون التوكيد على الفتح، وقد حذف الشاعر نون التوكيد وهو ينويها؛ فلذلك أبقى الفعل مبنيًّا على الفتح كما كان عليه وهو مقرون بها؛ لتكون هذه الفتحة مشيرة إلى النون المحذوفة ودليلًا عليها، وهذا الحذف شاذ؛ لأن نون التوكيد الخفيفة لا تحذف إذا وليها حرف متحرك كالبيت المذكور، ووجه ضعفه في القياس: أن الغرض من التوكيد التحقيق؛ وإنما يليق به الإسهاب والإطناب لا الاختصار والحذف؛ وإنما تحذف نون التوكيد الخفيفة إذا وليها حرف ساكن؛ كقول الأضبط بن قريع السعدي:
لا تهينَ الفقير علك أن ... تركع يومًا والدهر قد رفعه
والأصل: "لا تهينن" بنونين؛ أولاهما: لام الكلمة، والثانية: نون التوكيد الخفيفة؛ فحذف الشاعر نون التوكيد لالتقاء الساكنين: نون التوكيد الخفيفة، ولام "أل" بعدها، وأبقى الفتحة قبلها -أي: قبل نون التوكيد- دليلًا عليها.
ومن الخروج عن سنن القياس: حذف صلة الضمير دون الضمة وهو المسمى بالاختلاس؛ كقول الشماخ يصف حمار وحش هائجًا:
له زجلٌ كأنهُ صوتُ حادٍ ... إذا طلب الوسيقةَ أو زميرُ
يقول: إذا طلب وسيقته -وهي أنثاه- صوَّت بها في تطريب وترجيع؛ كالحادي يتغنى بالإبل، أو كأن صوته مزمار، وشاهده "كأنه" أصلها: "كأنهو" بالمد؛ فحذف الصلة وأبقى الضمة مُنَزَّلةً منزِلَةً بين منزلتي الوصف والوقف، وهو أمر لم يُعهد في القياس ... نعم؛ يجوز القياس على ما استُعمل للضرورة في الضرورة؛ تطبيقًا لمقولة أبي علي الفارسي؛ كما جاز لنا أن نقيس منثورنا على منثورهم؛ كذلك يجوز أن نقيس شعرنا على شعرهم ... انتهى.
стр. 169
ونفى ابن جني أن يكون الشعراء المحتج بشعرهم كانت ضرورتهم أقوى من ضرورتنا، وكان عذرهم فيه أوسع من عذرنا، اعتمادًا على أنهم كانوا يرتجلون الشعر ارتجالًا من غير تمهل وترفق فيه ومراجعة له كما يفعل الشعراء المولدون.
وأوضح أن الشعراء المحتج بشعرهم ليس جميع شعرهم مرتجلًا؛ بل كان منهم من يترسَّل ويتمهَّل كالشعراء المولدين، ومن هؤلاء: زهير بن أبي سلمى، ومروان بن أبي حفصة؛ كما أن من المولدين من يرتجل -أي: فتساوى الآخرون بالأولين- وكما لا يقاس على الشاذ نطقًا لا يقاس عليه تركًا؛ فقد أوضح ابن جني أنه إذا كان الشيء شاذًّا في السماع مطردًا في القياس تحاميت -أي: تجنبت- ما تحامت العرب من ذلك وجريت في نظيره على الواجب في أمثاله.
ومثَّل لذلك بترك استعمال ماضي الفعلين "يذر"، و"يدع"؛ فلا يقال: "وذر" أو "ودع" لترك العرب إياهما استغناء عنهما بـ"ترك"، ولا مانع من استعمال نظيرهما المطِّرد في الاستعمال والقياس كـ"وزن" و"وعد" وإن لم تسمع أنت هذا النظير؛ فالشذوذ في الترك والنطق مقصور على محله لا يتجاوز لغيره.
جوازُ القياس على القليل
ذكر السيوطي أنه ليس من شرط المقيس عليه: الكثرة؛ فقد يقاس على القليل لموافقته للقياس، ويمتنع على الكثير لمخالفته له، وما أورده السيوطي هنا منقول عن (الخصائص) ذكره ابن جني تحت عنوان: باب في جواز القياس على ما لا يقل ورفضه فيما هو أكثر.
ومن أمثلة القياس على القليل الموافق للقياس: قولهم في النسب إلى شنوءة: شنأيٌّ، ولم يرد في النسب إلى فعولة غير هذه الكلمة؛ فهي بذلك تعد كل
стр. 170
المسموع في النسب إلى هذا الوزن؛ فلك أن تقيس عليها ما لم يسمع فتقول في النسب إلى ركوبة -وهي ما يركب من الدواب-: ركبيٌّ، وإلى حلوبة -وهي الناقة المعدة للحلب-: حلبيٌّ، وإلى "قتوبة" وهي الناقة التي يوضع عليها القتب -وهو الرحل الصغير الذي يجلس عليه الراكب-: قتبِيٌّ قياسًا على "شنأيّ" إجراء لما كان على وزن فعولة مجرى ما كان على وزن فعيلة؛ لمشابهته إياه من أربعة أوجه:
- فكلاهما ثلاثي -أي: مكون من ثلاثة أحرف- وثالثه حرف لين وآخره تاء تأنيث، ويتواردان على معنى واحد -أي: يأتي أحدهما مكان الآخر- نحو أثيم وأثوم، ورحيم ورحوم، ومشِيٌّ ومشوٌّ، والأصل فيهما: مشييٌ ومشويٌ، ونهيٌّ عن الشيء ونهوٌّ، والأصل فيهما: نهييٌ ونهويٌ، فلما استمرت حال فعيلة وفعولة هذا الاستمرار؛ جرت واو شنوءة مجرى ياء حنيفة؛ فكما قالوا "حنفيٌّ" قياسًا قالوا "شنأيٌّ" أيضًا قياسًا، قال ابن جني: قال أبو الحسن -يعني: الأخفش-: فإن قلت: إنما جاء هذا في حرف واحد -يعني: في كلمة واحدة وهي كلمة شنوءة- قال: فإنه جميع ما جاء.
وعلق ابن جني على رد الأخفش مبديًا إعجابه بهذا الرد قائلًا: وما ألطف هذا القول من أبي الحسن! وتفسيره أن الذي جاء في فعولة هو هذا الحرف، والقياس قابله ولم يأتِ فيه شيء ينقضه، فإذا قاس الإنسان على جميع ما جاء وكان أيضًا صحيحًا في القياس مقبولًا؛ فلا غرو ولا ملام. انتهى.
والمعنى: أنهم عدوا كلمة: شنأيٌّ، هو كل ما سمع عن العرب في النسب إلى الكلمة التي على وزن فعولة؛ فهي كل المسموع أو كل المنقول وكل الوارد عن
стр. 171
العرب، وهو في الوقت نفسه موافق للقياس؛ فلا مانع من القياس عليه، ويعد هذا القياس صحيحًا مقبولًا؛ فلا غرو ولا ملام على القائل به.
ومن أمثلة ما لا يجوز القياس عليه مع كونه واردًا عن العرب أكثر من "شنأيّ" لمخالفته للقياس: قولهم في النسب إلى ثقيف وقريش وسليم: ثَقَفيٌّ وقُرشِيٌّ وسلَميٌّ، قال ابن جني: فهذا، وإن كان أكثر من شنأيّ؛ فإنه عند سيبويه ضعيف في القياس؛ فلا يجوز على هذا في سعيد: سعَديٌّ، ولا في كريم: كرَمِيٌّ. انتهى.
وابن جني أشار بما سبق إلى ما ذكره سيبويه في (الكتاب) نقلًا عن شيخه الخليل: أن كل شيء عدلته العرب -أي: حادت به ورجعت به عن طريق القياس- تركته على ما عدلته عليه العرب.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 172
الدرس: ١٣ القياس (٢)
стр. 173
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثالث عشر
(القياس (٢))
حملُ فرعٍ على أصلٍ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فقبل أن نبدأ الحديث عن هذه العناصر نشير إلى أن السيوطي ﵀ قد افتتح هذه المسألة بقوله: "القياس في العربية على أربعة أقسام".
ومعنى ما ذكره السيوطي: أن هذه الأقسام الأربعة هي أقسام القياس باعتبار المقيس والمقيس عليه؛ لأن للقياس أقسامًا مختلفة باعتبارات متعددة؛ وإنما كانت أقسام القياس أربعة باعتبار المقيس والمقيس عليه، بدليل الاستقراء.
حمل فرع على أصل:
إن المراد بحمل فرع على أصل: أن يأخذ المقيس حكم المقيس عليه؛ لأنه أصله؛ فالمقيس عليه هو الأصل، والمقيس هو الفرع، وللأصل حكم؛ فيأخذ الفرع حكم أصله.
وقد ذكر السيوطي أن هذا النوع من القياس يسمى قياس المساوِي؛ وإنما سمي بذلك لأنه قد حصلت فيه المساواة بين الأصل المقيس عليه والفرع المقيس؛ فكان حكمهما واحدًا.
ومن أمثلته: إعلال الجمع وتصحيحه حملًا على المفرد في ذلك؛ كقولهم: قِيَم ودِيَم، في جمع قيمة وديمة، وقولهم: زِوَجة وثِوَرة، في جمع زوج وثور؛ لأن الجمع تابع لمفرده في صحته وإعلاله؛ فإذا كان المفرد معلًّا كان الجمع مثله؛ وإذا كان المفرد صحيحًا كان الجمع مثله كذلك؛ فكلمة: "قِيَم" الأصل فيها "قِوَم" بالواو لا بالياء؛ لأنها من التقويم، وكلمة "دِيَم" الأصل أن يقال فيها "دِوَم" بالواو؛ لأنها من الدوام؛ ولكن أبدلت الواو فيهما ياءً لأنها وقعت عينًا لجمع
стр. 174
صحيح اللام وقبلها كسرة، وكانت في المفردة معلة -أي: مغيرة- فمفرد قيم: قيمة، ومفرد ديم: ديمة، والأصل في المفردين: قِوْمة ودِوْمة.
وقد أعلت الواو في المفرد الذي هو أصل الجمع -أي: أبدلت ياء- لسكونها إثر كسرة؛ فأعلت في الجمع -وهو الفرع- حملًا للفرع على الأصل؛ فإذا كانت الواو صحيحة في المفرد وجب تصحيحها في الجمع، نحو قولهم: "زِوَجة" فإنه جمع "زوج"؛ ولم تقلب الواو في الجمع لسلامتها في المفرد، وكذلك قالوا: "ثِوَرة" في جمع "ثور"؛ ولم يعلوا الواو في الجمع لسلامتها في المفرد أيضًا.
والخلاصة: أن الفرع يحمل على الأصل في صحته وإعلاله؛ فإذا كان الأصل صحيحًا كان الفرع صحيحًا؛ وإذا كان الأصل معلًّا كان الفرع معلًّا، ويلاحظ أن المفرد هو أصل الجمع لأنه أسبق منه.
حملُ أصلٍ على فرعٍ
إن المراد بحمل أصل على فرع: هو أن يثبت الحكم للفرع ثم يحمل الأصل عليه، وهو عكس النوع الأول، وقد أفرد ابن جني لهذا القسم من القياس بابًا في (الخصائص) عنوانه: باب من غلبة الفروع على الأصول، ومعناه: تشبيه الأصل بالفرع وحمله عليه، وعليه وعلى غيره اعتمد السيوطي في كتاب (الاقتراح)، وذكر أن هذا القسم من القياس يسمى قياس الأولى؛ لأنه إذا ثبت الحكم للفرع فالأصل أولى به، والأمثلة التي حُمِل فيها الأصل على فرعه كثيرة ذكر السيوطي منها ما يلي:
المثال الأول: حمل المصدر على الفعل في الصحة والإعلال، والمصدر أصل للفعل على الرأي الراجح والمذهب المختار، ومع كون المصدر أصلًا والفعل فرعًا
стр. 175
عنه؛ فالمصدر يحمل على الفعل في صحته وإعلاله؛ فيصح إذا كان الفعل صحيحًا ويعل إذا كان الفعل معلًّا.
ومن أمثلة ذلك: إعلال المصدر لإعلال فعله وتصحيحه لصحته؛ كقمت قيامًا، وقاومت قِوامًا، وبيان ذلك أنهم لما أعلوا الفعل في الجملة الأولى -وهو قام من قمت- أعلوا مصدره -وهو قيام- حملًا عليه؛ فإن الأصل في الفعل أن يكون "قوَم"؛ تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا، والأصل في المصدر أن يكون بلفظ "قِوام"؛ لكن وقعت الواو عينًا لمصدر فعل أعلت في فعله، وقبلها كسرة وبعدها ألف؛ فقلبت ياءً.
فنلحظ أن المصدر قد أعلت عينه لما كانت عين الفعل معلة، وإن اختلف وجه الإعلال؛ فلما صححوا عين الفعل في الجملة الثانية وقالوا: قاوم من قاومت؛ صححوا عين المصدر حملًا عليه؛ فقالوا: قوامٌ؛ فسلمت العين في المصدر لسلامتها في الفعل؛ فالمصدر في الحالتين محمول على الفعل؛ فهو من باب حمل الأصل على الفرع.
والمثال الثاني من أمثلة هذا النوع من الحمل: حمل الحرف على الحركة في الحذف عند الجزم، فقد نقل السيوطي عن ابن جني قوله: ومن حمل الأصل على الفرع حذف الحروف للجزم -وهي أصول- حملًا على حذف الحركات له وهي زوائد. انتهى.
والمراد بالحروف التي تحذف للجزم: أحرف العلة الثلاثة التي ينتهي بها الفعل المضارع، وهي: الألف، والواو، والياء، وحرف النون في الأمثلة الخمسة؛ فإنها تحذف عند الجزم حملًا لها على حذف الحركات، والحروف أصل لقوتها والحركات فروع عن الحروف.
стр. 176
والمثال الثالث من أمثلة هذا النوع من الحمل كذلك: حمل الاسم على الفعل في منع الصرف، وقد ذكر السيوطي هذا المثال نقلًا عن ابن جني، ومعناه: أن الاسم أصل والفعل فرع عنه؛ وإنما كان الاسم هو الأصل والفعل هو الفرع؛ لأن الفعل مشتق ومأخوذ من أحد أنواع الاسم -وهو المصدر- ومع كون الاسم أصلًا للفعل؛ فقد حمل الأصل -وهو الاسم- على الفرع -وهو الفعل- فمُنع الاسم من الصرف عند مشابهته للفعل في وجود علتين: إحداهما راجعة إلى اللفظ، والأخرى راجعة إلى المعنى، أو عند وجود علة واحدة تقوم مقام العلتين؛ فلما حُمل الاسم على الفعل كان ذلك من حمل الأصل على الفرع.
والمثال الرابع من أمثلة هذا النوع من الحمل أيضًا: حمل الاسم على الحرف في البناء، فمعلوم أن مرتبة الحرف دون مرتبة الاسم؛ لأن الحروف موضوع للربط بين الاسم والفعل، ومع كون الاسم أصلًا والحرف فرعًا حُمل الاسم على الحرف؛ فبني عند قيام الشبه بين الاسم والحرف.
والمثال الخامس من أمثلة هذا النوع من الحمل كذلك: حمل الفعل على الحرف في عدم التصرف، ومثاله الذي ذكره ابن جني ونقله السيوطي عنه هو حمل "ليس" و"عسى" في عدم التصرف على "ما" و"لعل" كما حملت "ما" على "ليس" في العمل؛ فإن "ليس" و"عسى" فعلان على الرأي الراجح، وقد منعا التصرف أي: لا يصاغ منهما غير الماضي؛ فلا يبنى من "ليس" مضارع ولا اسم باتفاق النحويين كما لا يبنى من "عسى" مضارع ولا اسم على الرأي الأصح؛ وإنما منعا التصرف حملًا لـ"ليس" على "ما" لأنهما بمعنى واحد وهو النفي وحملًا "لعسى" على "لعل"؛ لأنهما بمعنى الترجي.
والمثال السادس من أمثلته أيضًا: حمل العطف على التثنية، فالعطف أصل والتثنية فرع، ويشترط في عطف الفعل على الفعل: اتحاد الزمان، وإن اختلفت الصيغ؛ فيجوز عطف
стр. 177
الماضي على المضارع إن أريد بالمضارع معنى الماضي أو بالماضي معنى المستقبل؛ وأما إذا اختلف زمانهما فلا يجوز عطف أحدهما على الآخر، وقد ذهب أبو حيان إلى أن هذا من حمل الأصل وهو العطف على الفرع وهو التثنية؛ وإنما كان العطف هو الأصل لأن المثنى يغني عن المتعاطفين.
وذكر أبو حيان ما يشير إلى أنه يمكن ألا تكون هذه المسألة من باب حمل الفرع على الأصل إذا قيل: إن العطف في الفعل نظير التثنية في الاسم -أي: لعدم قبول الفعل للتثنية.
ونختم الحديث بمثال سابع ذكره السيوطي نقلًا عن ابن جني وجعله في مقدمة الأمثلة التي يستدل بها على حمل الأصل على الفرع، وقد أرجأناه لما يمتاز به من شرح وبيان بذكر أشباه له ونظائر، وهذا المثال ذكره ابن جني في (الخصائص)؛ فأوضح أن سيبويه أجاز في جر "الوجه" من قولك: هذا الحسنُ الوجهِ، أن يكون من موضعين: أحدهما بإضافة الحسن إليه، والآخر تشبيهه بالضارب الرجل، مع أنه من المعلوم أن الجر في الرجل من قولك: هذا الضاربُ الرجلِ؛ إنما جاءه وأتاه من جهة تشبيههم إياه بالحسن الوجه؛ لكن لما اطَّرد الجر في نحو: هذا الضاربُ الرجلِ والشاتمُ الغلامِ، صار كأنه أصل في بابه حتى دعا ذلك سيبويه إلى أن عاد فشبه "الحسن الوجه" بـ"الضارب الرجل" من الجهة التي إنما صحت للضارب الرجل تشبيهًا بالحسن الوجه.
وهذا يدلك على تمكن الفروع عندهم؛ حتى إن أصولها التي أعطتها حكمًا من أحكامها قد حارت -أي: رجعت- فاستعادت من فروعها ما كانت هي أدته إليها، وجعلته عطية منها لها، وجعل ابن جني ذلك من حملهم الأصل على الفرع فيما كان الفرع قد أفاده من الأصل.
стр. 178
وقال ابن جني أيضًا في (الخصائص): وهذا المعنى عينه قد استعمله النحويون في صناعتهم؛ فشبهوا الأصل بالفرع في المعنى الذي أفاده ذلك الفرع من الأصل، وأعاد ابن جني ذكر حمل "الحسن الوجه" على "الضارب الرجل" مع كون الجر في "الحسن الوجه" هو الأصل، وابن جني يشير فيما تقدم إلى عبارة سيبويه في (الكتاب) في باب الصفة المشبهة، بعد ذكره: أنك كما تقول: الضاربُ زيدًا تقول: هو الحسنُ الوجهَ، أي بنصب معمول الصفة المشبهة المقترنة بـ"أل" إذا كان المعمول معرفة على التشبيه بالمفعول به.
قال: وقد يجوز في هذا أن تقول: هو الحسنُ الوجهِ على قوله: هو الضارب الرجل؛ فالجر في هذا الباب من وجهين: من الباب الذي هو له وهو الإضافة، ومن إعمال الفعل ثم يستخف فيضاف. انتهى.
ومعنى ما ذكره سيبويه وابن جني: أن الأصل في قولنا: هذا الحسنُ الوجهِ: جر "الوجه"، والأصل في قولنا: هذا الضاربُ الرجلَ: نصب الرجل، إلا أن كلًّا منهما قد حمل على صاحبه؛ فجاز في "الحسن الوجهِ" أن يكون منصوبًا حملًا على "الضارب الرجلَ" وجاز في "الضارب الرجلَ" أن يكون مجرورًا حملًا على "الحسن الوجهِ"؛ وإنما جاز الأمران لأن العرب إذا شبهت شيئًا بشيء فحملته على حكمه؛ عادت أيضًا فحملت الآخر على حكم صاحبه تثبيتًا لهما وتتميمًا لمعنى الشبه بينهما وتمكينًا لهما وإظهارًا لأثر المماثلة بين المشبه والمشبه به.
والأمثلة على ذلك متعددة، وقد ذكر السيوطي لنا ستة أمثلة نوردها بحسب ترتيب ورودها في (الاقتراح) وهي:
المثال الأول: تشبيه الفعل المضارع باسم الفاعل، وتشبيه اسم الفاعل بالفعل المضارع. وبيان ذلك: أنه سمي الفعل المضارع مضارعًا لأنه ضارع اسم الفاعل
стр. 179
-أي: شابهه، كما سبق أن ذكرنا- ولما كان الفعل المضارع شبيهًا باسم الفاعل خالف بقية الأفعال وأعرب، والأصل في الأفعال البناء، وعكس العرب الأمر؛ فشبهوا اسم الفاعل بالفعل في الدلالة على التجدد والحدوث، وأعملوه عمل الفعل تتميمًا للمشابهة بينهما.
والمثال الثاني: تشبيه الوقف بالوصل وتشبيه الوصل بالوقف؛ فإذا كانت الكلمة مختومة بتاء؛ فإن الأصل إبقاء التاء عند الوصل وإبدالها هاء عند الوقف، وهي اللغة الفصحى، وبعض العرب يقف على التاء وسمع بعضهم يقول: يا أهل سورة البقرتْ، فقال بعض من سمعه: والله ما أحفظ منها آيتْ؛ فكان الوقف بالتاء.
كما يكون الوصل بالتاء: ومن ذلك قولهم ﵇ والرحمتْ، بالتاء من غير إبدالها هاء، وقول الراجز: الله نجاك بكفي مسلمتْ، أي: مسلمة. ولما فعلوا ذلك عكسوا الأمر؛ فشبهوا الوصل بالوقف فقالوا: سبسبا وكلكلا، بلا تنوين والأصل تنوينه؛ ولكنهم شبهوه بالوقف، والسبسب: هو المفازة أو الأرض المستوية البعيدة، والكلكل: هو الصدر.
والمثال الثالث: إجراء غير اللازم مجرى اللازم، وإجراء اللازم مجرى غيره؛ فمن إجراء غير اللازم مجرى اللازم: تسكين الهاء من الضمير "هي" بعد همزة الاستفهام في قول الفرزدق:
فقمت للضيف مرتاعًا فأرقني ... فقلت أهْيَ سرت أم عادني حلم
فقد قل سكون الهاء من الضمير بعد همزة الاستفهام؛ ولكن الشاعر أجرى السكون غير اللازم مجرى اللازم فنطق به، ومن ذلك قول الآخر:
ومن يتَّقْفَ إن الله معه ... ورزق الله مؤتاب وغادي
стр. 180
مؤتاب: أي راجع.
وقد أجرى الشاعر في البيت "تقِف" مجرى "علِم" حتى صار: تقْف كعلم، ولما أجرى العرب غير اللازم مجرى اللازم أجروا اللازم مجرى غيره أيضًا في قراءة: "على أن يحيِي الموتى" (القيامة: ٤٠) بإسقاط حركة النصب في الفعل المضارع بعد "أنْ" المصدرية الناصبة إجراء للنصب مجرى الرفع الذي لا يلزم فيه الحركة.
والمثال الرابع: حمل النصب على الجر وحمل الجر على النصب، فقد حمل العرب النصب على الجر في المثنى وجمع المذكر السالم؛ لأن الجر فيهما جاء على أصل إعراب الحروف، وهو الجر بالياء، وحُمِل النصب على الجر؛ فكان النصب بالياء أيضًا، ثم حملوا الجر على النصب في باب الممنوع من الصرف فكان مجرورًا بالفتحة، وجره بالفتحة خلاف الأصل؛ ولكنه محمول على نصبه.
والمثال الخامس: تشبيه الياء بالألف وتشبيه الألف بالياء، فمن المعلوم أن الألف لا تظهر عليها علامات الإعراب، وأن الياء تقدر عليها الضمة والكسرة وتظهر عليها الفتحة؛ فتقول: رأيت القاضيَ، وأكرمت الداعيَ.
وقد شبهت العرب الياء بالألف في تقدير الفتحة عليها؛ فقال الشاعر:
كأن أيديهن بالقاع القَرِق ... أيدي جوارٍ يتعاطين الوَرِق
وصف الراجز إبلًا بسرعة السير، والقَرِق: المكان الأملس المستوي الذي لا حجارة فيه، والوَرِق: الدراهم.
والراجز قدر الفتحة على الياء من "أيديهن" والنصب في مثله يظهر لخفته؛ إلا أن الراجز قدره إجراءً للياء مجرى الألف.
وكما شبهوا الياء بالألف في تقدير الفتحة عليها شبهوا الألف بالياء في تقدير السكون عليها؛ وذلك في قوله:
следующие страницы →