← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 11199

أصول النحو 1 - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (308 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

والمثال الثالث من أمثلة هذا النوع من الحمل كذلك: حمل الاسم على الفعل في منع الصرف، وقد ذكر السيوطي هذا المثال نقلًا عن ابن جني، ومعناه: أن الاسم أصل والفعل فرع عنه؛ وإنما كان الاسم هو الأصل والفعل هو الفرع؛ لأن الفعل مشتق ومأخوذ من أحد أنواع الاسم -وهو المصدر- ومع كون الاسم أصلًا للفعل؛ فقد حمل الأصل -وهو الاسم- على الفرع -وهو الفعل- فمُنع الاسم من الصرف عند مشابهته للفعل في وجود علتين: إحداهما راجعة إلى اللفظ، والأخرى راجعة إلى المعنى، أو عند وجود علة واحدة تقوم مقام العلتين؛ فلما حُمل الاسم على الفعل كان ذلك من حمل الأصل على الفرع. والمثال الرابع من أمثلة هذا النوع من الحمل أيضًا: حمل الاسم على الحرف في البناء، فمعلوم أن مرتبة الحرف دون مرتبة الاسم؛ لأن الحروف موضوع للربط بين الاسم والفعل، ومع كون الاسم أصلًا والحرف فرعًا حُمل الاسم على الحرف؛ فبني عند قيام الشبه بين الاسم والحرف. والمثال الخامس من أمثلة هذا النوع من الحمل كذلك: حمل الفعل على الحرف في عدم التصرف، ومثاله الذي ذكره ابن جني ونقله السيوطي عنه هو حمل "ليس" و"عسى" في عدم التصرف على "ما" و"لعل" كما حملت "ما" على "ليس" في العمل؛ فإن "ليس" و"عسى" فعلان على الرأي الراجح، وقد منعا التصرف أي: لا يصاغ منهما غير الماضي؛ فلا يبنى من "ليس" مضارع ولا اسم باتفاق النحويين كما لا يبنى من "عسى" مضارع ولا اسم على الرأي الأصح؛ وإنما منعا التصرف حملًا لـ"ليس" على "ما" لأنهما بمعنى واحد وهو النفي وحملًا "لعسى" على "لعل"؛ لأنهما بمعنى الترجي. والمثال السادس من أمثلته أيضًا: حمل العطف على التثنية، فالعطف أصل والتثنية فرع، ويشترط في عطف الفعل على الفعل: اتحاد الزمان، وإن اختلفت الصيغ؛ فيجوز عطف

стр. 177

الماضي على المضارع إن أريد بالمضارع معنى الماضي أو بالماضي معنى المستقبل؛ وأما إذا اختلف زمانهما فلا يجوز عطف أحدهما على الآخر، وقد ذهب أبو حيان إلى أن هذا من حمل الأصل وهو العطف على الفرع وهو التثنية؛ وإنما كان العطف هو الأصل لأن المثنى يغني عن المتعاطفين. وذكر أبو حيان ما يشير إلى أنه يمكن ألا تكون هذه المسألة من باب حمل الفرع على الأصل إذا قيل: إن العطف في الفعل نظير التثنية في الاسم -أي: لعدم قبول الفعل للتثنية. ونختم الحديث بمثال سابع ذكره السيوطي نقلًا عن ابن جني وجعله في مقدمة الأمثلة التي يستدل بها على حمل الأصل على الفرع، وقد أرجأناه لما يمتاز به من شرح وبيان بذكر أشباه له ونظائر، وهذا المثال ذكره ابن جني في (الخصائص)؛ فأوضح أن سيبويه أجاز في جر "الوجه" من قولك: هذا الحسنُ الوجهِ، أن يكون من موضعين: أحدهما بإضافة الحسن إليه، والآخر تشبيهه بالضارب الرجل، مع أنه من المعلوم أن الجر في الرجل من قولك: هذا الضاربُ الرجلِ؛ إنما جاءه وأتاه من جهة تشبيههم إياه بالحسن الوجه؛ لكن لما اطَّرد الجر في نحو: هذا الضاربُ الرجلِ والشاتمُ الغلامِ، صار كأنه أصل في بابه حتى دعا ذلك سيبويه إلى أن عاد فشبه "الحسن الوجه" بـ"الضارب الرجل" من الجهة التي إنما صحت للضارب الرجل تشبيهًا بالحسن الوجه. وهذا يدلك على تمكن الفروع عندهم؛ حتى إن أصولها التي أعطتها حكمًا من أحكامها قد حارت -أي: رجعت- فاستعادت من فروعها ما كانت هي أدته إليها، وجعلته عطية منها لها، وجعل ابن جني ذلك من حملهم الأصل على الفرع فيما كان الفرع قد أفاده من الأصل.

стр. 178

وقال ابن جني أيضًا في (الخصائص): وهذا المعنى عينه قد استعمله النحويون في صناعتهم؛ فشبهوا الأصل بالفرع في المعنى الذي أفاده ذلك الفرع من الأصل، وأعاد ابن جني ذكر حمل "الحسن الوجه" على "الضارب الرجل" مع كون الجر في "الحسن الوجه" هو الأصل، وابن جني يشير فيما تقدم إلى عبارة سيبويه في (الكتاب) في باب الصفة المشبهة، بعد ذكره: أنك كما تقول: الضاربُ زيدًا تقول: هو الحسنُ الوجهَ، أي بنصب معمول الصفة المشبهة المقترنة بـ"أل" إذا كان المعمول معرفة على التشبيه بالمفعول به. قال: وقد يجوز في هذا أن تقول: هو الحسنُ الوجهِ على قوله: هو الضارب الرجل؛ فالجر في هذا الباب من وجهين: من الباب الذي هو له وهو الإضافة، ومن إعمال الفعل ثم يستخف فيضاف. انتهى. ومعنى ما ذكره سيبويه وابن جني: أن الأصل في قولنا: هذا الحسنُ الوجهِ: جر "الوجه"، والأصل في قولنا: هذا الضاربُ الرجلَ: نصب الرجل، إلا أن كلًّا منهما قد حمل على صاحبه؛ فجاز في "الحسن الوجهِ" أن يكون منصوبًا حملًا على "الضارب الرجلَ" وجاز في "الضارب الرجلَ" أن يكون مجرورًا حملًا على "الحسن الوجهِ"؛ وإنما جاز الأمران لأن العرب إذا شبهت شيئًا بشيء فحملته على حكمه؛ عادت أيضًا فحملت الآخر على حكم صاحبه تثبيتًا لهما وتتميمًا لمعنى الشبه بينهما وتمكينًا لهما وإظهارًا لأثر المماثلة بين المشبه والمشبه به. والأمثلة على ذلك متعددة، وقد ذكر السيوطي لنا ستة أمثلة نوردها بحسب ترتيب ورودها في (الاقتراح) وهي: المثال الأول: تشبيه الفعل المضارع باسم الفاعل، وتشبيه اسم الفاعل بالفعل المضارع. وبيان ذلك: أنه سمي الفعل المضارع مضارعًا لأنه ضارع اسم الفاعل

стр. 179

-أي: شابهه، كما سبق أن ذكرنا- ولما كان الفعل المضارع شبيهًا باسم الفاعل خالف بقية الأفعال وأعرب، والأصل في الأفعال البناء، وعكس العرب الأمر؛ فشبهوا اسم الفاعل بالفعل في الدلالة على التجدد والحدوث، وأعملوه عمل الفعل تتميمًا للمشابهة بينهما. والمثال الثاني: تشبيه الوقف بالوصل وتشبيه الوصل بالوقف؛ فإذا كانت الكلمة مختومة بتاء؛ فإن الأصل إبقاء التاء عند الوصل وإبدالها هاء عند الوقف، وهي اللغة الفصحى، وبعض العرب يقف على التاء وسمع بعضهم يقول: يا أهل سورة البقرتْ، فقال بعض من سمعه: والله ما أحفظ منها آيتْ؛ فكان الوقف بالتاء. كما يكون الوصل بالتاء: ومن ذلك قولهم ﵇ والرحمتْ، بالتاء من غير إبدالها هاء، وقول الراجز: الله نجاك بكفي مسلمتْ، أي: مسلمة. ولما فعلوا ذلك عكسوا الأمر؛ فشبهوا الوصل بالوقف فقالوا: سبسبا وكلكلا، بلا تنوين والأصل تنوينه؛ ولكنهم شبهوه بالوقف، والسبسب: هو المفازة أو الأرض المستوية البعيدة، والكلكل: هو الصدر. والمثال الثالث: إجراء غير اللازم مجرى اللازم، وإجراء اللازم مجرى غيره؛ فمن إجراء غير اللازم مجرى اللازم: تسكين الهاء من الضمير "هي" بعد همزة الاستفهام في قول الفرزدق: فقمت للضيف مرتاعًا فأرقني ... فقلت أهْيَ سرت أم عادني حلم فقد قل سكون الهاء من الضمير بعد همزة الاستفهام؛ ولكن الشاعر أجرى السكون غير اللازم مجرى اللازم فنطق به، ومن ذلك قول الآخر: ومن يتَّقْفَ إن الله معه ... ورزق الله مؤتاب وغادي

стр. 180

مؤتاب: أي راجع. وقد أجرى الشاعر في البيت "تقِف" مجرى "علِم" حتى صار: تقْف كعلم، ولما أجرى العرب غير اللازم مجرى اللازم أجروا اللازم مجرى غيره أيضًا في قراءة: "على أن يحيِي الموتى" (القيامة: ٤٠) بإسقاط حركة النصب في الفعل المضارع بعد "أنْ" المصدرية الناصبة إجراء للنصب مجرى الرفع الذي لا يلزم فيه الحركة. والمثال الرابع: حمل النصب على الجر وحمل الجر على النصب، فقد حمل العرب النصب على الجر في المثنى وجمع المذكر السالم؛ لأن الجر فيهما جاء على أصل إعراب الحروف، وهو الجر بالياء، وحُمِل النصب على الجر؛ فكان النصب بالياء أيضًا، ثم حملوا الجر على النصب في باب الممنوع من الصرف فكان مجرورًا بالفتحة، وجره بالفتحة خلاف الأصل؛ ولكنه محمول على نصبه. والمثال الخامس: تشبيه الياء بالألف وتشبيه الألف بالياء، فمن المعلوم أن الألف لا تظهر عليها علامات الإعراب، وأن الياء تقدر عليها الضمة والكسرة وتظهر عليها الفتحة؛ فتقول: رأيت القاضيَ، وأكرمت الداعيَ. وقد شبهت العرب الياء بالألف في تقدير الفتحة عليها؛ فقال الشاعر: كأن أيديهن بالقاع القَرِق ... أيدي جوارٍ يتعاطين الوَرِق وصف الراجز إبلًا بسرعة السير، والقَرِق: المكان الأملس المستوي الذي لا حجارة فيه، والوَرِق: الدراهم. والراجز قدر الفتحة على الياء من "أيديهن" والنصب في مثله يظهر لخفته؛ إلا أن الراجز قدره إجراءً للياء مجرى الألف. وكما شبهوا الياء بالألف في تقدير الفتحة عليها شبهوا الألف بالياء في تقدير السكون عليها؛ وذلك في قوله:

стр. 181

إذا العجوز غضبتْ فطلِّقِ ... ولا ترَضَّاها ولا تملَّقِ فأثبت الألف في "ولا ترضَّاها" وقدر السكون عليها حملًا على الياء التي حملت هي في تقدير الفتحة عليها على الألف. والمثال السادس: وضع المنفصل موضع المتصل ووضع المتصل موضع المنفصل، فمن الأحكام المقررة أن الضمير لا يجوز انفصاله إن أمكن اتصاله، وقد وُضِع الضمير المنفصل في الموضع المتصل في قول الشاعر: بالباعثِ الوارثِ الأمواتُ قد ضمنتْ ... إياهمُ الأرضُ في دهر الدهارير فإن الأصل "قد ضمنتهم الأرض"؛ ولكن الضمير المنفصل وضع موضع المتصل. كما وضع الضمير المتصل في موضع الضمير المنفصل في قول الشاعر: وما نبالي إذا ما كنتِ جارتنا ... ألا يجاورنا إلّاك ديار فإن الضمير المتصل لا يلي إلا في الاختيار، وقد وليها في الاضطرار؛ إجراءً له مجرى الضمير المنفصل الذي انفصل في موضع يمكن فيه اتصاله -وهو قول الشاعر السابق: قد ضمنت إياهم الأرض". حملُ نظيرٍ على نظيرٍ المراد بحمل النظير على النظير: حمل الشيء على شيء يشبهه ويماثله، وقد تكون المماثلة بين المحمول والمحمول عليه في اللفظ دون المعنى، أو في المعنى دون اللفظ، أو فيهما معًا؛ فهذه أنواع ثلاثة ولكل نوع أمثلته: أولًا: حمل النظير على النظير في اللفظ دون المعنى. له أمثلة متعددة منها ما يلي:

стр. 182

المثال الأول: زيادة إن بعد ما المصدرية الظرفية وبعد ما الموصولة لشبههما في اللفظ بـ"ما" النافية التي تزاد "إنْ" بعدها كثيرًا كما في قول النابغة: ما إنْ أتيتُ بشيء أنت تكرهه ... إذًا فلا رفعت سوطي إليَّ يدي وقول الآخر: فما إنْ طِبُّنا جبنٌ ولكن ... منايانا ودولة آخرين وبزيادة "إنْ" بعد "ما" المصدرية الظرفية: قول الشاعر: ورَجِّ الفتى للخير ما إنْ رأيته ... على السن خيرًا لا يزال يزيد أي: ما رأيته، والمعنى: مدة رؤيتك له؛ فـ"ما" مصدرية ظرفية، وزيدت "إنْ" بعدها كما تزاد بعد "ما" الموصولة، ومنه قول الشاعر: يرجِّي المرء ما إن لا يراه ... وتعرض دون أدناه الخطوب والمعنى: يرجِّي المرء الذي لا يراه؛ فزيدت "إن" بعد "ما" الموصولة. والمثال الثاني: دخول لام الابتداء على "ما" النافية حملًا لها على "ما" الموصولة؛ لأنها بلفظها، وقد دخلت لام الابتداء على "ما" النافية في قول النابغة: لمَا أغفلتُ شكرَك فاصطنعني ... فكيف ومِن عطائك جلُّ مالي البيت من قصيدة يتنصل فيها عما اتُّهِم به عند النعمان بن المنذر، وقد أدخل لام الابتداء على "ما" النافية، والأصل في لام الابتداء أن تدخل على الاسم الواقع مبتدأ؛ كقوله ﷺ : ((لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)). و"ما" النافية لست مبتدأة؛ وإنما دخلته لام الابتداء؛ لأنها تشبه "ما" الموصولة في لفظها؛ فلما صح أن تدخل لام الابتداء على "ما" الموصول في نحو: أي لا الذي تصنعه حسن؛ جاز دخولها على "ما" النافية؛ لأنها تشبه الموصولة في لفظها.

стр. 183

والمثال الثالث: توكيد المضارع بالنون بعد "لا" النافية حملًا لها في اللفظ على "لا" الناهية؛ فقد كثر توكيد المضارع المسبوق بـ"لا" الناهية، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ (إبراهيم: ٤٢)؛ فأجاز بعض العلماء توكيد المضارع المسبوق بـ"لا" النافية حملا لها على "لا" الناهية، وحملوا على ذلك قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (الأنفال: ٢٦) ذهب بعض العلماء إلى أن "لا" في الآية نافية وقد جاء المضارع بعدها مؤكدًا بالنون حملًا لها على "لا" الناهية. والمثال الرابع: حذف فاعل "أفعِل به" في التعجب لما كان مشبهًا لفعل الأمر في اللفظ؛ لأن فعل الأمر للواحد نحو: أكرِمْ، وأحسِنْ، يكون معه الفاعل ضميرًا مستترًا وجوبًا؛ ولما كان لفظ "أفعِل به" في التعجب كلفظ الأمر؛ حذف فاعله في قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ (مريم: ٣٨). والمثال الخامس: بناء باب "حَذامِ" على الكسر تشبيهًا له بـ"دَرَاكِ ونَزَالِ"، ومعناه: أن ما كان علمًا لمؤنث على وزن فعال؛ فإنه يبنى على الكسر لأنه يشبه أسماء الأفعال نحو: دَرَاكِ بمعنى أدرك، ونَزَالِ بمعنى: انزلْ، ونكتفي بهذه الأمثلة الخمسة التي حمل فيها النظير على نظيره في اللفظ دون المعنى. الصورة الثانية: وهي حمل النظير على نظيره في المعنى دون اللفظ، وهي: أن يحمل الشيء على شيء يشبهه في معناه ولا يشبهه في لفظه: وله أمثلة متعددة، ذكر السيوطي منها مثالين، وهما: المثال الأول: جوازُ: غيرُ قائمٍ الزيدانِ؛ حملًا على: ما قائمٌ الزيدانِ؛ ولإيضاح هذا المثال وبيانه نقول: إن المبتدأ ينقسم قسمين: مبتدأ له خبر، ومبتدأ له مرفوع يغني عن الخبر؛ فالمبتدأ الذي له خبر نحو: زيد قائم، والمبتدأ الذي له مرفوع

стр. 184

يغني عن الخبر: هو كل وصف اعتمد على نفي أو استفهام، نحو: ما قائمٌ الزيدان؛ فقائم مبتدأ، والزيدان فاعل يغني عن الخبر، ونظيره المحمول عليه: غيرُ قائمٍ الزيدان؛ لأنه في معناه؛ فإن النفي الذي تدل عليه "ما" دلت عليه "غير"، وإن اختلف المثالان في اللفظ، وغير مبتدأ، وقائمًا مضاف إليه، والزيدان فاعل مرفوع بقائم، وقد أغنى عن الخبر. ويحسن بنا أن نشير هنا إلى أن قد وقع في نسخ (الاقتراح) التي بين أيدينا قول السيوطي: ومن أمثلة الثاني -يعني: من أمثلة حمل النظير على النظير في المعنى فقط- جواز غير قائم الزيدان؛ حملًا على: ما قام الزيدان؛ لأنه في معناه. انتهى. فذكر المحمول عليه بلفظ الفعل الماضي المسبوق بـ"ما" النافية، وهو سهو لم ينتبه إليه محققو (الاقتراح) في طبعاته المختلفة؛ لأن قولنا: ما قام الزيدان، لا علاقة له بما نحن فيه؛ فإن السيوطي قد قال بعد ذلك مباشرة: لأن المبتدأ إما أن يكون ذا خبر أو ذا مرفوع يغني عن الخبر. انتهى. فإذا قيل: ما قام الزيدان -كما ورد في نسخ (الاقتراح) - فالجملة فعلية لا علاقة لها بالمبتدأ ولا بالخبر، والصواب ما أثبتناه. والمثال الثاني: إهمال "أنْ" المصدرية مع المضارع حملًا على "ما" المصدرية؛ فيرفع الفعل المضارع بعدها، ومن ذلك قراءة مجاهد: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (البقرة: ٢٣٣) قرأ مجاهد: "لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمُّ الرَّضَاعَة" برفع الفعل "يُتِمُّ"، وقول الشاعر: أن تقرآن على أسماءَ ويْحَكُما ... مني السلام وألا تُشعِرا أحدا فالفعل "تقرآن" وقع بعد أن المصدرية، وهو مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة.

стр. 185

ثالثًا: حمل النظير على النظير في اللفظ والمعنى، ومن أمثلته "أفعَل" التفضيل، وهو اسم بإجماع النحويين، وأفعَلَ في التعجب نحو: ما أحسَنَ زيدًا، وقد صححه أنه فعل ماضٍ، وفاعله ضمير راجع لـ"ما" والمنصوب على التعجب هو المفعول، وأفعل التفضيل يوجب أفعل في التعجب وزنًا وأصلًا ومبالغة، وللتشبيه بينهما أجازوا تصغير أفعل في التعجب ومنعوا أفعل التفضيل أن يرفع الاسم الظاهر؛ حملًا لكل على الآخر. حملُ ضدٍّ على ضدٍّ إن حمل الشيء على ضده أو على نقيضه هو الصورة الرابعة من صور القياس، وله أمثلة متعددة منها: النصب بـ"لم"؛ حملًا على الجزم بـ"لن"؛ فإن "لم" و"لن" ضدان؛ إذ إن الأولى تفيد نفي الماضي وتفيد الثانية نفي المستقبل، و"لم" من أدوات جزم الفعل المضارع، وقد جاء النصب بها شاذًّا في قراءة من قرأ: "أَلَمْ نِشْرَحَ لَكَ صَدْرَك" (الشرح: ١) ومنه قول القائل: من أي يومي من الموت أفر ... أيوم لم يقدر أو يوم قدر؟ فقد ورد المضارع "يقدر" منصوبًا بعد "لم" كما جاء الجزم بـ"لن" في قول الشاعر: لن يخِب الآن من رجائك ... من حرك من دون بابك الحلقه فجزم بـ"لن"، وتعرف هذه الظاهرة باسم التقارب في اللغة، ومعنى التقارب: أن يستعير كل واحد من اللفظين من الآخر حكمًا هو أخص به، ونقل السيوطي عن الجزولية: أنه قد يحمل الشيء على مقابله، وعلى مقابل مقابله، وعلى مقابل مقابل مقابله.

стр. 186

مثال الأول: لم يضرب الرجل، حمل الجزم على الجر، يعني: لما احتيج إلى التخلص من التقاء الساكنين حرك الساكن الأول وهو الباء بالكسر التي هي العلامة الأصلية للجر؛ لأنهما متقابلان؛ فالجزم من خصائص الأفعال ويقابله الجر من خصائص الأسماء. ومثال الثاني: اضرب الرجل، حمل الجزم فيه -أي: في اضرب- على الكسر -أي: في الفعل لم يضرب الرجل- الذي هو -أي: الكسر- مقابل الجر من جهة أن الكسر في البناء مقابل الجر في الإعراب. ومثال الثالث: اضرب الرجل، حُمل السكون فيه على الكسر الذي هو -أي: الكسر- مقابل للجر الذي هو -أي: الجر- مقابل للجزم، والجزم الذي هو علامة إعراب مقابل للسكون الذي هو علامة بناء. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 187

الدرس: ١٤ القياس (٣)

стр. 188

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الرابع عشر (القياس (٣)) المقيس، وهل يُوصف بأنه من كلام العرب أوْ لاَ ؟ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. لقد عرفنا -فيما سبق- أن القياس هو حمل غير المنقول على المنقول إذا كان في معناه، أو هو حمل فرع على أصل بعلة تقتضي إجراء حكم الأصل على الفرع، أو هو إلحاق الفرع بالأصل بجامع ... إلى آخر هذه التعريفات التي اختلفت ألفاظها وتقاربت معانيها؛ كما عرفنا أن للقياس أربعة أركان، وهي: المقيس عليه، والمقيس، والحكم، والعلة الجامعة، وقد بدأ السيوطي فصل المقيس في كتاب (الاقتراح) بسؤال وهو: هل يوصف المقيس بأنه من كلام العرب أو لا؟. وقد صرح ابن جني في (الخصائص) بأن ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب، ولم يصغ القضية على هيئة سؤال؛ أما السيوطي فقد بدأ الفصل بهذا السؤال: هل يوصف المقيس بأنه من كلام العرب؟ والذي دفع السيوطي إلى طرح هذا السؤال: أن المقيس يتنازعه أمران؛ لأنه قد صيغ في قوالب العرب، وجاء على نهج كلامهم، ونسج على منوالهم، ثم إن العرب لم تتكلم به؛ فإذا نظر إلى الأمر الأول قيل: إن المقيس يوصف بأنه من كلام العرب، وإذا نظر إلى الأمر الثاني قيل: إنه ليس من كلامهم، هذا هو مراد السيوطي من سؤاله. وقد أجاب عنه بأن: المقيس يوصف بأنه من كلام العرب؛ إذ قال: قال المازني: ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب، ولنا وقفة مع السيوطي في نسبة هذا القول إلى المازني، وقد سبقه إلى ذلك ابن جني في (الخصائص) فقال: "نص أبو عثمان -أي: المازني- عليه فقال: ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب". انتهى. والحق أن أبا عثمان المازني مسبوق بهذا القول؛ إذ سبقه إليه الخليل وسيبويه، وذلك فيما أورده ابن جني من كلام المازني نفسه في كتاب (المنصف) وهو شرح لكتاب (التصنيف) للمازني؛ فقد قال ابن جني: "وكان أبو الحسن الأخفش يجيز أن تبني على ما بنت العرب وعلى أي مثال سألته، إذا قلت له: ابن لي من كذا

стр. 189

مثال كذا، وإن لم يكن من أمثلة العرب، ويقول: إنما سألتني أن أمثل لك؛ فمسألتك ليست بخطأ وتمثيلي عليها صواب، وكان الخليل وسيبويه يأبيان ذلك ويقولان: ما قيس على كلام العرب؛ فهو من كلامهم". انتهى. ويتبين مما سبق: أن هذه العبارة صدرت أول ما صدرت عن شيخي العربية: الخليل، وسيبويه، وقد نقلها عنهما المازني؛ فنسبت إليه. ونعود إلى الإجابة على سؤال (الاقتراح): إن المقيس على كلام العرب يوصف بأنه من كلامهم حكمًا وعملًا وإن لم يرد ذلك عنهم بعينه ولا وفاه بألفاظه، وقد بين المازني الدليل على صحة هذا القول؛ قال ابن جني في (الخصائص): باب: في أن ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب: "هذا موضع شريف وأكثر الناس يضعف عن احتماله لغموضه ولطفه، والمنفعة به عامة، والتساند إليه مقوٍّ مجدٍ، وقد نص أبو عثمان عليه فقال: ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب؛ ألا ترى أنك لم تسمع ولا غيرك اسم كل فعل ولا مفعول؛ وإنما سمعت البعض فقست عليه غيره؛ فإذا سمعت: قام زيد، أجزت: ظرف بشر، وكرم خالد؟! ". انتهى. ومن المعلوم أن السيوطي قد اعتمد على كتاب (الخصائص) لابن جني؛ غير أنه قد اختصر الكلام اختصارًا غير مخل؛ فكلام ابن جني أكثر نفعًا وأتم فائدة، وبخاصة تلك الأمثلة التي ذكرها ولم يذكرها السيوطي في (الاقتراح)، وهي تدل على أن المقيس يوصف بأنه من كلام العرب، ويدل على ذلك أمور: منها: إعراب بعض الكلمات غير العربية، ومن ذلك قول أبو علي الفارسي شيخ ابن جني: "إذا قلت: طاب الخشكنان؛ فهذا من كلام العرب؛ لأنك بإعرابك إياه قد أدخلته كلام العرب" انتهى؛ فالخشكنان كلمة معربة، والمراد

стр. 190

بها: خالص دقيق الحنطة إذا عجن وملئ بالسكر واللوز وماء الورد وجمع وخبز، وهي كلمة غير عربية -كما سبق أن بينا- غير أنها سبقت بفعل فأعربت فاعلًا؛ فصار هذا الكلام عربيًّا منسوبًا إلى لغة العرب، وإن لم تنطق العرب به ولا فاهوا بهذه اللفظة؛ وإنما صار هذا الكلام عربيًّا لأنه قيس على كلام العرب وداخله الإعراب. ومنها: إجراء الكلمات الأعجمية مجرى العربية، فإن العرب قد أجرت الكلمات الأعجمية جرى كلامها العربي في الصرف والمنع من الصرف، وبيان ذلك ذكره ابن جني بقوله: "ما أعرب من أجناس الأعجمية قد أجرته العرب مجرى أصول كلامها؛ ألا تراهم يصرفون في العلم نحو: آجر، وإبريسم، وفرند، وفيروزج، وجميع ما تدخله لام التعريف، وذلك أنه لما دخلته اللام في نحو: الديباج، والفرند، والسهريز -وهو ضرب من التمر- والآجر، أشبه أصول كلام العرب -أعني: النكرات- فجرى في الصرف ومنعه مجراها". انتهى. ومعنى ما ذكره ابن جني: أن العرب قد عاملت الأسماء الأعجمية معاملة الأسماء العربية في الصرف والمنع منه؛ فإذا كانت الكلمة الأعجمية علمًا تدخله اللام صرفته؛ لأنه يشبه النكرة. ومنها: الاشتقاق من الأعجمي، فإن العرب قد اشتقت من بعض الكلمات الأعجمية، ومن ذلك: ما حكاه أبو علي عن ابن الأعرابي أنه قال: يقال درهمة الخُبَّازة أي: صارت كالدراهم؛ فاشتق من الدرهم -وهو اسم أعجمي. وحكى أبو زيد: رجل مدرهم، أي: كثير الدراهم. ومما اشتقته العرب من كلام العجم أيضًا: ما جاء في قول الراجز: هل تعرف الدار لأم الخزرج ... منها فظلت اليوم كالمزرج

стр. 191

أي: الذي شرب الزرجون، وهي الخمر؛ فاشتق المزرج من الزرجون، وهي كلمة أعجمية، وكان قياسه كما في (الخصائص): كالمزرجن؛ من حيث كانت النون في زرجون قياسها أن تكون أصلًا؛ إذ كانت بمنزلة السين من قربوسٍ؛ ولكن العرب إذا اشتقت من الأعجمي خلَّطت فيه. ووجه الاستدلال بهذه الأمور الثلاثة التي سبق ذكرها: أن العرب قد أعربت غير العربي وأجرته مجرى الكلام العربي واشتقت منه؛ فدل ذلك كله على أن المقيس على كلام العرب يجوز وصفه بأنه من كلامهم، وقد قال أبو علي: لو شاء شاعر أو ساجع أو متسع أن يبني بإلحاق اللام اسمًا وفعلًا وصفةً؛ لجاز له ولكان ذلك من كلام العرب، وذلك نحو قولك: خرْجج أكرم من دخْلل، وضرْبب زيد عمرًا، ومررت برجل ضرْبب وكرْمم، ونحو ذلك. انتهى. ومعنى هذا الكلام: أنه يجوز للمتكلم أن يصوغ أبنية بإلحاق اللام في آخر الكلمة، ومعنى الإلحاق ذكره ابن جني في (المنصف) فقال: "الإلحاق إنما هو: زيادة في الكلمة تبلغ بها زنة الملحق به؛ لضرب من التوسع في اللغة"، وقال في (المنصف) أيضًا: "لو اضطر شاعر الآن لجاز أن يبني من ضرب اسمًا وصفة وفعلًا وما شاء من ذلك فيقول: ضرْبب زيدٌ عمرًا، ومررت برجل ضرْبب، وضرْبب أفضل من خرْجج". انتهى. وقال الرضي في شرحه على (الشافية): "ومعنى الإلحاق في الاسم والفعل: أن تزيد حرفًا أو حرفين على تركيب زيادة غير مطردة في إفادة معنى؛ ليصير ذلك التركيب بتلك الزيادة، مثل كلمة أخرى في عدد الحروف وحركاتها المعينة والسكنات، كل واحد في مثل مكانه في الملحق بها، وفي تصاريفها من الماضي والمضارع والأمر والمصدر واسم الفاعل واسم المفعول إن كان الملحق به فعلًا

стр. 192

رباعيًّا، ومن التصغير والتكسير إن كان الملحق به اسمًا رباعيًّا لا خماسيًّا. وفائدة الإلحاق: أنه ربما يحتاج في تلك الكلمة إلى مثل ذلك التركيب في شعر أو سجع". انتهى. فبالإلحاق إذًا تزداد العربية غنًى وثراءً، وتتمكن من الوفاء بحاجة الشاعر والناثر؛ فربما احتاج هذا أو ذاك إلى كلمة معينة تقيم للشعر بنيانه أو تحفظ للسجع كيانه؛ فيجد كل منهما في الإلحاق طلبته ويعثر فيه على بغيته. وقد ذكر أبو علي الفارسي وأبو عثمان المازني وغيرهما: أن إلحاق المطرد الذي لا ينكسر إنما يكون موضعه من جهة اللام -أي: أن يكون موضع اللام من الثلاثة مكررًا للإلحاق- نحو: "جلْبب"؛ فالباء في آخره زائدة للإلحاق، وكذلك الجيم في "خرْجج"، واللام في "دخْلل"، والباء في "ضرْبب"؛ فهذه كلها زوائد للإلحاق بـ"فعلَلَ" ولا يلزم أن تكون لها معانٍ معروفة؛ وإنما ذلك تمرين للصرفيين إذا أرادوا بناء مثال على مثال؛ ولذلك قال الفارسي فيما نقله السيوطي: وكذلك يجوز أن تبني بإلحاق اللام ما شئت كقولك: خرْجج ودخْلل وضرْبب من خرج ودخل وضرب على مثال: شمْلل وسعْرر. انتهى. ومعنى شملل: أسرع وشمر، وسعرر بالعين المهملة من قولهم: سعرر الشيء فتسعرر، أي: دحرجه فتدحرج واستدار. وكما أن أبا علي الفارسي قد ذهب إلى أن ما قيس على كلام العرب: فهو من كلامهم؛ فإن تلميذه ابن جني قد وافقه في هذا الأمر -كما سبق- وزاد أمثلة لم يذكرها شيخه، وقد نقل السيوطي بعضها، وننقل هنا كلام ابن جني كاملًا؛ إذ إن فيه دلالة واضحة على مذهبه فقد قال ﵀ في (الخصائص): "ومما يدلك على أن ما قيس على كلام العرب فإنه من كلامها: أنك لو مررت على

стр. 193

قوم يتلاقون بينهم مسائل أبنية التصريف -أي: يلقي بعضهم على بعض أسئلة عن هذه الأبنية- نحو قولهم في مثال: صمحْمَح، ومن الضرب: ضربْرَب، ومن القتل: قتلْتَل، ومن الأكل: أكلْكَل، ومن الشرب: شربْرَب، ومن الخروج: خرجْرَج، ومن الدخول: دخلْخَل، ومن مثل سفرجل من جعفر: جعفرَر ... ونحو ذلك؛ فقال لك قائل: بأي لغة يتكلم هؤلاء؟ لم تجد بدًّا من أن تقول بالعربية وإن كانت العرب لم تنطق بواحد من هذه الحروف". انتهى. وذكر ابن جني في (الخصائص): أن الأصمعي قال له الخليل: إن رجلًا أنشده: ترافع العز بنا فارفنْعَعا فقال الخليل للمنشد: هذا لا يكون! فتعجب الأصمعي وقال للخليل: كيف جاز للعجاج أن يقول: تقاعس العز بنا فاقعنْسَسا يعني: أن المنشد قد قاس إنشاده وبنى "فارفنععا" على قول العجاج في أرجوزته: "فاقعنسسا"؛ فلم منعته؟ قال ابن جني موضحًا ظاهر ما تدل عليه هذه القصة: فهذا يدل -يعني بظاهره- على امتناع القوم من أن يقيسوا على كلامهم؛ ألا ترى إلى قول الخليل وهو سيد قومه وكاشف قناع القياس في علمه؛ كيف منع من هذا؟! ولو كان ما قاله أبو عثمان يعني قوله: ما قيس على كلام العرب فهو من كلامهم، وصحيحًا ومذهبًا مرضيًّا لما أباه الخليل ولا منع منه. وقد أجاب ابن جني عن هذا بعدة أوجه، وخلاصة هذه الأوجه: أن الأمر ليس كما يظهر منه؛ فالأصمعي لم يقف على القصة بحذافيرها؛ فهو ليس ممن ينشط للمقاييس ولا لحكاية التعليل ومعروف بقلة انبعاثه في النظر، وتوفره على ما يُروى ويُحفظ، فمن الجائز أن الخليل قد أمسك عن شرح الحال له لمعرفته بهذه

стр. 194

الصفات فيه، أو أن الخليل أنكر ذلك لأنه في ما لامه حرف حلقي والعرب لم تبنِ المثال مما لامه حرف حلق، خصوصًا وحرف الحلق فيه متكرر، وذلك مستنكر عندهم مستثقل؛ وإنما استنكر العرب ذلك لتوالي العينين، وفي تواليهما من التنافر والثقل ما لا يخفى؛ فالثقل هو المانع، لا ما قد يقال من القياس، وقد اكتفى السيوطي بإيراد الجواب الأخير في (الاقتراح)، ولم يذكر غيره مما ذكره ابن جني؛ لأن هذا الوجه -كما وصفه ابن جني- هو ألطف من جميع ما جرى ذكره من أجوبة وأصنعه، أي: أقربه إلى قواعد الصنعة وأصولها. ونختم الحديث بما ذكره ابن جني من أن من قوة القياس عندهم اعتقاد النحويين أن ما قيس على كلام العرب فهو من كلامهم، نحو قولك في بناء مثل جعفر من ضرب: ضرْبَب، وهذا من كلام العرب، ولو بنيت مثله ضيْرَب، أو ضوْرَب، أو ضرْوَب ... أو نحو ذلك؛ لم يعتقد من كلام العرب؛ لأنه قياس على الأقل استعمالًا والأضعف قياسًا. ومعنى ما قاله ابن جني أن قولك: ضرْبَب -الملحق بجعفر- معدود من كلام العرب لكثرته في كلامهم؛ لأن الإلحاق المطرد يكون بتكرير اللام، أما الإلحاق بغير تكرير اللام كزيادة الياء في قولك: ضيْرَب أو زيادة الواو في قولك: ضوْرَب أو ضرْوَب؛ فهو قليل في الاستعمال ضعيف في القياس، وما كان كذلك لم يجز الرجوع إليه ولا القياس عليه. وقد اعتمد ابن جني فيما اعتمد عليه في ذلك على ما ذكره أبو عثمان المازني من أن أقيس الإلحاق أن يكون بتكرير اللام؛ فباب شمللتُ وسعررتُ أقيس في الإلحاق من باب حوقلتُ وبيطرتُ وجهورتُ، وهذا التفصيل الذي ذكره ابن جني هو الذي مشى عليه كثير من المحققين.

стр. 195

وذهب بعضهم إلى الجواز مطلقًا؛ لأن العرب أدخلت في كلامها الألفاظ الأعجمية؛ فإذا كانت الألفاظ الأعجمية قد دخلت لغة العرب فإن الألفاظ المصنوعة نحو: ضيْرَب وضوْرَب أحق وأولى، وهذا القول مردود مرغوب عنه؛ لأن الأعجمي لا يصير عربيًّا بإدخاله في الكلام العربي؛ بل يكون العربي أدخل في كلامه كلمة أعجمية ويكون الكلام المصنوع غير راجع للغة من اللغات. الحكم إن الحكم: هو الركن الثالث من أركان القياس، وقد وصفه أحد الباحثين بأنه: ثمرة القياس ونتيجته العملية؛ لأن عملية إلحاق المقيس بالمقيس عليه؛ لو لم يترتب عليها إعطاء حكم الأصل للفرع لبطلت العملية القياسية بأسرها؛ لأنه لا قياس بلا حكم. وقد أورد السيوطي مسألتين تتعلقان بالحكم: المسألة الأولى: تقسيم الحكم قسمين: أحدهما: حكم ثبت استعماله عن العرب. والآخر: حكم ثبت بالقياس والاستنباط. والمسألة الثانية: حكم القياس على الأصل المختلف في حكمه. أما المسألة الأولى: فقد بدأها السيوطي بقوله: إن ما يقاس على حكم ثبت استعماله عن العرب، وهل يجوز أن يقاس على ما ثبت بالقياس والاستنباط؟. - ظاهر كلامهم: نعم.

стр. 196

ومعنى ما قاله السيوطي: أن هناك إجماعًا على أن الحكم إذا ثبت استعماله عن العرب كان القياس عليه مما لا خلاف فيه؛ كرفع نائب الفاعل قياسًا على الفاعل، والذي نلحظه في هذا المثال أن الحكم مستفاد فيه من استعمال العرب؛ فلا خلاف بين العلماء في جوازه؛ أما إذا كان الحكم مما ثبت بالقياس والاستنباط؛ فالظاهر من كلامهم أنه كسابقه يجوز القياس عليه. وقد أشار السيوطي في هذا الصدد إلى أن ابن جني قد أفرد بابًا في (الخصائص) عنوانه: باب في الاعتلال لهم بأفعالهم -أي: في الاعتلال للعرب- ومعنى الاعتلال: طلب العلة وإظهارها، ومعنى اعتلال النحوي للعرب: أن يذكر علة لأحكام كلامهم ويوجهها بتوجيه مأخوذ من أصول قواعد خطاباتهم بأفعالهم الصادرة منهم؛ فيستنبط منها توجيهات لأفعال أخرى في الكلام، والمراد بأفعالهم: تصرفاتهم في الكلام. ومن الأمثلة الدالة على أن الحكم الثابت بالقياس والاستنباط يجوز القياس عليه: قياس الصفة المشبهة على اسم الفاعل في حكم ثبت لاسم الفاعل بالاستنباط والقياس وليس بالسماع عن العرب، وهذا الحكم: هو أن اسم الفاعل لا يتحمل الضمير إذا جرى على غير من هو له، وهذا الحكم ثابت بالاستنباط، وتقاس الصفة المشبهة عليه، ويثبت لها حكم اسم الفاعل. وقبل أن نذكر ما أورده ابن جني في (الخصائص) ونقله عنه السيوطي في (الاقتراح) يحسن بنا أن نشرح هذه المسألة النحوية لما يترتب على شرحها من فائدة محققة تعين على فهم هذه المسألة الأصولية: أجمع البصريون والكوفيون على أن الضمير في اسم الفاعل إذا جرى على من هو له لا يجب إبرازه؛ فلو قلت: زيد مكرِمي وجعفر مكرمك؛ لم يلزم إبراز

стр. 197

الضمير لأنه -أي: اسم الفاعل- جرى مجرى ومعنى على من هو له، ومعنى جريه على من هو له: أنه وقع خبرًا رافعًا لضمير يعود على مبتدئه؛ فهو في المعنى لمبتدئه؛ فإذا جرى اسم الفاعل على غير من هو له خبرًا أو صفة مثلًا؛ وجب عند البصريين إبراز الضمير الذي يرفعه اسم الفاعل مطلقًا، أي: سواء ألبس أم لم يلبس، وذلك نحو: أن تقول عند إرادة الإخبار بضاربية زيد ومضروبية عمرو، زيدٌ عمرٌو ضاربُه هو؛ فاسم الفاعل في الجملة المذكورة جارٍ على غير من هو له؛ لأنه لم يقع خبرًا عن زيد الواقع مبتدأ أولًا؛ وإنما هو خبر عن عمرو الواقع مبتدأ ثانيًا، والضمير البارز هو عائد على زيد، وبذلك علم أن الضاربية له؛ ولو لم يبرز واستتر لأفاد التركيب عكس هذا المعنى، ومثال ما أمن فيه اللبس: زيدٌ هندٌ ضاربُها هو، وهندٌ زيدٌ ضاربتُه هي؛ وإنما أبرز الضمير في المثالين مع أمن اللبس طردًا للباب على وتيرة واحدة. وقيد الكوفيون وجوب إبراز الضمير باللبس فقالوا: لا يجب إبراز الضمير إلا فيما يؤدي عدم إبرازه إلى اللبس، والراجح ما ذهب إليه البصريون، وأدلة الفريقين في المسألة الثامنة من كتاب (الإنصاف) لأبي البركات الأنباري؛ فإذا كان الأمر كذلك في اسم الفاعل الذي هو أقوى شبهًا بالفعل من الصفة المشبهة؛ فإنه يجب أن يبرز الضمير مع الصفة المشبهة به؛ لأنها ضعيفة الشبه بالفعل؛ إذ هي مشبهة باسم الفاعل القاصر؛ ولضعفها وجب إبراز ضميرها عند جريانها على غير من هي له من باب أولى؛ قياسًا على اسم الفاعل، وفي ذلك يقول ابن جني في (الخصائص): "ومن الاعتلال لهم بأفعالهم أن تقول: إذا كان اسم الفاعل على قوة تحمله للضمير متى جرى على غير من هو له صفةً أو صلةً أو حالًا أو خبرًا؛ لم يحتمل الضمير كما يحتمله الفعل؛ فما ظنك بالصفة المشبهة باسم

стр. 198

الفاعل نحو: قولك: زيدٌ هندٌ شديدٌ عليها هو؛ إذا أجريت شديدًا خبرًا عن هند؛ وكذلك قولك: أخواك زيدٌ حسنٌ في عينه هما، والزيدون هندٌ ظريفٌ في نفسها هم". انتهى. وإذ قد بينا هذه المسألة من جهة النحو نعود إلى القضية الأصولية التي ساق ابن جني وتبعه السيوطي هذه المسألة دليلًا عليها: إن عندنا أصلًا مقيسًا عليه، وهو اسم الفاعل، وعندنا فرع مقيس، وهو الصفة المشبهة، وعندنا حكم ثابت للأصل المقيس عليه، وهو وجوب إبراز الضمير في اسم الفاعل إذا جرى على غير من هو له، وهذا الحكم إنما هو ثابت بالاستنباط والقياس على الفعل الرافع للاسم الظاهر؛ حيث لا تحلقه العلامات الدالة على التثنية أو الجمع، وجاز القياس عليه؛ فدل ذلك على أنه يجوز أن يقاس على ما ثبت بالقياس والاستنباط. ومن هنا يتبين أن الحكم يجوز القياس عليه؛ سواء أكان حكمًا ثابتًا عن استعمال العرب، أم كان حكمًا ثابتًا بالقياس والاستنباط. أما المسألة الثانية التي أوردها السيوطي في هذا الفصل فهي: حكم القياس على الأصل المختلف في حكمه، وقد اعتمد السيوطي في هذه المسألة على كلام الأنباري؛ غير أنه قد اختصره وقدم فيه وأخر؛ كما نبه على ذلك محقق (الاقتراح) الأستاذ الدكتور أحمد محمد قاسم -رحمه الله تعالى- غير أنه قد سها؛ فذكر أن كلام الأنباري في الفصل العشرين من كتابه (لمع الأدلة) وليس كذلك؛ وإنما هو في الفصل الثاني والعشرين الذي عنوانه: في الأصل الذي يرد إليه الفرع إذا كان مختلفًا فيه. وقد ذكر الأنباري في هذا الفصل أن اختلاف العلماء في ذلك على قولين:

стр. 199

أحدهما: أنه يجوز القياس على الأصل المختلف فيه؛ لأن المختلف فيه إذا قام الدليل عليه صار بمنزلة المتفق عليه. والآخر: أنه لا يجوز القياس عليه؛ قال ﵀: "اعلم أن العلماء اختلفوا في ذلك؛ فذهب قوم إلى أنه جائز، وتمسكوا في الدلالة على جواز ذلك: بأن الأصل المختلف فيه إذا قام الدليل عليه صار بمنزلة المتفق عليه، وذهب قوم إلى أنه لا يجوز، وتمسكوا في الدلالة على أنه لا يجوز بأنه لو جاز القياس على المختلف فيه لأدى ذلك إلى محال؛ وذلك لأن المختلف فيه فرع لغيره؛ فكيف يكون أصلًا والفرع ضد الأصل؟! ". انتهى. وواضح مما سبق أمران: أحدهما: أن الأنباري ذكر حجة كل فريق من الفريقين، وقد نقل ذلك كله السيوطي في (الاقتراح). والآخر: أن الأنباري والسيوطي يذهبان مذهب القائلين بأنه يجوز القياس على الأصل المختلف فيه، ودليل ذلك أمور ثلاثة: الأول: أنهما قدما هذا المذهب على غيره. والثاني: أنهما ردَّا على حجة القائلين بالمنع؛ فإن حجة هؤلاء المانعين هي أن المختلف فيه فرع لغيره؛ فكيف يستقيم أن يكون فرعًا وأن يقاس عليه بعد ذلك فيكون أصلًا؟!. وقد رد الأنباري -ووافقه السيوطي-: بأنه يجوز أن يكون الشيء فرعًا لأصل وأصلًا لشيء آخر، وهذان مثالان على ذلك: المثال الأول: اسم الفاعل، فاسم الفاعل فرع عن الفعل في العمل؛ لأن الأصل للعمل أن يكون للأفعال؛ بدليل أن الأفعال كلها عمل؛ وإنما اعمل اسم الفاعل عمل الفاعل لأمور متعددة:

стр. 200

أولها: أن الاسم استحق الإعراب بالأصالة والفعل استحق العمل بالأصالة؛ فلما أُعرب الفعل المضارع دخل فيما يستحقه الاسم -وهو الإعراب- فأعمل اسم الفاعل ليدخل فيما يستحقه الفعل -وهو العمل- ولذلك قال سيبويه في (الكتاب): "فكل واحد منهما داخل على صاحبه". انتهى. وثانيها: أن اسم الفاعل يجري مجرى الفعل المضارع في حركاته وسكناته. وثالثها: أن اسم الفاعل يثنى ويجمع كما أن الفعل تلحقه علامة التثنية والجمع. ومعنى هذا: أن اسم الفاعل فرع عن الفعل في العمل، وهو -مع ذلك- أصل للصفة المشبهة؛ فالصفة المشبهة هي التي أشبهت اسم الفاعل في العمل؛ فهي فرع عن فرع عن أصل؛ يقول سيبويه في (الكتاب): "هذا باب الصفة المشبهة بالفاعل فيما عملت فيه ولم تقوَ أن تعمل عمل الفاعل؛ لأنها ليست في معنى الفعل المضارع". انتهى. وإنما كانت الصفة المشبهة فرعًا عن اسم الفاعل لا عن الفعل؛ لبعدها عن الفعل؛ فإنها للثبوت والاستمرار والدوام؛ فتخالف شأن الفعل الذي هو للتجدد والحدوث. والمثال الثاني: "لا" العاملة عمل "ليس": تعمل "لا" عمل "ليس"؛ فترفع المبتدأ اسمًا لها وتنصب الخبر خبرًا لها بشروط، وهي: أن يكون الاسم والخبر نكرتين، وألا يتقدم خبرها على اسمها، وألا ينتقض النفي بـ"إلا"، والأصل في العمل أن يكون لـ"ليس"؛ وإنما أعملت "لا" عمل "ليس" حملًا عليها؛ لأنها تشبهها في النفي والجمود، وكما كانت "لا" فرعًا في العمل؛ فإن "لات" فرع عن "لا"؛ لأن "لات" لما كانت مقرونة بحرف التأنيث صارت فرعًا لـ"لا" المجردة عنه.

стр. 201

فمن النظر في هذين المثالين اللذين ساقهما الأنباري ونقلهما عنه السيوطي يمكن القول بأن الشيء يكون فرعًا لشيء وأصلًا لشيء آخر؛ ولذلك قال السيوطي: لا تناقض في ذلك لاختلاف الجهة، أي: لا تناقض في كون الشيء الواحد يتصف بالأصالة والفرعية لاختلاف الجهة؛ وإنما يقع التناقض أن يكون فرعًا من الوجه الذي يكون منه أصلًا، وأما من وجهين مختلفين؛ فلا تناقض في ذلك كما قال الأنباري. وإذا ثبت أنه يجوز اتصاف الشيء بالأصالة والفرعية؛ ثبت أنه يجوز القياس على الأصل المختلف فيه، وهو رأي فريق من العلماء، وقد اختاره الأنباري والسيوطي. هذا؛ وقد ذكر الأنباري والسيوطي مثالًا يمكن أن يستدل به على أنه يجوز القياس على الأصل المختلف فيه، وهو أن يقال: إن "إلا" هي عامل النصب في المستثنى؛ لأنه حرف قام مقام فعل يعمل النصب، وهو الفعل "أستثني"، أو "أُخرِج" ... أو نحو ذلك؛ فعمل النصب؛ كما أن حرف النداء "يا" قد عمل النصب في المنادى؛ لقيامه مقام الفعل: "أدعو" أو "أنادي". ووجه الاستدلال بهذا المثال: أن كون حرف النداء هو عامل النصب في المنادى أمر مختلف فيه، وليس هذا القول موضع اتفاق بين النحويين؛ ومع كونه موضع خلاف بينهم؛ فإنه يجوز عده أصلًا يقاس عليه غيره؛ فيقال: إن "إلا" الاستثنائية هي عامل النصب في المستثنى الواقع بعدها؛ فجاز القياس على الأصل المختلف فيه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 202

الدرس: ١٥ القياس (٤)

стр. 203

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الخامس عشر (القياس (٤)) العلة النحويةُ: وَثاقتُها، وأقسامُها الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه، أما بعد: فبقي أن تتعرف على الركن الرابع، وهو آخر أركان القياس وأهمها على الإطلاق، وهو: العلة النحوية: أما الحديث عن وثاقة العلة: فالعلة النحوية كما قال ابن الفرخان في كتابه (المستوفى): "في غاية الوثاقة فهي غير مدخولة، أو متسمح فيها، وليست كما ذهب إليه غَفَلة العوام واهية أو متمحلة". أما قول ابن فارس اللغوي -رحمه الله تعالى-: مرت بنا هيفاء ممشوقة ... تركية تُنمى لتركيي ترنو بطرف فاتر فاتن ... أضعف من حُجة نحويي فهو يعني: العلل المتكلفة التي يتخيَّلها بعض النحاة. أما العلل المعتمدة: فهي كما قال عنها ابن جني في (الخصائص) مشيرًا إلى وثاقتها وقوتها: "وظهور وجهها أقرب إلى علل المتكلمين منها إلى علل المتفقهين، وذلك أنهم يحيلون على الحسّ، ويحتجُّون فيه بثقل الحال أو خفَّتها على النفس، وليس كذلك حديث علل الفقه ... " إلى آخر ما قال. فأوضح أن أكثر العلل النحوية تظهر حكمتها؛ لأنها تعتمد على الحس الذي هو أقوى الأدلة، وعلل الأحكام الفقهية كثيرًا ما تَخفى حكمتها عن الفقهاء؛ لأن عللهم مبنيَّة على الظنون؛ إذ الفقه مبناه على غلبة الظن؛ لأنها أمور تتعلق بأمور تعبديَّة، فإذا عجز الفقيه عن تعليل الحكم قال: "هذا تعبدي، وما عجز النحويون عن تعليل حكمه قالوا عنه: هو مسموع".

стр. 204

كما ذكر ابن جني في (الخصائص): "أنه لا شك أن العرب أرادت من العلل والأغراض ما استنبطه النحويون بدليل اطراد رفع الفاعل، ونصب المفعول، والجر بحروفه، والنصب بحروفه، والجزم بحروفه، وغير ذلك من التثنية، والجمع، والإضافة، والنسب، والتحقير، وما يطول شرحه من أبواب العربية العارضة للكلم، فهل يحسن بذي لُبٍّ أن يعتقد أن هذا كله اتفاق وقع وتَوارُد اتَّجه. أما الاختلاف اليسير بين اللهجات العربية في الأحكام كالخلاف بين ما الحجازية والتميمية، فهو شيء غير محتفل به لقلته، ولكونه في الفروع. ومع هذا فلكل وجهه من القياس له ما يدل على وجاهته، وأنه يُؤخذ به، ولو كانت هذه اللغة حشوًا قليلًا، وحسوًا مهيلًا -يعني: لو كانت عشوائية أو اعتباطية- لكثر خلافها، وتعادت أوصافها، فجاء عنهم جرُّ الفاعل، ورفع المضاف إليه، والنصب بحروف الجزم" انتهى. وأما الحديث عن أقسامها فقد ذكر السيوطي نقلًا عن كتاب (ثمار الصناعة) لأبي عبد الله الحسين بن موسى الدينوري المعروف بالجليس: "أن اعتلالات النحويين صنفان: علة تطرد على كلام العرب، وتنساق إلى قانون لغتهم. وعلة تُظهر حكمتهم وتكشف عن صحة أغراضهم، ومقاصدهم. والأولى هي الأكثر استعمالًا، والأشدّ تداولًا، والمشهور منها أربعة وعشرون نوعًا. وأورد السيوطي هذه الأنواع الأربعة والعشرين عن الجليس، وأردفها بذكر أمثلة لثلاثة وعشرين منها نقلًا عن كتاب (التذكرة) لأحمد بن عبد القادر بن أحمد بن مكتوم القيسي تاج الدين المتوفى سنة تسع وأربعين وسبعمائة من الهجرة، ذاكرًا أن ابن مكتوم قد اعتاص عليه شرح علة منها، وشرحها، ومثَّل لها شمس الدين بن الصائغ الحنفي، المتوفى سنة ست وسبعين وسبعمائة من الهجرة.

стр. 205

العلل وأمثلتها: أما العلة الأولى: فهي علة سماع، وذلك قولهم: امرأة ثدياء، أي: عظيمة الثديين، ولا يُقال رجل أثدى؛ لعدم سماع ذلك. والعلة الثانية: علة تشبيه، كإعراب الفعل المضارع لمضارعته للاسم، أي: لمشابهته له، وبناء بعض الأسماء لمشابهتها للحرف. والعلة الثالثة: علة استغناء، كاستغنائهم بترك عن ودع ووزر. والعلة الرابعة: علة استثقال، كاستثقالهم الواو في نحو: يعد وأصلها يوعد؛ لوقوعها بين عدوَّتيها: الياء، والكسرة. والعلة الخامسة: علة فرق، وذلك فيما ذهبوا إليه من رفع الفاعل ونصب المفعول للفرق بينهما، وفتح نون الجمع وكسر نون المثنى للفرق بينهما كذلك. والعلة السادسة: علة توكيد كإدخالهم نون التوكيد الخفيفة أو الثقيلة في فعل الأمر؛ لتوكيد إيقاعه. والعلة السابعة: علة تعويض، كتعويضهم الميم المشددة في قولهم: "اللهم"، عوضًا من حرف النداء. والعلة الثامن: علة نظير، ككسرهم أحد الساكنين إذا التقيا في الجزم كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (البينة: ٢) حملًا على الجر؛ إذ الجزم في الأفعال نظير الجرّ في الأسماء، لاختصاص كل واحد منهما بنوع من أنواع الكلمة والعمل فيه. والعلة التاسعة: علة نقيض، كنصبهم اسم لا النافية للجنس حملًا على نصب إنّ لاسمها؛ لأن "لا" نقيضة "إن"؛ لأن "إن" لتوكيد الإثبات و"لا" لتوكيد النفي، فهما متناقضان.

стр. 206

والعلة العاشرة: علة حمل على المعنى كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ (البقرة: ٢٧٥) بتذكير فعل "الموعظة" وهي مؤنثة حملًا لها على المعنى؛ لأنها في معنى الوعظ. والعلة الحادية عشرة: علة مشاكلة، كتنوين "سلاسل" مع كونه على صيغة منتهى الجموع في قوله تعالى: "سَلَاسِلًا وَأَغْلَالًا" (الإنسان: ٤) لمشاكلته لما بعده، والمشاكلة أن يُذكر الشيء بلفظ غيره؛ لوقوعه في صحبته. والعلة الثانية عشرة: علة معادلة، وذلك مثل جرهم ما لا ينصرف بالفتح حملًا على النصب، ثم عادلوا بينهما -أي: بين النصب والجر- فحملوا النصب على الجر في جمع المؤنث السالم، فجعلوا علامتيهما في هذا الجمع الكسرة. والعلة الثالثة عشرة: علة مجاورة، مثل جرِّهم نعت المرفوع في قولهم: هذا جحر ضبٍ خربٍ؛ لمجاورته للمجرور كما سبق بيانه. والعلة الرابعة عشرة: علة وجوب، كتعليلهم رفع الفاعل ونحوه. والعلة الخامسة عشرة: علة جواز، وذلك ما ذكروه في تعليل الإمالة من الأسباب المعروفة. والعلة السادسة عشرة: علة تغليب، كتغليبهم المذكر على المؤنث في قوله تعالى: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ (التحريم: ١٢) فأدرجها في جمع المذكر السالم. والعلة السابعة عشرة: علة اختصار كالترخيم، وهو حذف آخر المنادى، قال ابن مالك: ترخيمًا احذف آخر المنادى ... كيا سُعى فيمن دَعَا سُعاد وكحذف النون في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُ﴾ (النحل: ١٢٠).

стр. 207

والعلة الثامنة عشرة: علة تخفيف، كإدغام المتماثلين أو المتقاربين. والعلة التاسعة عشرة: علة أصل كـ"استحوذ" في قوله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ (المجادلة: ١٩) من غير إعلال؛ رجوعًا إلى الأصل، ومثل "يؤكرم" من غير حذف الهمزة بمقتضى القياس، رجوعًا إلى الأصل قال الراجز: فإنه أهل لأن يؤكرما والعلة المتممة للعشرين: علة أولى كقولهم: إن الفاعل أولى برتبة التقديم من المفعول. والعلة الحادية والعشرون: علة دلالة حال كقول المستهل -أي: الذي يرى الهلال- الهلال، أي: هذا الهلال؛ فحذف المبتدأ لدلالة الحال عليه. والعلة الثانية والعشرون: علة إشعار، أي: إعلام كقولهم في جمع موسى ومصطفى: موسون ومصطفون، بفتح ما قبل الواو فيهما؛ إشعارًا بأن المحذوف ألف، والأصل: موسيون ومصطفيون، تحركت الياء فيهما وانفتح ما قبلها؛ فقلبت ألفًا، ثم حذفت لالتقائها ساكنة من الواو الساكنة. والعلة الثالثة والعشرون: علة تضاد مثل قولهم في أفعال القلوب، وهي الأفعال التي يجوز إلغاؤها: إن هذه الأفعال متى تقدمت وأُكِّدت بالمصدر أو بضميره لم تلغ أصلًا، لما بين التأكيد والإلغاء من التضادّ؛ إذ التأكيد يدل على الاهتمام والاعتداد، والإلغاء يدل على خلاف ذلك. والعلة الرابعة والعشرون، وهي العلة التي اعتاص على ابن مكتوم شرحها، وشرحها الشيخ شمس الدين بن الصائغ الذي رآها مذكورة في كتب المحققين كابن الخشاب البغدادي، فهي: علة تحليل، وذلك كاستدلالهم على اسميَّة كيف، بنفي حرفيتها؛ لأنها مع الاسم كلام، أي: ولا يكون الحرف مع الاسم كلامًا، وبنفي فعليَّتها

стр. 208

لمجاورتها الفعل بلا فاصل كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ (الفيل: ١) أي: ولا يجاور الفعلُ الفعلَ بلا فاصل، فتحلل عقد شُبَه خلاف المدَّعي. وأما الصنف الثاني من العلل فلم يتعرض له الجليس، ولا بيَّنه، وإنما بينه ابن السراج في كتابه (الأصول في النحو) فقال: "واعتلالات النحويين على ضربين: ضرب منها هو المؤدِّي إلى كلام العرب كقولنا: كل فاعل مرفوع، وضرب آخر يُسمَّى علة العلة مثل أن يقولوا: لما صار الفاعل مرفوعًا والمفعول به منصوبًا، ولما إذا تحركت الياء والواو وكان ما قبلهما مفتوحًا قلبتا ألفًا، وهذا لا يكسبنا أن نتكلم كما تكلمت العرب، وإنما نستخرج منه حكمتها، ونبيّن بيها فضل هذه اللغة على غيرها من اللغات" انتهى. وعقَّب عليه ابن جني بقوله في (الخصائص): "بأن هذا الذي سماه علة العلة، إنما هو تجوّز في اللفظ، فأما في الحقيقة فإنه شرح وتفسير وتتميم للعلة، ألا ترى أنه إذا قيل له: فلم ارتفع الفاعل؟ قال: لإسناد الفعل إليه، ولو شاء لابتدأ هذا فقال في جواب رفع زيد من قولنا قام زيد؛ إنما ارتفع لإسناد الفعل إليه، فكان مغنيًا عن قوله إنما ارتفع بفعله، حتى تسأله فيما بعدُ عن العلة التي ارتفع لها الفاعل، وهذا هو الذي أراده المجيب بقوله: ارتفع بفعله، أي: بإسناد الفعل إليه" انتهى. الفرق بين العلة والسبب، ومحصولُ مذهب البصريين في العلل اعتمد السيوطي على ما أورده ابن جني في (الخصائص) بعنوان: باب ذكر الفرق بين العلة الموجبة وبين العلة المجوزة، وما أورده في (الخصائص) كذلك بعنوان باب في تخصيص العلل وخلاصة المنقول عن البابين في (الاقتراح) ثلاثة أمور:

стр. 209

أولها: أن أكثر العلل عند النحويين مبناها الإيجاب كنصب الفضلة وما شابهها كخبر كان، ومفعولي ظن، ورفع العمدة، وجر المضاف إليه، وأن هناك ضربًا آخر يُسمَّى علة، وإنما هو في الحقيقة سبب يجوِّز الحكم ولا يُوجبه كأسباب الإمالة فإنها علة جواز لا وجوب، والإمالة معناها أن تذهب بالفتحة جهة الكسرة، فإن كان بعد الفتح ألف ذهبتَ بالألف إلى جهة الياء كالفتى بإمالة الفتحة والألف، وإن لم يكن بعد الفتحة ألف أملت الفتحة وحدها فأشربتها شيئًا من صوت الكسرة، كنعمة، وسحر، بجعل فتحة الميم في نعمة، والحاء في سحر ممالة، وكذلك علَّة قلب واو "وقتت" همزة كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ (المرسلات: ١١) أُبدلت الواو همزة لكونها مضمومة ضمًّا لازمًا، ولثقل الضمة عليها، فكأنه اجتمع لك واوان، ومع ذلك يجوز إبقاؤها. وقد قرأ أبو عمرو -وهو أحد القراء السبعة- "وُقتت"، وكذلك كل موضع جاز فيه إعرابان فأكثر، فظهر بهذا الفرق بين العلة والسبب، فما كان موجبًا حكمًا يُسمى علة، وما كان مجوِّزًا حكمًا يُسمى سببًا. وخلاصة الأمر الثاني: أن محصول مذهب البصريين ومتصرف أقوالهم مبنيٌّ على جواز تخصيص العلل، يعني: ببعض المعلولات وعدم اطرادها في جميع الأفراد، وذلك لأن أكثرها يجري مجرى التخفيف والفرق، فلو تكلف متكلف نقضها لكان ذلك ممكنًا، وإن كان على غير قياس ومستثقلًا، كما لو تكلف تصحيح فاء ميزان وميعاد فقال: موزان وموعاد، وتكلف نصب الفاعل ورفع المفعول. وليست كذلك علل المتكلمين لأنها لا قدرة على غيرها، فعلل النحويين متأخرة عن علل المتكلمين، ومتقدمة على علل المتفقهين. وعلل النحويين بهذا نوعان: نوع لا بد منه لأن النفس لا تطيق في معناه غيره، وهذا لاحق بعلل المتكلمين كقلب الألف واوًا لضم ما قبلها، وياء لكسر ما قبلها، وكمنع الابتداء بالساكن،

стр. 210

والجمع بين الألفين المدَّتين، وتقدير الحركات في الاسم المقصور. ونوع يمكن تخلُّفه بمشقة، وهذا لاحق بعلل الفقهاء كقلب الواو الساكنة ياء لكسر ما قبلها؛ إذ يمكن أن تقول في عصافير: عصافِوْرٌ، لكن على كره ومشقة، ومنه تقدير الضمة والكسرة في الاسم المنقوص. والأمر الثالث الأخير: أن النحويين قد انتزعوا العلل من كتب محمد بن الحسن وجمعوها منها بالملاطفة والرفق، ومحمد بن الحسن هو صاحب أبي حنيفة، ومؤلف الكتب النادرة في الفقه، وهو ابن خالة الفراء تُوفي بالرّي سنة ثمان وتسعين ومائة، في اليوم الذي مات فيه الكسائي، وقيل: إن الرشيد قال يومئذٍ: دَفَنت الفقه والعربية بالري. الخلافُ في إثبات الحكم في محلّ النَّصّ هذا العنصر هو موضوع الفصل العشرين في (لمع الأدلة) لأبي البركات الأنباري، وقد نقله السيوطي في (الاقتراح)، ومجمل هذا الموضوع اختلاف العلماء في إثبات حكم وارد في نصٍّ من كتاب، أو حديث، أو كلام العرب، كرفع لفظ الجلالة مثلًا في نحو: قال اللهُ، بماذا ثبت أبالنصّ أم بالعلة؟ فذكر الأكثرون إلى أنه يثبت بالعلة لا بالنص، أي: بإسناد فعل تقدَّمه إليه لا بالنص من المتكلم به؛ إذ لو كان بالنص لسُدَّ باب القياس، وصار الحكم مقصورًا على النص في محله، لأن القياس حمل فرع على أصل بعلة جامعة، فإذا فُقدت العلة الجامعة بطل القياس، وكان الفرع مأخوذًا من غير أصل، وذلك مُحال. ألا ترى أنا لو قلنا: إن الرفع والنصب في نحو: ضرب زيد عمرًا بالنص لا بالعلة؛ لبطل الإلحاق بالفاعل والمفعول والقياس عليهما، وذلك لا يجوز.

стр. 211

وذهب بعضهم إلى أنه يثبت في محل النص بالنص، ويثبت فيما عداه بالعلة، وذلك نحو النصوص المقبولة عن العرب المقيس عليها بالعلة الجامعة في جميع أبواب العربية، واستدلَّ أصحاب هذا الرأي لذلك بأن النص مقطوع به، والعلة مضمونة، وإحالة الحكم على المقطوع به أولى من إحالته على المضموم، ولا يجوز أن يكون الحكم ثابتًا بالنص والعلة معًا؛ لئلا يكون مقطوعًا به مظنونًا في حالة واحدة، وذلك مُحال. ولما كان الأنباري مع الأكثرين فقد ردَّ رأي مخالفيهم بقوله: "وقولهم: إن النص مقطوع به، والعلة مضمونة، وإحالة الحكم على المقطوع به أولى من إحالته على المضمون إلى آخر ما قرروا، قلنا: الحكم إنما يثبت بطريق مقطوع به، وهو النص، ولكن العلة هي التي دعت إلى إثبات الحكم، فنحن نقطع على الحكم بكلام العرب، ونظن أن العلة هي التي دعت الواضع إلى الحكم؛ فالظن لم يرجع إلى ما يرجع إليه القطع، بل هما متغايران، فلا تناقض بينهما" انتهى. يعني: أن طريق القطع مغاير لطريق الظن، فلا منافاة بين الأمرين ولا تضاد. تقسيم العلة إلى بسيطة ومركبة ذكر السيوطي أن العلة قد تكون بسيطة، وقد تكون مركبة. فالبسيطة هي التي يقع التعليل بها من وجه واحد، كالتعليل بالاستثقال في تقدير الضمة في حالة الرفع، والكسرة في حالة الجر في الاسم المنقوص، والجوار كتعليل جرّ "خرب" الواقع نعتًا لمرفوع في قولهم: "هذا جحر ضب خرب". بمجاورته لمجرور، والمشابهة كتعليل إعراب الفعل المضارع إذا لم يتصل بنوني التوكيد والنسوة بمشابهته للاسم، ونحو ذلك.

стр. 212

والمركبة: هي ما تركبت من عدة أوصاف اثنين فصاعدًا، كتعليل قلب واو "ميزانٍ" و"ميعادٍ"، بوقوع كل منهما ساكنة إثر كسرة؛ إذ الأصل فيهما "موزان" و"موعاد"، لأنهما من الوزن والوعد؛ فالعلة في القلب فيهما ليس مجرد سكون الواو فقط، ولا وقوعها بعد كسرة فقط، بل العلة مجموع الأمرين معًا، وذلك كثير جدًّا. وقد يُزاد في العلة صفة لضرب من الاحتياط أي: لا للتأثير ولا للاحتراز؛ بحيث لو أسقطت هذه الصفة لم يقدح فيها، أي: لم يؤثر إسقاطها في العلة، كتعليل ابن عصفور حذف التنوين من العلم الموصوف بابن مضاف إلى عَلَم، نحو: "هذا زيد بن سعيد"، بحذف التنوين من "زيد" بعلة مركبة من مجموع أمرين: كثرة الاستعمال مع التقاء الساكنين. والنحاة غيره لم يُعلِّلوه إلا بكثرة الاستعمال فقط، بدليل حذفه من نحو: هذه هند بنت عاصم، على لغة من صرف هندًا، وإن لم يلتقِ هنا ساكنان، وكأنه لمَّا رأى انتقاض العلة احتاج إلى قوله: "ومن العرب من يحذف لمجرَّد كثرة الاستعمال" انتهى. قال السيوطي: "وهذه -يعني: كثرة الاستعمال- العلة الصحيحة المطردة في الجميع، لا ما علل به أولًا" يريد السيوطي أن ما علَّل به ابن عصفور أولًا هو زيادة في العلة لضرب من الاحتياط، ومن الأمثلة التي أوردها السيوطي للعلة المركبة قول الزمخشري في (المفصل) في "الذي": "ولاستطالتهم إيَّاه بصلته، مع كثرة الاستعمال خفَّفوه من غير وجه فقالوا: الذِ. بحذف الياء، ثم الذ. بحذف الحركة، ثم حذفوه رأسًا واجتزءوا عنه بالحرف الملتبس به وهو لام التعريف، وقد فعلوا ذلك بمؤنث اللتي فقالوا: اللتِ، واللت" انتهى.

стр. 213

أي: فالعلة فيما فعلوا من تخفيف في الاسم الموصول مجموع الأمرين: استطالته بالصلة أي: عدُّهم إياه طويلًا بسبب صلته، مع كثرة الاستعمال. ومن العلل المركبة التي أوردها السيوطي أيضًا: ما نقله عن ابن النحاس في التعليل لالتزام العرب الفصل بين أن المخففة من الثقيلة وبين خبرها إذا كان جملة فعلية فعلها متصرف، لعلة مركبة من مجموع أمرين، وهما: العوض من تخفيفها، وإيلاؤها ما لم يكن يليها. والفصل الذي أشار إليه ابن النحاس ما ذكره النحويون من أن المخففة من الثقيلة إذا وليها فعل متصرف يكون بجملته خبرًا لها؛ وجب أن يكون مفصولًا منها بـ"لن" نحو قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ (البلد: ٥)، أو بـ"لم" كقوله : ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ (البلد: ٧)، أو بـ"لا" كقول المولى ﵎: "وحسبوا ألا تكونُ فتنة" (المائدة: ٧١) في قراءة رفع تكون، أو بشرط نحو قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ (النساء: ١٤٠)، أو بـ"لو" كقوله : ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ (الأعراف: ١٠٠) أو بـ"قد" نحو قوله سبحانه: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ (المائدة: ١١٣)، أو بحرف تنفيس كقول الله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ (المزمل: ٢٠). من شرط العلة: أن تكون هي الموجِبة للحكم ذكر السيوطي أن من شرط العلة أن تكون هي الموجبة للحكم في المقيس عليه، وقال: "ومن ثَمَّ خطَّأ ابن مالك البصريين في قولهم: إن علة إعراب المضارع مشابهته للاسم في حركاته، وسكناته، وإبهامه، وتخصيصه؛ فإن هذه الأمور ليست الموجبة لإعراب الاسم، وإنما الموجب له قبوله بصيغة واحدة معاني مختلفة، ولا يميزها إلا الإعراب".

стр. 214

وأقول: إن مراد البصريين بمشابهة المضارع للاسم في حركاته وسكناته موافقته خصوص لفظ اسم الفاعل في مطلق الحركات والسكنات، وعدد الحروف مطلقًا، أي: بغضِّ النظر عن خصوص الحركة أو الحرف، وموافقته له في تعيين الحروف الأصول والزوائد، كما في قولك: يضرب وضارب، ويكرم ومكرم، وينطلق ومنطلق، ويستخرج ومُستخرج. ومرادهم بمشابهة المضارع للاسم في إبهامه وتخصيصه: أنه يحتمل الحال والاستقبال، وشيوعه في زمنين يؤدِّي إلى الإبهام، ويخصص لأحد الزمنين بالقرينة ككلمة الآن التي تُخصصه للحال، أو كلمة غدٍ التي تُخصصه للمستقبل، وهو في هذا يشبه الاسم ككلمة "رجل" مثلًا فهي اسم مبهم شائع في جميع أفراد جنسه دون تخصيص، وهو صالح للتخصيص بقرينة الوصف، أو دخول الألف واللام، والدليل على دلالة الاسم على معانٍ مختلفة لا يُميزها إلا الإعراب أنك لو قلت: "ما أحسن زيد" بالوقف بالسكون على الكلمتين بعد "ما"، احتمل الكلام ثلاثة معانٍ: أنك تريد: ما أحسن زيدٌ، أي: نفي إحسان زيد، أو ما أحسن زيدًا أي: التعجب من إحسانه، أو ما أحسن زيدٍ؟ أي: الاستفهام عن أحسن جزء في زيد. فلولا الإعراب لالتبس التعجب بالاستفهام، والاستفهام بالنفي. وعليه فلا بد أن تكون هذه العلة، وهي توارد المعاني المختلفة المفتقرة في التمييز بينها إلى الإعراب على التركيب، هي الموجبة لإعراب الفعل المضارع، وذلك مثل قولهم: لا تأكل السمك وتشربُ اللبن، أو وتشربَ اللبن أو تشربِ اللبن؛ فالفعل "تأكل" مجزوم لوقوعه بعد لا الناهية الجازمة، وحُرك بالكسر للتخلص من التقاء الساكنين، ويجوز في الفعل تشرب الواقع بعد الواو ثلاثة أوجه بحسب ما تريد من المعاني؛ فإن أردت النهي عن كلٍّ من الفعلين على حدة جزمته، والواو عاطفة. وإن أردت النهي عن الجمع بينهما نصبته بأن مضمرة وجوبًا، والواو للمعية. وإن أردت النهي عن الأول فقط وإباحة الثاني رفعته، والواو للاستئناف، ولا يُبيِّن ذلك إلا الإعراب.

стр. 215

الخلاف في التعليل بالعلة القاصرة ذكر السيوطي نقلًا عن أبي البركات الأنباري: "أن العلماء قد اختلفوا في التعليل بالعلة القاصرة، وهي التي لا تتجاوز محل النص المعلل بها إلى غيره، فجوَّزها قوم، ومنعها قوم آخرون، ومثَّل لها بالعلة في قولهم: "ما جاءت حاجتك"، بنصب "حاجتك"، وقولهم: "عسى الغوير أبؤسًا"، فإن "جاءت" و"عسى" فيهما أُجريَا مُجرى "صار"؛ فجعل لهما اسم مرفوع وخبر منصوب، ولا يجوز أن يجري مجرى "صار" في غير هذين المثالين، فلا يقال مثلًا: ما جاءت حالتك، أي: ما صارت. ولا جاء زيد قائمًا، أي: صار زيد قائمًا، كما لا يجوز عسى الغوير أنعمًا، ولا عسى زيد قائمًا؛ بإجراء عسى مُجرى صار". وبيان ذلك: أن الأصل في جاء أن يكون فعلًا كسائر الأفعال، ومن العرب مَن لا يجعله متعديًا فيقول: جاء زيد إلى عمرو. ومنهم من يعدِّيه فيقول: جاء زيد عمرًا. فأما قول العرب: ما جاءت حاجتك، فمعناه: أية حاجة صارت حاجتك، فما في التركيب اسم استفهام مبتدأ في محل رفع، وجاءت بمعنى صارت، فهي فعل ماضٍ ناسخ ككان، واسمها ضمير مستتر فيها، وحاجتك خبرها، ومضاف إليه، والجملة الفعلية خبر ما في محل رفع. وأما قولهم: "عسى الغوير أبؤسًا"، فالغوير: تصغير غارٍ، والأبؤس: جمع بؤس وهو الشدة، والمعنى: لعل الشَّرَّ يأتيكم من قبل هذا الغار يُضرب للرجل يقال له: لعل الشر جاء من قبلك. والشاهد في المثالين العربيين: أن العلة فيهما لا تتجاوزهما لغيرهما، واستدلَّ أبو البركات الأنباري على صحتها بأنها ساوت العلة المتعدية في الإخالة والمناسبة، وزادت عليها بظاهر النقل، أي: فيما هي
следующие страницы →