← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 11199

أصول النحو 1 - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (308 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وذهب بعضهم إلى أنه يثبت في محل النص بالنص، ويثبت فيما عداه بالعلة، وذلك نحو النصوص المقبولة عن العرب المقيس عليها بالعلة الجامعة في جميع أبواب العربية، واستدلَّ أصحاب هذا الرأي لذلك بأن النص مقطوع به، والعلة مضمونة، وإحالة الحكم على المقطوع به أولى من إحالته على المضموم، ولا يجوز أن يكون الحكم ثابتًا بالنص والعلة معًا؛ لئلا يكون مقطوعًا به مظنونًا في حالة واحدة، وذلك مُحال. ولما كان الأنباري مع الأكثرين فقد ردَّ رأي مخالفيهم بقوله: "وقولهم: إن النص مقطوع به، والعلة مضمونة، وإحالة الحكم على المقطوع به أولى من إحالته على المضمون إلى آخر ما قرروا، قلنا: الحكم إنما يثبت بطريق مقطوع به، وهو النص، ولكن العلة هي التي دعت إلى إثبات الحكم، فنحن نقطع على الحكم بكلام العرب، ونظن أن العلة هي التي دعت الواضع إلى الحكم؛ فالظن لم يرجع إلى ما يرجع إليه القطع، بل هما متغايران، فلا تناقض بينهما" انتهى. يعني: أن طريق القطع مغاير لطريق الظن، فلا منافاة بين الأمرين ولا تضاد. تقسيم العلة إلى بسيطة ومركبة ذكر السيوطي أن العلة قد تكون بسيطة، وقد تكون مركبة. فالبسيطة هي التي يقع التعليل بها من وجه واحد، كالتعليل بالاستثقال في تقدير الضمة في حالة الرفع، والكسرة في حالة الجر في الاسم المنقوص، والجوار كتعليل جرّ "خرب" الواقع نعتًا لمرفوع في قولهم: "هذا جحر ضب خرب". بمجاورته لمجرور، والمشابهة كتعليل إعراب الفعل المضارع إذا لم يتصل بنوني التوكيد والنسوة بمشابهته للاسم، ونحو ذلك.

стр. 212

والمركبة: هي ما تركبت من عدة أوصاف اثنين فصاعدًا، كتعليل قلب واو "ميزانٍ" و"ميعادٍ"، بوقوع كل منهما ساكنة إثر كسرة؛ إذ الأصل فيهما "موزان" و"موعاد"، لأنهما من الوزن والوعد؛ فالعلة في القلب فيهما ليس مجرد سكون الواو فقط، ولا وقوعها بعد كسرة فقط، بل العلة مجموع الأمرين معًا، وذلك كثير جدًّا. وقد يُزاد في العلة صفة لضرب من الاحتياط أي: لا للتأثير ولا للاحتراز؛ بحيث لو أسقطت هذه الصفة لم يقدح فيها، أي: لم يؤثر إسقاطها في العلة، كتعليل ابن عصفور حذف التنوين من العلم الموصوف بابن مضاف إلى عَلَم، نحو: "هذا زيد بن سعيد"، بحذف التنوين من "زيد" بعلة مركبة من مجموع أمرين: كثرة الاستعمال مع التقاء الساكنين. والنحاة غيره لم يُعلِّلوه إلا بكثرة الاستعمال فقط، بدليل حذفه من نحو: هذه هند بنت عاصم، على لغة من صرف هندًا، وإن لم يلتقِ هنا ساكنان، وكأنه لمَّا رأى انتقاض العلة احتاج إلى قوله: "ومن العرب من يحذف لمجرَّد كثرة الاستعمال" انتهى. قال السيوطي: "وهذه -يعني: كثرة الاستعمال- العلة الصحيحة المطردة في الجميع، لا ما علل به أولًا" يريد السيوطي أن ما علَّل به ابن عصفور أولًا هو زيادة في العلة لضرب من الاحتياط، ومن الأمثلة التي أوردها السيوطي للعلة المركبة قول الزمخشري في (المفصل) في "الذي": "ولاستطالتهم إيَّاه بصلته، مع كثرة الاستعمال خفَّفوه من غير وجه فقالوا: الذِ. بحذف الياء، ثم الذ. بحذف الحركة، ثم حذفوه رأسًا واجتزءوا عنه بالحرف الملتبس به وهو لام التعريف، وقد فعلوا ذلك بمؤنث اللتي فقالوا: اللتِ، واللت" انتهى.

стр. 213

أي: فالعلة فيما فعلوا من تخفيف في الاسم الموصول مجموع الأمرين: استطالته بالصلة أي: عدُّهم إياه طويلًا بسبب صلته، مع كثرة الاستعمال. ومن العلل المركبة التي أوردها السيوطي أيضًا: ما نقله عن ابن النحاس في التعليل لالتزام العرب الفصل بين أن المخففة من الثقيلة وبين خبرها إذا كان جملة فعلية فعلها متصرف، لعلة مركبة من مجموع أمرين، وهما: العوض من تخفيفها، وإيلاؤها ما لم يكن يليها. والفصل الذي أشار إليه ابن النحاس ما ذكره النحويون من أن المخففة من الثقيلة إذا وليها فعل متصرف يكون بجملته خبرًا لها؛ وجب أن يكون مفصولًا منها بـ"لن" نحو قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ (البلد: ٥)، أو بـ"لم" كقوله : ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ (البلد: ٧)، أو بـ"لا" كقول المولى ﵎: "وحسبوا ألا تكونُ فتنة" (المائدة: ٧١) في قراءة رفع تكون، أو بشرط نحو قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ (النساء: ١٤٠)، أو بـ"لو" كقوله : ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ (الأعراف: ١٠٠) أو بـ"قد" نحو قوله سبحانه: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ (المائدة: ١١٣)، أو بحرف تنفيس كقول الله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ (المزمل: ٢٠). من شرط العلة: أن تكون هي الموجِبة للحكم ذكر السيوطي أن من شرط العلة أن تكون هي الموجبة للحكم في المقيس عليه، وقال: "ومن ثَمَّ خطَّأ ابن مالك البصريين في قولهم: إن علة إعراب المضارع مشابهته للاسم في حركاته، وسكناته، وإبهامه، وتخصيصه؛ فإن هذه الأمور ليست الموجبة لإعراب الاسم، وإنما الموجب له قبوله بصيغة واحدة معاني مختلفة، ولا يميزها إلا الإعراب".

стр. 214

وأقول: إن مراد البصريين بمشابهة المضارع للاسم في حركاته وسكناته موافقته خصوص لفظ اسم الفاعل في مطلق الحركات والسكنات، وعدد الحروف مطلقًا، أي: بغضِّ النظر عن خصوص الحركة أو الحرف، وموافقته له في تعيين الحروف الأصول والزوائد، كما في قولك: يضرب وضارب، ويكرم ومكرم، وينطلق ومنطلق، ويستخرج ومُستخرج. ومرادهم بمشابهة المضارع للاسم في إبهامه وتخصيصه: أنه يحتمل الحال والاستقبال، وشيوعه في زمنين يؤدِّي إلى الإبهام، ويخصص لأحد الزمنين بالقرينة ككلمة الآن التي تُخصصه للحال، أو كلمة غدٍ التي تُخصصه للمستقبل، وهو في هذا يشبه الاسم ككلمة "رجل" مثلًا فهي اسم مبهم شائع في جميع أفراد جنسه دون تخصيص، وهو صالح للتخصيص بقرينة الوصف، أو دخول الألف واللام، والدليل على دلالة الاسم على معانٍ مختلفة لا يُميزها إلا الإعراب أنك لو قلت: "ما أحسن زيد" بالوقف بالسكون على الكلمتين بعد "ما"، احتمل الكلام ثلاثة معانٍ: أنك تريد: ما أحسن زيدٌ، أي: نفي إحسان زيد، أو ما أحسن زيدًا أي: التعجب من إحسانه، أو ما أحسن زيدٍ؟ أي: الاستفهام عن أحسن جزء في زيد. فلولا الإعراب لالتبس التعجب بالاستفهام، والاستفهام بالنفي. وعليه فلا بد أن تكون هذه العلة، وهي توارد المعاني المختلفة المفتقرة في التمييز بينها إلى الإعراب على التركيب، هي الموجبة لإعراب الفعل المضارع، وذلك مثل قولهم: لا تأكل السمك وتشربُ اللبن، أو وتشربَ اللبن أو تشربِ اللبن؛ فالفعل "تأكل" مجزوم لوقوعه بعد لا الناهية الجازمة، وحُرك بالكسر للتخلص من التقاء الساكنين، ويجوز في الفعل تشرب الواقع بعد الواو ثلاثة أوجه بحسب ما تريد من المعاني؛ فإن أردت النهي عن كلٍّ من الفعلين على حدة جزمته، والواو عاطفة. وإن أردت النهي عن الجمع بينهما نصبته بأن مضمرة وجوبًا، والواو للمعية. وإن أردت النهي عن الأول فقط وإباحة الثاني رفعته، والواو للاستئناف، ولا يُبيِّن ذلك إلا الإعراب.

стр. 215

الخلاف في التعليل بالعلة القاصرة ذكر السيوطي نقلًا عن أبي البركات الأنباري: "أن العلماء قد اختلفوا في التعليل بالعلة القاصرة، وهي التي لا تتجاوز محل النص المعلل بها إلى غيره، فجوَّزها قوم، ومنعها قوم آخرون، ومثَّل لها بالعلة في قولهم: "ما جاءت حاجتك"، بنصب "حاجتك"، وقولهم: "عسى الغوير أبؤسًا"، فإن "جاءت" و"عسى" فيهما أُجريَا مُجرى "صار"؛ فجعل لهما اسم مرفوع وخبر منصوب، ولا يجوز أن يجري مجرى "صار" في غير هذين المثالين، فلا يقال مثلًا: ما جاءت حالتك، أي: ما صارت. ولا جاء زيد قائمًا، أي: صار زيد قائمًا، كما لا يجوز عسى الغوير أنعمًا، ولا عسى زيد قائمًا؛ بإجراء عسى مُجرى صار". وبيان ذلك: أن الأصل في جاء أن يكون فعلًا كسائر الأفعال، ومن العرب مَن لا يجعله متعديًا فيقول: جاء زيد إلى عمرو. ومنهم من يعدِّيه فيقول: جاء زيد عمرًا. فأما قول العرب: ما جاءت حاجتك، فمعناه: أية حاجة صارت حاجتك، فما في التركيب اسم استفهام مبتدأ في محل رفع، وجاءت بمعنى صارت، فهي فعل ماضٍ ناسخ ككان، واسمها ضمير مستتر فيها، وحاجتك خبرها، ومضاف إليه، والجملة الفعلية خبر ما في محل رفع. وأما قولهم: "عسى الغوير أبؤسًا"، فالغوير: تصغير غارٍ، والأبؤس: جمع بؤس وهو الشدة، والمعنى: لعل الشَّرَّ يأتيكم من قبل هذا الغار يُضرب للرجل يقال له: لعل الشر جاء من قبلك. والشاهد في المثالين العربيين: أن العلة فيهما لا تتجاوزهما لغيرهما، واستدلَّ أبو البركات الأنباري على صحتها بأنها ساوت العلة المتعدية في الإخالة والمناسبة، وزادت عليها بظاهر النقل، أي: فيما هي

стр. 216

خاصة به ومقصورة عليه، فإن لم يكن ذلك علامة للصحة؛ فلا أقل من ألا يكون علامة على الفساد. والإخالة هي المناسبة، فالعطف عطف تفسير، ومعنى الإخالة والمناسبة بيان وجه الارتباط والتعلق بين العلة والحكم. وهناك رأي آخر مقابل للرأي السابق في العلة القاصرة ذكره السيوطي نقلًا عن الأنباري أيضًا، وهو: أن هناك قومًا قالوا عنها إنها علة باطلة لأن العلة إنما تراد لتعديتها، أي: لتعدية حكم الأصل إلى الفرع، وهذه العلة لا تعدية فيها، فلا فائدة لها لأنها لا فرع لها، والحكم فيها ثابت بالنص لا بها، أي: فيكون ذكرها حينئذٍ عبثًا. وأجيب بأنا لا نسلم أن العلة إنما تُراد للتعدية، فإن العلة إنما كانت علة لإخالتها ومناسبتها لا لتعديتها، أي: وإن كانت التعدية لازمة لها غالبًا، ولا نسلم أيضًا عدم فائدتها، فإنها تفيد الفرق بين المنصوص الذي يُعرف معناه، والمنصوص الذي لا يُعرف معناه، وهو الذي يقال له سماعي؛ فلا يقاس عليه لعدم تعقُّل معنى الحكم حتى يُنظر أوجد في غيره أم لا؟ وتفيد كذلك أنه ممتنع ردُّ غير المنصوص عليه، وتفيد أيضًا أن الحكم ثبت في المنصوص عليه بهذه العلة، وهذه الإجابة من الأنباري تدلُّ على أنه ممن يرى جواز التعليل بالعلة القاصرة لتعدد فوائدها. ونقل السيوطي عن ابن مالك ذكره في (شرح التسهيل): "أنهم علَّلوا سكون آخر الفعل المسند إلى التاء، ونحوه بقولهم: لئلا تتوالى أربع حركات فيما هو كالكلمة الواحدة، وهذه العلة ضعيفة لأنها قاصرة؛ إذ لا يوجد التوالي إلا في الثلاثي الصحيح، وبعض الخماسي كانطلق وانكسر، والكثير لا يتوالى فيه والسكون عام في الجميع، قال السيوطي: "فمنع -أي: ابن مالك- العلة القاصرة". والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 217

الدرس: ١٦ القياس (٥)

стр. 218

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السادس عشر (القياس (٥)) جوازُ التعليل بعلتين الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فاعتمد السيوطي في مسألة جواز تعليل الحكم بعلتين على النقل من كتابي (الخصائص) و (لُمع الأدلة) فذكر نقلًا عما أورده ابن جني في (الخصائص) في باب عنوانه: باب في حكم المعلول بعلتين، ذكر من أمثلة هذا الباب: قولهم: "هؤلاء مسلميَّ"؛ فإن الأصل: "مسلموي"؛ فقلبت الواو ياءً لأمرين، كل واحد منهما على حدته موجب للقلب من غير احتياج إلى الآخر: أحدهما: اجتماع الواو والياء وسبق الأولى منهما بسكون. والآخر: أن ياء المتكلم أبدًا تكسر الحرف الذي قبلها لمناسبتها؛ فوجب قلب الواو ياءً وإدغامها في الياء ليمكن كسر ما قبل ياء المتكلم؛ فهذه علة غير العلة الأولى في وجوب قلب الواو ياء. ومن المعلول بعلتين أيضًا قولهم: "سِيٌّ" في "لا سيما"، والسيُّ: هو المثل والنظير، تقول: أتقن علوم العربية؛ ولا سيما النحوِ، أو ولا سيما النحوُ، والمعنى: ولا مثل النحو، أو وبخاصة النحو، وسِيٌّ أصله: سِوْيٌ؛ قلبت الواو ياء إن شئت؛ لأنها ساكنة غير مدغمة وبعد كسرة، وإن شئت لأنها ساكنة قبل الياء؛ فهاتان علتان اثنتان: إحداهما: كعلة قلب ميزان، وأصله: مِوْزان، والأخرى كعلة: طَيّ ولَيّ، مصدري: طوَيْتُ ولوَيْتُ، وأصل المصدرين: طوْيٌ ولوْيٌ، وكل من هاتين العلتين مؤثرة على حدة في القلب. كما ذكر السيوطي نقلًا عن (الخصائص): في باب عنوانه: باب في تقاوض السماع وتقارع الانتزاع: أنه قد يكثر الشيء؛ فيسأل عن علته كرفع الفاعل

стр. 219

ونصب المفعول، فيذهب قوم إلى شيء وآخرون إلى غيره؛ فيجب إذًا تأمل القولين واعتماد أقواهما ورفض الآخر؛ فإن تساويا في القوة لم ينكر اعتقادهما جميعًا؛ فقد يكون الحكم الواحد معلولًا بعلتين. ونقل السيوطي عن أبي البركات الأنباري أنه ذكر في (لمع الأدلة): أن العلماء اختلفوا في تعليل الحكم بعلتين فصاعدًا؛ فذهب قوم إلى أنه لا يجوز؛ لأن هذه العلة -أي: النحوية- مشبهة بالعلة العقلية، والعلة العقلية لا يثبت الحكم معها إلا بعلة واحدة، أي: لأنها مؤثرة، ولا يوجد أثر واحد لمؤثرين؛ فذلك ما كان مشبهًا بها. وذهب قوم إلى أنه يجوز أن يعلل بعلتين فصاعدًا، وذلك مثل أن يدل على كون الفاعل ينزل منزلة الجزء من الفعل بعلل متعددة: الأولى: أنه تسكن له لام الفعل إذا اتصل به ضمير رفع متحرك، نحو: ضربت وضربنا وضربن. والثانية: أنه يمتنع العطف عليه إذا كان ضميرًا متصلًا بينه وبين ما عطف عليه بشيء؛ كالفصل بالضمير المنفصل مثل: لقد اجتهدتَ أنتَ وإخوانُك؛ فما بعد الواو معطوف على الضمير المرفوع المتصل الواقع فاعلًا في محل رفع، وصح ذلك للفصل بالضمير المنفصل -وهو: أنت- والضمير المرفوع المستتر في ذلك كالضمير المتصل، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ (البقرة: ٣٥) فـ"زوجك" معطوف على الضمير المستتر في ﴿اسْكُنْ﴾، وصح ذلك للفصل بالضمير المنفصل أنت أيضًا؛ وإنما اشترط الفصل لأن الضمير المرفوع المتصل أو المستتر كالجزء من عامله لفظًا ومعنًى ولا يعطف على جزء الكلمة؛ فإذا فصل بينه وبين ما عطف عليه بفاصلٍ ما حصل له نوع من الاستقلال.

стр. 220

والثالثة: وقوع الإعراب بعده في الأمثلة الخمسة؛ فنقول: الطلاب يجتهدون، ولم يقصروا ولن يقصروا؛ فواو الجماعة في الأفعال الثلاثة المذكورة ضمير رفع؛ لأنها فاعل، والفعل الأول مرفوع بثبوت النون، والثاني مجزوم بحذفها، والثالث منصوب بحذفها كذلك؛ فإعراب الثلاثة وقع بعد الضمير، ومن المعلوم أن الإعراب إنما يكون في أواخر الكلم؛ مما يدل على أن الضمير المرفوع عد كالجزء من الفعل وكأن آخر الفعل ما بعده. والرابعة: اتصال تاء التأنيث بالفعل إذا كان الفاعل أو نائبه مؤنثًا. والخامسة: قول العرب في النسب إلى كنت: كُنتيٌّ؛ فاعتبروا كان واسمها وهو ضمير مرفوع متصل كلمة واحدة؛ فألحقوا بآخرها علامة النسب، وهي: الياء المشددة؛ كقول الشاعر: فأصبحت كنتيًّا وأصبحت عاجنا ... وشر خصال المرء كنت وعاجن فقوله: "كنتيٌّ" معناه: أن يقول: كنت أفعل في شبابي كذا، وكنت في حداثتي أصنع كذا، والعاجن: هو الذي أسن فلا يستطيع القيام إلا إذا اعتمد على يديه من شدة ضعفه؛ فأجروا ضمير الرفع مجرى الدال من "زيد"، وكأنهم نبهوا بهذا على قوة اتصال الفعل بهذا الضمير المتصل به؛ وأنهما قد حلَّا جميعًا محل الجزء الواحد. والسادسة: قولهم "حبذا" من نحو: حبذا زيدٌ، يعني أنهم ركبوا "حب" وهو فعل، مع اسم الإشارة "ذا"؛ فصار بمنزلة اسم واحد حكم على موضعه بالرفع على الابتداء، وهو ظاهر مذهب الخليل وسيبويه -كما في (الكتاب)، وقد تغلب على المركب في هذا القول جانب الاسمية. والسابعة: قولهم: لا أحبذه، أي: لا أقول له مادحًا إياه: حبذا؛ فلا نافية، وأحبذ فعل مضارع فاعله ضمير مستتر تقديره أنا، والهاء مفعوله، وقد تغلب على المركب في هذا القول جانب الفعلية.

стр. 221

والثامنة: إبدالهم تاء الضمير طاء في قولهم: فحصْطُ برجلي، وأصله: فحصت؛ فشبهوا تاء الفاعل بتاء افتعل؛ كاصطبر، وأصله: اصتبر؛ فأبدلت التاء طاء لتجانس الصاد في الإطباق، والإطباق: هو أن ترفع في النطق أطراف لسانك إلى الحنك الأعلى مطبقًا له؛ فيفخم نطق الحرف، وحروف الإطباق هي: الصاد، والضاد، والطاء، والظاء. قال ابن جني في (سر صناعة الإعراب): "ووجه شبه تاء فعلتُ بتاء افتعَلَ: أنها ضمير الفاعل وضمير الفاعل قد أجري في كثير من أحكامه من الفعل مجرى بعض أجزاء الكلمة من الكلمة وذلك لشدة اتصال الفعل بالفاعل". انتهى. فهذه ثماني عِلَل عُلِّلَ بها حكم واحد مما يدل على جواز تعدد العلل لحكم واحد في العربية؛ قال الأنباري في (لمع الأدلة) بعد إيراده هذه العلل وغيرها: وتمسكوا -أي: مجيزو التعدد- في الدلالة على جواز ذلك بأن هذه العلة ليست موجبة؛ وإنما هي أمارة ودلالة على الحكم، وكما يجوز أن يستدل على الحكم بأنواع من الأمارات والدلالات؛ فكذلك يجوز أن يستدل عليه بأنواع من العلل. وعقب الأنباري بقوله: وهذا ليس بصحيح، وقولهم: إن هذه العلة ليست موجبة وإنما هي أمارة ودلالة. قلنا: ما المعني بقولكم إنها ليست موجبة؟! - إن عنيتم أنها ليست موجبة كالعلل العقلية كالتحرك لا يعلل إلا بالحركة أو العالمية لا تعلل إلا بالعلم فمسلم؛ وإن عنيتم أنها غير مؤثرة بعد الوضع على الإطلاق فلا نسلم؛ فإنها بعد الوضع أصبحت بمنزلة العلل العقلية؛ فينبغي أن تجري مجراها. انتهى.

стр. 222

جوازُ تعليل حكمين بعلة واحدة افتتح السيوطي هذه المسألة بعد العنوان بقوله: قال في (الخصائص): سواء لم يتضادا أم تضادا كقولهم: مررت بزيد ... إلخ. وكعادة السيوطي نراه يتصرف في النقل؛ فيورد النص بالمعنى ويتجه غالبًا إلى الإيجاز والاختصار، وعبارة ابن جني منقولة بمعناها من باب عنوانه: باب في تقاوض السماع وتقارع الانتزاع، أي: في اطِّراد السماع في شيء وتخالف الاستنباط فيه؛ قال ابن جني في هذا الباب: واعلم أن اللفظ قد يرد شيء منه فيجوز جوازًا صحيحًا أن يستدل به على أمر ما، وأن يستدل به على ضده ألبتة، وذلك نحو: مررت بزيد، ورغبت في عمرو، وعجبت من محمد، وغير ذلك من الأفعال الواصلة بحروف الجر؛ فأحد ما يدل عليه هذا الضرب من القول أن الجار معتد من جملة الفعل الواصل به؛ ألا ترى أن الباء في "مررت بزيد" معاقبة لهمزة النقل في نحو: "أمررت زيدًا" وكذلك: أخرجته وخرجت به، وأنزلته ونزلت به؛ فكما أن همزة "أفعل" مصوغة فيه كائنة من جملته؛ فكذلك ما عاقبها من حروف الجر، يعني: ينبغي أن يعتد أيضًا من جملة الفعل لمعاقبته ما هو من جملته .... فهذا وجه. والآخر: أن يدل ذلك على أن حرف الجر جارٍ مجرى بعض ما جره؛ ألا ترى أنك تحكم لموضع الجار والمجرور بالنصب؛ فيعطف عيه فينصب لذلك؟ فتقول: مررت بزيد وعمرًا، وكذلك أيضًا لا يفصل بين الجار والمجرور؛ لكونهما في كثير من المواضع بمنزلة الجزء الواحد؛ أفلا تراك كيف تقدر اللفظ الواحد تقديرين مختلفين وكل واحد منهما مقبول في القياس متلقًّى بالبشر والإيناس؟!. انتهى.

стр. 223

ومجمل ما ذكره ابن جني في هذا النص: أن نحو: مررت بزيد، ونظائره مما يتعدى فيه الفعل بحرف من حروف الجر يستدل به على أن الجار والمجرور معدود من جملة الفعل؛ كما يستدل به على ضد ذلك -أي: على أنه معدود من جملة الاسم المجرور به، ووجه كونه معدودًا من جملة الفعل أنه معدٍّ للفعل؛ فهو بمنزلة همزة التعدية التي تكون مجعولة حرفًا من بنية الفعل: وهي همزة أفعل؛ فكذلك ما عاقبها -يعني: ما ناب عنها وخلفها. ووجه كونه جاريًا مجرى بعض مجروره أمران: أحدهما: أنه يحكم لموضع الجار والمجرور بالنصب؛ فيعطف عليهما بالنصب مراعاة لموضعهما في نحو: مررت بزيد وعمرًا؛ فعمرًا منصوب عطفًا على موضع بزيد عند ابن جني. والآخر: أنه لا يفصل بينهما بفاصل؛ لأنهما بمنزلة الجزء الواحد. ونحن نلاحظ أن السيوطي لم يذكر في (الاقتراح) ما أجازه ابن جني من نحو: مررت بزيدٍ وعمرًا؛ لأنه لا يجيز ما أجازه ابن جني من مثل هذا الإعراب؛ وإنما يختار مذهب المحققين في اشتراطهم في العطف على الموضع إمكان ظهور هذا الموضع في فصيح الكلام، ولا يجوز في فصيح الكلام أن يقال: مررت زيدًا، ومن هنا؛ لا يجوز العطف بالنصب عندهم ما دام المعطوف عليه لا يجوز نصبه وإسقاط الجار منه في الكلام الفصيح؛ لما فيه من تعدية القاصر بنفسه. أما قول جرير: تمرون الديار ولم تعوجوا ... كلامكمو عليَّ إذًا حرامُ فمقصور على السماع، أو ضرورة.

стр. 224

وابن جني لم يشترط ما اشترطه المحققون الذين يجيزون نحو: مررت بزيد وعمرًا؛ لكنهم يعربون ما بعد الواو مفعولًا به لفعل محذوف تقديره: وجزت عمرًا، مثلًا، وقد أعاد ابن جني حديث: مررت بزيد، ونحوه، في باب التقديرين المختلفين لمعنيين مختلفين في (الخصائص) وعقب عليه بقوله: فإنه مما يقبله القياس ولا يدفعه. انتهى. وأورد السيوطي مثالًا آخر نقلًا عن (الخصائص) أيضًا فقال: وقال -أي: ابن جني- في موضع آخر: باب في أن سبب الحكم قد يكون سببًا لضده على وجه، هذا باب ظاهره التدافع -أي: التعارض- وهو -مع استغرابه- صحيح واقع؛ وذلك نحو قولهم: القود -أي: القصاص- والحوكة -والحوكة جمع حائك، من حاك الثوب يحوكه حوكًا وحياكًا وحياكة: أي نسجه. قال السيوطي ملخِّصًا ما قال ابن جني في تصحيح الواو الواقعة عينًا لكلمة القود والحوكة ونظائرهما: فإن القاعدة في مثله الإعلال بقلب الواو ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها؛ لكنهم شبهوا حركة العين التابعة لها بحرف اللين -أي: بحرف الألف- التابع لها؛ فكأن فَعلًَا فَعالٌ؛ فكما صح نحو: جواب وهيام؛ صح باب القود والغيب ونحوه. انتهى. يعني السيوطي: أن القاعدة الصرفية تقضي بقلب الواو والياء ألفين إذا تحركتا وانفتح ما قبلهما؛ ولكن الكلمات التي جاءت عن العرب بتصحيح العين مما يخالف بظاهره هذه القاعدة؛ كالقود، والحوكة، والغيب، وهو جمع غائب، وكلها على وزن فعَل؛ فقد شبهوا الفتحة التي هي حركة العين في هذه الكلمات بحرف الألف؛ فعوملت معاملة ما كان وزنه فعالًا؛ كجواب، وهيام. ومن شروط قلب الواو والياء ألفين إذا تحركتا وانفتح ما قبلهما: أن يتحرك ما بعدهما إن كانتا عينين؛ ولذلك صحت العين في نحو: بيان، وطويل، وغيور؛

стр. 225

لسكون ما بعدهما؛ قال ابن جني معلقًا على ذلك: "ألا ترى إلى حركة العين التي هي سبب الإعلال كيف صارت على وجه آخر سببًا للتصحيح؟! وهذا هو وجه غريب المأخذ". انتهى. دَوْرُ العلة وقد استقى السيوطي مادة هذه المسألة من (الخصائص) كذلك، من باب عنوانه: باب في دور الاعتلال، ويريد ابن جني بدور الاعتلال: أن يعلل الشيء بعلة معللة بذلك الشيء، والدور بين شيئين توقف كل منهما على الآخر، وهذا من مصطلحات المتكلمين ولهم فيه تقاسيم وبحوث. ذكر السيوطي أن ابن جني قال في (الخصائص): هذا نوع طريف، ذهب محمد بن يزيد -أي: المبرد- في وجوب إسكان اللام في نحو: ضربن وضربت، إلى أنه لحركة ما بعده من الضمير، يعني مع الحركتين قبل، أي: لئلا يتوالى أربع حركات -كما جاء في (الاقتراح) - وذهب أيضًا في حركة الضمير من نحو هذا؛ لأنها إنما وجبت لسكون ما قبله؛ فتارة اعتل بهذا لهذا، ثم دار تارة أخرى فاعتل لهذا بهذا. واستطرد السيوطي ناقلًا عن ابن جني بالمعنى فقال: "قال -أي: ابن جني-: وهو نظير ما أجازه سيبويه في جر الوجه من قولك: الحسن الوجه وأنه جعله تشبيهًا بالضارب الرجل مع أن جر الرجل تشبيهًا بالحسن الوجه، قال -أي: ابن جني-: إلا أن مسألة سيبويه أقوى من مسألة المبرد؛ لأن الشيء لا يكون علة نفسه، وإذا لم يكن كذلك كان من أن يكون علة علته أبعد". انتهى.

стр. 226

وإنما رجح ابن جني تعليل سيبويه في المسألة المذكورة جر الوجه تشبيهًا بجر الرجل في المثالين المذكورين ونحوهما؛ لأن لهذا الحمل مسوغًا قويًّا أشار إليه ابن جني بقوله: "وذلك أن الفروع إذا تمكنت قويت قوة تسوغ حمل الأصول عليها؛ وذلك لإرادتهم تثبيت الفرع والشهادة له بقوة الحكم". انتهى. أما تعليل المبرد؛ فليس له هذه القوة؛ إذ جعل الشيء علة نفسه؛ فتسكين اللام في باب ضربتُ؛ لحركة الضمير، وحركة الضمير لسكون اللام؛ فقال عنه ابن جني: شنيع الظاهر والعذر فيه أضعف منه في مسألة (الكتاب). تعارُضُ العلل مادة هذه المسألة ملخصة عن باب أورده ابن جني في (الخصائص): بالعنوان نفسه، وقد ذكر فيه ابن جني أن الكلام في معنى تعارض العلل ضربان: أحدهما: حكم يتجاذب وجوده وحصوله علتان فأكثر منهما. والآخر: حكمان في شيء واحد مختلفان دعت إليهما علتان مختلفتان. فالأول سبق ذكره عن ابن جني وهو: جواز التعليل بعلتين، ومثل له فيما مثل بقلب الواو ياء في نحو "مسلمِيَّ"؛ لأمرين ذكرناهما هناك. ومن الأمثلة التي ذكرها في باب تعارض العلل لهذا النوع أيضًا: رفع المبتدأ؛ فالبصريون يعتلون لرفعه بالابتداء، والكوفيون إما يرفعونه بالخبر الذي هو مرافعه؛ فالمبتدأ والخبر عندهم يترافعان؛ وإما بما يعود عليه من ذكره من الخبر على حسب مواقعه؛ وكذلك رفع الخبر، ورفع الفاعل ورفع ما أقيم مقامه، ورفع خبر "إنَّ" وأخواتها، وكذلك نصب ما انتصب، وجر ما انجر، وجزم ما

стр. 227

انجزم، مما يتجاذبه الخلاف في علله؛ فكل واحد من هذه الأشياء له حكم واحد تتنازعه العلل. انتهى. والثاني من ضربي تعارض العلل: كإعمال أهل الحجاز "ما" النافية تشبيهًا لها بـ"ليس"، أي لكونها مثلها لنفي الحال عند الإطلاق، وترك بني تميم إعمالها وإجرائهم إياها مجرى "هل" ونحوها مما لا يعمل؛ فكأن أهل الحجاز لما رأوها داخلة على المبتدأ والخبر دخول "ليس" عليهما ونافية للحال نفيها إياها؛ أجروها في الرفع والنصب مجراها، وكأن بني تميم لما رأوها حرفًا داخلًا بمعناه -يعني: لمجرد إفادة معنى النفي- على الجملة المستقلة بنفسها، ومباشرة لكل واحد من جزئيها؛ كقولك: ما زيد أخوك، وما قام زيد، أجروها مجرى "هل"؛ ألا تراها داخلة على الجملة لمعنى النفي دخول "هل عليها" للاستفهام؟! ولذلك كانت عند سيبويه لغة التميميين أقوى قياسًا من لغة الحجازيين. انتهى. وابن جني يشير بذلك إلى قول سيبويه في (الكتاب): "هذا باب ما أجري مجرى ليس في بعض المواضع بلغة أهل الحجاز، ثم يصير إلى أصله: وذلك الحرف: "ما": تقول: ما عبدُ الله أخاك وما زيدٌ منطلقًا؛ وأما بنو تميم فيجرونها مجرى "أما" و"هل"، أي: لا يعملونها في شيء؛ وهو القياس لأنه ليس بفعل وليس "ما" كـ"ليس" ولا يكون فيها إضمار". انتهى. يعني سيبويه: أن القياس في "ما" ألا تعمل؛ لعدم اختصاصها لأنها تدخل على الأسماء والأفعال؛ فشأنها شأن سائر الحروف غير المختصة؛ كـ"هل" و"إنما" وهمزة الاستفهام، وهي حرف؛ أما "ليس"؛ ففعل على الصحيح؛ فلا يكون فيها إضمار كـ"ليس"؛ أما "ليس"؛ فيضمر فيها، تقول: لست ولسنا وليسوا ... إلخ؛ فمذهب التميميين فيها أقوى من مذهب أهل الحجاز الذين أعملوها حملًا

стр. 228

لها على "ليس" في المعنى؛ فإنها مثلها لنفي الحال عند الإطلاق، أي: عند عدم التقيد بزمن آخر غير الحال؛ ومع ذلك فهي عندهم أضعف من "ليس"؛ ولذلك لا يعملونها إلا بشروط، كما عرفت في دراستك إياها في علم النحو. وكذلك "ليتما" وأصلها: "ليت"، وقد اتصلت بها "ما" الزائدة؛ فمن العرب من يلغيها عن العمل؛ إلحاقًا لها بأخواتها: "إنَّ، وأنَّ، وكأنَّ، ولعلَّ، ولكنَّ" إذا اتصلت بهن "ما" الزائدة؛ فإنها تكفهن عن العمل وتجعلهن حروف ابتداء وتهيئهن للدخول على الجمل الفعلية أيضًا بعد أن كن مختصات بالدخول على الجمل الاسمية، ومن كف "ليت" عن العمل بـ"ما" قال: لا تكون ليت في وجوب العمل بها أقوى من الفعل، وقد نرى الفعل إذا كف بـ"ما" زال عن عمله؛ وذلك كقولهم: قلما يقوم زيد؛ فـ"ما" دخلت على الفعل "قل" كافة له عن عمله. ومثله "كثُرما" و"طالما"؛ فكما دخلت "ما" على الفعل نفسه فكفته عن العمل وهيأته لغير ما كان قبلها متقاضيًا له؛ كذلك تكون "ما" كافة لـ"ليت" عن عملها ومصيِّرة لها إلى جواز وقوع الجملتين جميعًا بعدها. وبعض العرب يجعل "ليتما" ناصبة للاسم رافعة للخبر من غير أن تكفها "ما" الزائدة عن العمل؛ إلحاقًا لها بحروف الجر التي تدخل عليها "ما" الزائدة فلا تكفها عن العمل، مثل: الباء؛ كقوله : ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ (النساء: ١٥٥)، و"عن"؛ كقوله تعالى: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ (المؤمنون: ٤٠)، و"من" كقوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾ (نوح: ٢٥) في قراءة غير أبي عمرو من السبعة، واللام؛ كقول الأعشى: إلى ملكٍ خيرِ أربابه ... فإنَّ لِما كلِّ شيءٍ قرارا أي: فإن لكل شيء قرارًا.

стр. 229

وذكر ابن جني أن الفرق بين "ليت" وبين "كأنَّ ولعلَّ": أنها أشبه بالفعل منهما، وقال: ألا تراها مفردة وهما مركبتان؟! لأن الكاف زائدة واللام زائدة. انتهى. وقال السيوطي: وفُرِّق بينها -أي: بين "ليت"- وبين أخواتها بأنها أشبه بالفعل في الإفراد وعدد الحروف. انتهى. قال الإصباح: فإن "ليت" بوزن "ليس" بخلاف أخواتها. انتهى. وابن جني إنما ذكر في (الخصائص) الفرق بينها وبين "كأنَّ ولعلَّ" كما أوضحنا قريبًا، والذي يطمئن إليه الضمير العلمي في هذه المسألة في ضوء ما ورد في (الكتاب) لشيخ النحاة سيبويه وغيره ممن تناولها بالبحث والدراسة أن "ليتما" يجوز كفها عن العمل بـ"ما" المتصلة بها وهذا الإلغاء حسن، ويجوز إعمالها واعتبار "ما" زائدة غير كافة، يعني: وهذا الإعمال أحسن. وقد قال ابن يعيش في (شرح المفصل): "ومن ذلك: "ليتما" الإلغاء فيها حسن، والإعمال أحسن؛ لقوة شبهها بالفعل وعدم تغير معناها". انتهى. وعكس ذلك الحكم ابن الحاجب في "كافيته" وسار شارحه الرضي على مذهبه؛ فقال ابن الحاجب فيها: "وتلحقها "ما" فتلغى على الأفصح"، وقال الرضي في (الشرح) شارحًا ذلك: "إذا دخلت "ما" على "ليت"؛ جاز أن تعمل وأن تلغى، وروي قوله -أي: قول النابغة-: قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتِنا ونصفه فقَدِ رفعًا ونصبًا، يعني: برفع الحمام على إهمال "ليتما" ونصبه على إعمالها، ولم يسمع الإلغاء والإعمال عن العرب إلا مع "ليتما". ونتابع مع الرضي شرحه؛ فنجده يقول: والإلغاء أكثر؛ لأنها تخرج بما عن الاختصاص بالجملة الاسمية؛ فالأولى ألا تعمل". انتهى.

стр. 230

ولم يذكر الرضي شاهدًا واحدًا على دخول "ليتما" على الجملة الفعلية؛ بل قال أبو حيان في (ارتشاف الضرب): "وذهب الفراء إلى أنه لا يجوز كف "ما" لـ"ليت" ولا لـ"لعل"؛ بل يجب إعمالهما؛ فتقول: ليتما زيدًا قائم، ولعلما بكرًا قادم". انتهى. قال ابن عصفور في (شرح الجمل): "وأما الفراء؛ فزعم أن "ليت" قوي شبهها بالفعل؛ لكونها على مثال من أمثلة الفعل؛ ألا ترى أنها على وزن علْم المخفف من علِم". انتهى. وإنما كان لـ"ليتما" هذه المكانة مع ما ذكره ابن جني أنَّ أخواتها ورد في فصيح الكلام: وهو القرآن الكريم وبعده كلام العرب، ورد زوال اختصاصها بالدخول على الجمل الاسمية، ودخلت في هذا الكلام الفصيح على الجمل الفعلية؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: ٣٨) وقال سبحانه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ (المؤمنون: ١١٥) وقال عز من قائل: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ (الأنفال: ٦) وقال امرؤ القيس: ولكنما أسعى لمجدٍ مؤثَّل ... وقد يدرك المجدَ المؤثَّلَ أمثالي فأولى "لكنما" الفعل، والمجد المؤثل: هو المجد الثابت الموطد، وقال الفرزدق: أعد نظرًا يا عبد قيس لعلما ... أضاءت لك النارُ الحمارَ المقيَّدا فأولى "لعلما" الفعل. قال ابن عصفور في المصدر السابق بعد إيراده الشواهد القرآنية والشعرية السابقة التي زال فيها من الأحرف الخمسة المذكورة اختصاصها: "وأما "ليتما"؛ فلم تولها العرب الفعل قط؛ لا يحفظ من كلامهم: ليتما يقوم زيد". انتهى.

стр. 231

ومن الضرب الثاني لتعارض العلل أيضًا: "هلم": فقد ألحقها الحجازيون باسم الفعل الأمر لدلالتها على الأمر من غير أن تقبل علامة فعل الأمر؛ فلا تتصل بها نون التوكيد، وتكون بلفظ واحد للمفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث، وبلغتهم جاء التنزيل، وقد وردت متعدية بمعنى: أحضر وهات، ومنه قوله تعالى: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ (الأنعام: ١٥٠)، ولازمة بمعنى: ايتِ وأقبل، وتتعدى بإلى كقوله : ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ (الأحزاب: ١٨). والتميميون يلحقونها العلامات؛ فهي عندهم فعل أمر؛ فتتصل بها الضمائر على حد اتصالها بالأفعال؛ فيقولون: هلم، وهلمي، وهلما، وهلموا، وهلممن، على حسب نوع المخاطب وعدده استصحابًا ومراعاة لأصلها؛ فهي في الأصل مركبة من "ها" التي للتنبيه و"لم" التي هي فعل أمر من قولهم: لم الله شعثه، أي: جمعه؛ كأنه قيل: اجمع نفسك إلينا، وحذفت ألف "ها" لكثرة الاستعمال. جوازُ التعليل بالأمور العدَمية قال السيوطي: "يجوز التعليل بالأمور العدمية؛ كتعليل بعضهم بناء الضمير باستغنائه عن الإعراب باختلاف صيغه لحصول الامتياز بذلك". انتهى. ومن النحاة الذين أشار إليهم السيوطي: ابن مالك الذي قال في (التسهيل): "ويبنى المضمر لشبهه بالحرف وضعًا وافتقارًا وجمودًا أو للاستغناء باختلاف صيغه لاختلاف المعاني".

стр. 232

وقال في (شرح التسهيل): بعد أن شرح المراد بشبه الحرف وضعًا وافتقارًا وجمودًا: "والمراد باختلاف صيغه لاختلاف المعاني: أن المتكلم إذا عبر عن نفسه خاصة؛ فله تاء مضمومة في الرفع وفي غيره ياء، يعني: وللمتكلم في غير الرفع ياء، وهي التي تسمى ياء المتكلم، وإذا عبر عن المخاطب فله تاء مفتوحة في الرفع، وفي غيره كاف مفتوحة في التذكير ومكسورة في التأنيث؛ فأغنى ذلك عن إعرابه؛ لأن الامتياز حاصل بدونه". انتهى. والخلاصة: أن بيان الوظائف المختلفة التي يؤديها الضمير في الجملة العربية حاصلة من غير حاجته إلى الإعراب للتمييز بينها؛ وذلك بسبب اختلاف صيغه الدالة على هذه الوظائف، والتعليل باختلاف الصيغ لبناء الضمير لحصول الامتياز بها مع عدم الحاجة إلى الإعراب لذلك هو ما عبر عنه السيوطي بـ"الأمور العدمية". والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 233

الدرس: ١٧ الدليل الرابع من أدلة الاحتجاج الغالبة عند النحاة: الاستصحاب

стр. 234

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السابع عشر (الدليل الرابع من أدلة الاحتجاج الغالبة عند النحاة: الاستصحاب) حجية الاستصحاب الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فالاستصحاب في اللغة: مصدر الفعل استصحب، أي: طلب الصحبة ودعا إليها؛ فالاستصحاب استفعال من الصحبة، يقال: استصحبت الكتاب، أي: حملته بصحبتي. وقبل تعريف الاستصحاب في اصطلاح النحويين لا بد من الإشارة إلى أن هذا المصطلح مصطلح فقهي في الأصل، وله عند الأصوليين تعريفات مختلفة: منها: بقاء الأمر ما لم يوجد ما يغيره. ومنها: استدامة ما كان ثابتًا ونفي ما كان منفيًّا. ومنها: الحكم على الشيء بما كان ثابتًا له أو منفيًّا عنه لعدم قيام الدليل على تغييره. وهذه التعريفات مختلفة في ألفاظها لكن معانيها متقاربة؛ إذ ترجع إلى معنى واحد وهو: إبقاء ما كان على ما كان. وقد انتقل هذا المصطلح من أصول الفقه إلى أصول النحو على يد أبي البركات الأنباري الذي جعل الاستصحاب أحد أصول النحو الغالبة؛ فقال في (لمع الأدلة): أقسام أدلته -يعني: النحو-: ثلاثة: نقل، وقياس، واستصحاب حال، وعرف الاستصحاب في (الإغراب في جدل الإعراب): بأنه إبقاء حال اللفظ على ما يستحقه في الأصل عند عدم دليل النقل عن الأصل. انتهى. ولا يختلف تعريف الاستصحاب عند الأصوليين عن تعريفه عند النحويين؛ فالمعنى واحد، وهو: إبقاء الحكم على ما كان عليه؛ فلا يلحقه تغيير إلا إذا قام الدليل على تغيير الحكم.

стр. 235

ولم يستعمل أحد من النحاة قبل الأنباري هذا المصطلح، ولا يعني هذا عدم استدلالهم به؛ فقد قيل: إن سيبويه قد استدل بهذا الدليل في مواضع كثيرة من كتابه، وإن لم يصرح به ولم يسمه استصحاب الحال أو استصحاب الأصل، ومن هذه المواضع: ما جاء في قوله تعالى ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (طه: ٤٣، ٤٤) فقد ذهب سيبويه في (الكتاب) إلى أن "لعل" على بابها من الترجي، وأن الترجي في حق موسى وهارون ﵉ وأن المعنى: اذهبا أنتما في رجائكما وطمعكما ومبلغكما من العلم؛ ففي كلام سيبويه إبقاء ما كان على ما كان، أي: إبقاء "لعل" على معناها الأصلي، وهو: الترجي؛ فبقي حال اللفظ على ما يستحقه ولم ينتقل عن أصله لعدم الدليل. وهذا هو الاستصحاب وإن لم يسمه سيبويه باسمه. وإذا كان سيبويه قد استدل باستصحاب الحال في كتابه؛ فقد اقتفى أثره الزجاجي في كتابه (الإيضاح في علل النحو) وابن جني في كتابه (الخصائص)؛ أما الزجاجي؛ فقد ذكر أن الحروف كلها مبنية ولا يعرب شيء منها، وعلل ذلك بأن أصلها البناء ولم يوجد دليل يخرجها عن أصلها؛ فوجب إبقاؤها على ما كانت عليه، وقال: بقيت الحروف كلها على أصولها مبنية؛ لأنها لم يعرض لها ما يخرجها عن أصولها. انتهى. فقد استدل الزجاجي باستصحاب الأصل دون أن يسميه. وأما ابن جني فقد أفرد في كتابه (الخصائص) بابًا عنوانه: باب في إقرار الألفاظ على أوضاعها الأول ما لم يدع داعٍ إلى الترك والتحول، ومعنى ما ذكره ابن جني في هذا الباب: أن اللفظ يبقى على ما يستحقه ولا ينتقل عنه إلا بدليل، وضرب ابن جني مثلًا بحرف العطف "أو"؛ فإنه في الأصل موضوع للدلالة على

стр. 236

أحد الشيئين شكًّا أو إبهامًا أو تخييرًا أو إباحةً، ولا يجوز أن تدل "أو" على معنى آخر إلا بدليل؛ فلا يجوز أن تكون بمعنى "بل" -كما زعم الفراء- ولا أن تكون بمعنى الواو -كما زعم قطرب. وقد رد ابن جني زعمهما وبين أن "أو" على بابها في قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (الصافات: ١٤٧) فقال: فأما قول الله سبحانه: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ فلا يكون في "أو" على مذهب الفراء بمعنى "بل" ولا على مذهب قطرب في أنها بمعنى الواو؛ لكنها عندنا على بابها في كونها شكًّا، وذلك أن هذا كلام خرج عن حكاية من الله لقول المخلوقين، وتأويله عند أهل النظر: وأرسلناه إلى جمع لو رأيتموه لقلتم أنتم فيهم: هؤلاء مائة ألف أو يزيدون. انتهى. ومع استدلال بعض السابقين من النحويين بهذا الأصل لم نجد أحدًا قبل الأنباري عرَّفه أو سمَّاه، وأول من فعل ذلك من النحويين هو أبو البركات في كتابيه: (الإغراب في جدل الإعراب)، و (لمع الأدلة) وعنهما نقل السيوطي في كتابه (الاقتراح). قال الأنباري في (لمع الأدلة): "وهو -أي: الاستصحاب- من الأدلة المعتبرة، والمراد به: استصحاب حال الأصل في الأسماء -وهو الإعراب- واستصحاب حال الأصل في الأفعال -وهو البناء- حتى يوجد في الأسماء ما يوجب البناء ويوجد في الأفعال ما يوجب الإعراب". انتهى. وقوله: "من الأدلة المعتبرة" معناه: أنه دليل من أدلة النحو التي يعتد بها ويعول عليها، والمثال الذي ذكره الأنباري ونقله عنه السيوطي هو: حكم الاسم والفعل من حيث الإعراب والبناء؛ فإن الأصل في الاسم أن يكون معربًا؛ لأن

стр. 237

الأسماء تعتورها المعاني؛ فتكون فاعلة ومفعولة ومضافة ومضافًا إليها، ولم تكن في صورها وأبنيتها أدلة على هذه المعاني؛ فجُعل الإعراب دليلًا على هذه المعاني؛ فتبين من ذلك أن العرب يفرقون بالإعراب بين المعاني المختلفة؛ كما تبين أن الإعراب أصل في الأسماء؛ ولما كان الإعراب أصلًا في الأسماء؛ لم يجُز أن يبنى شيء من الأسماء حتى يوجد ما يوجب البناء. وقد ذكر أبو البركات الأنباري ما يوجب البناء في بعض الأسماء فقال: "وما يوجب البناء في الأسماء هو شبه الحرف أو تضمن معنى الحرف؛ فشبه الحرف في نحو: الذي، وتضمن معنى الحرف في نحو: كيف". انتهى. ومعنى ما ذكره الأنباري: أن هناك أمرين يوجبان بناء بعض الأسماء: أحدهما: أن يشبه الاسم الحرف. والآخر: أن يتضمن الاسم معنى الحرف. فمثال الأول: "الذي"؛ فإنه مبني لأنه أشبه الحرف في الافتقار اللازم، أي: في كونه مفتقرًا إلى ما يفسر معناه ويبينه؛ فكما أن الحرف يفتقر إلى ما بعده؛ فكذلك الأسماء الموصولة وضعت على الافتقار في فهم معانيها إلى صِلتها؛ فلا يؤتى بها دون أن يؤتى بما يبينها؛ كما أن الحروف كذلك. ومثال الثاني: "كيف"، فقد ذكر الأنباري أن علة بنائه هي أنه تضمن معنى الحرف، ويطلق المتأخرون من النحاة على هذا التضمن اسم "الشبه المعنوي"، ومعناه: أن يتضمن الاسم معنى من معاني الحروف؛ فقد يشبه الاسم حرفًا موجودًا، وقد يشبه حرفًا غير موجود؛ فمثال ما أشبه حرفًا موجودًا: "كيف"؛ فإنها تستعمل للاستفهام، وهي تشبه حرفًا موجودًا -وهو الهمزة- ومثال ما أشبه حرفًا غير موجود: "هنا"؛ فإنها مبنية لأنها تدل على الإشارة، والإشارة

стр. 238

معنًى من المعاني، وحقها أن يوضع لها حرف يدل عليها؛ فلم يوضع؛ فبنيت أسماء الإشارة لشبهها في المعنى حرفًا مقدرًا. ومما سبق يمكن القول بأن: سبب بناء بعض الأسماء ينحصر في أمر واحد، وهو: شبه الاسم بالحرف، وأن ما ذكره الأنباري من تضمن الاسم معنى حرف هو نوع من أنواع هذا الشبه. وبعد أن انتهينا من بيان استصحاب الأصل في إعراب الأسماء نعود إلى كلام الأنباري في استصحاب الأصل في الأفعال وهو البناء؛ فنقول: إن الأصل في الفعل أن يكون مبنيًّا؛ لعدم اختلاف المعاني الدالة عليها، وما أعرب من الأفعال فإنما أعرب لعلة توجب إعرابه، وقد ذكر أبو البركات الأنباري ما يوجب الإعراب في بعض الأفعال فقال: "وما يوجب الإعراب من الأفعال؛ فهو مضارعة الاسم في نحو: يذهب، ويكتب، ويركب، وما أشبه ذلك". انتهى. ومعنى ما ذكره الأنباري: أن الفعل المضارع وحده هو الذي يعرَب، وأن غيره من الأفعال يظل على أصله من البناء؛ وإنما أعرب المضارع لأنه أشبه الاسم، ويحسن بنا أن نذكر هنا الأوجه التي أشبه فيها الفعل المضارع الاسم فاستحق الإعراب لذلك: إن الفعل المضارع قد أشبه الاسم في عدة أوجه: الوجه الأول: الإبهام والشيوع ثم التخصيص بالقرينة: فالفعل المضارع فيه شيوع، ثم يدخل عليه حرف يزيل شيوعه ويخلصه لشيء واحد؛ تقول: زيد يفعل؛ فيصلح أن يكون للحال أو للاستقبال؛ فإذا قلت: سيفعل أو سوف يفعل؛ فقد أدخلت عليه ما يزيل إبهامه ويخلصه لأحد الوجهين: وهو الاستقبال؛ فلا يصلح للحال؛ وهو بذلك بمنزلة الأسماء الشائعة؛ كرجل،

стр. 239

وفرس؛ لأنك تقول: جاءني رجل؛ فلا يختص بواحد من النوع، ثم تدخل عليه حرفًا يخصه بواحد معين، تقول: جاءني الرجل الذي تعلم؛ فيصير بحيث تضع اليد عليها؛ فقد تقرر المشابهة بين الاسم وهذا النوع من الفعل، من حيث: إنك أزلت الشياع في كل واحد منها بحرف أدخلته على أوله. والوجه الثاني: دخول لام الابتداء على الفعل المضارع كما تدخل على اسم الفاعل: تقول: إن زيدًا ليقاتل؛ كما تقول: إن زيدًا لمقاتل؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (النحل: ١٢٤). والوجه الثالث: أن الفعل المضارع توصف به النكرات؛ كقولك: مررت برجل يقوم، كما يكون اسم الفاعل صفة للنكرات تقول: مررت برجل قائم. والوجه الرابع: أن الفعل المضارع يشبه اسم الفاعل ويساويه في حركاته وسكناته، مثل: ضارب ويضرب، ومكبر ويكبر ... ونحو ذلك. إن الاسم يستصحب حاله وهو الإعراب؛ فلا يقال ببنائه حتى يوجد الدليل على البناء وهو مشابهة الحرف، وإن الفعل يستصحب حاله وهو البناء؛ فلا يقال بإعرابه حتى يوجد الدليل على الإعراب: وهو مشابهة الاسم. مكانة الاستصحاب بين أدلة النحو لقد بينا أن النحاة السابقين قد احتجوا بدليل الاستصحاب دون أن ينصُّوا على اسمه أو يعرفوه، وأن أول من فعل ذلك من النحويين: هو أبو البركات الأنباري؛ إذ عد الاستصحاب من أصول النحو المعتبرة ووافقه السيوطي فذكر أن أصول النحو الغالبة أربعة، وهي: السماع، والقياس، والإجماع، والاستصحاب، وعقد لكل أصل منها كتابًا في كتابه (الاقتراح) -أي: بابًا في

стр. 240

(الاقتراح) - وقد نقل السيوطي مسألتين عن كتاب (الإنصاف) لأبي البركات الأنباري، ودعاه إلى ذلك أمران: أحدهما: الرغبة في الوفاء بما ذكره في مقدمة (الاقتراح)؛ إذ قال: وضممت إليه من كتابه (الإنصاف) في مباحث الخلاف جملة. والآخر: كثرة مسائل الخلاف التي استدل فيها الأنباري بالاستصحاب في كتابه (الإنصاف في مسائل الخلاف). كما نقل السيوطي مسألة عن ابن مالك في (التسهيل) ومسألة عن الأندلسي في (شرح المفصل)؛ فهذه أربع مسائل نشير إليها مبينين الاستدلال فيها باستصحاب الحال، وهي: المسألة الأولى: القول بأن "كم" مفردة لا مركبة: وهو رأي البصريين، وحجتهم في ذلك -كما يقول الأنباري في (الإنصاف في مسائل الخلاف) -: "إن الأصل هو الإفراد؛ وإنما التركيب فرع؛ ومن تمسك بالأصل خرج عن عهدة المطالبة بدليل؛ ومن عدل عن الأصل افتقر إلى إقامة الدليل لعدوله عن الأصل، واستصحاب الحال أحد الأدلة المعتبرة". انتهى. فقد استدل البصريون على إفراد "كم" باستصحاب الحال؛ لأنه دليل يعول عليه. والمسألة الثانية: إعمال حرف القسم محذوفًا بعوض: فقد ذهب البصريون إلى أنه لا يجوز إعمال حرف الجر محذوفًا إلا بعوض؛ كألف الاستفهام في نحو: آللهِ ما فعلت كذا؟! أو هاء التنبيه نحو: "هالله" وحجتهم في ذلك -كما قال الأنباري في (الإنصاف) -: إن الأصل في حروف الجر ألا تعمل مع الحذف؛ وإنما تعمل معه في بعض المواضع إذا كان لها عوض؛ فإذا لم يوجد

стр. 241

بقيت على أصلها والتمسك بالأصل تمسك باستصحاب الحال، وهو من الأدلة المعتبرة. والمسألة الثالثة: دلالة كان على الحدث والزمان: وهذه المسألة منقولة عن ابن مالك في كتابه (تسهيل الفوائد)؛ إذ كان ابن مالك من الذين يستدلون باستصحاب الحال، وقد استدل بهذا الدليل في هذه المسألة في أثناء رده على من زعم أن "كان" تدل على الزمن ولا تدل على الحدث، وقد ذهب إلى هذا الرأي جماعة من العلماء، منهم ابن جني، المتوفى سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة من الهجرة، وابن برهان، المتوفى سنة ست وخمسين وأربعمائة، وعبد القاهر الجرجاني، المتوفى سنة إحدى وسبعين وأربعمائة، فقد ذهبوا إلى أن "كان" وأخواتها تدل على زمن وقوع الحدث ولا تدل على الحدث. ورد ابن مالك ﵀ دعواهم من عشرة أوجه، كان أولها وثانيها: أن بين أن هؤلاء النحاة جميعًا يذهبون إلى أن "كان" وأخواتها أفعال، ومن المعلوم أن الفعل يدل على الحدث والزمن؛ فإذا كانت كان وأخواتها أفعالًا؛ فإنها تدل لا محالة على الحدث والزمن؛ إبقاء للأصل: وهو دلالة الفعل عليهما. وقال ﵀ في (شرح التسهيل): "ودعواهم باطلة من عشرة أوجه: أحدها: أن مدعي ذلك -أي: من يدعي عدم دلالة "كان" على الحدث- معترف بفعلية هذه العوامل، والفعلية تستلزم الدلالة على الحدث والزمان معًا؛ إذ الدال على الحدث وحده مصدر، والدال على الزمان وحده اسم زمان، والعوامل المذكورة ليست بمصادر ولا أسماء زمان؛ فبطل كونها دالة على أحد المعنيين دون الآخر.

стр. 242

الثاني: أن مدعيَ ذلك معترف بأن الأصل في كل فعل الدلالة على المعنيين؛ فحكمه على العوامل المذكورة بما زعم إخراج لها عن الأصل؛ فلا يقبل إلا بدليل ... " إلى آخر ما قال ابن مالك في (شرح التسهيل). ولو أننا تأملنا ما نقله السيوطي في (الاقتراح) عن ابن مالك؛ لوجدنا السيوطي قد أوجز القول إيجازًا ليستدل على أن استصحاب الأصل يرد القول بأن "كان" وأخواتها تدل على الزمن دون الحدث، وقد ذكرنا من كلام ابن مالك ما تتم به الفائدة ويكمل به النفع. والمسألة الرابعة: موضع الضمير من "لولاك" ونحوه: ذهب الكوفيون إلى أن الضمير المتصل بـ"لولاك" ونحوه مرفوع، وحجتهم في ذلك: أنه لو وضع في موضع هذا الضمير اسم ظاهر لكان مرفوعًا، نحو: "والله لولا الله ما اهتدينا" ونحو ذلك، فلما كان الأمر كذلك وجب أن يكون الضمير في موضع رفع؛ لاستصحاب الأصل، يقول الأندلسي في (شرح المفصل): "استدل الكوفيون على أن الضمير في "لولاك" ونحوه مرفوع، بأن قالوا: أجمعنا على أن الظاهر الذي قام هذا الضمير مقامه مرفوع؛ فوجب أن يكون كذلك في هذا الضمير بالقياس عليه والاستصحاب". انتهى. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الأنباري لفرط عنايته بدليل الاستصحاب قد وافق الكوفيين في هذه المسألة، وذهب مذهبهم فيها مع بصريته الظاهرة وموافقته البصريين في جل المسائل التي ذكرها في كتابه (الإنصاف)؛ فقد وافق الكوفيين في هذه المسألة؛ فقال في (الإنصاف): "والصحيح ما ذهب إليه الكوفيون". انتهى. وبعد أن انتهينا من المسائل الأربع التي نقلها السيوطي عن الأنباري في (الإنصاف) وابن مالك في (شرح التسهيل) والأندلسي في (شرح المفصل) نشير

стр. 243

إلى أن السيوطي كان يعول على كلام الأنباري ويرى رأيه في أن الاستصحاب أصل من أصول النحو الغالبة؛ ويدل على أن هذا الرأي هو رأي السيوطي قوله: والمسائل التي استدل فيها النحاة بالأصل كثيرة جدًّا لا تحصى وقد كثرت المسائل التي استدل فيها السيوطي بالاستصحاب في مواضع متفرقة من مؤلفاته ونذكر هنا مسألتين: المسألة الأولى: الأصل في البناء أن يكون على السكون: ذكر السيوطي أن الأصل في البناء السكون؛ لأن السكون أخف؛ فلا يعدل عنه إلا لسبب، ولأن أصل عدم الحركة؛ فوجب استصحابه ما لم يمنع منه مانع. ووجه الاستشهاد بهذه المسألة: أن السيوطي استصحب أصل البناء: وهو السكون. والمسألة الثانية: تسكين فعل الأمر استصحابًا: يقول السيوطي في باب المضمر من كتابه (همع الهوامع): "إذا أسند الفعل إلى التاء والنون و"نا"؛ سكن آخره؛ كضربت، وضربن، ويضربن، واضربن، وضربنا، وعلة الإسكان عند الأكثر: كراهة توالي أربع حركات فيما هو كالكلمة الواحدة؛ لأن الفاعل كجزء من فعله وحمل المضارع على الماضي؛ وأما الأمر فيسكن استصحابًا". انتهى. ومعنى ما ذكره السيوطي: أن فعل الأمر يسكن استصحابًا للأصل؛ لأن الأصل في البناء أن يكون على السكون، ومن عناية السيوطي بهذا الأصل وعدِّه واحدًا من أصول النحو الغالبة؛ وجدناه لم يرتضِ اتخاذه دليلًا لعلة بناء "الآن"، ورد قول من استدل به وهو الفراء؛ إذ ذهب الفراء في أحد قوليه إلى أن علة البناء في

стр. 244

كلمة "الآن" هي أن هذه الكلمة منقولة عن الفعل الماضي "آنَ"؛ فبقيت على بنائه استصحابًا للأصل. قال الفراء: إن شئت جعلت الآن أصلها من قولك: آن لك أن تفعل، أدخلت عليها الألف واللام، ثم تركتها على مذهب فعَل؛ فأتاها النصب من نصب "فعَل" وهو وجه جيد؛ كما قالوا: ((نهى رسول الله ﷺ عن قيل وقال، وكثرة السؤال)). وكلام الفراء يشير إلى أن علة البناء في كلمة "الآن" هي استصحاب أصلها، وأصلها هو الفعل الماضي "آنَ"؛ ولم يرتضِ السيوطي استصحاب الأصل دليلًا في هذه المسألة؛ فرد كلام الفراء بقوله: ورد بأنه لو كان كذلك لم تدخل عليه "أل"؛ كما لا تدخل على ((قيل وقال)) ولجاز فيه الإعراب كما جاز في ((قيل وقال)) ... انتهى. وقوله: لجاز فيه الإعراب كما جاز في ((قيل وقال))، معناه: أن ((قيل وقال)) يجوز فيهما أن يقال: ((نهى رسول الله ﷺ عن قيلٍ وقالٍ)) بالجر، ولا يجوز الإعراب في "الآن"؛ فدل ذلك على أنه ليس مبنيًّا لاستصحاب حال البناء. وإذا كان الأنباري يرى أن الاستصحاب من أصول النحو الغالبة ومن الأدلة المعتبرة؛ فما مكانة هذا الدليل بين الأدلة الأخرى عند الأنباري؟ لقد أجاب الأنباري عن هذا السؤال مرتين في كتابه (لمع الأدلة): المرة الأولى: عندما ذكر أصول النحو؛ فقال: أقسام أدلته الثلاثة: نقل، وقياس، واستصحاب حال، ومراتبها كذلك؛ فدل كلامه على أن الاستصحاب يقع في مرتبة متأخرة عن مرتبتي: السماع، والقياس.

стр. 245

والمرة الثانية: حين قال عن الاستصحاب: استصحاب الحال من أضعف الأدلة؛ وعلة ضعفه تقدم السماع، والقياس، والإجماع عليه. ونلحظ في كلام الأنباري تأثره بالفقهاء؛ فقد نقل هذا المصطلح من علم أصول الفقه إلى علم أصول النحو، ولم يذكره أحد قبله، ووصفه بأنه أضعف الأدلة؛ كما وصفه الفقهاء بأنه آخر متمسك للناظر، وبأنه: آخر مدار الفتوى؛ فإن المفتي إذا سئل عن حادثة يطلب حكمها في الكتاب، ثم في السنة، ثم في الإجماع، ثم في القياس؛ فإن لم يجده يأخذ حكمها من استصحاب الحال في النفي والإثبات. ويدل على ضعف هذا الدليل: أنه لا يجوز الاستدلال به إلا إذا لم يوجد دليل آخر؛ فإن وجد دليل آخر؛ لم يجز الاستدلال بالاستصحاب. يقول الأنباري في (الإغراب في جدل الإعراب): "وأما استصحاب الحال فلا يجوز الاستدلال به ما وجد هناك دليل بحال". انتهى. ومعنى ما ذكره الأنباري: أنه يشترط لصحة الاحتجاج بالاستصحاب ألا يجد المستدل دليلًا غيره، وضرب الأنباري لنا مثلًا وهو: أنه لا يجوز التمسك بالاستصحاب في إعراب الاسم مع وجود دليل البناء وهو مشابهة الاسم للحرف؛ وكذلك لا يجوز التمسك به في بناء الفعل مع وجود دليل الإعراب وهو مشابهة الفعل للاسم؛ لأن الاستصحاب تمسك بعدم الدليل؛ فإذا قام الدليل بطل التمسك بالأصل، ويستوي أن يكون هذا الدليل الذي عارض الاستصحاب سماعيًّا أو قياسيًّا؛ لأنه إذا تعارض استصحاب الحال مع دليل آخر من سماع أو قياس؛ فلا عبرة بالاستصحاب، أي: لا اعتداد به ولا التفات إليه؛ لقوة الدليل الآخر الذي يقابله ويعارضه؛ فيقدم السماع أو القياس على الاستصحاب.

стр. 246

وقد بين الأنباري ضعف الاستدلال بالاستصحاب في مسألة "نِعم" و"بئس"؛ إذ ذهب البصريون إلى أنهما فعلان واستدل بعضهما على فعليتهما باتصال الضمير بهما على حد اتصاله بالفعل المتصرف؛ فإنه جاء عن العرب قولهم: نعما رجلين ونعموا رجالًا؛ كما استدل بعضهم على فعليتهما باتصالهما بتاء التأنيث الساكنة كقولهم: نعمت المرأة هند، وبئست الجارية دعد؛ فهذه التاء يختص بها الفعل الماضي لا تتعداه. ومن البصريين من ذهب إلى أن "نِعم" و"بئس" فعلان مستدلًّا على فعليتهما بأن قال: الدليل على أنهما فعلان ماضيان: أنهما مبنيان على الفتح، ولو كانا اسمين لما كان لبنائهما وجه؛ إذ لا علة ها هنا توجب بناءهما ... انتهى. ولم يرتضِ الأنباري الاستدلال بهذا الدليل الأخير؛ لأنه استدلال بالاستصحاب؛ فقال: وهذا تمسك باستصحاب الحال، وهو من أضعف الأدلة، والمعتمد عليه ما قدمناه، أي: أن المعتمد عليه في إثبات فعلية "نعم" و"بئس": هو اتصال الضمير المرفوع بهما كما يتصل بكل فعل متصرف، واتصالهما بتاء التأنيث الساكنة. وخلاصة القول: أن الاستصحاب من أدلة النحو عند الأنباري ما لم يوجد دليل غيره؛ فإن وجد دليل غيره كان الاستدلال به ضعيفًا. الاعتراض على الاستدلال بالاستصحاب لقد ذكر الأنباري أن أدلة النحو الغالبة ثلاثة أدلة، وهي: النقل، والقياس، واستصحاب الحال، وكل دليل من هذه الأدلة الثلاثة يمكن الاعتراض عليه؛ ولذلك عقد في كتابه (الإغراب في جدل الإعراب) ثلاثة فصول، تناول فيها الاعتراض على أدلة النحو الغالبة مبينًا كيفية الجواب عما يمكن أن يرد على هذه الأدلة من اعتراضات:

стр. 247

فأول الفصول الثلاثة: الاعتراض على الاستدلال بالنقل. وثانيها: الاعتراض على الاستدلال بالقياس. وثالثها: الاعتراض على الاستدلال باستصحاب الحال، وهو الذي يعنينا في هذا الدرس. وقبل أن نذكر ما قاله الأنباري في هذا الفصل ونقله عنه السيوطي في (الاقتراح) نشير إلى أن المراد بالاعتراض في اللغة هو المنع والحيلولة؛ إذ يقال: عرض الشيء يعرض واعترض: انتصب ومنع، وصار عارضًا كالخشبة المنتصبة في النحو والطريق تمنع السالكين سلوكها، ولا ينفك المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي؛ فالمراد بالاعتراض هنا: الحيلولة بين المستدل وما يستدل به على حكم من أحكام النحو. وقد عرف أحد الباحثين الاعتراض على الدليل بأنه: ما يمنع به المعترض استدلال المستدل بدليله؛ فإذا كان المستدل يستدل على مسألة ما بدليل من السماع مثلًا؛ فإن هناك أمورًا يمنع بها المعترض هذا الاستدلال؛ كأن يطعن في السند أو يعترض على المتن باختلاف الرواية أو نحو ذلك؛ وإذا كان المستدل يستدل باستصحاب الحال؛ فقد ذكر الأنباري أن للمعترض أن يعترض عليه بأن يذكر دليلًا يدل على زوال استصحاب الحال، ولم يكتفِ الأنباري بذكر الاعتراض وحده وإنما ذكر كيفية الجواب عنه. فقال في (الإغراب في جدل الإعراب): "الاعتراض على الاستدلال باستصحاب الحال: وهو أن يذكر دليلًا يدل على زوال استصحاب الحال، مثل: أن يدل الكوفي على زواله إذا تمسك البصري به في بناء فعل الأمر؛ فيبين أن فعل الأمر مقتطع من الفعل المضارع ومأخوذ منه، وأن الفعل المضارع قد أشبه الاسم وزال عنه استصحاب حال البناء وصار معربًا بالشبه؛ فكذلك فعل الأمر.

стр. 248

والجواب: أن يبين -أي: البصري- أن ما توهمه -أي: الكوفي- دليلًا لم يوجد؛ فيبقى التمسك باستصحاب الحال صحيحًا". انتهى. وقد نقل السيوطي هذا الكلام ولم يعلق عليه بشيء، وفيه إجمال يحتاج إلى تفصيل يكشف، وتفصيل القول في هذا الكلام: أن نقول: إن البصريين يذهبون إلى أن فعل الأمر مبني، ولهم أن يستدلوا على صحة مذهبهم باستصحاب الأصل؛ لأن الأصل في الأفعال البناء، وقد يعترض الكوفيون على مذهب البصريين بأن يقولوا: إن استصحاب الحال -وهو البناء- قد زال عن فعل الأمر الذي استدل به البصري، والدليل على زوال استصحاب الحال من فعل الأمر: أن فعل الأمر ليس قسمًا برأسه؛ وإنما هو مأخوذ من الفعل المضارع ومقتطع منه، ولما كان فعل الأمر مأخوذًا من المضارع، والمضارع معرب لأنه أشبه الاسم؛ كان فعل الأمر كذلك معربًا بالشبه؛ فيقال: إن "اضرب" فعل معرب؛ لأن أصله "لِتضربْ"، ثم حذفت اللام -أي: لام الأمر- ثم حذف حرف المضارعة، ثم جيء بهمزة الوصل توصلًا إلى النطق بالساكن. هذا ما يمكن أن يورده الكوفي اعتراضًا على دليل البصري. فيجيب عنه البصري بأن: ما توهمه الكوفي دليلًا على إعراب فعل الأمر، وهو أنه مأخوذ من الفعل المضارع ومقتطع منه؛ لم يوجد؛ بل هو نوع مستقل على حدة، وحينئذ يبقى التمسك بالاستصحاب، واستصحاب الحال فيه: هو أصل البناء في الفعل. والخلاصة: أن استصحاب الحال، مع أنه قد جعل أحد الأدلة الأربعة الغالبة من الأدلة التي تعد أصولًا للنحو العربي؛ فإنه يعد أضعف هذه الأدلة؛ لأنه إنما يعتمد عليه في حالة عدم وجود دليل يعارضه؛ أما إذا وجد دليل يعارضه؛ فإن

стр. 249

هذا الدليل المعارض يسقط استصحاب الأصل، يقال: استصحاب الأصل، ويقال: استصحاب الحال، وهما بمعنى واحد؛ لأن المراد استصحاب حال الأصل كما عرفنا بالنسبة للإعراب في الأسماء وبالنسبة للبناء في الأفعال. لما كان الإعراب هو الأصل في الأسماء باعتبار أن الأسماء تتعاورها -أي: تتقلب عليها- المعاني المختلفة التي تفتقر معها إلى الإعراب للتمييز بين هذه المعاني؛ بحيث إذا لم يوجد الإعراب؛ اختلطت هذه المعاني بعضها ببعض، والتبس بعضها ببعض؛ فلم يتبين المستمع أو المخاطب لا يعرف مثلًا الفاعل من المفعول، أو المبتدأ من الخبر، أو أسلوب التعجب من أسلوب النفي ... إلى آخر ما قلناه؛ فإنها في هذه الحالة تحتاج احتياجًا متأصلًا إلى الإعراب، ومن ثم؛ فإذا أردنا أن نستدل على الإعراب في الأسماء؛ فإننا يمكن أن نستدل عليها باستصحاب الحال، لأن الإعراب هو الأصل في الأسماء؛ اللهم إلا إذا وجد دليل يعارض هذا الأصل، وهو: وجود شبه من أنواع الشبه بالحرف كما ذكرنا. وعلى العكس الفعل؛ فإن الأصل فيه البناء؛ لأنه لا تتعاوره المعاني المختلفة؛ إذ لا يدل على معنى الحدث والزمان، ومن ثم فهو لا يحتاج إلى الإعراب؛ فالأصل فيه البناء. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 250

الدرس: ١٨ أدلة متفرقة من أدلة النحو غير الغالبة
следующие страницы →