← Баляга

Баляга · id 11200

البلاغة 1 - البيان والبديع - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (467 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الطغيان لزيادة الماء وارتفاعه، واستعير العتو للشدة، والاستعارة فيهما أبلغ؛ لأنها في الطغيان دلالة على الغلبة والقهر والعتو شدة فيها تمرد. وقد يُتبَع المستعار بملاءمات المستعار منه ويبالغ في ذلك، حتى ينزل منزلة الحقيقة على ما مر بنا في الاستعارة المرشحة. من خصائص الاستعارة كذلك حسن البيان، وتحريك المشاعر، وتنبيه العقول، وتنشيط الأذهان، ولا يخفى عليك إدراك ذلك فيما مر بك من الشواهد، ففي قول الله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ (مريم: ٤) تجد أن التعبير عن ظهور الشيب وانتشاره بالاشتعال قد أبرز الشيب في صورة واضحة بينة تجذب المشاعر، وتنبه العقول إلى أن انتشار الشيب لا يمكن تلافيه ودفعه، كما أن شواظ النار لا يتلافى. هذا والاستعارة -كما رأينا- مبنية على التشبيه فيشترط لحسنها أن يكون التشبيه حسنًا، وحسن التشبيه -على ما هو قد مر بنا- يحصل بكون وجه الشبه كثير التفصيل، وكون المشبه به نادر الحضور في الذهن عند حضور المشبه وأن يحقق الغرض منه، فكذلك الاستعارة تحسن إذا كان الجامع بين المستعار له والمستعار منه مفصلًا، كما جاء مثلًا في قول امرئ القيس: فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازًا ونال بكلكل فهنا يصف الليل، وقد استحسنه الآمدي وجعله من أجود الاستعارات؛ لأن امرأ القيس وصف أحوال الليل الطويل، فذكر امتداد وسطه وتثاقل صدره وترادف أعجازه، فلما جعل له وسطًا ممتدًّا، وصدرًا ثقيلًا، وأعجازًا مرادفة لوسطه، استعار له اسم الصلب، وجعله متمطيًا من أجل امتداده واسم الكلكل، وجعله نائيًا لتثاقله واسم العجز من أجل نهوضه، هذا التفصيل شفع لامرئ القيس ما كان قد عابه عليه بعضهم من أن بعض استعاراته مبنية على البعض الآخر.

стр. 212

كذلك يتمثل حسن الاستعارة فيما إذا كان المستعار منه نادر الحضور في الذهن عند حضور المستعار له، كاستعارة الطغيان لارتفاع الماء في قول الله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ (الحاقة: ١١) وتحسن كذلك إذا كان الغرض منها محققًا كالاستعارة في قولك مثلًا: أراك تنفخ في رماد وتضرب في حديد بارد، لمن يجهد نفسه في عمل لا فائدة فيه، ومعلوم أن الاستعارة قائمة على تناسي التشبيه كما قلنا وعلى ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به، ولذا فهي تحسن عندما لا يذكر في الكلام سوى المشبه به نحو: رأيت قمرًا يتحدث. أما إذا ذكر في الكلام ما يشتم منه رائحة التشبيه، بأن يذكر المشبه مثلًا بوجه ينبئ عن الاستعارة لا عن التشبيه؛ فإن ذلك يقلل من حسنها، ومثال ذلك قولك مثلًا: محمد أسد، ورأيت رجلًا مثل الأسد، وهذا رجل أسد، فإن هذا يبطل الاستعارة على أرجح الأقوال، ويعود بالكلام إلى التشبيه. هذا في الاستعارة التصريحية. أما في المكنية فمن الواضح أن يصرح فيها بلفظ المشبه، ويسند إليه لازم المشبه به، ومما يقلل من حسن الاستعارة أيضًا غموض وجه الشبه الجامع بين المستعار له والمستعار منه؛ لأن الاستعارة -كما قلنا- مبنية على تناسي التشبيه، فإذا أضيف إلى هذا التناسي غموض وجه الشبه تضاعف الخفاء وصارت الاستعارة ألغازًا وتعمية. أما التشبيه فيحسن فيه خفاء وجه الشبه -كما مر بنا- لإمكان تقريبه بذكر المشبه أو إزالة الخفاء بذكر الوجه والتصريح به، وعليه فيجوز أن نقول: هذا الرجل كالأسد في نتن الفم مثلًا لزوال الخفاء بذكر وجه الشبه، ولا يجوز أن نقول: رأيت أسدًا ونريد رجلًا أبخر نتن الفم. ونقول: الناس كإبل ماءه لا تجد فيها

стр. 213

راحلة، هذا وارد عن النبي ﷺ ولا نقول: رأيت إبلًا ماءه لا أجد فيها راحلة، وتريد رجالًا كثيرين ليس بينهم إلا رجل واحد متميز بصفة الكمال، وذلك لخفاء وجه الشبه في الاستعارة، وزوال هذا الخفاء بذكر المشبه في التشبيه. وإذا قوي وجه الشبه ووضح وضوحًا تامًّا بين المشبه والمشبه به كتشبيه العلم مثلًا بالنور في البياض والإشراق، وتشبيه الشبهة والبدعة بالظلام في السواد، فعندئذ تحسن الاستعارة ولا يحسن التشبيه؛ لأنه يصبح كتشبيه الشيء بنفسه، فيحسن أن تقول: امتلأ قلبي نورًا وتريد علمًا ومعرفةً، وتقول: صار فلان في قلبه ظُلمة، وتريد شبهة وشكًّا، ولا يحسن أن تقول: امتلأ قلبي علمًا وإيمانًا كالنور، وصار في قلب فلان شك وشبهة كالظلمة. ونلاحظ فيما سبق أن ما عابه النقاد واستقبحوه ليست الاستعارة المكنية في حد ذاتها، وإنما هي الاستعارة التخييلية أي: إثبات لازم المشبه به للمشبه، وكأنهم رأوا في هذا الإثبات خروجًا عن المألوف والمعهود الذي اعتاده العرب، فقد اعتادوا جعل الدهر إنسانًا وصفوه بالوفاء والغدر وجعلوا له ساعدًا، وألفوا جعل المنية سبعًا وتخيلوا لها أظفارًا، ولكنهم لم يجعلوا للدهر أُخدعًا، ولم يجعلوا للمعروف كبدًا، ولا للدجى يافوخًا، ولا للعرض كعبًا، ولا للمال رِجلًا. قد أدرك النقاد كل ذلك، فأرادوا ألا يشتط الأدباء في تصوراتهم وتخييلهم، ويتجاوزوا حدود التصورات المألوفة والمعهودة لدى العرب، كما هو حادث في شعر الحداثة على سبيل المثال. إذن مما تقدم يتضح لنا أن حسن الاستعارة يتوقف على عدة أمور؛ أهمها حسن التشبيه الذي بنيت عليه، وقرب وجه الشبه ووضوحه، وألا يذكر في الكلام ما يشتم منه رائحة التشبيه، فإن فُقِدَ أمر من هذه الأمور قلل فقدانه من حسن

стр. 214

الاستعارة وروعتها، وقد حاول النقاد وضع ضوابط للاستعارة، بحيث يُعد الخروج عن تلك الضوابط عيبًا وقبحًا. ومن أهم تلك الضوابط: ١ - أن تكون هناك مناسبة في العرف والعادة بين المستعار له والمستعار منه. ٢ - أن يكون هناك وجه جامع بين المستعار له والمستعار منه، وكلما قرب هذا الوجه حسنت الاستعارة، وكلما بعد وغمض قلل ذلك من حسنها، فإن اشتد غموض الوجه وبعد جدًّا عد ذلك عيبًا. الضابط الثالث: مدى قبول النفس والأذواق للاستعارة أو نفورها منها. ومعا نقتطف بعضًا من ثمرات هذا اللون وبخاصة في كلام الله؛ لنرى كيف يكون التدبر لما جاء في كلام الله، ومدى تأثير مجاز الاستعارة في النفس. في كتابه (التصوير البياني) يذكر الدكتور محمد أبو موسى بعض الآيات كشواهد، نذكر من ذلك ما جاء في قول الله تعالى في شأن بني إسرائيل: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الأعراف: ١٦٨) وهنا نرى التعبير عن التفرق بالقطع والقطع إنما يكون للأشياء المتماسكة كالشجر أو الخشب أو الثوب وما شابه ذلك، وإنما يقال في الأقوام: تفرقوا، لكن استعير التقطيع للتفريق وهي استعارة قريبة. قال عبد القاهر: إن القطع إذا أطلق، فهو لإزالة الاتصال من الأجسام التي تلتزق أجزاؤها، وإذا جاء في تفريق الجماعة وإبعاد بعضهم عن بعض كقوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾ كان شبه الاستعارة، وإن كان المعنى في

стр. 215

الموضعين على إزالة الاجتماع ونفيه. فإن قلتَ: قطع عليه كلامه، أو قلت: نقطع الوقت بكذا كان نوعًا آخر، ثم إن هذه الاستعارة التي تشبه الحقيقة أو التي هي شبه الاستعارة -كما يقول عبد القاهر- قد أَثْرَتْ المعنى بما لا تجده في مثل قولنا: وفرقناهم في الأرض أممًا؛ وذلك لأن التقطيع يشير إلى معنى نفسي دقيق؛ هو هذه الوشائج والعلائق التي تقوم بين الجماعة القائمة في مكان واحد والمجتمعة في أرض واحدة، والتي هي أشبه باللحمة في الثوب. وقوله: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ﴾ يشير إلى تقطيع هذه الصلات والروابط المتلاحمة والتي تربط الأخ بأخيه والوالد بولده والصاحب بصاحبه، وفي ذلك تصوير لآثار هذا التفريق وفِعله في نفوسهم، وربما لا تجد هذا في كلمة فرقناهم. وقد جسد القرآن معنى ذهاب روابط النفوس وتواصلها في هذه الكلمة في تصوير حسن، وسياق حافل بمشاعر اللهفة والندم، في قوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (الأنعام: ٩٤) فانظر إلى قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ وكيف كان هذا الاستئناف وهذا القطع في بناء الجملة تهيئة لتجسيد هذا المعنى وتركيزه في كلمة: ﴿تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾. قال الشريف الرضي: لا فصائل هناك على الحقيقة فتوصف بالتقطع وإنما المراد: لقد زال ما بينكم من شبكة المودة وعلاقة الألفة التي تشبه -لاستحكامها- بالحبال المحصدة والقرائن المؤكدة. ومثل هذا تجده في قول الله تعالى في شأن سبأ الذين كان لهم في مسكنهم آية: ﴿جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ (سبأ: ١٥) والذين كانوا يتواصلون ويهنئون في بلدة

стр. 216

طيبة، وكلاءة رب غفور: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ (سبأ: ١٩) فإنه يقال: مزق الثوب ولا يقال: مزق القوم، وإنما يقال: فرقهم، ولكن لما كان هذا التفريق كأنه نَزْعٌ لكل فرقة من هذه الجماعة، كما تنزع القطعة من الجسم الحي المتواصل عبر عنه بالتمزيق؛ ليشير إلى المعاناة التي عاناها هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم بهذا التشتيت وهذا التفريق، وكأن علائق الود وصلات القربَى حِبال ممدودة بين هذه الجماعة، فجاء التفريق كأنه شق وتمزيق وتقطيع لهذه الأوصال، وهذا المعنى تجده ثاويًا وراء كلمة: ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ﴾ ولا تجد شيئًا منه لو قال: فرقناهم. كذلك لو تأملنا قول الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ (الأنعام: ١٢٢) فنجد أن هذه الآية من الشواهد المشهورة، وفيها نرى أن المراد بالميت الضال فقد شُبِّه به واستعير له، كما أن المراد بأحييناه هديناه، فالآية إذن تذكر حالين أو مرحلتين من مراحل حياة الإنسان؛ المرحلة الأولى: كان فيها ميتًا وهو في الثانية حي، والواقع أن هذا الإنسان كان حيًّا في الحالين، حياة بمعناها المتعارف، ولكنه لما كان منطفئ الفطرة معطل الإدراك جعل مُيتًا، وكأن غاية الحياة إنما هي في استدامة الفطرة، وسلامة النظر الراشد إلى معرفة الحق والخير. الموت هنا له مفهوم جديد، ربما كان انغماس النفس في ظلمة الحيوانية وبقاء الروح مكفوفة الإدراك، تخبط في الأرض من غير غاية نبيلة تسعى إليها؛ لتسعد بها سعادة أبدية. واضح أن الحياة في هذه المرحلة حياة وموت معًا؛ لأنه يحيا ويتقلب كما يتقلب كل حي، ولكن هنا معنى قلبي ينقصه، فَسُلِب معنى الحياة من هذه الحياة. والضلال أيضًا له مفهوم جديد في هذه الآية وبهذه الاستعارة؛ لأنه لم يعد ضلالًا وإنما صار موتًا، كما أن الموت له أيضًا مفهوم جديد؛ لأنه ليس إبطالًا

стр. 217

للأحوال الجسمية، وإنما هو إبطال للطاقات الروحية، وكذلك الاستعارة في "أحييناه" ليست الحياة فيها هي الحياة المألوفة وإنما هي الهداية التي صارت بدورها حياة، أو ضربًا من الحياة غير مألوف؛ لأنها تعني خلوص النفس مما يثقل نهوضها السامي، الذي تهتف به فطرتها الطاهرة النازعة نزوعًا دائمًا إلى الحق والمثل الأعلى. الاستعارة هنا جددت معاني الكلمات وأثرتها، وأفرغت فيها فكرًا جديدًا وحِسًّا جديدًا، صرنا نرى حياة ولكنها ليست حياة بالمعنى المتداول، ونرى هداية ولكنها ليست هداية بالمعنى المتداول أيضًا، وكأننا أمام حقيقة ثالثة ليست المستعار منه ولا المستعار له، أعني: ليست الطرفين اللذين زاوجنا بينهما وإنما هي شيء ثالث ولده هذا التزاوج والتداخل، الذي أدمج المستعار له في المستعار منه، ولكنه لم يشكله تشكيلًا كاملًا في صورة المستعار منه وإنما بقي بين بين. ولعل السكاكي أحس بهذا حين زعم أن معنى "فردًا" غير متعارف هو الهداية التي صارت حياة أو الحياة التي هي هداية، وكانت هذه الفكرة ترِد في كلام عبد القاهر على درجة بينة من الوضوح في مثل قوله: إننا في الاستعارة نتوهم واحدًا من الأسود قد استبدل بصورة إنسان. ومن الاستعارات التي بُنيت على التمثيل عند عبد القاهر، أو التي يكون فيها المستعار له أمرًا معقولًا والمستعار منه أمرًا محسوسًا -كما يقول الخطيب- قول الله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ (الحجر: ٩١ - ٩٥) فالصدْعُ يكون في الأجسام، ومنه: صدع الزجاجة، وسمي الفجر صديعًا؛ لأنه يصدع الظلمة ويشقها. والمراد -كما يقول

стр. 218

الزمخشري- فاجهر به وأظهره، يقال: صدع بالحجة إذا تكلم بها جهرًا، كما يقال: صرح بها، فالصدع مستعار للجهر والإبانة، والعلاقة هي أن الصدع تنفصل به الأجزاء وتبين مقاطعها، كذلك الإبانة والجهر تتحدد بهما الحقائق وتنكشف الأغراب، ثم إنك ترى التمييز والتحديد في الصدع بعينك، وترى التحديد والتمييز في القول بفهمك وقلبك، فالذي في المشبه ليس هو الذي في المشبه به، وإنما هو شيء منه بسبيل، وهذا هو معنى التأول عند عبد القاهر. وفي هذه الاستعارة معنى فوق ما تراه من تجسيد هذه الحقيقة الروحية، وهو الكشف المبين عن حقائق ما جاء به ﵇ وصيرورته في هذه الصورة المحسوسة، وهو الصدع والشق الماثل في الأجسام، هذه الاستعارة فيها فوق ذلك الإشارة إلى وجوب الإعلان الواضح بكلمة الله في كل أمر من الأمور، وإن كان في هذا مصادمة لِمَا تعارف عليه الناس، ولما ألفوه في حياتهم وسلوكهم وعاداتهم. الأمر بالصدع هنا يعني زلزلة هذا المألوف، وشقه ومصادمته مصادمة تصدعه وتهدمه ما دام قائمًا في وجوده على غير منهج الله. وهكذا فعل الرسول الكريم ﷺ فقد هدم ما ترسخ من عقائدهم وأعرافهم وما ترسخ في قلوبهم وضمائرهم، ثم إن هذه الاستعارة من وجه آخر تُرمَى في وجوه هؤلاء الذين يمالئون في كلمة الله وحدود حلاله وحرامه، بمصانعة الجهلة والطواغيت، وتأييد ضلالاتهم وانحرافاتهم، وإعطائها صبغة قرآنية، وكذلك الذين يصانعون العقائد والمذاهب المعاصرة فيتساهلون في تحديد وجهة نظر القرآن، أو يُلبسون في بعض جوانبها؛ ليُدنوا هذه النظم من القرآن أو يُدنوا القرآن منها، وهذا وغيره يخالف الإبانة الكاشفة التي جسدتها كلمة: ﴿فَاصْدَعْ﴾.

стр. 219

وانظر إلى قوله: ﴿بِمَا تُؤْمَرُ﴾ وكيف عبر عن الدين وأمر الله بهذه الصيغة التي تبعد عن هذا الأمر عنصر البشرية وذاتية محمد ﷺ فالذي ينادَى به ويجهر بالدعوة إليه أمر تلقاه وليس غير ذلك، ثم انظر إلى الأمر الذي تلاه: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾، وكيف حدد موقف الداعي من جبهة العناد والضلال وأنه الإعراض عنهم؛ حتى لا تستهلك طاقة الداعية في لجاجتهم الغوغائية، وفي محيطهم السلبي المعطل. ويقرب من هذه الاستعارة في بعض دلالتها قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الشورى: ٥٢) فالمراد ليس هو الصراط الذي تراه عينك طريقًا واضحًا مستقيمًا، وإنما المراد حقائق الدين ومنهج القرآن، وتجاوبه مع الفطرة الصحيحة، واستقامته في نفوس أهل الحق واليقين، كأنه طريق واضح يصف منهجًا بينا ويحدد المعالم تحديدًا مضيئًا، فالموقن بهذا الدين لا يبحث عن خطة يمضي في حياته عليها، وإنما الطريق بين يديه وهو طريق مستقيم، وما عليه إلا أن يمضي. وقد تكررت هذه الاستعارة في القرآن؛ لتنفي عن هذا الدين التلبيس والغموض الذي يُثقِل كثيرًا من الديانات، الدين هنا صراط مصروط لا عوج فيه ولا غموض، وتجد هذا الصراط مضافًا في مثل قوله: ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾ (الأنعام: ١٢٦) وفي هذه الإضافة تأكيد لمعنى أن حقائق هذا الدين لا تَلتبس ولا تُلتبس بغيرها، وأنه سيظل في أصوله نقيًّا خاليًا من الآثار البشرية التي لا يجوز أن تختلط به؛ لأنه ينفيها ويكشفها بوضوح الربانية فيه: ﴿صِرَاطُ رَبِّكَ﴾ فهو خط واضح تحددت حدوده، فلا يلتبس بغيره. ولأجل تأكيد هذا المعنى -أعني: وضوح حقائق هذا الدين وتحديدها- تجد التعبير عنها بالنور يكثر في هذا الكتاب مثل: ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ (الأعراف: ١٥٧)

стр. 220

وقوله: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ (الصف: ٨) والدين حقائق وعقائد وسلوك، ولكنها تهدي المؤمن دائمًا في مسيرة وجوده، كما تهدي المنارات الوهاجة جوانب الطريق للسائر فيه، فإذا انصرفت النفس البشرية عن هذه الحقائق وفقدت هذا النور، توزعت واختلفت عليها الأمر، وصارت إلى ليل الشك والضلال. خصائص وأسرار المجاز المرسل فإذا ما انتقلنا إلى الضرب الثاني من ضروب المجاز اللغوي وهو المجاز المرسل، وأردنا أن نطلع على بعض خصائص وأسرار هذا الضرب من الكلام، لوجدنا أنفسنا أمام فن لا يقل تأثيرًا عن سابقه؛ ذلك أن من خصائص هذا الضرب من فنون القول الإيجاز، فأنت عندما تقول: رعينا الغيث، هذا أوجز من قولك: رعينا النبات الذي كان الغيث سببًا في نموه واخضراره، فقد طويت المسبب وذكرت في موضعه السبب، وكذلك في قول الله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ (غافر: ١٣) أي: ينزل الماء الذي يتسبب في إيجاد الرزق. الأمر الثاني من مزايا المجاز المرسل: المبالغة كما تجد ذلك في قول الله تعالى: ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ (نوح: ٧) فقد ذكرت الأصابع في موضع الأنامل؛ مبالغة في تعطيل أسماعهم لشدة عتوهم ونفورهم وإعراضهم عن الحق. الأمر الثالث: أن المجاز المرسل يفسح مجال التعبير أمام الأديب أو المتكلم، فعن طريق المجاز يستطيع أن يتخير الألفاظ الملائمة للقافية أو الفاصلة، وأن يتجنب الألفاظ التي تخل بفصاحة الكلام فيترك الحقائق ويستعمل المجازات حتى يسلم تعبيره مما يخل بفصاحته، ومما يصوب من قوافي شعره.

стр. 221

الأمر الرابع: أن المجاز المرسل يعين المتكلم على تحقيق ما يهدف إليه من أغراض كالتعظيم والتحقير والتهويل وغير ذلك. تقول مثلًا: رأيت العالم، تقصد رأيت طالب العلم الذي سيصير عالمًا، فأنت بذلك تعظمه وترفع من شأنه، وتقول أيضًا: انظر إلى الجيفة كيف يطغى ويتكبر؟ وأنت تريد مَن سيموت فيصبح جيفة منتنة باعتبار ما سيكون، فأنت بهذا تحقره وتضع من شأنه. من ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ (البقرة: ١٩) فقد أفادت الآية شدة الهول والرعب والخوف الذي انتابهم، والذي من أجله حاولوا إخفاء أسماعهم بأقصى ما يستطيعون. الأمر الخامس من مزايا المجاز المرسل: أن المجاز المرسل لا يخلو من خيال يعرض للسامع عندما تمر بذهنه المعاني الحقيقية لتلك الألفاظ، التي سرعان ما تتلاشى أمام المعاني المجازية المقصودة، هذا الخيال يحقق الجمال وإمتاع النفس التي ترى النبات والرزق بمختلف صنوفه يتدفق من السماء، وترى أسنِمة الآبالي يسعى بها السحاب، وهذا يأكل دمًا ويمضغه بأسنانه، وذاك يأكل نارًا فتكوى بها أحشاؤه. هذه الصور تخطر في النفس فور سماع جملها، وهي وإن كانت تزول سريعًا أمام المعنى المراد بنصب القرينة إلا أنه بخطورها يتحقق إمتاع النفس وإثارة الذهن، فتقع المعاني في النفس موقعها، إلى غير ذلك من الأغراض البلاغية والأسرار واللطائف التي تكمن وراء أساليب المجاز المرسل. وتعال معي لتتأمل ما جاء في قول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة: ١٩٤) وقوله: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ أي: جازوه على اعتدائه، ولكنه عبر عن المجازاة بالاعتداء؛ لأنه سببها، وقد سوغت هذه السببية أن تقيم الاعتداء مقامَ ما يترتب عليه وتنيبه عنها في الدلالة، ووراء هذا المجاز إبراز لقوة

стр. 222

السببية بين الاعتداء وجزائه، وأنه -أعني: الجزاء - يجب أن يكون نتيجة ومحصلة لازمة للاعتداء، فهو لا يتخلف عنه، وكأن هذه الفاء أيضًا مشعرة بسرعة المكافحة وضرورة الترتب. وليس هذا الذي أشير إليه متناقضًا مع الدعوة إلى العفو والحث عليه؛ لأن المقام في الآية الكريمة ليس مقام تسامح؛ لأنه يحدد الموقف بين المسلمين وغير المسلمين، وعندئذ لا عفو ولا تسامح حتى تظهر الشوكة والغلبة. وانظر إلى الآية التي تشرع القصاص بين المسلمين وتحدد الصورة التي ينبغي أن تكون عليها علاقاتهم في هذا الشأن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: ١٧٨، ١٧٩) تجد الترغيب في العفو والتسامح يشيع في التعبير. انظر إلى قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ ومعناه: فمن عفي له عن جنايته. انظر إلى كلمة: ﴿أَخِيهِ﴾ وما تفيض به في هذا السياق، وكيف أشارت إلى أن رابطة الأخوة قائمة بين المسلم والمسلم وإن كانت بينهما تارات وإِحن، وأن القرآن يذكر وَلي الدم بهذه الأخوة التي تربطه بالجاني؛ ليرغبه في العفو، وقوله: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وصية لولي الدم إذا قبل الديةَ أن يتبع الجاني بالمعروف ولا يعنِّف به في المطالبة. ثم انظر إلى سياق الآية التي نحن فيها: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى

стр. 223

لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ * الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: ١٩٠ - ١٩٤) قالوا: إنها أول آية نزلت في القتال، وقد بدأت بالأمر بقتال مَن قاتلهم، والنهي عن الاعتداء والتنفير منه، فإن الله لا يحب المعتدين. وتظهر في هذا السياق روح القوة والتمكن التي يجب أن تكون عليها هذه الأمة التي تحمل رسالة الله في أرضه، ولكنها قوة لا تتخطى حدود العدل، ولا تجافي روح الإنسانية، وإنما تخضع لها أحسن ما يكون الخضوع، وتلتزم بها أدق ما يكون الالتزام. تأمل قوله: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أي: حيث وجدتموهم؛ لأن الثقف وجود على وجه الغلبة والقوة، أي: حيث وجدتموهم قادرين عليهم، متمكنين منهم، وكأن الآية تشير إلى ضرورة أن يكون المسلمون دائمًا في حالة قوة وتمكن وغلبة، فإذا لقوا أعداءَهم كان لقاؤهم ثقفًا أي: وجودًا على وجه التمكن. ثم انظر إلى قوله بعد الأمر بالجزاء: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ وفي الأمر بالتقوى أمر بالتضحية والبسالة والرغبة فيما عند الله عند لقاء العدو، وقوله: ﴿مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: معهم في جهادهم وكائن في صفوفهم. ثم تأمل قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (محمد: ٣١) قد أراد سبحانه: ونعرف أخباركم، ولكنه عبر بالابتلاء الذي هو سبب المعرفة؛ لأن الابتلاء يتبعه موقف جديد، إما زيادة تأصيل الإيمان بالله والتمسك الشديد بمبادئ الدين الحنيف، أو الخذلان والتحلل وانهيار الإيمان وضياع العقيدة. وبعد ظهور هذا الموقف وانكشاف حقيقة المبتلى يصبح علم الله متعلقًا بالمعلوم الواقع، والمولى عليم بكل شيء ولا يحتاج في علمه إلى ابتلاء.

стр. 224

كثر في القرآن هذا المجاز المسمى بالمجاز المرسل المبني على علاقة المسببية بصورة أوسع من غيرها، كما في قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ (غافر: ١٣) قد عبر عن المطر بالرزق، فأشار إلى قوة السببية بين المطر والرزق، وأهمية المطر وأنه مصدر الحياة، وفيه أن الرزق ينزل بقدر الله وفعله سبحانه، فليمضِ المسلم إذن على طريقة الخير التي رسمها له القرآن، وهو موقن أن الرزق مصدره السماء، فلا تتبدد طاقاته في الإلحاح وراء المطامع، وإنما تتركز هذه الطاقات في العمل الصالح، أعني: الذي تصلح به حياة الجماعة المسلمة. وتجد القرآن يبرز هذه الناحية في كثير من عباراته كما يحتويها في خفاء ودقة في كثير من صياغاته وأحوال تراكيبه؛ ليعمق هذا المعنى في قلب المسلم ويطرد من أفقه مشاعر الأثرة والأنانية. ومما يذكره البلاغيون في هذه العلاقة -علاقة المسببية- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ (النساء: ١٠) والذين يأكلون أموال اليتامى لا يأكلون نارًا على الحقيقة، وإنما يأكلون أموال اليتامى، ولما كان ذلك مؤديًا إلى النار حتمًا وسببًا في عذابها قطعًا عبر عنه به. وفيه مع إبراز هذه السببية وتقويتها تفظيع وتنفير تراه في هذه الصورة: ﴿يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ فالقوم يقذفون النار في أفواههم، فتندلع في بطونهم، ولو قال سبحانه: إنما يأكلون حرامًا، لكان شيئًا آخرَ، مع أن المآل إليه، كما أنه لو قال: إنما يأكلون نارًا، لذهب من الصورة جزء كبير فيه فظاعة وشناعة؛ لأن كلمة البطون مع أنها مفهومة ضرورة من كلمة الأكل، إلا أن في النص عليها مزيد تشخيص وتوضيح. وتجد في كلمة: ﴿إِنَّمَا﴾ ذات الدلالة المعروفة همسًا خافتًا، يقول: إن هذه قضية مسلَّمة وبديهة ظاهرة، لا ينبغي أن يحتفل في عرضها، ولا أن تؤكد في سياقها. بمثل هذا يكون التدبر، وتجنَى الفائدة والثمرة من وراء مدارسة فنون البلاغة. أقول قولي هذا، وأستودعكم الله دينكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 225

الدرس: ١١ الكناية .

стр. 226

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الحادي عشر (الكناية) تعريف الكناية الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ثم أما بعد: بعد الفراغ عن الحديث عن ضربي البيان وقسميه الأولين: التشبيه، والمجاز. باعتبارهما طريقين من طرق الأداء، بقي لنا أن نختم هذه الطرق بالقسم الثالث منها، وهو: الكناية، والتعريض. ولنبدأ أولًا فنقول: إن الكناية -كما يقول دكتور البهنسي في كتابه (في البيان العربي) -: لها من الخطر ما يسامي الاستعارة، بل ربما كانت أبعد أثرًا منها؛ لأنها لا تقوم على المباشرة في المعنى وإنما تلف المعنى بشيء من الخفاء، وهذا هو سر تسميتها بهذا المصطلح. والكناية في عُرف أهل اللغة: اسم لما يتكلم به الإنسان ويريد غيره، وسميت كناية لما في بنيتها من معنى الستر، يقال: كنيت الشيء إذا سترته، ويقال: كنى يكني، إذا ستر مراده ولم يفصح عنه. أما في عرف أهل البيان: فهي لفظ أطلق وأريد به لازم معناه مع قرينة غير مانعة من إرادة المعنى الحقيقي. وفي هذا التعريف صبغة التحديد العلمي المعتمد على الفكر البحت، ولكن الإمام عبد القاهر ﵀ يسوق لها تعريفًا عليه طلاوة التعبير الأدبي فيقول: هي أن يريد المتكلم إثبات معنى من المعاني فلا يذكره باللفظ الموضوع له في اللغة، ولكن يجيء إلى معنى تاليه وردفه في الوجود، فيومئ به إليه ويجعله دليلًا عليه. فقوله: "هو تاليه وردفه في الوجود"، هو ما عبر عنه متأخرون باللازم؛ لأن اللازم يتبع الملزوم فهو إذن تالٍ وردف له.

стр. 227

وقوله: "يومئ به إليه"، بيان لطبيعة الكناية ففيها إيماء إلى المعنى وإشارة لا كشف ومباشرة، وتلك سمة الأدب، هو لا يعبر وإنما يومض إيماضًا تستطيب النفس لمحته، وتستلذ مراوغته. ولكي يتضح هذا المفهوم نذكر البيت المتوارث في التمثيل للكناية، وهو لامرئ القيس، يقول فيه عن صاحبته: وتضحى فتيت المسك فوق فراشها ... نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل فقد أراد أن يصفها بالرفه والعزة، فذكر أنه يأتي عليها وقت الضحى وفتيت المسك منثور فوق فراشها، لم يُذهِبه نومها عليه طول ليلها إلى أن تضحى؛ لكثرته، وأنها لم تلبس النطاق بعد تفضل، فَرَمْزُ رفاهيتها نَثْرُ المسك فوق الفراش والنوم إلى وقت ضحى، ورمز عزتها أنها لم تلبس النطاق بعد تفضل، ومؤدى هذا أن امرأ القيس أراد أن يحدثنا عما يضاعف جمال معشوقته والجمال ربيب النعمة، فكنى عن سعة نعمها بقوله: "فتيت المِسك فوق فراشها"، وعن كونها مخدومة مرفهة بقوله: "نؤوم الضحى"، وعن دوام رفاهيتها ونعمتها بقوله: "لم تنتطق عن تفضل". والوقوف عند المعنى القريب المباشر لهذه الأوصاف يقصر بها عن مخاطبة الوجدان ومعابثة الشعور، إذ ليس في كثرة المسك ولا في النوم وقت الضحى بكثرة، ولا في عدم الانتطاق بعد تفضل كبير معنى بدون الإيماء إلى ما وراء هذه الصفات يتعلق به غرض الشاعر، فالسياق الذي استدعى هذه الأوصاف يدل على كونها مرفهةً مخدومةً، وفي رفاهيتها وتصونها عن خدمة نفسها بنفسها تطرية لجسدها وإطفاء للملاحة على قسماتها، وأين يقع المعنى المباشر لهذه الأوصاف من المعنى الذي يلمح من ورائها، على أنه ليس ثمة مانع من أن يراد بهذه

стр. 228

الأوصاف معناها المباشر، إلى جانب المعنى الذي يدرك منها لمحًا وإيحاء، أما أن يراد وحده فذاك ما يأباه السياق. الحديث عن عَلاقة الكناية والفرق بينها وبين المجاز يحتاج إلى وقفة؛ ذلك أن استخدام اللفظ في غير معناه الذي وضع له لا يتم إلا عند وجود علاقة تربط بين المعنيين: المعنى الكنائي الذي استخدم فيه اللفظ والمعنى الأصلي الذي كنَّى به المتكلم كما هو الحال في المجاز. والعلاقة هنا في الكناية هي علاقة الردف والتبعية، أو بمعنى آخر التلازم بين المعنى الذي يدل عليه ظاهر اللفظ وبين المعنى المراد منه، ففي قول الله : ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ (الفرقان: ٢٧) عبَّر عن الشعور بالتحسر والندم على ما فات بالعض على اليدين. وكذا في قوله تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾ (الكهف: ٤٢) عبر عن نفس المعنى وهو الندم والحسرة بتقليب الإنسان كفيه، والعلاقة بين الندم والتحسر وبين عض اليدين أو تقليب الكفين، هي التلازم الذي يرجع إلى ما عرف عن الإنسان وطباعه، فقد عرف عنه أنه إذا ندم عض على يديه أو قلَّب كفيه؛ متحسرًا على ما فات، كما أن من طباعه حمرة الوجه عند الخجل وتقضيبه عند الغضب، وفي قول الشاعر: يذكون نار القرى في كل شاهقة ... يلقى بها المندل الهندي محطوما المندل الهندي: هو عود طِيب طَيب الرائحة، يستجلب من بلاد الهند، والمحطوم أي: المكسر، فهنا كنى عن الكرم بإذكاء النيران في الأماكن العالية؛ لإرشاد الضيوف، والعلاقة بين المعنيين التلازم الذي يرجع إلى ما عرف عن العرب، فمن عاداتهم إيقاد النيران في الأماكن المرتفعة يرشِدون بها القادم إليهم. وفي قول المتنبي يمدح سيف الدولة ويشيد بشجاعته:

стр. 229

فمسَّاهم وبُسطهم حرير ... وصبَّحهم وبسطهم تراب ومَن في كفه منهم قناة ... كمن في كفه منهم خِضاب يريد أن رجالهم في ضعفهم وعدم قدرتهم على الحرب والصمود كالنساء، فهنا كنَّى عن ثراء العدو وسيادته قبل أن يلقاه سيف الدولة بأنه يفترش الحرير: "وبسطهم حرير"، وكنى عن إذلاله وخضوعه بقوله: "وبسطهم تراب"، كما كنى عن الرجل في البيت الثاني بقوله: "ومَن في كفه منهم قناة"، وعن المرأة بقوله: "من في كفه منهم خضاب". والعلاقة بين المكني به والمكني عنه هي التلازم الذي يرجع في البيت الأول إلى العرف والعادات والتقاليد، فمن عادة الثري أن يفترش الحرير، ومن عادة الذليل أن يفترش التراب، ويرجع في البيت الثاني بالإضافة إلى العرف والعادات إلى خصوصيات الأفعال، فحمل السلاح يختص بالرجل، وخضاب الكف يختص بالمرأة. وبهذا يتضح لنا أن التلازم القائم بين المعنيين -المكني به والمكني عنه- يرجع في الغالب إلى العرف الذي تعارف عليه القوم، وإلى طباع الإنسان والحيوان وطبائع الأشياء الأخرى، وإلى خصائص الأفعال، ثم إلى عادات العرب وتقاليدهم التي ألفوها. والسؤال: إن كان ثمة علاقة تربط بين المكني به والمكني عنه، فما الفرق إذن بين الكناية والمجاز؟ الجواب: أن أسلوب المجاز يختلف عن أسلوب الكناية؛ في أن أسلوب المجاز يشتمل على قرينة تمنع من إرادة المعنى الأصلي، فقولنا: عجبت من الجيفة كيف يطغَى، مجاز مرسل علاقته اعتبار ما سيؤول إليه الإنسان بعد موته، حيث أطلق لفظ الجيفة وأريد بها الإنسان الحي والقرينة أن الجيفة يستحيل أن تطغى، وتلك القرينة تمنع إرادة المعنى الأصلي للجيفة.

стр. 230

وكذلك الاستعارة في قوله تعالى مثلا: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ (الحاقة: ١١) في قوله : ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ (الإسراء: ٢٤) القرينة فيهما تمنع إرادة المعنى الأصلي للطغيان كما تمنع إرادة المعنى الحقيقي للذل، أما القرينة بأسلوب الكناية فإنه لا تمنع إرادة المعنى الأصلي للفظ، ففي الشواهد المتقدمة لا تمنع القرينة من أن يعض الظالم المتندم على يديه يوم القيامة، وأن يقلب صاحب الجنة التي صارت خاوية كفيه حال ندمه، وأن تجتمع الحمرة والخجل وكثرة الرماد والكرم، إلا إذا عرض عارض خارجي يمنع إرادة المعنى الأصلي في الكناية، فعندئذٍ يمتنع إرادته بسبب هذا العارض. كما في قول الله تعالى مثلًا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى: ١١) وذلك على القول بأن الكاف أصلية، وأن الآية تفيد نفي المثلية عن الله بطريق الكناية، إذ نفي مثل المثل يستلزم نفي المثل، ويمتنع في الآية إرادة المعنى الأصلي، وهذا الامتناع ليس بسبب القرينة، وإنما بسبب عارض خارجي، وهو إفادة ثبوت المِثل لله، وذلك محال. ويجوز جعل الكاف صلة زائدة، فلا يكون في الآية كناية حينئذٍ. أقسام الكناية وننتقل بعد ذلك للحديث عن أقسام الكناية: الكناية تنقسم -كما هو متعارف عند علماء البلاغة- إلى كناية عن موصوف، كناية عن صفة، وكناية عن نسبة. أما الكناية عن موصوف: فهي التي يصرح فيها بالصفة وبالنسبة ولا يصرح بالموصوف، أو هي تلك التي يكون المكني عنه ذاتًا ملازمةً للمعنى الذي تهتف به نفس الأديب، ومن تحديد

стр. 231

مفهوم الكناية عن الموصوف تدرك أن الصفة المكني بها عنه لا بد أن يكون لها ارتباط وثيق حتى كأنه مختص بها، فلا تنصرف عنه إلى غيره حتى يكون إطلاقها إيحاء به وإيماء إليه. ومما أريد به الكناية من هذا النوع قول الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ (الزخرف: ١٨) ففي سياق الحديث عن السلوك المغلوط لمن لم يدخل الإيمان قلبه، يكشف الحق عن الخطأ البين في النظرة إلى الأنثى؛ قد أعطى هذا الصنف من الناس نفسه حق تقسيم البشر، فخصوا أنفسهم بالذكور، وجعلوا الإناث للخالق، ولو جاز لهم فرضًا أن يقسموا البشر فهل يجوز إنصافًا وعدلًا أن يكون لهم حق الاختيار؟! وإن سلم بحق الاختيار فلماذا يسود وجه أحدهم إذا جاءته البشرى بميلاد من هو في زعمه نصيب لله الذي خلقه؟ أفما كان ينبغي أن تفيض نفسه فرحًا ويزداد وجهه ألقًا حين يشرق في بيته وجه من هو منسوب بزعمه إلى الله؟! في هذا السياق لم يصرح النص القرآني بلفظ الأنثى، وإنما كنى عنه بالموصول وصلته: ﴿بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾، ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ واختير لفظ "ما>؛ لأنه كني به عن القسم المنسوب إلى الله، ولما أريد الفرد كنى عنه بلفظ من في قوله: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ ولا يخفَى أن هنا صفتين كني بكل منهما عن الأنثى؛ الأولى: ضرب المثل، والثانية: التنشئة في الحلية وهي الزينة، وهاتان الصفتان مختصتان بالموصوف الذي كنِّي بهما عنه، والاختصاص بضرب المثل ظاهر من خلال ما شاع في مجتمع نزل القرآن يصحح عقيدته ويصوب إلى الأمور نظرته. أما الاختصاص بالزينة فهو أمر تراه الأجيال المتلاحقة جيلًا بعد جيل، ولا يخفى أن نسبة الصفة تظهر باستجلاء الموصوف الذي تومئ إليه هذه الصفة.

стр. 232

ولا يفوتنا أن نشير إلى ظلال التعبير القرآني في هذه الكناية ففي هاتين الصفتين -التنشئة في الحلية وعدم الإبانة في الخصام- إيماء بليغ إلى عظم دور المرأة في الحياة، وهو كونها ذات طبيعة تجعلها نبعًا يستمر به الوجود الإنساني، بما طبعت عليه من تهيئة أسباب الإخصاب، ومن عدم الميل إلى النفخ فيما يشعل نار الحروب. ومن الكناية عن الموصوف: قول الله تعالى في شأن نوح ﵇ وقد عم الطوفان: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ (القمر: ١٣) فقد كنَّى عن السفينة بكونها صاحبة ألواح ومسامير، ودليل خصوصية هذه الصفة بالسفينة مما لا يخفَى؛ فالألواح والمسامير خاصة بما يحمل الناس والمتاع على صفحة الماء من فُلك وجوار وسفن، ولا تزال تلك الطبيعة التكوينية للسفينة -الألواح والمسامير- باقية إلى عصرنا هذا، أيًّا كانت المادة التي تكون منها الألواح والمسامير، وفي ذكر هذه الصفة إيماء بليغ إلى قدرة الله التي هيأت أسباب طفو الحديد وغيره على الماء بما يُحمَل من الأثقال. وقد لفت القرآن إلى هذه القدرة في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِي فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ (الشورى: ٣٢) حيث جعل جري السفن الضخام على صفحة الماء من دلائل القدرة، والجري في البحر صفة كني بها عن موصوف هو السفن، وفي موضع آخر ذكر القرآن تهيئة أسباب الجري على صفحة الماء هي من خلقه تعالى وصنعته وحده، حيث قال: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِي الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ (الرحمن: ٢٤) ففي قوله: ﴿وَلَهُ﴾ مِلكية الخلق والصنعة، كما صرح بذلك قوله -عز شأنه-: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ (لقمان: ٣١). وفي الآيتين من سورة الشورى والرحمن كنَّى بصفة الجري عن السفينة؛ إيماءً إلى أن ضخامتها لم تحل دون جريها، وفي الآية من سورة القمر إيماء إلى أن مكوناتها

стр. 233

رغم غوصها منفردة في الماء طفت على سطحه، فحمت نوحًا ﵇ ومن معه من الغرق. ومن الكناية عن الموصوف أيضًا: قول المتنبي يسترضي سيف الدولة على بني كلاب وقد أوقع بهم هزيمة منكرة رد بها تمردهم عليه: ومن في كفه منهم قناة ... كمن في كفه منهم خضاب فقد كنى عن المرأة بصفة هي كون الخضاب في يدها، وعن الرجل بصفة هي كون القناة في يده، هو يريد بهذه الصفة المكنى بها عن الموصوف بلوغهم في الضعف غاية لا غاية بعدها، حيث صار الرجل منهم كالمرأة في العجز عن مواجهة الحروب، مما يجعلهم أهلًا للصفح والعفو، وقد كان المتنبي شاعرًا قديرًا في تسخير الكناية عن الموصوف لما يرمي إليه، وكذا في التعبير عما يعتمل في نفسه ويضطرب في حناياه. ومن ذلك قوله في سياق قصيدة يمدح بها كافورًا، ويحدث عن غدر الصديق: رحلت فكم باك بأجفان شادن ... عليَّ وكم باك بأجفان ضيغم وما ربة القرط المليح مكانه ... بأجزع من رب الحُسام المصمم فلو كان ما بي من حبيب مقنع ... عذرت ولكن من حبيب معمم في الثلاثة أبيات هذه تطالعنا الكناية عن الموصوف خالبة آسرة، فقد كنى عن المرأة بكونها باكية بأجفان الغزال، وبربة القرط المليح، وبالحبيب الساتر وجهه بالقناع، وكنى عن الرجل بكونه باكيًا بأجفان الأسد، وبرب السيف القاطع، وبالحبيب المعمم، ووظَّف كل هذه الكنايات للتعبير عما يعتمل في نفسه من حزن بلَغَ في نفسه المدى، فقد فارق أحبابه الكثيرين من الرجال والنساء، أولئك الذين جزعوا لفراقه أشد الجزع، ولم يكن الرجل في ذلك أقل من المرأة في تجرع غُصة

стр. 234

الفراق، ويزيد في ألمه وحزنه أن ما ألجأه إلى الرحلة لم يكن إعراض حسناء، وإنما كان غدرًا من رجل أولاه قلبه وحبه، ولو كان ما لحقه من إعراض الحسناء لوجد شيئًا من العذر يعينه على احتمال البقاء بين خِلانه وأهل مودته، ولكنه من غدر رجل صديق، فلم يكن بُد من الرحلة والفراق. ومن الكناية عن موصوف: قول البحتري في وصف طعنة أصاب بها ذئبًا: فأتبعتها أخرى فأضللت نصلها ... بحيث يكون اللب والرعب والحقد أضللت يعني: غيبت، والنصل هو حديدة الرمح والسهم. ومنه قول عمرو بن معد يكرب: والضاربين بكل أبيض مخدم ... ....................... المخدم: هو القاطع من السيف. ......................... ... والطاعنين مجامع الأضغان فكنى بمجامع الأضغان عن القلب، ويكنى عنه بذات الصدور وبمواطن الأسرار وبأماكن الحقد والرعب، كما في قول البحتري السابق الذكر. من ذلك أيضًا: قولهم عن الخمر: أم المصائب وأم الكبائر؛ لشهرة الخمر عند العقلاء بجلب المصائب وتوليد الكوارث وارتكاب الموبقات من الكبائر، وفي الكناية عن النساء: ذوات الخلاخل، وفي الكناية عن الدينار: الأصفر الرنان، وفي الكناية عن الصدر: موطن الحِلم، وعن اللغة العربية بأنها لغة الضاد. يقول شوقي: إن الذي ملأ اللغات محاسنًا ... جعل الجمال وسره في الضاد وقولهم في الكناية عن السفينة: ابنة اليم؛ لملازمتها ماء البحر، ونلاحظ في الشواهد والأمثلة المذكورة أن الصفات التي صرَّح بها، لها مزيد اختصاص

стр. 235

بالموصوف الذي كني بها عنه، ولازمة لمعناه وواضحة الدلالة عليه، ولذا ساغ الكناية بها عنه. القسم الثاني من أقسام الكناية: الكناية عن صفات؛ وهي أن يصرح بالموصوف وبالنسبة، ولا يصرح بالصفة المرادة، بل يذكر مكانها صفة تومض إليها، وتدل عليها، ومن روائع هذا النوع قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ (الفرقان: ٢٧) فقد ذكر الموصوف صراحة وهو الظالم، وذكرت النسبة كذلك، وهي نسبة العض إليه، ولكن الصفة المقصودة لم تذكر صراحةًبل نراها في إيماءة العض على اليدين، ونتأمل صورة رجل أو امرأة أخذ يعض أو أخذت تعض على يديها، ولتحاول معي أن تدرك الحالة التي عليها أي منهما، عندئذٍ ستدرك أن الندم هو المسيطر، والعض على اليدين يومض بالطبع بالندم إيماضًا يوشك أن يكون ضوءًا قريبًا قويًّا كاشفًا عنه. ومن التعبير عن الندم أيضًا قوله تعالى في قصة الرجلين الثري والمقل، إذ اغتر الثري بثرائه فجحد نعمة الله وافترى عليه، وفخر على المقل، فعاقبه الله عقابًا، قال عنه: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ (الكهف: ٤٢) ولتقف عند قوله: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾ فستجد أن الموصوف مذكورًا صراحة بالضمير المستكن في الفعل: ﴿يُقَلِّبُ﴾ ونسب إليه هذا الفعل، ولكن الصفة المرادة لم يصرح بها وإنما فُهمت من صفة مذكورة وهي تقليب الكفين، وأنت أيضًا إذا أنعمت النظر فيها وقد ذُكرت بعد قوله: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ (الكهف: ٤٢) لوجدت أنها تشير إلى صفة الندم إشارة قوية تقرب من الإفصاح. ومن روائع الكناية عن هذا المعنى: قوله تعالى عن قوم موسى بعد أن عبدوا العجل: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (الأعراف: ١٤٩) وتطالعنا الكناية في

стр. 236

قوله: ﴿سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ فقد أُطلق السقوط في اليد وأريد منه الندم، وهذا النسق التعبيري الذي حمل تلك الكناية، لم تجرِ به ألسنة العرب قبل أن يلج القرآن مسامعهم. قال الزجاج: ﴿سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ أي: ندموا، وهذه اللفظة لم تسمع قبل القرآن ولم تعرفها العرب. وكأنما لمح الزمخشري من عدم ورودها على ألسنة العرب شيئًا، فلم يرها كناية عن مجرد الندم، وإنما رآها كناية عن شدته. وقد أبان عن ذلك بقوله: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ أي: ولما اشتد ندمهم؛ لأن من شأن مَن اشتد ندمه وحزنه أن يعض يده غمًّا فتصير يده مسقوطًا فيها؛ لأن فاه قد وقع فيها. وقيل: من عادة النادم أن يطأطئ رأسه ويضع ذقنه على يده معتمدًا عليها، ويصير على هيئة لو نزعت يده لسقط على وجهه فكأن اليد مسقوط فيها، وهو قول ينم عن ذوق بصير باللغة وإيماءاتها، خبير بما تجري به عاداتهم في مواقفهم المختلفة، فهو يلحظ مواءمة الألفاظ للأحداث كما يربط بين الأحداث وسلوكيات الناس في مواجهتها. ومما جرى من الكناية عن صفة على ألسنة الشعراء وهي كثيرة في أشعارهم: قول ابن خفاجة في قصيدة يصف فيها الجبل: وأرعن طماح الذؤابة باذخ ... يطاول عَنان السماء بغارب يسد مهب الريح من كل وِجهة ... ويزحم ليلًا شهبه بالمناكب في هذين البيتين يصف الجبل بالارتفاع والضخامة ويفهم ارتفاعه من قوله: "يطاول أعنان السماء"، وقوله: "يزحم شُهبه بالمناكب"، فمطاولة السحب ومزاحمة الشهب إنما هي آية الارتفاع الشاهق، أما الضخامة فيعبر عنها قوله: "يسد مهب الريح عن كل وِجهة"، وللسامع أن يتصور مدى ضخامة الجبل حين

стр. 237

يسمع عنه وهو يصد الرياح دون الوجهة التي تنطلق نحوها، ولكن الشاعر لم يسق هذه الصفات سوقًا مباشرًا، بل قدم ما يشير إليها، وترك لمتذوق فنه أن يستشف مراميه، وشبيه بما قاله ابن خفاجة قول البحتري يصف قصرًا: ملأت جوانبه الفضاء وعانقت ... شُرفاته قطع السحاب الممطر وحين ترى قصرًا ملأت جوانبه الفضاء ولامست شرفاته السحاب، فإنك ستدرك على الفور ضخامته وارتفاعه، غير أن مبالغة البحتري أبعد مدًى من مبالغة ابن خفاجة؛ إذ الأول يصف قصرًا والثاني يصف جبلًا، ولن تكون ضخامة قصر وارتفاعه مماثلة لما يكون من ذلك في الجبل، للوصفين مبالغة عند الشاعرين، ولكنها أقرب إلى النفوس عند ابن خفاجة. ومما نلفت إليه أن صفة الارتفاع المكنَّى عنها بالمطاولة والمزاحمة والمعانقة صُبت في إطار الاستعارة، فتآزرت الاستعارة والكناية عند الشاعرين في رسم صورة ضخمة لذلك العلو ترينا الخيال محلقًا في آفاق لا حدودَ لها. وتجري الكناية القريبة عن صفة على ألسنتنا كثيرًا ربما دون أن ندري، فتقول مثلًا: فلان طاهر الذيل ونقي الثوب، كناية عن العفاف والطهر، فطهارة الذيل ونقاء الثوب صفتان يلازمهما عادةً صفة العفاف وصفة الطهر، وقوله: فلان شب عن الطوق، كناية عن اجتيازه مرحلة الطفولة إلى مرحلة اليفاعة والشباب، فالشب عن الطوق صفة تلازمها عادةً صفة اجتياز مرحلة الطفولة وكذا قولهم: ضرب فلان كفًّا بكف، كناية عن الندم والتحسر. أصبح فلان يمشي على عكاز، كناية عن ضعفه وكِبر سنه، وفلان كثير الرماد وجبان الكلب ومهزول الفصيل، كناية عن الكرم والجود، وفلان طويل النجاد، كناية عن طول القامة، وقضَّب وجهه وانتفخت أوداجُه، كناية عن الغضب، واحمر وجهه، كناية عن الخجل،

стр. 238

حدثني بلغة المدفع، كناية عن القوة، ونظر إلى الدنيا بمنظار أسود، كناية عن التشاؤم، وفلان ناعم الأظفار، كناية عن قلة الخبرة والتجربة إلى غير ذلك. ومن شواهد الكناية عن صفة في النظم الكريم: قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ (لقمان: ١٨) فكنَّى عن صفتي التكبر والفخر بتصعير الخد والمرح في الأرض؛ لما بين الصفتين المذكورتين والمكنى عنهما من تلازم. وأنت عندما تقرأ قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ (الأنفال: ٧) تجد في الآية كنايتين؛ الأولى: كناية عن موصوف في قوله: ﴿ذَاتِ الشَّوْكَةِ﴾ فقد كنَّى به عن الحرب والنفير، والثانية: كناية عن صفة وذلك في قوله: ﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ فقد كنى به عن صفة الاستئصال والإبادة. ومن شواهد الكناية عن صفة أيضًا في أشعارهم: قول الحماسي في الكناية عن ضخامة الأرداف وعظم الثدي وضمور الخصر والبطن: أبت الروادف والثدي لقنصها ... مس الظهور وأن تمس بطونًا وقول المتنبي في الكناية عن صفتي العِز والسيادة، والفقر والحاجة: فمساهم وبسطهم حرير ... وصبحهم وبسطهم تراب وقد مرت بنا هذه الأمثلة. من ذلك أيضًا قول عمرو بن أبي ربيعة في الكناية عن طول الجِيد: بعيد مهوى القرط إما لنوفل ... أبوها وإما عبد شمس وهاشم وقول النابغة الذبياني في مدح الغساسنة:

стр. 239

رِقاق النعال طيب حجزاتهم ... يحيون بالريحان يوم السباسب والحجزات هي مواضع شد إزارهم من الوسط، ويوم السباسب هو يوم عيد عند النصارى يسمى بيوم الشعانين، ففي البيت هنا ثلاث كنايات؛ الأولى: هي الكناية عن الترف والسيادة بِرِقة النعال، فهم لا يمشون حتى يخصفوا نعالهم ويجعلوها سميكة، وإنما يركبون الخيل، ويلزم من ذلك الترف والسيادة، والثانية: الكناية بطيب حُجزاتهم عن صفة العفة والطهارة، والثالثة: الكناية عن رقة أمزجتهم وحسن أذواقهم ومحافظتهم على التقاليد المرعية بقوله: "يحيون بالريحان يوم السباسب". ومن ذلك قول طرفة بن العبد في الكناية بصغر الرأس عن الذكاء: أنا الرجل الضرب الذي تعرفونه ... خشاش كرأس الحية المتوقد الضرب أي: الخفيف اللحم، والخشاش: الصغير الرأس، والمتوقد: الذي هو سريع الحركة، فَهُم يكنون بصغر الرأس عن الذكاء كما يكنون بعظمها وضخامتها عن الغباء والبلادة وبعرض القفا عن صفة البلة. القسم الثالث من أقسام الكناية: الكناية عن نسبة، وهي ما صرح فيها بالموصوف وبالصفة ولم يصرح بنسبة الصفة إلى الموصوف، بل يذكر مكانها نسبة أخرى تستلزم نسبتها إليه، ومن روائع هذه الكناية قول أبي نواس يمدح الخصيب أمير مصر وكان قد رحل إليها في عهده: إذا لم تزر أرض الخصيب ركابنا ... فأي فتًى بعد الخصيب تزور فتى يشتري حسن الثناء بماله ... ويعلم أن الدائرات تدور فما جازه جود ولا حل دونه ... ولكن يصير الجود حيث يصير

стр. 240

ونتوقف من هذه الأبيات عند الثالث منها ففيه بغيتنا وهي الكناية عن نسبة، حيث صرح بالموصوف وهو الخصيب وصرح بالصفة وهي المجد، ولكنه لم يصرح بنسبة المجد إليه وإنما ذكر نسبة أخرى تتطلبها، وهي صيرورة المجد في المكان الذي يصير فيه الممدوح، وهذا يعني أنه غاية في الكرم، ولا يخفَى عليك ما في البيت من خيال بديع، حيث صور لك الجود في صورة حي متحرك وأنه يلازِم الممدوح أينما حل وكيفما صار. ومن روائع هذه الكناية أيضًا قول الشنفرى الأسدي يصف امرأة بالعفة: يبيت بمنجاة من اللوم بيتها ... إذا ما بيوت بالملامة حلت فالصفة هي العفة وهي البراءة من اللوم عند ملابسة الفجور، والموصوف هي المرأة المعبر عنها بضمير الغائبة المضاف إلى البيت، ولم يصرح الشاعر بنسبة البراءة من اللوم إلى صاحبته كأن يقول: تبيت ناجية من اللوم، أو بما شابه ذلك، ولكنه نسب تلك البراءة إلى بيتها والمراد نسبتها إليها؛ لأن نسبة البراءة إلى بيتها تقتضي نسبتها إليها، ونود أن نشير إلى أن النجاة من اللوم كناية عن العفة، ففي الشطر الأول كنايتان: كناية عن صفة وهي النجاة من اللوم، وكناية عن نسبة وهي نسبة النجاة من اللوم إلى البيت، والمقصود نسبتها إلى صاحبته، وفي الشطر الثاني أيضًا كنايتان على تلك الصورة، غير أن الموصوف جمع وهم أصحاب البيوت. ونظير ذلك وهو اجتماع كنايتين في جملة واحدة قولنا: كثر الرماد في ساحة عمرو، فكثرة الرماد كناية عن صفة الكرم، وإثبات الكرم في ساحة عمرو المعبر عنه بكثرة الرماد، كناية عن نسبة الكرم إليه، فقد اجتمعت كنايتان في جملة واحدة وجعلت إحداهما وهي كثرة الرماد طرفًا للثانية وهي إثبات كثرة الرماد في

стр. 241

ساحة عمرو، وما من شك في أن وجود نوعين من الكناية في جملة واحدة مما يزيد الكلام حسنًا ويضفي عليه جمالًا. ومن الكنايات عن النسبة: قول بعض الشعراء المعاصرين: بين برديك يا صبية كنز ... من نقاء معطر معشوق وبعينيك يا صبية شجو ... ساهم اللمح مستطار البريق فالموصوف كما لا يخفى هو الصبية، والصفة هي النقاء المعطر المعشوق، ولكن الشاعر لم ينسب ذلك النقاء إليها، وإنما نسبه إلى المكان الواقع بين برديها، هذه النسبة تقتضي نسبة النقاء إليها. وفي البيت الثاني كناية أيضًا نسب فيها الشجو إلى عيني تلك الصبية، والمقصود نسبته إليها. ومن رائع الكناية عن النسبة قول المتنبي يعزي سيف الدولة في فقد عمته في قصيدته البائية المشهورة: مثلك يثني الحزن عن صوبه ... ويسترد الدمع عن وربه إيما لإبقاء على فضله ... ................................ "إيما" لغة في أما. ................................... ... إيما لتسليم إلى ربه فهو يقول: مثلك يقدر على صرف الحزن عن نفسه ويسترد الدمع إلى مستقره؛ إبقاءً على فضله، حتى لا يضيعه الجزع، أو تسليمًا لأمر الله فيما قضى به. وفي قوله: "مثلك"، كناية عن نسبة، فقد صرح بالموصوف وهو الضمير المخاطب، وبالصفة وهي صفة الحزن واسترداد الدمع، ولم يصرح بنسبة صرف الحزن واسترداد الدمع إليه، ولكن نسبها إلى مثله، والمراد نسبتها إليه. وقد كشف الزمخشري عن هذه الكناية وهو بصدد الحديث عن قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى: ١١) حيث قال: قالوا: مثلك لا يبخل، فنفوا البخل عن مثله وهم يريدون نفيه عن ذاته، قصدوا المبالغة في ذلك، فسلكوا به

стр. 242

طريق الكناية؛ لأنهم إذا نفوه عمن يسد مسده وعمن هو على أخص أوصافه فقد نفوه عنه. ومن الكناية عن نسبة قولهم في مقام المدح: المجد بين ثوبيه والكرم بين بُرديه، أرادوا نسبة المجد والكرم إليه، فعدلوا عن التصريح بذلك إلى جعل المجد بين ثوبيه والكرم بين يديه؛ ليفهم المخاطب إثباتهما للممدوح؛ إذ ليس بين البردين أو الثوبين سواه، فالتعبير إذن كناية عن نسبة المجد والكرم إلى الممدوح، وهذا قريب بما سبق ذكره. ومن ذلك قول زياد: إن السماحة والمروءة والنَّدَى ... في قبة ضربت على ابن الحشرج القبة: هي ما كانت فوق الخيمة من العظم والاتساع، وهي خاصة بالرؤساء والسادة، وابن الحشرج: هذا هو عبد الله بن الحشرج أمير نيسابور، فهنا كنى عن نسبة هذه الصفات إلى ابن الحشرج بجعلها في قبة مضروبة عليه؛ لأن الشيء إذا أثبت في مكان الرجل وحيزه، فقد أثبت له؛ وذلك لاستحالة قيام الوصف بنفسه ووجوب قيامه بموصوف صالح للاتصاف به. ومنه قول الآخر يمدح ابن العميد: والمجد يدعو أن يدوم لجيده ... عقد مساع ابن العميد نظامه المساعي: هي المكارم، ونظام العقد: ما به يكون منتظمًا، فهنا صور المجد غادة حسناء قد تحلى جيدها بعقد حباته مساع ابن العميد، وهو يدعو الله أن يدوم هذا العقد ويبقى في جيده، فكنى عن نسبة المجد وثبوته لابن العميد بكون مساعيه حبات قد انتظم بها عقد المجد، وكنى عن الدعاء بدوام بقاء ابن العميد بدعاء المجد أن يدوم العقد ويبقى في جِيده، ومنها قولهم: العرب لا تخفر الذمم، يريدون نفي ذلك عن العربي؛ لأنه إذا نفي عن العربي نقض العهد فقد نفي عنهم؛ إذ هو واحد منهم. وقولهم: أيفعت لداته وبلغ أترابه، كنوا عن نسبة اليفاعة والبلوغ إليه بنسبتهما إلى أقرانه ونظرائه.

стр. 243

تقسيم الكناية باعتبار القرب والبعد بين المعنيين هذا، وتنقسم الكناية باعتبار القرب والبعد بين المعنيين -المكنى عنه والمكنى به- إلى قسمين: كناية قريبة وكناية بعيدة. فالكناية القريبة: هي ما تقارب فيها المعنيان، بحيث يكون الانتقال من المعنى المكني به إلى المعنى المكني عنه بلا واسطة، كالانتقال من عض الإصبع -أو تقليب الكفين- إلى الندم، ومن طول النجاد إلى طول القامة، ومن بعد مهوى القرط إلى طول الجيد، ومن التنشئة في الحلية إلى المرأة في قوله : ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ وكالانتقال من كون السماحة والمروءة والندى في قبة مضروبة على ابن الحشرج إلى نسبة هذه الصفات إليه في قول زياد -الذي سبق ذكره-: إن السماحة والمروءة والندى ... في قبة ضربت على ابن الحشرج فهذه الكنايات كما هو ملاحظ قريبة، وهي قد تكون واضحة لا تحتاج في إدراكها إلى نظر وتفكر كما في الشواهد المذكورة، وقد تكون خفية حيث تحتاج في إدراكها إلى شيء من التأمل والنظر؛ لكون التلازم بين المعنيين المكنى به والمكنى عنه مبنيًّا على عرف لم يبلغ حد الشهرة العامة؛ وذلك كالانتقال من عرض القفا إلى صفة البَلَه، فإن تجاوز الحد في عرض القفا من لوازم البله، وكالانتقال من ضخامة الرأس إلى الغباء، ومن صغرها إلى الذكاء، وكالانتقال من أداء التحية بالريحان يوم السباسب إلى رِقة الأمزجة وحسن الذوق والمحافظة على التقاليد. أما الكناية البعيدة: فهي ما تباعد فيها المعنيان، بحيث يصير الانتقال من المعنى المكني به إلى المعنى المكني عنه لا يتم إلا بواسطة أو بِعِدة وسائط، كالكنايتين المذكورتين في الشطر الأول من بيت النابغة الذي يقول فيه:

стр. 244

رقاق النعال طيب حُجزاتهم ... يحيون بالريحان يوم السباسب فالانتقال هنا من رقة النعال إلى الترف والسيادة، ومن طيب الحجزات إلى العفة، من الكنايات البعيدة؛ لاحتياج هذا الانتقال إلى وسائط، فرقة النعال تستلزم عدم المشي بها، وعدمُ مشيهم بها يستلزم ركوب الخيل، وركوبهم الخيل يستلزم الشرف والسيادة، وكذا طيب الحجزات يستلزم ابتعادهم عن الفواحش والموبقات، وابتعادهم عنها يستلزم العفة، فهما إذن كنايتان بعيدتان. وكذا الانتقال من النجاة من اللوم إلى العفة بواسطة النجاة من موجبات اللوم، أي: الابتعاد عن الفواحش والموبقات في قول الشاعر -الذي سبق ذكره-: يبيت بمنجاة من اللوم بيتها ... إذا ما بيوت بالملامة حلت فالنجاة من اللوم تستلزم النجاة من موجباته، والنجاة من موجباته تستلزم العفة، وكذا الانتقال من كثرة الرماد إلى صفة الكرم في قولنا: فلان كثير الرماد، إذ ينتقل الذهن والفكر من كثرة الرماد إلى صفة الكرم بعدة وسائط، فكثرة الرماد تستلزم كثرة إيقاد النار تحت القدور، وتلك تستلزم كثرة الطبخ، وهذه تستلزم كثرة الأَكَلة، وكثرتهم تستلزم كثرة الضيوف، وهذا دليل الكرم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 245

الدرس: ١٢ تابع الكناية - التعريض .

стр. 246

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثاني عشر (تابع الكناية - التعريض) أمثلة على الكناية البعيدة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومَن والاه، وبعد: الكناية البعيدة: ونذكر من أمثلة ذلك ما جاء في قول الشاعر وهو مشهور: وما يك في من عيب فإني ... جبان الكلب مهزول الفصيل فهنا انتقل الشاعر من جبن الكلب إلى الكرم بوسائط عدة؛ إذ جُبن الكلب عن النباح يستلزم استمرار تأدبه، وهذا يستلزم دوام مشاهدته وجوهًا غريبة في بيت صاحبه، وذلك يدل على أن صاحبه مقصد الداني والقاصي، وهذا أيضًا بدوره يدل على اتصافه بالجود والكرم، وكذلك ينتقل من هزال الفصيل إلى الكرم بعدة وسائط، وكما قلنا: فإن الكناية البعيدة هي التي تباعد فيها المعنيان بحيث يصير الانتقال من المعنى المكني به إلى المعنى المكني عنه بوسائط أو بِعِدة وسائط، فهنا انتقل من هزال الفصيل إلى الكرم بعدة وسائط، فهزاله دليل على فقد أمه أو فقد لبنها، وهذا دليل على نحرها للضيوف أو إيثارهم بلبنها، وذلك دليل الكرم والجود. ومن ذلك قول نصيب في مدح عبد العزيز بن مروان: لعبد العزيز على قومه ... وغيرهم مِنن ظاهرة فبابك أسهل أبوابهم ... ودارك مأهولة عامرة وكلبك آنس بالزائرين ... من الأم بالابنة الزائرة مأهولة: يعني فيها أهلها، فَأُنس الكلب بالزائرين دليل على أنه يعرفهم؛ لكثرة ترددهم على الدار وإقامتهم فيها لقضاء حوائجهم، وهذا يدل على كرم صاحبه وكثرة إحسانه، وفي جعل أبوابه أسهل أبواب القوم وداره مأهولة عامرة كنايتان أيضًا عن الكرم؛ فسهولة الأبواب تستلزم أنها مقصد الكثيرين، وعمارة الدار

стр. 247

تستلزم كثرة المترددين، فالبعض يذهب والبعض يأتي والدار تظل عامرة بهم، وهذا دليل الكرم وكثرة الجود، وفي قوله: "مأهولة"، إيحاء بكثرة الكرم وحسن الضيافة؛ لدلالتها على أن من يحل بالدار يصير أهلًا لها، فلا يشعر بغربة ولا جفوة. ونظير هذا قول آخر في أنس الكلب بالضيوف: يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلًا ... تكلمه من حبه وهو أعجم فقد بالغ في أنسه بالضيوف وجعله يكاد ينطق، فيرحب بهم، وذلك من فرط حبه الناجم عن كثرة مشاهدته للضيوف حتى أَلِفهم. ونلاحظ هنا مدى التفاوت في الدلالة على الكرم باستخدام الكلب واستغلال ما عرف عن طباعه وخصوصياته، فقد عرف عنه أنه ينبح عند مشاهدة الغريب ويطارده بنباحه، فإذا ما كف عن النباح وجبن أمام الغرباء دل هذا على كرم صاحبه، وهذا ما نراه في البيت الأول، أما إذا ما تحول جبنه إلى إلفه الزائر وأنسه به، فهذا يدل على المبالغة في كرم صاحبه، وهذا ما نراه في أبيات نصيب، أما كلب نظيره فقد تحول أنسه إلى حب مفرط يكاد معه أن ينطق مرحبًا بالضيف، وهذا من دون شك أدعَى إلى الاتصاف بالكرم من كل ما سبق. ومن الكناية البعيدة قول شاعر في الكناية عن الكرم أيضًا: لا أمتع العوذ بالفصال ولا ... أبتاع إلا قريبة الأجل يريد أن يقول: إنه يذبح العوذ ولا يتركها تتمتع بفصالها، أو أنه يذبح الفصال فيحرم العوذ من التمتع بها، أو أنه يذبحهما معًا قبل أن تتمتع العوذ بفصالها، وذلك كي يقدم لحومها للضيوف، كما أنه إذا ابتاع نوقًا لا تبقى عنده طويلًا؛ لسرعان ما يذبحها ويقدمها طعامًا لضيوفه، ففي كل شطر من شطري البيت كناية

стр. 248

عن كرمه وجوده، انتقل في الشطر الأول من عدم إمتاع العوذ بالفصال إلى ذبحها أو ذبح فصالها أو ذبحهما معًا، ومن الذبح إلى تقديم لحمها للضيوف، وهذا يستلزم كثرة الضيوف، وكثرتهم تدل على الكرم، ومما يوحي بكثرة هؤلاء الضيوف إيثاره التعبير بلفظ الجمع: عوذ وفصال، فهو لا يذبح فصيلًا واحدًا أو عائذًا واحدًا، بل عوذًا وفصالًا عديدة، وفي الشطر الثاني انتقل من ابتياعه قريبة الأجل إلى أنه لا يبقيها حية؛ بل يذبحها لضيوفه، وهذا يستلزم بالطبع كثرة ترددهم عليه الدالة على كرمه وسخائه. ومن ذلك قول المتنبي في مدح سيف الدولة مكنيًا عن شجاعته وكرمه: إلى كم ترد الرسل عما أتوا له ... كأنهم فيما وهبت ملام كنَّى عن شجاعته برده رسل العدو؛ لأنه يستلزم عدم اهتمامه بقوته، وهذا دليل الشجاعة، وكنى عن كرمه برده ملام اللائمين له في كثرة هباته وعطاياه، وهذا يستلزم حرصه على العطاء، وهو دليل الجود والكرم. من ذلك أيضًا -وقد سبق ذكره- قول الخنساء في صخر: طويل النجاد رفيع العماد ... كثير الرماد إذا ما شتى كنت بطول النجاد عن شجاعته؛ لأن طول النجاد يستلزم طول القامة، وطول القامة يستلزم الشجاعة عادة، وكنت برفع العماد عن كونه سيدًا عظيم القدر رفيع المكانة في قومه، وبكثرة الرماد عن الكرم والجود، وفي إيثارها وقت الشتاء دَلالة على المبالغة في الكرم؛ لأنه وقت تشتد فيه حاجة المحتاجين. ومن ذلك أيضًا -الكنايات البعيدة- قول الآخر في الفخر بقومه: فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا تقطر الدِّما

стр. 249

فهنا كنى عن شجاعتهم وإقدامهم بنفي الدماء عن الأعقاب وإثباتها للأقدام؛ لأن ذلك يستلزم التقدم لملاقاة العدو ومواجهته، والثبوت في المعركة وعدم الفرار؛ إذ الفار يتلقى ضربات العدو من الخلف فتدمى أعقابه، والثابت المتقدم يتلقاها من الأمام، فتدمى قدمه، وهذا دليل الشجاعة والجرأة، وفي إيثار التعبير بكلمة تقطر في الشطر الثاني دون تدمى دلالة على قوتهم وتغلبهم على الأعداء، فما يصيبهم ليس سوى جروح طفيفة تقطر قطرات يسيرة. ومن الكناية البعيدة قول أبي تمام: فإن أنا لم يحمدك عني صاغرًا ... عدوك فاعلم أنني غير حامد فهنا كنى عن جودة شعره وبلوغه الغاية في المدح بحفظ الأعداء له، مكرهين حيث بهرتهم بلاغته وسحرهم جماله، فحفظهم له وهم لا يحبون الثناء به على الممدوح يستلزم بلوغه في البلاغة والحسن أبعد الغايات. ومن لطيف الكنايات البعيدة قول الشاعر في وصف الراعي: ضعيف العصا بادي العروق ترى له ... عليها إذا ما أجدب الناس إصبعًا فقد كنى عن رقة الراعي ولينه المثمر في إصلاح شأن ما يرعاه من إبل أو غنم بضعف العصا؛ لأن ضعف العصا يستلزم عدم إرادة الإيذاء، وهذا يستلزم الرفق واللين. ومنه قول الآخر في وصف الراعي أيضًا: صلب العصا بالضرب قد دماها ... تود أن الله قد أفناها فقد كنى عن شدته المثمرة في إصلاح شأن ما يرعاه بصلابة العصا؛ لأن صلابة عصا الراعي تستلزم الشدة في زجر ما يرعاه عما يضره ويؤذيه، وهذا يستلزم

стр. 250

حسن الرعاية، فالغاية في البيتين واحدة وإن اختلفت الوسيلة؛ إذ الوسيلة في البيت الأول الرفق واللين، وفي الثاني الشدة وقوة الزجر عن ارتياد المراعي الرديئة التي تؤذي، والغاية في الاثنين الدلالة على حسن الرعاية. وبما لطف الكناية وحسنها في البيتين أنه قد ضم إلى كل منهما ضربًا من ضروب الجمال في التعبير؛ فضم إلى الأولى المجاز المرسل في قوله: "ترى له عليها إصبعًا"، وقد أفاد هذا المجاز الأثر الحسن الذي يبدو على أجسام النوق أو الغنم، وفي هذا دلالة على المبالغة في حسن رعاية الراعي، وضم إلى الثانية التورية الحسنة في قوله: "بالضرب قد دماها"، أي: صيرها كالدمى حسنًا بسيره بها في ضروب الأرض. فالضرب له معنيان قريب وهو الضرب بالعصا وبعيد وهو السير في الأرض، وكذلك دماها لها معنيان؛ قريب وهو إسالة دمها، وبعيد وهو أن صيرها كالدمى في الحسن والجمال، والمراد المعنيان البعيدان. هذا وقد ترددت في كتب البلاغيين أسماء عدة تطلق على مفهوم الكناية أو التعريض؛ منها الإرداف والتمثيل والتلويح والرمز والإيماء والإشارة واللحن، وقد أخذ الأخير من قوله : ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ (محمد: ٣٠) فاللحن في الآية مراد به التعريض بالشيء من غير تصريح به أو الكناية عنه بغيره. وهنا نقتصر على بعض هذه الأشياء المهمة منها على سبيل المثال التلويح، وإنما يعني به البلاغيون الإشارة إلى الغير من بعيد، ولذا أطلقوه على الكناية التي تتعدد وسائطها نحو: كثير الرماد وجبان الكلب. والرمز في اللغة: أن تشير إلى قريب منك على سبيل الخفية، ولذا أطلقوه على الكناية التي قلت وسائطها أو انعدمت، وكان بها نوع من خفاء التلازم بين المعنيين المكنى به والمكنى عنه نحو: عريض القفا، وعريض المنكبين، وصغير الرأس،
следующие страницы →