← Баляга

Баляга · id 11200

البلاغة 1 - البيان والبديع - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (467 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثاني عشر (تابع الكناية - التعريض) أمثلة على الكناية البعيدة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومَن والاه، وبعد: الكناية البعيدة: ونذكر من أمثلة ذلك ما جاء في قول الشاعر وهو مشهور: وما يك في من عيب فإني ... جبان الكلب مهزول الفصيل فهنا انتقل الشاعر من جبن الكلب إلى الكرم بوسائط عدة؛ إذ جُبن الكلب عن النباح يستلزم استمرار تأدبه، وهذا يستلزم دوام مشاهدته وجوهًا غريبة في بيت صاحبه، وذلك يدل على أن صاحبه مقصد الداني والقاصي، وهذا أيضًا بدوره يدل على اتصافه بالجود والكرم، وكذلك ينتقل من هزال الفصيل إلى الكرم بعدة وسائط، وكما قلنا: فإن الكناية البعيدة هي التي تباعد فيها المعنيان بحيث يصير الانتقال من المعنى المكني به إلى المعنى المكني عنه بوسائط أو بِعِدة وسائط، فهنا انتقل من هزال الفصيل إلى الكرم بعدة وسائط، فهزاله دليل على فقد أمه أو فقد لبنها، وهذا دليل على نحرها للضيوف أو إيثارهم بلبنها، وذلك دليل الكرم والجود. ومن ذلك قول نصيب في مدح عبد العزيز بن مروان: لعبد العزيز على قومه ... وغيرهم مِنن ظاهرة فبابك أسهل أبوابهم ... ودارك مأهولة عامرة وكلبك آنس بالزائرين ... من الأم بالابنة الزائرة مأهولة: يعني فيها أهلها، فَأُنس الكلب بالزائرين دليل على أنه يعرفهم؛ لكثرة ترددهم على الدار وإقامتهم فيها لقضاء حوائجهم، وهذا يدل على كرم صاحبه وكثرة إحسانه، وفي جعل أبوابه أسهل أبواب القوم وداره مأهولة عامرة كنايتان أيضًا عن الكرم؛ فسهولة الأبواب تستلزم أنها مقصد الكثيرين، وعمارة الدار

стр. 247

تستلزم كثرة المترددين، فالبعض يذهب والبعض يأتي والدار تظل عامرة بهم، وهذا دليل الكرم وكثرة الجود، وفي قوله: "مأهولة"، إيحاء بكثرة الكرم وحسن الضيافة؛ لدلالتها على أن من يحل بالدار يصير أهلًا لها، فلا يشعر بغربة ولا جفوة. ونظير هذا قول آخر في أنس الكلب بالضيوف: يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلًا ... تكلمه من حبه وهو أعجم فقد بالغ في أنسه بالضيوف وجعله يكاد ينطق، فيرحب بهم، وذلك من فرط حبه الناجم عن كثرة مشاهدته للضيوف حتى أَلِفهم. ونلاحظ هنا مدى التفاوت في الدلالة على الكرم باستخدام الكلب واستغلال ما عرف عن طباعه وخصوصياته، فقد عرف عنه أنه ينبح عند مشاهدة الغريب ويطارده بنباحه، فإذا ما كف عن النباح وجبن أمام الغرباء دل هذا على كرم صاحبه، وهذا ما نراه في البيت الأول، أما إذا ما تحول جبنه إلى إلفه الزائر وأنسه به، فهذا يدل على المبالغة في كرم صاحبه، وهذا ما نراه في أبيات نصيب، أما كلب نظيره فقد تحول أنسه إلى حب مفرط يكاد معه أن ينطق مرحبًا بالضيف، وهذا من دون شك أدعَى إلى الاتصاف بالكرم من كل ما سبق. ومن الكناية البعيدة قول شاعر في الكناية عن الكرم أيضًا: لا أمتع العوذ بالفصال ولا ... أبتاع إلا قريبة الأجل يريد أن يقول: إنه يذبح العوذ ولا يتركها تتمتع بفصالها، أو أنه يذبح الفصال فيحرم العوذ من التمتع بها، أو أنه يذبحهما معًا قبل أن تتمتع العوذ بفصالها، وذلك كي يقدم لحومها للضيوف، كما أنه إذا ابتاع نوقًا لا تبقى عنده طويلًا؛ لسرعان ما يذبحها ويقدمها طعامًا لضيوفه، ففي كل شطر من شطري البيت كناية

стр. 248

عن كرمه وجوده، انتقل في الشطر الأول من عدم إمتاع العوذ بالفصال إلى ذبحها أو ذبح فصالها أو ذبحهما معًا، ومن الذبح إلى تقديم لحمها للضيوف، وهذا يستلزم كثرة الضيوف، وكثرتهم تدل على الكرم، ومما يوحي بكثرة هؤلاء الضيوف إيثاره التعبير بلفظ الجمع: عوذ وفصال، فهو لا يذبح فصيلًا واحدًا أو عائذًا واحدًا، بل عوذًا وفصالًا عديدة، وفي الشطر الثاني انتقل من ابتياعه قريبة الأجل إلى أنه لا يبقيها حية؛ بل يذبحها لضيوفه، وهذا يستلزم بالطبع كثرة ترددهم عليه الدالة على كرمه وسخائه. ومن ذلك قول المتنبي في مدح سيف الدولة مكنيًا عن شجاعته وكرمه: إلى كم ترد الرسل عما أتوا له ... كأنهم فيما وهبت ملام كنَّى عن شجاعته برده رسل العدو؛ لأنه يستلزم عدم اهتمامه بقوته، وهذا دليل الشجاعة، وكنى عن كرمه برده ملام اللائمين له في كثرة هباته وعطاياه، وهذا يستلزم حرصه على العطاء، وهو دليل الجود والكرم. من ذلك أيضًا -وقد سبق ذكره- قول الخنساء في صخر: طويل النجاد رفيع العماد ... كثير الرماد إذا ما شتى كنت بطول النجاد عن شجاعته؛ لأن طول النجاد يستلزم طول القامة، وطول القامة يستلزم الشجاعة عادة، وكنت برفع العماد عن كونه سيدًا عظيم القدر رفيع المكانة في قومه، وبكثرة الرماد عن الكرم والجود، وفي إيثارها وقت الشتاء دَلالة على المبالغة في الكرم؛ لأنه وقت تشتد فيه حاجة المحتاجين. ومن ذلك أيضًا -الكنايات البعيدة- قول الآخر في الفخر بقومه: فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا تقطر الدِّما

стр. 249

فهنا كنى عن شجاعتهم وإقدامهم بنفي الدماء عن الأعقاب وإثباتها للأقدام؛ لأن ذلك يستلزم التقدم لملاقاة العدو ومواجهته، والثبوت في المعركة وعدم الفرار؛ إذ الفار يتلقى ضربات العدو من الخلف فتدمى أعقابه، والثابت المتقدم يتلقاها من الأمام، فتدمى قدمه، وهذا دليل الشجاعة والجرأة، وفي إيثار التعبير بكلمة تقطر في الشطر الثاني دون تدمى دلالة على قوتهم وتغلبهم على الأعداء، فما يصيبهم ليس سوى جروح طفيفة تقطر قطرات يسيرة. ومن الكناية البعيدة قول أبي تمام: فإن أنا لم يحمدك عني صاغرًا ... عدوك فاعلم أنني غير حامد فهنا كنى عن جودة شعره وبلوغه الغاية في المدح بحفظ الأعداء له، مكرهين حيث بهرتهم بلاغته وسحرهم جماله، فحفظهم له وهم لا يحبون الثناء به على الممدوح يستلزم بلوغه في البلاغة والحسن أبعد الغايات. ومن لطيف الكنايات البعيدة قول الشاعر في وصف الراعي: ضعيف العصا بادي العروق ترى له ... عليها إذا ما أجدب الناس إصبعًا فقد كنى عن رقة الراعي ولينه المثمر في إصلاح شأن ما يرعاه من إبل أو غنم بضعف العصا؛ لأن ضعف العصا يستلزم عدم إرادة الإيذاء، وهذا يستلزم الرفق واللين. ومنه قول الآخر في وصف الراعي أيضًا: صلب العصا بالضرب قد دماها ... تود أن الله قد أفناها فقد كنى عن شدته المثمرة في إصلاح شأن ما يرعاه بصلابة العصا؛ لأن صلابة عصا الراعي تستلزم الشدة في زجر ما يرعاه عما يضره ويؤذيه، وهذا يستلزم

стр. 250

حسن الرعاية، فالغاية في البيتين واحدة وإن اختلفت الوسيلة؛ إذ الوسيلة في البيت الأول الرفق واللين، وفي الثاني الشدة وقوة الزجر عن ارتياد المراعي الرديئة التي تؤذي، والغاية في الاثنين الدلالة على حسن الرعاية. وبما لطف الكناية وحسنها في البيتين أنه قد ضم إلى كل منهما ضربًا من ضروب الجمال في التعبير؛ فضم إلى الأولى المجاز المرسل في قوله: "ترى له عليها إصبعًا"، وقد أفاد هذا المجاز الأثر الحسن الذي يبدو على أجسام النوق أو الغنم، وفي هذا دلالة على المبالغة في حسن رعاية الراعي، وضم إلى الثانية التورية الحسنة في قوله: "بالضرب قد دماها"، أي: صيرها كالدمى حسنًا بسيره بها في ضروب الأرض. فالضرب له معنيان قريب وهو الضرب بالعصا وبعيد وهو السير في الأرض، وكذلك دماها لها معنيان؛ قريب وهو إسالة دمها، وبعيد وهو أن صيرها كالدمى في الحسن والجمال، والمراد المعنيان البعيدان. هذا وقد ترددت في كتب البلاغيين أسماء عدة تطلق على مفهوم الكناية أو التعريض؛ منها الإرداف والتمثيل والتلويح والرمز والإيماء والإشارة واللحن، وقد أخذ الأخير من قوله : ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ (محمد: ٣٠) فاللحن في الآية مراد به التعريض بالشيء من غير تصريح به أو الكناية عنه بغيره. وهنا نقتصر على بعض هذه الأشياء المهمة منها على سبيل المثال التلويح، وإنما يعني به البلاغيون الإشارة إلى الغير من بعيد، ولذا أطلقوه على الكناية التي تتعدد وسائطها نحو: كثير الرماد وجبان الكلب. والرمز في اللغة: أن تشير إلى قريب منك على سبيل الخفية، ولذا أطلقوه على الكناية التي قلت وسائطها أو انعدمت، وكان بها نوع من خفاء التلازم بين المعنيين المكنى به والمكنى عنه نحو: عريض القفا، وعريض المنكبين، وصغير الرأس،

стр. 251

وطيب الحجزات، والإشارة أو الإيماء يكون لمن قرب جدًّا ووضح، ولذا أطلقوه على الكناية التي انعدمت وسائطها أو قلت، ووضح فيها التلازم بين المعنيين؛ نحو الكناية عن المرأة بالنعجة أو خضاب البنان، أو التنشئة في الحلية، وعن الرجل بحمل السلاح، وعن الصدر بموطن الحلم، وعن الفقر بقلة الفأر في البيت، إلى غير ذلك من هذه الأقسام التي ذكرها البلاغيون. من روائع هذه الكنايات التي خلع عليها العصر طابعه في الرمز قول أبي القاسم الشابي: إذا ما طمحت إلى غاية ... ركبت المنى وخلعت الحذر ولم أتجنب وعور الشعاب ... ولا كبة اللهب المستعر ومن لا يحب صعود الجبال ... يعش أبد الدهر بين الحفر فقد كنى عن الاجتهاد في المسعى بركوب المنى وأتبع تلك الكناية بأخرى تشد أزرها؛ وهي الاستهانة بالمخاطر ماثلة في نسيان الحذر، واجتياز الشعاب الوعرة، والسقوط في النيران المشتعلة، ثم ألهب شعور المتلقي إلى الاجتهاد في تحقيق الأماني والاستهانة بالمخاطر؛ فكنى عن نباهة الشأن بصمود الجبال، وعن الخمول بالعيش بين الحفر، وجعل عدم محبة النباهة سبيلًا إلى الضعة والخمول. وهذا والحديث عن أثر العصر في صور البيان لا ينتهي إلى غاية، لكن نكتفي بهذا القدر. التعريض والكلام عن الكناية في الحقيقة يأخذنا إلى الحديث عن التعريض؛ لما بينهما من الروابط القوية، ولتكن بدايتنا في الحديث عن التعريض بتعريف التعريض. تدور بعض استعمالات هذه المادة عرض حول التخفي والتحيل للأمر المراد، ففي (الصحاح) ذكر الجوهري أن التعريض خلاف التصريح قالوا: عرضت لفلان وبفلان إذا قلت قولًا وأنت تعنيه، ومنه المعاريض في الكلام، والعروض

стр. 252

الناحية، يقال: تعرض الجمل في الجبل، يعني أخذ في مسيره يمينًا وشمالًا لصعوبة الطريق، ولفلان عُرضة أي: ضرب من الحيلة، ونظرت إليه عن عرض أي: من جانب وناحية. وهو عند البيانيين: المعنى الحاصل عند اللفظ لا به، فهو معنى يفهم من عرض الكلام وجوانبه، ومؤدى هذا التعريف أن المتلقي يدرك المعنى الذي يهدف إليه الأديب من سياق الكلام وقرائن الأحوال، لا من صريح اللفظ بوضعه اللغوي، ولا من استعماله في غير ما وضع له؛ استنادًا إلى قرينة، سواء أكانت هذه القرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي أو غير مانعة. ولما كان هذا هو مراد البيانيين من المفهوم المذكور فقد ضمنوه قيدين؛ الأول: هو قولهم: المعنى الحاصل عند اللفظ، وهو قيد قد يفيد العموم بحيث يشمل الحقيقة والمجاز والكناية، وإنما قلنا: "قد" بلفظ التقليل؛ لأن مَن يتأمل لفظ "عند" يدرك أنه يخرج هذه الثلاثة من مضمونه؛ لأن كلًّا منها يؤدي المعنى بلفظه لا عنده. الأمر الثاني أو القيد الثاني هو قولهم: لا به إذ يخرج هذا القيد هذه الثلاثة -الحقيقة والمجاز والكناية- إخراجًا مؤكدًا؛ لأن المعنى يؤدى به صريحًا لا ضمنًا، وإذا خُرجت هذه الثلاثة من كنف التعريف بقي خاصًّا بالتعريض وحده، فإنه حاصل بغير اللفظ من طريق السياق وقرائن الأحوال، وهذا هو السر في تسميته تعريضًا؛ لأن المعنى يفهم من عرض الكلام أو جانبه. والتعريض بما سبق يتفق مع الكناية في أن كلًّا منهما معنًى يفهم من الكلام ولا تدل عليه الألفاظ دلالة حقيقية. فقولنا مثلًا: فلان كثير الرماد، دل على معنى الكرم بطريق الكناية والتلازم بين معنى الكرم وكثرة الرماد، وليست دلالة كثرة الرماد على الكرم دلالة حقيقية،

стр. 253

وكذا قول المحتاج في خطاب الغني: والله إني لمحتاج وليس في يدي شيء، وأنا عُريان والبرد قد آذاني، فقد دل كل هذا على الطلب بطريق التعريض، فقد فهم من كلامه التعريض بطلبه، وليست دلالة كلامه على الطلب دلالة حقيقية. ويفرق بينهما من ثلاثة وجوه: الأول: أن الكناية واقعة على المجاز ومعدودة منه على ما هو الأرجح، بخلاف التعريض فلا يعد منه؛ لأن التعريض مفهوم من جهة السياق، فلا تعلق له باللفظ لا من جهة حقيقته ولا من جهة مجازه. الثاني: أن الكناية تقع في اللفظ المفرد والألفاظ المركبة بخلاف التعريض؛ لأنه لا موقع له في اللفظ المفرد، السر في ذلك أن دلالة التعريض من جهة القرينة والإشارة والتلويح، وهذا لا يستقل به اللفظ المفرد، ولكنه إنما ينشأ من جهة التركيب، فلأجل هذا كان مختصًّا بالوقوع فيه، ولهذا لا يقال هذه الكلمة تعريض كما يقال هذه الكلمة حقيقة أو مجاز أو كناية. الأمر الثالث: أن التعريض أخفى من الكناية؛ لأن دلالة الكناية مدلولة عليها من جهة اللفظ، بخلاف التعريض، فإنما دلالته من جهة القرينة والإشارة، ولا شك أن كلما كان اللفظ يدل عليه فهو واضح، ومن أجل هذا فرَّق علماء الشريعة بين صريح القذف وكنايته وتعريضه، فأوجبوا في الصريح من القذف الحد مطلقًا في قول القاذف مثلًا: يا زاني، فأوجبوا في كنايته الحد إذا نوى في مثل قول القاذف مثلًا: يا فاعل الخطيئة، ولم يوجبوا في التعريض الحد في مثل قوله مثلًا: يا ولد الحلال؛ وما ذاك إلا لأجل أن الصريح والكناية يدلان على القذف من جهة اللفظ إما بالحقيقة أو المجاز خلافًا للتعريض. والتعريض بهذا أخص من الكناية، فكل تعريض كناية وليس كل كناية تعريضًا. فالكناية إذن أعم من التعريض.

стр. 254

كذلك نلحظ في الفرق بين الكناية والتعريض: أن التلازم بين المعنى التعريضي والمعنى الحقيقي للألفاظ يرجع إلى المواقف الخاصة التي يقال فيها الكلام، أما التلازم بين المعنى المكني به والمعنى المكني عنه، فمرجعه إلى العرف والعادات وطبائع الأشياء وخصوصيات الأفعال على نحو ما مر بنا. ولنضرب للتعريض بعضًا من النماذج؛ حتى تتضح صورته أكثرَ فأكثر: من روائع التعريض بأسلوب الحقيقة ما يورده القرآن في أعقاب ما يقدمه من الأدلة، التي تدل من استقامت فطرته على ما يقضي به النظر الدقيق في تلك الأدلة، من مثال قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (آل عمران: ١٩٠) فقوله: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ تعريض لافت بنفي العقل عمن لا يصل به التأمل في هذه الأدلة الكونية إلى وحدانية الله تعالى، وتفرده بالألوهية، والأسلوب كما لا يخفى جارٍ على منهج الحقيقة وليس من قبيل الكناية أو المجاز بصفة عامة. فالمعنى الصريح لهذا القول الكريم أن أصحاب العقول يجدون في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار أدلةً واضحةً على وجود الله ووحدانيته، وفيه إلى جانب ذلك إيماء إلى نفي العقول عمن لا تدله عليه، وربما كان هذا المعنى هو ما ترمي إليه الآية الشريفة فهو المعنى يتراءى لنا من خلال السياق. ومن التعريض بأسلوب المجاز أن يقول امرؤ لمخاطبه: إنك لا تجني من الشوك العنب، والمعنى الذي يحمله هذا القول الجاري على نسق الاستعارة التمثيلية، أن ذلك المخاطب لا يحصل من عمل سيئ على نتائج مرغوبة، ولكن هذا المعنى مطروح غير منظور إليه، وإنما الغرض المستهدف منه هو رمي إنسان معين بأنه يسيء العمل، ومن المستحيل أن يحصل الخير على يديه.

стр. 255

ومن التعريض بأسلوب الكناية قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: ٢٨) فالمعنى الصريح لهذا النص القرآني قَصْر خشية الله على العلماء، ومن لوازم هذا المعنى نفي الخشية عن كل جاهلٍ مبالغةً، وسوق هذا النص في مواجهة من يقدموا على معصية الله تعريض بجهله وعدم معرفته بجلال الله وعظمة سلطانه؛ إذ إن مدار الخشية معرفة المخشي والعلم بشئونه. ومن روائع التعريض بالمعنى الكنائي أن يسوق المتكلم قول رسول الله ﷺ : ((المسلم مَن سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده)) في مواجهة من لا يتورع عن إيذاء المسلمين بأنواع الأذى على اختلافها، والمعنى الصريح لهذا الحديث الشريف حَصْر الإسلام في غير المؤذي، وهذا يستلزم نفي الإسلام مبالغةً عن كل مؤذ وهو المعنى الكنائي، ولكن المعنى الصريح وما هو لازم له ليس في مرمى المتكلم، وإنما المرمى الذي يوجه نظره هو وصم هذا المؤذي بنقيصة نفي الإسلام عنه. ومن الأمثلة التي يتراءى التعريض من خلالها، نرى أنه يجري في أنواع الأساليب المختلفة ما كان منها حقيقة وما كان منها مجازًا أو كنايةً، وإنما يتم ذلك بتوجيهها الوجهة التي يتوخاها الأديب، وإلا فإنها تقف عند دلالتها التي هي الأصل في استعمالها، وهذا ينتهي بنا إلى القول: بأن الكناية تكون، ولا تعريض والتعريض يكون ولا كناية. من روائع التعريض قول الله تعالى يحكي عن قوم نوح: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ (هود: ٢٧) فظاهر العبارة يحكي أنهم لم يروا إلى جانبه شيئًا من أمارات النبوة فهو بشر مثلهم،

стр. 256

وأتباعه من سفلة القوم في زعمهم، أما باطن العبارة فهو يعني شيئًا آخر، ربما كان -والله أعلم- متمثلًا في رمي أتباع نوح بالغباء والغفلة والسخرية منهم؛ لقصورهم في التفكير حيث ذهبوا إلى منافاة النبوة للبشرية، وإلى الربط بين الفقر والإيمان بدعوة نوح ﵇ أو اصطفائه من بينهم ليكون أحدَ أولي العزم من الرسل، ولم يدركوا أن النبوة اختيار من الله لمن يهيئه للنهوض بأعباء الدعوة ومواجهة الصعاب، وأن الفقر لا يمنع أن يكون الإنسان ذا نفس طاهرة ترتفع بصاحبها إلى أعلى درجات الأبرار، وترقَى به إلى أشرف مراتب القرب من بارئ السموات والأرض. ومن روائع التعريض قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (الزمر: ٦٥) وقد يخيل لمن تقع على مسامعه هذه الجملة أن الله يحذِّر نبيه من الشرك إنذارًا يبلغ منتهاه في الشدة بإيقاعه في سياق القسم، لكن مَن ينعم النظر يدرك أن وراء هذا الظاهر أمرًا آخر ربما كان -وهو أعلم بمراده- تحذير مَن تحدثه نفسه بالشرك من قومه، إذ كيف يتصور عاقل أن يحدث الشرك ممن كلف بدعوة الناس إلى توحيد المعبود، واختصاصه بإخلاص القلب والنهوض بتكاليفه التي جعلها مظهر العبودية والتفرد بالتقديس. وقد يهجس بالقلب خاطر مؤداه: وإذا لم يكن يتصور حدوث الشرك من النبي المرسل فَلِمَ كان التحذير موجهًا إليه في خاصة نفسه؟ أو بعبارة أخرى: فلم لم يكن التحذير من الشرك موجهًا إلى مَن قُصدوا به مباشرة؟ الذي يبدو لنا في هذا الصدد أن ذلك ضرب من اللطف في إذكاء النفوس، وحفز للفكر والتعمق، وذلك بأن يراجع الإنسان نفسه إذا كان النبي ﷺ وهو القائم بأمر الدعوة يتعرض لإحباط عمله وبطلانه، ويقع تحت طائلة الخسران لذلك، فما يكون أمر غيره

стр. 257

ممن ليس في رتبته؟!! وهنا تميل نفسه إلى السلوك القويم، وتوجيه الطاعة إلى الله، وإفراده بالألوهية. ومن لطيف ما ورد في السنة من هذا النسق قوله ﷺ وقد خرج محتضنًا أحد ابني فاطمة الزهراء ﵂: ((والله إنكم لتجبنون وتبخلون وتجهلون، وإنكما لمن ريحان الله، وإن آخر وطأة وطأها الله بوَجِن)) وجن هذا موضع بالطائف، فظاهر قول النبي ﷺ : ((إنكما لمن ريحان الله)) بيان شدة حبه لسِبطيه، لكن وراء هذا المعنى القريب المباشر معنى آخر يتوارى وراءه، وهو -والله أعلم بمراده ﷺ حفز المؤمنين إلى البر بهما، والمودة لهما، وإخلاص الطوية في محبتهما، كما أن ظاهر قوله ﵇: ((وإن آخر وطأة وطأها الله بوجن)) أن آخر غزوة يواجه فيها المسلمون أعداء الله هي ما كان على مقربة من ذلك الموضع من الطائف، وهي غزوة حُنين، ولكن ثمة فيما يبدو معنى آخر يؤكده عدم خروجه ﷺ مع الجيش الإسلامي في معركة أخرى بعدها، مما يعني أن قوله هذا كان إيماء إلى نعيه -صلوات الله وسلامه عليه-. ومن روائع التعريض ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر: أن عمر بن الخطاب بينما هو قائم في الخطبة يوم الجمعة؛ إذ دخل رجل من المهاجرين الأولين من أصحاب النبي ﷺ فناداه عمر: "أي ساعة هذه؟! قال: إني شُغلت فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين، فلم أزد على أن توضأت، فقال: والوضوء؟! ". فهذا الاستفهام الإنكاري لتأخر هذا الصحابي الجليل يحمل في طياته تعريضًا بتركه ما يجمل به وهو من المهاجرين الأولين. فقد قال ابن حجر في شرحه لهذا الحديث: وهذا الاستفهام استفهام توبيخ وإنكار، ومن مثله قال النووي: ويبدو لنا من هذا أن التوبيخ على التأخر يحمل

стр. 258

في طيه تعريضًا بما هو من غير الوضوء، مما هو داخل في فضائل الأعمال كالتبكير إلى صلاة الجمعة، وعمل المسنونات من الغسل، والجلوس في الصف الأول بحيث لا يتخطى أحدًا. قال ابن حجر: ومراد عمر التلميح إلى ساعات التبكير التي وقع الترغيب فيها، وأنها إذا انقضت طوت الملائكة الصحف، وهذا من أحسن التعريضات. ومن أرق ما حملته عبارة الأدباء الذين تملكوا زمام اللغة ما رواه أبو هلال العسكري؛ من أن عمرو بن مسعدة الكاتب سطَرَ رسالة إلى المأمون قال فيها: أما بعد، فقد استشفع بي فلان إلى أمير المؤمنين ليتطول عليه في إلحاقه بنظرائه من الخاصة. يعني: أنه لم يصل بعد إلى هذه المرتبة من القرب والوجاهة التي تمكنه من الشفاعة. يقول: فأعلمته أن أمير المؤمنين لم يجعلني في مراتب المستشفع بهم، وفي ابتدائه بذلك -يعني بفعل هذا الاستشفاع والقيام به- تعدي طاعته والسلام. تلك كانت كلمات الرسالة، وفي ثناياها تلك العبارة الرائعة التي حملت تعريضًا بالتماس أن يكون له من القرب من سُدة الخلافة ما يجعله أهلًا للشفاعة، عندما يلجأ إليه مَن يتطلع إلى قضاء حاجته على يديه، وقد فطِن المأمون إلى ذلك التلويح، فَذَيَّل الرسالة بتلك التوقيعة التي تلبي ما حملته تصريحًا وما تضمنته تلويحًا وهي قوله: قد عرفنا تصريحك له وتعريضك بنفسك، وأجبناك إليهما ووافقناك عليهما. ومما جاء على صورة التعريض في أشعار العرب قول العباس بن الأحنف: كان لي قلب أعيش به ... فاكتوى بالنار فاحترقا أنا لم أرزق محبتها ... إنما للعبد ما رزقا فصريح الشطر الأول في البيت الأخير نفي رزق محبتها عن نفسه، وهو يومئ إلى أن غيره قد رزق تلك المحبة وكان ذلك مدرجة إلى تسلية نفسه، فقال: "إنما للعبد

стр. 259

ما رزقا"، وفيه تعريض بما ينبغي له من صرف نفسه عن التطلع إليها والتصبر عنها. قال عبد القاهر: الغرض أن يفهمك من طريق التعريض أنه قد صار ينصح نفسه ويعلم أنه ينبغي له أن يقطع الطمع من وصلها، وييأس من أن يكون منها إسعاف. ومما جاء على هذا النسق -نسق التعريض- ما قاله الشاعر علي بن الحسن: ما أنت بالسبب الضعيف ... وإنما نجح الأمور بقوة الأسباب فاليوم حاجتنا إليك وإنما ... يدعَى الطبيب لساعة الأوصاب ففي البيت الأول نفى الشاعر عن ممدوحه أن يكون سببًا ضعيفًا لتحقيق ما يؤمل، ثم أردف ذلك بقصر النجح في الأمور على القوي من الأسباب، وفي هذا تعريض بأنه خليق بأن يظفر بما أمَّله، ثم بين شدة حاجته إليه في اليوم الذي وقف فيه بين يديه، ومثل اللجوء إليه عند الحاجة باللجوء إلى الطبيب عند المرض، وتوسل إلى ترقيق قلبه عليه بإفراغ ذلك في إطار القصر، وفي ذلك تلويح بأنه خليق به أن يرق له ويحقق ما يؤمل فيه. وهذا ما أوجزه عبد القاهر بقوله في تحليل البيتين، يقول في البيت الأول: إنه ينبغي أن أنجح في أمري حين جعلتك السبب إليَّ. ويقول في الثاني: إنا قد وضعنا الشيء في موضعه وطلبنا الأمر من جهته حين استعنا بك فيما عرض لنا من الحاجة، وعولنا على فضلك كما أن مَن عول على الطبيب فيما يعرض له من السقم كان قد أصاب في التعويل موضعه، وطلب الشيء من معدنه. ومن روائع هذا الضرب من فنون القول ما جاء في قول الله تعالى: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ (الأنبياء: ٦٢، ٦٣) فإنما أورد إبراهيم -صلوات الله عليه- هذا الكلام على جهة التهكم والاستهزاء والسخرية بعقولهم، وذلك إنما يكون من وجهين:

стр. 260

الأول: أنه لم يرِد نسبة الفعل إلى كبير الأصنام وإنما قصد تقريره لنفسه وإثباته لها على رمز خفي ومسلك تعريض، يبلغ به إلزام الحجة لهم والتسفيه لحلومهم كأنه قال: يا ضعفاء العقول، ويا جهال البرية، كيف تعبدون ما لا يجيب إن سئل، ولا ينطق إن كلم، وتجعلونه شريكًا لمن له الخلق والأمر، فوَضَعَ قوله: ﴿اسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ موضع هذا. الأمر الثاني: أن يقال: أن كبير الأصنام غضب لما عبد معه غيره من هذه الأصنام الصغار، فكسرها هذا الصنم الكبير، وغرض إبراهيم بذلك أن يعرض بهم في كونهم قد أشركوا في العبادة مَن هو دون الله، وأن من دونه مخلوق حقير من مخلوقاته، فوضع هذا الكلام لفاحش ما أتوا به وعظيم ما تلبسوا به من عبادة غير الله، وهذا التعريض لم يدل عليه اللفظ بل دل عليه السياق وقرائن الأحوال، وهذا ما قصد إليه الزمخشري حينما قال: هذا من معاريض الكلام، وقَصْدُ إبراهيم ﵇ لم يكن أن ينسب الفعل الصادر عنه إلى الصنم، وإنما قصد تقريره لنفسه وإثباته لها على أسلوب تعريضي يبلغ فيه غرضه من إلزامهم الحجة ومن تبكيتهم. وفي هذا يقول الجمل صاحب التفسير المشهور: هذا على طريقة الكناية العرضية، فهذا يستلزم نفي فعل الصنم الكبير للتكسير وإثباته لنفسه، وهذا بناء على أن الفعل وهو الكسر دائر بين عاجز وهو ذلك الصنم وقادر وهو إبراهيم، إذ القاعدة أنه إذا دار فعل بين قادر عليه وعاجز عنه وأُثبت للعاجز بطريق التهكم به، لزم انحساره في الآخر، وحاصله أنه أشار إلى نفسه على الوجه الأبلغ مضمنًا فيه الاستهزاء. ومن التعريض البديع قول الله تعالى فيما حكاه على لسان الحواريين: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (المائدة: ١١٢) فكان غرضهم طلب المعجزة، فعرضوا

стр. 261

بالاستفهام عن استطاعة الرب لإنزال المائدة، فلما قال لهم عيسى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قالوا: ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (المائدة: ١١٣) فعرضوا بذلك كله وقربوه من التصريح ولم يصرحوا فتحقق عند عيسى ﵇ مرادهم، فقال: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ﴾ (المائدة: ١١٤). فدعا باسمه العظيم الجامع وأردفه بقوله: ﴿رَبَّنَا﴾ لقولهم: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ وعمم الرب؛ إذ لا يستطيع ذلك إلا الله، فسأل الله المائدة وأن تكون عيدًا، ففي ضمن هذا تصديقهم له وهو من التعريض البديع، وسأل أن تكون آية وذلك بما لا يصح أن يكون إلا للأنبياء. ثم قال: ﴿وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ﴾ تعريضًا بطلب ما سألوه من الأكل منها؛ لأنه من الجائز أن كان أنزل عليهم مائدة وحظََر عليهم الأكلَ منها. ويدخل في باب التعريض قول الله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ (المؤمنون: ١١٥) فالاستفهام هنا ورد على سبيل الإنكار، لكنه تعريض بالكفار في إنكار الرجعة والمعاد الأخروي، وليس ذلك من جهة اللفظ وإنما من جهة القرينة، أن هذا قوله تعالى حكاية عن المنافقين في غزوة تبوك: ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾ (التوبة: ٨١) فازدياد حر جهنم وكونه أشد من حر الدنيا معلوم لدى المخاطبين بالقرآن، ولا معنى لذكره والتنبه عليه، لكن الغرض الحقيقي من هذا الكلام، هو التعريض بهؤلاء المتخلفين عن القتال المعتذرين بشدة الحر، بأنهم سيردون جهنم ويردون حرها الذي لا يوصف. ومن هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (الرعد: ١٩) هو تعريض كذلك بالكفار الذين لم يتذكروا وأعرضوا عن الدعوة.

стр. 262

ومما يروَى من بديع التعريض: أن امرأة وقفت على قيس بن عبادة فقالت: أشكو إليك قلة الفأر في بيتي فقال: ما أحسن ما ورت عن حاجتها، املئوا بيتها خبزًا وسمنًا ولحمًا. ومثله ما روي: أن عجوزًا تعرضت لسليمان بن عبد الملك فقالت له: يا أمير المؤمنين، مشت جرذان بيتي على العصي -والجرذان إنما هي ذكور الفئران- فقال لها: ألطفت في السؤال لا جرم لأردنها تثب وثب الفهود. وملأ بيتها حبًّا. فقد فهم قيس بن عبادة وسليمان بن عبد الملك ما تريد كلتا المرأتين لا من اللفظ، ولكن من حالهما وطريقة إخبارهما، وكونهما المقصودين وقدرتهما على إغاثة الملهوف وذلك هو السياق، فلو أن هذا القول قد صدَرَ من غير محتاج أو كان المخاطب بها ليس أهلًا لقضاء الحاجات، لكانت هذه الأقوال من قبيل الحقيقة وليس من قبيل التعريض. وأجمل مواقع إنما يكون في التعريض كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ (فاطر: ١٨) فالمراد التعريض بمن لا يخشون الله، والإشارة إلى أن إنذار هؤلاء لا يجدي فإنذارهم مثل عدمه. ومنه التعريض بخِطبة المرأة كأن يقول الرجل مثلًا: والله إنك لجميلة، ولعل الله أن يرزقك بعلًا صالحًا، وإني لفي حاجة إلى امرأة صالحة. وقد جعل الله التعريض بخطبة النساء جائزًا في عدتها دون التصريح، حيث قال -جل وعلا-: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ (البقرة: ٢٣٥). وعلى ما سبق ذكره آنفًا، فقد يجتمع التعريض والكناية التعبير الواحد وتسمى الكناية عندئذ بالكناية التعريضية أو العرضية. من ذلك قول الرسول ﷺ : ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده))، فقد أفاد الحديث الشريف حَصْرَ الإسلام فيمن سلم المسلمون من أذاه، وهذا يستلزم نفي الإسلام عن كل مَن

стр. 263

يؤذي المسلمين، وهو المعنى المكنى عنه، وإذا كان الحديث في مقام يوجد فيه مَن يُعرف بإيذاء المسلمين فقد فهم من عرض الكلام وجانبه التعريضُ بذلك المؤذي. ومن ذلك قوله : ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (البقرة: ٢، ٣) فإذا فسر الغيب في الآية بالغيبة عن حضرة الرسول ﷺ يكون المعنى المصرح به ثبوت الهداية للمتقين الذين آمنوا بالله ورسله وقت حضورهم ووقت غيبتهم عنه، وهذا يستلزم إخلاصهم في العقيدة والعبادة وهو المعنى المكنى به، وفي الآية مع ذلك تعريض بهؤلاء المنافقين الذين أظهروا الإسلام وقتَ حضورِهم، فإذا ما غابوا وخلوا إلى شياطينهم: ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ (البقرة: ١٤). من ذلك أيضًا قول المتنبي في التعريض بنفي الصدق عن فتاته: تشتكي ما اشتكيت من ألم ... الشوق إليها والشوق حيث النحول فقوله: "والشوق حيث النحول"، يفيد حصر الشوق في الجسم النحيل، وهذا يستلزم نفي الشوق عن الجسم السمين الممتلئ؛ لأن سِمن الجسم في عرف أهل الهوى والعشق يستلزم الخلو من الشوق، فالمعنى المكنى عنه هو نفي نسبة الشوق إلى صاحب الجسم السمين، وفي هذا تعريض بنفي الشوق عن فتاته حيث تدعيه، وقد سمن جسمها وامتلأ لحمها، فهي كاذبة في ادعائها. ومثله قول الآخر: يلوم في الحب من لا يدري طعم هوى ... وإنما يعذر العشاق من عشق فهو يفيد أن اللوم يقع على العشاق من الذين لم يعرفوا الهوى، ولم يذوقوا طعم الحب، ولم يكتووا بنار العشق، وهذا يستلزم نفي اللوم عن أهل الهوى، فالمعنى المكنى عنه هو نفي نسبة اللوم إلى العشاق وأصحاب الغرام، كما يؤكد

стр. 264

ذلك الشطر الثاني: "إنما يعذر العشاق من عشق"، فإذا ما وجه هذا البيت إلى من عرف باللوم أو قيل في مجلس يحضره من عرف أهل الهوى بلومه، كان الكلام تعريضًا به. وكما يجتمع التعريض والكناية في التعبير الواحد قد يجتمع والمجاز، كقولك مثلًا: أنا لا أطعن في أعراض الناس ولست ممن يطعن في الأعراض، فقد استعير الطعن للإيذاء واشتق منه طعن بمعنى آذى على سبيل الاستعارة التبعية في الفعل، فإذا ما قيل هذا القول أمام أناس قد عرفوا واشتهروا بالإيذاء، أو أشار السياق إلى كون من تكلمت عنه مؤذيًا، كان الكلام تعريضًا به. وبهذا يتضح أن التعريض كما يفهم من عرض التراكيب الحقيقية التي لا مجاز بها ولا كناية، فقد يجتمع وأسلوب الكناية أو المجاز، وهذا يوضح ما قررناه من أن التعريض يفهم من التراكيب، ولا يمكن أن يدل عليه اللفظ المفرد، فهو معنى يفهم من جوانب الكلام وسياقاته الخاصة، ومواقفه ومقاماته المعينة. بلاغة وأثر وقيمة الكناية والتعريض من خلال ما سبق ومن حديثنا عن الكناية والتعريض نستطيع أن نجمل بلاغتهما وأثرهما وقيمتهما فيما يلي: أولًا: إفادة المبالغة في المعنى؛ لأن التعبير عن المعنى الكنائي بروادفه وتوابعه، له من القوة والتأكيد ما ليس في التعبير عنه باللفظ الموضوع له، وذلك لأنه يصبح كإبراز الدعوى بدليلها وكإثبات الحجة ببينتها. ولعلك تجد ذلك في قول امرئ القيس:

стр. 265

وتضحى فتيت المسك فوق فراشها ... نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل وكذا قول الآخر: أكلت دمًا إن لم أرعك بضرة ... بعيدة مهوى القِرط طيبة النشر الأمر الثاني: من بلاغة الكناية والتعريض، هو تجسيد المعاني وإبرازها في صورة محسوسة تزخر بالحياة والحركة، فيكون ذلك أدعى لتأكيدها ورسوخها في النفس، ويتضح هذا من قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ (الإسراء: ٢٩) فقد أبرزت الآية معنى البخل في صورة اليد المشدودة إلى العنق المقيدة به، وهي صورة قبيحة تنفر منها النفوس، فتُقبل على البذل والعطاء، وكقوله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ (الفرقان: ٢٧) وقوله: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ (الأعراف: ١٤٩) وقوله: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾ (الكهف: ٤٢) فكل هذه الآيات أبرزت الندم في صورة محسوسة مشاهدة. من بلاغة الكناية والتعريض أيضًا: التعبير عن المعاني غير المستحسنة بألفاظ لا تعافها الأذواق ولا تمجها الآذان، وشواهد هذا كثيرة في النظم الكريم، من ذلك قوله تعالى كناية عن الجماع: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (النساء: ٤٣) ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ (البقرة: ١٨٧) في الكناية عن الفرج: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (البقرة: ٢٢٣) في الكناية عن النكاح: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ (البقرة: ٢٣٥) في الكناية عن قضاء الحاجة: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ (النساء: ٤٣) ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ (المائدة: ٧٥). ومن بلاغتهما: أنه يستطاع أيضًا التعمية والتغطية وإخفاء ما يود المتكلم إخفاءَه؛ حرصًا على المكنى عنه أو المعرض به، ورغبةً في عدم تردده على الألسنة، كما

стр. 266

في الكناية عن أسماء النساء، أو خوفًا من الإفصاح بالمكنى عنه، كما في الكناية عن أسماء الأعداء. إلى غير ذلك. من هذه المحاسن تفخيم المعنى في نفوس السامعين، ويتضح لنا ذلك في قول الله مثلًا في وصف يوم القيامة وما فيه من أهوال: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ (القارعة: ١ - ٥) وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾ (النازعات: ٣٤) ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ (الزلزلة: ١) إلى غير ذلك من الآيات التي كُني فيها عن يوم القيامة بوصف ما يكون فيه من أحداث وأهوال، تقرع القلوب وتزعج النفوس. وبمقدورنا بعد هذه الإفاضة في طرق الأداء من حقيقة وتشبيه ومجاز وكناية وتعريض؛ أن نخلص إلى أن الحقيقة والمجاز وسيلتان من وسائل التعبير، لا تغني إحداهما عن الأخرى في نقل المعنى أو رسم الصورة، وقد اتفق البلاغيون على أن المجاز أبلغ من الحقيقة، وأن الاستعارة أبلغ من التشبيه، والكناية أبلغ من التصريح، واختلفوا في الموازنة بين المجاز والكناية، فقيل: أن الكناية أبلغ من المجاز بنوعيه المرسل والاستعارة، وقيل: الاستعارة أبلغ من الكناية؛ لأنها كالجامعة بين الاستعارة والكناية، وقيل غير ذلك. وأرى -فيمن يرى- أن اختلاف البلاغيين في الموازنة بين هذه الفنون لا أثرَ له فيما تُصَوِّرُه؛ إذ المرجع في ذلك لما يقتضيه المقام، فإن اقتضى المقام الإفصاح كان بلا ريب أبلغ من الكناية، وإذا اقتضى التشبيه كان أبلغ من الاستعارة. وهكذا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 267

الدرس: ١٣ علم البديع: مفهومه، ومراحل تطوره .

стр. 268

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثالث عشر (علم البديع: مفهومه، ومراحل تطوره) تعريف علم البديع الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ثم أما بعد: ونبدأ بتعريف "علم البديع" بكلمة "البديع" فهي في لغة العرب من بدع الشيء يبدعه بدعًا، وابتدعه أنشأه وبدأه، والبديع والبِدع: الشيء الذي يكون أولًا. وفي التنزيل: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنْ الرُّسُلِ﴾ (الأحقاف: ٩) أي: ما كنت أول من أرسل فقد أرسل قبلي رسل كثيرون، والبديع المبدع، وأبدعت الشيء اخترعته لا على مثال سابق، والبديع من أسماء الله تعالى؛ لإبداعه الأشياء وإحداثه إياها، وهو البديع الأول قبل كل شيء. قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (البقرة: ١١٧) أي: خالقها ومبدعها فهو سبحانه الخالق المبدئ لا عن مثال سابق، فبديع فعيل بمعنى فاعل، كقدير بمعنى قادر، وأبدع الشاعر جاء بالبديع، وأتى به، وأبدعت الركاب إذا كلت، وحقيقته أنها جاءت بأمر حادث بديع، فالمادة -أعني: مادة بدع- في لغة العرب تدور حول الجديد المبتكر والمحدث المعجب والمخترع على غير مثال سابق. أما معنى البديع في مَيْدان البحث البلاغي فقد أُطلق منذ عهود مبكرة على محاسن الكلام وخصائص الأدب المميزة له، فكل ما يجعل للكلام حسنًا ومزية فهو داخل في البديع، غير أن المتأخرين من علماء البلاغة حددوا الوجوه التي تحسن الكلام وتزينه، وحصروها في هذه الألوان البديعية المخصوصة، ووضعوها في علم مستقل أطلقوا عليه اسم البديع، وعرفوه بأنه علم يعرف به وجوه تحسين الكلام باعتبار نسبة بعض أجزائه إلى بعض بغير الإسناد والتعلق، مع رعاية أسباب البلاغة، وإنما قالوا: باعتبار نسبة بعض أجزائه إلى بعض؛ ليخرج التحسين لا بهذا الاعتبار كالتحسينات التي باعتبار الدلالة، فإنه على ما مر بنا من البيان. وقولهم: بغير الإسناد والتعلق، لتخرج التحسينات التي باعتبارها فإنها من علم

стр. 269

المعاني. وقولهم: مع رعاية أسباب البلاغة؛ لأنه مع عدمها لا تكون الصناعة كاملة. وهذا التعريف يوضح رأي علماء البلاغة المتأخرين في معنى البديع، بعد أن أخذت علوم البلاغة شكلها النهائي على يد الإمام أبي يعقوب السكاكي. ويتضح من خلال المعنيين -اللغوي والاصطلاحي- عدة أمور: أولها: أن الإبداع في الفنون والآداب بمعنى إنشائها على وجه جديد مبتكر، خال من التقليد أو المحاكاة؛ داخل في المعنى اللغوي لهذه المادة. ثانيًا: أن علماء اللغة كانوا على علم بدوران كلمة البديع واستعمالها في مجال الأدب والشعر، خلافًا لما ذهب إليه ابن المعتز فقد أنكر على علماء اللغة معرفتهم بهذا الاسم ودرايتهم به، حيث قال: البديع اسم موضوع لفنون من الشعر يذكرها الشعراء والنقاد المتأدبين، فأما العلماء باللغة والشعر القديم فلا يعرفون هذا الاسم ولا يدرون ما هو. قد يعتذر عن ابن المعتز بأن استعمال اللغويين لهذه الكلمة ودورانها على ألسنتهم مرجعه اصطلاح الأدباء والرواة، الذين أطلقوا اسم البديع على محسنات الكلام المخصوصة، ويكون ذكره في اللغة كما يذكر مصطلح العروضيين والنحويين وغير ذلك. ثالثها: المناسبة بين معنى البديع في لغة العرب وبين إطلاقه على المحسنات البديعية المخصوصة مناسبة واضحة ظاهرة ودقيقة؛ لأن الشيء المبدَع المبتكر لا يخلو من الحسن والروعة والانبهار والطرافة، كما أن ألوان الكلام التي أطلق عليها المُحْدَثون اسم البديع تكسب الكلام حسنًا وجمالًا، وتخلع عليه بهجةً وجلالًا.

стр. 270

نشأة البديع، ومراحل تطوره ومن المعلوم بالبداهة أن الأدب العربي جاء منذ الجاهلية صورة حية لحياة العرب وصدقهم في نقل مشاعرهم وأحاسيسهم، كما جاء معبرًا عن طبيعة القوم وميلهم إلى الاسترسال والطبع، والبعد عن التكلف والصنعة، فهو يصور البداوة وما فيها من خشونة وشظف ورعونة واضطراب، وما فيها من رقة المشاعر وإرهاف الملكات ودقة الحس، فأدبهم مِرآة صادقة انعكست عليها أخلاقهم، وتمثلت فيها حقيقة حالهم، ولذا كان له سحر أخذ بالألباب وبالعقول، فهم إذا خطبوا أثاروا المشاعر وأيقظوا الوجدان وألهبوا النفوس، وإذا نظموا القصيد أخذوا بمجامع القلوب وسحروا الألباب والأفئدة، سالكين أقرب السبل لا يتعملون ولا يتكلفون ولا يتأنقون. يقول الجاحظ: كل شيء للعرب إنما هو بديهة وارتجال وكأنه إلهام، وليست هناك معاناة ولا مكابدة ولا إجالة فكرة ولا استعانة، وإنما هو أن يصرف همه إلى الكلام، وإلى رجز يوم الخصام، أو حين يمنح على رأس بئر أو يحدو ببعير، فما هو إلا أن يصرف همه إلى جملة المذهب وإلى العمود الذي إليه يقصد، فتأتيه المعاني إرسالًا، وتنثال عليه الألفاظ انثيالًا. وعلى الرغم من وجود طائفة من الشعراء عنوا بشعرهم وحرصوا على تجويده، فلا يخرج على الناس إلا بعد تثقيفه وتهذيبه، فإن حِرص هؤلاء وعنايتهم ليست إلا إعادة نظر في الشعر بعد إنشائه، حتى إنهم كانوا يدعون القصيدة تمكث عندهم حولًا كاملًا يرددون فيها النظر ويقلبون فيها الرأي، فلم يخرج صنيعهم هذا عن دائرة الطبع. وكان من هؤلاء زهير والنابغة والحطيئة وأطلق عليهم اسم عبيد الشعر.

стр. 271

وانسياق الشعراء مع الطبع ونبذهم التكلف جعلهم لا يهتمون بالصنعة البديعية، فلم يتعمدوا جناسًا ولم يقصدوا إلى تورية ولم يتكلفوا طباقًا ولم ينقبوا عن سجع، عدا طائفة من الكهان اشتهرت بحرصها على نوع من السجع أطلق عليه "سجع الكهان". ومع ذلك قد كثر في أدبهم ألوان البديع التي جاءت عفو الخطر من غير أن يعرفوا لها أسماءها التي أطلقت عليها فيما بعد، فقد جاء الطباق في قول امرئ الق يس: مكر مفر مقبل مدبر معًا كجلمود ... صخر حطه السيل من عل وجاءت المشاكلة في قول عمرو بن كلثوم: ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلين كما جاء اللف والنشر في قول امرئ القيس: كأن قلوب الطير رطبًا ويابسًا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي وجاء التقسيم في قول زهير: فإن الحق مقطعه ثلاث ... يمين أو نِفار أو جلاء وجاءت المبالغة في قول مهلهل: فلولا الريحُ أسمع من بحجر ... صليل البيض تقرع بالذكور وكان بين حُجر هذه وبين مكان الوقعة التي يتكلم عنها المهلهل مسيرة عشرة أيام. وجاء أيضًا في كلامهم تأكيد المدح بما يشبه الذم في قول النابغة مثلًا: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فُلول من قراع الكتائب وغير ذلك من الألوان التي تناثرت بكثرة، وكثرت أمثلتها في الشعر الجاهلي، ولم يقصد الشعراء إليها قصدًا وإنما جاءت عَفْوَ الخاطر دون تعمل أو تكلف.

стр. 272

ولما جاء الإسلام ونزل القرآن الكريم كان للدين الجديد والقرآن الكريم أثرهما الذي لا يجحد على عواطف العرب ومشاعرهم، وجميع مناحي حياتهم، فهدأ عواطفَهم الثائرة، وأرهف مشاعرهم وتشربت جوانب حياتهم روح القرآن ومعانيه، ولا عجبَ إذا ظهر أثر القرآن ومعانيه وروحه في أدبهم، فهو الآية والغاية وإليه المنتهى في بلاغة القول. ومن آثاره في أدباء العرب: أن جاء شعرهم مهذبًا في لفظه وأساليبه، فرَقَّتِ الألفاظ وأحكمت الأساليب، فضلًا عن المعاني والأغراض التي دارت حول الدعوة وصاحبها، وحول القرآن الكريم الذي أدهشهم ومَلَكَ عقولَهم، وإن كان الطابع العام للشعر الإسلامي بقي كما كان في العصر الجاهلي، فلم يبتكر شعراء الإسلام مذهبًا جديدًا في الشعر، كما بقيت الصناعة اللفظية كما هي موضع اهتمام القوم دون تعمل أو استكراه. ولو فتشنا عن ألوان البديع في هذا العصر لوجدنا أن القرآن الكريم اشتملت آياته على كثير من الألوان البديعية، التي جاءت في أعلى درجات الروعة والجمال. فمن الطباق جاء قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ (آل عمران: ٢٦) ومن المقابلة قوله: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ (التوبة: ٨٢) ومن مراعاة النظير جاء قوله: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ (الرحمن: ٥، ٦) ومن الإرصاد قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (العنكبوت: ٤٠) وغير ذلك كثير في القرآن الكريم.

стр. 273

وفي أحاديث النبي ﷺ جاءت المقابلة الرائعة في قوله مثلًا ﷺ لأصحابه: ((إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع)) وجاء العكس والتبديل في قوله ﷺ : ((جار الدار أحق بدار الجار)) وجاء الجمع في قوله: ((مَن أصبح آمِنًا في سربه، معافًى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حِيزت له الدنيا بحذافيرها)). وهذا قليل من كثير من الألوان البديعية التي زخر بها الحديث النبوي الشريف. كما جاء الأدب الإسلامي شعره ونثره، وقد تناثرت فيه ألوان البديع التي جاءت على سجية القوم وفطرتهم، ولا غرابة أن تبقى الفطرة العربية الخالصة هي المسيطرة وهي الموجهة، فالقوم ما زالوا يعتزون بعروبتهم ويفخرون بها، ولا تزال الصحراء هي مقام الكثيرين منهم، ولم يكن قد بعد عهدهم بها، كما كانوا يأنفون من مخالطة غيرهم من الأعاجم. فمن ألوان البديع العكس والتبديل في قول عبد الله بن الزبير: فردَّ شعورهن السود بيضًا ... ورد وجوههن البيض سودا والطباق في قول الفرزدق: لعن الإله بني كليب إنهم ... لا يغدرون ولا يفون لجار يستيقظون على نهيق حمارهم ... وتنام أعينهم عن الأوتار وجاء الجناس في قول جرير: وما زال معقولًا عِقال عن الندى ... ومازال محبوسًا عن المجد حابس والإرصاد في قول عدي بن الرقاع: تسجي أغنك أن إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها وجاء التقسيم في قول قتيبة بن مسلم الباهلي: مَن كان في يده من مال عبد الله بن حازم شيء فلينبذه، وإن كان في فمه فليلفظه، وإن كان في صدره فلينفثه.

стр. 274

ومنه قول أعرابي وقف على مجلس الحسن البصري فقال: رحم الله عبدًا أعطى من سعة أو أسى من كفاف أو آثر من قلة، فقال الحسن: ما ترك لأحد عذرًا. وغير ذلك من الألوان البديعية التي كثرت كثرة فائقة في الأدب الإسلامي، لكنها -كما أشرنا- لم تأت عن تعمل أو تكلف، ولكنها سايرت الطبع العربي السليم والفطرة النقية المستقيمة. ثم أخذت الحياة العربية تسير بخطًى واسعةٍ، وتقفز قفزات سريعة، فما أن جاءت الدولة العباسية حتى وجد العرب أمامهم أبوابًا من الرفاهية والترف والحضارة صبغت حياتهم بصبغة جديدة، ووجدوا أمامهم علوم الأمم التي فتحوها وثقافات تلك الأمم، فانكبوا عليها يحصلونها جادين متلهفين، كما زاولوا صناعات تلك الأمم ومهاراتهم ونقلوها عنهم، كل ذلك جعلهم في أسمى درجات الحضارة وفي أرفع قِمم المدنية، فعم الأمن وكثر الخير وتعددت مناحي الرزق، فرتعوا في بحبوحة العيش، ورفلوا في أبهى أنواع الحلل، وارتدوا الخز والديباج، واستبدلوا بالعباءة المطارف والغلائل. كما تغيرت أصول عاداتهم وأخلاقهم، ففشا المجون وانتشرت الزندقة، وشاع الجهر بالفسق وتعقدت الحياة العربية، وطغت عليها أساليب المدنية والتحضر، والشعر كما هو معروف مرآة تنعكس عليها حياة الأمم، ولسان يترجم عن أحوالها وجوانب حياتها، ومن الطبعي أن يتأثر الشعر بهذه الحياة الجديدة فيلبس حُللًا من الزخرف والزينة والتنميق، ونظر الشعراء في شعر أسلافهم الأقدمين، فوجدوا أن الأقدمين صرفوا هممهم إلى المعاني، وكان لهم بها فضل عناية، فمعاني الفخر والمديح والغزل والرثاء وغيرها طُرقت منذ قرون، كما وجدوا أن الأقدمين سبقوا إلى الألفاظ القوية والعبارات الجزلة والأساليب المرضية، فصرفوا

стр. 275

هممهم إلى الصياغة ليلبسوها أبهى حلل البيان، وأسمى صفات الكلام، وذلك لا يتأتَّى إلا بالزخرف والزينة والبهرج والتوليد في المعاني، فكلفوا بها وتعمدوها. وقصدوا إلى الشعر القديم يلتمسون منه هذه الألوان، ويتفننون فيها، فاجتمع لهم منها الكثير من طباق إلى جناس إلى تورية إلى مشاكلة وغير ذلك، وأطلقوا على كل ذلك اسم البديع، وشتان بين هذه الألوان في شعر الأقدمين وشعر المحدثين، فقد جاءت في شعر الأقدمين تساير الطبع وتقع موقعها دون قصد لها أو تكلف، بينما جاءت في شعر المحدثين عن تعمد وقصد وتكلف. قال صاحب (الوساطة): فلما أفضى الشعر إلى المحدثين ورأوا مواقع تلك الأبيات من الغرابة والحسن، وتميزها عن أخواتها في الرشاقة واللطف، تكلفوا الاحتذاء عليها فسموه البديع، فمن محسن ومسيء، ومحمود ومذموم، ومقتصد ومفرط، وأصبح البديع بذلك صنعة لها روادها من أمثال بشار بن برد ومسلم بن الوليد والعتابي ومنصور النمري وأبي نواس وأبي تمام والبحتري وعبد الله بن المعتز، فقد كان الواحد من هؤلاء يقصد إلى تلك الأصباغ ويكثر منها في شعره، ولكنهم لم يكونوا سواء في تلك الصنعة من حيث الإقلال والإكثار والتسهيل والتوعر والطابع والاتجاه، فمنصور النمري من شعراء البديع استقى من بديع العتابي وذهب مذهبه وأربى عليه في المبالغة. قال صاحب (الأغاني): كان منصور شاعرًا من شعراء الدولة العباسية من أهل الجزيرة، وهو تلميذ كلثوم بن عمرو العتابي وراويته، وعنه أخذ ومن بحره استقى ومن مذهبه تشبه، فمن طباقه ومبالغاته قوله يمدح الرشيد: إذا رفعت أمرًا فالله يرفعه ... ومَن وضعت من الأقوام متضع مَن لم يكن بأمين الله معتصمًا ... فليس بالصلوات الخمس ينتفع

стр. 276

إن أخلف الغيث لم تخلف أنامله ... أو ضاق أمر ذكرناه فيتسع طابق في البيت الأول بين الرفع والوضع، وفي الثالث بين الضيق والاتساع والاختلاف وعدمه، في أسلوب مسرف في المبالغة إسرافًا شديدًا، لا يجاوزه سوى قول أبي نواس في مدح الرشيد أيضًا وفيه المطابقة: لقد اتقيت الله حق تقاته ... وجاهدت نفسك فوق جهد المتقي وأخفت أهل الشرك حتى إنه ... لتخافك النطف التي لم تخلق وبضاعة الشعراء إن أنفقتها ... نفقت وإن أكسبتها لم تنفق طابق بين الإنفاق والإكساء في أسلوب يعتمد على المغالاة، وقد أدَّى هيام الشعراء بهذه الألوان وإفراطهم في تناولها إلى تركهم جانب المعاني، وعدم اكتراثهم بجزالة الألفاظ واستقامتها. مما حَدَا بكثير من علماء اللغة والأدب أن ينتصروا للقديم، وأن يتعصبوا له، وأن يقفوا في وجه كل جديد موقفًا متشددًا، مقللين من شأن ما يأتي به المحدثون، منكرين عليهم إكثارهم من ألوان البديع وكلفهم بها. وقد بالغ كثير من النقاد وعلماء اللغة في التعصب للقديم والمَيل إليه، حتى إن بعضهم كان يستحسن القديم لقدمه، ويستهجن المحدث لحداثته، دون نظر لعناصر الجمال أو القُبح في هذا أو ذاك. وإلى جانب هذه الطائفة التي تعصبت للقديم، طائفة أخرى من الشعراء والنقاد تعصبوا للمحدثين، وانتصروا للبديع وعدوا الإكثار منه في الشعر تفننًا في ضروب القول ودليلًا على شاعرية الشاعر. وعلى أي حال، فإن هذه المعركة بين أنصار القديم وأنصار الحديث لم تذهب أدراج الرياح، بل أثمرت ثمرة طيبة كان لها قيمتها في تاريخ هذا الفن، ذلك أن أحد المولعين بالأصباغ البديعية وهو الشاعر الخليفة عبد الله بن المعتز، المتوفى سنة ٢٩٦، عنّ له

стр. 277

أن يسجل ألوان البديع التي كثرت في الشعر، وأن يحولها إلى قواعدَ وأصول، فكان له ما أراد بكتابه الذي يعد بداية التأليف في هذا العلم وهو كتابه (البديع). وتحول البديع بهذا المؤلف من أصباغ تتناثر في الشعر ويهتم بها الشعراء وحدهم إلى قواعد وأصول، يضمها كتاب مستقل، ويعضدها جامعها بالشواهد والأمثلة التي توضح معانيها، وتبين طرائقها، وكان الباعث على تأليف هذا الكتاب هو الدفاع عن أنصار البديع، وأن يثبت ابن المعتز أن هذه الألوان معروفة في العربية منذ القديم، وأن كثيرًا منها ورد في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، وقد صرَّح بهذا الهدف في مقدمة كتابه بقوله: إنما غرضنا في هذا الكتاب تعريف الناس أن المحدثين لم يسبقوا المتقدمين إلى شيء من أبواب البديع، وفي دون ما ذكرنا مبلغ الغاية التي قصدنا إليها. ويذهب صاحب (البيان العربي): إلى أن بديع ابن المعتز هو أول كتاب في البلاغة العربية بالمعنى الصحيح، حيث لم يجاوز في موضوعاته وفنونه دائرة البحث البلاغي، ويصرح في موضع آخر من كتابه: بأن كتاب (البديع) أثر من آثار (البيان والتبيين) للجاحظ. فقد كان ابن المعتز واحدًا من علماء اللغة والأدب الذين أثارهم بيان الجاحظ بعد أن وعوه وفهموه، فقدم لنا كتابه (البديع) وأودعه ثقافته البيانية، وما تأثر به من المسائل البيانية والبلاغية التي أثارها الجاحظ في كتابه. وقد استقصى ابن المعتز ما في الشعر من محسنات بديعية على ما أمكنه واتسع له وقته وهُدي إليه، وأثبت ما جمعه في كتابه. فكان مجموع ما ذكره في هذا المؤلف سبعة عشر نوعًا من المحسنات، جعل منها الاستعارة والكناية وقال: ما جمع قبلي فنون البديع أحد ولا سبقني إلى تأليفه مؤلف، ومَن رأى أن يقتصر على ما اخترنا فليفعل، ومن رأى إضافة شيء من المحاسن إليه فله اختياره.

стр. 278

ثم جاء معاصره قدامة بن جعفر الكاتب المتوفى سنة ٢٣٧ فجمع منها عشرين لونًا في كتابه (نقد الشعر) وقد توارد مع ابن المعتز على سبعة منها، وسلم له ثلاثة عشر، فتكامل لهما ثلاثون نوعًا. ثم اقتدَى الناس بهما في التأليف في البديع، فأفرد أبو هلال العسكري المتوفى سنة ٢٩٥ جزءًا من كتابه (الصناعتين) لألوان البديع، وكان غاية ما جمعه أبو هلال سبعة وثلاثين نوعًا، ثم جاء ابن رشيق القيرواني، المتوفى سنة ٤٦٣ فجمع في كتابه (العمدة) مثلما جمع أبو هلال، وأضاف إليها ثلاثة وثلاثين بابًا في فضائل الشعر، وصفاته، وأغراضه، وعيوبه، وسرقاته، وغير ذلك من أنساب الشعراء وأحوالهم مما لا تعلق له بالبديع، ثم تلاه شرف الدين التيفاشي، المتوفى سنة ٦٥١ فبلغ بهذه الألوان السبعين، ثم تصدَّى للبديع الشيخ زكي الدين بن أبي الإصبع، المتوفى سنة ٦٥٤ فأوصلها إلى التسعين، وأضاف إليها من مستخرجاته ثلاثين، سلم له فيها عشرون، وباقيها مسبوق إليه أو متداخل عليه، وكتابه المسمى (تحرير التحبير) أصح كتاب ألف في هذا العلم؛ لأنه لا يتكل على النقل دون النقد، قد كان كثير النظر والتعليق لكل ما جمعه في كتابه من ألوان البديع. ثم جاء صفي الدين الحِلي، المتوفى سنة ٧٥٠ فأوصلها إلى مائة وأربعين، ونظم قصيدة ميمية في مديح المصطفى ﷺ وذكر في كل بيت من أبيات هذه المنظومة اسم نوع من أنواع المحسنات، ومن بعده جاء عز الدين الموصلي، المتوفى سنة ٧٨٩، فذكر مثلما ذكره صفي الدين، مع زيادة بعض الأنواع من ابتكاره. وهكذا ارتقت المؤلفات في البديع وصارت قدمًا بألوان مختلفة وتفن في التأليف وجمع للأنواع والتمثيل لها، وزيدت الأنواع، وكثرت البديعيات، ولعل بديعية ابن حجة الحموي المتوفى سنة ٨٣٧ تُعد أشهر هذه البديعيات، وقد شرحها في مؤلف كبير سماه (خزانة الأدب).

стр. 279

ثم جاء جلال الدين السيوطي، المتوفى سنة ٩١١ فابتكر في البديع عدة ألوان أوردها في كتابه (عقود الجمان)، وألف الشيخ عبد الرحمن الحميدي، المتوفى سنة ١٠٠٥ هـ بديعية أسماها (تمليح البديع بمدح الشفيع) وله عليها شرح ومختصر، وقال: لقد زدت والحمد لله في بديعيتي أنواعًا لم يسبقن الحلي فيها ومتابعوه، ولا السيوطي ومتابعوه. وكانت كثرة البديعيات كثرة فائقة سببًا للأسف في إسفافها وانحطاطها، وتجريد ألوان البديع من الروعة والرواة، سواء من الناحية الأدبية أو العلمية، أما الأدبية فقد هبطت بالشعر وجعلته في أحط درجاته، وأذهبت بمائه وصفائه، وأما من الناحية العملية فإنها ذهبت بالبديع مذاهب التشعيب والتخليط، فعاد عليها بالضعة والهوان عند ذوى الصفاء من البلغاء والمتأدبين. ومن أبرز أصحاب البديعيات في العصر الحديث محمود الساعاتي، المتوفى سنة ١٢٩٨ وعبد الهادي الأبياري، المتوفى سنة ١٣٠٥. الشيخ عبد القاهر الطرابلسي، المتوفى سنة ١٣٠٩ الشيخ طاهر الجزائري، المتوفى سنة ١٣٤١، وغيرهم كثير ممن كتبوا في ألوان البديع وبالغوا في جمعها واستقصائها. استعراض لأهم جهود المعنيين بعلم البديع ويدعونا ما سبق لاستعراض أهم الجهود التي بذلت على يد المعنيين بعلم البديع الذين ألمحنا إلى بعضهم فيما مر بنا. ويأتي على رأس هؤلاء عبد الله بن المعتز في كتابه (البديع). يقول ابن المعتز في ثنايا الكتاب: إنه صنفه في سنة أربع وسبعين ومائتين. قد مضى منذ السطور الأولى يعلن أنه صنفه، ليدل دلالةً قاطعةً على أن ما يكثر منه المحدثون مما يسمى بديعًا موجودٌ من قديم في القرآن والحديث وكلام الجاهليين

стр. 280

والإسلاميين. يقول: قد قدمنا في أبواب كتابنا هذا بعض ما وجدنا في القرآن واللغة وأحاديث رسول الله ﷺ وكلام الصحابة والأعراب وغيرهم، وأشعار المتقدمين من الكلام الذي سماه المحدثون البديع، ليعلم أن بشارًا ومسلمًا وأبا نواس ومَن تقيلهم -يعني: حاكاهم- وسلك سبيلهم، لم يسبقوا إلى هذا الفن، ولكنه كثر في أشعارهم فعرف في زمانهم حتى سمي بهذا الاسم، فأعرب عنه ودل عليه. ثم إن حبيب بن أوس الطائي من بعدهم شغف به حتى غلب عليه، وتفرع فيه وأكثر منه، فأحسن في بعض ذلك وأساء في بعض، وتلك عقبى الإفراط وثمرة الإسراف. وما يلبث ابن المعتز أن يصرح بغرضه من كتابه قائلًا: وإنما غرضنا من هذا الكتاب، تعريف الناس أن المحدثين لم يسبقوا المتقدمين إلى شيء من أبواب البديع، وكان المحدثون في هذا أحد اثنين؛ إما متفلسف متعصب لم يتعمق الأدب العربي وأصوله، وإما شعوبي ممن يغمطون العرب القدماء حقهم، وينكرون عليهم كل فضل. وتصدى لهم ابن المعتز ينقد دعواهم الباطلة، مبينًا بالبرهان الساطع أن البديع قديم في العربية، بل إنه ليتعمق في القِدم حتى العصر الجاهلي، وأن ما للمحدثين منه من أمثال بشار إنما هو الإكثار من استخدام فنونه فحسب، ويقول: إن أبا تمام أفرط في استخدامها وأسرف مما جعله يحسن تارة وتارة يسيء. وأفرد له رسالة مستقلة تحدث فيها عن محاسنه ومساوئه، احتفظ بها المرزباني في موشحه، وكأنه يريد أن يعارض في قوة من يسرفون في التجديد واستخدام البديع ببيان أن أبا تمام مَثلهم الأعلى، أخطأه التوفيق في كثير من الأحيان؛ لتتبعه هذه الفنون، وتكلفه الشديد حتى لَيستكره الألفاظ، وحتى ليجري فيها غير قليل من الالتواء والتعقيد.

стр. 281

بل إن إسرافه في استخدامها ليجعل قارئه يمله مللًا شديدًا مهما أحسن ومهما أتى بالنادر الطريف مثله في ذلك مثل صالح بن عبد القدوس، في بناء شعره جميعه على الحكم والأمثال، يقول: لو أن صالحًا نثر أمثاله في شعره وجعل بينها فصولًا من كلامه، لسبق أهل زمانه وغلب على مد ميدانه، وكذلك أبو تمام لو أنه جعل البديع في شعره مفرقًا لصارت أشعاره نوادر وازداد بها الكلام حظوة وحسنًا. هذا وقد جعل ابن المعتز فنون البديع التي بنى عليها الشطر الأكبر من كتابه خمسة، هي: الاستعارة، والتجنيس، والطباق، ورد الأعجاز على ما تقدمها، والمذهب الكلامي. ونراه حين ينتهي من بيانها واستقصائها في الأمثلة والشواهد يقول: قد قدمنا أبواب البديع الخمسة وكمل عندنا، وكأني بالمعاند المغرم بالاعتراض على الفضائل قد قال: البديع أكثر من هذا أو قال: البديع باب أو بابان من الفنون الخمسة التي قدمناها، والبديع اسم موضوع لفنون من الشعر يذكرها الشعراء والنقاد المتأدبون منهم، فأما العلماء باللغة والشعر القديم، فلا يعرفون هذا الاسم ولا يدرون ما هو، وما جمع فنون البديع ولا سبقني إليه أحدٌ. ونحن الآن نذكر بعض محاسن هذا الكلام والشعر -هكذا يقول- ومحاسنهما كثيرة لا ينبغي للعالم أن يدعي الإحاطة بها، حتى يتبرأ من شذوذ بعضها عن علمه وذكره، وأحببنا لذلك أن تكثر فوائد كتابنا للمتأدبين، ويعلم الناظر أنَّا اقتصرنا بالبديع على الفنون الخمسة؛ اختيارًا من غير جهل بمحاسن الكلام، ولا ضيق في المعرفة، فمن أحب أن يقتدي بنا ويقتصر بالبديع على تلك الخمسة فليفعل، ومن أضاف من هذه المحاسن أو غيرها شيئًا إلى البديع فله اختيارُه.

стр. 282

وهي فقرة طريفة في الكتاب، إذ يذكر فيها طائفة من الحقائق المهمة، من ذلك أن كلمة البديع إنما كانت تدور قبله بين الشعراء ونقاد المتأدبين، أما اللغويون فلم يكونوا يعرفونها ولا كانوا يعرضون لها، وكان أول مَن اقترحها مسلم بن الوليد، ونراها مبثوثة في كتابات الجاحظ، وفعلًا لم تلقنا في كتابات اللغويين حتى عصر ابن المعتز. وابن المعتز يضيف إلى ذلك أنه أول من جمع فنون البديع وألف فيها كتابًا، وهو فضل له لا ينكر، ويقول: إنه ربما اعترض عليه معترض فقال: إن الفنون الخمسة الأساسية التي عدها أركان البديع أكثر مما ينبغي، وإنه كان يحسن أن يقف بها عند فن واحد أو فنين فحسب، ويقول: إنه ربما اعترض آخر بأنها أكثر مما عده مدخِلًا فيها فنونًا أخرى من فنون محاسن الكلام والشعر. ويذكر أنه قصد إلى أن يقصر البديع على الفنون الخمسة لا عن جهل منه بل عن معرفة دقيقة. ولكي يؤكد معرفته بمحاسن الشعر والكلام مما لم يذكره، رأى أن يفصل الحديث في طائفة منها، مبيحًا لغيره أن يضيف إليها محاسن أخرى إن شاء، وكأنما كان ذلك منه تنبأ بما سيصير إليه البديع، فقد أضيفت المحاسن التي ذكرها إليه، وأضيفت محاسن أخرى جديدة، أخذ يستنبطها أصحاب البديع حتى بلغت في العصور المتأخرة نحوًا من مائة وخمسين فنًّا. ونعتقد اعتقادًا أن ابن المعتز إنما اكتفى بالفنون الخمسة من محاسن الكلام، رأى أن يخصها باسم البديع؛ لأنها فعلًا الفنون التي كانت موضع أخذ ورد بين أصحاب البلاغة العربية الخالصة وبين طوائف المتفلسفة، ومن ينزعون نحو التجديد المسرف، ومما لا شك فيه أن فنون البديع الخمسة التي فصل ابن المعتز الحديث فيها، وما أحصاه وراءها من المحاسن؛ جمعها جمعًا من كتابات

стр. 283

اللغويين، أمثال الأصمعي وقد ذكره في صدد حديثه عن التجنيس، ومن كتابات المعتزلة وخاصة الجاحظ، وقد ذكره في فاتحة حديثه عن المذهب الكلامي. وأول فن من فنون البديع عني ببحثه والتمثيل له الاستعارة، وقد عرفها بأنها استعارة الكلمة بشيء لم يعرف بها من شيء قد عرف بها، وساق لها شواهد كثيرة من القرآن والأحاديث وكلام الصحابة، وأشعار الجاهليين والإسلاميين، وكلام المحدثين المنثور والمنظوم. وتكاد الشواهد جميعها أن تكون من باب الاستعارة المكنية. وذكر عقب الاستعارة الجيدة طائفةً من الاستعارة الرديئة، وبذلك سن للبلاغيين بعده أن يتحدثوا عن العيوب التي وقعت في بعض الفنون البلاغية، وتلاها بالحديث عن الجناس بادئًا بتعريفه، ثم ذاكرًا كثيرًا من أمثلته في القرآن ومن كلام القدماء والمحدثين وأشعارهم، وعرض بعض صوره المعيبة وهو وإن لم يقسم الجناس فقد استشهد له بأمثلة كثيرة، نظر فيها مَن جاءوا بعده وقسموه على أساسها، وربما أفردوا بعض الأقسام بألقاب خاصة. وانتقل ابن المعتز إلى المطابقة أو الطباق وبدأ ببيان أصل معناها اللغوي، ثم مضى يسوق أمثلتها من القرآن والحديث، وكلام الصحابة والتابعين، وأشعار الجاهليين والإسلاميين، ثم من كلام المحدثين وأشعارهم، وصور المطابقة المعيبة في بعض الأمثلة، وتحدث عقب ذلك عن رد أعجاز الكلام على ما تقدمها، وسماه من جاء بعده باسم "رد أعجاز الكلام على الصدور"، وقد قسمه إلى ثلاثة أقسام؛ أولها: ما يوافق آخر كلمة من البيت آخر كلمة في نصفه الأول مثل قول الشاعر: تُلقَى إذا ما الأمر كان عرمرمًا ... في جيش رأي لا يفل عرمرم والعرمرم هو اليوم الشديد.

стр. 284

وثانيها: ما يوافق آخر كلمة من البيت أول كلمة في نصفه الأول كقول بعض الشعراء: سريع إلى ابن العم يشتم عِرضه ... وليس إلى داع الندى بسريع وثالثها: ما يوافق آخر كلمة من البيت بعض ما فيه، أو بعبارة أخرى: بعض ما جاء في حشوه، كقول الشاعر: عميد بني سليم أقصدته ... .................................... يعني: أصابته. ................... ... سِهام الموت وهي له سهام وتلا ابن المعتز حديثه عن الاستعارة، والجناس، والطباق، ورد الأعجاز على الصدور بالفن الخامس من فنون البديع، وهو المذهب الكلامي وقال: إن الجاحظ هو الذي سماه بهذا الاسم، كما قال: إنه باب ما أعلم أني وجدت في القرآن منه شيئًا، وهو ينسب إلى التكلف تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا. ثم عرض أمثلة له وشواهد من كلام القدماء وأشعارهم، ثم من أشعار المحدثين وكلامهم، وألم بطائفة من صوره المعيبة، والظاهر أنه أراد به طريقة المتكلمين العقلية في دقة الاستنباط، وفي التعليل وفي الكشف عن المعاني الخفية. وهذه هي فنون البديع الخمسة الأساسية التي جعلها ابن المعتز عمادَه، وقد تحدث عقبها عما أسماه محاسن الكلام، وقال: إنها أكثر من أن يحاط بها. وفصل الحديث في ثلاثة عشر منها ابتدأها بالكلام عن الالتفات، ثم عن الاعتراض، وهو اعتراض كلام في كلام لم يتم معناه، ثم تكلم بالمحسن الثالث عن الرجوع، ثم بعد ذلك عن الخروج من معنى إلى معنى وساق فيه شواهد كثيرة، منها ما سماه أبو تمام في بعض حديثه للبحتري باسم الاستطراد، ثم تكلم في المحسن الخامس عن تأكيد المدح بما يشبه الذم، ثم في المحسن السادس عن تجاهل

стр. 285

العارف، ثم في السابع عن الهزل يراد به الجد، وقد استمده من الجاحظ، ثم بعد ذلك عن حسن التضمين. ثم عقب ذلك بالحديث في المحسن التاسع عن التعريض والكناية، ثم بعد ذلك في العاشر عن الإفراط في الصفة، ثم تكلم بعد ذلك في المحسن الحادي عشر عن حسن التشبيه، وتلاه بالمحسن الثاني عشر وهو إعنات الشاعر نفسه في القوافي، وتكلفه من ذلك ما ليس له، وهو ما سمي فيما بعد بلزوم ما لا يلزم، ثم تحدث في المحسن الثالث عشر عن حسن الابتداءات وقد ذكره بعضهم من قبل، وحرص ابن المعتز في كل هذه المحسنات وما سبقها من فنون البديع أن يستشهد عليها من كلام القدماء والمحدثين. وهو بذلك ينفصل عن اللغويين الذين كانوا يضيقون بالمحدثين، وفي الوقت نفسه يلتقي بذوق البلاغيين من المتكلمين أمثال الجاحظ، الذي كان يعتد بالقدماء والمحدثين معًا، والذي كان يتلوم البلاغيين لموقفهم الخاطئ من بارعي المحدثين من أمثال بشار وأبي نواس، وكان ابن المعتز معتدلًا في نظرته وحكمه على شاكلة الجاحظ وغيره من المتكلمين، فهو يسوي بين المحدثين والقدماء في الإحسان مع شيء من الاحتياط إزاءهم جميعًا، وهو احتياط جعله يعقب على شواهدهم الرائعة في فنون البديع بما يعاب من كلامهم وأشعارهم جميعًا، فهو يستحسن حين ينبغي الاستحسان، ويستهجن حين ينبغي الاستهجان، بغض النظر عن القديم والحديث؛ إذ المُعول عليه عنده هو الحسن الذاتي لا على الزمان ولا على المكان، وهذا أهم ما يميزه في الكتاب. وأهم ما يميزه كذلك دقة ذوقه وصفائه في اختيار الأمثلة والشواهد، ويكفيه فضلًا أنه أول من صنف في البديع ورسم فنونه، وكشف عن أجناسها وحدودها بالدلالات البينة والشواهد الناطقة، بحيث أصبح إمامًا لكل من صنفوا في البديع بعده ونِبراسًا يهديهم الطريق.
следующие страницы →