Полный текст (467 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
بل إن إسرافه في استخدامها ليجعل قارئه يمله مللًا شديدًا مهما أحسن ومهما أتى بالنادر الطريف مثله في ذلك مثل صالح بن عبد القدوس، في بناء شعره جميعه على الحكم والأمثال، يقول: لو أن صالحًا نثر أمثاله في شعره وجعل بينها فصولًا من كلامه، لسبق أهل زمانه وغلب على مد ميدانه، وكذلك أبو تمام لو أنه جعل البديع في شعره مفرقًا لصارت أشعاره نوادر وازداد بها الكلام حظوة وحسنًا.
هذا وقد جعل ابن المعتز فنون البديع التي بنى عليها الشطر الأكبر من كتابه خمسة، هي: الاستعارة، والتجنيس، والطباق، ورد الأعجاز على ما تقدمها، والمذهب الكلامي.
ونراه حين ينتهي من بيانها واستقصائها في الأمثلة والشواهد يقول: قد قدمنا أبواب البديع الخمسة وكمل عندنا، وكأني بالمعاند المغرم بالاعتراض على الفضائل قد قال: البديع أكثر من هذا أو قال: البديع باب أو بابان من الفنون الخمسة التي قدمناها، والبديع اسم موضوع لفنون من الشعر يذكرها الشعراء والنقاد المتأدبون منهم، فأما العلماء باللغة والشعر القديم، فلا يعرفون هذا الاسم ولا يدرون ما هو، وما جمع فنون البديع ولا سبقني إليه أحدٌ.
ونحن الآن نذكر بعض محاسن هذا الكلام والشعر -هكذا يقول- ومحاسنهما كثيرة لا ينبغي للعالم أن يدعي الإحاطة بها، حتى يتبرأ من شذوذ بعضها عن علمه وذكره، وأحببنا لذلك أن تكثر فوائد كتابنا للمتأدبين، ويعلم الناظر أنَّا اقتصرنا بالبديع على الفنون الخمسة؛ اختيارًا من غير جهل بمحاسن الكلام، ولا ضيق في المعرفة، فمن أحب أن يقتدي بنا ويقتصر بالبديع على تلك الخمسة فليفعل، ومن أضاف من هذه المحاسن أو غيرها شيئًا إلى البديع فله اختيارُه.
стр. 282
وهي فقرة طريفة في الكتاب، إذ يذكر فيها طائفة من الحقائق المهمة، من ذلك أن كلمة البديع إنما كانت تدور قبله بين الشعراء ونقاد المتأدبين، أما اللغويون فلم يكونوا يعرفونها ولا كانوا يعرضون لها، وكان أول مَن اقترحها مسلم بن الوليد، ونراها مبثوثة في كتابات الجاحظ، وفعلًا لم تلقنا في كتابات اللغويين حتى عصر ابن المعتز.
وابن المعتز يضيف إلى ذلك أنه أول من جمع فنون البديع وألف فيها كتابًا، وهو فضل له لا ينكر، ويقول: إنه ربما اعترض عليه معترض فقال: إن الفنون الخمسة الأساسية التي عدها أركان البديع أكثر مما ينبغي، وإنه كان يحسن أن يقف بها عند فن واحد أو فنين فحسب، ويقول: إنه ربما اعترض آخر بأنها أكثر مما عده مدخِلًا فيها فنونًا أخرى من فنون محاسن الكلام والشعر. ويذكر أنه قصد إلى أن يقصر البديع على الفنون الخمسة لا عن جهل منه بل عن معرفة دقيقة. ولكي يؤكد معرفته بمحاسن الشعر والكلام مما لم يذكره، رأى أن يفصل الحديث في طائفة منها، مبيحًا لغيره أن يضيف إليها محاسن أخرى إن شاء، وكأنما كان ذلك منه تنبأ بما سيصير إليه البديع، فقد أضيفت المحاسن التي ذكرها إليه، وأضيفت محاسن أخرى جديدة، أخذ يستنبطها أصحاب البديع حتى بلغت في العصور المتأخرة نحوًا من مائة وخمسين فنًّا.
ونعتقد اعتقادًا أن ابن المعتز إنما اكتفى بالفنون الخمسة من محاسن الكلام، رأى أن يخصها باسم البديع؛ لأنها فعلًا الفنون التي كانت موضع أخذ ورد بين أصحاب البلاغة العربية الخالصة وبين طوائف المتفلسفة، ومن ينزعون نحو التجديد المسرف، ومما لا شك فيه أن فنون البديع الخمسة التي فصل ابن المعتز الحديث فيها، وما أحصاه وراءها من المحاسن؛ جمعها جمعًا من كتابات
стр. 283
اللغويين، أمثال الأصمعي وقد ذكره في صدد حديثه عن التجنيس، ومن كتابات المعتزلة وخاصة الجاحظ، وقد ذكره في فاتحة حديثه عن المذهب الكلامي.
وأول فن من فنون البديع عني ببحثه والتمثيل له الاستعارة، وقد عرفها بأنها استعارة الكلمة بشيء لم يعرف بها من شيء قد عرف بها، وساق لها شواهد كثيرة من القرآن والأحاديث وكلام الصحابة، وأشعار الجاهليين والإسلاميين، وكلام المحدثين المنثور والمنظوم. وتكاد الشواهد جميعها أن تكون من باب الاستعارة المكنية.
وذكر عقب الاستعارة الجيدة طائفةً من الاستعارة الرديئة، وبذلك سن للبلاغيين بعده أن يتحدثوا عن العيوب التي وقعت في بعض الفنون البلاغية، وتلاها بالحديث عن الجناس بادئًا بتعريفه، ثم ذاكرًا كثيرًا من أمثلته في القرآن ومن كلام القدماء والمحدثين وأشعارهم، وعرض بعض صوره المعيبة وهو وإن لم يقسم الجناس فقد استشهد له بأمثلة كثيرة، نظر فيها مَن جاءوا بعده وقسموه على أساسها، وربما أفردوا بعض الأقسام بألقاب خاصة.
وانتقل ابن المعتز إلى المطابقة أو الطباق وبدأ ببيان أصل معناها اللغوي، ثم مضى يسوق أمثلتها من القرآن والحديث، وكلام الصحابة والتابعين، وأشعار الجاهليين والإسلاميين، ثم من كلام المحدثين وأشعارهم، وصور المطابقة المعيبة في بعض الأمثلة، وتحدث عقب ذلك عن رد أعجاز الكلام على ما تقدمها، وسماه من جاء بعده باسم "رد أعجاز الكلام على الصدور"، وقد قسمه إلى ثلاثة أقسام؛ أولها: ما يوافق آخر كلمة من البيت آخر كلمة في نصفه الأول مثل قول الشاعر:
تُلقَى إذا ما الأمر كان عرمرمًا ... في جيش رأي لا يفل عرمرم
والعرمرم هو اليوم الشديد.
стр. 284
وثانيها: ما يوافق آخر كلمة من البيت أول كلمة في نصفه الأول كقول بعض الشعراء:
سريع إلى ابن العم يشتم عِرضه ... وليس إلى داع الندى بسريع
وثالثها: ما يوافق آخر كلمة من البيت بعض ما فيه، أو بعبارة أخرى: بعض ما جاء في حشوه، كقول الشاعر:
عميد بني سليم أقصدته ... ....................................
يعني: أصابته.
................... ... سِهام الموت وهي له سهام
وتلا ابن المعتز حديثه عن الاستعارة، والجناس، والطباق، ورد الأعجاز على الصدور بالفن الخامس من فنون البديع، وهو المذهب الكلامي وقال: إن الجاحظ هو الذي سماه بهذا الاسم، كما قال: إنه باب ما أعلم أني وجدت في القرآن منه شيئًا، وهو ينسب إلى التكلف تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا. ثم عرض أمثلة له وشواهد من كلام القدماء وأشعارهم، ثم من أشعار المحدثين وكلامهم، وألم بطائفة من صوره المعيبة، والظاهر أنه أراد به طريقة المتكلمين العقلية في دقة الاستنباط، وفي التعليل وفي الكشف عن المعاني الخفية.
وهذه هي فنون البديع الخمسة الأساسية التي جعلها ابن المعتز عمادَه، وقد تحدث عقبها عما أسماه محاسن الكلام، وقال: إنها أكثر من أن يحاط بها. وفصل الحديث في ثلاثة عشر منها ابتدأها بالكلام عن الالتفات، ثم عن الاعتراض، وهو اعتراض كلام في كلام لم يتم معناه، ثم تكلم بالمحسن الثالث عن الرجوع، ثم بعد ذلك عن الخروج من معنى إلى معنى وساق فيه شواهد كثيرة، منها ما سماه أبو تمام في بعض حديثه للبحتري باسم الاستطراد، ثم تكلم في المحسن الخامس عن تأكيد المدح بما يشبه الذم، ثم في المحسن السادس عن تجاهل
стр. 285
العارف، ثم في السابع عن الهزل يراد به الجد، وقد استمده من الجاحظ، ثم بعد ذلك عن حسن التضمين.
ثم عقب ذلك بالحديث في المحسن التاسع عن التعريض والكناية، ثم بعد ذلك في العاشر عن الإفراط في الصفة، ثم تكلم بعد ذلك في المحسن الحادي عشر عن حسن التشبيه، وتلاه بالمحسن الثاني عشر وهو إعنات الشاعر نفسه في القوافي، وتكلفه من ذلك ما ليس له، وهو ما سمي فيما بعد بلزوم ما لا يلزم، ثم تحدث في المحسن الثالث عشر عن حسن الابتداءات وقد ذكره بعضهم من قبل، وحرص ابن المعتز في كل هذه المحسنات وما سبقها من فنون البديع أن يستشهد عليها من كلام القدماء والمحدثين.
وهو بذلك ينفصل عن اللغويين الذين كانوا يضيقون بالمحدثين، وفي الوقت نفسه يلتقي بذوق البلاغيين من المتكلمين أمثال الجاحظ، الذي كان يعتد بالقدماء والمحدثين معًا، والذي كان يتلوم البلاغيين لموقفهم الخاطئ من بارعي المحدثين من أمثال بشار وأبي نواس، وكان ابن المعتز معتدلًا في نظرته وحكمه على شاكلة الجاحظ وغيره من المتكلمين، فهو يسوي بين المحدثين والقدماء في الإحسان مع شيء من الاحتياط إزاءهم جميعًا، وهو احتياط جعله يعقب على شواهدهم الرائعة في فنون البديع بما يعاب من كلامهم وأشعارهم جميعًا، فهو يستحسن حين ينبغي الاستحسان، ويستهجن حين ينبغي الاستهجان، بغض النظر عن القديم والحديث؛ إذ المُعول عليه عنده هو الحسن الذاتي لا على الزمان ولا على المكان، وهذا أهم ما يميزه في الكتاب.
وأهم ما يميزه كذلك دقة ذوقه وصفائه في اختيار الأمثلة والشواهد، ويكفيه فضلًا أنه أول من صنف في البديع ورسم فنونه، وكشف عن أجناسها وحدودها بالدلالات البينة والشواهد الناطقة، بحيث أصبح إمامًا لكل من صنفوا في البديع بعده ونِبراسًا يهديهم الطريق.
стр. 286
ويلي عبد الله بن المعتز في درجة الاهتمام بأصول وفنون علم البديع، قدامة بن جعفر في كتابه (نقد الشعر) فقدامة المتوفي سنة ٣٣٧ كان مثل أبيه جعفر من كتاب الديوان العباسي بغداد، وكان في أول أمره نصرانيًّا، ثم دخل في الإسلام على يد الخليفة المكتفى، واشتهر بين معاصريه بثقافته العميقة بالفلسفة والمنطق.
وقد دفعه عمله في الديوان إلى تأليف كتابين هما (الخراج) و (صنعة الكتابة وجواهر الألفاظ) كما دفعته ثقافته الفلسفية إلى التصنيف في السياسة وصناعة الجدل، وهو يستهل كتابه (نقد الشعر) بأن العلم بالشعر ينقسم أقسامًا؛ قسم ينسب إلى علم عروضه ووزنه، وقسم ينسب إلى علم قوافيه ومقاطعه، وقسم ينسب إلى علم غريبه ولغته، وقسم ينسب إلى علم معانيه والمقصد منه، وقسم ينسب إلى علم جيده ورديئه، ويقول: إن الناس عنوا بوضع الكتب في القسم الأول وما يليه إلى الرابع عناية فائقة، أما القسم الأخير فإنه لم يجد فيه كتابًا منظمًا، ومن ثم كان الناس يخبطون فيه منذ تفقهوا في العلم وقليلًا ما يصيبون.
وهو بذلك كأنه يريد أن يلغي كل ما ألف قبله في تمييز جيد الشعر من رديئه، أو هو على الأقل لا يعترف بأن أحدًا كتب شيئًا يغني بعض الغناء في هذا الموضوع، فلا ثعلب في (قواعد الشعر) ولا ابن المعتز في كتاب (البديع) ولا غيرهما ممن سبقوه وعاصروه قد كتب فيه شيئًا بحد زعمه.
ويبدو أن ابن قدامة قد تأثر في كتابه بالفكر اليوناني في تنظيمه للكتاب؛ إذ جعله فصولًا ثلاثة، أما الفصل الأول: فبدأه بتعريف الشعر وببعض مقدمات ضرورية ثم بيان أجزائه، وأما الفصل الثاني: فتحدث فيه عن نعوت الجودة في الشعر، وأما الفصل الثالث: فخصه بعيوب الشعر، ونعوت رداءته. في الفصل الثاني الذي خصه بنعوت الجودة مضَى يوزعها على عناصر الشعر مفردة ومرتبة بالصورة التي صورها آنفًا، وبدأ باللفظ فقال: إن نعت جودته أن يكون سمحًا سهلًا مخارج الحروف من مواضعها، عليه رونق الفصاحة مع الخلو من البشاعة.
стр. 287
ونلحظ أنه يستمد من الجاحظ في بيانه كما يستمد من ابن قتيبة في حديثه عن حسن اللفظ بمقدمة كتابه (الشعر والشعراء).
ثم بعد ذلك انتقل يتحدث عن نعت المعاني، ولاحظ أن أغراض الشعر كثيرة، من ثم اكتفى منها ببيان الأغراض المهمة، وهي المدح والهجاء والمراثي والتشبيه والوصف والنسيب، ثم راح يقول: إن هذه الأغراض التي ذكرها إنما هي وجوه من جملة معاني الشعر، أما ما يعم جميع تلك المعاني فإنه سيعنَى بذكره وبيانه، وأول ما يعنى به من ذلك صحة التقسيم، وهو أن يستوفي الشاعر جميع الأقسام لما ابتدأ به، ثم بعد ذلك تكلم عن صحة المقابلات، وتحدث فيما بعد عن صحة التقسيم، هو أن يذكر الشاعر في بيت معنيين متقابلين في إجمال، ويفسرهما ويستوفي شرحهما، إما في الشطر الثاني المقابل، وإما في بيت لاحق.
تحدث بعد ذلك في نعوت الجودة عن عناصر الشعر الأربعة: اللفظ والمعنى والوزن والتقفية، واستطاع من خلال ذلك أن يصل إلى ثمانية عشر محسنًا، هي على الترتيب: الترصيع والغلو وصحة التقسيم وصحة المقابلات وصحة التفسير والتتميم، وقد ضمنه ما سماه ابن المعتز بالاعتراض والمبالغة والإشارة والإرداف والتمثيل، وقد سمي بعده باسم المماثلة، والمطابق وسمي بعده باسم التعطف، والتوشيح، وقد وسع معناه بالقياس إلى ما سماه ابن المعتز باسم رد الأعجاز على ما تقدمها، والإيغال والتكافؤ، إلى غير ذلك حتى بلغ هذه الثمانية عشر.
وكما قلنا: اقتفَى أثره في ذلك أبو هلال العسكري الذي جمع في كتابه (الصناعتين) وغاية ما جمعه سبعة وثلاثين نوعًا، ثم جاء ابن رشيق القيرواني فأضاف إلى ذلك في كتابه (العمدة) ثلاثة وثلاثين بابًا من فضائل الشعر وصفاته وأغراضه وعيوبه، وغير ذلك من أنساب الشعراء وأحوالهم.
стр. 288
ومن المهم -ونحن نعرض المراحل التي مر بها علم البديع، وهي الجهود التي بُذلت لإرساء قواعد هذا العلم من قبل المتأدبين، وأصحاب البديعيات، وغيرهم- أن نرقب مواقف أقطاب البلاغة الذين على أيديهم استقرت علوم البلاغة الثلاثة، وأخص بالذكر من هؤلاء الإمام عبد القاهر وأبا يعقوب السكاكي والخطيب القزويني، وذلك نرى كيف وصلت الدراسات المتعلقة بالبديع على أيديهم وكيف عولجت فنونه وقُسمت.
لقد حاول عبد القاهر أن يكشف في كتابه (أسرار البلاغة) عن دقائق الصور البيانية متخللًا لها بنظرات نفسية وذوقية جمالية رائعة، واستطاع أن يصيغ من خلال ذلك نظرية البيان على نحو ما فعل الشيء ذاته في كتابه (دلائل الإعجاز) عندما وضع نظرية المعاني، وهي نظرية النظم، وكان له في كل ذلك باع طويل؛ إذ كان محيطًا بنماذج الشعر العربي وفرائده، وكان له حس مرهف وبصيرة نافذة، استطاع بهما أن يحرر مسائل هذين العلمين، وأن يميز أقسامهما ومباحثهما.
إلا أن الملاحظ أنه لم يحاول وضع نظرية في علم البديع، وإن كان فسر القول في (أسرار البلاغة) عن الجناس بأنواعه، والسجع، وحسن التعليل، والسرقات الشعرية، وأشار غير ما مرة إلى الطباق، كما أنه وقف في (الدلائل) على الجناس التام، ولو صنع لأعفى أصحاب البديع من توزع مباحثهم فيه توزعًا حال بينه وبين أن تصبح له نظرية متشابكة، على غِرار نظريتي المعاني والبيان، لكن حسبه أنه حثَّ من خلال ما كتب في (الأسرار) بالذات على عدم التوسع في استخدام هذه الأصباغ؛ حتى لا تصبح الألفاظ حليًا ووشيًا يغمر المعاني بحيث لا تكاد تتضح.
وكان ينوه بأسلوب الجاحظ، وأنه لم يكن أثناء كتابته يعمد إلى السجع؛ خشيةَ أن يتجرد عن معانيه ويقول عبد القاهر: إن الكاتب ينبغي ألا يجلبه إلى كتابه إلا أن يأتي عفوا وبدون تعمد في طلبه.
стр. 289
ومن بعده جاء السكاكي في غرة مصنفاته (مفتاح العلوم) وقسمه إلى ثلاثة أقسام أساسية، خص القسم الثالث منها بعلم المعاني والبيان، ثم ألحق بهما نظرة في الفصاحة والبلاغة ودراسة للمحسنات البديعية اللفظية والمعنوية. ومضى الخطيب القزويني بعده في كتاب (الإيضًاح) يعرض علم البديع بمحسناته عرضا أكثر تفصيلًا بالطبع من عرضه له في (تلخيص المفتاح) ومع هذا فهو خير من خلف السكاكي في دائرة تلخيص قواعد البلاغة وتقعيدها، وسرعان ما رأينا من خلفوه يعكفون على تلخيصه بالشرح مرارًا كأنهم رأوا فيه خير ما يجمع تلك القواعد.
نخلص مما سبق إلى أن ألوان البديع كانت تأتي في أشعار العرب القدامى عفو الخاطر، وأن مَن وليهم من نحو بشار ومسلم بن الوليد والعتابي وأبي نواس وأبي تمام وابن المعتز وأضرابهم؛ رأوا مواقع تلك الأبيات من الغرابة والحسن وتميزها، فتكلفوا الاحتذاء بها، حتى أضحى البديع صنعة لها روادها، وراح المولعون بهذه الأصباغ وعلى رأسهم الخليفة الشاعر عبد الله بن المعتز، يسجل هذه الألوان التي كثرت في الشعر، واستطاع أن يحولها إلى قواعد وأصول.
وقد تبعه في ذلك قدامة بن جعفر، وأبو هلال العسكري، وابن رشيق، ومن سُموا بأصحاب البديعيات، وهم الذين كانوا ينظمون أبياتًا في مدح الرسول ﷺ يضمنونها هذه الأصباغ، وكثرت هذه الأصباغ كثرة فاحشة ومتكلفة، حتى أوصلها بعضهم إلى مائة وخمسين صبغًا بديعيًّا، وقد كان كثرتها سببًا في إسفافها وتجريدها -كما سبق أن ذكرنا- من الرواء والروعة التي كانت تتسم به في أشعار القدامى، وما ذلك إلا لأنها أضحت مؤخرًا تُقصد لذاتها وتأتي بطريق التعمل والتكلف.
والسؤال الأن: ماذا يَعني علم البديع في اصطلاح البلاغيين؟ وما هي أهم الجهود التي بُذلت حتى استقام عود هذا العلم، واستوى على سوقه؟
نأمل منكم الإجابة عن هذين السؤالين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 290
الدرس: ١٤ منزلة البديع، ومدخله في الإعجاز القرآني - الطباق (١) .
стр. 291
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الرابع عشر
(منزلة البديع، ومدخله في الإعجاز القرآني - الطباق (١))
منزلة البديع بين الدراسات البلاغية، ومدى تبعيته للمعاني والبيان
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ثم أما بعد:
فنعيش مع أقسام البديع ومنزلته بين علوم البلاغة.
أولًا: منزلة البديع بين الدراسات البلاغية:
علم البديع -كما هو معروف- واحدٌ من علوم البلاغة الثلاثة "المعاني والبيان والبديع"، وتحتل هذه العلوم مكانة سامية ومرتبة رفيعة بين العلوم الإسلامية والعربية على السواء، فموضع هذه العلوم من علوم العربية أو العلوم الإسلامية موضع الرأس من الإنسان، أو اليتيمة من قلائد العقيان فهو مستودع سرها ومظهر جمالها وجلالها، فلا فضيلة لكلام على كلام إلا بما يحويه من لطائفها ويُودع فيه من مزاياها وخصائصها، ولا تبريز لمتكلم على آخر إلا بما يحوق من وشيها، ويلفظه من دررها، وينفثه من سحرها، ويجنيه من يانع ثمرها، فعلوم البلاغة تعد وسيلة لمعرفة إعجاز القرآن الكريم، فإذا أغفل الإنسان علم البلاغة وأخل بمعرفة قواعدها، لم يستطع أن يدرك سر إعجاز القرآن الكريم، ولم يعرف من أي جهة أعجز الله العرب عن أن يأتوا بسورة واحدة من مثله، وكما أن علوم البلاغة تعد وسيلةً لمعرفة الإعجاز القرآني فإنه لا غنى عنها لمن أراد أن يفهم كتاب الله ويعرف أحكامه، ويتبين حلاله وحرامه غير ذلك من علوم القرآن ومعارف الذكر الحكيم.
يقول العلامة صفي الدين الحلي: إن أحق العلوم بالتقديم وأجدرها بالاقتباس والتعليم بعد معرفة الله العظيم معرفة حقائق كلامه الكريم، وفهم ما أنزل في الذكر الحكيم؛ لتؤمن غائلة الشك والتوهم: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم﴾ (الملك: ٢٢) ولا سبيلَ إلى ذلك إلا بمعرفة علم
стр. 292
البلاغة وتوابعها من محاسن البديع اللتين بهما يعرف وجه إعجاز القرآن كما يعرف صحة نبوة محمد ﷺ بالدليل والبرهان، وقال مثل هذا كثيرون منهم أبو هلال العسكري والإمام عبد القاهر الجرجاني والعلامة جار الله الزمخشري وأبو يعقوب السكاكي وغيرهم.
وقد سبق تناول طرف من هذه الأقوال، وصاحب اللسان العربي إذا أراد أن ينشئ أدبًا -شعرًا كان أو نثرًا- لا يتسنى له ذلك إلا إذا علم بقواعد علوم البلاغة، وجعلها مِصباحًا يهدي خطاه ويسدد قلمه بما يعرفه من تركيب الأساليب الرفيعة وأسباب رفعتها وجمالها، والناقد الأدبي يتخذ من هذه العلوم أمضى أسلحته، فهي هاديه في إدراك الجمال وتذوق الحسن في ألوان الكلام، ولا يمكنه أن يفاضل بين كلام وكلام، ولا أن يبرز ما تضمنه العمل الأدبي من أسباب الجودة أو الرداء إلا بالوقوف على قواعد هذا العلوم، حتى تأتي أحكامه بعيدةً عن الفوضى والتخليط.
تلك بإيجاز منزلة علوم البلاغة وأهميتها في مجال الدراسات العربية جميعًا. وعلم البديع له هذه المكانة وتلك المنزلة بين العلوم الأخرى باعتباره واحدًا من هذه العلوم الثلاثة.
لكن إذا كانت هذه منزلة علم البديع بين سائر العلوم المختلفة، فما منزلته بين الدراسات البلاغية أو بين علوم البلاغة الثلاثة؟
جعل أبو يعقوب السكاكي منزلة هذا العلم بعد منزلة علمي المعاني والبيان، واقتدى به المتأخرون من علماء البلاغة، فعدوا ألوان البديع وفنونه ذيلًا من ذيول البلاغة وتابعًا من توابعها، فعلم البلاغة عندهم مقصورٌ على علمَي المعاني والبيان، والذي جعلهم يضعون علم البديع هذا الموضع ويُوقعون عليه هذا
стр. 293
الظلم تعريفهم لبلاغة الكلام، فبلاغة الكلام عندهم معناها: مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته وفصاحة أجزائه، فمرجعها أمران:
الأول: الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد.
والثاني: تمييز الكلام الفصيح من غيره، والثاني -وهو التمييز- منه ما يتبين في علم متن اللغة أو التصريف أو النحو، أو يدرك بالحس، وهو ما عدا التعقيد المعنوي، وما يحترز به عن الأول وهو الخطأ هو علم المعاني وما يحترز به عن الثاني -هو والتعقيد المعنوي- هو علم البيان، فظهر أن علم البلاغة منحصر في علمي المعاني والبيان.
أصبح عندنا أمران يجب الاحتراز للحكم على فصاحة الكلام؛ أولهما الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد، والثاني تمييز الكلام الفصيح من غيره، فيُحترز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد بتعلم علم المعاني، ويُعرف تمييز الكلام الفصيح من غيره بتلافي الغرابة عن طريق تعلم متن اللغة، وتلافي مخالفة القياس "تعلم الصرف" وتلافي ضعف التأليف والتعقيد اللفظي "تعلم النحو" وتلافي تنافر الحروف والكلمات "وذلك بتربية الذوق السليم" وما يزيل التعقيد المعنوي إنما هو تعلم البيان، فأصبح علم البديع بهذا لا موضعَ له في ذهن البلاغيين.
وعلى هذا جاء تعريفهم لهذا العلم مبعدًا له عن البلاغة، وجاعلًا إياه ذنبًا، وتابعًا لعلميه، فهو في نظرهم وشم وزينة، وحسن عرضي لا ذاتي، وقد عرفه الخطيب القذويني بقوله: وعلم يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية المطابقة ووضوح الدلالة.
وعلق السعد التفتازاني على تعريف الخطيب بقوله: وقوله: "بعد رعاية المطابقة ووضوح الدلالة" تنبيه على أن هذه الوجوه إنما تُعد محسّنة للكلام بعد رعاية الأمرين، ومعنى هذا: أن الكلام الذي خلَا من هذه الألوان وروعي فيه الأمران
стр. 294
-أعني: المطابقة ووضوحَ الدلالة- كلام لا غبار عليه، كما أن الكلام العاري عن واحد من هذين الأمرين أو عنهما معًا يعد كلامًا ساقطًا مهما اشتمل على ألوان البديع وفنونه، وهذا مبني على أن البديع لا صلةَ له ببلاغة الكلام، وأنه خارج عنها، كما صرح بذلك حسن جلبي أحد شراح المطوّل في قوله تعليقًا على قول السعد: هذا إنما يظهر عند التأمل والتذكر للأحكام المذكورة في علمي المعاني والبيان. يقول حسن جلبي: إنما لم يُتعرض للبديع لكونه خارجًا عن البلاغة.
وقد أفصح عن هذا أحد الكاتبين معلقًا على تعريف المتأخرين لعلم البديع، وتحديدهم لمنزلته بين العلمين الآخرين، وذلك قوله: منزلة هذا العلم من علمي المعاني والبيان منزلة الطلاء يأتي بعد تمام البناء؛ ذلك أن هذين العلمين يبحثان صُلب المعنى من حيث المطابقة ووضوح الدلالة، فتحسينها للكلام ذاتي؛ لأنه راجع إلى ذات المعنى، أما البديع فتحسينه عَرَضي؛ لأنه يأتي بعد تحقيق ثمرة العلمين الآخرين، ومعنى هذا: أنه إذا خلا الكلام من رعاية المطابقة لمقتضى الحال التي هي ثمرة علم المعاني، أو من رعاية وضوح الدلالة على المعنى المراد التي هي ثمرة علم البيان، كان كلامًا ساقطا لا يعتد به؛ لأنه فقد شرطي البلاغة أو أحدهما، ويكون اشتماله في هذه الحالة على البديع كتعليق الدر على أعناق الخنازير، أما إذا رُوعي في الكلام ثمرة العلمين فإن البديع يكون معهما بمثابة العقد النفيس يزين جيد الحسناء الفاتنة.
ومع تصريحهم بتبعية البديع لعلمي المعاني والبيان نجدهم يختلفون في جهة هذه التبعية، وجمهورهم يرى أن هذه التبعية معناها: أن هذا العلم لا يمتّ إلى بلاغة الكلام بأدنى صلة، وبعضهم يرى أن اتصاله بالعلمين المختصين بالبلاغة من
стр. 295
جهة أنه مجرد حلية ونقش وزينة للكلام، أو على حد ما جاء في عبارة بعضهم: أنه لهما بمنزلة الطلاء للدار -كما سبق أن ذكرنا- وتارة يوقعون على وجوه البديع اسم الحلية والعَرَض، وتارة يطلقون عليها اسم اللاحق والذنب الذي لا يمس صميمًا ولا يمثل غرضًا، والذي حملهم على هذا أنهم رأوا نماذج للشعراء والمتأدبين طرقوا فيها بعض فنون البديع، فجنحوا به عن جادة الصواب، وأساءوا إلى البديع بقدر ما أحسن هو إليهم، كما أن الإسراف في تعدد الفنون البديعية كان له دور بعيد المدى في النظرة إلى هذا الفن، فجاء عندهم حليةً وعرضًا وذيلًا وطرفًا، وأنزلوه في غير منزلته.
هذا هو رأي المتأخرين ومذهبهم في النظر إلى البديع وفنونه.
ونحن لا نسلم لهم هذه النظرة وذلك الرأي؛ لأن كلامهم هذا قائم على أساس نظري لا دليل عليه ولا برهان، اللهم إلا تحديدهم للحدود وتقعيدهم للقواعد، فهم بتعريفهم لبلاغة الكلام، ثم تحديدهم لعلمي المعاني والبيان تحديدًا قائمًا على تفسيرهم لمعنى بلاغة الكلام، بهذا الصنيع أخرجوا علم البديع عن بلاغة الكلام، وجعلوا له هذه المنزلة الوَضيعة.
ومنزلة علم البديع ينبغي أن تتحدد بأمرين:
أولهما: أثر ألوانه وفنونه في قوة الكلام وبلاغته.
وثانيهما: مدخله في الإعجاز القرآني.
فإذا رأينا لهذه الألوان أثرًا في بلاغة الكلام، بحيث إذا فقد الكلام ما حواه من هذه الألوان فقد بلاغته، كان هذا حكمًا على ما ذهب إليه المتأخرون بالبطلان، وثبت لألوان البدي منزلة ومكانة لا تقل منزلة علمي المعاني والبيان ومكانتهما، وبخاصة وقد ثبت أن لهذه الألوان مدخلها في إعجاز القرآن الكريم.
стр. 296
وإذا أردنا أن نبحث عن الأمر الأول فلنأخذ بعض الأمثلة البديعية؛ لنتبين هل لهذه الألوان أثر في بلاغة الأسلوب وقوته، أم ليس له مدخل فيهما؟
خذ مثلًا المبالغة التي سموها "التبليغ" في قول ابن الرومي:
لو أن بيتك يابن يوسف ممتلٍ ... إبَرًا يضيق بها فناء المنزل
وأتاك يوسف يستعيرك إبرة ... ليخيط قَد قميصه لن تفعل
وانظر إلى غرض الشاعر من وصف مهجوه بصفة البخل، ترى أن الشاعر لم يقصد وصف هذا البخيل بمجرد صفة؛ لأنها فيه مشهورة معروفة، ولكنه قصد إلى وصفه بمنتهى البخل والبلوغ في هذا الوصف أحط درجاته، فاختار من المعاني ما يؤدي هذا الغرض ويطابقه، فليس أهون من الإبر في البذل والعطاء خصوصًا إذا كانت كثيرات يضيق بها فناء المنزل، وليس أمعن في البخل والشح وأبلغ في الخِسة واللؤم من الضن بإبرة واحدة من هذا الكم الهائل من الإبر على من يستوجب حاله الإيثار والبذل لرفق الخرق وضم الممزق، ولا سيما إذا كان الطالب لهذا الشيء الحقير هو أباه يوسف، ولئن كان الشاعر مبالغًا لهذا الوصف فإن المقام -أعني: مقام الهجاء اللاذع- مما يستدعي توجيه أشنع صفات الذم للمذموم والمبالغة فيها، ولو نقص الشاعر عن هذه الدرجة التي وَصم بها مهجوه من البخل لما وصل إلى غرضه، فالمبالغة فيها داخلة في غرض الشاعر مرتبطة بالحال الذي أراد لكلامه أن يجيء مطابقًا لها، حتى يوصف بصفة البلاغة، وقس على هذا المثال جميع أمثلة المبالغة، وستجدها مرتبطة بالحال والمقام والأغراض التي قيلت فيه.
وخذ أسلوب الاستخدام في قول الشاعر:
إذا نزل السماء بأراض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا
стр. 297
وقد قالوا: أراد بالسماء هنا الغيث، وبضميره في رعيناه النبت.
وواضح أن إطلاق السماء وإرادة الغيث مجاز مرسل علاقته المجاورة، كما أن إطلاق الغيث؛ يعني الضمير في رعيناه؛ على النبات مجاز مرسل علاقته المسببية، وأيضًا إسناد الرعي إلى ضمير المتكلمين فيه إيجاز بالحذف، أي: رعته إبلنا ومواشينا، وأيضًا قوله: رعيناه، أخصر وأوجز من قوله: رعينا النبات الناشئ عن المطر.
أليست كل هذه الألوان في البيت والتي كان لأسلوب الاستخدام مدخلٌ فيها، مما اتفقوا على أنها من علمَي المعاني والبيان؟ ثم فوق هذا فالبيت كله كناية عن شرف هؤلاء القوم ووصفهم بالرياسة وشمول السيادة والسلطان. إذن لو افتقد البيت هذا اللون لأخل بكل هذه المعاني التي قصد إليها الشاعر قصدًا؛ تأديةً لغرضه ومطابقةً للحال التي ساق فيها هذا البيت.
وخذ حسن التعليل في قول أبي الطيب المتنبي:
ما به قتل أعاديه ولكن يتقي ... إخلاف ما ترجو الذئاب
فقد قالوا: أن الباعث على سفك دماء الأعداء هو إهلاكهم والتخلص منهم، حتى يصفو الجو، وتأمن النفس غائلتهم، ولكن الشاعر يرى أن هذا ليس علة لقتل الممدوح أعداءه، وإنما باعثه على قتلهم هو تمكن الكرم من نفسه، حتى صار يتقي إخلاف ما تأمله الذئاب على يديه من اتساع رزقها من قتلاه، ولو تأملت ما قالوه لوجدت أن هذا الصنيع الذي لجأ إليه الشاعر لم يكن لكلامه أن يقوى، ولا أن يقع موقعه من البلاغة بدونه، فهذا الأسلوب -أعني: حسن التعليل- داخل في بلاغة الكلام في صميمها، ويكفي ما علق به إمام البلاغيين عبد القاهر الجرجاني على هذا البيت تدليلًا على ما نقول، فقد قال: اعلم أن
стр. 298
هذا لا يكون حتى يكون لاستئناف هذه العلة المدعاة فائدة شريفة فيما يتصل بالممدوح، أو يكون لها تأثير في الذم، كقصد المتنبي ها هنا في أن يبالغ في وصفه بالسخاء والجود، وأن طبيعة الكرم قد غلبت عليه، ومحبته أن يصدِّق رجاء الراجينا، وأن يجنبهم الخيبة في آمالهم قد بلغت فيه هذا الحد، فلما علم أنه إذا غدا للحرب غدت الذئاب تتوقع أن يتسع عليها الرزق ويخصب لها الوقت من قتلى عِداه، كره أن يخلفها، وأن يخيب رجاءها ولا يسعفها.
وفيه نوع آخر من المدح، وهو أنه يهزم العدا ويكسرهم كسرًا لا يطمعون بعده في المعاودة، فيستغني بذلك عن قتلهم وإراقة دمائهم، وأنه ليس ممن يسرف في القتل؛ طاعةً للغيظ والحنط.
ولو تتبعنا هذا اللون من كل الأساليب لوجدنا تحته من الأسرار والنكت ما يضع يديك على أثر هذا اللون في قوة الأساليب وبلاغتها.
ولو نظرنا إلى أساليب المشاكلة نجد تحتها أغراضًا ومقاصد لا تؤدى بدونها، كالمثال المشهور في المشاكلة قول الأنطاكي:
قالوا اقترح شيئًا نجد لك طبخه ... قلت: اطبخوا لي جبة وقميصا
ذكر الشاعر خياطة الجبة بلفظ الطبخ؛ لوقوعه في صحبة الطبخ الحقيقي، وهذا هو معنى المشاكلة عند البلاغيين. وإذا نظرنا في ملابسات هذا القول -وهو أمر لا يصح إغفاله؛ لأنه يحدد المقام الذي قيل فيه هذا القول- نجد أن الشاعر كان له إخوان أربعة ينادمهم أيام كافور الإخشيدي، فجاءه رسولهم في يوم قارس البرد وليست له كسوة تقيه شره، فقال له: إخوانك يقرئونك السلام، ويقولون لك: قد اصطبحنا اليوم وذبحنا شاة سمينة، فاشتهى ما نطبخ لك منها! فكتب إليهم:
إخواننا قصدوا الصبوح بسُحرة ... فأتى رسولهم إلي خصوصا
стр. 299
قالوا اقترح شيئًا نجد لك طبخه ... قلت: اطبخوا لي جبة وقميصا
فقد عبر الشاعر عن الخياطة بالطبخ؛ تشبيهًا لها به في كونها مما ينبغي أن تكون موضع رغبتهم، ومحل عنايتهم، فإذا كانت رغبتهم متجهةً إلى الطبخ ليأكل ما طبخوه، فينبغي أن تكون منهم تلك الرغبة في خياطة جُبة وقميص يقيانه شر البرد، ويعتصم بهما من أذاه، فقد وصل الشاعر إلى غرضه بتنبيههم إلى ما يريد بهذا الأسلوب، مع ما اشتمل عليه من الاستعارة الرائعة.
فأليس هذا كافيًا في أن تكون المشاكلة لها قوة وأثر في بلاغة الأسلوب وسموه ورفعته؟
وأبعد من هذا فإن أساليب المشاكلة معدودة في المجاز المرسل، وإذا رجعتَ إلى الأمثلة التي ذكرها البلاغيون في هذا النوع من المجاز لعلاقة السببية، لوجدتها جميعًا أمثلةً للمشاكلة، وما قيل فيما عرضنا له من الألوان يقال في كل ألوان البديع وأساليبه؛ ولذا فإنا نكتفي بهذا القدر من الأمثلة دليلًا على أن البديع لا يكون في الكلام إلا ووراءه حال تقتضيه، وتحته ملحظ يدعو إليه، وإذا اقتضته الحال ودعا إليه غرض أو مقصد صار حسنه ذاتيًّا يهبط الكلام إذا فقده، ومن ثم فإن لهذه الألوان أثرًا في قوة الكلام، ومدخلًا في بلاغته.
وقد أكمل الفخر الرازي في (نهاية الإيجاز) نظرة الشيخ عبد القاهر في باب النظم الذي يتحد في الوضع ويدِق فيه الصنع، فأدرج الطباق والمقابلة ومراعاة النظير وبعض الألوان البديعية الأخرى من مقتضيات الأحوال وموجبات الأغراض، ولذا فليس بغريب أن نجد واحدًا من البلاغيين -وهو صاحب (الطراز) - يربط بين البديع والمجاز، فيشترط في البديع أن يكون الكلام في مرتبة المجاز؛ لأن المجاز يقوم على الاتساع في الكلام والافتنان فيه، فيقول: من شروط البديع أن يكون
стр. 300
واردًا في المجاز، فلا يعقل البديع إلا إذا كان الكلام واقعًا في رتبة المجاز، فإذا ما كان من الكلام موضوعًا على أصل حقيقته فلا مدخلَ له فيه.
ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه أن السعة في الكلام والافتتان فيه، إنما يكون حاصلًا بالدخول في الأنواع المجازية، فأما الحقائق فهي قليلة بالإضافة إلى المضطربات المجازية، وهو الذي أوجب انشعاب البديع إلى تلك الأصناف التي أسلفناها، فإنه لم يقع اختلافها إلا لما تعلق به من التصرف في المجاز والدخول فيه كل مدخل؛ ولهذا فإن العرب يمتازون في كلامهم عن العجم بهذه الخَصلة، ولعلنا فيما ذكرناه من أبيات شعر فيما مضى خير دليل على هذا.
مدخل البديع في الإعجاز القرآني
نجد أن فنون البديع لا تقل شيئًا في إظهار روعة القرآن وسر فصاحته وبلاغته عن مسائل علمي المعاني والبيان، وأن ألوان البديع يستدل بها على إعجاز القرآن الكريم، كما يستدل على إعجازه بمسائل التقديم والتأخير والحذف والتشبيه والاستعارة، وما إلى ذلك من مسائل العلمَين المعاني والبيان.
ولنأخذ بعض الأمثلة على ذلك؛ ليتضح لنا مدى أهمية البديع في فهم كلام الله وفي الطباق مثلًا في قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران: ٢٦) تجد الآية قابلت بيت: ﴿تُؤْتِي﴾، و ﴿تَنْزِعُ﴾ وبين: ﴿تُعِزُّ﴾، و ﴿تُذِلُّ﴾، وإذا عرفنا أن الغرض من الآية هو تصوير القدرة في أوسع معانيها وبيان السلطان في أشمل مظاهره وأكملها، فإننا ندرك أن هذا الغرض لا يتم إلا بالجمع بين الضدين والحكم بأنه يقدر سبحانه على الأمرين
стр. 301
معًا: الإيتاء أو ما في معناه، والنزع أو ما في معناه. وكذلك الإعزاز والإذلال بشتى وجوههما.
ولما كان مقياس الذاتية والعرضية عند المتأخرين من علماء البلاغة وعدم استقامة الأغراض بفقدان الأول واستقامتها بفقدان الثاني، كان جديرًا بنا أن نعرض الطباق على هذا المقياس ونجعله حُكمًا فيه؛ لأنك إذا طبّقت هذا على مثل تلك الآية الكريمة من أساليب، اقتنعتَ أن ذكرى المقابل لا محيص عنه في صياغة مثل هذا الغرض؛ إذ قد يقدر شخص على الإيتاء ولكنه لا يقدر على النزع، ويستطيع إنسان أن يعز ولكنه قد يعجز عن الإذلال، ومع هذا لا تضن عليه بوصفه بالقدرة، ولكن المضنون به عليه هو الحكم له بالقدرة التامة والسلطان الشامل، فتلك هي التي تستحوذ على الأمرين وتتعلق بالضدين، وهذا كافٍ في إثبات التحسين الذاتي لأساليب الطباق، وعلى غراره تجري أساليب المقابلات.
ولو نظرنا إلى أساليب مراعاة النظير مثلًا في القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَان﴾ (الرحمن: ٥) تجد هذا الآية جمعت بين الشمس والقمر، وهما متناسبان بتقارنهما في الخيال؛ ولكونهما كوكبين سماويين يبددان ظلام الكون، وإذا كان الغرض من هذا الجمع هو الحكم عليهما بأنهما يجريان في بروجهما بحسبان معلوم المقدار لا يزيدان عليه ولا ينقصان عنه، وبذلك نظام الكائنات واختلاف الفصول والأوقات وحساب الشهور والسنين، كان ذلك الصنيع أخصر الطرق في أداء هذا الغرض، وإيصاله إلى النفوس، نعم، يمكن أن يقال في غير القرآن: الشمس بحسبان والقمر بحسبان، فيكون لغوًا من القول وباطلًا من التأليف؛ لأنه إطناب لا داعي له ولا غرض يستدعيه، فأساليب مراعاة النظير التي عمادها جمع أمر وما يناسبه لا بالتضاد مما تقتضيها الأحوال إذن وتستدعيها الأغراض.
стр. 302
وكما لو تأملنا أسلوب الإرصاد في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (العنكبوت: ٤٠).
فغرض الآية -والله أعلم- نفي أن يكون من الله ظلم للعباد، وإثبات ظلمهم لأنفسهم، وطبيعة الأسلوب الذي يؤدَّى به مثل هذا الغرض أن يدل أوله على آخره وسابقه على لاحقه، ولذلك يقول السبكي: لو وقف القارئ على أنفسهم لفهم أن بعده يظلم، وروي أنه لما بلغت قراءة النبي ﷺ : ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ (المؤمنون: ١٤) قال عبد الله بن أبي سرح: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (المؤمنون: ١٤) فقال النبي -صلى الله عليه سلم-: ((كذلك أنزلت)). فإذا كان الغرض متعلقًا بمثل هذا كان ما أطلقوا عليه اسم الإرصاد عائدًا على الأسلوب بالتحسين الذاتي؛ لأنه مما يقتضيه المقام.
والأمثلة القرآنية المشتملة على ألوان البديع أكثر من أن يتسع لها هذا المقام، هي كثيرة ومبثوثة في أساليب القرآن وآياته، وكلها تشهد بأن حسنها ذاتي، داخل في صميم البلاغة، ودال على عظمة القرآن وإعجازه.
وقد أكد الدكتور محمد أبو موسى في كتابه (البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري) أكد على أن البلاغة القرآنية يتساوى فيها ألوان البديع وفنون المعاني والبيان، فبلاغة القرآن المعجزة تحيط بكل هذه الألوان والفنون، وذلك في قوله عن ألوان البديع في تفسير الزمخشري: عرَض الزمخشري للمشاكلة وللطباق وللجناس وللمزاوجة وللتقسيم، وغير ذلك، مما جعله المتأخرون من علم البديع، كما عرض لفنون البيان والمعاني، ولا أجد من كلامه ما يدل على أن الألوان التي جعلها المتأخرون من علم البديع دون غيرها من فنون البيان والمعاني، من حيث أثرها في قوة الكلام وبلاغته، وقد نظرتُ في كتابه كله ووقفت عند كل لون ذكره
стр. 303
-يعني: الزمخشري- من هذه الألوان، فوجدته يشير إلى بلاغتها، وإلى أنها فن من كلامه البديع، وطراز عجيب، وأنها من مستغرب فنون البلاغة، ثم يشيد ببلاغة القرآن المعجزة التي تحيط بكل هذا الفنون، وتوجد فيها على أحسن صورة، وأقوم منهج.
يقول -يعني: الزمخشري- في المشاكلة: ولله در التنزيل وإحاطته بفنون البلاغة وشعبها لا تكاد تستغرب منه فنًّا إلا عثرت عليه فيه على أقوم مناهجه وأسد مدارجه. ويقول في نوع من أنواع اللف: إنه لطيف المسلك، لا يكاد يهتدي إلى تبينه إلا النّقاب المحدث من علماء البيان. ويذكر -أي: الزمخشري- إعجاب شريح القاضي ببلاغة الشاهد الذي راعى على المشاكلة حين قال له شريح: إنك لسبط الشهادة، فقال الرجل: إنها لم تجعّد عني، فقال له شريح: لله درك وقَبِلَ شهادته، ثم هو يبسط هذه الألوان -أي: الزمخشري- ويحللها ويشرح أسلوبها، وما تنطوي عليه من أسرار ونكت، وهذه طريقته في دراسة فنون البيان والمعاني.
انتهى من كلام الشيخ أبي موسى.
وقد صرح العلامة صفي الدين الحلي بأن محاسن البديع يُعرف بها كما يعرف بغيرها من ألوان المعاني والبيان ومسائلهما؛ يعرف بها وجه إعجاز القرآن الكريم، وذلك في قوله: لا سبيل إلى فهم القرآن الكريم ومعرفة حقائقه إلا بمعرفة علم البلاغة وتوابعها من محاسن البديع اللتين بهما يعرف وجه إعجاز القرآن، وصحة نبوة محمد ﷺ بالدليل والبرهان.
مما سبق يتضح لنا إذن -بما لا يدع مجالًا للشك- أن علم البديع لا يقل منزلةً وشأنًا عن العلمين الآخرين "المعاني والبيان"، فإن مدخله في بلاغة الكلام وقوته وإعجاز القرآن الكريم وسرّ عظمته، جعل له من الفضل والمزية ما لهما، وقد
стр. 304
ذهب البعض إلى أن البديع كان اسمًا لكل فنون البلاغة من عناصر الجمال التي تميز الأدب من غيره، وهذا إمام البلاغيين الإمام عبد القاهر الجرجاني لا يرى البديع إلا وصفًا للبلاغة بمعناها العام، فنراه يقول: وأما التطبيق والاستعارة وسائر أنواع البديع فلا شبهةَ أن الحسن والقبح لا يعترض الكلام بهما إلا من جهة المعاني خاصةً، والاستعارة عنده كالطباق، وسائر ما يحسّن الكلام ويجعل له أثرًا في النفوس ومدخلًا في بلاغته كلها، يطلق عليه اسم البديع، وإذا كان من فرق بين مسائل البديع ومسائل كل من المعاني والبيان، فمن حيث طبيعة هذه الألوان وتلك، فإن ألوان البديع لا ارتباط بينها، فلا تعلق للون منها بالآخر، وعلى عكس ذلك مسائل المعاني والبيان التي نجدها مترابطة متشابكة يتعلق بعضها بالبعض الآخر.
يقول الدكتور أبو موسى: لا تحتاج ألوان البديع إلى ما تحتاج إليه فنون البيان من الدراسة والتحليل، فكل لون منها مستقلّ عن صاحبه، فدراسة الجناس غير مرتبطة بدراسة الطباق، ودراسة المشاكلة غير مرتبطة بدراسة السجع، فليس فنّ منها مبنيًّا على فن، وليس فن منها قسيمًا لفن، وذلك بخلاف ألوان البيان التي نجدها متشابكةً، فالاستعارة مبنية على التشبيه؛ فالتمثيل قِسمٌ من التشبيه، والمجاز منه مجاز في الكلمة، ومنه مجاز في الحكم، والمجاز في الكلمة ينقسم إلى مجاز مرسل واستعارة، والكناية أخت للمجاز، وغير ذلك من الروابط التي بين هذه الفنون التي يتفرع بعضها عن بعض، ويستلزم بعضها بعضًا.
لذلك كانت مباحث البيان كأنها مبحث واحد، وكانت مباحث البديع كأنها مباحث متفرقة، ومما تجدر الإشارة إليه أن التفرق وعدم الترابط بين ألوان البديع كان سببًا في نُضج هذه الألوان واكتمالها قبل أن تنضج مسائل المعاني والبيان
стр. 305
وتكتمل؛ وذلك لأن مسائل العلمين -المعاني والبيان- نظرًا للترابط القائم بينهما بحاجة إلى نضجٍ عقلي، ومستوًى من الذوق لم يكن ليتهيئا في وقت مبكر، ولم يتهيأ ذلك النضج العقلي والذوقي إلا في منتصف القرن الخامس الهجري على يد الإمام عبد القاهر الجرجاني، بينما كانت مباحث البديع وفنونه قد اكتملت قبل بداية القرن الخامس؛ ولذلك فإن عبد القاهر لم يشغل نفسه بهذه الألوان كما شغل نفسه بدراسة مسائل النظم وألوان البيان.
بالنسبة لأقسام المحسنات البديعية نرى أن العلوي -صاحب (الطراز) - قسم ألوان البديع ومحسناته إلى ثلاثة أدوار:
الأول: ما كان التحسين فيه راجعًا إلى الفصاحة اللفظية، ومنه ما يرد في المنظوم والمنثور كالتجنيس والترصيع، ولزوم ما لا يلزم، وغير ذلك من أصناف البديع، ومنه ما كان مختصًّا بالمنظوم كالتصريع، فإنه مخصوص بالقوافي لا يرد إلا فيه، وضابط هذا الضرب عند أن كل ما كان متعلقه راجعًا إلى الألفاظ، فهو بفصاحة الألفاظ أشبه.
النوع الثاني: ما كان التحسين فيه راجعًا إلى الفصاحة المعنوية كالتفويف والتوشيع، وغير ذلك من الأصناف المتعلقة بعلوم البلاغة، وضابط هذا الضرب أن كل ما كان متعلقًا بالمعاني، فهو من باب الفصاحة المعنوية.
القسم الثالث: ما كان التحسين فيه بمعزل عن الفصاحة اللفظية والفصاحة المعنوية على الخصوص، ولكنه ينزل منزلة التتمة والتكملة لهما، ويكون تحسين اللوم وتزيينًا لمواقعهما، وذكر منها (الكمال) و (الاستيعاب) و (الإيضاح) وغيرها، وواضح من تقسيم صاحب (الطراز) أن القسم الثاني الذي ذكره لا جدوى له؛ لأن الأصناف التي أدخلها في هذا القسم بعضها مما يتصل بتحسين المعاني وبعضها مما
стр. 306
يتصل بتحسين الألفاظ. ولذا فإن جمهور البلاغيين يقسّمون هذه المحسنات إلى قسمين:
أحدهما: محسنات معنوية، وهي التي يكون التحسين فيها راجعًا إلى المعنى أولًا وبالذات، كالطباق والمقابلة وحسن التعليل وغيرها، وإن كان بعضها قد يفيد تحسين اللفظ أيضًا، لكن تحسينه للفظ لا يكون أصلًا في التحسين بل يأتي ثانيًا وبالعرض، وذلك كالمشاكلة التي هي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته كما مر في قول الأنطاكي:
قالوا اقترح شيئًا نجد لك طبخه ... قلت: اطبخوا لي جبة وقميصا
قد عبر عن عن الخياطة بالطبخ وقوعها في صحبته، فاللفظ حسنٌ لما فيه من إيهام المجانسة اللفظية؛ لأن المعنى مختلف واللفظ متفق، لكن الغرض الأصلي جعل الخياطة كطبخ المطبوخ في اقتراحها لوقوعها في صحبته، وكما في العكس في قولهم: عادات السادات سادات العادات، فإن في اللفظ شبه الجناس اللفظي لاختلاف المعنى، ففيه التحسين اللفظي والغرض الأصلي والإخبار بعكس الإضافة مع وجود الصحة، وضابط هذا النوع من المحسنات أنك لو غيّرت بعضَ الألفاظ الدالة عليه والمؤدية له بما يرادفه، لا يتخلف التحسين، فلو قلت في قول الشاعر:
وقد أطفئوا شمس النهار وأوقدوا ... نجوم العوالي في سماء عجاج
حيث طابق بين أطفئوا وأوقدوا، ولو قلت: وأضاءوا أو أشعلوا، فإن التطابق لا يزال باقيًا والمحسن ما زال موجودًا.
ثانيهما: محسنات لفظية وهي التي يكون التحسين فيها راجعا إلى اللفظ وبالذات، وإن حسنت المعنى تبعًا وثانيًا كالجناس في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ (الروم: ٥٥) فالساعة الأولى يوم
стр. 307
القيامة والساعة الثانية واحدة الساعات الزمنية، فالتحسين كما ترى للفظ وإن كان له مدخل في حسن المعنى وجماله، وضابط هذا النوع أنك لو غيرت اللفظ بما يرادفه ذهب التحسين واختفى المحسِّن فلو قلت في قول الشاعر:
عضنا الدهر بنابه ... ليت ما حل بنا به
لو قلت: ليت ما أصابنا أصابه، لذهب الجناس واختفى التحسين.
وعلى ما هو معلوم فإن التسليم بهذه الأقسام منوط ومرتبط بألا يقلل بعضها من شأن بعض؛ لأن ما يكون متعلقًا باللفظ بالذات قد يظن فيه العرضية، وعلى أي حال فسوف نعرض لبعض هذه المحسنات، متوخين السهولة والوضوح، والإكثار من الشواهد؛ قصدَ الكشف والتوضيح لهذه الألوان.
لكن قبل ذلك نود أن نبين أن خلاصة ما سبق: أن منزلة البديع في مجال الدراسات الإسلامية والتعرف على أسرار القرآن ودلائل إعجازه، لا تقل شأنًا عن منزلة أخويها المعاني والبيان، بل ولا عن غيرها من سائر العلوم العربية والدينية، وأن القول بغير ذلك أو بجعلها تابعةً لأخويها أو ذيلًا لهما أو بجعل حسنهما عرضًا لا ذاتًا، كلامٌ ينقصه الدقة، ولا يتفق مع النظرة العلمية للأمور، وقد ذكرنا من الأدلة على ذلك ما به تقام الحجة.
وسؤالنا: اذكر من الأدلة ما يدل على ذلك؟ وكيف ترد على مَن قال بسواه؟
نأمل أن تجيبوا عن هذين السؤالين قبل أن نخوض في ألوان البديع؛ لأن هذه المقدمة هي من الأهمية بمكان.
الطباق، وأقسامه
ونبدأ في أول هذا الألوان وأشهرها وأعرفها، وهو الطباق؛ لنتعرف على معناه لغةً واصطلاحًا، ونتعرف على أقسامه من حيث الإيجاب والسلب، وعلى أقسامه كذلك من حيث التضاد والاتفاق بين المعاني.
الطباق: ويسمى المطابقة والتطبيق والتضاد والتكافؤ: من المحسنات المعنوية، فالطباق أو المطابقة كلاهما مصدر للفعل طابَق، يقال: طابقت بين الشيئين إذا جعلتهما على حذوٍ واحد، وألزقتهما، وطابق بين قميصين: لبس أحدهما على الآخر، وطابق الفرس في جريه: إذا وضع رجله في موضع يده، والطبق: غطاء كل شيء، والجمع أطباق، وطبق كل شيء: ما ساواه، وطبق الماء وجه الأرض
стр. 308
أي: غطاه، وأصبحت الأرض طبقًا واحدًا: إذا تغنى وجهها بالماء، وأصبح الماء طبقًا للأرض، في حديث الاستسقاء: ((اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا وطبقًا)) أي: مالئًا للأرض مغطيًا لها، السموات الطباق: التي بعضها فوق بعض وفي التنزيل ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ (الملك: ٣).
فالمادة إذن تدور حول الموافقة والمساواة والمناسبة.
والتضاد: تفاعل من ضاد الشيء الشيء أو ضدّه في الخصومة، أي: خالفه فهما متضادان، وضد الشيء خلافه والجمع أضاد.
هذا هو معنى الطباق في لغة العرب.
أما معناه في الاصطلاح: فهو أن تجمع في الكلام الواحد أو ما هو كالكلام الواحد في الاتصال بين معنيين متقابلين في الجملة. والمراد بالتقابل عند البلاغيين: أن يكون بين المعنيين مطلق تنافي دونما نظر إلى نوع هذا التنافي أو مقداره، فالتقابل بهذا المعنى الواسع لا يُشترط أن يكون التنافي فيه من جميع الصور، أو من كل الوجوه، بل يكفي أن يكون في الجملة ودون تفصيل، ولذا كان التعريف مقيدًا بهذا القيد، الذي يفسح الدائرة ويوسعها لا ليغلقها أو يضيقها، وهو قيد في الجملة، وقد أفاد التقييد بهذا القيد أمرين هامين:
أولهما: ألا يشغل الدارسون بالهم بتعيين مقدار التنافي بين المعنيين، كتحديد نوع العلاقة بينهما، سواء كانت بالتضاد أو التناقض أو غيرهما، إذ يكفي التنافي في الجملة؛ ليتحقق بين المعنيين مفهوم المطابقة.
ثانيهما: أن هذا القيد جعل التطابق والتنافي بين المعنيين يكفي أن يكون في بعض الصور، فمن المعلوم أن المتقابلين في بعض الصور إنما يعني التنافي بينهما باعتبار
стр. 309
ذلك البعض من الصور، أما باقي الصور فلا يُنظر إليها؛ لعدم الحاجة إليها في تحقيق المطابقة بين المعنيين.
وعلى هذا، فإن التقابل يتسع ليشمل كل أنواع العلاقات بين المعنيين، التي تجعل بينهما قدرًا ما من التنافي، ومن أهم هذه الأنواع:
التقابل الحقيقي، كتقابل الأمرين اللذين بينهما غاية الخلاف لذاتيهما كتقابل القِدم والحدوث، فلو جمع بين هذين المعنيين في كلام أو ما يشبه الكلام في الاتصال، كان الكلام مشتملًا على المطابقة، وعليه مقابلة الإحسان بالإساءة في قول الشاعر:
يجزون من ظلم آل الظلم مغفرةً ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا
فالإساءة والإحسان معنيان بينهما غاية الخلاف لذاتيهما، فكان تقابلهما تقابلًا حقيقيًّا.
النوع الثاني من التقابل: التقابل الاعتباري: كتقابل الإحياء والإماتة، فليس بين الإحياء والإماتة تقابل حقيقي، لأنهما لا يتقابلان إلا باعتبار بعض الصور، وهو أن يتعلق الإحياء بحياة جِرم في وقت، والإماتة بإماتته في ذلك الوقت، وإلا فلا تقابل بينهما باعتبار أنفسهما، ولا باعتبار التعلق عند تعدد الوقت، ومع ذلك فوجود هذا النوع من التقابل كافٍ في تحقيق المطابقة متى وُجد؛ لذا نراه في قوله: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ (الأنعام: ١٢٢) فسنرى كيف كان الخلاف محتدمًا بسبب هذه الأشياء التي لا تُراعى في أنواع التقابلات.
النوع الثالث من أنواع التقابل: التقابل بالتضاد: كتقابل البياض والسواد على الجرم الواحد الموجود بِناءً على أنهما وجوديان، وذلك كقوله:
стр. 310
فالوجه مثل الصبح مبيضٌّ ... والفرع مثل الليل مسودٌّ
ضدان لما استجمعَا حسُنَا ... والضد يظهر حسنه الضدُّ
فالتقابل بين البياض والسواد في البيت حقق المطابقة بينهما.
النوع الرابع من أنواع المقابلات: تقابل الإيجاب والسلب: كتقابل مطلق الوجود وسلبه، كالذي نراه في قوله تعالى مثلًا: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُون * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (الروم: ٦، ٧) فهذه الآية ليس فيها تقابل على الحقيقة بين العلم المنفي والعلم المثبت، ولكن بينهما تقابل في الجملة إذا أخِذَا على الإطلاق.
النوع الخامس من أنواع التقابلات: تقابل العدم والمِلك: كتقابل العمَى والبصر، والقدرة والعجز بناء، على أن العجز نفي للقدرة عمن من شأنه الاتصاف بالقدرة وعليه قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ (الرعد: ١٦) فالأعمى والبصير بينهما مطابقة؛ لأنهما متقابلان أو متنافيان؛ لتنافي العمى والبصر.
النوع السادس من أنواع التقابلات: تقابل التضايف: كتقابل الأبوة والبنوة، وقيل: إن الجمع بين الأبوة والبنوة من باب مراعاة النظير وليس طباقًا، ورُدَّ: بأن مراعاة النظير يكون فيما لا تنافي فيه كالشمس والقمر، بخلاف ما فيه التنافي كالأبوة والبنوة، ونجد هذا النوع الذي تحقق به المطابقة في قوله تعالى: ﴿آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ (النساء: ١١).
وعلى الجملة، فإن التقابل يشمل كل ما يشعر بالتنافي لاشتماله بوجه ما على ما يوجب التنافي كما ترى ذلك في قول أبي تمام:
مها الوحش إلا أن هاتا أوانس ... قنا الخط إلا أن تلك ذوابل
стр. 311
فقد طابق الشاعر بين هاتا وتلك؛ لما في هاتا من القرب، وتلك من البعد، وهذا كافٍ في تحقيق التنافي الموجب للمطابقة.
ومن ثم فقد جاء تعريف الآمدي للطباق مؤكدًا لهذا العموم في التنافي، حيث عرفه: بأنه مقابلة الحرف لضده أو ما يقارب الضد، وما سبق ليس تقسيمًا للطباق ولا للعلاقة التي تكون بين معنيين متقابلين، وإنما هو محاولة لحصر أنواع العلاقة بين المعنيين أو ذلك القدر من التنافي الذي يحقق المطابقة بين معنيين.
ونحن إذا نظرنا إلى معنى المطابقة في لغة العرب ومعناها في اصطلاح البلاغيين، نجد المناسبة بين المعنيين واضحةً جليةً، متينةً قويةً؛ لأن المتكلم وفّق بين المعنيين المتقابلين كما يوفّق بين الشيئين المختلفين، فيُجعلَا على حذو واحد، أو كما يوفّق بين القميصين فيجعل أحدهما فوق الآخر، وجعل المتكلم الضدين متوافقين حيث وفّقا في جملة واحدة واستويَا في ذلك مع بُعد الموافقة بينهما، أشبه بوضع الغطاء على الشيء؛ حيث جُعل الشيء متوافقًا مع غطائه وملتحمًا معه، كما أنه أشبه بوضع الفرس رجله في موضع يده؛ لأن يده ورجله المتقابلتين إذا التقتَا في موطئ واحد وجمعَا في مجمع واحد، فقد حصل بينهما توافق وتناسق.
وعلى الجملة، فإن مادة المطابقة إذا كانت تدور في لغة العرب حول الموافقة والمساواة، فإن المتكلم المطابق في كلامه يوافق بين المعنيين المتقابلين، ويسوي بينهما.
وبذا نكون قد وقفنا عند هذه الضوابط التي بها نستطيع أن نتعرف بعض الشيء على هذا اللون المهم من ألوان البديع.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 312
الدرس: ١٥ الطباق (٢) .
стр. 313
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الخامس عشر
(الطباق (٢))
تعريفات أخرى للطباق، وصوره
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ثم أما بعد:
سبق أن ذكرنا أن الطباق لغةً: الموافقة والمساواة والمناسبة؛ لأن الفعل طابق يدور حول هذه المعاني، ثم ذكرنا أنه في اصطلاح البلاغيين معناه: أن تجمع في الكلام الواحد أو ما هو كالكلام الواحد في الاتصال بين معنيين متقابلين في الجملة، وذكرنا أن هناك مناسبةً بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي، وأن العَلاقة بينهما تكمن في أن المتكلم وفّق بين المعنيين المتقابلين كما يوفق بين الشيئين المختلفين، فيُجعلَا على حذوٍ واحد، وهناك مناسبة أخرى هي معنى التضاد اللغوي، ومعناه الاصطلاحي أيضًا، فإنهما واضحان في تعريف الطباق، لأن كِلا المعنيين ضد الآخر ومخالف له، وإن كان قد حصل بينهما جمع وتوفيق في كلام واحد، على أن ما سبق من تعريف الطباق عن البلاغيين هو ما ذهب إليه جمهورهم.
لكن قدامة بن جعفر -الكاتب- ومعه قوم ذهبوا إلى أن الطباق هو اتحاد الكلمتين في اللفظ مع اختلافهما في المعنى، وقد استشهد قدامة للطباق بشواهد منها قول الأفوه الأزدي:
وأقطع الهوجل مستأنسًا ... بهوجل عيرانة عنتريس
أي: بناقة سريعة ممتلئة، فقد جاءت لفظة الهوجل في هذا البيت واحدة، ولكنها ذات معنيين؛ لأن الأولى معناها الأرض، وأقطع الهوجل، والثانية معناها الناقة، بهوجل عيرانة عنتريس، وكذا قول أبي داود الأيادي:
عهدت لها منزلًا دائرًا وإلًا ... على الماء يحملن إلا
стр. 314
فإلا الأولى في المعنى غير الثانية؛ لأن الأولى أعمدة الخيام عهدت لها منزلًا دائرًا وإلًا، والثانية ما يرفع الشخوص من السراب على الماء يحملن إلًا، هذا هو معنى الطباق عند قدامة ومن تبعَه.
ولا يُخفى أن هذا الذي سماه قدامة طباقًا هو الجناس عند جمهور البلاغيين، أما الطباق عند جمهور البلاغيين فقد نعته قدامة بالتكافؤ، وخصه بهذا الاسم، وهذا الذي صنعه قدامة وأتباعه لم يعجب كثيرًا من نقاد الأدب منهم أبو بشر الآمدي، فقد علق على هذا الصنيع بقوله: لم أكن أحب له أن يخالف من تقدم مثل أبي العباس عبد الله بن المعتز وغيره، ممن تكلم في هذه الأنواع وألَّف فيها، إذ قد سبقوا إلى التلقين.
هذا، ويأتي الطباق في الكلام على أربع صور:
وهي أن يكون بين اثنين كما في قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُود﴾ (الكهف: ١٨)، وقوله : ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّور ُ* وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ (فاطر ١٩: ٢٢)، وقوله -جل وعلا-: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة: ١٧٩)، وقوله ﵎: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ (الحديد: ٣).
ومنه قول النبي ﷺ : ((فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة للكبر، ومن الحياة للموت، فوالذي نفس محمد بيده، ما بعد الموت بمستعتب، وما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار)).
وقول علي ﵁: "إن كثرة النظر إلى الباطل تذهب بمعرفة الحق من القلب"، ومنه قول امرئ قيس:
стр. 315
مكر مفر مقبل مدبر معًا كجلمود ... صخر حطه السيل من علٍ
وقول القاضي الورجاني:
ولقد نزلت من الملوك بماجد ... فقر الرجال إليه مِفتاح الغنى
وقول الآخر:
إذا نحن سِرنا بين شرق ومغرب ... تحرك يقظان التراب ونائم
ولا يخفَى عليك الطباق في هذه الشواهد، وأنه قد وقع بين اثنين كما ترى.
الصورة الثانية: أن يكون بين فعلين كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ (النجم ٤٣، ٤٤).
وقوله ﵎: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ (آل عمران: ٢٦)، ومنه قول النبي ﷺ للأنصار: ((إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع))، لقد طابق بين الفعلين: تكثرون وتقلون، وهناك طباق أيضًا بين الفزع والطمع، ولكنه طباق خفي -كما سيأتي-.
ومن أقوالهم قول بشار:
إذا أيقظتك حروب العِدا ... فنبه لها عمرَ ثم نَمْ
وقول الفرزدق:
لعن الإله بني كليب ... .............................
بني كليب: هم قوم جرير:
إنهم لا يغدرون ولا يفون لجار
يستيقظون إلى نهيق حمارهم ... وتنام أعينهم عن الأوتار
ومنه قول الحماسي:
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياةً مثل أن أتقدم
стр. 316
وقول الآخر:
فإن ساءني أن نِلتني بمساءة ... لقد سرني أني خطرتُ ببالك
فالطباق في هذه الشواهد قد وقع بين فعلين.
الصورة الثالثة: أن يكون الطباق بين حرفين، كما في قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَت﴾ (البقرة: ٢٨٦)، وقوله : ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوف﴾ (البقرة: ٢٢٨)، وقوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (سبأ: ٢٤).
ومن التطابق في الحروف قول مجنون ليلى:
على أنني راض بأن أحمل الهوى ... وأخلص منه لا عليّ ولا ليَ
فالطباق في هذه الشواهد بين على واللام، وبين على وفي في آية سبأ؛ لأن في على معنى المضرة وفي اللام معنى المنفعة، وكذا في "في" معنى الاستفال، وفي على معنى الارتفاع، ومعلوم أن الحرف لا يظهر له معنى إلا مع غيره، فللحروف معانٍ متعددة قد تتضاد وقد تتداخل وقد تلتقي، والمرجع في ذلك هو الاستعمال؛ لأن الحروف لا تستقل بنفسها ولا تظهر معانيها إلا بالاستعمال.
الصورة الرابعة من صور الطباق: أن يكون بين اسم وفعل، كما في قول الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاه﴾ (الأنعام: ١٢٢)، وقوله : ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ (البقرة: ٢٦٠).
ومنه قول طُفيل يصف فرسه:
بساهم الوجه لم تُقطع أباجله ... يُصان وهو ليوم الروع مبذول
هو هنا يصف فرسه بأن عروقه لا تُقطع ولا تتغير من كثرة الجري، ومن ذلك قول الآخر:
стр. 317
قد كان يُدعَى لابس الصبر حازمًا ... فأصبح يُدعى حازمًا حين يجزع
فالطباق في هذه الشواهد بين: ﴿مَيْتًا﴾ و"أحييناه" كما في الآية الأولى، وبين: ﴿تُحْيِ﴾ و ﴿الْمَوْتَى﴾ كما في آية البقرة، وبين يُصان ومبذول، والصبر ويجزع، كما في البيتين، فهو بين اسم وفعل كما ترى.
هذا والطباق كما يكون بألفاظ استعملت في معانيها الحقيقية، يكون كذلك بألفاظ استعملت في معانٍ مجازية، وحينئذٍ يكون الطباق في كلا المعنيين الحقيقي غير المراد والمجازي المراد، كما مر بنا في الآية الكريمة: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ أي: ضالًّا فهديناه، فالمعنيان الحقيقيان وهما الموت والحياة متضادان، والمعنيان المجازيان وهما الضلال والهدى متضادان أيضًا، وكما في قول الشاعر أيضًا:
حلو الشمائل وهو مرٌّ باسل ... يحمي الزمار صبيحة الإرهاق
وقول الآخر:
إذا نحن سرنا بين شرق ومغرب ... تحرك يقظان التراب ونائم
فالمراد بحلاوة الشمائل لين الجانب، والمراد بالمرارة الشدة، وكذا المراد بيقظان التراب متحركه، وبالنائم الساكن، فالتضاد محقق بين المعاني المجازية غير المرادة وبين المعاني المجازية المرادة.
ومنه أيضًا قول الآخر:
وقد أحيا المكارم بعد موت ... وشاد بناءها بعد انهدام
إذ المراد: لو أكثر العطاء في وقت قل فيه العطاء، فبين الإحياء والموت وبين التشييد والانهدام طباقٌ في معانيها الحقيقية والمجازية على حد سواء.
أما إذا كان الطباق بين المعاني الحقيقية فقط دون المجازية المرادة، فيُسمى إيهام التضاد كما سنذكر ذلك تفصيلًا فيما بعد.
стр. 318
ولعلك تلاحظ معي أن طباق الإيجاب يكون بين المعنيين المتضادين سواء كانا مثبتين أو منفيين.
أقسام الطباق من حيث الإيجاب والسلب
أما طباق السلب فهو الذي يكون بين معنيين متضادين أحدهما مثبت والآخر منفي، أو بين أمر ونهي، وقد دار حول طباق السلب هذا لغطٌ كثير، قد جعله غير واحد من العلماء نوعًا مستقلًّا من أنواع البديع ويرى البعض الآخر ومنهم بن أبي الإصبع أن السلب والإيجاب شيء يختلف عن طباق السلب، وبالنظر في أمثلة طباق السلب عنده نجدها اقتصرت جميعًا على الجمع بين فعلي مصدر واحد مثبت ومنفي.
وبالنظر في أمثلة السلب والإيجاب نجدها تقتصر على الأمر والنهي، والأسماء المثبتة والمنفية، وهذا فرق لا تقوم عليه تفرقة بين نوع وآخر.
والخطيب القزويني أحد من أدخل السلب والإيجاب في الطباق، وأطلق عليه طباق السلب لكن ضيق نطاقه، فحصره في الأفعال وحدها، حيث أخذ من السلب والإيجاب عند ابن أبي الإصبع الأمر والنهي، وضمه إلى طباق السلب، كما ورد في بديع القرآن لابن أبي الإصبع الذي اقتصر عنده على فعلي مصدر واحد مثبت ومنفي، وشكّل من هذين النوعين وحدهما طباق السلب، مع أن الباب أوسع من ذلك وأبعد مدًى، ويتضح من تعريف الخطيب القزويني للطباق مدى هذا النوع عنده، فقد عرفه في كتابه (الإيضاح) أنه الجمع بين فعلي مصدر واحد مثبت ومنفي، أو بين أمر ونهي، ومثّل للأمر والنهي بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ (البقرة: ١٥٠) ومثل الإثبات والنفي بقوله سبحانه:
стр. 319
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (الروم ٦، ٧)، ثم أردف الإثبات والنفي بخمسة أبيات لشعراء مختلفين، وشواهد النوعين من غير ما ذكر هي في الحقيقة أكثر من أن تُحصى، وفي الإثبات والنفي نجد مثلًا قول الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: ٩)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْت﴾ (الأنفال: ١٧).
ومنه قول الحسن ﵁: "أما تستحيون من طول ما لا تستحيون"، ومثله كذلك ما ذُكر من أن ابن عمر ﵄ لما قيل له: ترك فلان مائة ألف، فقال: "ولكنها لا تتركه"، وفي الأمر والنهي نجد قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ (الإسراء: ٢٣)، وقول بعضهم: خف الله خوفًا يشغلك عن الرجاء، فإن الرجاء يشغلك عن الخوف، وفر إلى الله ولا تفر منه، والشواهد على ذلك أكثر من أن تُعد.
هذا هو المدى الذي امتد إليه نظر الخطيب في دراسة طباق السلب، فهو عنده محصورٌ في الأفعال وفي الأمر والنهي، وقد كان نظر القدماء إليه أوسع وفهمهم له أعمق للطباق، وقد عرّفه أبو هلال العسكري بقوله: هو أن نبني الكلام على نفي الشيء من جهة وإثباته من جهة أخرى، أو على الأمر من جهة والنهي عنه من جهة أخرى، وما يجري مجرى ذلك.
وتعريف ابن أبي الإصبع للطباق يكاد يكون صورة طبق الأصل من هذا التعريف، فطباق السلب بهذا المعنى يتسع للأفعال والأسماء جميعًا، وهذا التعريف الواسع تجد له في فصيح الكلام ما يشهد بصحته.
فمن شواهد أبي هلال عليه قول الشاعر:
خفيف الحاذي نثال الفيافي ... وعبد للصحابة غير عبدي
стр. 320
فكلمة عبد جاءت مثبتةً مرة ومنفيةً أخرى، ومثله في ذلك قول أبي تمام:
إلى سالم الأخلاق من غير عائبٍ ... وليس له مال على الجُود سالم
فكلمة سالم جاءت مرة مثبتةً ومرة منفيةً، على الرغم من أن سالم المثبتة تعني سلامة الأخلاق، وسالم المنفية تعني سلامة المال، وبينهما فرق.
ومن شواهد ابن أبي الإصبع في الأسماء قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ (المجادلة: ٢)، فهنا أمومة مثبتة وأمومة منفية، ومنه قوله : ﴿وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَان﴾ (الرعد: ٤)، وقوله تعالى: ﴿مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَة﴾ (الحج: ٥)، وقوله : ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ (الحج: ٢).
ومن الطباق في الأسماء قول النابغة:
خيل صيام وخيل غير صائمة تحت ... العجاج وأخرى تعلق اللجم
وقول مسلم بن الوليد:
كيف السلو لقلب راح مختبلًا ... يهذي بصاحب قلب غير مختبل
ومنه قول أبي تمام:
هب من له شيء يريد حجابه ... ما بال لا شيء عليه حجاب
ومنه قول بعضهم:
لا تلمني على التي فتنتني ... وأرتني القبيح غير قبيح
وهذا باب واسع، وللقدماء فيه لفتات طيبة، ولكن الخطيب ضيق الواسع وحصره في آفاق محدودة بلا ضرورة. وإذا كان الخطيب قد توقف عند الأفعال وحدها في طباق السلب فقد وقف القدماء عند الأفعال والأسماء في السلب
следующие страницы →