Полный текст (467 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
وقول الآخر:
فإن ساءني أن نِلتني بمساءة ... لقد سرني أني خطرتُ ببالك
فالطباق في هذه الشواهد قد وقع بين فعلين.
الصورة الثالثة: أن يكون الطباق بين حرفين، كما في قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَت﴾ (البقرة: ٢٨٦)، وقوله : ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوف﴾ (البقرة: ٢٢٨)، وقوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (سبأ: ٢٤).
ومن التطابق في الحروف قول مجنون ليلى:
على أنني راض بأن أحمل الهوى ... وأخلص منه لا عليّ ولا ليَ
فالطباق في هذه الشواهد بين على واللام، وبين على وفي في آية سبأ؛ لأن في على معنى المضرة وفي اللام معنى المنفعة، وكذا في "في" معنى الاستفال، وفي على معنى الارتفاع، ومعلوم أن الحرف لا يظهر له معنى إلا مع غيره، فللحروف معانٍ متعددة قد تتضاد وقد تتداخل وقد تلتقي، والمرجع في ذلك هو الاستعمال؛ لأن الحروف لا تستقل بنفسها ولا تظهر معانيها إلا بالاستعمال.
الصورة الرابعة من صور الطباق: أن يكون بين اسم وفعل، كما في قول الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاه﴾ (الأنعام: ١٢٢)، وقوله : ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ (البقرة: ٢٦٠).
ومنه قول طُفيل يصف فرسه:
بساهم الوجه لم تُقطع أباجله ... يُصان وهو ليوم الروع مبذول
هو هنا يصف فرسه بأن عروقه لا تُقطع ولا تتغير من كثرة الجري، ومن ذلك قول الآخر:
стр. 317
قد كان يُدعَى لابس الصبر حازمًا ... فأصبح يُدعى حازمًا حين يجزع
فالطباق في هذه الشواهد بين: ﴿مَيْتًا﴾ و"أحييناه" كما في الآية الأولى، وبين: ﴿تُحْيِ﴾ و ﴿الْمَوْتَى﴾ كما في آية البقرة، وبين يُصان ومبذول، والصبر ويجزع، كما في البيتين، فهو بين اسم وفعل كما ترى.
هذا والطباق كما يكون بألفاظ استعملت في معانيها الحقيقية، يكون كذلك بألفاظ استعملت في معانٍ مجازية، وحينئذٍ يكون الطباق في كلا المعنيين الحقيقي غير المراد والمجازي المراد، كما مر بنا في الآية الكريمة: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ أي: ضالًّا فهديناه، فالمعنيان الحقيقيان وهما الموت والحياة متضادان، والمعنيان المجازيان وهما الضلال والهدى متضادان أيضًا، وكما في قول الشاعر أيضًا:
حلو الشمائل وهو مرٌّ باسل ... يحمي الزمار صبيحة الإرهاق
وقول الآخر:
إذا نحن سرنا بين شرق ومغرب ... تحرك يقظان التراب ونائم
فالمراد بحلاوة الشمائل لين الجانب، والمراد بالمرارة الشدة، وكذا المراد بيقظان التراب متحركه، وبالنائم الساكن، فالتضاد محقق بين المعاني المجازية غير المرادة وبين المعاني المجازية المرادة.
ومنه أيضًا قول الآخر:
وقد أحيا المكارم بعد موت ... وشاد بناءها بعد انهدام
إذ المراد: لو أكثر العطاء في وقت قل فيه العطاء، فبين الإحياء والموت وبين التشييد والانهدام طباقٌ في معانيها الحقيقية والمجازية على حد سواء.
أما إذا كان الطباق بين المعاني الحقيقية فقط دون المجازية المرادة، فيُسمى إيهام التضاد كما سنذكر ذلك تفصيلًا فيما بعد.
стр. 318
ولعلك تلاحظ معي أن طباق الإيجاب يكون بين المعنيين المتضادين سواء كانا مثبتين أو منفيين.
أقسام الطباق من حيث الإيجاب والسلب
أما طباق السلب فهو الذي يكون بين معنيين متضادين أحدهما مثبت والآخر منفي، أو بين أمر ونهي، وقد دار حول طباق السلب هذا لغطٌ كثير، قد جعله غير واحد من العلماء نوعًا مستقلًّا من أنواع البديع ويرى البعض الآخر ومنهم بن أبي الإصبع أن السلب والإيجاب شيء يختلف عن طباق السلب، وبالنظر في أمثلة طباق السلب عنده نجدها اقتصرت جميعًا على الجمع بين فعلي مصدر واحد مثبت ومنفي.
وبالنظر في أمثلة السلب والإيجاب نجدها تقتصر على الأمر والنهي، والأسماء المثبتة والمنفية، وهذا فرق لا تقوم عليه تفرقة بين نوع وآخر.
والخطيب القزويني أحد من أدخل السلب والإيجاب في الطباق، وأطلق عليه طباق السلب لكن ضيق نطاقه، فحصره في الأفعال وحدها، حيث أخذ من السلب والإيجاب عند ابن أبي الإصبع الأمر والنهي، وضمه إلى طباق السلب، كما ورد في بديع القرآن لابن أبي الإصبع الذي اقتصر عنده على فعلي مصدر واحد مثبت ومنفي، وشكّل من هذين النوعين وحدهما طباق السلب، مع أن الباب أوسع من ذلك وأبعد مدًى، ويتضح من تعريف الخطيب القزويني للطباق مدى هذا النوع عنده، فقد عرفه في كتابه (الإيضاح) أنه الجمع بين فعلي مصدر واحد مثبت ومنفي، أو بين أمر ونهي، ومثّل للأمر والنهي بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ (البقرة: ١٥٠) ومثل الإثبات والنفي بقوله سبحانه:
стр. 319
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (الروم ٦، ٧)، ثم أردف الإثبات والنفي بخمسة أبيات لشعراء مختلفين، وشواهد النوعين من غير ما ذكر هي في الحقيقة أكثر من أن تُحصى، وفي الإثبات والنفي نجد مثلًا قول الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: ٩)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْت﴾ (الأنفال: ١٧).
ومنه قول الحسن ﵁: "أما تستحيون من طول ما لا تستحيون"، ومثله كذلك ما ذُكر من أن ابن عمر ﵄ لما قيل له: ترك فلان مائة ألف، فقال: "ولكنها لا تتركه"، وفي الأمر والنهي نجد قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ (الإسراء: ٢٣)، وقول بعضهم: خف الله خوفًا يشغلك عن الرجاء، فإن الرجاء يشغلك عن الخوف، وفر إلى الله ولا تفر منه، والشواهد على ذلك أكثر من أن تُعد.
هذا هو المدى الذي امتد إليه نظر الخطيب في دراسة طباق السلب، فهو عنده محصورٌ في الأفعال وفي الأمر والنهي، وقد كان نظر القدماء إليه أوسع وفهمهم له أعمق للطباق، وقد عرّفه أبو هلال العسكري بقوله: هو أن نبني الكلام على نفي الشيء من جهة وإثباته من جهة أخرى، أو على الأمر من جهة والنهي عنه من جهة أخرى، وما يجري مجرى ذلك.
وتعريف ابن أبي الإصبع للطباق يكاد يكون صورة طبق الأصل من هذا التعريف، فطباق السلب بهذا المعنى يتسع للأفعال والأسماء جميعًا، وهذا التعريف الواسع تجد له في فصيح الكلام ما يشهد بصحته.
فمن شواهد أبي هلال عليه قول الشاعر:
خفيف الحاذي نثال الفيافي ... وعبد للصحابة غير عبدي
стр. 320
فكلمة عبد جاءت مثبتةً مرة ومنفيةً أخرى، ومثله في ذلك قول أبي تمام:
إلى سالم الأخلاق من غير عائبٍ ... وليس له مال على الجُود سالم
فكلمة سالم جاءت مرة مثبتةً ومرة منفيةً، على الرغم من أن سالم المثبتة تعني سلامة الأخلاق، وسالم المنفية تعني سلامة المال، وبينهما فرق.
ومن شواهد ابن أبي الإصبع في الأسماء قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ (المجادلة: ٢)، فهنا أمومة مثبتة وأمومة منفية، ومنه قوله : ﴿وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَان﴾ (الرعد: ٤)، وقوله تعالى: ﴿مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَة﴾ (الحج: ٥)، وقوله : ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ (الحج: ٢).
ومن الطباق في الأسماء قول النابغة:
خيل صيام وخيل غير صائمة تحت ... العجاج وأخرى تعلق اللجم
وقول مسلم بن الوليد:
كيف السلو لقلب راح مختبلًا ... يهذي بصاحب قلب غير مختبل
ومنه قول أبي تمام:
هب من له شيء يريد حجابه ... ما بال لا شيء عليه حجاب
ومنه قول بعضهم:
لا تلمني على التي فتنتني ... وأرتني القبيح غير قبيح
وهذا باب واسع، وللقدماء فيه لفتات طيبة، ولكن الخطيب ضيق الواسع وحصره في آفاق محدودة بلا ضرورة. وإذا كان الخطيب قد توقف عند الأفعال وحدها في طباق السلب فقد وقف القدماء عند الأفعال والأسماء في السلب
стр. 321
والإيجاب، الذي هو طباق السلب نفسه، وقلما تجد من لفت نظره إلى طباق السلب في الحروف والظروف، مع أن تعريف أبي هلال العسكري للسلب والإيجاب الذي تبعه فيه ابن أبي الأصبع يشمل هذا اللون أيضًا.
ولطباق السلب في الحروف شواهد كثيرة ومن ذلك قول الفرزدق:
أقول له لما أتاني نعيه به ... لا بظبي بالصرائم أعفرا
فحرف الجر الباء جاء مرة مثبتًا ومرة منفيًّا، وإن اختلف مجروره في الحالين، ومنه المثل المشهور الذي جاء على لسان الزباء: بيدي لا بيد عمرو، فحرف الباء هنا جاء مرة مثبتًا وجاء مرة أخرى منفيًّا، وبهذا يتضاد معنياه، ومن ذلك ما ذكره المبرد في (الكامل)، قال رجل لأبي بكر الصديق ﵀: لأسبنك سبًّا يدخل معك قبرك، فقال: "معك والله لا معي"، يريد أن سبه هو من كسبه وعمله، ومن ثم فهو المجزي عنه.
وتستطيع أن تنسج على هذا المنوال في الظروف والحروف ما شئتَ، وستجد أن طباق السلب مستساغ في الحروف والظروف، كما هو مستساغ في الأفعال والأسماء على السواء.
ولا يتوقف الأمر في طباق السلب على ما سبق، ولكنه في الحقيقة يمتد ليشمل الجمع بين الأفعال والأسماء إذا صيغتَا من مادة واحدة، وكان أحدهما مثبتًا والآخر منفيًّا، وممن التفت إليه من العلماء القدماء قدامة بن جعفر الذي استشهد ببيت الفرزدق:
لعمري لئن قل الحصا في رجالكم ... بني نهشل ما لؤمكم بقليل
وقال: فهذا ضرب من المكافأة من جهة السلب وهو يعني اجتماع الفعل قل المثبت مع صلة المشبهة قليل المنفية، ومنهم أيضًا ابن رشيق حين ذكر قول جرير:
أتصحو أم فؤادك غير صاح ... ............................
стр. 322
ثم قال: فقوله غير صاح، نقيض تصحو، لولا أنه استفهام لم تُعلم حقيقة محصوله بعد، إلا على مذهب مَن جعل أم بمعنى بل، فكأنه قال لنفسه: بل فؤادك غير صاح، فناقض الصحو ودخل كلامه في المطابقة، وهذا يعني أنه لمح الطباق بين الفعل المستفهم عنه تصحو، وبين الاسم المنفي صاح، ومما هو من هذا الباب قول الله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ (الرعد: ١٤).
ففي هذه الآية اجتمع فعل المثبت يبلغ واسم المنفي بالغ، وكلاهما يرتد إلى مادة واحدة هي بلغ، من ذلك أيضًا قول ربيعة الرقي يمدح يزيد بن حاتم ويهجو يزيد بن أسلم السلمي:
لشتان ما بين اليزيدين في النَّدا ... يزيد بن سلم والأغر بن حاتم
يزيد بن سلم سالم المال والفتى ... أخو الأُسد للأموال غير مسالم
فقد اجتمع هنا الفعل سالم المثبت مع الاسم مسالم المنفي، ومن ذلك أيضًا قول الحسن بن وهب:
لله أيام خطبنا لينها ... في ظلة بالخندريس السلسل
من مدامة نغم السماع صفيرها ... لا خير في المعلول غير معلل
يغشَى عليها وهو يجلو مقلتي ... باز ويغفل وهو غير مغفل
ففي البيت الأخير اجتمع الفعل يغفل المثبت مع اسم الفاعل مغفل المنفي وبينهما طباق سلب، أما في البيت الثاني فطباق السلب بين معلول المثبت ومعلل المنفي، وهما اسمان، فهو من طباق السلب في الأسماء وحدها.
وفي قول الشاعر أيضًا:
كم من حبة لؤلؤ مثقوبة ... وحبة لؤلؤ لم تثقب
стр. 323
فتجد طباق السلب بين الاسم المثبت مثقوبة والفعل المنفي تثقب، وهو من طباق السلب بين الأسماء والأفعال، ومثل ذلك قول بشار:
إذا كنتَ في كل الأمور معاتبًا ... صديقك لم تلقَ الذي لا تعاتبه
فقد اجتمع هنا اسم الفاعل معاتبًا المثبت مع الفعل المضارع المنفي تعاتبه، ومنه كذلك قول مسلم بن الوليد:
هي البدر يغنيها تودد وجهها ... إلى كل مَن لاقت وإن لم تودد
فتودد الأولى مصدر مثبت، وتودد الثانية فعل منفي.
ومنه قول الشاعر:
والصارم المصقول أحسن حالةً ... يوم الوغَى من صارم لم يصقل
فقد اجتمع فيه الاسم المثبت مصقول مع الفعل المنفي لم يصقل، وكذلك منه قول أبي نواس الذي كان يستحسنه ابن دريد:
لا جزا الله دمع عيني خيرًا ... وجزا الله كل خير لساني
نمّ دمعي فلم يكتم شيئًا ... ورأيت اللسان ذا كتمان
فقد التقى فيه الفعل المنفي يكتم، والاسم المثبت كتمان.
وهكذا يتبين لنا أنه ما من صورة يصح ورودها في طباق الإيجاب إلا وجدتَ لها صورة أخرى في طباق السلب، الأمر الذي يعني أن الخطيب حين قصر طباق السلب على الأفعال أو بين الأمر والنهي دون طباق الإيجاب الذي عممه وجعله في الأسماء والأفعال والحروف، حجّر واسعًا ولم يكن مصيبًا، فقد ثبت لنا أن هذا غير دقيق، وأن شواهد العربية حافلة بصور طباق السلب في الأسماء والأفعال والحروف، بل في النوعين المختلفين، كما هي حافلة تمامًا بصور طباق الإيجاب في هذه الأنواع ذاتها.
стр. 324
لذا فقد كان جمهور البلاغيين محقًّا عندما رأى طباق السلب كما يكون بين الفعلين يكون بين الاسمين؛ حيث يثبت الاسم مرة ويُنفى مرة أخرى، وقد يكون بين فعل واسم من مادة واحدة، إحداهما مثبتة والأخرى منفية، كما رأينا في الشواهد التي مرت بنا.
أقسام الطباق باعتبار التضاد والاتفاق في المعاني
والسؤال بعد أن عرفنا أن الطباق هو اجتماع اللفظين المتضادين هو هل يُعد اجتماع المعنيين المتضادين من قبيل الطباق أيضًا؟
السؤال بطريقة أخرى: ما هي أقسام الطباق باعتبار التضاد والاتفاق في المعاني؟ وهل تُعد من قبيل طباق السلب؟
ذهب إلى هذا ابن أبي الإصبع، فقال: ومن شواهد السلب والإيجاب أيضًا قول تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون﴾ (التحريم: ٦)؛ لأنه سلب عن هؤلاء الموصوفين العصيان وأوجب لهم الطاعة، ومن المعروف هنا أن الذي يقابل المعصية هو الطاعة، وهي مستفادة من فعل المأمور به، أي: أن التضاد هنا بين المعاني وحدها دون الألفاظ، غير أن الناظر في الآية يتبين له عدم وجود تضادٍ بين المعنيين؛ لأن المعصية هنا منفية، وفعل المأمور به مثبت، والمؤدَّى واحد من التركيبين فلا تضاد إذن، ولكن الإمام فخر الدين بن الخطيب يقول في هذه الآية: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ﴾ في الحال، ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون﴾ في المستقبل، ومعنى هذا: أن التضاد لا يتم بين معاني التراكيب الموجودة، وإنما يتم بين أشياء خارجة عنها لا تُفهم من التراكيب ولا تدل عليها هذه العبارات والطباق لا يتم إلا بين الألفاظ والمعاني جميعًا، أو بين المعاني وحدها دون الألفاظ، أما ما يتم بين معانٍ لا
стр. 325
تُستفاد من الألفاظ مباشرةً، فلا، ثم إن المستقبل لا يتضاد مع الحال، وإنما الذي يتضاد معه هو الماضي، فمن هنا لم يكن لهذا التأويل وجه مقبول في باب الطباق.
غير أن الخطيب القزويني حينما رفض أن يكون في الآية تضاد ذكر كلام الإمام فخر الدين بن الخطيب ورد عليه بما يصلح أن يكون ردًّا على بن أبي الإصبع وليس على الإمام فخر الدين، قال القزويني: قيل: ومنه قوله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون﴾ (التحريم: ٦) أي: لا يعصون الله في الحال ويفعلون ما يؤمرون في المستقبل، وفيه نظر؛ لأن العصيان يُضاد فعل المأمور به، فكيف يكون الجمع بين نفيه وفعل المأمور به تضادًّا، والذي قال: أن هناك طباقًا بين: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون﴾ هو ابن أبي الإصبع وليس ابن الخطيب.
أما السبكي فكان له رأي آخر، فهو ينظر إلى أصول الكلمات قبل النفي؛ فإن كان بينها تضاد فهي تطابق وإلا فلا، يقول: لا يعنون بالطباق أن يكون مضمون الكلام متضادًّا، بل يعنون أن يكون المذكوران بحيث لو جردَا من النفي والإثبات كانَا في أنفسهما متضادين، فالتضاد هنا بين العصيان وفعل المأمور به، ألا ترى أن المصنف وغيره جعلوا من الطباق قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُود﴾ (الكهف: ١٨) هكذا يقول السبكي، وإن كان تحسبهم أيقاظًا يُفهم أنهم رقود، فيوافق قوله: ﴿وَهُمْ رُقُود﴾ ولا تضاد، كذلك قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاه﴾ (الأنعام: ١٢٢)، لو أخذنا الموت والحياة باعتبار الإسناد لَما كان بينهما تضاد، فإن قوله: "كان ميتًا" يُفهم أنه حي لدلالة كان غالبًا على الانقطاع فهو يوافق أحييناه، وكذلك قوله: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ (المائدة: ٤٤) ليس الطباق بين عدم خشية الناس وخشية الله، فإن الذي بينهما تلازم لا تقابل، بل الطباق بين مطلق خشية الناس وخشية الله.
стр. 326
والذي ذهب إليه السبكي هو في الحقيقة بعيد، فالنظر إلى أصل الكلمات دون نظر إلى النفي والإثبات يهدم طباق السلب من أساسه، والسبكي نفسه يعترف أن مقاييسه التي قررها هنا، لا تنطبق على قول الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (الروم ٦، ٧)، فالنظر إلى أصل الكلمات قبل النفي ينفي أن يكون في الآية الكريمة طباق، وأهل الفن يذهبون إلى أنها من الطباق، والأمثلة التي أوردها وأخذ يؤولها لتتفق مع نظرته، لا يستقيم التأويل فيها، وفي الآية الأولى وهي قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُود﴾ حسبان اليقظة إثبات لها، وإن لم يكن يقينًا فهو إثبات راجح، وفي الآية الثانية قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا﴾ يثبت الموت أولًا ثم يحييه الله تعالى، ولو لم يكن هناك موت لما كان هناك معنى للإحياء، فهما أمران ثابتان يقينًا.
وفي الآية الثالثة: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ نهي عن الخشية من وجه وأمر بها من وجه آخر، واحتساب المتعلق في التعبير ضرورة، والتضاد بين الأمر بالفعل والنهي عنه، واضح في هذه الآية وفي غيرها.
وهكذا يتبين لنا أن ما ذهب إليه السبكي لا يستقيم له ولا يضطرد فيه قياس باعترافه هو.
ومن الواضح في هذا اللون أن المعاني لا تتضاد؛ لأن المعنى المضاد يحوله النفي إلى موافقة المعنى الآخر، ووجود اللفظين المتضادين في التعبير يوهم أن هناك تضادًّا، وما دامت حقائق المعاني لا تتضاد في مثل هذا اللون فلا ينبغي أن يدخل دائرة الطباق؛ لأن الطباق قائم أساسًا على التضاد في الجملة بين الألفاظ والمعاني جميعًا، وهذه قاعدة مهمة، أو بين المعاني وحدها على أقل تقدير، والذي معنا
стр. 327
هنا لا يندرج تحت النوع الأول ولا تحت النوع الثاني، فلماذا يصر السبكي إذن على أن يكون من الطباق؟!
فالذي إذن تستريح إليه النفس، وأنه يمكن أن يكون هذا اللون ملحقًا بالطباق؛ لأن ملمح التضاد فيه قائم على أساس وجود الألفاظ المتضادة في الجملة، والتوسع في هذا النوع جائز؛ لأن الألفاظ التي معنا لا تتضاد حقيقة فالذي يضاد العصيان هو الطاعة وفعل المأمور به قائم مقام الطاعة ومؤد إليها، ولهذا قلنا أن هذا النوع يتوسع فيه كما يتوسع في الطباق.
فليس من الضروري أن تكون الألفاظ التي معنا متضادة على الحقيقة، فكل ما أدى إلى الطباق فهو مقبول، ومما نحن بصدده قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ (الرعد: ٢٠)، فحقيقة المعنى في الجملة المعطوف عليها المثبتة يلتقي ولا يتناقض مع حقيقة المعنى في الجملة المعطوفة، ولكن نظرًا لوجود الألفاظ المتضادة في الجملة من الوفاء بالعهد ونقض الميثاق، فإنها يمكن أن تكون ملحقة بالتضاد.
وفي قول الله تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ﴾ (النجم ٥٩، ٦٠) جمعَ بين تضحكون المثبت وضده تبكون المنفي، ونفي البكاء يجعل المعنى غير متضاد مع الضحك المثبت، ولكن وجود اللفظين المتضادين - ﴿تَضْحَكُونَ﴾ و ﴿تَبْكُونَ﴾ - في الأصل يجعل هذا النوع ملحقًا بالطباق، ولا يصح أن يدخل باب الطباق؛ لأن المعاني غير متضادة في الحقيقة.
هذا كلام مهم في تحديد معالم الطباق كما تشير إليها هذه الآيات والأحاديث التي نحن بصدد الحديث عنها.
стр. 328
في قولهم: من لم يقدمه حزم أخَّره عجز، نجد كذلك أن حقيقة المعنى في الجملة الأولى متفقة مع حقيقة المعنى في الجملة الثانية، ولكن وجود اللفظين المتضادين في الأصل -يقدم ويؤخر- يجعل هذا اللون أيضًا ملحقًا بالطباق، وأيضًا في قول أبي تمام:
ولقد سلوت لو أن دارًا لم تلح ... وعلمتَ لو أن الهوى لم يجهل
لا ترى تضادًّا على الحقيقة بين حلم الشاعر وعدم جهل الهوى، ولكن وجود اللفظتين -علمت ويجهل- وهما متضادان على التوسع يجعل هذا اللون ملحقًا بالطباق، وفي قول أبي تمام:
ولقد سلوت لو أن دارًا لم تلح ... وعلمت لو أن الهوى لم يجهل
لا ترى تضادًّا على الحقيقة بين حلم الشاعر وعدم جهل الهوى، ولكن وجود اللفظين -علمت ويجهل- وهما متضادان على التوسع، يجعل هذا اللون ملحقًا بالطباق وإن لم يكن منه، وفي قول عبد الرحمن بن حسان:
ذُممت ولم تُحمد وأدركت حاجتي ... تولى سواكم شكرها واصطناعها
لا ترى تضادًّا بين ذُممت المثبتة ولم تحمد المنفية، والذي بين المعنيين هو الاتفاق لا التضاد، ولكن اجتماع ذُممت وتُحمد في البيت يجعل هذا النوع ملحقًا بالطباق، وربما كان هذا هو ما ألمح إليه حازم القرطاجني حينما قال: قد يوجد في الكلام ما صورته صورة الطباق وليس بمطابقة من جهة المعنى كقول قيس بن الخطيم:
وإني لأغنى الناس عن متكلَّفٍ ... يرى الناس ضُلالًا وليس بمهتدي
فضلالًا المثبت لا يتضاد في المعنى مع المهتدي المنفي، ولو اتحد إثباتًا أو نفيًا لتضاد المعنيان، ومن هنا قال: إن صورته صورة الطباق وليس بمطابقة، وهذا ما سوغ لنا إلحاقه بالطباق.
هذا إذا كان المعنيان المتضادان مختلفين، أما إذا اجتمع المعنيان المتضادان كان جميعًا منفيين فقد ذهب ابن أبي الإصبع إلى أن هذه الصورة من طباق السلب حيث يقول: طباق السلب هو أن يأتي المتكلم بجملتين أو كلمتين إحداهما موجبة والأخرى منفية، قد تكون الكلمتان منفيتين، ومثَّل لذلك بقول الفرزدق:
стр. 329
لعن الإله بني كليب إنهم ... لا يغدرون ولا يَفون لجار
يستيقظون إلى نهيق حمارهم ... وتنام أعينهم عن الأوتار
وفي هذا المقام جمع الشاعر بين كلمتين متضادين "يغدرون ويفون"، وكلاهما منفي، ولا يؤثر في المعنى عنده أن الغدر المنفي غدر مطلق وأن الوفاء المنفي وفاء مقيد، وأوضح منه ذلك الباب الذي عقده ابن فارس في كتابه (الصاحبي) بعنوان: باب نفي الشيء جملةً من أجل عدم كمال صفته، قال فيه: قال الله في صفة أهل النار: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا﴾ (طه: ٧٤)، فنفى عنه الموت؛ لأنه ليس بموت مريح، ونفى عنه الحياة؛ لأنها ليست بحياة طيبة ولا نافعة، وهذا في كلام العرب كثير. ومنه قول الشاعر:
من كل بلهاء سقوط البرقع ... بيضاء لم تُحفظ ولم تُضيع
فالضدان هنا منتفيان معًا؛ لأن الصفة ليست مكتملة، قريب من ذلك الباب الآخر الذي سماه: باب نفي في ضمنه إثبات، ومثله قوله تعالى: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّة﴾ (النور: ٣٥) قال أبو عبيدة: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ﴾ تضحى للشرق، ﴿وَلَا غَرْبِيَّة﴾ تضحى للغرب، ولكنها شرقية غربية يصيبها ذا وذا الشرق والغرب، ومنه قول الشاعر:
وأنت مسيخ كلحم الحمار ... فلا أنت حلو ولا أنت مر
حيث جمع بين الحلاوة والمرارة، ونفاهما معًا؛ يعني أن فيه ذا وذا.
ومؤدَّى ما سبق في طباق التضاد هو أن الطباق على نحو ما يكون بين الألفاظ المتضادة، يكون بين المعاني المتضادة، كأن يجتمع معنيان متضادان ويكون أحدهما مثبتًا والآخر منفيًّا كقوله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون﴾ (التحريم: ٦) لأن الذي يقابل المعصية الطاعة، وهي مستفادة من فعل
стр. 330
المأمور به، أو يكونَا منفيين كما في قوله تعالى: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا﴾ (طه: ٧٤) فنفى عنه الموت كما قلنا؛ لأنه ليس بموت مريح ونفى عنه الحياة؛ لأنها ليست بحياة طيبة ولا نافعة.
هذا كله يدخل في الحقيقة في طباق السلب؛ لأن المعاني المجتمعة متضادة، وهي في الوقت نفسه منفية، فسواء دخل النفي أحد الضدين أو دخلهما معًا فهو من طباق السلب، وقد سبق أن ذكرنا ترجيح رأي الجمهور الذي يرى أن طباق السلب شأنه شأن طباق الإيجاب، كما يكون بين الفعلين يكون بين الاسمين، حيث يُثبت الاسم مرةً ويُنفى مرةً أخرى، وقد يكون بين فعل واسم من مادة واحدة، إحداهما مثبتة والأخرى منفية كما رأينا في الشواهد.
على أننا فيما مضى أشرنا إلى صورة واحدة مما يُلحق بالطباق، وهي تلك التي افتقدت التضاد في المعنى.
وهناك فيما يُلحق بالتضاد صورتان أخريان:
الأولى: أن يُفتقد التضاد في اللفظ والمعنى جميعًا في الكلمات المذكورة، ولكن يكون هناك نوع تعلق بين إحداهما وما يُضاد الأخرى، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُم﴾ (الفتح: ٢٩)، فالمذكور هنا الشدة والرحمة، وهما لا يتضادان لا لفظًا ولا معنًى، ولكن الرحمة تتعلق بما يُضاد الشدة، وهو اللين تعلقٌ سببي، فالرحمة مسببة عن اللين، واختيرت الرحمة على اللين؛ لأنها محببة إلى النفوس، والمرء يتعلق بها ويرجوها دائمًا، أما اللين فإنه يُوحي بالضعف والرخاوة، وهذا أمر مستكره في المسلم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾ (التوبة: ٥٠) فالذي معنا هنا الحسنة والمصيبة، ومن الواضح أنهما لا
стр. 331
يتضادان، فالذي يُضاد الحسنة هو السيئة وليست السيئة هي المصيبة، ولكنها أعم منها، فالسيئات قد تكون مصائب وكوارث تصيب الإنسان في نفسه وماله وبنيه، وقد لا تكون كذلك، ولكن إذا لم تكن المصيبة مضادة للسيئة، فإن بينها وبين ما يضادها -وهو الحسنة- علاقة عموم وخصوص.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِه﴾ (القصص: ٧٣) وهذه الآية وإن كانت من المقابلة فلا بأسَ من النظر فيما بين السكون وابتغاء الفضل؛ لأنه مما نحن فيه، إننا نرى هنا في الآية تضادًّا ظاهرًا واضحًا بين الليل والنهار، ولكنه ذُكر بعدهما على طريق اللف والنشر: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِه﴾، ولا نجد بين السكون وابتغاء الفضل تضادًّا لا في الظاهر ولا في الباطن، الذي يُضاد السكون هو الحركة، ولكن إذا افتقدنا التضامن بينهما فإننا نجد علاقة سببية بين الحركة وبين ابتغاء الفضل، فابتغاء الفضل مسبب عن الحركة، والعدول عن لفظ الحركة إلى لفظ ابتغاء الفضل؛ لأن الحركة ضربان: حركة لمصلحة وحركة لمفسدة، والمراد الأولى لا الثانية.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوه﴾ (المجادلة: ٦) فالذي معنا: ﴿أَحْصَاهُ﴾ ﴿وَنَسُوه﴾، ولا تضاد بينهما لا في اللفظ ولا في المعنى، فإنما يُضاد النسيان هو التذكر، والإحصاء لا يكون إلا عن تذكر تام، فالذي ينسى لا يحصي، إذ لا سبيل له إلى ذلك، أما الله فلا يضل ولا ينسى، ومن هنا جاءت العلاقة بين الإحصاء والتذكر أو بين الإحصاء وعدم النسيان، والأفضل أن يكون مقابل النسيان هو عدم نسيان وليس التذكر، ذلك أن التذكر عادةً لا يكون إلا بعد نسيان -ومعاذ الله أن يلحقه نسيان- فالعلاقة هنا بين الإحصاء وعدم النسيان.
стр. 332
ومن ذلك قول الشاعر:
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومِن إساءة أهل السوء إحسانا
ففي الشطر الثاني طباق ظاهر بين الإساءة والإحسان، ولكن في الشطر الأول نجد الظلم والمغفرة وهما لا يتضادان، فالذي يُضاد الظلم هو العدل أو الإنصاف، ولما كانت المغفرة تجاوزًا عن المجاوزة أو الرد على الظلم كانت قريبة من العدل؛ لأن المجازاة الصحيحة يجب أن تكون مساوية للظلم الواقع عليك، فإذا تجاوز الجزاء مقدار الظلم لم يكن عدلًا وإنما يكون ظلمًا وعدوانًا، ومن هنا اشترطت المثلية في الرد على العدوان في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُم﴾ (البقرة: ١٩٤) وإذا لم يستطِعْ الإنسان أن يزن الرد بميزان دقيق بحيث لا يتجاوز الظلم الواقع عليه، فيقع في العدوان، فأولى به أن يغفر، ومن هنا كانت المغفرة أقرب إلى العدل فألحقت بالطباق. ومن ذلك أيضًا قول بن المعتز: "طلاق الدنيا مهر الجنة".
فالذي معنا هنا هو الطلاق والمهر، ولا تضاد بينهما، والذي يُضاد الطلاق هو الزواج، ولكن لما كان الزواج لا يتم بدون مهر كان ذلك قريبًا مما يُضاد الطلاق، فألحق بالباطن.
والصورة الثانية التي تلحق بالطباق: هي إيهام التضاد، وهو الجمع بين لفظين يتضادان في ظاهرهما ولكن معنيهما غير متضادة؛ لأنها لم تُستخدم في حقائقها ولم تُنقل إلى معانٍ متضادة للمجاز، فالتضاد هنا تضاد ظاهري فقط، فالطباق لا يقوم على التضاد في ظاهر الألفاظ وإنما يقوم على التضاد في المعاني، ومن ذلك قول مسلم بن الوليد:
مستعبر يبكي على دُمنة ... ورأسه يضحك فيها المشيب
стр. 333
فالذي معنا هنا كلمة يبكي وكلمة يضحك، وهما لفظان متضادان من حيث الظاهر، ولو كان المقصود بهما حقائقهما لكان ذلك من الطباق الظاهر، ولكن فعل يبكي هنا هو فقط المستعمل في معناه الحقيقي أما يضحك فلا؛ لأنه عُني به ظهور الشيب في شعر الرأس، ولا تضاد بين البكاء وظهور الشيب في الرأس، ولكن لما عبر عن هذين المعنيين غير المتضادين بلفظين يتضادان في حقائقهما، كان ذلك لاحقًا بالطباق، ولم يكن طباقًا، ومن ذلك قول البحتري في بِركة المتوكل:
فحاجب الشمس أحيانًا يضاحكها ... طريق الغيث أحيانًا يباكيها
فالذي معنا هنا يضاحكها ويباكيها، وهما متضادان من حيث الظاهر ولكن لا تضاد على الإطلاق بين مضاحكة حاجب الشمس لبركة المتوكل، وبين مباكاة الغيث لها، فاللفظان هنا مجازيان معًا، ولكن تتضاد المعاني الحقيقية لهما؛ ولهذا ألحقا بالطباق كسابقه.
والجمع بين الضحك والبكاء على المجاز فيهما أو في أحدهما كثيرٌ في الشعر العربي، خذ مثلًا قول الشاعر:
جن النبات في ذراها وزكا ... وضحك المزن به حتى بكى
وقول الراضي القرطبي:
ضحك المشيب برأسه ... فبكى بأعين رأسه
وقول دعبل وهو علَم في هذا الباب:
لا تعجبي يا سلمُ من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى
وقول الحسين بن المطير:
كل يوم بأقحوان جديد ... تضحك الأرض من بكاء السماء
стр. 334
والضحك والبكاء في كل هذه الصور لم يُعبَّر بهما عن المعاني الحقيقة المتضادة وإن كان في ظاهر الألفاظ تضاد، ومن هنا أطلق على ما كان من هذا القبيل إيهام تضاد وألحق بالطباق، وليس الأمر كذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾، فإن هذا من قبيل الطباق؛ لأنهما متضادان لفظًا ومعنًى، ومن ذلك أيضًا قول علي ﵁ في الأشعث بن قيس: "وهذا أبوه كان ينسج الشمال باليمين".
والذي معنا هنا هو الشمال واليمين، والأسبق إلى الذهن أنهما لفظان متضادان ولكن حينما تتبين المعنى على هذا الأساس تجده بعيدًا؛ لأن اليد الشمال لا تنسجها اليمين، ولكن إذا دققت النظر رأيتَ أن المقصود بالشمال لا بد أن يكون ممن ينسج، والشمال التي تنسج هي التي مفردها شملة، وهي ما يضعها الإنسان على كتفيه أحيانًا، ويلفه على رأسه أحيانًا أخرى، يستدفئ بها في الشتاء ويتزين، وما زالت هذه العادة معروفة إلى الآن في بعض ريف مصر.
ولا تضاد بين الشمال التي تنسج وبين اليمين بحال، وإنما ظاهر الألفاظ هو الذي يُوهم ذلك، ومما هو قريب من ذلك قول بعضهم لآخر وقد طُلب منه دينه فأنكر وحلف: طلبت منه اليسار فأعطاني اليمين.
فالجمع بين اليسار واليمين هنا يوهم أن هذا من قبيل التضاد، ولكنه في الحقيقة ليس كذلك؛ لأن اليسار هنا المقصود منه الغنى والذي دل على ذلك هو ذكر طلب الدين، والمقصود باليمين هو القسم والذي دل ذلك هو ذكر الحلف، ولولا ذكر هذه المناسبة ما فهمنا منهما هذين المعنيين، ولا تضاد بين الغنى وبين الحلف حتى يكون بينهما طباق، ولكن ظاهر الألفاظ هنا يوهم التضاد.
فالذي يُلحق بالطباق على هذا ثلاثة أنواع وليس اثنين كما ذكر كثير من البلاغيين:
стр. 335
الأول: أن يجتمع اللفظان المتضادان وأحدهما مثبت والآخر منفي، فلا تضاد بين معنييهما في الحقيقة كما في قوله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون﴾ (التحريم: ٦)، فالمعصية منفية وفعل المأمور به مثبت، والمؤدَّى واحد فلا تضاد إلا على تأويل، لا يعصون الله في الحال ويفعلون ما يؤمرون في المستقبل.
الثاني: أن يجتمع اللفظان اللذان يتضاد معنياهما الحقيقيان في أصل الوطء ولكن يعبر بهما عن معان غير متضادة، ويكون هذا بالمجاز تارة وبالتورية تارة أخرى في أحد اللفظين، أو فيهما معًا، ومثاله كما ذكرنا قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ (الأنعام: ١٢٢)، فإنه بالنظر إلى كونه كان ميتًا يُفهم أنه حي فهو يوافق أحييناه، والحق أنه أثبت الموت أولًا، ثم الإحياء فيما بعد، وهما على أي حال مجازان.
الثالث: أن يجتمع اللفظان وليس بينهما تضاد لا في اللفظ ولا في المعنى، ولكن بين أحدهما وما يُضاد الآخر نوع تعلق كما في قوله تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُم﴾ (الفتح: ٢٩)، فالمذكور -كما قلنا- الشدة والرحمة، وهما لا يتضادان لا لفظًا ولا معنًى، ولكن الرحمة تتعلق بما يُضاد الشدة وهي اللين تعلق سببي.
ولنتساءل الآن: لِمَ كان نوع الطباق في قوله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون﴾ موضعَ نزاع بين علماء البلاغة؟ وما وجه ذلك النزاع؟ وما السبب فيه؟ مع ذكر مثالين توضح من خلالهما مرادَ البلاغيين بما هو ملحق من التضاد بالطباق.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 336
الدرس: ١٦ الطباق (٣) .
стр. 337
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السادس عشر
(الطباق (٣))
أقسام الطباق باعتبار الظهور والخفاء
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ثم أما بعد:
القسم الثاني من أقسام الطباق:
الطباق باعتبار الظهور والخفاء:
كما سبق أن ذكرنا فإن الطباق يقوم على التضاد بين الألفاظ والمعاني جميعًا، أو المعاني وحدها على الأقل، وعليه فإن الطباق إذا افتقد التضاد في المعنى بأن كان أحد اللفظين المتضادين مثبتًا والآخر منفيًّا، أو تضاد معناهما لكن عُبر بهما عن معانٍ غير متضادة، أو لم يكن بينهما تضاد لا في اللفظ ولا في المعنى، ولكن كان لأحدهما بما يُضاد الآخر نوع تعلق؛ فإنه لا يكون طباقًا ولكن يكون ملحقًا بالطباق، وتلك هي صور الملحقات بالطباق.
ويُعد، كل ما سبق إلى الآن أحد قسمي الطباق الأساسيين، أما القسم الثاني للطباق فهو باعتبار الظهور والخفاء.
ونقول ونكرر: أن التقسيم ليس هدفًا في حد ذاته، وإنما هو فقط لضبط الأصول والقواعد التي ينبني عليها قواعد الطباق؛ لمعرفة ما يندرج تحت هذا اللون وما لا يندرج.
ينقسم الطباق باعتبار الظهور والخفاء إلى ظاهر -وقد مر الحديث عنه- وخفي وقد اكتفى الخطيب بهذا الاسم، وذكر للطباق الخفي شاهدين كما في قوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ (نوح: ٢٥)، وذكر أن الطباق هنا بين: ﴿أُغْرِقُوا﴾ و"أدخلوا نارًا". وفي قول أبي تمام:
مها الوحش إلا أن هاتَا أوانس ... قنا الخط إلا أن تلك ذوابل
قال: طابق بين هاتا وتلك.
стр. 338
ولم يبين الخطيب لهذا التقسيم مقياسًا دقيقًا يمكن الاهتداء به ولم يبين كذلك وجه الخفاء في أيٍّ من المثالين، والآية الكريمة سبق أن تعرض لها أسامة بن منقذ في بديعه حيث قال: وأخفى تطبيق في القرآن الكريم هو قوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾، ولم يزد على ذلك شيئًا، وأما بيت أبي تمام فقد تعرض له القاضي الجرجاني في وساطته حيث يقول: ومن أغرب ألفاظه وألطف ما وُجد منه قول أبي تمام "مها الوحش" ثم ذكر البيت، وطابق بهاتا وتلك، وأحدهما للحاضر والآخر للغائب، فكانا نقيضين في المعنى والمنزلة الضدين، ولعله أراد أن أحدهما للقريب والآخر للبعيد، فعد القريب حاضرًا والبعيد غائبًا، وممن لمح خفاء الطباق من القدماء ابن رشيق حيث يقول: وعدَّ ابن المعتز من المطابقة قول الله : ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاة﴾ (البقرة: ١٧٩)، لأن معناه القتل أنفى للقتل، فصار القتل سبب الحياة وهذا من أملح الطباق وأخفاه.
خفاء الطباق إذن ليس جديدًا، وإنما هو ضارب في أعماق القدم، وهو راجع إلى أن ملمح التضاد فيه ليس واضحًا، إن المعاني المتضادة إذا ظهرت في الألفاظ المتضادة كان الطباق فيها سهل الإدراك، كما تلمحه بين الليل والنهار، والبياض والسواد، والأول والآخر، والظاهر والباطن، والصدق والكذب والموت والحياة، وما شاكل ذلك، ولكن المعاني المتضادة قد لا تظهر في الألفاظ في قول الله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ لا ترى تضادًّا ظاهرًا بين: ﴿أُغْرِقُوا﴾ و"أدخلوا نارًا"؛ لأن الذي معنا هنا جملتان كاملتان وليستا مفردين، والمعاني المتضادة الخفية هنا مأخوذة من التراكيب، وليس من المفردات، فلا تستطيع أن تقول: أن بين أغرق وأدخل أي نوع من أنواع التضاد لا ظاهرًا ولا خفيًّا، ولكن إذا نظرت إلى التركيبين نظرة تأمل، لمحت بينهما نوعًا من التضاد؛ لأنه لولا تعلق الفعلين بمفعوليهما لما تحقق بينهما تقابل، فإن الغرق يستلزم الماء
стр. 339
المشتمل على البرودة غالبًا، والنار مشتملة على الحرارة، والحرارة والبرودة متقابلان.
والطباق الموجود بين "هاتا وتلك" في بيت أبي تمام وإن كانا واقعًا بين مفردين، إلا أنه لا تضاد بين لفظين، ولكن التضاد بين القرب المدلول عليه باسم الإشارة "هاتا" وبين البعد المدلول عليه باسم الإشارة "تلك"، وكذلك لا ترى تضادًّا ظاهرًا بين القصاص والحياة، وإنما التضاد بين الحياة والموت.
ولكن لما كان القصاص هنا يؤدي إلى الموت؛ ولأن القصاص الذي ورد في آية البقرة قصاص قتل وليس قصاص جراح، كان هناك طباق نفي بين القصاص والحياة، ومن الطباق الخفي ما ذكره ابن أبي الإصبع في قوله: فقد يقع في الطباق ما هو معنوي كقوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ * قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ (يس ١٥، ١٦) إذ معناه: ربنا يعلم إنا لصادقون، فالرد على مكذبيهم بأسلوب القصر: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ بقولهم: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ ينقض التهمة من أساسها، ويقوضها؛ لأن أساس الرسالة الأول هو الصدق، فإثبات الرسالة لإنسان يعني إثبات الصدق له، فالرسالة والصدق أمران متلازمان، ومن هنا فُهم معنى الصدق من قولهم: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾.
ومن الطباق الخفي قول الأبيرد الرياحي يرثي أخاه بريدًا:
سلكت سبيل العالمين وما له ... وراء الذي لاقيت معديٌّ ولا قَصر
قال اليزيدي: معدي يعني متقدم، وقصر يعني متأخر، ومعنى هذا أن بين معني معدي وقصر تضادًّا وإن كان هذا التضاد غير ظاهر، فليس كل إنسان قادرًا على إدراك هذا التضاد هنا، فانظر إلى قول سلامة بن جندل:
стр. 340
كنا إذا ما أتانا صارخ فزع ... كان الصراخ له قرع الظنابيب
الظنابيب: جمع ظنبوب وهو ظاهر الساق أو عَظْمه، فالمعنى الواضح القريب هنا أن بين صارخ وصراخ جناسًا "اشتقاق"، ولكن مع هذا فإنك لو أمعنتَ النظر تجد أن معنى صارخ هنا يدل على معنى يتضاد مع معنى صراخ؛ ذلك أن معنى البيت: كنا إذا ما أتانا مستغيث فزعًا، أسرعنا في إجابته، قال ابن منظور: ويُقال: عنَى بذلك سرعة الإجابة، وجعل قرع الصوت على ساق الخف في زجر الفرس قرعًا للظنبوب، وقيل: قرع الظنبوب أن يقرع الرجل ظنبوب راحلته بعصاه إذا أناخها؛ ليركبها ركوب المسرع إلى الشيء، والصارخ إذن هو طالب الإغاثة، والصراخ هو الإسراع في إغاثته، وإجابة ندائه، فبينهما طباق معنوي لا يتبينه الناظر بيسر وسهولة.
ومن ذلك قول الفرزدق:
فلما رأى الحجاج جرد سيفه ... أصر الحروري الذي كان أضمرا
فالذي يبدو أن الذي بين أصر وأضمرا هنا ترادفًا، ولكن الحقيقة أن بينهما طباقًا خفيًّا؛ لأنه ليس معنى أصر هنا أخفى أو أضمر، وإنما معناه أعلن، وهذا من الأضداد، وبهذا يكون بين معنيي الكلمتين تضاد، ولكنه تضاد لا يظهر لصاحب النظرة العجلى.
ومن أخفى الطباق قول الصاحب في وصف أخوين أحدهما مليح والآخر قبيح -يحيى أحد الأخوين-:
يحيى حكى المحيا ولكن ... له أخ حكى وجه أبي يحيا
فأبوا يحيى كناية عن ملك الموت، والمحيا يعني به الحياة، ووجه أبي يحيى الذي يُكنى به عن ملك الموت يُفهم منه الموت؛ لأنه ملازم له، ومتى حضر ملك
стр. 341
الموت فقد حضر الموت معه، ومن هنا حدث تضاد خفي بين المحيا وبين أبي يحيى، وهذا التضاد خفيٌّ جدًّا؛ لأنه لا يُتبين إلا بعد كدّ الذهن وإنعام النظر، ومن الطباق الخفي ما جاء في قوله ﷺ : ((لا تقوم الساعة حتى يظهر الفُحش والبخل، ويخوّن الأمين ويؤتمن الخائن، وتهلك الوعول وتظهر التحوت، قالوا: يا رسول الله، وما الوعول؟ وما التحوت؟ قال: الوعول وجوه الناس وأشرافهم، والتحوت: الذين كانوا تحت أقدام الناس لا يُعلم بهم)).
وقد وضح هنا بعد تفسير الرسول ﷺ لكلمتي وعول وتحوت أن بين معنييهما تضادًّا، ولم يكن أصحابه -رضوان الله عليهم- وهم من هم فصاحة يعلمون معنى الكلمتين، ولم يعرفوا تبعًا لذلك إن كان بين معنييهما تضاد في المعنى أم لا.
وتقسيم الطباق إلى ظاهر وخفي هو المعروف المشهور المتداول، إلا أن محمد بن علي الجرجاني -معاصر القزويني- ثلَّث القسمة، فجعل المطابقة إما ظاهرة وإما خفية وإما تقع في مكانة بين الظهور والخفاء، وحصر المطابقة الظاهرة في طباق السلب وطباق التدبيج -كما سنذكره- وجعل الخفيَّ في ملزوم التقابل كما في قوله تعالى: ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ وكالتقابل بين السماء والأرض؛ لتعلقهما بطرفين متقابلين وهما فوق وتحت، كما جعلها في تقابل لازم آخر غيرهما كما في قوله: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُم﴾ (الفتح: ٢٩).
أما النوع الأخير فقد خرج من الطباق، وألحق به مجرد إلحاق عند شراح التلخيص، والعجيب في هذه القسمة أن يكون الطباق بين السماء والأرض طباقًا خفيًّا؛ ذلك أن التضاد بينهما حتى وإن كان في الأصل رجعًا إلى جهتي فوق وتحت، فإنه يكاد يتساوى في الخطور بالذهن مع التطابق بين هاتين الجهتين شأنَ كثير من المجازات التي أخذت صِبغة الحقائق ونُسيت أصولها الأولى، والمرجح في
стр. 342
التفرقة بين الطباق الظاهر والخفي، هو إن كان التضاد بين الألفاظ والمعاني جميعًا فهو الطباق الظاهر، وهذا لا يتم إلا في التضاد القائم بين المفردات: كالفرح والحزن، والغنى والفقر، والمدح والذم، والقرب والبعد، والأمن والخوف، والظلام والنور، والحب والبغض، وهكذا، وهذا باب يُكتفى فيه بظهور التضاد بين المفردات لفظًا ومعنًى، ولا يتطلب التدقيق في معرفة الفرق بين معاني المفردات والوصول إلى ما يُضادها على الحقيقة.
والفرح يمكن أن يُلمح للتضاد بينه وبين الحزن وبينه وبين الغم بدرجة واحدة، أو بدرجة متقاربة، والغِنى والفقر يمكن أن تضع بدلًا منهما اليسار والفقر، والمدح والذم يمكن أن تضع بدلًا منهما المدح والهجاء أو المدح والقدح وهكذا، والقضية في إيثار مضاد على مضاد قضية استعمال، فالأديب حينما يؤثر أحد اللفظين على الآخر فإنما ليصل إلى كمال المعنى، ولكن التضاد يبقى قائمًا مع هذا اللفظ أو ذاك حتى وإن كان أحد اللفظين أقرب إلى الذهن عند ذكر المضاد من صاحبه.
ومن العجيب أن يقبل ابن رشيق المطابقة في قول المتبني:
فالسلم تكسر من جناحي ماله ... بنواله ما تكسر الهيجاء
لأن المراد بالهيجاء الحرب، وهي اسم من أسمائها، فكأنه قال الحرب، فأتى بضد السلم حقيقة، ويرفض الطباق بين الجمال والقبح في قول آخر:
وجهه غاية الجمال ولكن ... فعله غاية لكل قبيح
لأن القبح ليس ضد الجمال وإنما ضده الدمامة، والقبح ضده الحسن، وابن رشيق ليس من الذين يلتزمون التضاد الحقيقي بين الألفاظ على الطريقة التي اتبعها أبو هلال العسكري في كتابه (الفروق في اللغة)، مأتسيًا في ذلك بالجاحظ في بعض كتبه، وبالرماني في تفسيره، ذكر ابن رشيق قول زهير:
стр. 343
إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا ... أصبت حليمًا أو أصابك جاهل
وقال: لما وجده خلافًا له طابق بينهما كما يُفعل بالضد وإن كان الخلاف مقصرًا عن رتبة الضد في المباعدة، والناس متفقون على أن جميع المخلوقات مخالف وموافق ومضاد، فمتى وقع الخلاف في باب المطابقة فإنما هو على معنى المسامحة وطرح الكُلفة والمشقة.
هذا هو مقياس التطابق الظاهر وهو مقياس يتسع لطباق السلب وطباق الكلمات المتناقضة والمتضادة بل والمخالفة أيضًا متى لُمح التضاد بينهما قريبًا لا يحتاج إلى تأويل؛ لأن الأمر مبني على المسامحة وطرح الكلفة والمشقة على حد تعبير ابن رشيق.
أما إذا فقد التضاد بين الألفاظ وبقي بين المعاني وحدها فهذا هو الطباق الخفي، يستوي في ذلك أن تُستفاد المعاني المتضادة من لفظين مفردين أو من تركيبين أو من لفظ مفرد وتركيب، والطباق في المعاني وحدها المستفادة من الألفاظ المفردة كالطباق بين قِصاص وحياة في الآية الكريمة، وبين وعول وتحوت في حديث النبي ﷺ وبين هاتا وتلك في بيت أبي تمام، وبين معدي وقصر في بيت الأبيرد، وبين صارخ وصراخ في بيت ابن جندل، والطباق الحادث بين المعاني المفردة وحدها المستفادة من التراكيب كثير كسابقه، والطباق بين: ﴿أُغْرِقُوا﴾ و"أدخلوا نارًا"، ومثله كذلك قول بعضهم:
فإن تقتلوني في الحديد فإنني ... قتلت أخاكم مطلقًا لم يكبّل
حيث طابق بين قوله: فإن تقتلوني في الحديد، ويعني به فإن تقتلوني مكبلًا، وبين: قتلت أخاكم لم يُكبل، فلا تضاد في الألفاظ المفردة هنا ولكن التضاد بين التراكيب، والطباق بين المعاني المستفادة من لفظ مفرد وتركيب كقول المقنع الكندي:
стр. 344
لهم جل مالي إن تتابع لي غنًى ... وإن قلّ مالي لم أكفهم رفدًا
فقوله: تتابع لي غنًى، هو بمعنى قوله: كثر مالي، فالتطابق هنا حدث بين معنيي قل وكثر، بغض النظر عن ذكر الفاعل؛ لأنه لا يؤثر في تضاد المعاني شيئًا، وقل منصوصٌ عليها، وكثر استفيدت من قوله: تتابع لي غنًى، وهكذا يستقيم لنا الطباق الخفي بين المفردات أو بين التراكيب، أو مما بينهما على حدٍّ سواء.
إلا أن ابن الأثير يرى أن المقابلة في المعنى دون اللفظ في التراكيب وحدها؛ لأن حقيقة الأضداد اللفظية إنما هي في المفردات من الألفاظ نحو: قام وقعد، وقل وكثر، فإن القيام ضد القعود والحل ضد العقد والقليل ضد الكثير، فإذا تُرك المفرد من الألفاظ وتوصل إلى مقابلة بلفظ مركب كان ذلك مقابلة معنوية لا لفظية، بل إن أمر الطباق الخفي لا يتوقف عند المفردات وحدها أو التراكيب وحدها، أو المفردات والتراكيب معًا، بل إنه ليتجاوز هذا كله إلى الحروف والظروف، حيث نلمح فيه أيضًا طباقًا ظاهرًا أو طباقًا خفيًّا، فالتضاد بين فوق وتحت طباق واضح جلي مثلًا، وكذلك بين قدام ووراء وأمام وخلف وقبل وبعد، وهو واضح كذلك بين "من" إذا كان معناها الابتداء الزماني أو المكاني وبين "إلى" إذا كان معناها الانتهاء الزماني أو المكاني أيضًا.
وهو كذلك واضح بين اللام التي يُستفاد منها النفع استفادة واضحة وبين "على" التي يُستفاد منها الضر استفادة ظاهرة كذلك، ولكن إذا قرأتَ قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُون﴾ (يس: ٩) لوجدتَ أن الآية الكريمة وضعت: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ في مقابلة: ﴿مِنْ خَلْفِهِمْ﴾، ولا تضاد بينهما على الحقيقة، وإنما التضاد الحقيقي بين من أمامهم ومن خلفهم، ولكن الذي آثره النظم الكريم يفيد التضاد، ويزيد على الضد الحقيقي في المعنى، ولهذا أوثر عليه، ومن هنا كان التضاد في هذا المقام خفيًّا،
стр. 345
كان هذا الاستعمال من الطباق الخفي، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ (الأحزاب: ١٠) فالذي يُضاد فوق هو تحت، ولكن الاستعمال القرآني آثَر عليه أسفل وهو لا يُضاد فوق على الحقيقة، ولكنه يُلمَح فيه معنى التضاد، ومن هنا كان من الطباق الخفي.
ومن الطباق الخفي ما ذهب إليه بعضهم من أن مِن تفيد الانتهاء كما تفيد الابتداء، ومثلوا له بقول بعضهم: رأيت الهلال من داري خلال السحاب.
وكما يأتي الطباق ويتحقق بين الفعل المبني للمعلوم وقرينه، يأتي كذلك بين الفعل المبني للمعلوم والفعل المبني للمجهول في جملة واحدة، ففي قول الله تعالى مثلًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ (التوبة: ١١١) نجد أن الفعل يقتل أُسند مرة إلى الفاعل، وجاءت واو الجماعة فاعلًا له، وأُسند مرة أخرى إلى المفعول وجاءت واو الجماعة نائب فاعل له، أي: أن القتل يقع مرة منه ويقع مرة عليه، وهما معنيان متضادان، ومن هنا صح أن تكون هذه الصورة من صور الطباق.
ومثل ذلك في الفعل المنفي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٢٧٩)، فالفعل: ﴿تَظْلِمُونَ﴾ المنفي وقع مرة مبنيًّا للفاعل وفاعله واو الجماعة، وجاء مرة أخرى مبنيًّا للمفعول ونائب فاعله واو الجماعة نفسه، وهذان أمران متضادان يصح الطباق بينهما في الفعل المنفي كما صح في الفعل المثبت، ولا يبعد أن يكون في عداد ما سبق قول الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (البقرة: ٢٦٩)، فالفعل مرةً جاء مبنيًّا للمفعول
стр. 346
في قوله: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ﴾ ونائب الفعل هنا ليس هو الفاعل للفعل في صورته الأولى، وهذا هو الفرق بين هذه الصورة وبين الصورتين الماضيتين، وهو فرق كبير، ولكن إذا لم تكن صريحة في التضاد كما فيما قبلها، فإنها قريبة منهما وشبيهة بهما.
ومن ذلك ما روته أم سلمة ﵂ من أن النبي ﷺ كان إذا خرج من بيته، قال: ((بسم الله، توكلت على الله، اللهم إني أعوذ بك من أن أذل أو أُذل، أو أضل أو أُضل ... )) فالأفعال: ((أذل))، ((أضل))، ((أظلم))، جاء مرة مرة مبنية للفاعل وفاعله الضمير العائد إلى النبي ﷺ وهذا مما يعم فيه الخطاب، وفي الصورة الثانية جاء مبنيًّا للمفعول ونائب الفاعل نفسُ الضمير المستتر السابق، والأمر كذلك في الفعل: ((أجهل))، غير أن هناك فرقًا بينه وبين سابقيه، فالفعل: ((أظلم)) و ((أذل)) ... إلى آخره، أفعال متعدية بينما الفعل ((أجهل)) فعل لازم، ولأن الأول تعدت بنفسها؛ لأنه يُصاغ منها المبني للمفعول مباشرة بلا واسطة، ولأن الثاني لازم هو ((أجهل))؛ لأنه يُصاغ منه المبني للمفعول بواسطة حرف الجر، ولكن هذا الفرق لا أثرَ له في تحقق التضاد بين الصورتين.
ومن ذلك ما جاء في (عيون الأخبار) من أن المغيرة بن شعبة ذكر عمر بن الخطاب فقال: كان أفضل من أن يُخدع، وأعقل من أن يَخدع"، فالفعل المضارع يخدع جاء في المرة الأولى مبنيًّا للمعلوم وجاء في المرة الثانية مبنيًّا للمجهول، والمسند إليه في الحالين واحد، وهو الضمير المستتر العائد إلى عمر بن الخطاب ﵁ وفي الثانية ينفي أن يقع فعل الخداع عليه؛ لأنه أفضلُ وأعقلُ من أن يقع منه ذلك، ولا ريبَ أن المعنيين متضادان، ومن هنا يمكن أن تدخل هذه الصورة دائرة الطباق.
стр. 347
والشواهد على اجتماع صورتين للفعل الواحد إحداهما يُبنى الفعل فيها للمعلوم والأخرى للمجهول أكثر من أن تحصى، وفي هذا النوع يتحقق التضاد بين الصورتين ويدخل باب الطباق، ونختم هذه النماذج بقول شوقي:
يا طَيرُ وَالأَمثالُ تُضـ ... رَبُ لِلَّبيبِ الأَمثَلِ
دُنياكَ مِن عاداتِها ... َلّا تَكونَ لِأَعزَلِ
أَو لِلغَبِيِّ وَإِن تَعَلـ ... لَلَ بِالزَمانِ المُقبِلِ
جُعِلَت لِحُرٍّ يُبتَلى ... في ذي الحَياةِ وَيَبتَلي
يَرمي وَيُرمى في جِها ... دِ العَيشِ غَيرَ مُغَفَّلِ
مُستَجمِعٍ كَاللَيثِ ... إِن يُجهَل عَلَيهِ يَجهَلِ
ففي الأبيات الثلاثة الأخيرة ثلاثة نماذج لاجتماع صورتين للفعل الواحد مرة مبنية للمعلوم ومرة أخرى مبنية للمجهول، والمسند إليه واحد في الصورتين، الفعل الأول يبتلى والثاني يُرمى والثالث يُجهل، غير أن الأخير عُدي -كما سبق أن ذكرنا- إلى نائب الفاعل بحرف الجر؛ لأنه لازم كما جاء في حديث النبي ﷺ .
وإذا استقام لنا أمر الطباق بين صورتي الفعل -كما سلف- فإنه سيترتب عليه حتمًا استقامة أمر الطباق بين اسم الفاعل وهو مصوغ من الفعل المبني للمعلوم، واسم المفعول وهو مصوغ من الفعل المبني للمجهول إذا صيغَا من مادة واحدة، ونكتفي هنا من هذه الصورة بقول عبد يغوث الحارثي:
أنا الليث معدوًّا عليَّ وعاديًا ... ......................................
فاسم الفاعل عاديًا يعني أن العدوان وقع منه، واسم المفعول معدو عليه يعني أن العدوان وقع عليه، وهما أمران متضادان، ومن هنا حدث الطباق بينهما كما حدث قبل ذلك بين الفعل الواحد إذا جاء مرة مبنيًّا للفاعل ومرة مبنيًّا للمفعول، ولا فرق بين هذا وذاك، ولا يبعد أن يكون منه قول أبي تمام:
стр. 348
قد كانت البيض المآثير في الوغى ... بواتر فهي الآن من بعده بُتر
فبواتر جمع باتر وهو اسم فاعل بمعنى قاطع، وبُتر جمع أبتر من معانيه المقطوع أو المنقطع، يقول العباسي: والبواتر السيوف القواطع، والبتر جمع أبتر وهو المقطوع، ويؤيد هذا المعنى هنا قول التبريزي والبتر: التي لا أذناب لها في الأصل، وإنما أراد هنا انقطاع البقية وقلة الخير، فوقوع القطع هنا على الشيء الأبتر قائم معنا سواء أكان هذا الشيء مقطوعًا أصلًا أم وقع الانقطاع عليه بعد ذلك، والانطباع السريع عند سماع البيت يوحي بأن أبا تمام يكشف عن صورتين متضادتين للسيوف؛ إحداهما في حياة المرثي والأخرى بعد وفاته، وهو قريب من بيت عبد يغوث السابق وليس من بابه؛ لأنه في ذلك البيت يتطابق اسم الفاعل مع اسم المفعول لفظًا ومعنًى، وليس الأمر كذلك في بيت أبي تمام.
وقد التفت إلى هذا النوع من قبل ابن رشيق وهو بصدد ما اختلط فيه التجنيس والطباق، فقال: معنى هذا الباب قولك فاعل ومفعول، نحو: خالق ومخلوق، وطالب ومطلوب، هما ضدان في المعنى وإن تجانسَا في اللفظ، وكذلك ما كان اسم الفاعل منه مفعِل والمفعول مفعَل، نحو: مكرم ومُكرم، ومعط ومعطًى، وما جرى هذا المجرى أو زاد عليه في البناء.
ومن قبل ابن رشيق ذكر الباقلاني قول كعب بن زهير مثالًا للجمع بين طباقين:
لعزمة مأمور مطيع وآمر ... مُطاع فلا يُلفَى لِحزمهم مثل
فبين مأمور وآمر تضاد، وكذلك بين مطيع ومطاع.
ومن الطباق الخفي ما يُسمى بطباق التدبيج، وتعني هذه الكلمة التزيين بطريق النقش والألوان، جاء في (لسان العرب): الدبج: النقش والتزيين، فارسي معرب، والنقش والتزيين يقومان أساسًا على الأصباغ والألوان، وربما جاء من
стр. 349
هذا الوجه مصطلح التدبيج واختص بالألوان وحدها، غير أنهم اشترطوا أن يكون القصد من ذكر هذه الألوان الكناية أو التورية، وقد بحثه جماعة من العلماء على أنه فن مستقل بنفسه كما في (بديع القرآن) و (تحرير التحبير) و (الطراز) و (معترك الأقران)،.
وذهب ابن أبي الإصبع إلى أن هذا اللون من مخترعاته وأنه لم يُسبق إليه، لكن الدكتور حفني شرف والدكتور أحمد مطلوب يريان أنه لا فضل له فيه إلا وضع المصطلح وحده، فهو بعينه التورية أو الكناية، أو هو بعينه ما أسماه ابن سنان الخفاجي "المخالف"، أما الدكتور مصطفى الصاوي الجويني فإنه ينفي الشبه بين عمل ابن أبي الإصبع وعمل ابن سنان، فهذا شيء وذاك شيء آخر، وإن جمع بين الأمرين استخدام الألوان، ويسلم مع ابن حجة باختراع ابن أبي الأصبع للتدبيج.
وإذا غضضنا الطرف عن المصطلح وسلمناه لابن أبي الإصبع؛ فإننا نجد أن العناية بالألوان والجمع بينها في نص أدبي أقدم من ذلك بكثير، والمقصود بالألوان ما دون السواد والبياض؛ لأن هذين اللونين متضادان على الحقيقة، وأما ما عداهما من الألوان فليس بينهما تضاد على الحقيقة، والذين التفتوا إلى الجمع بين الألوان عالجوها في إطار الطباق، وهذا هو الذي مهد الطريق للقزويني ليعود بالألوان إلى الطباق، غير أن القدماء الذين التفتوا إلى هذا اللون لم يشترطوا في الجمع بين الألوان ما اشترطه المتأخرون.
والعجيب في الأمر، أن ابن سنان الخفاجي وابن رشيق -وهما متعاصران زمانًا، متباعدان مكانًا- نظرَا إلى هذا الموضوع نظرة واحدة، وجعلَا دخول هذا الفن -الطباق- على أساس المخالفة وليس على أساس التضاد، وقد ذهب ابن رشيق إلى أن دخول المخالف - الطباق- مبنيّ على المسامحة.
стр. 350
وعلى أي حال، فالكلام في الجمع بين الألوان في نص واحد يعود إلى القرن الرابع الهجري على ما أفاده الإمام الرّماني.
الموضوع إذن قديم، ومعالجة الموضوع في إطار التضاد الحقيقي والتضاد غير الحقيقي أو التضاد والمخالفة، أغنى هؤلاء العلماء عن وضع مصطلح مستقلٍّ له، لأن الإطار الذي بُحث فيه هذا الموضوع هو إطار الطباق، وابن أبي الإصبع الذي ذهب إلى أنه صاحب التدبيج ومخترعه، عرفه بقوله: هو أن يذكر المتكلم ألوانًا يقصد الكناية بها والتورية بذكرها عن أشياء من وصفٍ أو مدح أو هجاء أو نسيب أو غير ذلك من الفنون، أو لبيان فائدة الوصف بها، والأساس الذي أقيم عليه التدبيج هنا هو أن تُذكر الألوان بقصد التورية أو الكناية، أما إذا ذُكرت وبقيت على حقيقتها فلا تدخل في إطار التدبيج بحسب هذا التعريف.
وذكر بعضهم أن ذكر الألوان باقية على حقيقتها لا يمنع التدبيج كما في قوله:
ومنثورُ دمعي غدَا أحمر ... على آسي عارضك الأخضر
وكما في قول الصلاح الصفدي:
ما أبصرت عيناك أحسنَ منظرًا ... فيما يرى من سائر الأشياء
كالشامة الخضراء فوق الوَجنة ... الحمراء تحت المُقلة السوداء
والذي ذهب إليه بعضهم هنا صحيح؛ فإن الناظر في شواهد ابن أبي الإصبع نفسه يرى منها ما هو حقيقي، فذكر شاهدين أحدهما من القرآن الكريم، وقد استطاع أن يطبق التعريف عليه، والشاهد الآخر كان من الشعر. وإذا نظرنا إلى الألوان في إطار الطباق كما هو أصل نشأتها وكما هو نهاية مطافها، فإننا نجد أن الأمر فيها قائم على الجمع بين الألوان، وأن قدامَى العلماء بنوا الأمر في الجمع بينها على المخالفة، والمخالفة تدخل في الطباق توسعًا أو تقترب من التضاد،
стр. 351
وإرادة الكناية أو التورية بها ليس هو الذي يحقق فيها وجه المخالفة، وإذا كانت الألوان في شواهد ابن سنان ليست من الحقائق فإنها في شواهد ابن رشيق ما هو من قبيل الحقيقة، وهي داخلة في الطباق، يقول الحسين بن مطير الأسدي:
بسود نواصيها وحمر أكفها ... وصفر تراقيها وبيض خدودها
ورواية ابن الأنباري وابن الأعرابي للبيت:
لصفر تراقيها وحمر أكفها ... وسود نواصيها وبيض خدودها
وعلى الرغم من أن هذه الألوان يمكن أن تُحمل على الكناية كأن يُقال: أنه كنّى بها على شباب المحبوبة، ورغد عيشها، وطيب ريحها؛ على الرغم من ذلك فإن حملها على الحقيقة فيما يبدو أقوى؛ لأنها تؤدي نفس المعاني التي تؤديها الكناية، وتزيد عليها وجود حقائق هذه الأشياء في محبوبته.
اجتماع الألوان إذن في نص واحد يدخل في باب الطباق على السعة، يستوي في ذلك أن تكون الألوان دالة على الحقيقة أو تكون دالة على التورية أو تكون دالة على الكناية، والأساس الذي تدخل عليه الطباق هو أساس المخالفة، وليس أساس التضاد، والخطيب القزويني يعتد به طباقًا من غير قيد ولا شرط حينما قال: ومن الطباق قول أبي تمام ... ثم ذكر شواهده، ثم قال في آخرها: ومن الناس من سمى نحو ما ذكرنا تدبيجًا، وهو يذكر التدبيج وتعريفه وشروطه على أنه رأيٌ ارتآه بعض الناس لا على أنه شيء يذهب إليه هو، وإذا كان الخطيب لم يستشهد إلا بالأبيات التي تتحقق فيها شروط هؤلاء، فلا يعني هذا أنه يحصر نفسه في هذا الإطار وحده.
بل إن صاحب (الإشارات والتنبيهات) جعل الجمع بين الألوان من التضاد الحقيقي ولم يشترط فيه أن يجيء بقصد الكناية أو التورية، حتى وإن كانت
стр. 352
شواهده تنطبق عليها نفس الشروط، ثم انطلق من عد التضاد بينها تضادًّا حقيقيًّا إلى احتساب هذا النوع من التضاد الظاهر كما مضى، أما الاقتصار على الشواهد التي تتحقق فيها الشروط فهي أن العلماء كثيرًا ما ينقل بعضهم عن بعض المسائل والأمثلة، ونحن نجد شواهد هذا اللون في (الإشارات والتنبيهات) هي نفس الشواهد المذكورة في (الإيضاح)، وبنفس الترتيب ما عَدَا شاهدًا واحدًا، وهو قول أبي تمام:
تَرَدّى ثِيابَ المَوتِ حُمرًا فَما أَتى ... لَها اللَيلُ إِلّا وَهيَ مِن سُندُسٍ خُضرُ
ومحمد بن علي الجرجاني كان معاصرًا للقزويني ومات قبله بعشر سنوات، واطلع على كتابه وتعقبه في كثير من المواضع، وشواهد الخطيب الثلاثة على هذا اللون، هي هي بعينها شواهد يحيى بن حمزة العلوي في (الطراز) وبنفس الترتيب أيضًا باستثناء شاهد واحد هو:
وأحببت من حبها الباخلين ... حتى ومقت ابن سلم سعيدًا
إذا سيل عرفًا كسا وجهه ... ثيابًا من اللؤم بيضًا وسودًا
وعلى الرغم من أن هذا الشاهد يمكن أن يكون من التدبيج؛ لاجتماع الألوان فيه، فإن الجمع بين السواد والبياض يختلف عن الجمع بين الألوان الأخرى؛ لأن هذا من التضاد الحقيقي، ذلك أن السواد والبياض يتضادان على الحقيقة، وليس كذلك الأمر في الألوان الأخرى، وسبق أن قلنا مرارًا: أنها مبنية على المخالفة وليس على التضاد كما ذكر ذلك ابن سنان وابن رشيق.
والجمع بين الألوان في التراث القديم قليل مستساغ ولكنه في العصور المتأخرة تبارَى فيه الشعراء والكتاب، وجاء بعضه سائغًا مقبولًا وجاء أكثره متكلفًا مردودًا، وقد خص الثعالبي الباب الحادي عشر من كتابه (التوفيق للتلفيق) لهذا
стр. 353
الفن وحده وإن غلب على الألوان عنده السواد والبياض، وسماه (التلفيق بين ذكر الألوان)،أحصى فيه عددًا كثيرًا من النصوص، وتناثرت في كتابه شواهد أخرى يمكن أن تُضم لما جمعه في هذا البيت، ومما ذكره قول المهلب بن أبي صفرة:
خضرة العيش في حمرة الدم ... ..........................................
وهذا طباق تدبيج على شرط ابن أبي الأصبع، ومنه قول المتنبي:
وخضرة ثوب العيش في الخضرة التي ... أرتك احمرار الموت في مدرج النمل
ومنه قول سيف الدولة:
وقد نُثرت أيدي الجنوب مطارفَ على ... الجو دكنًا والحواشي على الأرض
يطرزها قوس السحاب بأحمر ... على أخضر في أصفر إثر مبيض
ومنه قول الثعالبي والصنعة بادية في كل ما ذكر لنفسه:
والأرض قد برزت لنا في أخضر ... في أصفر في أبيض في أحمر
وقوله:
من ملك الصفر احمر ... لونه واخضر عيشه
وقوله:
قول نعم أحسن من حمر ... النعم تحمل بيض النعم
قد عمد فيه إلى بين طباق التدبيج والجناس، وقد نقل عن بعضهم قوله فيما هو أبعد في الصنعة: وصل كتاب فاستلمته استلام الحجر الأسود، وتمتعت منه بالعيش الأخضر، وجمعت يدي على الياقوت الأحمر والباز الأبيض وملك بني الأصفر.
وهذا قريب في صنعته مما ذكره الحريري، وقد غالَى فيه مغالاةً شديدةً، وذلك حين قال:
فمذ ازور المحبوب الأصفر ... وأغبر العيش الأخضر
اسود يومي الأبيض
стр. 354
الأبيض ... وابيض فَودي الأسود
حتى رثا لي العدو الأزرق ... فيا حبذا الموت الأحمر
فالحريري هنا لم يزد على أنه حشَد ما استطاع حشده من الألوان بطريقة فجة، فجاءت متكلفة، وهذا شأن الغلو في الصنعة دائمًا، وأين هذا الاستخدام للألوان من قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُود﴾ (فاطر: ٢٧)، بل أين هو مما هو أقل من هذا بيانًا وأدنى بلاغةً من كل فصيح بليغ لا يصل إلى درجة الإعجاز كقول عمرو بن كلثوم:
بأنا نورد الرايات بيضًا ... ونصدرهن حُمرًا قد روينا
إن الألوان هنا جاءت طبيعية في سياقها، تزيد جلاء الصورة ووضوحها وجمالها، ولكنها هناك ليست كذلك كما لاحظنا ذلك ورأيناه.
أثر الطباق وبلاغته في الكلام
ولو انتقلنا نتحدث عن أثر الطباق وبلاغته في الكلام لطال بنا الوقت، فالجمع بين المتقابلين من الأمور الفطرية المركوزة في الطباع، ولها تعلق وثيق ببلاغة الكلام وأثره في النفوس، فما جاء طباق في الكلام إلا وتعلق به غرض من الأغراض، وذلك باستثناء بعض ما ذكرنا من الأمور المتكلفة، فالأصل ألا يؤدى ذلك الغرض بدونه وهذا هو معنى الذاتية والأصالة التي تكلم عنها علماء البلاغة عندما أشاروا إلى أن مسائل التقديم والتأخير والذكر والحذف والتشبيه والاستعارة وغير ذلك من ألوان علمي المعاني والبيان، لها مدخل في بلاغة الكلام؛ لأن حسنها ذاتي أصيل، وكذا الأمر لو راعينا ذلك في الطباق في كلام الأولين وفي كلام رب العالمين -جل وعلا-.
стр. 355
ونحن إذا تأملنا أساليب الطباق وجدنا لهذا اللون مدخلًا في بلاغة هذه الأساليب وأثرًا قويًّا في قوتها، وأن فقدانه يخل بهذه الأساليب ولا يجعلها مستقيمة، وانظر مثلًا إلى قول الفرزدق:
لَعنَ الإله بني كليب إنهم ... لا يغدرون ولا يفون لجار
يستيقظون على نهيق حمارهم ... وتنام أعينهم عن الأوتار
فالغرض الذي قصده الشاعر هو الحط من شأن هؤلاء القوم والكشف عن ذلاتهم وهوانهم وأن أفعالهم مثيرة للسخرية والاستهزاء، وقد حقق له الطباق ما أراد، ولولا الطباق ما استطاع الشاعر أن يكشف عن غرضه، فهؤلاء القوم عاجزون والعاجز عادةً لا يقدر أن يفعل الشيء وضده، وهم إزاء جارهم لا يقدرون على الوفاء له أو الغدر به، كما كان ذِكْر الأمرين المتناقضين في البيت الثاني دليلًا على هوانهم:
يستيقظون على نهيق حمارهم ... وتنام أعينهم عن الأوتار
فهذا دليل على هوانهم، وأنهم موضع السخرية، وهم يستيقظون منزعجين إذا نهق حمارهم؛ حذرًا أن يكون هناك لص يأخذ بعض متاعهم؛ لأنهم يخافون عليها خوفًا شديدًا، بينما هم لا يبالون بكرامتهم أن تُنتهك، فأعينهم نائمة عن الثأر لا يعنيهم أن يأخذوا به وفي ذلك أكبر دليل على هوانهم.
والطباق في البيت الثاني -كما ترى- جعل الموازنة بين أفعالهم مثيرة للسخرية منهم عند الموازنة بين ما يستيقظون له وما ينامون عنه.
هكذا يكون للطباق أثره في إثارة الانفعالات المختلفة في نفس القارئ أو السامع إزاء الأمور المتناقصة، وهذا القدر كافٍ في إثبات أن حسن الطباق حسنٌ ذاتي أصيل، وعلى غراره تجري كل الأساليب المشتملة على هذا اللون. وقد تعجب إذا عرَفت أن الإمام فخر الدين الرازي في نهاية (الإيجاز) أدرج هذا اللون ضمن مسائل النظم،
следующие страницы →