← Баляга

Баляга · id 11200

البلاغة 1 - البيان والبديع - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (467 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وإرادة الكناية أو التورية بها ليس هو الذي يحقق فيها وجه المخالفة، وإذا كانت الألوان في شواهد ابن سنان ليست من الحقائق فإنها في شواهد ابن رشيق ما هو من قبيل الحقيقة، وهي داخلة في الطباق، يقول الحسين بن مطير الأسدي: بسود نواصيها وحمر أكفها ... وصفر تراقيها وبيض خدودها ورواية ابن الأنباري وابن الأعرابي للبيت: لصفر تراقيها وحمر أكفها ... وسود نواصيها وبيض خدودها وعلى الرغم من أن هذه الألوان يمكن أن تُحمل على الكناية كأن يُقال: أنه كنّى بها على شباب المحبوبة، ورغد عيشها، وطيب ريحها؛ على الرغم من ذلك فإن حملها على الحقيقة فيما يبدو أقوى؛ لأنها تؤدي نفس المعاني التي تؤديها الكناية، وتزيد عليها وجود حقائق هذه الأشياء في محبوبته. اجتماع الألوان إذن في نص واحد يدخل في باب الطباق على السعة، يستوي في ذلك أن تكون الألوان دالة على الحقيقة أو تكون دالة على التورية أو تكون دالة على الكناية، والأساس الذي تدخل عليه الطباق هو أساس المخالفة، وليس أساس التضاد، والخطيب القزويني يعتد به طباقًا من غير قيد ولا شرط حينما قال: ومن الطباق قول أبي تمام ... ثم ذكر شواهده، ثم قال في آخرها: ومن الناس من سمى نحو ما ذكرنا تدبيجًا، وهو يذكر التدبيج وتعريفه وشروطه على أنه رأيٌ ارتآه بعض الناس لا على أنه شيء يذهب إليه هو، وإذا كان الخطيب لم يستشهد إلا بالأبيات التي تتحقق فيها شروط هؤلاء، فلا يعني هذا أنه يحصر نفسه في هذا الإطار وحده. بل إن صاحب (الإشارات والتنبيهات) جعل الجمع بين الألوان من التضاد الحقيقي ولم يشترط فيه أن يجيء بقصد الكناية أو التورية، حتى وإن كانت

стр. 352

شواهده تنطبق عليها نفس الشروط، ثم انطلق من عد التضاد بينها تضادًّا حقيقيًّا إلى احتساب هذا النوع من التضاد الظاهر كما مضى، أما الاقتصار على الشواهد التي تتحقق فيها الشروط فهي أن العلماء كثيرًا ما ينقل بعضهم عن بعض المسائل والأمثلة، ونحن نجد شواهد هذا اللون في (الإشارات والتنبيهات) هي نفس الشواهد المذكورة في (الإيضاح)، وبنفس الترتيب ما عَدَا شاهدًا واحدًا، وهو قول أبي تمام: تَرَدّى ثِيابَ المَوتِ حُمرًا فَما أَتى ... لَها اللَيلُ إِلّا وَهيَ مِن سُندُسٍ خُضرُ ومحمد بن علي الجرجاني كان معاصرًا للقزويني ومات قبله بعشر سنوات، واطلع على كتابه وتعقبه في كثير من المواضع، وشواهد الخطيب الثلاثة على هذا اللون، هي هي بعينها شواهد يحيى بن حمزة العلوي في (الطراز) وبنفس الترتيب أيضًا باستثناء شاهد واحد هو: وأحببت من حبها الباخلين ... حتى ومقت ابن سلم سعيدًا إذا سيل عرفًا كسا وجهه ... ثيابًا من اللؤم بيضًا وسودًا وعلى الرغم من أن هذا الشاهد يمكن أن يكون من التدبيج؛ لاجتماع الألوان فيه، فإن الجمع بين السواد والبياض يختلف عن الجمع بين الألوان الأخرى؛ لأن هذا من التضاد الحقيقي، ذلك أن السواد والبياض يتضادان على الحقيقة، وليس كذلك الأمر في الألوان الأخرى، وسبق أن قلنا مرارًا: أنها مبنية على المخالفة وليس على التضاد كما ذكر ذلك ابن سنان وابن رشيق. والجمع بين الألوان في التراث القديم قليل مستساغ ولكنه في العصور المتأخرة تبارَى فيه الشعراء والكتاب، وجاء بعضه سائغًا مقبولًا وجاء أكثره متكلفًا مردودًا، وقد خص الثعالبي الباب الحادي عشر من كتابه (التوفيق للتلفيق) لهذا

стр. 353

الفن وحده وإن غلب على الألوان عنده السواد والبياض، وسماه (التلفيق بين ذكر الألوان)،أحصى فيه عددًا كثيرًا من النصوص، وتناثرت في كتابه شواهد أخرى يمكن أن تُضم لما جمعه في هذا البيت، ومما ذكره قول المهلب بن أبي صفرة: خضرة العيش في حمرة الدم ... .......................................... وهذا طباق تدبيج على شرط ابن أبي الأصبع، ومنه قول المتنبي: وخضرة ثوب العيش في الخضرة التي ... أرتك احمرار الموت في مدرج النمل ومنه قول سيف الدولة: وقد نُثرت أيدي الجنوب مطارفَ على ... الجو دكنًا والحواشي على الأرض يطرزها قوس السحاب بأحمر ... على أخضر في أصفر إثر مبيض ومنه قول الثعالبي والصنعة بادية في كل ما ذكر لنفسه: والأرض قد برزت لنا في أخضر ... في أصفر في أبيض في أحمر وقوله: من ملك الصفر احمر ... لونه واخضر عيشه وقوله: قول نعم أحسن من حمر ... النعم تحمل بيض النعم قد عمد فيه إلى بين طباق التدبيج والجناس، وقد نقل عن بعضهم قوله فيما هو أبعد في الصنعة: وصل كتاب فاستلمته استلام الحجر الأسود، وتمتعت منه بالعيش الأخضر، وجمعت يدي على الياقوت الأحمر والباز الأبيض وملك بني الأصفر. وهذا قريب في صنعته مما ذكره الحريري، وقد غالَى فيه مغالاةً شديدةً، وذلك حين قال: فمذ ازور المحبوب الأصفر ... وأغبر العيش الأخضر اسود يومي الأبيض

стр. 354

الأبيض ... وابيض فَودي الأسود حتى رثا لي العدو الأزرق ... فيا حبذا الموت الأحمر فالحريري هنا لم يزد على أنه حشَد ما استطاع حشده من الألوان بطريقة فجة، فجاءت متكلفة، وهذا شأن الغلو في الصنعة دائمًا، وأين هذا الاستخدام للألوان من قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُود﴾ (فاطر: ٢٧)، بل أين هو مما هو أقل من هذا بيانًا وأدنى بلاغةً من كل فصيح بليغ لا يصل إلى درجة الإعجاز كقول عمرو بن كلثوم: بأنا نورد الرايات بيضًا ... ونصدرهن حُمرًا قد روينا إن الألوان هنا جاءت طبيعية في سياقها، تزيد جلاء الصورة ووضوحها وجمالها، ولكنها هناك ليست كذلك كما لاحظنا ذلك ورأيناه. أثر الطباق وبلاغته في الكلام ولو انتقلنا نتحدث عن أثر الطباق وبلاغته في الكلام لطال بنا الوقت، فالجمع بين المتقابلين من الأمور الفطرية المركوزة في الطباع، ولها تعلق وثيق ببلاغة الكلام وأثره في النفوس، فما جاء طباق في الكلام إلا وتعلق به غرض من الأغراض، وذلك باستثناء بعض ما ذكرنا من الأمور المتكلفة، فالأصل ألا يؤدى ذلك الغرض بدونه وهذا هو معنى الذاتية والأصالة التي تكلم عنها علماء البلاغة عندما أشاروا إلى أن مسائل التقديم والتأخير والذكر والحذف والتشبيه والاستعارة وغير ذلك من ألوان علمي المعاني والبيان، لها مدخل في بلاغة الكلام؛ لأن حسنها ذاتي أصيل، وكذا الأمر لو راعينا ذلك في الطباق في كلام الأولين وفي كلام رب العالمين -جل وعلا-.

стр. 355

ونحن إذا تأملنا أساليب الطباق وجدنا لهذا اللون مدخلًا في بلاغة هذه الأساليب وأثرًا قويًّا في قوتها، وأن فقدانه يخل بهذه الأساليب ولا يجعلها مستقيمة، وانظر مثلًا إلى قول الفرزدق: لَعنَ الإله بني كليب إنهم ... لا يغدرون ولا يفون لجار يستيقظون على نهيق حمارهم ... وتنام أعينهم عن الأوتار فالغرض الذي قصده الشاعر هو الحط من شأن هؤلاء القوم والكشف عن ذلاتهم وهوانهم وأن أفعالهم مثيرة للسخرية والاستهزاء، وقد حقق له الطباق ما أراد، ولولا الطباق ما استطاع الشاعر أن يكشف عن غرضه، فهؤلاء القوم عاجزون والعاجز عادةً لا يقدر أن يفعل الشيء وضده، وهم إزاء جارهم لا يقدرون على الوفاء له أو الغدر به، كما كان ذِكْر الأمرين المتناقضين في البيت الثاني دليلًا على هوانهم: يستيقظون على نهيق حمارهم ... وتنام أعينهم عن الأوتار فهذا دليل على هوانهم، وأنهم موضع السخرية، وهم يستيقظون منزعجين إذا نهق حمارهم؛ حذرًا أن يكون هناك لص يأخذ بعض متاعهم؛ لأنهم يخافون عليها خوفًا شديدًا، بينما هم لا يبالون بكرامتهم أن تُنتهك، فأعينهم نائمة عن الثأر لا يعنيهم أن يأخذوا به وفي ذلك أكبر دليل على هوانهم. والطباق في البيت الثاني -كما ترى- جعل الموازنة بين أفعالهم مثيرة للسخرية منهم عند الموازنة بين ما يستيقظون له وما ينامون عنه. هكذا يكون للطباق أثره في إثارة الانفعالات المختلفة في نفس القارئ أو السامع إزاء الأمور المتناقصة، وهذا القدر كافٍ في إثبات أن حسن الطباق حسنٌ ذاتي أصيل، وعلى غراره تجري كل الأساليب المشتملة على هذا اللون. وقد تعجب إذا عرَفت أن الإمام فخر الدين الرازي في نهاية (الإيجاز) أدرج هذا اللون ضمن مسائل النظم،

стр. 356

وهو من مقتضيات الأحوال وموجبات الأغراض، وفضلًا عن هذا فإن الجمع بين الشيء وضده يُضفي على الكلام رونقًا وبهاءً، ويُكسب المعنى حسنًا ونُبلًا، وهو فوق تثبته المعنى في النفس يصف الشيء المتحدث عنه إزاء الضدين المتقابلين، ويجعل لكلٍّ منهما حسنًا لا يكون لهما إذا انفردَا، وهذا هو معنى قول القائل: فالوجه مثل الصبح مبيض ... والفرع مثل الليل مسود ضدان لما استجمعا حسُنا ... والضد يظهر حسنه الضد وما من ريب في أن الجمع بين الأمور المتضادة يكسو الكلام جمالًا ويزيده بهاءً ورونقًا، فمن هنا كانت وظيفة الطباق لا تقف عند هذا الزخرف وتلك الزينة الشكلية، بل تتعداها إلى غايات أسمى، فلا بد أن يكون هناك معنى لطيف ومغزى دقيق وراء جمع الضدين في إطار واحد، وإلا كان هذا الجمع عبثًا وضربًا من الهذيان، ولننظر في قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِه﴾ (القصص: ٧٣)، وقد جمعت الآية الكريمة بين الليل والنهار وهما نعمتان من نعم الله على عباده، ورحمة منه بهم، ثم ذُكرت العلة من جعل الزمان ليلًا ونهارًا لنسكن ليلًا ونسعى ونتحرك نهارًا، والحركة ينبغي أن تكون لمصلحةٍ وابتغاء من فضل الله تعالى لا إفسادًا في الأرض، ولذا أوثر التعبير ابتغاء الفضل دون الحركة، والحركة تكون للإصلاح والإفساد، وابتغاء الفضل لا يكون إلا إصلاحًا، وفي ذكر العلة -كما ترى- جمع بين ضدين، هما السكن وابتغاء الفضل، وفي الجمع بين الضدين في صدر الآية ثم في عجزها، حث للمؤمن ليتأمل هذه النعمة لما كان الزمان ليلًا ونهارًا، سكنًا وابتغاءً. وكيف يكون الحال لو كان الزمان نهارًا سرمدًا إلى يوم القيامة، أو ليلًا سرمدًا إلى يوم القيامة؟ ولذا دعانا للتأمل والنظر والتدبر في قوله : ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا

стр. 357

تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (القصص ٧١، ٧٢). ولعلك تذكر معي ما سبق أن ذكرناه في قول الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (آل عمران ٢٦، ٢٧). ولعلك عرفت معي كيف جمعت الآية بين أفعال متضادة: ﴿تُؤْتِي﴾، و ﴿تَنْزِعُ﴾، و ﴿تُعِزُّ﴾ و ﴿تُذِلُّ﴾، وبين أسماء متضادة: ﴿اللَّيْلَ﴾ و ﴿النَّهَارِ﴾، ﴿الْحَيِّ﴾ و ﴿الْمَيِّتَ﴾، إن هذا الجمع يبرز مدى قدرة الخالق وهيمنته وسلطانه القاهر، فهو الذي يستطيع أن يؤتي من يشاء من عباده الملك وينزعه ممن يشاء، متى شاء وكيف شاء، لا راد لمشيئته، وهو الذي يستطيع إذلال مَن يشاء وإعزاز من شاء، متى أراد وكيف شاء دون اعتبار لمقاييس البشر فيمن يستحق العزة ومن يستحق الإذلال. ثم تلاحظ معي التدرج في القدرة والغلبة والقهر والهيمنة، فإذا كان في البشر من يستطيع بماله وجاهه وسلطانه أن يعطي ويمنع، وأن يعز ويذل على وجه من الوجوه، فقد جاءت الآية الكريمة بأمور متضادة ينفرد بها المهيمن وهي إيلاج الليل في النهار، وإيلاج النهار في الليل، وإخراج الحي من الميت، وإخراج الميت من الحي، فضلًا عمن جاء دالًّا على كمال قدرة الله -جل وعلا- فمن ذا الذي يستطيع القدرة على كل ذلك؟! إنها أمور ينفرد بها القادر . ولعله بهذا قد اتضح لك أن الطباق ليس قاصرًا على الزينة والزخرف، وليس الهدف منه مجرد التزويق الشكلي، بل إنه ليتجاوز ذلك إلى أهداف أسمى وغايات لا تتناهى. وسؤالنا عن الصور التي تدخل فيما يلحق بالطباق، مع ذكر مثال توضيحي لكل صورة على حدة. سؤالنا الثاني: عرِّف مع التمثيل كلًّا من المصطلحات التالية: الطباق المخالف، إيهام التضاد، التدبيج، الملحق بالتضاد، الطباق الخفي. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 358

الدرس: ١٧ المقابلة .

стр. 359

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السابع عشر (المقابلة) تعريف المقابلة لغةً واصطلاحًا الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ثم أما بعد: المقابلة في لغة العرب: مِن قابل الشيء بالشيء مقابلةً وقِبالًا أي: عارضه، فمقابلة الكتاب بالكتاب وقباله به: معارضته، والمقابلة: المواجهة، والتقابل مثلُه، يقال: تقابل القوم يعني: استقبل بعضهم بعضًا، ومنه قول الله تعالى في وصف أهل الجنة: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ (الحجر: ٤٧)، جاء في التفسير: أنه لا ينظر بعضهم في أقفاء بعض، فالمقابلة على هذا معناها في اللغة: المعارضة والمواجهة. أما في اصطلاح البلاغيين: فمعناها أن يؤتَى بمعنيين متوافقين أو معانٍ متوافقة، ثم يؤتى بما يقابلها على الترتيب، كذا في (الإيضاح) للخطيب القزويني، فترى هذا المعنى في قوله الله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ (التوبة: ٨٢). وقول أبي دلامة: ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعَا ... وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل فقد جاءت الآية الكريمة: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ بمعنيين متوافقين، وإن كانا غير متناسبين، ألا وهما الضحك والقلة، ثم جاءت بما يقابل هذين المعنيين وهما البكاء والكثرة على الترتيب؛ حيث جاء الضحك أولًا في الطرف الأول من المقابلة، فجاء مقابله وهو البكاء أولًا في الطرف الثاني، وكذا القلة والكثرة جاء كل منهما ثانيًا في كِلا الطرفين. وفي البيت: ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعَا ... وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل جاء الشاعر بمعان متوافقة متناسبة، هي الحسن والدين والدنيا، ثم جاء بمقابل هذه المعاني وهي القبح والكفر والإفلاس على الترتيب كذلك، حيث إن القبح

стр. 360

من الطرف الثاني يقابل الحسن، والكفر يقابل الدين والإفلاس يقابل الدنيا التي أراد بها الغنى، ومعنى التوافق في التعريف: ما كان خلاف التقابل، فيشمل المتناسبين أو الأمور المتناسبة كما في مراعاة النظير؛ ولذا فقد تجتمع المقابلة ومراعاة النظير كما في بيت أبي دلامة السابق؛ حيث إن الطرف الأول من المقابلة -وهو الحسن والدين والدنيا- أمور متناسبة، فهي مجلبة للسعادة وتجتمع في الذهن بهذا المعنى، وكذا تجد الطرف الثاني -وهو القبح والكفر والإفلاس- بأنها مجلبة للشقاء ولها ارتباط في الذهن بهذا المعنى. كما يشمل التقابل المعنيين غير المتناسبين أو الأمور غير المتناسبة كما في الآية السابقة، فلا تناسب بين الضحك والقلة، ولا بين البكاء والكثرة. وقد عرّف قدامة ابن جعفر المقابلة بقوله: هي أن يصنع الشاعر معاني يريد التوفيق بين بعضها وبعض أو المخالفة، فيأتي في الموافق بما يوافق وفي المخالف بما يخالف وعلى الصحة، أو يشترط ويعدد أحوالًا في أحد المعنيين، ثم يأتي فيما يوافقه بمثل الذي شرطه وعدده، وفيما يخالف بضد ذلك، وقد مثل ابن قدامة للمقابلة بقول الشاعر: وإذا حديث ساءني لم أكتئب ... وإذا حديث سرني لم أسر فقد جعل بإزاء سرني ساءني، وبإزاء الاكتئاب أسر، وهذه المعاني غاية في التقابل، والمتأمل في تعريف قدامة خصص التوافق في المقابلة بما كان متناسبًا، وعلى هذا فإن هذا اللون عنده يشتمل على لونين من المحسنات البديعية وهو مراعاة النظير والمقابلة، بينما المقابلة عند جمهور البلاغيين -على ما أوضحنا- تعم ما كان من المعاني متناسبًا وما كان منها على غير التناسب.

стр. 361

ويجرنا هذا إلى الحديث عن بيان الفرق بين المقابلة والطباق؛ إذ كثير من البلاغيين يرون أن المقابلة نوع من الطباق، وأنها داخلة فيه، فالخطيب القزويني يذكر هذا اللون بعد فراغه من الطباق وأقسامه بقوله: ودخل في المطابقة ما يُخص باسم المقابلة، وكذلك فَعَل غيره من المتأخرين، وحجتهم أن هذا اللون قائم على الجمع بين معنيين متقابلين في الجملة؛ أي: على وجه مخصوص دون آخر، إذ ليس التقابل بين كل اثنين من المعاني، فمثلًا لا تقابل بين الضحك والقلة في قول الله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ حتى يكون طباقًا، ولا بين البكاء والكثرة وإن كان فيه مقابلة بين الضحك والبكاء والقلة والكثرة؛ وحيث كان في المقابلة جمع بين معنيين متقابلين في الجملة كان طباقًا لصدق تعريفه عليه، وإن عُدّ من حيث التقابل بين العبارتين مقابلة. أما السكاكي فقد جعل المقابلة قسمًا قائمًا برأسه من المحسنات المعنوية وعرفها بقوله: أن تجمع بين شيئين متوافقين أو أكثر وبين ضديهما، ثم إذا شرطت هنا شرطًا شرطت هناك ضده. ومثّل لها بقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (الليل:٥ - ١٠)، وقد تبع السكاكي قومٌ منهم العلامة عبد الحكيم فقد رجح رأي السكاكي وعلل هذا الصنيع بقوله: لا يخفى أن في الطباق حصول التوافق بعد التنافي؛ ولذا سُمي بالطباق، وفي المقابلة حصول التنافي بعد التوافق، ولذا سمي بالمقابلة وفي كليهما إيراد المعنيين بصورة غريبة، فكل منهما محسِّن بإنفراده واستلزام أحدهما للآخر يقتضي دخوله فيه، فالحق مع السكاكي في جعله المقابلة قسمًا مستقلًّا من البديعيات المعنوية. وذهب قومٌ من البلاغيين إلى أن المقابلة أعم من الطباق، قال المطرزي: المقابلة أعم من الطباق فإن المقابلة يدخل فيها نحو: "أن تبنوا الدنيا وغيث الجود" فلم

стр. 362

يعتبر التنافي، وصاحب (بديع القرآن) شرط في المقابلة أن تكون بأكثر من اثنين من الأربعة إلى العشرة، وعلى هذا فالمراد بالتوافق ليس التناسب، بل خلاف التقابل مطلقًا سواء كانا متناسبين أم لا، ولا شك أن الطباق كله تقابل كما سبق في حده، فاسم التقابل صادقٌ عليه إلا أنه اصطلحوا على تسمية هذا النوع فقط تقابلًا وهو ما كان الطباق فيه مكررًا، فإن قلت: إذا كان التقابل المراد أخص من التقابل والأخص لا يدخل في الأعم، بل الأعم يدخل في الأخص. قلت: كثيرًا ما يقال عن الفرد أنه داخل في الجنس، والمراد إعلام أنه فرد من أفراد الجنس غير خارج عنه، لم يريدوا دخول النوع بجميع أجزائه، بل دخول ما فيه من حصة الجنس. وإذا تجاوزنا عن الجزء الأخير وهو ثم إذا شرطت هنا شرطًا شرطت هناك ضده الذي أوجده السكاكي في تعريفه، وجدنا أن التعريفين متقاربان، غير أن الخطيب اشترط الترتيب في المقابلة ولم يشترطه السكاكي، وليس هذا بفرق كبير، أما الشرط وضده وهو الذي اعتبره السكاكي في تعريف المقابلة فهو الفارق الأساسي بينهما. لكن صاحب (الأطول) لا يرتضيه فرقًا يقوم على أساسه مذهب خاص للسكاكي في المقابلة، قال: ونحن نقول: إن إثبات مذهب جديد للسكاكي بلا سند معتدٍّ به مما يستحسنه العقلاء، وقول السكاكي: وإذا شرط هنا أمر شرط ثمة ضده، كما يحتمل أن يكون بيانًا لما لا بد منه للمقابلة، يحتمل أن يكون بيانًا لما به يكتمل ويزيد حسنها، بل سوق كلامه حيث قال بعد التعريف: ثم إذا شرط ها هنا أمر شرط هناك ضده، يدل على المخالفة بين هذا الكلام والتعريف، وإذا لم يكن هذا الجزء من التعريف كما ذهب إلى ذلك العصام، لم يكن هناك فرق بين

стр. 363

ما ذهب إليه الخطيب والسكاكي، إلا في مسألة الترتيب التي أدخلها الخطيب في التعريف صراحةً، وربما من أجل هذا لم يرد الخطيب أن يعترض على تعريف السكاكي أو يفنده. من هنا يكون ما ذهب إليه التفتازاني والمغربي من أن بيت أبي دلامة: ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل ليس من المقابلة عند السكاكي؛ لأنه اشترط في الدين والدنيا الاجتماع، ولم يشترط في الكفر والإفلاس ضده، يكون هذا ليس بسديد، فعدم الشرط في الكفر والإفلاس هنا لا يقدح في المقابلة، وإن انتقص من كمالها وحسنها على ما بينه العصام. صورة المقابلة إذن عند الخطيب لا تختلف كثيرًا عن صورة المقابلة عند السكاكي، والمقابلة على هذا تدخل صور المطابقة، ولكن لا بأس من أن يكون لها باب مستقل خاص يعالج مسائلها وصورها وخصائصها وبلاغتها؛ لأن الحديث عنها يتشعب ويطول، وإفراد باب خاص لها لا ينبغي أن يُفهم منه على أنها مختلفة عن الطباق اختلافًا جوهريًّا، فليس هذا بشرط دائمًا لتخصيص باب مستقبل لفن بعينه. إن الأساس التي تقوم عليه المقابلة عند السكاكي والخطيب هو نفس الأساس الذي يقوم عليه الطباق وهو التضاد في المعاني. غاية ما في الأمر، أن التضاد في الطباق يقوم بين معنيين متضادين فقط، أما في المقابلة فإن التضاد يكون بأكثر من ذلك، وهنا ينفرد التقابل بخصوصية وهو أن المعاني المجتمعة قبل التقابل لا بد أن تكون متوافقة، وهذا النوع طباق صريح عند كثير من القدماء والمحدَثين.

стр. 364

والمقابلة على هذا الأساس -سواء كانت أصلًا والطباق فرعًا عليها أم كانت فرعًا على الطباق وهو الأقرب إلى الصواب- تبدأ من مقابلة اثنين باثنين وتنتهي بمقابلة ستة بستة، ولا يشترط التضاد في المقابلة كما اشترط في الطباق، فيمكنك أن تقابل بين المعاني المتضادة تضادًّا صريحًا ظاهرًا أو خفيًّا ويمكنك أن تقابل بما يلحق بالطباق بأي صورة من صوره، فالتضاد في صور المقابلة مبني على التوسع وهذا معنى قول ابن أبي الأصبع: والمقابلة تكون بالأضداد وغيرها، لكن الخطيب يفضّل التقابل بالأضداد على التقابل بغيرها، وهذا واضح من الموازنة بين بيت أبي دلامة في مقابلة ثلاثة بثلاثة: ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل وبيت أبي الطيب في مقابلة خمسة بخمسة: أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وأنثني وبياض الصبح يغري بي قال: ورُجّح بيت أبي الطيب على بيت أبي دلامة لكثرة المقابلة مع سهولة النظم، وبأنها قافية هذا متمكنة وقافية هذا مستدعاة، فإن ما ذكره غير مختص بالرجال، كما يتميز بيت أبي دلامة على بيت أبي الطيب بجودة المقابلة، فإن ضد الليل المحض هو النهار لا الصبح، ومعنى هذا أن بلاغة المقابلة قائمة على أساسين: كثرة المقابلات والتضاد الحقيقي. فإذا اجتمعَا معًا كان أبلغَ وإذا تفرقَا حاذ كلٌّ جانبًا من البلاغة كما اتضح في الموازنة، فمن مقابلة اثنين باثنين قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (البقرة: ١٨٥)، حيث قوبل إرادة اليسر بإرادة العسر، ومنه قوله: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (التوبة: ٨١)، حيث قُوبل الفرح والقعود بالكراهية والجهاد،

стр. 365

وهذا ينم عن عداوة المنافقين وشدة حقدهم، فسرورهم كامن في القعود والتخلف وحزنهم وكراهيتهم في الجهاد لإعلاء كلمة الحق. ومن مقابلة اثنين من المعاني باثنين قوله تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (الأعراف: ١٥٧)، حيث قابل الأمر بالمعروف بالنهي عن المنكر، وحِل الطيبات لهم بتحريم الخبائث عليهم. وقوله: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (التوبة: ٨٢). حيث قوبل الضحك بالبكاء والقلة بالكثرة، ومنه قوله تعالى: ﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ (الحديد: ١٣)، حيث قوبل بين ﴿بَاطِنُهُ﴾ و"رحمة" بـ"ظاهره" و ﴿الْعَذَابُ﴾، ومثله قوله في نفس السورة: ﴿لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ (الحديد: ٢٣). حيث قوبل الأسى بالفرح وما فات بما هو آتٍ، ومنه قوله -جل وعلا-: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ (الانفطار:١٣ - ١٤). ويدخل في ذلك قوله ﷺ : ((إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه)) وقول عمران الطلحي للمنصور وقد وجه إليه قوله: بلغني أنك بخيل، فقال: يا أمير المؤمنين، ما أجمدُ في حق ولا أذوب في باطل. ومن ذلك أيضًا قول جرير: وأعور من نبهان أما نهاره ... فأعمى وأما ليله فبصير ومنه قول أحد الأعراب لرجل: إن فلانًا وإن ضحك لك فإنه يضحك منك، فإن لم تتخذه عدوًّا في علانيتك فلا تجعله صديقًا في سريرتك. وقد جعل ابن وهب قول الشاعر: أموت إذا ما صدني بوجهه ... ويفرح قلبي حين رجع للوصل

стр. 366

من المقابلة السيئة؛ لماذا؟ لأنه جعل ضد الموت فرح القلب وضد الصد بوجهه الوصل. قال: وهذه مقابلة قبيحة، ولو قال: أموت إذا ما صدني بوجهه وأحيا إذا مل الصدود وأقبل، فجعل ضد الموت الحياة وضد الصد بالوجه الإقبال لكان مصيبًا. ومعنى هذا أنه يرى أن المقابلة الحسنة لا تكون إلا بالتضاد الحقيقي، أما إذا لم تكن كذلك فهي مقابلة قبيحة سيئة. وأي ناظر في البيت المعيب والبيت البديل، يرى أن العيب فيما صنعه ابن وهب مع تحقق التضاد فيه؛ لأن القضية قضية معنى، وليست قضية تحقق التضاد أو عدم تحققه، إن الشاعر قال: ويفرح قلبي حين يرجع للوصل ..................... فجعل فرح القلب مرتبطًا برجوعه للوصل، والقلب هو موطن الحب وهو الذي يظهر فيه أثر الصد والوصل، فجعل الفرح فيه مناسبًا لما نحن فيه، ثم إنه جعل رجوع المحبوب رجوعَ وصل، وهذا شرط ضروري لفرح القلب، وفرح القلب دليل حياته، فهو يدل على الحياة والزيادة، أما البيت المقترح فإنه لم يزد على أن جعل ضد الموت الحياةِ، والحياةُ على أهميتها وقيمتها لا تدل على الفرح، فما أكثر ما في الحياة من الثكالى والمحزونين والبؤساء والمكتئبين، فلا دليل هنا على فرح القلب ولا على الفرح مطلقًا، ثم إنه هنا لم يجعل الإقبال إقبال وصل كما هناك، وإنما هو إقبال من مل الصدود، وكأن المسألة مسألة تغيير في الحالة فقط، فإذا مل الصدود أقبل ولكن هل أقبل للوصل؟ ذلك ما لا يفيده البيت المقترح، ورجعة الوصل هي التي تحيي القلوب وتفرحها، ولكن يبدو أن الرغبة في تحقق التضاد أهم عنده من سلامة المعنى وقيمته.

стр. 367

ومن مقابلة اثنين باثنين قول النابغة الذبياني: فتًى كم فيه ما يسر صديقه ... على أن ما فيه ما يسوء الأعادي وقول المعري: يا دهر يا منجز إيعاده ... ومخلف المأمول من وعده وقول آخر: فواعجب كيف اتفقنا فناصح ... وفيٌّ ومطوي على الغل غادر فقابل النصح والإخاء بالطي على الغِل والغدر. ومن مقابلة ثلاثة بثلاثة قول البحتري: فإن حاربوا أذلوا عزيزًا ... وإذا سالموا أعزوا ذليلًا ومنه قول أبي دلامة السابق: ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل كل هذا من مقابلة ثلاثة بثلاثة، وهذا البيت الذي قال فيه الخطيب: أنه صحيح المقابلة، كان صاحبه يرى أنه أشعر بيت قالته العرب، فقد سأل أبو جعفر المنصور أبا دلامة عن أشعر بيت قالته العرب، قال: بيت يلعب به الصبيان قال: وما هو ذاك؟ قال هو قول الشاعر، وذكر البيت. ومع هذا كله، نرى أن المقابلة بين الدنيا والإفلاس ليست مقابلة خالصة، الذي يقابل الدنيا هو الآخرة لا الإفلاس، وكأنه عنى بالدنيا هنا كثرة المال كما يقال إذا كثر مال الرجل: أقبلت الدنيا على فلان، وإذا قل ماله قالوا: أدبرت عنه الدنيا. ولكن هذا المعنى ليس هو الأصل في اللفظ وإنما يأخذ من ظلاله، ومع هذا فهو بيت جيد المقابلة عند الخطيب مع أنه جعل بيت أبي الطيب:

стр. 368

أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وأنثني وبياض الصبح يغري بي أدنى منه مقابلةً؛ لأنه قابل الليل بالصبح، والذي يقابل الليل هو النهار لا الصبح، مع أن الذي يكشفه ويكشف زيارته وعلاقته بمحبوبته هو الصبح لا النهار مطلقًا، فالمعنى هنا يحتم وضع الصباح بإزاء الليل؛ لأن إشراقته هي التي تشي به وتغري به، فلمَ لا يكون مع ذلك جيد المقابلة كما حكم لبيت أبي دلامة بجودة المقابلة؟! ومن مقابلة ثلاثة بثلاث قول المتنبي: فلا الجود يفني المال والجِد مقبل ... ولا البخل يبقي المال والجد مدبر حيث قابل الجود والإفناء والإقبال بالبخل والإبقاء والإدبار. وأما مقابلة أربعة بأربعة فالشاهد العَلَمُ فيها قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (الليل:٥ - ١٠)، وهو شاهد السكاكي على المقابلة أيضًا لانطباق تعريفه عليها، حيث عقبها بقوله: لما جعل التيسير مشتركًا بين الإعطاء والاتقاء والتصديق، جُعل ضده وهو التعسير مشتركًا بين أضداد ذلك، وهي المنع والاستغناء والتكذيب، والذي يبدو أن الخطيب القزويني لم يُرد تضادًّا ظاهرًا بين: ﴿اتَّقَى﴾ و ﴿اسْتَغْنَى﴾ فاضطر إلى أن يتأول له، ويكشف عن وجه التضاد فيه قال: فإن المراد بـ ﴿اسْتَغْنَى﴾ أنه زهد فيما عند الله كأنه مستغن عنه، فلم يتقِ أو استغن بشهوات الدنيا عن نعيم الجنة فلم يتقِ، ومع هذا لم يستطِع الخطيب القزويني أن يحكم على هذه المقابلة بأنها غير جيدة. ومما هو داخل في ضرب مقابلة الأربعة بأربعة قول جرير: وباسطُ خير فيكم بيمينه ... وقابض شرٍّ عنكم بشماله

стр. 369

حيث قابل باسط وخير وفيكم ويمين بقابض وشر وعنكم وشماله. وأما مقابلة خمسة بخمسة، فقد ذكروا لها قول أبي الطيب السابق: أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وأنثني وبياض الصبح يغري بي وهذا على أساس أن" لي" تُضاد "بي"، ولكن الخطيب لا يرتضي ذلك قال: وفيه نظر؛ لأن اللام والباء فيهما صلتا الفعلين فهما من تمامهما، وهذا البيت قال فيه ابن حجة الحموي: ولا أعلم في باب التقابل أفضل من هذا البيت لجمعه من المتقابلات ما لم يجمعه بيت لشاعر قبله ولا بعده إلى يومنا هذا، مع ما فيه من تمكين قافيته. وليس الأمر كما قال، فإذا سلمنا مع الخطيب أن هذا من مقابلة أربعة بأربعة وجدنا نظائر قبله وبعده، فمن هذا قول الشاعر وقد استشهد به العباسي: يا أُمة كان قبح الجور يسخطها ... دهرًا فأصبح حسن العدل يرضيها ومنه قول آخر: نهار غرته البيضاء أرشدني ... وليل طرته السوداء أغواني وقد جعل ابن حجة من مقابلة خمسة بخمسة وهو أعلى أنواع المقابلة عنده قول علي لعثمان: "إن الحق ثقيل مري والباطل خفيف وَبِي، وأنت رجل إذا صدقت سخطت وإذا كذبت رضيت"، والذي ذهب إليه ابن حجة هنا ليس بصحيح، فالذي معنا هنا مقابلتان؛ الأولى بين ثلاثة وثلاثة وهي: "إن الحق ثقيل مري والباطل خفيف وبي"، هذا جاء في جملة، أما الثانية التي جاءت في جملة أخرى فهي بين اثنين واثنين وهي: "وأنت رجل إذا صدقت سخطت وإذا كذبت رضيت"، ولو سلمنا بأن هذا من مقابلة خمسة بخمسة لانفتح الباب على مصراعيه للوصول بالمقابلة إلى عشرات الأضداد، ولأصبحت الجمل والفقرات المتتابعة ذات المقابلات المتعددة مقابلة واحدة. وهذا ما لا يكون.

стр. 370

ولا يمكن أن يكون قوله في بديعيته إذا تجاوزنا عما فيها من الصنعة من مقابلة خمسة بخمسة وهو: بواطئٌ فوق خدّ الصبح مشتهر ... وطائر تحت ذيل الليل مكتتم فكل كلمة من الشطر الأول تقابلها كلمة من الشطر الثاني على الترتيب بغض النظر عن التضاد الحقيقي؛ لأنه ليس مطلوباًَ في المقابلة، ونظيره قول صفي الدين الحِلي: كان الرضا بدنوي من خواطرهم ... فصار سخطي لبعد عن جوارهم فقابل كان والرضا ودنو ومن وخواطر، بصار والسخط والبعد وعن وجوارهم، ونلاحظ أنه لا تضاد بين الجوار والخواطر إلا على اعتبار أن الخواطر تجول داخل فكر الإنسان، والجوار يكون خارجًا عن فكره، وهذا جارٍ على مذهب من يرى أن المقابلة تكون بالأضداد وغيرها. وأما مقابلة ستة بستة فلا يُعرف له إلا هذا البيت الذي ينسب إلى عنترة: على رأس حر تاج عز يزينه ... وفي رجل عبد قيد ذل يشينه قال الصفدي في (شرح اللامية): هذا أبلغ ما يمكن أن ينظم في هذا المعنى وكأن كثرة عدد المقابلات هو سر بلاغة هذا اللون، وهذا صريح عند العباسي الذي يقول: وكلما كثر عدد المقابلة كان أبلغ، وقد سبق أن تعرضنا لهذا المقياس عند الخطيب ولا يمكن أن يكون هذا مقياسًا صحيحًا، فليس من المعقول أن يكون ما فيه خمس مقابلات أبلغ مما فيه مقابلتان لمجرد العدد فقط، ولكن يبدو أن النظر إلى كثرة المقابلات وأثرها في بلاغة الكلام تعود إلى تاريخ قديم. قال الحاتمي في (حلية المحاضرة): ومن بديع الطباق قول عمرو بن كلثوم:

стр. 371

فإن نورد الرايات بيضًا ... ونصدرهن حمرًا قد روينا قال أبو علي: فطابق بين الإيراد والإصدار والبياض والحمرة، ولو اتفق لعمرو بن كلثوم تقابل الرِّي بالظمأ لكان أبرعَ بيت قالته العرب في الطباق. قال أبو علي: قد أخذه أبو الشيعي فاستوفى المعنى، فقال: فأورده بيضًا ظماء صدورُها ... وأصدرها بالري ألوانها حمر ولا شك أن بيت عمرو بن كلثوم أفضل من بيت ابن الشيعي في معناه، فالرايات ليست في حاجة إلى أن توصف بالظمأ؛ لأنها لا تشارك في الحرب لا طعنًا ولا ضربًا، ومع ذلك فهي ترتوي من الدماء المتطايرة هنا وهناك. والرايات من قماش، والقماش يقبل الدم ويتشربه ولا يرويه منه إلا الكثير، وأما ما أصدره ممدوح أبي الشيعي فيبدو أنه الرماح أو السيوف، وهي أدوات قتال يمكن أن توصف بالظمأ إلى الدماء؛ لأنها تباشر القتل، ومع هذا فإنها لا تقبل الدماء ولا تتشربها؛ لأنها من حديد، وقليل من الدم يغير لونها إلى الحمرة، ورقبة واحدة من رقاب الأعداء تكفي لإصدارها حمرة، وليس الأمر كذلك في الرايات. أضِفْ إلى هذا استخدام الفعل المضارع عند عمرو بن كلثوم وهو يعني التجدد والاستمرار دلالة على تأصل هذا الأمر فيهم، وتكراره منهم، فضلًا عن سرعة إيقاع البيت الذي تجسّد له سرعة الحركة في الإيراد والإصدار، وهذا يتسق مع طبيعة الغزو والإغارة التي تعتمد على عنصر المفاجأة والبغتة، وأما في بيت أبي الشيعي فإنه استخدم الفعل الماضي وبناه على إيقاع بطيء، مما يدل على بطء الحركة في الإيراد والإصدار، وهذا يتسق مع حركة الجيوش التي ترسم الخطط، وتدرس الموقف، وتستطلع العدو، وتضلل العيون، وتلجأ إلى الحصار حينًا وإلى الصلح حينًا آخر، وإلى الانسحاب إذا دعت الضرورة.

стр. 372

فأي البيتين أدل على كثرة القتل في جيش العدو؟ وهل يترك المعنى في المفاضلة إلى عدد المقابلات وإن قصرت في تأدية المعنى المراد؟ إن القضية في المقابلات -ونكرر مرارًا وتكرارًا- قضية معنى وليست قضية عدد ولا قضية تضاد حقيقي، وانظر إن شئت في مقابلة أربعة بأربعة، فماذا ترى؟ إنك ترى أن جو الصورة كله من بدايته إلى نهايته قائم على هذه المقابلة، وهي مقابلة ليس فيها أدنى شيء من التلاقي أو التداخل، إن التقابل فيها يصل إلى أقصى درجاته، وتجد ذلك في افتتاح سورة الليل بالقسم بالليل في أقصى درجات ظلمته وبالنهار في أقصى درجات ضيائه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾، إن القسم هنا ليس بالصباح ولا بالفجر، حيث يختلط النور بالظلام، ولكنه بالليل إذا يغشى وبالنهار إذا تجلى؛ حيث يتقابل الظلام الدامس الذي تضل فيه الرؤية ويخبط فيه الناس خبط عشواء، لا يلوُن على شيء، ولا يهتدون بشيء ولا يتبينون شيئًا. أقول: حيث يتقابل هذا الظلام الدامس مع الضياء الساطع في النهار المتجلي التي تسطع شمسه في أفق السماء وترسل أشعتها وضياءها إلى الأرض، لا يحجبها عن الأرض سَحاب ولا غبار ولا دخان، فيتبين الأعشى طريقه فضلًا عن البصير، وتتضح المسالك غاية الاتضاح، فلا يضل السالك طريقه ولا يتخبط أحد؛ لأن كل شيء متضح مبين وهكذا الإيمان والكفر. أو إن شئت قلت: إن في الظلام الدامس همودًا وسكونًا كأنه سكون القبور وإذا دخلت قرية في غبش الظلام لأول مرة في حياتك فإنك لن تفرق بين بيوت الأحياء وقبور الأموات؛ لأن السكون يشمل كل شيء في الليل البهيم، وأما النهار المتجلي ففيه الحياة والحركة والحيوية والنشاط، وهكذا الإيمان والكفر. فالأول إحساس وإدراك وبصر وبصيرة، والثاني تفقد فيه هذه الحواس وظائفها

стр. 373

الصحيحة فكأنها هي مفقودة، والقرآن الكريم وصف الكفار تارة بأنهم صم بكم عمي وتارة بأنهم موتى: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُور﴾. ثم يأتي التقابل الثاني هذا من بلاغة التقابل في القرآن الكريم بين الذكر والأنثى: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ (الليل: ٣)، وهما نوعان متقابلان أشد التقابل في الخلق والتكوين والخصائص النفسية والجسمية، ودور كل منهما في الحياة، ومع هذا التقابل الشديد فإن حركة الحياة لا تتم إلا به، ولولا هذا التقابل ما كانت هناك حياة ولا أحياء، وهذا التقابل الكامل بين الذكر والأنثى الذي نشأت منه حركة الحياة واستمرارها، هو بعينه التقابل الشديد في كل وجوه الحياة، وبه تستمر حركتها وتستمد الحياة ديمومتها؛ لأنه من هذا التقابل تنشأ حركة التدافع، وبالتدافع تستمر حركة الحياة ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة: ٢٥١). ثم يأتي مِفتاح السورة كلها عقب هذه الأقسام: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ (الليل: ٤)، سعي متفرق متقابل أشد التقابل متناقض أشد التناقض؛ متناقض في بواعثه ودوافعه متناقض في مسلكه وطرقه متناقض في نتائجه وآثاره، ثم تأتي الآية الكريمة: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ لتفصل هذا السعي تفصيلًا بينًا، وهي التي وقفت عندها كتب البلاغة المتأخرة تعدد ما فيها من وجوه التقابل، ولا تتخطى هذا الحصر بحال، ولكن انظر في تيسير كل منهما فيما سلك من طريق، وانظر هذا التقابل الشديد فيه تجد كيف يكون؟ كيف ييسر من أعطى واتقى وصدق بالحسنى؟ إنه تعالى ييسره لما يسر له نبيه ﷺ ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ (الأعلى: ٨). وكيف ييسره مَن بخل واستغنى وكذب الحسنى؟ إنه سبحانه ييسره لما اختاره لنفسه من طريق: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ (مريم: ٧٥)، وما

стр. 374

يغني عنه ماله الذي بخل به واكتنزه واستغنى به عما عند الله إذا تردى في الهاوية وهلك، ثم يأتي قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ (الليل: ١٢) فرقًا واضحًا بين هذه المسالك المتعددة؛ لأن الهدى هو الذي يضع الحدود الفاصلة بين المسالك المتناقضة والمساعي المتقابلة، ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ (الليل: ١٣)، وليس لأحد سواه؛ إنه يهيمن على هذه الأمور المتقابلة هيمنةً كاملةً، فمن كانت له هذه الهيمنة كلها فإنه هو وحده الذي يقرر مصير هذه الفرق المتناقضة المتقابلة، ولا يملك أحد سواه تقرير هذا المصير: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى * لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى * وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ (الليل: ١٤ - ٢١). ولعل التعبير هذا بالأشقى والأتقى وليس بالتقي والشقي؛ ليكون التقابل -والله أعلم- في قمته والتناقض في غايته، تمامًا كما افتتحت السورة بالتناقض التام والتقابل الكامل، أرأيتَ كيف يكون التقابل منسجمًا مع جو السورة العام؟! وهذا الذي مضى كله ترى فيه أن عدد الأضداد في المتقابلات متساوٍ، فاثنان باثنين أو ثلاثة بثلاثة، وهكذا حتى يصل التقابل إلى ستة بستة هذا هو المعروف المشهور في المقابلة. لكن ابن رشيق يرى أنه قد يقابل اثنان بثلاثة فذكر في ذلك قول أبي نواس: أرى الفضل للدنيا وللدين جامعًا ... كما السهم فيه الفوق والريش والنصل فزاد في المقابلة قسمًا؛ لأنه قابل اثنين بثلاثة وكذلك قول القيس بن الأسلت: الحَزمُ وَالقُوَّةُ خَيرٌ مِنَ ال ... إِدهانِ وَالفَكَّةِ -يعني: الضعف- وَالهاعِ يعني: الجبن والخفة. فقابل الحزم بالادهان والقوة بالفكة وهو الضعف، ويروَى الفهة وهي العين، وزاد الهاع وهو الجبن والخفة:

стр. 375

الحَزمُ وَالقُوَّةُ خَيرٌ مِنَ ال ... إِدهانِ وَالفَكَّةِ وَالهاعِ وهذه صورة من المقابلة لم تُعرف ولم تشتهر، لكنها ليست بغريبة ويمكن قبولها والتوسع في دراستها والنظر في شواهدها، فبيت أبي نواس عدّه ابن رشيق من المقابلة مع أن طرفيه مشبه وهو الفرد الجامع للدنيا والدين، ومشبه به وهو السهم الجامع للفوق والريش والنصل، وليس هناك تضاد بين أي من الثلاثة في السهم مع أي من الاثنين اللذين جمعهما الفضل. والمقابلة الشائقة في كتب المتأخرين هي المقابلة القائمة على الأضداد أو ما يقاربها، وعلى هذا فلا يكون في البيت مقابلة على المعنى المشهور، وإن كان له وجه على بعض المعايير القديمة. أما البيت الثاني، فإنه قابل فيه بين الحزم والادهان وبين القوة والفكه وبين الهاع خارجًا، وبقي الهاع خارجًا عن دائرة المقابلة، ومعناه كما قلنا: الجبن والخِفة، وهذه الكلمة الأخيرة يمكن أن تتقابل مع الأول والثاني معًا، ويبقى فيه أن العدد القليل "الحزم والقوة" خير من العدد الكثير "الادهان والفكه والهاع"، ومما يتضح في هذا الأمر قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (المجادلة: ٩)، فهذه الآية الكريمة قوبل فيها بين اثنين وثلاثة؛ ثلاثة منهي عنها واثنان مأمور بهما، فالإثم يقابله البِر ومعصية الرسول يقابلها التقوى، ويبقى العدوان وهو وسط هذه المرة، وهو يمكن أن يقابل الأمرين معًا البر والتقوى، فالخروج على البر يمكن أن يكون عدوانًا، والخروج على التقوى عدوان أيضًا، والآية توحي بأن ما ينبغي أن يتوجه إليه الإنسان أقل عددًا وكُلفةً مما هي منهي عنه، فلماذا يدع الإنسان القليل المأمور به إلى الكثير المنهي عنه؟!

стр. 376

من هنا يتضح أن العدد المفضل في المقابلة أقل من العدد المفضل عليه في البيت والآية معًا، وأنه قد يتقدم العدد المفضل الأقل ويتأخر العدد المفضول الأكثر، وقد يحدث العكس، والباب يتسع لهذا وذاك. وهي إذن صورة جديدة يمكن أن تدخل باب المقابلة وتثريها، وهي اختلاف الأعداد في المقابلات فقد يقابل الأقل بالأكثر وقد يقابل الأكثر بالأقل، وهذا بابٌ يمكن أن يتسع لدراسة متأنية تكشف أسرار بلاغته بالوقوف على شواهده المختلفة. أثر المقابلة في بلاغة الكلام وللحديث عن أثر المقابلة في بلاغة الكلام أقول: إنه سبق وأن أشرت في الطباق إلى أن الجمع بين المتقابلين من الأمور المركوزة في الطباع، والتي لها تعلق ببلاغة الكلام، ولها أثر واضح في النفوس، وتتعلق بها أغراض المتكلمين، وما قلناه هناك يقال مثله في كل ما كان من المقابلة أو حُكِمَ عليه بأنه جيد، ونحن ما زلنا مع الجمع بين المتقابلين، وعلة الحسن في الطباق قائمة على الجمع بين الضدين وهي نفس العلة التي تقوم عليها المقابلة، وهذا القدر كافٍ في إثبات الحسن الذاتي للمقابلة، وكذلك غيرها من الأساليب التي تشتمل على هذا اللون، كما أن في المقابلة ما في الطباق جمعًا بين الشيء وضده، وهذا يضفي على الكلام بهاءً وحُسنًا، ويحمل لكل من المتقابلين حسنًا لا يكون له إذا جاء وحده. ولعله من المناسب لإثبات ذلك فبعد وقوفنا على معنى المقابلة وصورها، أن نعرض لبعض النماذج التي جاءت فيها المقابلة رائعةً جيدةً، لكون المعاني

стр. 377

والأغراض هي التي استدعتها ومن ثَم رفعت من قدرها، ووقعت موقعًا حسنًا من نفوس السامعين. من جهة المقابلة في النثر ما ورد منها في القرآن الكريم حيث جاءت في أعلى درجات الإعجاز البلاغي، وقد مر بنا بعض الأمثلة في القرآن، ومنها -من غير ما سبق- قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ (الأنعام: ١٢٥)، فقد قابلت الآية بين الهداية وشرح الصدر، وبين الضلال وضيق الصدر، والآية تعزية وتسلية لرسول الله ﷺ لما يلاقيه من عناد الكفار وغرورهم، فهي إخبار من الله لرسوله ألا يهتم بأمرهم ولا يحزن عليهم، فالأمر كله لله، فمن أراد هدايته للحق وتوفيقه للخير فإنه يشرح للإسلام صدره، ويوسّع للقرآن قلبه، فعند ذلك يستنير الإسلام في قلبه ويتسع له صدره. وقد سئل رسول الله ﷺ عن شرح الصدر فقال: ((هو نور يقذفه الله في قلب المؤمن، فينشرح له وينفسح، فقالوا: فهل لذلك من أَمارة يعرف بها؟ قال ﷺ : الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت))، أما من فسدت فطرته وساءت نفسه إذا طُلِب إليه أن ينظر في الدين ويدخل فيه يجد في صدره ضيقًا وأي ضيق؛ وذلك لما استحوذ عليه قلبه وامتلأ من سيئ التقاليد والحسد، والعناد والكبر والغرور، وهذا الصنف تكون إجابة الداعي عنده ثقيلة على نفسه جدًّا، فيشعر بضيق شديد وحرج كثير، كأنه كُلف من الأعمال ما لا يطيق أو أُمر بصعود السماء. وواضح أن المقابلة أدت حقها في تأدية هذا المعنى والوفاء به، وأبرزت كلا الفريقين وحاله في الصورة التي أرادها الله لهما مما يبعث الطمأنينة ويزيل الحسن من نفس الرسول الكريم ﷺ .

стр. 378

ومن جيد المقابلة ما جاء منها في حديث الرسول ﷺ وقد مر بنا بعض أمثلته؛ من ذلك قوله ﷺ : ((تعِس عبد الدينار وعبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، إن أعطي رضي وإن منع سخط، تعس وإذا شيك فلا انتقش)) فقد قابل في الحديث بين: ((أعطى)) و ((رضي)) من جانب، وبين: ((منع)) و ((سخط)) من جانب آخر، فجاءت المقابلة رائعة خلابة. ومن جيد المقابلة قول الإمام علي ﵁ في خطابه لعثمان ﵁: "إن الحق ثقيل مري والباطل خفيف وبي"، فقابل الحق بالباطل والثقيل المري بالخفيف الوبي، ومن ذلك ما جاء من قول الحجاج بن يوسف حين أراد قتل سعيد بن جبير، فلما أحضر إليه أمر من كبّه ثم قال: مَن أنت؟ فقال: أنا سعيد بن جبير فقال: بل أنت شقي بن كسير، فقابل سعيدًا بشقي، وجبيرًا بكسير، قال العلوي معلقًا على هذه المقابلة وجودتها: كأن الحجاج من المعدودين في الفصاحة والمشار إليهم في البلاغة. ومن جيد المقابلة وألطفها قول رجل لمعاوية يعزيه في وفاة بنت له: الحمد الله الذي أكرمها بوقوفك على قبرها، ولم يخزها بوقوفها على قبرك. ومن ذلك قول الحسن ﵁: "ما رأيت يقينًا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت". ومن كلام بعض البلغاء: من أقعدته نكاية اللئام أقامته إعانة الكرام، ومن ألبسه الليل لون ليل ظلمائه نزعه النهار عنه بضيائه. ومن الأشعار مما جاءت فيه المقابلة جيدة رائعة قول أبي تمام: قد يُنعم الله بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلي الله بعض القوم بالنعم فقابل بين ينعم والبلوى وبين يبتلي والنعم.

стр. 379

ومنه كذلك قول الآخر: لعمرك ما الإنسان إلا ابن دينه ... فلا تترك التقوى اتكالًا على النسب فقد رفع الإسلام سلمان فارسًا ... وقد حط بالشرك النسيب أبو لهب حيث قابل بين رفع والإسلام وسلمان الفارسي من جهة، وبين حط والشرك وأبي لهب من جهة ثانية، فجاءت مقابلته جميلة رائعة. وهكذا نلحظ -من خلال ما سبق ذكره- أن دائرة المقابلة تتسع لتشمل ما كان من تقابل بين المعاني الحقيقية وما كان في معناها، كما تتسع دائرته لتشمل كذلك ما توافق عدده وما اختلف. وبعد هذا التطواف حول هذا اللون من ألوان البديع لنا أن نتساءل عن الفرق بين المقابلة وبين كل من مراعاة النظير والطباق؟ وهل يشترط التناسب بين المعاني المتقابلة؟ وما هو الأثر الذي يحدثه هذا الصبغ البديعي في بلاغة الكلام؟ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 380

الدرس: ١٨ تأكيد المدح بما يشبه الذم، والعكس .

стр. 381

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثامن عشر (تأكيد المدح بما يشبه الذم ، والعكس) تأكيد المدح بما يشبه الذم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ثم أما بعد: فنعيش مع لون آخذ بالألباب من ألوان البديع يسمى تأكيد المدح بما يشبه الذم، والعكس تأكيد الذم بما يشبه المدح. أسلوبٌ يقوم على مفاجأة السامع بصفةٍ من صفات المدح، حيث كان يتوقع صفة ذم وذلك باستخدام أداة من أدوات الاستثناء أو الاستدراك. كقول النابغة الذبياني: ولا عيبَ فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قِراع الكتائب فالعيب صفة ذم، وقد نفاها الشاعر عن ممدوحه، ثم استثنَى منها صفةَ مدح، وهي أن سيوفهم بها فلول من قراع الكتائب، وذلك ينم عن شجاعتهم وكثرة قتالهم، فهؤلاء لا عيبَ فيهم سوى الشجاعة إن كانت الشجاعة عيبًا، وكون الشجاعة عيبًا محال، فيكون ثبوت العيب لهم من المحال. ويتحقق التأكيد والمفاجأة بهذا الأسلوب سواء أكان المستثنى منه مثبتًا أو منفيًّا، وسواء وجد المستثنى منه أو كان الاستثناء مفرغًا، كما يتحققان أيضًا سواء أكان الاسثتناء متصلًا أم منقطعًا؛ لأن الأصل في الاستثناء أن يكون متصلًا، ومثل تأكيد المدح بما يشبه الذم تأكيد الذم بما يشبه المدح. وعليه، فإن وجه تسمية هذا اللون -بتشبيه المدح بما يشبه الذم والعكس- يكمن في أن هذا الأسلوب ألف الناس سماعه في الذم؛ لأن المتكلم عندما يذكر صفة ذم منفية أو صفة مدح مثبتة ثم يعقب بأداة استثناء أو استدراك، يتوقع السامع أن

стр. 382

المستثنى أو المستدرك سيكون ذمًّا؛ لأن هذا ما قد ألفه واعتاده من مثل هذا الأسلوب، ولكن المتكلم يعدل عن ذكر ما قد ألِفَ إلى ذكر صفة مدح يؤكد بها المدح الأول، ولهذا سمي الأسلوب تأكيد المدح بما يشبه الذم. ومثل ذلك يقال في تأكيد الذم بما يشبه المدح. وتأكيد المدح بما يشبه الذم مما سجله ابن المعتز في كتاب (البديع) وأطلق عليه هذا المصطلح، غير أنه نكر المدح فقال: "ومنها تأكيد مدح بما يشبه الذم"، ثم أطلق الحاتمي عليه الاستثناء، وتبعه على هذا المصطلح جماعة من العلماء. وربما كان سبب ذلك أن الاستثناء يمثل في هذا الفن ركيزته الأساسية، وهناك من أطلق عليه تأكيد المدح بما يوهم الذم، وربما كان ذلك مأخوذًا من ابن فارس الذي عقد بابًا في كتابه (الصاحبي) أسماه: باب إخراج الشيء المحمود بلفظ يوهم غير ذلك، وقد أخذه الثعالبي وحور فيه قليلًا فقال: "فصل في إخراج الشيء بلفظ يوهم ضد ذلك". وسار أبو العباس الجُرجاني وراء ابن فارس، وبعضهم سماه: ذكر المدح في معرض الذم، ولكن سعد الدين التفتازاني اقترح في (المطول) أن يطلق عليه تأكيد الشيء بما يشبه نقيضه؛ ليتسع لهذه الصور وغيرها مما ليس فيه مدح وذم، مما يدخل في باب التعليق بالمحال، ومن هنا ذهب إلى أن مصطلح تأكيد المدح بما يشبه الذم، قائم على الأعم الأغلب، وإلا فقد يكون ذلك في غير المدح والذم، ويكون من محسنات الكلام، كقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (النساء: ٢٢). يعني: إن أمكن لكم أن تنكحوا ما قد سلف فانحكوه، فلا يحل لكم غيره، وذلك غير ممكن، والغرض هو المبالغة في تحريمه. والمعنى: إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد مات من زوجات آبائكم فانكحوهن، فهذا النوع الوحيد المحلل لكم من أزواج آبائكم، وهذا من باب التعليق بالمحال.

стр. 383

وليس هذا هو الوجه الوحيد في معنى الآية وإن كان أرجحها عند أبي السعود. أما عند العلوي فنجد تأكيد المدح بما يشبه الذم وتأكيد الذم بما يشبه المدح أحد وجهي التوجيه، ذلك المصطلح الفضفاض عنده الذي جمع في جعبته عدة فنون بلاغية، وعلى الرغم من ذلك فإن مصطلح تأكيد المدح بما يشبه الذم ظل هو المصطلح المرضي عند جمهرة علماء هذا الفن، وفي مقدمتهم السكاكي والخطيب وشراح (التلخيص). والذي يُفهم من دلالة هذا المصطلح الشائع أن صورة المدح المراد توكيدها تأتي في معرض ما يشبه الذم، ولو لم ترد في هذه الصورة لخرجت من هذا الباب، فإذا ما نظرنا في البيت العلم الذي يعد عمدةً في هذا الباب؛ لأنه هو الذي فتح القولَ فيه، وهو قول النابغة الذبياني: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب فما الذي نره؟ إنك تجده يبدؤك بنفي جنس العيب عنهم، فينفي أن يكون فيهم عيب أي عيب، فلا هنا نافية للجنس، وقبل أن تستقر في وعيك هذه الحقيقة -وهو أنهم قوم لا شيء من العيب فيهم- جاءتك أداة الاستثناء غير، وأنت لا تستثني مما مضَى إلا ما هو داخل فيه، وفي هذا إيهام بأن هناك شيئًا من العيب يمكن أن يَلحق بهم، ويستمر هذا الوهم معك وهو ينشد ما بعد أداة الاستثناء: "أن سيوفهم بهن فلول". ويظل وهمُك باقيًا مع هذا الاستمرار حتى إذا ما وصل إلى آخر العبارة الماضية، وهو لا يصل إليها في إنشاد الشعر إلا بعد وقت طويل بالمقارنة بقراءة الجملة النثرية، ويزيد في زمن الإنشاد أن هذه الفقرة موزعة بين شطري البيت، ومن المحتمل أن يكون إنشاد الشعر عندهم كان قائمًا على أساس من إنشاد كل شطر وحده. أقول: إن وهمك يظل باقيًا مع استمرار الإنشاد ويظل ذهنك مترقبًا لهذا

стр. 384

العيب الذي سيجيء، وتظل في حالة شوق إليه ولهفة عليه، حتى إذا ما انتهى من إنشاد الفقرة الماضية ووصل إلى آخرها، أدركتَ أن هذا العيب المستثنى بـ"غير" من جنس العيب المنفي سابقًا، ففلول السيف في الأصل عيب، وإذا كانت سيوفهم بهن فلول فإن هذا يعيبهم، وهنا يستقر ذهنك وينتهي ترقبك ويهدأ بالك، ولكن قبل أن تطمئن إلى ذلك يأتي قوله: "من قراع الكتائب"، فيتبين لك أن ما توهمته عيبًا، وأوحَى إليك الشاعر به وعمد إلى تقريره في نفسك على أنه من صفة العيب المستثناة، لم يكن كذلك، وإنما هو تثبيت لنفي جنس العيب وترسيخ له. فأن يكون فلول السيوف بسبب الحرب والنزال ومقارعة الأعداء فهذا إثبات للشجاعة بالدليل الحسي المشاهد، فلا تفل السيوف إلا من شدة المنازلة وقوة المقارعة. فانظر كيف تلاعب الشاعر بتصوراتك وكيف قاد وهمك وذهنك بين المدح بنفي العيب نفيًا مطلقًا فأوهمك أن هناك عيبًا لاحقًا به، فالارتداد بك إلى ما بدأك به، وما كنت تتقلب هذا التقلب وتنتقل هذه الانتقالات، لو أن الشاعر اكتفَى بالاستثناء وحده ثم فاجأك بالصفة المستثناة التي يتبين لك سريعًا أنها من قبيل المدح الصراح. إن فلول السيف عيب حقيقي وإثباتها للممدوحين إثبات حقيقي، ولكن الذي قلب ما أوحت به هذه الصورة رأسًا على عقب، هو أن هذا لم يكن لإهمالهم السيوف أو عدم انتقائها عند الشراء بحيث يختارون أردأها، ولكن هذا كان من الحرب ومنازلة الأعداء، فانتفت حينئذ صفة العيب وثبت في الوقت نفسه ضدها، وهو أن فلول السيوف على هذه الصورة من المفاخر. ومن هنا تجيء الخلابة في هذا الباب، ويأتي توجيه الذهن إلى وجهات متناقضة في لحظات متتابعة متلاحقة. وانظر أيضًا إلى شاهد ابن المعتز في الإثبات

стр. 385

وهو علم في الضرب الثاني من ضروب تأكيد المدح بما يشبه الذم، غير أنه دون ما سبقه شهرةً وذيوعًا، يقول: فتًى كملت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يبقي من المال باقيا إن الشاعر هنا أثبت لممدوحه كمال الأخلاق، وهذا وصف يتنافَى معه إثبات أي صورة من صور النقص، فلما جاء الاستثناء وقع في وهمك أن هناك شيئًا من النقص يمكن أن ينقض ما استقر في وهمك وثبت فيه، ثم جاء قوله: "جواد" ليردك عن هذا الوهم، فليس الجود صفةً من الصفات المذمومة التي يصح أن تستثنَى من كمال الأخلاق، وبهذا لا يستقر الوهم عندك كما استقر في البيت الماضي. ولا يتطلع ذهنك إلى صفة العيب المثبتة كما تَطَلَّع هناك، وحتى هذه اللحظة يكون إيهام الذم قد تلاشى بسرعة واختفى أثره قبل أن يتمكن من النفس، لكن قوله: "فما يبقي من المال باقيًا" التي تلت صفة الجود قد ترجعك مرة أخرى إلى إيهام الذم، فالجود له حدود ولكن إذا تجاوز حدوده اتهم صاحبه، ولو ممن قد يصيبهم هذا الكرم البالغ مداه بالضرر كالزوجة والأولاد وهذا حديث شرحه يطول. ولكن عند التحقيق لا ترى في هذا شيئًا من العيب، ولم يصل حاتم الطائي إلى ما وصل إليه إلا بأنه كان لا يبقي من المال باقيًا، ولم يبلغ أبو بكر الصديق ﵁ من المنزلة في العطاء ما بلغ إلا حين ما ذهب بكل ما يملك إلى رسول الله ﷺ ولم يبقِ لأهله وأولاده إلا الله ورسوله. والرسول ﷺ هو المثل الأعلى الذي لا يدانَى في هذا الميدان، ولو كان العطاء الذي يأتي على المال كله عيبًا، لَمَا صنع التاريخ من هذه النماذج المُثل العليا في هذا الباب، فليس إذًا في إفناء المال في الجود شيء يتناقض مع كمال الأخلاق الذي أثبته في صدر هذا البيت. ولكن هذا لم يثبت إلا

стр. 386

بعد عَرْضه على العقل والوقائع والمثل العليا في هذا الباب، ولم يؤخَذ من نص في كلام. وبهذا ترى فرقا بين البيت الماضي: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب وهذا البيت: فتى كملت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يبقي من المال باقيا يتمثل هذا الفرق في أن البيت الأول بدأ بنفي جنس العيب ثم استثنى ما يُوهِم أنه عيب، وأن الأخير بدأ بإثبات كمال الأخلاق، ثم استثنى صفة مدح صريحة واضحة ليس فيها إيهام عيب كسابقه. ثم أعقبه ببيان درجة هذا الجود وهو أنه لا يبقي من المال باقيًا. وليس هذا هو الفرق فقط وإن كان فرقًا واضحًا، ولكن هناك فرقا آخر وهو أن إثبات صفة المدح بعد الاستثناء ورَفع الوهم الذي فيه أُخِذَ في البيت الأول من نص الكلام، وهو أن فلول السيوف من قراع الكتائب، أما في البيت الثاني فإنه لم يؤخذ من نص مذكور في البيت، فالوهم جاء من الاستثناء، ثم دفعه إثبات صفة الجود ثم رده إلى مكانه بيانُ درجة هذا الجود، وهو أنه لا يبقي من المال باقيًا، ثم تركك عند هذا الحد لترتد إلى المثل العليا ووقائع التاريخ، حتى يتبين لك أن هذا ليس من العيب في شيء، وأن النماذج الفذة في العطاء لم تصل إلى ما وصلت إليه إلا لأنها لم تكن -أي: تلك النماذج- تبقي من المال باقيًا. وبهذا الاستنتاج العقلي يدخل الممدوح في الإطار الذي دخلت فيه هذه النماذج الخالدة، وهذا أقصى ما يطمح إليه إنسان. ونظيره البيت السابق: فتى كملت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يبقي من المال باقيا قول ابن المقرب: وسلاب أرواح الكماة لدى الوغى ... ولكن مرجيه لدى السلم سالبه

стр. 387

فما قبل لكن وصفٌ للممدوح بالجرأة والشجاعة لدى الوغى، وما بعد لكن وصف آخر بالكرم وتحقيق الرجاء. ونلاحظ أن الذي ذُكِر في البيت أداة استدراك وليس أداة استثناء. ومنه قول بديع الزمان الهمذاني: هو البدر إلا أنه البحر زاخر ... سوى أنه الضرغام لكنه الوبل وقول الآخر: أخو ثقة لا تهلك الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله ومن تأكيد المدح بما يشبه الذم -وهذه صورة ثالثة يأتي عليها هذا الضرب من ألوان البديع- ما يوهم ظاهره أنه ذم خالص، كقول بعضهم: ولا عيب فيهم غير شح نسائهم ... ومن المكارم أن يكن شحاحا فقراءة الشطر الأول لا تدل على مدح، فالشح عيب ولا خيرَ فيه، وفي القرآن الكريم: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: ٩) هكذا على الإطلاق لا فرق بين الرجال والنساء في ذلك، وعلى هذا يكون ما استثناه عيبًا بل عيبًا شنيعًا، وناهيك بالشح عيبًا وشناعةً، ولكن الشاعر حينما قال: "ومن المكارم أن يكن شحاحًا". مَحَا ما وقع في وهمك أولًا، وبين أن هذا من المكارم، ولولا ما جاء في الشطر الثاني لما كان الشطر الأول إلا ذمًّا خالصًا. وربما عنَى بذلك أنهن يحافظن على أموال أزواجهن فلا يسرفن في الإنفاق كما هو الشأن في المرأة، ولا يبذرن ولا يخرجن منها إلا ما أذن فيه الأزواج، فسمى ذلك شُحًّا؛ مبالغةً في صورة المحافظة على المال، وهو في الحقيقة ليس كذلك، وهذا نوع جديد غير ما مضى. ومن تأكيد المدح بما يشبه الذم قول حاتم الطائي: وما تتشكى جارتي غير أنني ... إذا غاب عنها بعلها لا أزورها فيبلغها خيري ويرجع أهلها ... إليها ولم تقصر علي ستورها

стр. 388

ففي صدر البيت الأول ينفي شكوى جارته منه، والشكوى إنما تكون من أمر غير مرضي من قبل الشاكي، وأن تفعل مع جيرانك ما يرضيهم ولا يشكون منه فهذا أمر حسن تُحمد عليه، وهو من حسن الجوار الذي تدعو إليه مكارم الأخلاق وشرائع السماء. وفي هذا مدح للنفس وفخر بفعالها، فلما جاء الاستثناء "غير" أوقع في وهمك أن هناك شيئًا تشكو منه الجارة، وبالتالي فإنه يوهم أنك فعلت معها ما لا يرضيها، فلا تكون الشكوى إلا من ذلك، وهذا يقلل من مدحه لنفسه الذي بدأ به. ومع هذا الوهم الذي يتبعه ترقب ما فعله معها وانتظار خبره، واللهفة المصاحبة لذلك، يستمر في إنشاده: "إنني إذا غاب عنها بعلها" فنحن حتى هذه اللحظة لا نعرف ماذا يفعل معها حينما يغيب عنها بعلها وهو ما تشكوه منه، وقد يذهب بك الظن كل مذهب في تقدير هذا الذي يفعله مع جارته في غياب بعلها. ولكن حينما يأتي إلى نهاية البيت تعرف جوابَ الشرط وهو: "لا أزورها". وعدم زيارة الجارة في غيبة الزوج ليس من العيب في شيء، بل هو مما يتمدح به العربي قبل الإسلام؛ دلالةً على حفظ الجوار وحفظ غيبة جاره. وقد يُظن أن هذه الصورة قريبة من بيت النابعة: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب في طريقة البِناء، ونوع الخَلابة، واتجاه الظنون، وقيام الوهم، ولكن الأمر ليس كذلك، ذلك أن بيت النابغة وصل إلى مداه بمعرفة سبب فلول سيوف الممدوحين، وانتهى الأمر عند هذا الحد. ولكن الوصول إلى جواب الشرط هنا هو الذي يرفع الوهم ولكن لا يرفع الإشكال كله، وإن كان قد نفَى الوهم القائم، فعدم الزيارة لجارته قد يوهم إهمال أمرها، وعدم برها، والانصراف عن رعايتها، وقطع حبال الجوار قطعًا كاملًا، وهذا يعيبه وينتقص من قدر مدحه لنفسه وافتخاره بفعاله، على الرغم من أن نفي الزيارة في غياب البعل مدح له

стр. 389

ومَكرُمة تحمد له. ومن هنا اضطر حاتم الطائي أن ينفي هذا الوهمَ الذي طرأ بالبيت التالي: سيبلغها خيري ويرجع أهلها ... إليَّ ولم تقصر علي ستورها لا تلازم إذًا بين الزيارة وبين وصول الخير إليها، فالخير يمكن أن يصلها بدون زيارة، فالصلة والمودة والمعروف ورعاية المصالح وقضاء الحاجات والدفاع عنها عند الحاجة، وما شاكل ذلك، يتحقق له من غير الزيارة، ومن هنا ارتفع الوهم الذي جاء به الشرط في البيت الماضي. والملاحظ هنا: أنه نفَى أن تقصر عليه ستورها، وهو بذلك يعني نفي الزيارة المريبة، وهذا لا يمنع أن يرى جارته خارجَ الستور إذا كان هناك ما يدعو إلى ذلك من طلب حاجة، أو دفع مضرة، أو ما يجري مجرى ذلك، وبهذا ترى أن الوهم هنا وهم يبدو ويختفي، ويتجدد وينتهي على التوالي والتكرار، وليس الأمر كذلك فيما مضى من شواهد وأمثلة. وبهذا تختلف هذه الصورة عما مضى. ومما يقرُب من هذه الصورة في الحاجة إلى البيان والإيضاح والشرح، قول أبي هفان وهو المستحسن عند الحاتمي في هذا الباب: فإن تسألي عنَّا فإنَّا حلا العلا ... بني عامر والأرض ذات المناكب ولا عيب فينا غير أن سماحنا ... أضر بنا والبأس من كل جانب وأفنَى الردى أعمارنا غير ظالم ... وأفنى الندى أموالنا غير عائب أبونا أب لو كان للناس كلهم ... أبًا واحدًا أغناهم بالمناقب فجنس العيب المنفي جاء بعده الاستثناء؛ ليوهمك بأن هناك شيئًا من العيب، ثم أثبت للسماح والبأس إيقاع الضرر بهم من كل جانب، والضرر على هذه الصورة ضرر شامل، وهذا يردك مرة أخرى إلى التوهم والترقب والانتظار؛ لتعرف طبيعةَ هذا الضرر، وجاء البيت التالي ليبين لك طبيعة الضرر، فإذا به

стр. 390

يثبت للناس والأرواح وللندى أفناءَ الأموال، وهذا عند التأمل ومراجعة التاريخ والوقائع والمثل والنماذج، قمةُ الفخر في هاتين الصفتين، غير أن الشاعر أعانك على هذا الاستنتاج وراح يتركك؛ لتتأمل ولتراجع ما قاله. وإنما نَفَى الظلم عن البأس في إفنائه للأرواح، ونفى العيب عن الندى في إفنائه للأموال، أي: أن ما أراد أن يوهمك بأنه ضرر ثابت للبأس والندى، عاد هو نفسه ونفى ما أثبته أولًا. ولولا البيت الثاني لبقي الوهمُ قائمًا في النفس، وإثبات البأس والسماح لنفسه ولقومه لا يكفي مطلقًا في إزاحة هذا الوهم والقضاء عليه، فكان لابد من البيان والإيضاح في البيت الثاني. ومن تأكيد المدح بما يشبه الذم قول ابن نباتة: ولا عيب فيها غير سحر جفونها ... وأحبب بها سحارة حين تسحر ففتاتُه لا عيبَ فيها سوى الجمال وسحر الجفون، لو عد سحر الجفون عيبًا، وكونه عيبًا محال، والملاحظ أن أداة الاستثناء المستخدمة هنا في كل ما مضى هي "غير" وهي الأداة الغالبة في معظم ما ذكر من صور هذا الباب، ولكنها ليست الأداة الوحيدة المستخدمة، فقد استخدم بعض الشعراء "سوى" في قليل مما ورد. فمن ذلك قول أبي تمام: تنصل ربها من غير جرم ... إليك سوى النصيحة والوداد فنفى مطلق الجرم هنا نفيًا عامًّا، ثم استثنى بـ"سوى" فأوهمك أن هناك شيئًا من الجرم، ثم جاء بعد ذلك بما ليس من الجرم في شيء وهو النصيحة والوداد، ومثل هذه الصورة التي يكون ما بعد أداة الاستثناء فيها ليس من قبيل ما يوهم الذم، وإن كانت غير مذهب ابن رشيق الذي سبق، فإن فيها إيهامًا بالذم بمجرد ذكر أداة الاستثناء، ولكنها وإن دخلت هذا الباب فإنها لا تبلغ مبلغ الصور التي يوهم فيها ما بعد أداة الاستثناء الذم. وكلما كان زمن الإيهام أطولَ كان أبلغَ؛
следующие страницы →