Полный текст (467 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
بعد عَرْضه على العقل والوقائع والمثل العليا في هذا الباب، ولم يؤخَذ من نص في كلام. وبهذا ترى فرقا بين البيت الماضي:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
وهذا البيت:
فتى كملت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يبقي من المال باقيا
يتمثل هذا الفرق في أن البيت الأول بدأ بنفي جنس العيب ثم استثنى ما يُوهِم أنه عيب، وأن الأخير بدأ بإثبات كمال الأخلاق، ثم استثنى صفة مدح صريحة واضحة ليس فيها إيهام عيب كسابقه. ثم أعقبه ببيان درجة هذا الجود وهو أنه لا يبقي من المال باقيًا. وليس هذا هو الفرق فقط وإن كان فرقًا واضحًا، ولكن هناك فرقا آخر وهو أن إثبات صفة المدح بعد الاستثناء ورَفع الوهم الذي فيه أُخِذَ في البيت الأول من نص الكلام، وهو أن فلول السيوف من قراع الكتائب، أما في البيت الثاني فإنه لم يؤخذ من نص مذكور في البيت، فالوهم جاء من الاستثناء، ثم دفعه إثبات صفة الجود ثم رده إلى مكانه بيانُ درجة هذا الجود، وهو أنه لا يبقي من المال باقيًا، ثم تركك عند هذا الحد لترتد إلى المثل العليا ووقائع التاريخ، حتى يتبين لك أن هذا ليس من العيب في شيء، وأن النماذج الفذة في العطاء لم تصل إلى ما وصلت إليه إلا لأنها لم تكن -أي: تلك النماذج- تبقي من المال باقيًا. وبهذا الاستنتاج العقلي يدخل الممدوح في الإطار الذي دخلت فيه هذه النماذج الخالدة، وهذا أقصى ما يطمح إليه إنسان. ونظيره البيت السابق:
فتى كملت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يبقي من المال باقيا
قول ابن المقرب:
وسلاب أرواح الكماة لدى الوغى ... ولكن مرجيه لدى السلم سالبه
стр. 387
فما قبل لكن وصفٌ للممدوح بالجرأة والشجاعة لدى الوغى، وما بعد لكن وصف آخر بالكرم وتحقيق الرجاء. ونلاحظ أن الذي ذُكِر في البيت أداة استدراك وليس أداة استثناء. ومنه قول بديع الزمان الهمذاني:
هو البدر إلا أنه البحر زاخر ... سوى أنه الضرغام لكنه الوبل
وقول الآخر:
أخو ثقة لا تهلك الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله
ومن تأكيد المدح بما يشبه الذم -وهذه صورة ثالثة يأتي عليها هذا الضرب من ألوان البديع- ما يوهم ظاهره أنه ذم خالص، كقول بعضهم:
ولا عيب فيهم غير شح نسائهم ... ومن المكارم أن يكن شحاحا
فقراءة الشطر الأول لا تدل على مدح، فالشح عيب ولا خيرَ فيه، وفي القرآن الكريم: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: ٩) هكذا على الإطلاق لا فرق بين الرجال والنساء في ذلك، وعلى هذا يكون ما استثناه عيبًا بل عيبًا شنيعًا، وناهيك بالشح عيبًا وشناعةً، ولكن الشاعر حينما قال: "ومن المكارم أن يكن شحاحًا". مَحَا ما وقع في وهمك أولًا، وبين أن هذا من المكارم، ولولا ما جاء في الشطر الثاني لما كان الشطر الأول إلا ذمًّا خالصًا. وربما عنَى بذلك أنهن يحافظن على أموال أزواجهن فلا يسرفن في الإنفاق كما هو الشأن في المرأة، ولا يبذرن ولا يخرجن منها إلا ما أذن فيه الأزواج، فسمى ذلك شُحًّا؛ مبالغةً في صورة المحافظة على المال، وهو في الحقيقة ليس كذلك، وهذا نوع جديد غير ما مضى. ومن تأكيد المدح بما يشبه الذم قول حاتم الطائي:
وما تتشكى جارتي غير أنني ... إذا غاب عنها بعلها لا أزورها
فيبلغها خيري ويرجع أهلها ... إليها ولم تقصر علي ستورها
стр. 388
ففي صدر البيت الأول ينفي شكوى جارته منه، والشكوى إنما تكون من أمر غير مرضي من قبل الشاكي، وأن تفعل مع جيرانك ما يرضيهم ولا يشكون منه فهذا أمر حسن تُحمد عليه، وهو من حسن الجوار الذي تدعو إليه مكارم الأخلاق وشرائع السماء. وفي هذا مدح للنفس وفخر بفعالها، فلما جاء الاستثناء "غير" أوقع في وهمك أن هناك شيئًا تشكو منه الجارة، وبالتالي فإنه يوهم أنك فعلت معها ما لا يرضيها، فلا تكون الشكوى إلا من ذلك، وهذا يقلل من مدحه لنفسه الذي بدأ به. ومع هذا الوهم الذي يتبعه ترقب ما فعله معها وانتظار خبره، واللهفة المصاحبة لذلك، يستمر في إنشاده: "إنني إذا غاب عنها بعلها" فنحن حتى هذه اللحظة لا نعرف ماذا يفعل معها حينما يغيب عنها بعلها وهو ما تشكوه منه، وقد يذهب بك الظن كل مذهب في تقدير هذا الذي يفعله مع جارته في غياب بعلها. ولكن حينما يأتي إلى نهاية البيت تعرف جوابَ الشرط وهو: "لا أزورها". وعدم زيارة الجارة في غيبة الزوج ليس من العيب في شيء، بل هو مما يتمدح به العربي قبل الإسلام؛ دلالةً على حفظ الجوار وحفظ غيبة جاره. وقد يُظن أن هذه الصورة قريبة من بيت النابعة:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
في طريقة البِناء، ونوع الخَلابة، واتجاه الظنون، وقيام الوهم، ولكن الأمر ليس كذلك، ذلك أن بيت النابغة وصل إلى مداه بمعرفة سبب فلول سيوف الممدوحين، وانتهى الأمر عند هذا الحد. ولكن الوصول إلى جواب الشرط هنا هو الذي يرفع الوهم ولكن لا يرفع الإشكال كله، وإن كان قد نفَى الوهم القائم، فعدم الزيارة لجارته قد يوهم إهمال أمرها، وعدم برها، والانصراف عن رعايتها، وقطع حبال الجوار قطعًا كاملًا، وهذا يعيبه وينتقص من قدر مدحه لنفسه وافتخاره بفعاله، على الرغم من أن نفي الزيارة في غياب البعل مدح له
стр. 389
ومَكرُمة تحمد له. ومن هنا اضطر حاتم الطائي أن ينفي هذا الوهمَ الذي طرأ بالبيت التالي:
سيبلغها خيري ويرجع أهلها ... إليَّ ولم تقصر علي ستورها
لا تلازم إذًا بين الزيارة وبين وصول الخير إليها، فالخير يمكن أن يصلها بدون زيارة، فالصلة والمودة والمعروف ورعاية المصالح وقضاء الحاجات والدفاع عنها عند الحاجة، وما شاكل ذلك، يتحقق له من غير الزيارة، ومن هنا ارتفع الوهم الذي جاء به الشرط في البيت الماضي. والملاحظ هنا: أنه نفَى أن تقصر عليه ستورها، وهو بذلك يعني نفي الزيارة المريبة، وهذا لا يمنع أن يرى جارته خارجَ الستور إذا كان هناك ما يدعو إلى ذلك من طلب حاجة، أو دفع مضرة، أو ما يجري مجرى ذلك، وبهذا ترى أن الوهم هنا وهم يبدو ويختفي، ويتجدد وينتهي على التوالي والتكرار، وليس الأمر كذلك فيما مضى من شواهد وأمثلة. وبهذا تختلف هذه الصورة عما مضى. ومما يقرُب من هذه الصورة في الحاجة إلى البيان والإيضاح والشرح، قول أبي هفان وهو المستحسن عند الحاتمي في هذا الباب:
فإن تسألي عنَّا فإنَّا حلا العلا ... بني عامر والأرض ذات المناكب
ولا عيب فينا غير أن سماحنا ... أضر بنا والبأس من كل جانب
وأفنَى الردى أعمارنا غير ظالم ... وأفنى الندى أموالنا غير عائب
أبونا أب لو كان للناس كلهم ... أبًا واحدًا أغناهم بالمناقب
فجنس العيب المنفي جاء بعده الاستثناء؛ ليوهمك بأن هناك شيئًا من العيب، ثم أثبت للسماح والبأس إيقاع الضرر بهم من كل جانب، والضرر على هذه الصورة ضرر شامل، وهذا يردك مرة أخرى إلى التوهم والترقب والانتظار؛ لتعرف طبيعةَ هذا الضرر، وجاء البيت التالي ليبين لك طبيعة الضرر، فإذا به
стр. 390
يثبت للناس والأرواح وللندى أفناءَ الأموال، وهذا عند التأمل ومراجعة التاريخ والوقائع والمثل والنماذج، قمةُ الفخر في هاتين الصفتين، غير أن الشاعر أعانك على هذا الاستنتاج وراح يتركك؛ لتتأمل ولتراجع ما قاله. وإنما نَفَى الظلم عن البأس في إفنائه للأرواح، ونفى العيب عن الندى في إفنائه للأموال، أي: أن ما أراد أن يوهمك بأنه ضرر ثابت للبأس والندى، عاد هو نفسه ونفى ما أثبته أولًا. ولولا البيت الثاني لبقي الوهمُ قائمًا في النفس، وإثبات البأس والسماح لنفسه ولقومه لا يكفي مطلقًا في إزاحة هذا الوهم والقضاء عليه، فكان لابد من البيان والإيضاح في البيت الثاني. ومن تأكيد المدح بما يشبه الذم قول ابن نباتة:
ولا عيب فيها غير سحر جفونها ... وأحبب بها سحارة حين تسحر
ففتاتُه لا عيبَ فيها سوى الجمال وسحر الجفون، لو عد سحر الجفون عيبًا، وكونه عيبًا محال، والملاحظ أن أداة الاستثناء المستخدمة هنا في كل ما مضى هي "غير" وهي الأداة الغالبة في معظم ما ذكر من صور هذا الباب، ولكنها ليست الأداة الوحيدة المستخدمة، فقد استخدم بعض الشعراء "سوى" في قليل مما ورد. فمن ذلك قول أبي تمام:
تنصل ربها من غير جرم ... إليك سوى النصيحة والوداد
فنفى مطلق الجرم هنا نفيًا عامًّا، ثم استثنى بـ"سوى" فأوهمك أن هناك شيئًا من الجرم، ثم جاء بعد ذلك بما ليس من الجرم في شيء وهو النصيحة والوداد، ومثل هذه الصورة التي يكون ما بعد أداة الاستثناء فيها ليس من قبيل ما يوهم الذم، وإن كانت غير مذهب ابن رشيق الذي سبق، فإن فيها إيهامًا بالذم بمجرد ذكر أداة الاستثناء، ولكنها وإن دخلت هذا الباب فإنها لا تبلغ مبلغ الصور التي يوهم فيها ما بعد أداة الاستثناء الذم. وكلما كان زمن الإيهام أطولَ كان أبلغَ؛
стр. 391
ولأنه حينئذٍ يبلغ بالخَلابة مداها، ويبلغ بتلاعبه بتصوراتك غايته، وكلما كان زمن الإيهام أقصرَ كان أقل بلاغة. ومما ورد فيه استخدام "سوى" أيضًا قول الآخر:
ما فيه من عيب سوى فتور عينيه فقط ... وفتور العينين يوهم العين
ولكنه عند التحقيق لا تراه كذلك، فإنه مما يستحسن في النساء، وبهذا تكون هذه الصورة غير ما سبقها فيما يلي أداة الاستثناء، وهكذا ترى في كل صورة خاصية ليست في غيرها. ومن ذلك قول صفي الدين الحلي:
لا عيب فيهم سوى أن النزيل بهم ... يسلو عن الأهل والأوطان والحشم
فكون النزيل بهم يسلو عن الأهل والوطن والحشم ليس عيبًا، بل هو دليل كرمهم وبرهان حسن ضيافتهم. ومنه قول ابن الرومي:
ليس له عيب سوى أنه ... لا تقع العين على شبهه
فجعل انفرادَه بالحسن وعدم وقوع العين على شبيه له عيبًا، فزاد بهذا من حسنه وأكد جماله. أما "إلا" -وهي عمدة باب الاستثناء- فإن ما ورد منها في صور الإثبات ليس بشيء على الإطلاق، وانظر إن شئت إلى قول بديع الزمان الهمذاني يمدح خلف بن أحمد الساجستاني:
هو البدر إلا أنه البحر زاخر ... سوى أنه الضرغام لكنه الوبل
أو قول ابن قلاقس:
هو الثغر إلا أنه البدر طالع ... على أنه الكافور لكنه الوبل
وفتش عما فيه ما من صور الخلابة التي رأيتها فيما سبق من صور، أو مقدار الإيهام الذي لا بد منه في هذا الباب، بل فتش إن شئت عن الجمال والبيان في أي
стр. 392
منهما، فإنك لا تجد من ذلك شيئًا. أما في صور النفي فإن للأداة "إلا" باعًا واتساعًا ليس لغيرها من الأدوات الأخرى، وفي الاستثناء المفرغ على وجه الخصوص تتبدى فيه أسرار عديدة وعجيبة، وفي القرآن الكريم من صوره الكثير، وليس الأمر على ما ذكر ابن أبي الإصبع من أنه لم يجد منه في كتاب الله إلا آية واحدة احتال على تأويلها؛ ليدخلها في هذا الباب، وهو قوله -جل شأنه: ﴿قُلْ يَا أَهْل الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾ (المائدة: ٥٩) وأضاف السيوطي إلى هذه الآية في هذا الباب قولَه تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (التوبة: ٧٤) وقوله: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ (الحج: ٤٠) وينقل أيضًا عن التنوخي في (الأقصى القريب) استشهاده في هذا الباب بقوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ (الواقعة: ٢٥، ٢٦).
وهذا الذي أجهد ابن أبي الإصبع نفسه ودَعَا السيوطي إلى الاستدراك عليه والاستعانة بالنقل عن التنوخي، تعرض له الزمخشري في تفسيره، وأدخله في هذا الباب صراحةً، وتوقف عند ما ذكره هؤلاء من الآيات وما لم يذكروه كآية النساء: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وقد سبق الكلام فيها. وآية الأعراف: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا﴾ (الأعراف: ١٢٦)، وآية مريم: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ (مريم: ٦٢) وآية البروج: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (البروج: ٨). وسار على طريق الزمخشري في هذه الآيات أبو السعود في تفسيره، والشوكاني في (فتح القدير) فالموضوع قديم إذًا وضع هذه الآيات المتعددة في إطار تأكيد المدح بما يشبه الذم، أو في باب: "ولا عيبَ فيهم" قديم أيضًا. بل إن الأمر أقدم من
стр. 393
هؤلاء المفسرين، فقد نقل الشوكاني اختلافَ النحويين في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ (الحج: ٤٠) فذهب سيبويه: إلى أنه استثناء منقطع، وذهب الفراء والزجاج: إلى أنه متصل، والتقدير: الذين أخرجوا من ديارهم بلا حق إلا بأن يقولوا ربنا الله، فيكون مثل قوله سبحانه: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا﴾ وقول النابغة:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
وإذا أرجعنا البصرَ إلى ما ينقمه الكفار من المؤمنين وجدنا أنه الإيمان، وهو بالنسبة إلى الكفار عيب حقيقي، بل عيب قاتل في جماعة الإيمان، وإن كان عند المؤمنين مفخرة المفاخر. وهذا يختلف عما مضى من أن إيهام العيب هناك ونفيه لا يختلف النظر فيه بين إنسان وإنسان، أما هنا فالقضية مختلفة، وأن ما نقمه الكفار هو موضع للنقمة عندهم فقط وفي نظرهم فقط، ولكنه عند المؤمنين موضع للفخر. وهذا فرق أساسي. أما ما نقمه المنافقون فهو أن أغناهم الله ورسوله من فضله، وقد يبدو أن هذا ليس من قبيل ما ينقم في نظر المنافقين، فهو خير إسداء لهم رسول الله ﷺ فقد أغناهم بعد فقر، ولكن عند إمعان النظر نجد أن هذا أيضًا من قبيل ما مضى، فالمنافق يؤذيه أن يكون للرسول ﷺ عليه يد أو فضل، وبهذا يكون إغناءُ الرسول له موضعًا للنقمة عنده، وكلما زاد الرسول عطاءً زاد هو غيظًا وحقدًا أو حسدًا وبغضاءً، وهذه هي طبيعة النفاق وشأن المنافقين دائمًا، فعطاء الرسول لهم موضع للنقمة كذلك عند المنافقين، وإن كان بالنسبة إلى رسول الله جزاء من طبيعته وأخلاقه، وعلى هذه الطريقة جاء قول عبد الله بن قيس الرقيات:
ما نقموا من بني أمية ... إلا أنهم يحملون إذا غضبوا
стр. 394
ولا يتوقف الأمر في هذا الباب عند أدوات الاستثناء، فقد جاء توكيد المدح بما يشبه الذم بـ"لولا" ومما ورد من ذلك قول عمر في علي ﵄: "لله دره لولا دعابة فيه". فالدعابة لا تعيب الرجال العظام، ولا تنافي الخلافةَ وتولي أمور المسلمين، ولو كان في علي صفة ذم على الحقيقة لكانت أولى بالذِّكر في هذا المقام. وهكذا نرى أن هذا الباب يكون بأدوات الاستثناء وبغيرها، وإن كانت أدوات الاستثناء هي الأصل في هذا الباب، حتى سماه الحاتمي وأصحابه باسم الاستثناء -كما سبق أن ذكرتُ- وأن "غير" هي المقدمة في هذا الباب على كل الأدوات في الإثبات والنفي على السواء، وأن "إلا" لم يصل إلينا من صور الإثبات منها إلا ما لا قيمةَ له، وأما في صور النفي وخاصة الاستثناء المفرغ فإن لها مكانةً ومنزلةً، وناهيك بآيات القرآن في هذا الباب. وأما الاستدراك الذي أنزلوه منزلةَ الاستثناء، فإن ما ورد منه هو نفس ما ورد في "إلا" في الإثبات، وهو بيت بديع الزمان الهمذاني، وبيت ابن قلاقس الماضيان، وهما على الترتيب:
هو البدر إلا أنه البحر زاخر ... سوى أنه الضرغام لكنه الوبْل
وقول ابن قلاقس:
هو الثغر إلا أنه البدر طالع ... على أنه الكافور لكنه الوبل
ويعنون بالاستدراك ورود "لكن" التي جاءت في آخر البيتين: "لكنه الوبل". وهو أيضًا ليس بشيء -كما سبق أن ذكرنا- ونحن هنا لا نتحدث حديثًا نظريًّا، وإنما نتحدث في إطار الواقع الفعلي لصور هذا الباب كما ورد في فصيح الكلام، على أن هذا لا يعني أن الباب في صور "إلا" في الإثبات والاستدراك وأدوات الاستثناء الأخرى التي لم نعثر على شواهد لها قد أغلق، لكنه قد تكون هناك صور أخرى لهذه الأدوات ولم تصل إلى علمنا، وقد يتاح لها من مقتدري الشعراء والأدباء
стр. 395
مَن يصل بها أو بإحداها إلى ما وصلت إليه "غير" و"إلا" في الاستثناء المفرغ، وليس هذا ببعيد.
أما وجه التوكيد فإنه في إثبات صفة المدح أو نفي صفة الذم إذا ما أتت بعد أي منهما أداة استثناء أو ما يشاكلها، فإنها تردك عما استقر في ذهنك من إثبات ما ثبت أو نفي ما نفي، والشأن فيما يأتي بعد أداة الاستثناء أن يكون مخالفًا لما قبلها، أي: أن يكون من قبيل الذم، فإذا ما جاء بعدها صفة مدح كان ذلك تثبيتًا لمَا مضى من المدح وتأكيدًا له، فلو كانت هناك صفة ذم على الحقيقة لكانت أولى بالذكر في هذا المقام، فلَمَّا لَمْ يجد المتكلم ما يستثنيه من صفات الذم أثبت صفةَ مدحٍ أخرى ترسخ ما سبق من وصف، وعلى هذا يكون مجرد ذكر أداة الاستثناء كافيًا في هذا المقام، وإن كان ابن رشيق يذهب مذهبًا آخرَ سبق الكلام عليه. لكنه مع التسليم بأن مجرد ذكر أداة الاستثناء يوهم بأن ما سيأتي من صفات مخالف لِمَا سبق، فإن طول أمد هذا الوهم بأن يذكر بعد أداة الاستثناء ما يوهم أنه من صفات الذم من حيث ظاهره، يعطي لهذا اللون سحرًا بلاغيًّا خاصًّا -كما سبق تفصيل القول فيه.
ثم إن صورة النفي لها وجه آخر من وجوه التوكيد، وهو أن تقدير الاتصال في الاستثناء يحوله إلى باب التعليق بالمحال، وإلى هذا فطِن العلماء قديمًا وصرحوا به، قال الزمخشري في آية النساء: "فإن قلت: كيف استثنى ما قد سلف مما نُكِح آباؤكم؟ قلت: كما استُثني: غير أن سيوفهم من قوله: ولا عيب فيهم". يعني: إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سبق فأنكحوه فلا يحل لكم غيره، وذلك غير ممكن، والغرض -كما قلنا- المبالغة في تحريمه، وسد الطريق إلى إباحته، تمامًا كما يعلق بالمحال في التأييد في نحو قولهم: حتى يبيض القار، و ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ (الأعراف: ٤٠).
стр. 396
وهذا يفتح لنا مجالًا واسعًا يمكن أن تدخل منه صور من تأكيد المدح بما يشبه الذم ليست على الطريقة التي مضت، نذكر منها هنا ما رواه اليزيدي في أماليه عن ابن الأعرابي، قال: "لما مات عامر بن الطفيل جعل حول قبره حِمًى ميلًا في ميل، لا يرعَى، ولا يدفن فيه أحد، فقدم ابن عمه جبار بن سلمى بن مالك، فقال: أين دفنتم أبا علي؟ فأروه قبره، فقال: لقد ضيقتم على أبي علي، إن أبا علي بان بخِصال كان لا يضل حتى يضل النجم، ولا يعطش حتى يعطش الجمل، ولا يبخل حتى يبخل البحر، ولا يجبن حتى يجبن السيل".
فابن عم عامر بن الطفيل نفَى عنه الضلالَ والعطشَ والبخلَ والجبنَ، وكان يأتي بـ"حتى" بعد كل نفي، فتتوهم أن ما نفاه عنه له غاية ينتهي عندها، وأنه لا يستمر أبدًا، وأنها صفات معلقة وليست مطلقة، صفات مفارقة وليست بلازمة، صفات لها أمد تنتهي عنده لا تتعداه، فهذا هو ما توحي به "حتى". فإذا جاء بعدها ما هو أصل فيما وُصِفَ به صاحبُه، رجعتَ إلى ما بدأك به من إثبات ما أثبت بطريقة مطلقة؛ لأنه علق الأمر على ما لا يكون، وإذا كان من المحال أن يضل النجم وأن يبخل البحر وأن يجبن السيل عن الاندفاع، فهل من المحال أن يعطش الجمل حتى يكون من باب التعليق بالمحال؟ إن التعليق هنا ليس بمحال وإنما بما يمثل الغاية العظمى عند العرب في تحمل العطش، فَوَصْف صاحبه بالجمل في هذا الباب يعني أنه يصل إلى أقصى الغايات في تحمل العطش، وليس الهدف أنه لا يعطش أبدًا، فإن هذا لا يكون، وهذا هو وجه التعليق في هذه الصور. وبهذا تدخل عندنا أداة جديدة من أدوات توكيد المدح بما يشبه الذم وهي "حتى" الغائية، وما جرى مجراها، وبهذا تتسع دائرة هذا الباب.
ونقف عند آية مريم، وهي قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾، وعند آية الواقعة: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ (الواقعة: ٢٥، ٢٦)
стр. 397
فقد ذهب الزمخشري في آية مريم: إلى أن الاستثناء فيها يمكن أن يكون منقطعًا على الأصل، فيكون وجه التأكيد فيه هو ما ذكرناه أولًا من أن ذِكْر أداة الاستثناء تُوهِم أن ما يأتي بعدها مخالف لِمَا سبق، فإذا أتى مجانسًا له من صفات المدح كان توكيدًا على توكيد؛ لأنه صفة جاءتْك في اللحظة التي كنت تترقب نقيضها، وهذا الوجه تشترك فيه صور الإثبات وصور النفي.
ويمكن مع انقطاعه أن يقدر متصلًا، فيكون من باب التعليق بالمحال، وهو الوجه الثاني من وجوه التوكيد، وهو الذي يأتي في صور النفي فقط، وهو الذي يكون كالتعليق بمحال. وهناك وجه ثالث وهو أن يكون هذا الاستثناء من أصله متصلًا، فيكون ما بعد "إلا" داخلًا فيما قبلها، ووجهه أن معنى السلام هو الدعاء بالسلامة، ودار السلام هي دار السلامة، وأهلها من الدعاء بالسلامة أغنياء، فكان ظاهره من باب اللغو وفضول الحديث لولا ما فيه من فائدة الإكرام، ولكن ابن النمير يرفض هذا الوجه الثالث، حيث يقول: "وفي هذا الباب بُعدٌ؛ لأنه يقتضي البتَّ بأن الجنة يُسمع فيها لغوٌ وفضولٌ، وحاشا لله، فلا لغو ولا فضولَ هناك"، ولو رُدت آية مريم إلى آية الواقعة لانتَفَى هذا الوجه الثالث الذي ذكره الزمخشري؛ لأنه في آية الواقعة عطف التأثيم على اللغو: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا﴾ ووقوع السمع المنفي عليهما معًا في هذه الآية يجعل اتصالَ الاستثناء هنا مستحيلًا، فلا يدخل السلام في اللغو ولا التأثيم بحال من الأحوال. وإذا صح هذا الأمر هنا صح هناك في آية مريم، ويكون السلام شيئًا غير اللغو، ويبقى للتوكيد وجهان في آية مريم كما هو في آية الواقعة، وكما هو في كل صور النفي في هذا الباب.
стр. 398
تأكيد الذم بما يشبه المدح
ونأتي للكلام عن تأكيد الذم بما يشبه المدح: وتأكيد الذم بما يشبه المدح له ضربان أيضًا؛ أولهما: أن يُستثنَى من صفة مدح منفية عن الشيء صفة ذم بتقدير دخول صفة الذم المستثناة في صفة المدح المنفية. مثلًا قول الله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا * إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ (النبأ: ٢٤، ٢٥) فما قبل "إلا" نفي لذوق البرد والشراب، وما بعدها إثبات لذوق الحميم والغساق، وكلاهما ذم. ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ *وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ (الحاقة: ٣٥، ٣٦) فما قبل "إلا" نفي لوجود الصديق الحميم والطعام الطيب، وما بعدها إثبات لوجود الطعام الخبيث ﴿غِسْلِينٍ﴾، وكلاهما ذم. ومن ذلك أيضًا قول الشاعر:
خلا من الفضل غير أني ... أراه في الحمق لا يجار
فقد نفى عنه الفضل بقوله: "خلا" هذا أولًا، ثم استثنَى من ذلك رؤيتَه له منغمسًا في الحمق لا يجاريه أحد في الحماقة. ومنه قول الآخر:
فإن من لامني لا خير فيه سوى ... وصفي له بأخس الناس كلهم
فما قبل "سوى" نفي للخير عنه، وما بعدها وصف له بأخس الناس كلهم، وكلاهما كما سبق ذم. ثاني هذه الصور -الذي يأتي عليها تأكيد الذم بما يشبه المدح: أن يثبت المتكلم للشيء صفةَ ذمٍ ويعقب كلامه بأداة استثناء أو استدراك تليها صفة ذم أخرى. مثلًا قول القائل:
لئيم الطباع سوى أنه ... جبان يهون عليه الهوان
أثبت له صفةَ اللؤم قبل "سوى" وصفة الجبن بعدها. ومنه قول الآخر:
стр. 399
يا رسولًا أعداؤه أراذل الناس ... جميعًا لكنهم في الجحيم
فقد وصفهم بأراذل الناس، ثم استدرك فأثبتَ أنهم في الجحيم.
بلاغة هذين الأسلوبين: إن بلاغة تأكيد المدح بما يشبه الذم أو الذم بما يشبه المدح يرجع إلى أمرين؛ الأمر الأول: أن كلًّا منهما بمثابة الدعوى التي أُقِيمَ عليها الدليل والبرهان، وذلك أن المتكلم يستدل على نفي الذم أو المدح في الضرب الأول من كل أسلوب، وعلى إثباتهما في الضرب الثاني، يستدل على ذلك بالتعليق على ما لا يكون وما لا يتحقق له وجود بحال من الأحوال. فعندما نقول مثلًا: لا عيب فيك سوى أنك شجاع، فإننا نستدل على نفي العيب عنك بكونك شجاعًا، والمعنى: لا عيب فيك سوى الشجاعة إن كانت الشجاعةُ عيبًا، وكون الشجاعة عيبًا محال، فثبوت العيب لك محال. وعندما نقول:
فتى كملت أخلاقه ... سوى أنه كريم
فإننا نستدل على كمال أخلاقه بكونه كريمًا، والمعنى: لقد كملت أخلاقُه إلا من شيء واحد، وهو الكرم، إن كان الكرم ينقص من كمال الأخلاق، وكون الكرم ينقص من كمال الأخلاق محال، فيثبت بهذا أنه متصف بكمال الأخلاق. وكذا يُقال في تأكيد الذم بما يشبه المدح، وما من ريبٍ في أن إثبات الشيء بالدليل والبرهان يكون آكدَ وأبلغَ من إثباته مجردًا عن الدليل.
الأمر الثاني: ما فيهما من المفاجأة والمباغتة للسامع؛ فإن المتكلم عندما ينطق بأداة الاستثناء أو الاستدراك، يتوقع السامع ويدور في خَلَده أن المستثنى أو المستدرك فيكون مغايرًا ومخالفًا للمستثنى منه، كما هو المألوف من هذا الأسلوب، وعندما يأتي المستثنى مؤكِّدًا للمستثنَى منه وعلى خلاف ما كان يتوقع السامع، تكون المفاجأة والمباغتة التي تكسب المعنى طرافةً، وتثير في النفس تنبيهًا، وبهذا يتأكد المدح في أسلوب تأكيد المدح، ويتأكد الذم في أسلوب تأكيد الذم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 400
الدرس: ١٩ التورية .
стр. 401
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس التاسع عشر
(التورية)
معنى التورية لغةً واصطلاحًا، وعناصرها
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ثم أما بعد:
التورية في اللغة: مصدر ورَّى الشيء، إذا ستره وأخفاه كالمواراة، يقال: وريت الشيءَ وواريته، وفي (اللسان): وريت الخبر جعلته ورائي وسترته. وفي الحديث: ((أن النبي ﷺ كان إذا أراد سفرًا ورى بغيره)) أي: ستره وكَنَّى عنه، وأوهم أنه يريد غيره. وأصله من الوراء أي: ألقى البيان وراء ظهره. وفي التنزيل: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا﴾ (الأعراف: ٢٠) أي: ستر على وزن "فعل" وقرئ: "وُرِّيَ عنهما" بمعنًى. ووريت الخبر أوريته توريةً: إذا سترته وأظهرت غيرَه، كأنه مأخوذ من وراء الإنسان؛ لأنه إذا قال: وريته، فكأنه يجعله وراءَه حيث لا يظهر. فالمادة إذًا تدور حول الستر والإخفاء، قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ (الأعراف: ٢٦) أي: يسترها ويخفيها. والورى: الأنام الذين على وجه الأرض في الوقت، ليس من مضى، ولا من يتناسل بعدهم، سموا بذلك؛ لأنهم يسترون الأرض بأشخاصهم.
أما في عرف البلاغيين واصطلاحهم: فإن التورية تعني: أن يُذكر لفظ له معنيان؛ أحدهما: قريب يتبادر معناه إلى الذهن، والآخر: بعيد دلالة اللفظ عليه خفية، والمراد هو البعيد منهما. وقد وُري عنه بالمعنى القريب، فيتوهم السامع لأول وَهلة أن المتكلم يريده وهو ليس بمراد له. والمقصود بالقرب والبُعد هنا هو سرعة حصول المعنى في الذهن عند سماع اللفظ أو عدم حصوله، فالقريب يكون أسرعَ إلى الذهن تردادًا وحصولًا من المعنى البعيد. كما نرى هذا في قول الشاعر:
стр. 402
حملناهم طِرًا على الدهم بعدما ... خلعنا عليهم بالطعان ملابسا
فالتورية في لفظ "الدهم" فإن لها معنيين؛ معنى قريب غير مراد وهو الخيل، ومعنى بعيد هو المراد وهو قيود الحديد. ومثل ذلك قول سراج الدين الوراء:
أصون أديم وجهي عن أناس ... لقاء الموت عندهم الأديم
ورب الشعر عندهم بغيض ... ولو وافَى به لهم حبيب
فلفظ "حبيب" في البيت الثاني له معنيان؛ أحدهما: المحبوب وهو المعنى القريب الذي يتبادر إلى الذهن، والثاني: اسم أبي تمام، وهو حبيب بن أوس الطائي، وهذا هو المعنى البعيد الذي أراده الشاعر، وقد وَرَّى عنه بالمعنى القريب. ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ (الأنعام: ٦٠) فلفظ: ﴿جَرَحْتُمْ﴾ في الآية الكريمة له معنيان؛ قريب ظاهر غير مراد، وهو إحداث تمزق في الجسد، والثاني: بعيد خفي المراد، وهو ارتكاب الذنوب واقتراف المعاصي. ومن ذلك قول أبي العلاء المعري:
وحرف كنون تحت راء ولم يكن ... بدال يؤم الرسم غيره النقط
فألفاظ هذا البيت مبنية على التورية، إذ معناه: أن هذه الناقة لضعفها وهزالها قد انحنت وتقوست، وصارت شبيهةً بحرف النون في تقوسها، تحت رجل يضرب رئتيها ولا يَرفق بها في السير فهو غير دال، يؤم بها دارًا غيَّر المطر رسمها، فالمعنى القريب الظاهر غير المراد للحرف أحد حروف الهجاء، وللراء والدال الحرفان المعروفان، وللرسم رسم الأحرف وكتابتها، وللنقط تنقيط الأحرف، والمعنى البعيد لهذه الألفاظ الحرف النقط، والراء: اسم فاعل من رأى أي: ضرب الرئة، والدال اسم فاعل من دَلَى يدلو: إذا رفَق في المسير، والرسم: أثر الديار، والنقط: المطر. وتلك المعاني البعيدة هي المرادة، وقد ورَّى عنها الشاعر بالمعاني القريبة، فبدت في صورة حسنة لطيفة كما يبدو وجه الحسناء من وراء البُرقُع.
стр. 403
وبهذا يتبين أن التورية لفظ مفرد له معنيان: إما بالاشتراك أو التواطؤ، أحد المعنيين قريب ظاهر غير مراد، آخر بعيد خفي مراد، والمتكلم يوهم السامع أول الأمر أنه يريد الأمر القريب، وعند التأمل يتضح أنه يريد المعنى البعيد. ولذا سمي هذا النوع أيضًا باسم الإيهام. وواضح من الأمثلة السابقة أن التورية تكون من ثلاثة عناصر؛ الأول: لفظ له معنيان. الثاني: معنى قريب ويسمى المُوَرَّى به. الثالث: معنى بعيد، ويسمى المُوَرَّى أو المُوَرَّى عنه.
ففي بيت: "حملناهم طرًا على الدهم" نجد لفظ الدهم له معنيان، هذا اللفظ هو العنصر الأول، والمعنى القريب لهذا اللفظ وهو الخيل هو العنصر الثاني، معناه البعيد وهو القيود الحديدية، هو العنصر الثالث، ولا بد في التورية من تفاوت المعنيين في القرب والبعد، فإن تساويَا فيهما فلا تورية، مثل كلمة جون، فإن لها معنيين أبيض وأسود، إلا أنهما متساويان في القرب والبعد ما لم تدل قرينة على أن المراد منهما، لذا فإن هذه الكلمة لا توريةَ فيها لعدم تفاوت المعنيين. وعليه، فالتورية إذا خلت من قرينة دالة على أن المراد باللفظ هو المعنى البعيد، وأن المعنى القريب ليس إلا مخفيًا وساترًا للمعنى البعيد، إذا خلت من ذلك كانت ضربًا من التعمية والإلغاز، وكلاهما قبيح، فضلًا عن كونهما ليسَا من المحسنات البديعية، فلا بد في التورية إذًا من قرينة تدل على أن المراد هو المعنى البعيد للفظ، وقد تكون هذه القرينة عقلية تفهم بقرينة المقام والأحوال، وقد تكون القرينة لفظية كما نجد ذلك في قول الشاعر -وقد مر بنا:
حملناهم طرًا على الدهم بعدما ... خلعنا عليهم بالطعان ملابسا
فإن قوله: "خلعنا" يدل على أن الحمل على الخيل، وهو نوع من التكريم غير مراد، وأن المراد هو القيود الحديدية، إذ إنها هي التي تناسب خلع الطعان عليهم ملابسا، وهي ملفوظة -كما ترى.
стр. 404
الفرق بين المجاز والتورية
وسواء كانت القرينة عقلية أو لفظية فلا بد أن تكون خفية تعتمد على إعمال الذهن وإدارة الخاطر، فإذا كانت ظاهرة لم يكن اللفظ تورية، وهذا أحد الفروق بين المجاز والكناية، ذلك أن التورية تقوم على لفظ له معنيان -كما قلنا- أحدهما مراد، والآخر ليس مرادًا، وهو نفس ما يقوم عليه المجاز، فالمجاز لفظ مستعمل في غير معناه الحقيقي، إذًا هناك معنى موضوع له اللفظ يتبادر إلى الذهن عند سماعه وهو غير مراد، ومعنى آخر مستعمل فيه غير ما وُضِعَ له لا يتبادر إلى الذهن عند سماعه وهو المعنى المراد، وهذا القدر يتحقق في التورية كما يتحقق في المجاز، فكلاهما لفظ له معنيان، أحدهما مراد والآخر غير مراد. كما أن المجاز والتورية كليهما لا بد فيهما من قرينة تبين المراد، وهو المعنى المجازي في المجاز، والمعنى البعيد في التورية، إلا أن هذه القرينة -التي في التورية- لا بد أن تكون خفية وغير واضحة -كما سبق أن أشرنا. أما في المجاز فينبغي أن تكون واضحة ظاهرة لا خفاءَ فيها ولا غموض؛ لتمنع من إرادة المعنى الحقيقي للفظ، كما نراه في قول المتنبي:
تعرض لي السَّحاب وقد قفلنا ... فقلت: إليكِ إن معي السحاب
ففي لفظ "السحاب" الثانية استعارة، والمراد به الرجل الكريم؛ لأنه يجود بالمال كما يجود السحاب بالغيث، والقرينة قوله: "معي" وهي قرينة ظاهرة واضحة؛ لأن السحاب الذي في السماء لا يكون معه، وإنما معه الممدوح، ولذلك قال بعده:
فشم في القبة الملك المُرجى ... فأمسَك بعدما عزَم انسكابا
стр. 405
"شم" معناه: انظر، يقول: إنه أمر السحاب أن ينظر إلى الملك الذي معه، فلما نظر السحاب أمسك عن إنزال الغيث بعدما عزَم على الانسكاب؛ حياءً من جوده. فالشاعر نقل كلمة السحاب من معناها الحقيقي وهي الغمام في السحاب إلى الممدوح، وهذا النقل مجاز قرينته ظاهرة واضحة -كما ترى. وهناك فرق أكثر وضوحًا بين التورية والمجاز: ذلك أن كل واحد من المعنيين في التورية يُفهم من اللفظ من غير وساطة الآخر، ومن غير احتياج لعلاقة بينهما، أما في المجاز فلا بد من علاقة بين المعنى المجازي والمعنى الحقيقي، قد تكون المشابهة فيكون المجاز استعارة، وقد تكون غير المشابهة فيكون المجاز مرسلًا. والمعنيان الدال عليهما اللفظ في التورية قد يكونان حقيقيين، ويكون اللفظ الدال عليهما مشتركًا بينهما مع تفاوتهما في الإدراك عند سماع اللفظ، وقد يكونان مختلفين؛ الأول حقيقة، والثاني مجاز. ففي قول الشاعر:
يا عاذلي فيه قل لي ... إذا بَدَا كيف يسلو
يمر بي كل وقت ... وكلما مر يحلو
التورية هنا في لفظ "مر" التي جاءت في آخر البيت الثاني، ومعناه القريب من المرارة التي هي ضد الحلاوة، والمعنى البعيد من المرور الذي هو السير، هما معنيان حقيقيان، فدلالته على أي منهما دلالة حقيقية وليست مجازًا. وإذا وضح هذا علمنا؛ أولًا: إذا كان لفظ التورية حاملًا لمعنيين حقيقيين، فالتورية من باب الحقيقة ضرورةً. ثانيًا: إذا كان لفظ التورية حاملًا لمعنيين أحدهما حقيقي والثاني مجازي، وهو دائمًا -يعني المعنى المجازي في التورية- هو المعنى البعيد المورى بالمعنى القريب، إذا كان الأمر كذلك فإن التورية أدخل في باب المجاز منها في باب الحقيقة؛ ذلك لأن المقصود منها هو المعنى المجازي وإن وُرِّي بالمعنى الحقيقي.
стр. 406
الفرق بين التورية والكناية
فالكناية -كما نعلم- عبارة عن لفظ أطلق وأريد به لازم معناه، مع جواز إرادة المعنى الحقيقي، نجد هذا المعنى في قول مَن يصف راعي إبل أو غنم:
ضعيف العصا بادي العُروق ترى له ... عليها إذا ما أجدب الناس إصبعا
يريد أنه مشفق على غنمه، لا يقصد من حمل العصا أن يوجعها بالضرب من غير فائدة، فهو يتخير ما لَانَ من العصا، فقوله: "ضعيف العصا"، لفظ أطلق ولم يرد به حقيقةَ معناه، وإنما أراد معنًى آخرَ، هو لازمه وتاليه في الوجود، وهو الرفق واللين. العلاقة إذًا بين التورية والكناية واضحة، وهي أن كليهما لفظ له معنيان والمراد أحدهما، إلا أن الأمر في التورية على أن المعنيين يفهمان من اللفظ دون وساطة من أحدهما لفهم الآخر -كما سبق أن أشرنا- أما في الكناية فإن المعنى الثاني يكون لازمًا للمعنى الأول، وردفًا له، فضعف العصا -في المثال السابق- يلزمه الرفق واللين. وفرق آخر يتصل بقرينة كل من الكناية والتورية: فإن قرينة الكناية -كما سبق أن أشرنا في المجاز- ينبغي أن تكون ظاهرة لا خفاء فيها ولا غموض، وهذا واضح من المثال السابق. بينما قرينة التورية شرطها أن تكون خفية غير ظاهرة. ولدقة الفرق بين التورية والكناية ظن الخطيب القزويني أن قول الحماسي:
فلما نأتْ عنا العشيرة كلها ... أنخنا فحالفنا السيوف على الدهر
فما أسلمتنا عند يوم كريهة ... ولا نحن أغضينا الجفون على وتر
في البيت الثاني تورية في لفظ "الجفون". وتابعه في ذلك صاحب (بديع المعاني والألفاظ) دكتور عبد العظيم مطعني، فقال: "التورية في لفظ الجفون؛ لأن
стр. 407
له معنيين، قريب واضح وهو جفون العين، وبعيد خفي وهو جفون السيف، والمعنى البعيد هو المراد". والحق أن ما في البيتين ليسَا من التورية، بل هو من باب الكناية، فإن الجفون -التي هي جفون العين- كناية عن إغماض السيوف، لا أنه أراد جفون السيف فورى.
نخلص من هذا في معرفة الفرق بين التورية وبين كل من المجاز والكناية: أن القرينة تكون في المجاز والكناية ظاهرة واضحة، بينما قرينة التورية ينبغي أن تكون خفيةً تحتاج إلى نوع من التفكير والتأمل، كما أن المعنيين في التورية لا عَلاقةَ بينهما، بينما في المجاز والكناية لا بد من علاقة بين المعنى الموضوع له اللفظ، وبين المعنى المجازي أو الكنائي. ومبنى التورية -كما ذكر ابن يعقوب المغربي- على كون المراد بعيدًا مع خفاء القرينة، فخفاء القرينة هو الحد الفاصل بين عد اللفظ من باب المجاز وعده من باب التورية، وذلك قوله: "المعنى البعيد في التورية مرجوح الاستعمال، فلا يكون اللفظ فيه إلا مجازًا، وهذا المعنى موجود في كل مجاز، فيكون كل مجاز توريةً، وظاهر كلامهم أن التورية حقيقة مباينة للمجاز، وإلا كان كل مجاز من البديع.
قلت: بعد التسليم بأن المعنى لا يكون اللفظ فيه إلا مجازًا، لا يلزم منه اتحاد المجاز والتورية، فيكون اللفظ مجازًا باعتبار إطلاقه على غير معناه مع وجود القرينة الصارفة له عن الأصل، ويكون توريةً باعتبار كون المراد بعيدًا مع خفاء القرينة؛ لما تقدم أنَّا نشترط في كونه توريةً خفاء القرينة، فتلاقَا التورية والمجاز في مادة واحدة مع كونها غيره، فإن ظهرت القرينة لم تلاقه أصلًا". انتهى كلامه. فالتورية إذًا تلتقي مع المجاز في كثير من صوره وأنواعه، على أن خفاء القرينة أو قُربها غير مسلَّم عند بعض البلاغيين، فكم من مجاز واقع موقعه من الروعة والخلابة قد خفيت قرينته؟! وكم من تورية في عُرْفهم ظهرت قرينتها؟!
стр. 408
إلا أن فرق العلاقة بين التورية وكل من المجاز والكناية هي الميزة الفاصلة، فمبنى التورية على ألا يعتبر بينهما لزوم وانتقال من أحدهما للآخر، وبهذا الفرق وحدَهُ يخرج هذا الفن عند العلَّامة عبد الحكيم عن علم البيان، يقول: "وبه -يعني: بهذا الفرق- يمتاز التورية عن المجاز والكناية، وبهذا ظهر أن التورية ليست من إيراد المعنى بطرق مختلفة في وضوح الدلالة، حتى تكون من علم البيان، نعم، إنه إذا كان المعنيان مجازيين أو أحدُهما مجازيًّا كانت من علم البيان بالنسبة إلى المعنى الحقيقي لهما أو لأحدهما، وأما بالنسبة إلى المعنى الذي هو تورية بالقياس إليه فلا، إذ لا علاقة بينهما ولا انتقال من أحدهما إلى الآخر، فتدبَّرْ هذا، فإنه مما خَفِي على بعض الأذكياء". انتهى من حاشية عبد الحكيم على (المطول).
ومع العلاقة القائمة بين التورية والمجاز والكناية ومع وضوح الفرق بينها وبينهما، إلا أنا نجد واحدًا من البلاغيين -هو العصام في (الأطول) - يُدخِل التوريةَ في مباحث علم البيان، فيقول في تعريفها: "أن يطلق اللفظ على غير ما وضع له لقرينة خفية، مما يتعلق بإيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة". ثم يقول: "فهو داخل في أصل البلاغة، فكيف عُدَّ إذًا من البديع؟! ". فأنت تراه يدخلها في إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة، ويعد البديع أمرًا خارجًا عن البلاغة!!.
الحقيقة التي لا مِراء فيها أن التورية كلون بديعي قائم برأسه له مدخل في بلاغة الكلام، وقوة الأساليب، كما أن له مدخلًا في إعجاز القرآن الكريم، فهو داخل في صميم البلاغة، والتحسين به ذاتي لا عرضي، والعلاقة بين هذا اللون وبين المجاز أو الكناية يؤكد هذا المعنى، فإذا كانت كلمتهم قد اتفقت على أن التورية
стр. 409
تجتمع مع المجاز في كثير من الأساليب، وأن الفرق بين المجاز والكناية فرق ضئيل، فإن معنى هذا أن التحسين بالمجاز أو الكناية هو نفسه التحسين بالتورية. ومما لا مراء فيه أن التحسين بالمجاز أو الكناية ذاتي لا عرضي، فلتكن إذًا التورية كذلك.
أقسام التورية
والكلام عن أقسام التورية يستدعي أن نقول: إن التورية تقوم -كما هو متضح من معناها - على الإخفاء والستر، فالمعنى القريب فيها مخف وساتر للمعنى البعيد المراد؛ اعتمادًا على قرينة تحدد ذلك المعنى المراد وتعينه، وقد يجامع التورية شيء يلائم ويناسب المعنى القريب، فتكون أوغلَ في الإخفاء وأدخلَ في الستر، وقد لا يجامعها شيء من ذلك فيكون الخفاء فيها أقل من سابقتها. وقد قَسَّم البلاغيون التورية بهذا الاعتبار إلى قسمين؛ القسم الأول: التورية المجردة وهي التي لا يجامعها شيء مما يلائم المعنى القريب المورَّى به، أو يجامعها شيء يلائمها وآخر يلائم المعنى البعيد. ولها بذلك صور ثلاث:
الصورة الأولى: أن تكون مجردةً مما يلائم المعنى القريب مع تجردها مما يلائم المعنى البعيد كذلك. الصورة الثانية: أن تجيء مجردةً مما يلائم المعنى القريب مع اقترانها بما يلائم المعنى البعيد، وهذه نراها في قول عمر بن أبي ربيعة:
أيها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان
هي شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقل يمان
فالتورية في لفظي "الثريا" و"سهيل" وهما هنا اسمان، الثريا: وهي الفتاة العظيمة المنزلة، وهي بنت علي بن أبي عبد الله بن الحارث بن أمية الأصفر، وسهيل: هو
стр. 410
سهيل بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: رجل مشهور من اليمن. فهذان هما المرادان في البيت، لكن الشاعر أوهم السامع أنه يريد النجمين المشهورين؛ لأن الثريا من منازل القمر الشامية، وسهيلًا من النجوم اليمانية، إلا أنه أراد صاحبته المسماة بهذا الاسم، وكان أبوها قد زوجها برجل يدعى سهيلًا، فورى ابن أبي ربيعة بالنجمين عن الشخصين؛ ليكون أدعَى للإنكار متى أراد. وقد جاءت التورية مجردةً مما يلائم المعنى القريب المورى به، ولكن الشاعر أتى بما يلائم المعنى البعيد وهو قوله: "المنكح"؛ لأن النكاح من صفات الإنسان لا من صفات الكواكب. ومن شواهد هذه الصورة قول عماد الدين:
أرى العقد في ثغره محكمًا ... يرينا الصحاحَ من الجوهري
ومنثور دمعي غدَا أحمرَ ... رويناه عن وجهك الأزهري
التورية هنا في لفظ "الصحاح"؛ لأنه دال على معنيين؛ قريب مراد، وبعيد غير مراد، والقريب هو كتاب الجوهري المسمى بهذا الاسم (الصحاح) وهو أحد معاجم اللغة المعروفة، والبعيد الخفي هو أسنان محبوبته الشبيهة بالجوهر، وقد خلت التورية من ملاءمات المعنى القريب وإن جاءت مقترنةً بما يلائم المعنى البعيد، وهو قوله: "في ثغره"؛ لأنها من ملاءمات الأسنان، ولذلك فإن التورية مجردة؛ لعدم مجامعتها لشيء من ملاءمات المعنى القريب.
الصورة الثالثة من صور التورية المجردة: فهي أن يجامع التوريةَ شيءٌ مما يلائم المعنى القريب وشيء آخر يلائم المعنى البعيد، فيجتمع فيها الشيئان كلاهما، وكأن الشيئين تعارضَا فتساقطَا، فكأن لم يكن في الكلام شيء، لا من ملاءمات المعنى القريب ولا من ملاءمات المعنى البعيد. ومثال هذه الصورة قول الشاعر -وقد سبق:
стр. 411
يا عاذلي فيه قل لي ... إذا بدَا كيف أسلو
يمر بي كل وقت ... وكلما مَر يحلو
فالمعنى: يا لائمي دلني كيف أسلو عن محبوبتي حين أراها وكثيرًا ما أرى المحبوب مارًّا بي، وفي كل مرة أراه يزداد حلاوةً عندي؟ والتورية في البيتين في لفظ "مر" إذ معناه القريب الواضح من المرارة، والمعنى البعيد الخفي من المرور. وقد قُرِنت التورية هنا بما يلائم المعنى القريب كما قرنت أيضًا بما يلائم المعنى البعيد، فالذي يلائم المعنى القريب هو قوله: "يحلو" إذ هو من الحلاوة التي هي ضد المرارة، ومن ملاءماتها الذي يلائم المعنى البعيد قوله: "يمر بي كل وقت" فلما اجتمع فيها الملائمان كانت كأن لم يجامعها شيء، فهي مجردة. ومما ذكر فيها ملائمان لكل من القريب والبعيد قول الشاعر:
أقول وقد شنُّوا إلى الحرب غارة ... دعوني فإني آكل العيش بالجبن
ولفظ "الجبن" له معنيان؛ قريب مورى به وهو الجبن المأكول، وبعيد مورى عنه وهو الجبن ضد الشجاعة، وهذا هو المراد، وقد ذكر الشاعر ملائمًا للمعنى البعيد وهو قوله: "شنوا إلى الحرب غارة" وذكر ملائمًا أيضًا للمعنى القريب وهو: "آكل العيش". ولذا فهي تورية مجردة. ومثلها كذلك قول ابن الوردي:
قالت: إذا كنت تهوى ... وصلي وتخشى نفوري
صف ورد خدي وإلا ... أجور ناديتُ جوري
فلفظ: "جوري" التي جاءت في آخر البيت الثاني له معنيان، قريب ظاهر غير مراد، وذلك بأن يكون فعل أمر من جار مسند إلى ضمير المخاطبة، وقد ذكر ملائم له وهو: "وإلا أجور". وبعيد خفي مراد وهو اسم نوع من الورد يسمى جوري، وقد ذكر ما يلائمه وهو قوله: "صف ورد خدي". ومنها قول الآخر:
стр. 412
ومولع بفخاخ ... يمدها وشباك
قالت لي العين: ماذا ... يصيد؟ قلت: كراك
فلفظ "كراك" له معنيان: قريب غير مراد، وهو جمع كركا -طائر رمادي اللون يأوي إلى الماء- وقد ذكر ما يلائمه وهو الصيد: "يصيد". وبعيد مراد وهو الكرى مضافًا إلى ضمير العين. والكرى هو النوم، وقد ذكر ملائم هذا المعنى وهو العين، فهو من التورية المجردة. هذا، وقد تضافر البلاغيون على إدخال قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه: ٥) في باب التورية وتحديدًا في المجردة منها، وقالوا: إن كلمة: ﴿اسْتَوَى﴾ في الآية لها معنيان: قريب غير مراد وهو الاستقرار الحسي على سرير ونحوه، وبعيد مراد وهو الاستيلاء والمُلك والتمكن، وأن الأول وهو المتبادر إلى الذهن غير مراد؛ لأنه مستحيل في حق الله تعالى، وأما الثاني وهو المعنى البعيد غير متبادر، فهو المراد، وكأن المعنى القريب جيء ليستر ويخفي تحته المعنى البعيد المراد، ولم يذكر في الآية ما يلائم أيًّا من المعنيين، ومن ثم فقد عدوها توريةً مجردةً، وكذا قالوا.
والحق أن هذا الكلام مجافٍ للحقيقة ومخالف للصواب، ذلك أن كلًّا من المعنيين المشار إليهما في كلام البلاغيين غير صحيح بالمرة، فلا الاستواء في حق الله تعالى يعني الاستقرار، ولا هو يعني الاستيلاء، وإنما هو استواء على ظاهره وعلى حقيقته، وهو مخالف لاستواء المخلوقات، وهو له سبحانه على النحو اللائق بجلاله -جل وعلا- دونما تشبيه، أو تأويل، أو تفويض، أو تمثيل، أو تجسيم، أو تعطيل. وتجدر الإشارة إلى أن الاستقرار لا يليق به تعالى؛ لكونه من لوازم البشر، وقد أنكره الحافظ الذهبي في ترجمته للإمام البغوي، كما أنكره كذلك في ترجمته للإمام القصاب، وذلك في كتابه: (العُلو) معللًا ذلك: بأن البارئ منزَّهٌ عن الراحة والتعب، يعني: لكونهما من لوازمه، ولكونه أمرًا زائدا على
стр. 413
العلو ولم يرد به الشرع. إذًا فهذا المعنى -الذي هو يعني الاستقرار- غير مراد وغير شرعي بالمرة. كما تجدر الإشارة أيضًا إلى أن دلالة الاستيلاء التي قال بها المؤولة في حق الله تعالى، لم يحدث أن جعلها العرب حقيقةً في الاستواء، ومخالفة ذلك مجاهرةٌ بالكذب، والذين قالوه قالوه استنباطًا وحملًا منهم بدون دليل للفظة استوى على استولى؛ استدلالًا بقول الأخطل:
قد استوى بِشر على العراق ... من غير سيف ولا دم مهراق
وهذا استدلال خاطئ وفي غير محله؛ لأنه إن صح نسبته وعدم تحريفه، كان حجةً على قائله والمستدل به؛ لكونه على حقيقة الاستواء لا الاستيلاء، فإن بشرًا هذا كان أخَ عبد الملك بن مروان وما كان ينازع أخاه الملك، وإنما كان أميرًا على العراق من قبل أخيه، وواليًا عليها من جهته، فلما كان نائبًا عنه استقر واستوى على سريرها كما هو عادة الملوك ونوابها أن يجلسوا على سرير المُلك، مستوين عليه، وهذا هو المطابق لمعنى هذه اللفظة في اللغة، فالاستيلاء ليس لازمًا لمعنى الاستواء في كل موضع، وإلا لو كان المراد بالبيت استيلاء القهر والمُلك لكان المستوي على العراق في حقيقة الأمر هو عبد الملك بن مروان وليس أخوه بشرا المقول هذا البيت في حقه.
هذا وقد ذكر العلامة محدث عصره الحافظ الذهبي المتوفى سنة ٧٤٨ هذه التفسيرات السالفة الذكر، وصرح بها، وألمع إلى أن حَمْل الاستواء على معنى القهر أو الاستقرار أو الاستيلاء، هو مما أجمع أئمة الحديث واللغة والمحققون من أهل التفسير على بطلانه؛ لكون هذه المعاني ولو من غير المغالبة مما تليق بالمخلوق دون الخالق -جل وعلا. يقول لغوي زمانه ابن الأعرابي المتوفى سنة ٢٣١ لِمَن جادله وارتأى أن استوى بمعنى استولى: "اسكت، ما يدريك ما هذا؟! العرب لا تقول للرجل: استولى على الشيء حتى يكون له مضاد. قال النابغة:
стр. 414
ألا لِمِثلك أو مَن أنت سابقُه ... سَبْق الجواد إذا استولى على الأمد
والله لا مضاد له، وهو على عرشه كما أخبر، فجعل الجواد مستوليًا على الأمد بعد مفارقته له وقطع مسافته". وقد حدث بهذا أيضًا شيخ العربية ابن نفطويه المتوفى سنة ٣٢٣، ونقله عنهما الحافظ الذهبي في كتابه (العلو) وقال أيضًا إمام العربية الخليل بن أحمد فيما رواه عنه كذلك الإمام الذهبي: "أتيت أبا ربيعة الأعرابي وكان مِن أعلم مَن رأيت، فكان على سطح فلما رأيناه أشرنا عليه بالسلام، فقال: استووا، فلم ندرِ ما قال، فقال لنا شيخ عنده: يقول لكم: ارتفعوا، قال الخليل -الإمام اللغوي المشهور في النحو والعروض: هذا من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ (فصلت: ١١) ". وقال ثعلب -إمام الكوفيين في النحو واللغة- المتوفى سنة ٢٩١ فيما نقله عنه صاحبَا (العُلو) و (معارج القبول) الشيخ حافظ بن الحكمي: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه: ٥) أي: علا.
ولأجل هذا وما قرره أهل اللغة وأئمة الهدى، فمن غير المعقول ولا من اللائق أن يؤول مؤول الاستواء بالاستيلاء والغلبة والقهر، أو أن ينسب أحدٌ شيئًا من ذلك إلى رب كل شيء ومليكه، أو أن يجعل تفسير الآية أنه أعلم عباده بأنه خلق السموات والأرض، ثم غلب على العرش بعد ذلك وقهره، وأن يجعل لازم قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾: اعلموا يا عبادي أني وبعدَ فراغي من خلق السموات والأرض غلبت عرشي وقهرته، واستوليت عليه!! أو أن يكون أعلم الخلق ﷺ به سبحانه حين أطلق عليه أنه -عز جاهه، وعظم سلطانه- مستوٍ فوق عرشه كما في حديث ابن مسعود: ((والله فوق العرش))، هاديًا، وعابثًا، ومطلقًا الكلام على عواهنه. ومن غير المعقول كذلك ولا اللائق له أن يقلب الحقائقَ ويعكس أوضاع اللغة، وأن يجعل مستقاه ومصدر تلقيه
стр. 415
الجهمية والمعتزلة والخوارج وأضرابهم ممن يحرفون الكلم عن مواضعه، ويفسرون القرآنَ بأهوائهم، مقدمًا كلامهم على كلام الصحابة والتابعين، أو أن يعدل عن كلام هؤلاء الذين ذكرنا مؤخرًا إلى كلام أولئك المتكلمين.
القسم الثاني من أقسام التورية: وهي التورية المرشحة؛ وهي التي قُرنت بما يلائم المعنى القريب غير المراد المورَّى به، وإنما سميت مرشحةً؛ لتقويتها بذكر لازم المعنى القريب غير المراد، فإنها تزداد بذكره إبهامًا، والملائم للمعنى القريب قد يكون قبل لفظ التورية وقد يكون بعده، فهما إذًا صورتان:
الصورة الأولى: أن يقع الترشيح سابقًا للفظ الحامل للتورية، وذلك كقول الله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (التوبة: ٢٩) فالتورية في لفظ: ﴿يَدٍ﴾ فهو لفظ له معنيان: قريب واضح وهو الجارحة المعروفة، وبعيد خفي وهو الذِّلة والاستكانة، والمراد هو المعنى البعيد. وقد قرنت التورية بما يلائم المعنى القريب المورى به وهو قوله: ﴿يُعْطُوا﴾ لأن الإعطاءَ عادةً يقع باليد فهي إذًا مرشحة، وقد وقع الترشيح وهو الإعطاء قبل لفظ التورية. ومن شواهد هذه الصورة قول السراج الوارق:
يا خجلتي وصحائفي سود بدت ... وصحائف الأبرار في إشراق
ومؤنب لي في القيامة قال لي ... أكذا تكون صحائف الوراق
فالتورية في لفظ "الوراق" فهو لفظ حامل لمعنيين؛ أحدهما: قريب واضح وهو الذي يبيع الورق، والآخر: بعيد خفي وهو اسم الشاعر، والمعنى المراد هو البعيد. وقد قرنت هذه التورية بما يلائم المعنى القريب وهو الصحائف، فهذا اللفظ يناسب بائع الورق. وقد جاء هذا اللفظ سابقًا للتورية، وعلى هذه الصورة جاء أيضًا قول أبي الحسين الجزار:
стр. 416
كيف لا أشكر الجِزارة ما عشـ ... تـ حفاظًا وأهجر الآدابا
وبها صارت الكلابُ ترجيـ ... ـني وبالشِّعر كنت أرجو الكلابا
فالتورية في لفظ "كلاب" الثاني؛ لأن له معنيين: قريب واضح وبعيد خفي، فالقريب هو الحيوان المعروف، والبعيد هو لئام الناس وشرارهم، وهو المراد، وهي تورية مرشحة حيث جمعت ما يلائم المعنى القريب وهو قوله: "صارت الكلاب تُرجيني" وقد وقع هنا الترشيح قبل لفظ التورية. ومن شواهد هذه الصورة أيضًا قول الحريري:
يا قوم كم من عانق عانس ... ممدوحة الأوصاف في الأندية
قتلتها لا أبتغي وارثًا ... يطلب مني قَوَدًا أو دية
فالتورية في لفظ "عانس" فهو لفظ حامل لمعنيين: قريب وهو البِكر التي طال مُكْثها في بيت أبيها ولم تتزوج، وبعيد وهو الخمر، والمراد هو البعيد، وقد قرنت بما يلائم المعنى القريب وهو القتل والقود والدية، إذ إنها مما يناسب الإنسان وليس الخمر، فهي تورية مرشحة جاء ترشيحها متأخرًا عن لفظ التورية. ومن بديع التورية المرشحة على هذا النمط قول شوقي في رثاء حافظ إبراهيم:
يا حافظ الفصحى وحارس مجدها ... وإمامَ مَن نجبت من البلغاء
خلفت في الدنيا بيانًا خالدًا ... وتركت أجيالًا من الأبناء
وغدا سيذكرك الزمان ولم يزل ... للدهر إنصاف وحسن جزاء
فالمعنى القريب للفظ حافظ أن يكون اسم فاعل من حفظ، وقد ذكر ملائمًا لهذا المعنى وهو "الفصحى" و"حارس" فهما يقتضيان أن يكون لفظ حافظ من المحافظة، والمعنى البعيد هو اسم شاعر النيل حافظ إبراهيم، فالتورية تورية مرشحة. ومن ذلك أيضًا قوله على سبيل المزاح والمداعبة لحافظ:
стр. 417
وحمَّلت إنسانًا وكلبًا أمانةً ... فضيعها الإنسان والكلب حافظ
ورد حافظ عليه مداعبًا أيضًا:
يقولون إن الشوق نار ولوعة ... فما بال شوقي الآن أصبح باردًا
فالمعنى القريب لحافظ اسم فاعل من حفظ وقد ذُكر ما يلائمه:
وحمَّلت إنسانًا وكلبًا أمانةً ... فضيعها الإنسان ..........
والمعنى القريب لشوقي أن يكون من الشوق والحنين وقد ذكر لازمه: "إن الشوق نار ولوعة" والمعنى البعيد لكل منهما وهو المراد أن يكون عَلَمين لشاعر النيل حافظ إبراهيم، وأمير الشعراء أحمد شوقي، فالتورية في البيتين تورية مرشحة. وأضاف فريق ثالث إلى المجردة والمرشحة -اللتين أشار إليهما الخطيب القزويني- التورية المُبَيِّنة، والتورية المُهَيِّئة، وقالوا: إن التورية المبينة هي ما ذكر فيها لازم المعنى البعيد المورَّى عنه، وسميت كذلك؛ لأن هذا اللازم يبينها ويقربها، وقد يكون لازمًا قبل لفظ التورية كما في قول البحتري:
ووراء تسدية الوشاح ملية ... بالحسن تملح في القلوب وتعذب
فلفظ "تملح" يحتمل أن يكون من الملوحة ضد العذوبة، وهذا هو المعنى القريب المورى به، ويحتمل أن يكون من الملاحة وهو الحسن والجمال، وهذا هو المعنى البعيد المورى عنه. وقد تقدم ذكر ملائمي وهو قوله: "ملية بالحسن" أما قوله: "تعذب" فيلائم كلا من الملوحة والملاحة، يلائم الملوحةَ على أنهما ضدان، ويلائم الملاحة على أنهما مترادفان. ومن ذلك قول الشاعر:
قالوا أما في جَلْق نزهة ... تنسيك مَن أنت به مغرًى
يا عاذلي دونك مَن لَحظه ... سهمًا ومن عارضه سطرَا
стр. 418
فالمعنى البعيد المورى عنه لكل من السهم والسطر هو الموضعان المشهوران بمنتزهات دمشق، وقد ذُكرت النزهة بجلق قبلهما وهي من ملاءمات هذا المعنى، أما المعنى القريب المورى به فهو "سهم اللحظ" و"سطر عارض" وهما غير مرادين. ومن ذلك أيضًا قول الشاعر:
أَمَوْلانا ضياء الدين قل لي ... وعِشْ فبقاء مولانا بقائي
فلولا أنت ما أغنيت شيئًا ... وما يغني السراج بلا ضياء
ففي لفظي "السراج" و"ضياء" تورية مبينة إذ معناهما القريب المصباح الذي يُستخدم في الإضاءة، والضوء الذي يبدد الظلام، ومعناهما البعيد اسم الشاعر واسم الممدوح، وقد ذكر قبل اللفظين ما يلائم هذا المعنى البعيد وهو قوله: "مولانا ضياء الدين"، "لولا أنت ما أغنيت شيئًا". وقد يذكر لازم المورَّى عنه بعد لفظ التورية كما في قول الشاعر:
أرى ذَنَب السرحان في الأفق طالعا ... فهل ممكن أن الغزالة تطلع
فالبيت به توريتان مبينتان وهما في: "ذنب السرحان" وفي "الغزالة". إذ المعنى القريب لذنب السرحان ذنب الحيوان المعروف وهو الذئب، وللغزالة الظبي، والمعنى البعيد المورى عنه للأول ضوء النهار وقد ذكر بعده ما يلائمه، وهو قوله: "في الأفق طالعا" وللثاني الشمس، وقد قرن بملائمه: "تطلع" فالتورية في الموضعين مبينة، حيث ذكرا بعد كل ما يلائم المعنى البعيد المراد. وجاء ذلك أيضًا في قول ابن سَناء المُلك:
أما والله لولا خوف سُخطك ... لهان علي ما ألقي برهطك
ملكتَ الخافقَيْن فتهت عجبًا ... وليس هما سوى قلبي وقِرطك
стр. 419
فالخافقان معناهما القريب المورى به المشرق والمغرب، ومعناهما البعيد المورى عنه قلبه وقرط حبيبه، وقد بين هذا المعنى بالنص عليه في الشطر الأخير: "وليس هما سوى قلبي وقرطك". ومن التورية المبينة التي ذكر فيها الملائم قبلًا قول القاضي عياض يصف صيفًا باردة:
كأن كانون أهدى من ملابسه ... لشهر تموز ألوانًا من الحُلل
أو الغزالة من طول المدى خَرفت ... فما تُفرق بين الجدي والحمل
ففي ألفاظ: "الغزالة" و"الجدي" و"الحمَل" تورية مبينة، إذ المعنى القريب للغزالة الظبية، وللجدي ولد المعز، والحمل ولد الضأن، والمعنى البعيد للغزالة الشمس، وللجدي برج الجدي وهو برج البرد، وللحمل برج الحمل وهو برج الدفء، وقد ذكر في البيت الأول ما يلائم هذه المعاني البعيدة المورى عنها، وهو إهداء كانون من ملابسه لتموز ألوانًا من الحلل، ومعنى البيتين: أن هذا صيف بارد، وكأن برودته ترجع إلى أن شهر كانون الواقع في زمن البَرْد قد أهدَى لشهر تموز الواقع في زمن الصيف ألوانًا من البرد والسقيع، أو أن الشمس قد خَرفت، فبَدل أن تنزل في برج الدفء وهو برج الحمل، نزلت في برج البرد وهو برج الجدي، وكأنها لم تستطع أن تفرق بين البرجين؛ لتخريفها.
وبعض البلاغيين يرى أن التورية في الغزالة مرشحة؛ لأن خرفت بمعنى قل عقلها تلائم المعنى القريب وهو الظبي، وهذا ليس برأي؛ لأن المعنى قائم على التصوير والتخييل، فإسناد: "خرفت" إلى "الغزالة" استعارة تخييلية -على نحو ما عرفنا في علم البيان- وبعضهم يرى أن: "الغزالة" و"الجدي" و"الحمل" توريات مرشحة، ترشح كل منها الأخرى، وهذا أيضًا ليس برأي؛ لأن ملائم المعنى ولوازم التورية يُشترط فيها ألا تكون ألفاظًا مشتركةً، و"الغزالة" و"الجدي"
стр. 420
و"الحمل" ألفاظ مشتركة بين المعنيين المذكورين لكل منها، وبعضهم يرى غير ذلك، والصواب هو ما ذكرنا. أما التورية المهيئة فهي التي تفتقر إلى ذكر شيء قبلها أو بعدها يهيئها لاحتمال المعنيين، وإلا لم تتهيأ التورية، أو تكون التورية في لفظين أو أكثر، لولا كل منهما لَمَا تهيأت التورية في الآخر. من ذلك قول ابن سناء الملك:
وسَيْرك فينا سيرة عُمرية فروحت ... عن قلب وأفرجت عن كرب
وأظهرت فينا من سَميك سُنةً ... فأظهرت ذاك الفرض من ذلك الندب
فالفرض والندب يحتملان أن يكونا من الأحكام الشرعية، وهذا هو المعنى القريب المورى به، ويحتمل أن يكون الفرض بمعنى العطاء، والندب بمعنى الرجل السريع في قضاء الحوائج، وهذا هو المعنى البعيد المورى عنه. ولولا ذكر لفظ "السنة" لَمَا تهيأت التورية، ولما فُهِمَ من الفرض والندب الحكمان الشرعيان اللذان بهما كانت التورية. من ذلك أيضًا قول ابن الربيع:
لولا التطير بالخلاف وأنهم ... قالوا مريض لا يعود مريضًا
لقضيت نحبي في جَنابك خدمةً ... لأكون مندوبًا قضَى مفروضًا
فالمندوب يحتمل أن يكون اسم مفعول من: نَدَب الميت إذا بكاه، وهذا هو المعنى البعيد المورى عنه، والذي قصده الشاعر، ويحتمل أن يكون أحد الأحكام الشرعية وهو المعنى القريب المورى به، ولولا ذكر المفروض بعده لَمَا تنبه السامع للمعنى القريب للمندوب، ولما كانت هناك تورية، فلفظ: "مفروضًا" قد هيأ هذه التورية. ومن ذلك قول علي في الأشعس بن قيس: "إنه كان يحوك الشَّمال باليمين". فالشمال يحتمل أن يكون جمع شملة، وهو الكِساء يشتمل به، وهذا هو المعنى البعيد، ويحتمل أن يكون اليد الشمال نقيض اليمين، وهذا هو المعنى القريب. وذكر اليمين بعد الشمال هو الذي هيأ لهذه التورية.
стр. 421
من هنا يبدو الفرق بين ما يهيئ للتورية وبين ما يرشحها أو يبينها، فاللفظ الملائم في التورية المرشحة أو المبينة لازمٌ من لوازم المعنى، أو بصيغة أخرى خصوصيةٌ من خصوصياته، فهو لازم خاص، ويشترط فيه -كما أوضحنا- ألا يكون من الألفاظ المشتركة، وهو إما مقو للتورية المرشحة أو مبين للتورية المبينة، ولو لم يذكر هذا الملائم لصحت التورية وظلت موجودةً. أما اللفظ المهيئ فإنه إذا لم يذكر لا تكون التورية أصلًا، ولننظر في قول ابن أبي ربيعة:
أيها المنكح الثريا سهيلًا
فإننا لو غيرنا أحد اللفظين فقلنا: أيها المنكح هندًا سهيلًا، لم تكن هنالك تورية في لفظ سهيل. هذا، وتكمن بلاغة التورية في ثلاثة أمور؛ أولها: أن المعنى البعيد المراد المورى عنه يبدو من خلف المعنى القريب غير المراد في صورة حسنة لطيفة، كما يبدو وجه المرأة الحسناء من وراء البُرقُع. ثانيها: أن المخاطب يدرك من لفظ التورية في بادئ الأمر معناها القريب بسرعة إدراكه قبل البعيد، ولخفاء القرينة فيها، فإذا ما وقف على المعنى البعيد بعد ذلك، وأدركه بالتأمل، وإطالة النظر، كان له وقعه في النفوس وأثره الحسن.
الأمر الثالث: أن التورية تُمكِّن المتكلم من أن يخفي المعاني التي يخشى التصريح بها، فيوري عنها بمعانٍ أخرى تُفهم من لفظ التورية، وبهذا يدفع المحظور مع الصدق، كما رأينا في إجابة أبي بكر ﵁ للسائل عن الرسول ﷺ إذ قال له: "هادٍ يهديني الطريقَ". وكما هو حاصل في إجابة الرسول ﷺ في خروجه لغزوة بدر عندما سأل سائل: مِمَّن أنتم؟ قال له ﷺ : ((من مَاء))، فقد أراد -صلوات الله عليه- أنهم مخلوقون من ماء مَهين، فورَّى عنه بقبيلة من العرب يقال لها: ماء، أو بالعراق؛ لأن ماء اسم من أسمائها.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 422
الدرس: ٢٠ السجع .
стр. 423
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس العشرون
(السجع)
تعريف السجع لغةً واصطلاحًا، والسجع عبر العصور
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ثم أما بعد:
السجع في اللغة: الكلام المقفَّى، أو موالاة الكلام على روي واحد، وجمعه: أسجاع وأساجيع، وهو مأخوذ من سَجع الحمام، وسجع الحمام هو هديله وترجيعه لصوته. وفي اصطلاح البلاغة: تواطؤ الفاصلتين أو الفواصل على حرف واحد، أو على حرفين متقاربين، أو حروف متقاربة. ويقع في الشعر كما يقع في النثر. فمما تواطأت فيه الفواصل على حرف واحد قول الله تعالى: ﴿وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ (الطور: ١ - ٤) إلى آخره. وكذا قوله -جل وعلا: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾ (العاديات: ١ - ٣). ومن التواطؤ على حروف متقاربة: قول الله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ (ص: ٤ - ٧) فالباء والدال والقاف حروف متقاربة. كذا قوله تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ (ق: ١، ٢). فالدال والباء حرفان متقاربان. ومن وقوعه في الشعر قول أبي تمام:
تجلَّى به رشدي وأثرتْ به يدي ... وفاضَ به ثَمْدي وأورَى به زِندي
وقول المتنبي:
فنحن في جذل والروم في وجل ... والبر في شغل والبحر في خجل
جذل: هو الفرح، والوجل: هو الخوف، والمعنى: نحن فرحون بالنصر والروم في خوف من غاراته، والبَر مشتغل بجيش الممدوح، والبحر في خجل من غزارة
стр. 424
كرمه. هذا ويرى بعض البلاغيين كالسكاكي والخطيب: أن السجع لا يكون إلا في النثر، وأنه لا يكون إلا بتواطؤ الفاصلتين أو الفواصل على حرف واحد، فليس منه التواطؤ على حروف متقاربة. يقول الخطيب: "السجع تواطؤ الفاصلتين من النثر على حرف واحد، وهذا معنى قول السكاكي: الأسجاع في النثر كالقوافي في الشعر". ولشراح (التلخيص) كلام حول عبارة السكاكي هذه، وفحوى كلامهم: أن التشبيه لا يصح إلا بحمل كلام السكاكي على أنه أراد بالسجع الفاصلةَ الثانيةَ التي واطأت الأولى، ولا يمكن حمل كلامه على أن المراد بالسجع تواطؤ الفاصلتين؛ لأنه لو كان هذا مراده لَمَا صح التشبيه؛ لأن القافية إما كلمة كما يرى الأخفش، وإما الحرف الثاني في البيت إلى أول متحرك بعد ساكن بينهما، وعلى هذا فإن الثانية قد تتحقق بجزء كلمة، وقد تتحقق بكلمة وجزء أخرى. ومهما يكن من أمر، فالأَولى هو ما ذكرناه؛ لأن السجع قد ورد في الشعر كما ورد في النثر؛ ولأن معظم البلاغيين جعلوا منه التواطؤَ على حروف متقاربة.
هنا تتردد كلمات: الفقرة، والقرينة، والفاصلة، تتردد هذه الكلمات كثيرًا في باب السجع، فينبغي أن نعرف المراد بكل منها، فذلك أن الفاصلة: هي الكلمة الأخيرة من الفقرة أو القرينة، والفقرة أو القرينة بمعنًى واحد وهي الجملة التي تنتهي بالفاصلة، فمثلًا: قول الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ (القمر: ١، ٢) الفاصلة كلمة: ﴿الْقَمَرُ﴾ في الآية الأولى، و ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾ في الآية الثانية، والفقرة أو القرينة هي الآية كلها، كل آية فقرة أو قرينة.
ونحن لو تتبعنا مراحل هذا المصطلح -مصطلح السجع- لرأينا أن السجع مصطلح بلاغي عُرف منذ العصر الجاهلي قبل أن توضع مصطلحات العلوم،
стр. 425
ومنذ معرفته في ذلك العصر -وحتى الآن- ودلالته لم تتغير ولم تتبدل، وعلى الرغم من أن بعض العلماء قد أطلقوا على هذا الأسلوب في القرآن الكريم اسمَ الفواصل بدلًا من السجع، إلا أن دلالته ظلت باقيةً حتى الآن، وكان للسجع منزلة سنية بين العرب في الجاهلية، فلقد كثر في كلامهم، كان يصدر منهم عن طَبْع سليم، وسليقة قوية، وفِطرة واضحة. من ذلك قول أوس بن حارثةَ موصيًا ابنَه: "يا مالك المنية ولا الدنية، والعتاب قبل العقاب، والتجلد لا التبلد، واعلم أن القبر خيرٌ من الفقر، وشر شارب المُشَتَف، وأقبح طاعم المقتف، وذهاب البصر خير من كثير النظر".
ومنه قول قس بن ساعدة الأيادي في سوق عكاظ، وهو مشهور: "أيها الناس، اسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، ليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر". ومنه أيضًا قول عبد المطلب بن هاشم يهنئ سيفَ بن ذي يزن باسترداد مُلكه من الحبشة: "إن الله تعالى أيها الملك أحلك محلًا رفيعًا صعبًا منيعًا، باذخًا -يعني: عاليًا- شامخًا، وأنبتك منبتًا طابت أرومته، وعزت جرثومته -جرثومة والأرومة هي الأصل- وثبت أصله وبسق فرعه في أكرم معدن وأطيب موطن". وإلى جانب هذا السجع الفطري وُجِدَ نوع آخر من السجع المتكلف، وهو سجع الكهان، كقول سُطيح بن مازن وهو من كهان العرب، في تعبير رؤيا ربيعة بن نصر اللخمي أحد ملوك اليمن: "أحلف بما بين الحَرتين من حنش، ليهبطن أرضَكم الحبش، وليمكنن ما بين أبينَ إلى جرش". وقول شق أنمار من كهان العرب في تعبير تلك الرؤيا: "أحلف بما بين الحرتين من إنسان، لينزلن أرضكم السودان، وليغلبن على كل طَفلة البَنان، وليملكن إلى ما بين أبينَ ونجران".
следующие страницы →